← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 261–300 · переход к 266.

стр. 261

وهو أصحُّ الأقوالِ. عن أبي هريرةَ، قالَ: " بَعثَ رسولُ اللهِ ﷺ عمرَ على الصَّدقةِ، فقيلَ: منَعَ ابنُ جَميلٍ، وخالدُ بنُ الوَليد، والعبّاس عم رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ما يَنْقِمُ ابنُ جَميلٍ إلا أن كانَ فقيراً فأغْناهُ اللهُ، وأمّا خالدٌ، فإنّكُم تَظلمونَ خالداً وقد احتبسَ أدْراعَهُ وأعْتادَهُ في سبيلِ اللهِ، وأمّا العباسُ فهي عليَّ ومثْلُها معَها، ثمّ قالَ: يا عمرُ أمَا شَعرتَ أنَّ عمَّ الرّجُلِ صِنْو أبيهِ " (٧)، أخرَجاهُ. فقيلَ معنى قوْلِهِ: " فَهي عليَّ ومِثْلُها " أنّهُ ﵇ كان اسْتَسلفَ زكاةَ العبّاسِ، ويَعضِدُهُ ما رَوى حُجَيَّةُ بنُ عدِيٍّ عن عليٍّ: " أنَّ العبّاسَ سألَ رسولَ اللهِ ﷺ في تعجيلِ صدَقتِهِ فرخَّصَ لهُ في ذلك " (٨)، رواه أحمد، وأبو داود، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ من حديثِ حَجّاجِ بنِ دينارٍ الأشْجَعيِّ وهو ثقةٌ عند الجمهورِ، وقالَ أبو حاتمٍ: لا يُحتجُّ بهِ عن الحَكمِ بنِ عُتَيْبةَ عن حجَيَّةَ، قالَ أبو داود: ورَواهُ هُشَيْمٌ عن مَنصورِ بنِ زَاذانَ عن الحَكمِ عن الحسَنِ بنِ مسلمٍ يَعني مُرْسَلاً، وهو أصحُّ، وكذا قالَ الدارَقُطنيُّ، وقالَ أبو حاتمٍ: حُجَيَّةُ بنُ عَدِيٍّ لا يُحتجُّ بهِ، وهو شبْهُ المجهولِ، وقال عليُّ بنُ المَديني: ما علمتُ أحداً رَوى عنهُ غيرَ سَلَمَةَ يعني ابنَ كُهَيْلٍ، قلتُ: بلْ قد رَوى عنهُ أيضاً الحَكمُ بنُ عُتَيْبةَ كما تقدَّمَ، وأبو إسْحاقَ السَّبيعيّ، وهؤلاء ثلاثةٌ كِبارٌ، فكيفَ يكونُ شِبْهَ المجهولِ، على أنَّ الترمِذِيَّ رواهُ من وجهٍ آخرَ عن إسْرائيلَ عن الحكَمِ بنِ جَحْلٍ عن حُجْرٍ العَدَوِيِّ عن عليٍّ مرفوعاً: فذكَرَهُ. ورَواهُ الدارَقُطنيُّ من حديثِ طَلْحةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، وابنِ عباسٍ، ولا يَصحّان. ولهذا قالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ: ويُرْوَى أنَّ النبيَّ ﷺ استَلفَ صدَقةَ مالِ

стр. 262

العباسِ قبلَ أن تحِلَّ، ولا أدري أيثبُتُ أمْ لا؟ عن أنَسٍ: " أنَّ رجلاً قالَ لرسولِ اللهِ ﷺ ، إذا أدَّيتُ الزّكاةَ إلى رسولِكَ، فقد بَرِئْتُ منها إلى اللهِ ورسولِهِ؟ قالَ: نعَمْ، إذا أدَّيْتَها إلى رسولي، فقد بَرِئْتَ إلى اللهِ ورسولِهِ، فلكَ أجْرُها وإثْمُها على مَنْ بدَّلَها " (٩)، رواهُ الإمامُ أحمدُ. وعن سُهَيْلِ بنِ أبي صالح عن أبيهِ، قالَ: اجتَمع عندي نفَقةٌ فيها صدَقةٌ، فسألتُ سعد بنَ أبي وقّاصٍ، وابنَ عمرَ، وأبا هريرة، وأبا سَعيد الخُدْرِي أن أقْسِمَها، أو أدفعَها إلى السُّلْطانِ؟ فأمروني جميعاً أن أدفعَها إليهم، ما اختلَفَ عليَّ منهُم أحَدٌ، وفي روايةٍ: فقلتُ: " هذا السلطان يَصنعُ ما تَروْنَ، فأدفعُ إليهم زَكاتي؟ قالوا كلّهم: نَعَمْ، فادفَعْها " (١٠)، رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ. ورُويَ عن عائشة: " أنّها كانت تُؤدّي زكاتَها إلى السُّلْطانِ " (١١). عن ابنِ عباسٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لمعاذٍ حينَ بعثَهُ إلى اليَمنِ: " أخبرْهم أنَّ اللهَ افْترَضَ عليهم صدَقةً تُؤْخَذُ من أغنيائِهم فتُرَدّ على فُقرائِهم. . الحديث (١٢)، أخرجاهُ، يُسْتدَلُّ بهِ على الصحيحِ من القولينِ أنّهُ لا يجوزُ نقلُ الزّكاةِ من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وأنّها لا تُجزيء. وقالَ الشافعيُّ: رُويَ أنَّ طاووساً قالَ: " إنَّ معاذاً قالَ لبعضِ أهلِ اليَمنِ: ائْتوني بعَرْضِ ثيابٍ آخذها منكُمْ مكانَ الشَّعيرِ والحنْطةِ، فإنّهُ أهْوَنُ عَليكُم، وخيرٌ للمهاجرين بالمَدينةِ "، وأنكرَهُ أشدَّ الإنكارِ، وتأوّلَهُ على أنّهُ كانَ يأخذُ بدلَ الجزْيةِ حِنْطةً أو شَعيراً، ثمَّ يأخذُ بدلَهُ ثياباً أخفَّ عليهِ في الحمْلِ، وكذا تأوَّلَ ما رُويَ أنّ عَديَّ بنَ حاتمٍ بَعث صدَقاتِ قومهِ إلى الصّدّيق بالمدينةِ، على أنها كانتْ أقربَ البلادِ إليهم، قالَ: ولمْ يَبْلُغْنا عن الصّدّيقِ في ذلك شيءٌ.

стр. 263

قالَ ﵇: " الأعمالُ بالنِّيّياتِ ". عن أنسٍ، قالَ: " غدَوْتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بعبدِ اللهِ بنِ أبي طَلْحَةَ لَيُحَنّكَهُ، فوافَيْتُهُ في يدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبلَ الصّدَقةِ " (١٣)، أخرجاهُ. ولأحمدَ، وابنِ ماجَةَ عنهُ: " دخَلتُ على النبيِّ ﷺ وهو يَسِمُ غَنماً في آذانِها " (١٤). وقالَ الشافعيُّ: أخبرَنا مالكٌ عن زيْد بنِ أسلَمَ عن أبيهِ: " أَنَّهُ قالَ لعمرَ بنِ الخطابِ: إنَّ في الظهْرِ ناقَةً عمياءَ، فقال: أمن نَعمِ الجزيةِ، أمْ مِن نَعمِ الصَّدَقةِ؟ فقالَ أسْلمُ: من نعَمِ الجزيةِ، وقالَ: إنَّ علَيْها مِيسَمَ الجزيةِ " (١٥). قالَ الشافعيُّ: وهذا يدُلُّ على أنَّ عمرَ كانَ يَسِمُ وَسْمينِ: وسْمَ جزيةٍ، ووسْمَ صَدَقةٍ وبهذا نقولُ. قالَ اللهُ تعالى: " إنّما الصَّدقَاتُ للفُقَراءِ والمَساكينِ والعاملينَ عليها والمُؤلَّفةِ قُلوبُهُم وفي الرِّقابِ والغارِمين وفي سبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ فريضَةً مِن اللهِ واللهُ عليمٌ حكيمٌ ". عن زِيادِ بنِ الحارثِ الصُّدائيِّ، قالَ: " أتيْتُ النبيَّ ﷺ فبايَعْتُهُ، فأتاهُ رجُلٌ، فقالَ: أعْطِني من الصّدقةِ، فقال له: إنَّ اللهَ لَمْ يَرضَ بحُكمِ نبيٍّ ولا غيرهِ في الصَّدقاتِ حتى حَكَمَ فيها، فجزَّأها ثمانية أصنافٍ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطَيتُكَ " (١٦)، رواهُ أبو داود، وهو حديثٌ لهُ مُناسبةٌ بالآيةِ، وإن كانَ فيهِ ضعفٌ من جهةِ عبدِ الرحمنِ بنِ زِيادِ بنِ أنْعُمَ الإفْريقيِّ. ولنتكلّم على كلِّ صِنْفٍ صنْفٍ كما رَتَّبهُم المُصَنِّفُ فنقولَ: أولّها: العاملُ. عن عبدِ المُطَّلبِ بنِ رَبيعةَ بنِ الحارثِ، قالَ: " انْطَلَقْتُ أنا والفضلُ بنُ عبّاسٍ إلى

стр. 264

رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو يومَئذٍ عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، فقال أحدُنا: يا رسولَ اللهِ أنت أبرُّ الناسِ، وأوصلُ الناسِ، وقد بَلَغْنا النِّكاحَ، فجئْنا لتُؤَمِّرنا على بعضِ هذهِ الصّدقاتِ، فنُؤدّيَ إليك ما يُؤدّي الناسُ، ونُصيبُ كما يُصيبونَ، فسكَتَ طويلاً حتى أردنا أن نُكلمَهُ، قالَ: وجعَلتْ زينبُ تُلمِعُ إلينا من وراءِ الحجابِ أن لا تُكلّماهُ، قالَ: ثمَّ قالَ: إنّ الصّدقة لا تحلُّ لمحمدٍ، ولا لآلِ محمدٍ، إنّما هي أوساخُ النّاسِ " (١٧)، مختصر من مُسلم. الثاني: " الفقراءُ ". عن ابنِ عَمْرو، قالَ: قالَ رسول اللهِ ﷺ : " لا تحِلُّ الصّدَقةُ لِغَنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ " (١٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والترمِذِيُّ. وعن أبي هريرةَ: " مِثْلُهُ " (١٩)، رواهُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَةَ، وسيأتي. عن قبيصَةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: " لا تحِلُّ الصّدقةُ إلا لثلاثةٍ، قالَ: ولرجُلٍ أصابتْهُ فاقَةٌ، حتى يقومَ ثلاثةٌ من ذَوي الحِجَى من قومِهِ: لقَدْ أصاتْ فُلاناً فاقةٌ. . الحديث " (٢٠)، رواهُ مُسلمٌ، وهذا محمولٌ على مَنْ عُرِفَ بالغِنى، ثمَّ ادّعى الفقرَ، فإنّهُ لا يُقْبَلُ منهُ إلا ببَيِّنَةٍ. الثالث: المَساكينُ: عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: ليسَ المِسكينُ بهذا الطّوّافِ الذي يَطوفُ على الناسِ فتَرُدّهُ اللقْمةُ والّلقْمتان، والتمرةُ، والتمرتان، قالوا: فما المسكينُ، يا رسولَ اللهِ؟ قال: الذي يَجدُ غِنَىً يُغْنيهِ، ولا يُفْطَنُ لهُ فَيُتَصدَّقُ عليهِ، ولا يَسألُ الناسَ شيئاً " (٢١)، أخرجاهُ.

стр. 265

عن عُبيْدِ اللهِ بن عدِيٍّ بنِ الخَيارِ: " أنَّ رجلين أخبرَاه أنّهما أتيا النبيَّ ﷺ يسألانه من الصّدقَةِ، فقَلّبَ فيهما البَصرَ، فرآهما جَلْدينِ، فقالَ: إن شئْتُما أعطَيْتُكُما، ولا حظَّ فيها لِغَنيّ، ولا لقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ " (٢٢)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والنَّسائيّ، وإسنادُهُ على شرطهما، وقالَ الإمامُ أحمدُ: هذا أجودُهما إسْناداً، فيهِ دلالةٌ على قبولِ قولِهِ: أنّهُ لا كسْبَ لهُ، من غيرِ يَمينٍ، وإن كانَ قَوِيّاً، ويُؤَيّدُهُ حديثُ الحسَنِ بنِ عليّ بنِ أبي طالبٍ ﵄، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " للسائلِ حقٌّ، وإن جاءَ على فرَسٍ " (٢٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وإن كانَ إسنادُهُ ليسَ بذاكَ. الرابعُ: المُؤَلَّفَةُ: عن أبي سعيد: " أنَّ عليّاً بعَثَ إلى النبيِّ ﷺ بذُهَيْبة في تربتها من اليَمنِ، فقَسمَها رسولُ اللهِ ﷺ بينَ أربعةِ نفَرٍ: الأقْرَع بنِ حابسٍ، وعُيَيْنةَ بنِ بَدْرٍ، وعلْقَمةَ بن عُلانةَ، وزيدِ الخيْرِ، وقال: أتألَّفهُم. . الحديث " (٢٤)، أخرجاهُ، فإن كان هذا الذّهبُ من زكاةٍ، ففيه دلالةٌ على جواز نقلِ الزّكاة وإجزائِها، وهو أحدُ القَولينِ، وعلى أنّهُ يجوزُ للإمامِ صَرْفُ زكاةٍ مُعَيَّنةٍ إلى بعض الأصناف، هذا إن لمْ يكنْ كانَ معَ الذّهبِ شيءٌ آخرُ من مالِ الزّكاةِ، وكثيرٌ من المُصَنِّفينَ في الأحكام يَذكُرُ في فَصلِ المؤَلَّفةِ حديثَ رافعِ بنِ حَديجٍ " (٢٥)، وعبدِ الله بنِ زَيْدٍ المازني (٢٦): أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أعطى المُؤَلَّفةَ قلوبُهم يومَ حُنَيْنٍ مائةً من الإبلِ، مائةً من الإبلِ، وكلا الحديثين عندَ مسلم، وهذا عجَبٌ منْهم فإنَّ الإبلَ التي أعطاهمْ منها هيَ من غَنائِمِ حُنَيْنٍ، لَيْستْ من أموالِ الزّكاةِ، فكيفَ يُستَدَلُّ بهِ على إعطاءِ المُؤَلَّفَةِ من الزَّكاةِ، وأقْرَبُ من ذلكَ حديثُ سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ: " أنَّ النبيَّ ﷺ وَدَى عبدَاللهِ بنَ سَهْلٍ بمائةٍ من إبلِ الصّدَقَةِ " (٢٧)، أخرجاهُ.

стр. 266

والذي يظهرُ أنّهُ ﵇ تألّفَ قلوبَهم لمّا أُصيبوا بقتيلهِم، وقولُ من تأوَّلَ ذلكَ، بأنَّهُ اشتراها من إبلِ الصَّدقةِ فيهِ بُعْدٌ. الخامسُ: الرِّقابُ: عن أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " ثلاثةٌ حقٌّ على الله عوْنُهم: الغازي في سبيلِ اللهِ، والمُكاتَبُ الذي يُريدُ الأداءَ، والناكِحُ المُتَعَفِّفُ " (٢٨)، رواهُ أحمدُ، والترمِذِيُّ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَةَ. وعن البَراءِ، قالَ: " جاءَ رجلٌ إلى النّبيِّ ﷺ ، فقالَ: دُلَّني على عَملٍ يُقرِّبُني من الجنّةِ، ويُباعدُني من النّارِ، فقالَ: أعْتِق النَّسَمةَ، وفُكَّ الرَّقَبَةَ، فقالَ: يا رسولَ الله: أوَلَيْستا واحداً؟ قالَ: لا، عِتْقُ الرَّقَبَةِ، أن تَنْفرِدَ بعتْقِها، وفَكُّ الرَّقَبةِ، أن تُعينَ في عِتْقِها " (٢٩)، رواهُ أحمدُ. السادسُ: الغارمونَ: عن قَبيصَةَ بنِ مُخارقٍ الهِلاليّ، قالَ: " تحمَّلْتُ حَمالةً، فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ أسألهُ فيها، فقالَ: أقِمْ حتى تأتيَنا الصّدقةُ فنأْمرَ لكَ بها، قالَ: ثمَّ قال: يا قَبيصةُ إنّ المسألةَ لا تحِلُّ إلا لأحدِ ثَلاثةٍ: رجلٍ تحمَّلَ حَمالةً فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتى يُصيبَها ثمّ يُمسكَ، ورجلٍ أصابتْهُ جائحةٌ اجتاحَتْ مالَهُ، فحلّتْ لهُ المسألةُ حتى يُصيبَ قِواماً من عيشٍ أو قالَ: سِداداً من عيشٍ، ورجلٍ أصابتْهُ فاقَةٌ حتى يقومَ ثلاثة من ذوي الحِجى من قومِهِ: لقد أصابَتْ فُلاناً فاقَةٌ، فحلَّتْ لهُ المسألةُ حتى يُصيبَ قِواماً من عيشٍ، أو قالَ: سِداداً من عيشٍ، فما سِواهُنَّ من المسألةِ يا قَبيصةُ سُحْتٌ يأكلْها صاحبُها سُحْتاً " (٣٠)، رواهُ مُسلم. عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ عن أبي سَعيدٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تَحِلُّ الصّدقةُ لغَنيٍّ إلاّ لَخَمْسةٍ: العاملِ علَيْها، أو رجلٍ اشْتراها بمالِهِ، أو غارمٍ، أو غازٍ في سبيلِ

стр. 267

اللهِ، أو مسكينٍ تُصُدِّقَ عليهِ منها، فأهدى لغنيٍّ " (٣١)، رواهُ أبو داود، وابنُ ماجَةَ من حديث مَعْمَرٍ عن زيدِ بنِ أسْلَمَ عن عطاءٍ كذلكَ، ثمَّ رواهُ أبو داود عن القَعْنَبيِّ عن مالكٍ عن زيدٍ عن عطاءٍ مُرْسَلاً، قلتُ: وكذا رواهُ السُّفيانان عن زيدٍ مُرْسَلاً. فهذا دَليلُ ظاهرِ المَذهبِ أنَّ مَنْ غَرِمَ لإصلاحِ ذاتِ البينِ يُدفَعُ إليهِ معَ الغِنى، فأمّا مَنْ غَرِمَ لمصلحةِ نفسِهِ: فَعن أبي سعيدٍ، قالَ: " أُصيبَ رجلٌ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ في ثمارٍ ابتاعَها، فكثُرَ دينُهُ، فقالَ النبيُّ ﷺ : تصدّقوا عليهِ، فتصَدَّقَ الناسُ عليهِ، فلمْ يبلغْ ذلكَ وفاءَ دينهِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ لغُرمائِهِ: خُذوا ما وجدْتُمْ، وليسَ لكم إلا ذلكَ " (٣٢)، رواهُ مُسلم، هكذا يَذكرُهُ المُصَنِّفون، وهذهِ واقعةُ عينٍ، ولعلَّ هذه الصّدقةَ صَدَقةُ تَطَوّعٍ. السابعُ والثامنُ: في سبيلِ الله، وابن السَّبيلِ: تقدّمَ في حديثِ أبي سَعيدٍ آنِفاً: " لا تَحِلُّ الصّدقةُ لغنيٍّ إلا لخمْسةٍ: فذكَرَ فيهم: " أو غازٍ في سبيلِ اللهِ ". وعن عَطيَّةَ العَوْفي عن أبي سَعيدٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تحِلُّ الصّدقةُ لغنيٍّ إلاّ في سَبيلِ اللهِ، وابنِ السَّبيلِ، أو جارٍ فَقيرٍ فيَهدي لكَ أو يَدعوكَ " (٣٣)، رواهُ أبو داود، وعَطيَّةُ فيهِ ضَعفٌ، إلا أنّهُ كالشاهدِ لحديث عَطاءٍ عن أبي سَعيد في رفْعِه. عن سَلْمانَ بن عامرٍ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " الصَّدقةُ على المِسْكينِ صدَقَةٌ، وعلى ذي الرَّحمِ اثْنَتانِ: صَدَقةٌ وصِلةٌ " (٣٤)، رواهُ أحمدُ، والترمِذِيُّ، والنَّسائيُّ، وقالَ البَيهقيُّ: رُوِّينا عن عليٍّ: أنّهُ قالَ: " ليسَ لوَلدٍ، ولا لوالِدٍ حقٌّ في صدَقةٍ مَفروضةٍ " (٣٥).

стр. 268

تقدّمَ قولُهُ ﵇ لمعاذٍ: " فإنْ هم أطاعوكَ فأعْلِمهم أنّ اللهَ افترَضَ عليهم صدقةً تُؤْخَذُ من أغنيائِهم فتُرَدُّ على فقرائِهم "، يُستَدلُّ بهِ على أنَّ الكافِر لا يجوز صَرفُ الصّدقةِ إليْهِ. تقدَّمَ قولُهُ أيضاً: " إنّ الصَّدقةَ لا تَحِلُّ لمحمدٍ، ولا لآلِ محمدٍ ". وعن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، قالَ: " مَشيتُ أنا وعثمانُ إلى النبيِّ ﷺ ، فقُلنا: يا رسولَ اللهِ: أعطيتَ بَني المُطَّلبِ مِن خُمْسِ خَيْبَرَ وترَكتنا، ونحنُ وهمْ منكَ بمَنْزلةٍ واحدةٍ؟ فقالَ: إنّما بَنو هاشمٍ وبنو المُطّلبِ شيءٌ واحدٌ " (٣٦)، رواهُ مُسلمٌ. عن أبي رافعٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ بعثَ رجلاً على الصَّدقةِ من بَني مخْزومٍ، فقالَ لأبي رافعٍ: اصْحَبْني فإنّكَ تُصيبُ منّي، فقالَ: حتى آتيَ النبيَّ ﷺ فأسْألَهُ، فأتاهُ فسألَهُ، فقالَ: مَوْلى القومِ من أنفسهم، وإنّا لا تحِلُّ لنا الصَّدقَةُ " (٣٧)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وهذا لفظُهُ، والترمِذِيُّ وصحَّحهُ. قلتُ: وإسْنادُهُ على شرْطِهما، وهوَ دليلٌ على أنّهُ لا يجوزُ الدفعُ إلى مَوْلى بَني هاشمٍ وبني المُطَّلبِ، وهو الذي صحَّحهُ النَّواويُّ، وإن كانَ الشيخُ قد ضَعَّفَهُ.

стр. 269

٨ - بابُ: صدَقَةِ التَطَوّعِ عن أبي هريرةَ، قال: " جاء رجلٌ فقال: يا رسول اللهِ أيُّ الصّدقةِ أعظمُ أجراً؟ قالَ: أن تصَدَّقَ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ تَخشى الفَقرَ، وتأمَلُ الغِنى، ولا تُمهلْ حتى إذا بلَغَتِ الحُلْقومَ، قُلتَ: لفلانٍ كذا، ولفُلانٍ كذا، وقد كانَ لفلانٍ " (١)، أخرجاهُ. عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ أجودَ النّاسِ، وكانَ أجودُ ما يكونُ في رمضانَ " (٢)، أخرجاهُ. وعن أنَسٍ، قالَ: " سُئلَ رسولُ اللهِ ﷺ : أيُّ الصَّدقةِ أفضلُ؟ قال: صدَقةٌ في رَمضان " (٣)، رواهُ الترمِذيُّ، وقال: حديثٌ غريبٌ، وصَدَقةُ بنُ موسى ليسَ عندَهم بذاك القَويِّ. عن أبي أُمامةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " يا ابنَ آدمَ إنّكَ أن تَبْذِلَ خيرٌ لكَ، وأن تُمسكَهُ شرٌّ لكَ، ولا تُلامُ على كفافٍ، وابدأ بمَنْ تعولُ، واليدُ العُلْيا خيرٌ من اليَدِ السُّفلى " (٤)، رواهُ مُسلمٌ. عن كعْبِ بنِ مالكٍ، قالَ: " قلتُ: يا رسولَ الله إنَّ من تَوْبتي أن أنخلعَ من مالي صدَقةً إلى الله ورسولِهِ؟ فقالَ: أمْسِكْ عليكَ بعضَ مالِكَ، فهو خيرٌ لكَ " (٥)، أخرجاهُ.

стр. 270

وعن جابرٍ، قالَ: " كُنّا عند النبيّ ﷺ إذ جاءَ رجلٌ بمثلِ بيضةٍ من ذهبٍ، فقالَ: أصبْت هذهِ من مَعْدنٍ فَخذْها منّي صدَقةً، ما أملكُ غيرَها، فأعرضَ عنهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم أتاهُ من قِبلِ ركْنِهِ الأيمن، فقال مثْلَ ذلك، فأعرضَ عنهُ، ثمَّ أتاهُ من قِبَلِ رُكنِهِ الأيسرِ، فأعرضَ عنهُ، ثمَّ أتاهُ من خَلْفِهِ، فأخَذَها رسولُ اللهِ ﷺ فحذفَهُ بِها، فلو أصابَتْهُ لأوْجَعتْهُ، أو لعَقَرَتْهُ، وقال: يأْتي أحدُكُم بما يَملكُ، فيقولُ: هذهِ صَدَقةٌ، ثمَّ يَقعدُ يَستَكِفُّ النّاسَ، خيرُ الصَّدقةِ ما كانَ عن ظَهرِ غِنَىً " (٦)، رواهُ أبو داود، وهذا فيمن لا يَصبرُ على الإضافةِ، أو يذهبُ يَستكِفُّ الناسَ، أي يَسألُهُم، فأمّا مَنْ حالُهُ ليسَ كذلكَ، كالصّدّيقِ ﵁ حيثُ تصَدَّقَ بجميعِ مالِهِ، فقال لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : " ما أبْقيتَ لأهلِكَ؟ قال: أبْقيْتُ لهُمُ اللهَ ورسولَهُ " (٧)، فإنّهُ يجوزُ لهُ مِثْلُ ذلكَ، وهذا الحديثُ رواهُ أبو داود والترمِذِيُّ، وصَحَّحهُ.

стр. 271

عن ابن عمرَ، قالَ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " إذا رأيتموهُ فَصوموا، وإذا رأيتموهُ فأفْطِروا، فإن غُمَّ عليكُمْ، فاقْدُروا لهُ " (٦)، أخرجاهُ. وفي لفظِ البخاري: " لا تَصُوموا حتى تَروا الهِلالَ، ولا تُفطِروا حتى تَرَوْهُ، فإن غُمَّ عَليْكُم، فاقْدُروا لهُ " (٧). وعن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ ﷺ : " صوموا لِرُؤْيتهِ، وأفطِروا لِرُؤيتهِ، فإن غُمَّ عَليْكُم، فأكمِلوا عِدَّة شَعبانَ ثَلاثينَ " (٨)، رواهُ البخاريُّ. عن أبي وائلٍ، قالَ: " أتانا كتابُ عمرَ ونحنُ بخانَقينَ " إنَّ الأهِلّةَ بعضُها أكبرُ من بعضٍ، فإذا رأيتمُ الهلالَ نَهاراً، فلا تُفْطِروا، ولكنْ تُمْسِكوا إلا أن يشهدَ رجلان مُسلمانِ أنّهما أهَلاّهُ بالأمسِ " (٩)، رواهُ الدارَقُطنيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. وقد رَوى البَيهقيُّ عن عائشةَ نحوَهُ (١٠) مرفوعاً، ولكنْ في إسْنادِهِ محمدُ بنُ عمرَ الواقِديُّ وهو ضَعيفٌ. وقالَ الشافعيُّ: حدّثنا مالكٌ، قالَ: " بَلَغني أنَّ الهِلالَ رُؤيَ في زمانِ عثمانَ بالعَشيِّ، فلمْ يُفْطِروا حتّى غابتِ الشمسُ " (١١). عن سِماكِ بنِ حَرْبٍ عن عِكْرِمةَ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " جاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: إنّي رأيتُ الهِلالَ، يَعني رمضانَ، فقالَ: أتشهدُ أن لا إلهَ إلا الله؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أتشهدُ أنّ محمداً رسولُ الله؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: يا بِلالُ أذِّنْ في النّاسِ

стр. 272

٥ - كتابُ الصِّيامِ قالَ اللهُ تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كُتبَ عليكم الصيام كما كُتِبَ على الذين من قَبلِكم لعلّكم تتقون "، إلى أن قال: " شهرُ رمضانَ الذي أُنْزل فيهِ القرآن هُدىً للناسِ وبيناتٍ من الهُدى والفُرقان، فمَنْ شَهِدَ منكم الشهرَ فليصمه. . " الآية. والأحاديثُ في ذلكَ كثيرةٌ منها: حديثُ ابنِ عمرَ: " بُنيَ الإسلامُ على خَمْس، فذكَرَ منها الصّيامَ " (١). وقد تقدّمَ. وتقدّمَ حديثُ: " رُفعَ القلمُ عن ثَلاثةٍ " (٢) في كتابِ الصّلاةِ. عن سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ، قالَ: " لما أنزَلَ اللهُ: " وعلى الذينَ يُطيقونَهُ فِدْيةٌ طَعامُ مِسكينٍ "، كانَ من أراد أن يُفطرَ ويَفتديَ حتى أنزَلَ اللهُ التي بعدَها " (٣). أخرجاهُ، يعني قولهُ: " فمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ". وقالَ ابنُ عبّاسٍ: " لَيْستْ مَنسوخةً، هيَ للشيخِ الكبيرِ والمرأةِ الكبيرةِ لا يستطيعانِ أن يَصوما، فَيُطْعِمانِ مَكانَ كلّ يومٍ مِسْكيناً " (٤)، رواهُ البخاريُّ. وحجّةُ القولِ الآخرِ حديثُ عائشةَ: " رُفِعَ القلمُ عن ثَلاثة: عن النائم حتى يَستيقظَ، وعن الصَّغيرِ حتى يكبُرَ، وعن المُبْتَلي حتى يَبْرأ " (٥)، رواهُ أبو داود. وفي حديثِ عليٍّ: " وعن الخَرِفِ "، ولكن قصَارى هذا أنهُ لمْ يُذكَر فيهِ الفِدْيةُ، وقد بيَّنَ ذلكَ ابنُ عباسٍ.

стр. 273

فلْيَصوموا غداً " (١٢)، رواهُ أهلُ السُّننِ، ولفظُهُ لأبي داود، وقالَ: رواهُ جَماعةٌ عن سِماكٍ بنِ حَرْبٍ عن عِكْرِمَةَ مُرْسَلاً، وقالَ الترمِذِيُّ: رواهُ الثَّوريُّ وغيرُهُ عن سِماك عن عِكْرِمَةَ مُرْسَلاً، قالَ النَّسائيُّ: وهو أولى بالصَّواب، قالَ: وسِماكُ بنُ حَرْبٍ كانَ يَتَلَقَّنُ، وإذا انفردَ بأصلٍ لمْ يكنْ حُجّةً. وعن ابنِ عمرَ، قالَ: " تَراءى الناسُ الهِلالَ، فأخْبرتُ رسولَ اللهِ ﷺ إني رأيتهُ، فَصامَ وأمرَ الناسَ بصيامِهِ " (١٣)، رواهُ أبو داود، والدارَقُطنيُّ، وقالَ: تفرَّدَ بهِ مَرْوانُ بنُ محمدٍ عن ابنِ وَهْبٍ وهو ثِقةٌ. عن ابنِ عمرَ في حديثٍ، قالَ: " أمرَنا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ وسَلّمَ أن نَنْسُكَ لِرُؤْيتهِ، فإن لمْ نرَهُ، وشهِدَ شاهِدا عَدْلٍ نَسَكْنا بشهادتيهما " (١٤)، رواهُ أبو داود، والدارَقُطنيُّ، وقالَ: إسْنادٌ مُتَّصِلٌ. وعن رِبْعي بنِ حِراشٍ عن رجلٍ من أصحاب النبيّ ﷺ ، قال: " اختلفَ الناسُ في آخرِ يومٍ من رَمضانَ، فقدِمَ أعرابيّان فَشهِدا عندَ النبيِّ ﷺ باللهِ لأهَلاّ الهِلالَ أمسِ عَشيَّةً، فأمرَ النبيُّ ﷺ النّاسَ أن يُفْطِروا، وأنْ يَغْدوا إلى مُصَلاّهُم " (١٥)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وهذا لَفْظُهُ. وعن أبي عُميْرِ بنِ أنسٍ عن عُمومتِهِ من الأنصار: " نحوَ ذلكَ " (١٦)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَةَ. وعن ابنِ عُمرَ، وابنِ عبّاسٍ، قالَا: " إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أجازَ شهادةَ رجلٍ واحدٍ على رُؤْيَةِ هلالِ رَمَضانَ، وكانَ لا يُجيزُ شهادةَ الإفْطارِ إلا بِشاهدينِ " (١٧)، رواهُ

стр. 274

الدارَقُطنيُّ من حديثِ حَفْصِ بنِ عُمرَ الأُبُلّيّ وهو ضَعيفٌ جداً. احتجَّ بقولِهِ ﵇: " صوموا لِرُؤْيتهِ، وأفطِروا لرُؤْيتهِ "، على أنَّ مَنْ رأى هِلالَ شوّالٍ، وحدَهُ يُفطرُ سِرّاً، فأمّا حديثٌ عن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الفِطْرُ يومَ يُفطرُ الناسُ، والأضحى يومَ يُضحي النّاسُ " (١٨)، فَرواهُ الترمِذِيُّ بإسْنادٍ على شَرْطِ مسلمٍ، وقال: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ من هذا الوجهِ، فهو مُشكلٌ، وكذا حديثُ أبي هريرةَ المرفوعُ الذي فيه: " الصومُ يوم تَصومونَ، والفِطرُ يوم تُفطرونَ، والأضحى يومَ تُضَحّونَ " (١٩)، وقد رواهُ أبو داود، والترمِذِيُّ، وقالَ: حسَن غريبٌ، وابنُ ماجةَ، وليسَ عندَهُ " في الصوم "، كلٌّ منهم رَواهُ من طريق عنهُ، فهو حديثٌ صحيحٌ إن شاءَ اللهُ. عن ابنِ عمرَ عن حفْصَةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " مَنْ لمْ يُجمعِ الصّيامَ قَبلَ الفجرِ، فَلا صِيامَ لهُ " (٢٠)، رَواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، ورُويَ مَوْقوفاً على حَفْصةَ، قالَ أبو حاتمٍ: وهو عندي أشْبَهُ. ورُويَ موقوفاً على ابنِ عمرَ، قالَ الترمِذِيُّ: وهو أصحُّ، وقال النَّسائيُّ: الصّوابُ في هذا أنهُ موقوفٌ، ولم يصحَّ رفْعُهُ، وقال الإمامُ أحمدُ: ما لهُ عندي ذاكَ الإسْنادُ، إلا أنهُ عن ابنِ عمر، وحَفْصةَ إسْنادانِ جَيّدانِ. وقالَ مالكٌ عن الزُّهْريِّ عن عائشةَ وحَفْصةَ، قولِهِما، مُرْسَل. وقالَ البيهقيُّ: اخْتُلِفَ على الزُّهريّ في إسْنادِهِ ورفْعهِ، والأشْبَهُ أنّهُ موقوفٌ على ابنِ عمرَ، وحَفْصةَ، وعائشةَ ﵃. وقالَ الدارَقُطنيُّ: تفرَّدَ برفعِهِ عبدُ اللهِ بنُ أبي بكْرٍ، وهو من الثقاتِ الرفَعاءِ يعني عن الزُّهْريّ عن سالمٍ عن أبيهِ عن حَفْصةَ عن النبيِّ ﷺ .

стр. 275

وعن عَمْرَةَ عن عائشةَ مرفوعاً: " من لمْ يُبيِّتِ الصِّيامَ قبلَ الفجرِ، فلا صِيامَ لهُ " (٢١)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، وقالَ: كلُّهم ثِقاتٌ. عن عائشةَ، قالتْ: " دخَلَ عليَّ النبيُّ ﷺ ذاتَ يومٍ، قالَ: هلْ عندَكُم شيءٌ؟ قُلنا: لا، قالَ: فإنّي إذنْ صائمٌ، ثمَّ أتانا يوماً آخرَ، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، أُهديَ لنا حَيْسٌ، فقالَ: أرينيهِ فلقدْ أصبحتُ صائماً، فأكلَ " (٢٢)، رواهُ مسلمٌ. وتقدَّمَ قولُهُ ﵇: " الأعمالُ بالنّيّاتِ ". قال الله سُبحانَهُ: " فَمَنْ شَهدَ مِنكُمُ الشهرَ فليَصُمهُ، ومَنْ كان مَريضاً أو على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيامٍ أُخرَ يُريدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمْ العُسْرَ ". وعن أنسٍ، قالَ: " كُنّا نُسافِرُ معَ النبيِّ ﷺ فلَمْ يَعِبِ الصائمُ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطرُ على الصائِمِ " (٢٣)، أخرجاهُ. عن أبي الدَّرْداءِ، قالَ: " خرَجْنا معَ النبيِّ ﷺ في شهرِ رمَضانَ، في حرٍّ شديدٍ حتّى إن كانَ أحدُنا ليَضَعُ يدَهُ على رأسِهِ من شدّةِ الحرِّ، وما فينا صائمٌ إلا رسولُ اللهِ ﷺ ، وعبدُالله بنُ رَواحةَ " (٢٤)، أخرجاهُ. فيه دلالةٌ على جوازِ الأمرينِ، واستُدلَّ بهِ على فضيلةِ الصِّيامِ للمُطيقِ، لأنّهُ ﵇ فعَلَهُ من بَينهم، فدَلَّ على ذلكَ. وجاءَ في حديثٍ بإسنادٍ رجالُهُ كلُّهم ثقاتٌ عن أنسٍ، قالَ: " سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن الصَّومِ في السَّفرِ، فقالَ: مَنْ أفطرَ فرُخْصةٌ، ومَنْ صامَ، فالصومُ أفْضلُ " (٢٥). فأمّا حديثٌ رواهُ ابنُ ماجَةَ عن عبدِ الرّحمنِ بنِ عَوْفٍ مرفوعاً: " الصائِمُ في السَّفرِ

стр. 276

كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ " (٢٦)، فضعيفٌ لا يَثبتُ إسْنادُهُ، ثمَّ هو موقوفٌ على الصحيحِ كما قالَهُ النَّسائيُّ. عن أنس بنِ مالكٍ القُشَيريِّ الكَعْبيِّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: " إنَّ الله وضعَ عن المُسافرِ الصَّومَ، وشَطرَ الصّلاةِ، وعن الحُبْلى والمُرْضِعِ " (٢٧)، رواهُ أحمدُ، وأصحابُ السُّنَنِ الأربَعةِ. ولابنِ ماجَةَ أيضاً عن أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريّ، قالَ: " رخَّصَ رسولُ اللهِ ﷺ للحُبْلى التي تَخافُ على نفْسِها أن تُفْطِرَ، وللمرضِعِ التي تخافُ على ولدِها " (٢٨)، وفي إسْنادِهِ الرّبيعُ بنُ بَدْر (عُلَيْلَةُ) وهو مَتروكٌ. عن مُعَاذَةَ العَدَوِيَّةِ: " قلتُ لعائشةَ: ما بالُ الحائضِ تَقضي الصومَ ولا تَقضي الصّلاةَ؟ قالَتْ: أحَرورِيَّةٌ أنتِ؟ قلتُ: لَسْت بحرورِيَّةٍ، ولكنّي أسألُ، قالتْ: كانَ يُصيبُنا ذلكَ، فنُؤْمَرُ بقضاءِ الصومِ، ولا نُؤْمَرُ بقضاءِ الصّلاةِ " (٢٩)، أخرجاهُ. عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " يقولُ اللهُ : كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَفُ لَهُ الحَسنَةُ بعشْرِ أمثالِها إلى سَبْعِ مائةِ ضعفٍ، يقولُ اللهُ: إلاّ الصومَ، فإنّهُ لي، وأنا أجزي بهِ، يَدَعُ طعامَهُ وشَرابَهُ من أجلي " (٣٠)، أخرجاهُ. اسْتُدِلَّ بهِ على أنَّ مَنْ أُغمِيَ عليه جميعَ النَّهارِ، أنّهُ لا يصحُّ صومُهُ، إذ لم يوجَدْ منهُ قَصدُ تركِ الطّعامِ والشَّرابِ، وفي هذا نَظَرٌ، لأنَّ هذا موجودٌ في النّائمِ، والمَذْهَبُ صحَّةُ صَوْمِهِ، وفيهِ وجْهٌ غريبٌ جداً.

стр. 277

عن عبد الرّحمنِ بنِ سَلَمةَ عن عمِّهِ: " أنَّ أسْلمَ أتتِ النبيَّ، فقالَ: صُمْتُم يوْمَكم هذا؟ قالوا: لا، قالَ: فأتِمّوا بَقيّةَ يومِكُم، ثمَّ اقْضوا " (٣١)، رواهُ أبو داود. عن أنسِ بنِ مالكٍ القُشَيْريّ الكَعْبيِّ، قالَ: " قَدِمتُ المدينةَ على رسولِ اللهِ ﷺ ، فوجدْتُهُ يتَغَذّى، فقالَ: هلمَّ إليَّ، فقلتُ: إنّي صائِمٌ، فقالَ: إنَّ اللهَ وضعَ عن المسافِرِ الصّومَ وشطْرَ الصّلاةِ " (٣٢)، رواهُ النَّسائيُّ بهذا اللفْظِ وأصلُهُ في السُّنَنِ كلِّها، وهو حديثٌ جيّدٌ. وعن عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيّ، قالَ: " قدِمتُ من سَفرٍ على رسولِ اللهِ ﷺ ، فوجدْتُهُ يتَغَذّى، فقالَ: هلُمَّ، فقلتُ: إني صائمٌ، فذكَرَ مِثْلَهُ " (٣٣)، رواهُ النَّسائيّ أيضاً بهذا اللفْظِ، ففي هذين ما يُستَأنَسُ بهِ على أحدِ الوجهينِ، في أنَّ المسافرَ إذا قدِمَ لا يلزَمُهُ الإتمامُ، وإن كانَ قد صحَّحَ الرافِعيُّ والنَّوَوِيُّ أنّهُ يلْزَمُهُ الإتمامُ. عن أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " مَنْ ذَرَعَهُ القَيءُ، فلَيْسَ عليهِ قَضاءٌ، ومن استقاءَ عمْداً فلْيَقْضِ " (٣٤)، رواهُ أحمدُ، وأصحابُ السُّنَنِ، وقال الترمِذِيُّ: حسَنٌ غَريبٌ، والدارَقُطنيُّ، وقالَ: رواتُهُ ثقاتٌ، والحاكمُ، وقالَ: على شَرْطِهما. قلتُ: لكنْ في إسْنادِهِ اضطرابٌ، لأنّهُ من روايةِ عيسى بنِ يونُسَ عن هشامِ بنِ حَسّانَ عن محمدِ بنِ سِيرينَ عن أبي هريرةَ. قالَ عيسى: زعَمَ أهلُ البَصْرةِ أنَّ هِشاماً أُوهِمَ فيهِ، وقالَ الإمامُ أحمدُ: هذا وَهْمٌ، وأصحُّ شيءٍ في ذلكَ: مالكٌ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، وقالَ البخاريُّ: لا أراهُ محفوظاً.

стр. 278

ورَواهُ النَّسائيُّ أيضاً مَوْقوفاً على أبي هُريرةَ. وعن أبي الدَّرْداءِ: " أنَّ النبيَّ ﷺ قاءَ فأفْطرَ " (٣٥)، رواهُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَةَ، والترمِذِيُّ، وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ نَسيَ وهو صائمٌ، فأكلَ أو شرِبَ، فلْيُتِمَّ صومَهُ، فإنّما أطعمَهُ اللهُ وسَقاهُ " (٣٦)، أخرجاهُ. وعندَ الحاكمِ: " مَنْ أكَلَ في رَمضانَ ناسياً فلا قَضاءَ عليهِ، ولا كفّارةَ " (٣٧)، وقالَ: صحيحٌ على شرْطِ مُسلم، ولمْ يُخرِجاهُ. تقدّمَ حديثُ: " إنّ اللهَ وضعَ عن أُمّتي الخطأ والنِّسْيانَ، وما اسْتُكْرِهوا عَليهِ " (٣٨). وحديثُ لَقيطِ بنِ صَبرةَ: " وبالغْ في الاسْتِنْشاقِ إلا أن تكونَ صائماً " (٣٩). عن أبي هريرةَ، قال: " جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالَ: هلْكتُ يا رسولَ اللهِ، قالَ: وما أهلَكَكَ؟ قالَ: وقَعْتُ على امْرَأتي في رَمَضانَ، قالَ: تجدُ ما تُعْتِقُ رَقَبةً؟ قالَ: لا، قالَ: فَهَلْ تَسْتَطيعُ أن تصومَ شَهْرينِ مُتتابعَيْنِ؟ قالَ: لا، قالَ: فَهلْ تجدُ ما تُطعمُ سِتّين مِسْكيناً؟ قال: لا، قالَ: ثمَّ جلسَ، فأُتيَ النبيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيهِ تمْرٌ، فقال: تصدَّقْ بهذا، قالَ: على أفقرَ منّا، فَما بينَ لابَتَيْها أهلُ بيتٍ أحوجُ إليهِ منّا، فضَحِكَ النبيُّ ﷺ حتّى بدَت أنيابُهُ، ثمَّ قال: اذهبْ فأطعِمْهُ أهلَكَ " (٤٠)، أخرجاهُ. وفي لفْظٍ لهما: " احْتَرَقْتُ " (٤١).

стр. 279

ولمسلمٍ: " وَطِئْتُ امرأتي في رَمضانَ نَهاراً " (٤٢). وفي لفْظٍ: " هَلكْتُ وأهْلَكْتُ " (٤٣)، رواهُ البيهقيُّ، وقال: ضَعَّفَها شيخُنا الحاكمُ، وقالَ: أُدخِلَتْ على محمد بن المُسَيَّبِ الأرْغِيانيّ، وقالَ الدارَقُطنيُّ: تفرَّدَ بقولِهِ: " هلَكْتُ وأهْلَكْتُ " أبو ثَورٍ عن مُعلّى بنِ مَنصُورٍ عن ابنِ عُيَيْنَةَ، وكُلُّهم ثِقاتٌ. ولأبي داودَ: " فأُتِيَ النبيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيهِ تمرٌ خَمْسةُ عشَرَ صاعاً، وفيهِ قالَ: كُلْهُ وأهلُ بيتِكَ، وصُمْ يَوْماً، واسْتَغْفِرِ اللهَ " (٤٤). قالَ الدارَقُطنيُّ: رَوى هذهِ الزِّيادَةَ: " وصُمْ يَوْماً مَكانَهُ " عن الزُّهْريّ أبو أُوَيْسٍ، وتابَعَهُ عبدُ الجبَّارِ بنُ عُمرَ، وهشامُ بنُ سَعْدٍ، وكلُّهُم ثقاتٌ. ورَوى ابنُ ماجَةَ من حديثِ يحيى بنِ سَعيدٍ عن ابنِ المُسيَّبِ عن أبي هريرةَ: فذكَرَ الحديثَ، وفيهِ: " ويصومُ يَوماً مكانَهُ " (٤٥). ورَوى أحمدُ عن يَزيدَ بنِ هارونَ عن حَجّاجِ بنِ أرطأة عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، فذكَرَهُ، وفيهِ: " فأمرَهُ أن يَصومَ يَوْماً مكانَهُ " (٤٦). وعن عائشةَ ﵂، قالَتْ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُ وهو صائمٌ، ويُباشِرُ وهو صائِمٌ، وكانَ أمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ " (٤٧)، أخرجاهُ. وعن أبي هريرة: " أنَّ رجلاً سألَ النبيَّ ﷺ عن المباشرةِ للصائمِ، فرَخَّصَ لهُ،

стр. 280

وأتاهُ آخرُ فَنَهاهُ، فإذا الذي رخَّصَ لهُ شيخٌ، وإذا الذي نَهاهُ شابٌّ " (٤٨)، رواهُ أبو داود من حديثِ أبي العَنْبَسِ وليسَ بالمعروفِ. ولأحمد عن عبد اللهِ بنِ عَمرٍو نحوهُ، وفيهِ: " لفْظُ القُبْلةِ " (٤٩)، وفي إسْنادِهِ ابنُ لَهيعةَ، وآخرُ لا يُعْرَفُ. عن عبدِ الرّحمن بنِ أبي لَيْلى، قالَ: " حدَّثني رجلٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : أنَّ النبيَّ ﷺ نَهى عن الحِجامَةِ، والمُواصَلَةِ، ولمْ يُحرِّمْهما إبقاءً على أصحابِهِ " (٥٠)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، بإسْنادٍ صحيحٍ على شَرْطِهما. ورُويَ عن ثابتٍ: " سُئِلَ أنَسٌ: أكُنْتُمْ تكرهونَ الحِجامَةَ للصائمِ على عَهدِ النبيِّ ﷺ ؟ قالَ: لا، إلا من أجْلِ الضّعفِ ". فأمّا حديثُ: " أفطرَ الحاجمُ والمَحجومُ "، فقد رواهُ جماعةٌ من الصحابةِ نَحو بِضْعةِ عَشرَ صَحابيّاً من طرُقٍ مَتَعَدِّدةٍ يَشُدُّ بعضُها بَعْضاً، بلْ هيَ مُفيدةٌ للقطْعِ عندَ جماعةٍ من المُحَدِّثين، ومُتَواتِرَةٌ عندَ آخرينَ، وإن كانَ قد تُكُلِّمَ في بعضِ تلكَ الطّرُقِ. قالَ الشافعيُّ ويحيى بنُ مَعينٍ: ليسَ فيهِ حديثٌ يَثْبُتُ، وكان أحمدُ وإسحاقُ، وعليُّ بنُ المَدينيّ، والترمِذِيُّ، وابنُ حِبّانَ، وغيرُهم يُصحِّحونَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفوا في أيِّ الطّرقِ أصحّ، كما قَد بُيِّنَ ذلكَ في مَوْضعٍ آخرَ، إلا أنَّ الشافعيَّ ادّعى نَسْخَهُ بحديثِ ابنِ عباسٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ احتَجمَ وهو مُحْرِمٌ، واحتجمَ وهو صائِمٌ " (٥١)، رواهُ البخاريُّ. وفي لَفْظٍ: " احْتجَمَ، وهو مُحْرِمٌ صائمٌ " (٥٢)، رواهُ أبو داود، والترمِذِيُّ، وصَحَّحهُ.

стр. 281

وعن أنسٍ، قالَ: " أوّلُ ما كُرِهَتِ الحِجامَةُ للصائمِ: أنَّ جعفرَ بنَ أبي طالبٍ احتجَمَ وهو صائمٌ، فمرَّ بهِ النبيُّ ﷺ ، فقال: أفْطرَ هذان، ثُمَّ رخَّصَ النبيُّ ﷺ بعدُ في الحِجامَةِ للصائِمِ، وكانَ أنَسٌ يَحْتَجِمُ وهو صائمٌ " (٥٣)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، وقالَ: كُلُّهم ثقاتٌ، ولا أعلمُ لهُ عِلّةً. وعن زيدِ بنِ أسْلَمَ عن رجلٍ من أصحابِهِ عن رجلٍ من أصحابِهِ عن رجلٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يُفْطِرُ مَنْ قاءَ، وَلا مَن احْتلَمَ، ولا مَنْ احْتجَمَ " (٥٤)، كذا رواه أبو داود، ورواهُ الدارَقُطنيُّ من وجهٍ آخرَ عن زيدِ بنِ أسْلَمَ عن عطاءِ بنِ يَسارٍ عن أبي سَعيدٍ، قالَ أبو زُرْعَةَ، وأبو حاتمٍ، والبيهقيُّ: المحفوظُ الأوّلُ، والثاني خِطَأٌ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لَخُلوفُ فَمِ الصائمِ أطْيبُ عندَ اللهِ من ريحِ المِسْكِ " (٥٥)، أخرجاهُ. اسْتَأْنَسوا بهِ في أنّ الصائمَ لا يَسْتاكُ آخرَ النّهارِ. وقد رَوى الحافظُ أبو بَكْر الخطيبُ من حديثِ كَيْسانَ أبي عمر القَصّارِ عن يَزيدَ بنِ بِلالٍ عن خَبّابٍ عن النبيِّ ﷺ أنّهُ قالَ: " إذا صُمْتُم فاسْتاكوا بالغَداةِ، ولا تَسْتاكوا بالعَشِيِّ، فإنّهُ ما مِن صائمٍ تَيْبَسُ شَفَتاهُ بالعَشِيِّ إلاّ كانَتْ نوراً بينَ عَيْنَيْهِ يومَ القيامَةِ " (٥٦)، ولكنَّ كَيْسانَ وشيخَهُ ضَعيفان، لا يُحتَجُّ بِهما. عن عائشة، قالَتْ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن الوِصالِ، قالوا: إنّكَ تُواصِلُ، قالَ: إنّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنّي يُطْعِمُني ربّي ويَسقيني " (٥٧)، أخرجاهُ. عن عليٍّ قال: " حَفِظْتُ من رسولِ اللهِ ﷺ : " لا يُتمَ بَعدَ احتِلامٍ، ولا صُماتَ

стр. 282

يومٍ إلى الليلِ " (٥٨)، رواهُ أبو داود. وعن قيسِ بنِ أبي حازِمٍ، قالَ: " دخَلَ أبو بَكْرٍ على امْرأةٍ من أحْمَسَ يُقالُ لها: زَيْنبُ، فرآها لا تَتَكلّمُ، فقالَ: ما لها لا تَتَكَلَّمُ، قالوا: حجَّتْ مُصْمِتةً، فقالَ لها: تَكَلَّمي، فإنَّ هذا لا يَحِلُّ، هذا من عمَلِ الجاهِليّةِ " (٥٩)، رواهُ البخاريُّ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزّورِ والعَملَ بهِ، فلَيْسَ للهِ حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَهُ وشَرابَهُ " (٦٠)، رواهُ البخاريُّ. وعنهُ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا كانَ يومُ صوْمِ أحدِكُم، فلا يَرْفُثْ، ولا يَصخَبْ، فإنْ سابَّهُ أحدٌ أو قاتَلهُ، فليَقُلْ: أنّي صائمٌ " (٦١)، أخرجاهُ. عن أنسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " تَسَحَّراو، فإنَّ في السَّحورِ بَرَكَةً " (٦٢)، أخرجاهُ. عن أبي ذرٍّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تَزالُ أُمَّتي بخيرٍ، ما عَجَّلوا الإفْطارَ، وأخَّروا السُّحورَ " (٦٣)، رواهُ أحمدُ. وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تَزالُ أُمَّتي بخيرٍ، ما عَجَّلوا الفِطْرَ " (٦٤). عن سَلْمانَ بنِ عامرٍ الضَّبِّيِّ عن النبيِّ ﷺ ، قال: " إذا أفْطرَ أحدُكُم، فلْيُفْطِرْ على

стр. 283

تمْرٍ، فإن لمْ يجدْ، فَليُفْطِرْ على ماءٍ، فإنّهُ طَهورٌ " (٦٥)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وصحَّحهُ الترمِذيُّ، وأبو حاتمٍ الرزايُّ، والحاكمُ، وقالَ: على شَرطِ البخاري. عن أبي زُهْرةَ: مُعاذِ بنِ زُهْرَةَ، أنهُ بلَغَهُ: " أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا أفطَرَ قالَ: " اللهُمَّ لكَ صُمْتُ، وعلى رزقِكَ أَفطرتُ " (٦٦)، رواهُ أبو داود هكذا، وهو مُرْسَلٌ. ورَوى الدارَقُطنيُّ من حديثِ ابنِ عباس نحوَهُ، ولا يَصحُّ سنَدُهُ. عن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ وأنا أسمعُ عن ليلةِ القَدْرِ، فقالَ: هي في كلِّ رَمضانَ " (٦٧)، رواهُ أبو داود، قالَ: ورُويَ موقوفاً. عن عائشةَ، قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " تَحرّوا ليلةَ القَدرِ، في العَشْرِ الأواخرِ من رَمضانَ " (٦٨)، كذا رواهُ مُسلمٌ. والبخاريُّ: " في الوِتْرِ من العَشْرِ الأواخِرِ " (٦٩). عن أبي سعيدٍ في حديثهِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " وقد رأيتُني أسجدُ في ماءٍ وطينٍ من صَبيحتِها، قالَ أبو سعيدٍ: فأبْصرَتْ عَيْنايَ رسولَ اللهِ ﷺ وعلى جَبْهتهِ أثرُ الماءِ والطّينِ من صُبْحِ إحدى وعشرينَ " (٧٠)، أخرجاهُ. وعن عبدِ اللهِ بنِ أُنَيْس: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " أُريتُ ليلةَ القدْرِ، ثم أُنْسيتُها، وإنّي في صبيحتِها أسجدُ في ماءٍ وطينٍ، فمُطِرْنا في ليلةِ ثلاثٍ وعشرينَ، فَصلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ ، وانصرفَ وإنَّ أثرَ الماءِ والطّينِ في جَبْهتِهِ وأنْفِهِ " (٧١)، رواهُ مُسلمٌ.

стр. 284

ولا تعارضَ بينَ هذا، والذي قبلَهُ، إذ قد يكونُ هذا في عامٍ، وذاكَ في آخَرَ، لأنَّ ليلةَ القدْرِ تَنْتَقِلُ في الشَّهْرِ كلِّهِ، وغالبُ كَوْنِها في العَشْرِ الأُخرِ، ثمَّ في الأوتارِ، وقد يَكثُرُ وقوعُها في لَيْلةِ إحدى وعشرينَ، وثلاثٍ وعشرينَ، وسبْعٍ وعشرينَ لحديثِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ في صحيحِ مُسلمٍ " (٧٢). عن عائشةَ، قالَتْ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ! أرأيْتَ إن عَلمتُ أيَّ ليلةٍ، لَيْلةَ القَدْرِ، ما أقولُ فيها؟ قالَ: قولي: اللهُمَّ أنّكَ عَفُوٌّ تُحبُّ العَفْوَ، فاعفُ عنّي " (٧٣)، رواهُ أحمدُ، والترمِذِيُّ، وذا لفْظُهُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَةَ، والحاكمُ. عن عائشةَ، قالَتْ: " نَزَلَتْ: " فَعِدّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعاتٍ "، فسَقَطتْ مُتَتَابعاتٌ " (٧٤)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، وقالَ: هذا إسْنادٌ صحيحٌ. ورُويَ أيضاً عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " لا بَأْسَ أن يُفَرَّقَ، لقولِ اللهِ: " فعِدَّةٌ مْنْ أيّامٍ أُخَرَ " (٧٥)، وعلّقَهُ البخاريُّ عنهُ. وكذا قالَ غيرُ واحدٍ من الصَّحابةِ. وعن ابنِ عمرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في قضاءِ رَمَضانَ: " إن شاء فرَّقَ، وإن شاءَ تابَعَ " (٧٦)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، وقالَ لمْ يُسْندْهُ غيرُ سُفيانَ بنِ بِشْر. ورَواهُ مُرْسَلاً عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، وقالَ: حَسَنٌ. عن عائشةَ، قالَتْ: " كانَ يكونُ عليَّ الصومُ من رَمضانَ، فما أستطيعُ أن أقضيَهُ إلا في شَعْبانَ " (٧٧)، أخرجاهُ.

стр. 285

وعن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ : " في رجلٍ مرِضَ في رَمضانَ، فأفطرَ، ثمَّ صحَّ، ولمْ يَصُمْ حتّى أدرَكَهُ رَمضانُ آخَرُ، قالَ: يَصومُ الذي أدرَكَهُ، ثمَّ يصومُ الذي أفطرَ فيهِ، ويُطْعمُ كلَّ يومٍ مِسْكيناً " (٧٨)، رواهُ الدارَقُطنيُّ من حديثِ إبراهيمَ بنِ نافعٍ الجَلاّبِ عن عُمَرَ بنِ موسى، وقالَ: هما ضَعيفان، وقالَ أبو حاتمٍ الرازيُّ: إبراهيمُ هذا، كانَ يَكذبُ، وحَدَّثَ عن ابنِ وَجيهٍ أحاديثَ بَواطيلَ، ثمَّ رَواهُ الدارَقُطنيُّ مَوقوفاً على أبي هريرةَ، وقالَ: إسْنادٌ صحيحٌ. ورُويَ مثْلُهُ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عبّاسٍ. عن ابنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " مَنْ ماتَ عليهِ صيامُ شَهرٍ، فَلْيُطعَمْ، عنهُ مَكانَ كلِّ يومٍ مِسكيناً " (٧٩)، رواهُ الترمِذِيُّ من حديثِ أشْعَثَ عن محمدٍ عن نافعٍ عنهُ، وقالَ: لا نعرفُهُ مرفوعاً إلا مِن هذا الوَجهِ، والصحيحُ عن ابن عمرَ موقوفاً. قلتُ: محمدُ: هذا، هو محمدُ بنُ عبدِ الرّحمنِ بنِ أبي لَيْلى فيما قيلَ. قالَ الحافظُ البيهقيُّ: وهو كثيرُ الوَهْمِ، وإنّما رواهُ أصحابُ نافعٍ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ موقوفاً. وكذا رُويَ من قولِ عائشةَ، وابنِ عبّاسٍ، وأشْعَثُ، هذا هو ابنُ سَوّارٍ، ضعيفٌ عندَ الأكثر. عن عائشةَ، قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ ماتَ وعليهِ صيامٌ، صامَ عنهُ وَليُّهُ " (٨٠)، أخرجاهُ. قالَ الشافعيُّ في القديمِ: وقد رُويَ في الصَّومِ عن الميّتِ شيءٌ، فإن كانَ ثابِتاً صيمَ عنهُ كالحِجِّ عنهُ، قالَ البيهقيُّ: قد ثَبتَ ذلكَ.

стр. 286

١ - بابُ: صَومِ التَطَوِّعِ عن أبي أيّوبَ الأنصارِيِّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " مَنْ صامَ رمضانَ إيماناً واحْتِساباً، ثم أتْبعَهُ سِتّاً مِن شوَّالٍ، كانَ كصِيامِ الدَّهْرِ " (١)، رواهُ مُسلم. عن أبي قَتادَةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن صومِ يومِ عرفَةَ، قالَ: يُكَفِّرُ السَّنةَ الماضيةَ والباقيَةَ " (٢)، رواهُ مُسلم. وعن أبي هريرةَ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن صومِ عرَفَةَ بعَرَفاتٍ " (٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَةَ وفي إسْنادِهِ حَوْشَبُ بنُ عقيلٍ عن مَهْدِي الهَجَري، ولَيْسا بالمشهورَينِ. وقد ثبتَ في الصحيحينِ عن أُمِّ الفَضْلِ، ومَيمونَةَ بِنْتي الحارثِ: " أنّهم شَكّوا في صيامِ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ عرفَةَ، فأرسلوا إليهِ بقدَحِ لَبنٍ وهو واقفٌ على بَعيرِهِ فَشرِبَهُ " (٤). عن ابنِ عبّاس، قال: " صامَ رسولُ اللهِ ﷺ عاشوراءَ، وأمر بصيامِه، فقالوا: يا رسولَ اللهِ: إنهُ يومٌ تُعَظِّمُهُ اليهودُ والنَّصارى، فقالَ: إذا كانَ العامُ المُقبِلُ صُمْنا اليومَ التاسعَ، فلم يأْتِ العامُ المُقْبِلُ حتّى تُوفِّي رسولُ اللهِ ﷺ " (٥)، رواهُ مُسلمٌ. وقالَ الشافعيُّ: حدّثنا سُفيانُ أنّهُ سمعَ عُبيْدَ اللهِ بنَ أبي يَزيدَ يقولُ: سمعتُ ابنَ

стр. 287

عبّاس يقولُ: " صوموا التاسعَ والعاشِرَ، ولا تَشَبّهوا باليَهودِ " (٦). عن قتادةَ بنِ مِلْحانَ، قال: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يأمُرنا بصيامِ أيّامِ البيضِ، ثلاثَ عشْرةَ، وأربعَ عشْرةَ، وخمْسَ عَشْرةَ " (٧)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والنسائيُّ. ولهُ عن ابنِ عبّاسٍ (٨)، وجَريرٍ (٩) مِثْلُ ذلكَ. عن أبي قَتادَةَ: " أنّ رسول اللهِ ﷺ سُئِلَ عن صوم يومِ الإثنينِ، قالَ: ذاكَ يومٌ وُلِدْتُ فيهِ، ويومٌ بُعِثْتُ، أو أُنزِلَ عليَّ فيهِ " (١٠)، رواهُ مُسلم. وعن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " تُعْرَضُ الأعمالُ يومَ الاثنينِ والخميسِ، فأُحبُّ أن يُعْرضَ عمَلي وأنا صائِمٌ " (١١)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَةَ، والترمِذِيُّ، وقالَ: حسَنٌ غريبٌ، وأصلُهُ في مُسلمٍ بدونِ ذكرِ الصَّومِ. ولأحمد، وأبي داود، والنَّسائيِّ عن أُسامةَ بنِ زَيْدٍ: مِثْلُهُ " (١٢) معَ ذكرِ الصومِ. قالَ اللهُ: " ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ "، وهذا عامٌّ في الأعمالِ كلِّها، فَرْضِها ومَندوبِها إلا ما أخرجَهُ الدليلُ، فمن ذلكَ صومُ التطوّعِ لما تقدَّمَ في حديثِ عائشةَ، قالتْ: " ودخلَ عليَّ يوماً آخر، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ أُهديَ لنا حَيْسٌ، فقالَ: أرِينيهِ، فلقد أصبحتُ صائماً، فآكلَ منهُ " (١٣)، رواهُ مسلم. وعن أبي جُحَيْفةَ، قالَ: " آخى النبيُّ ﷺ بينَ سلْمانَ وأبي الدَّرداءِ، فزارَ سَلْمانُ أبا الدَّرْداءِ، فقرَّبَ أبو الدّرداءِ لسَلْمانَ طعاماً، فقالَ: كلْ فإنّي صائمٌ، فقالَ: ما أنا بآكلٍ حتى تأكُلَ، قالَ: فأكلَ، وذكرَ الحديثَ، وفيهِ: " فأتيا النبيَّ ﷺ ، فذكرا ذلكَ لهُ،

стр. 288

فقالَ: صدَقَ سَلْمان " (١٤)، رواهُ البخاريّ، وكذا حديثُ أُمّ هانيءٍ عن النبيِّ ﷺ : " الصائِمُ المُتطَوّعُ أميرُ نفسهِ، إن شاءَ صامَ، وإن شاءَ أفطرَ " (١٥). وهو حديثٌ يرويه أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وهذا لفظُ الترمِذِيُّ، وقالَ: في إسنادِهِ مَقالٌ، فهذهِ الأحاديثُ دالّةٌ على جَوازِ الإفطارِ، وعلى عدَمِ القضاءِ، حيثُ لمْ يُذكَرْ في شيءٍ منها: فأمَّا حديثُ عائشةَ، قالتْ: " كنتُ أنا وحَفْصةُ صائمتين، فَعرضَ لنا طعامٌ اشتهيناهُ، فجاءَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فبَدَرَتني حفْصَةُ، فذكَرَت ذلكَ لهُ، فقالَ: اقْضيا يوْماً مَكانَهُ " (١٦)، فرواهُ أحمدُ، وأبو داود، والترمِذيُّ والنَّسائيُّ من حديثِ الزُّهْري عن عُرْوةَ عن عائشةَ. رواهُ الحُفّاظُ عن الزّهْري عن عائشةَ مُرْسلاً، كذا رَواهُ الشافعيُّ " (١٧)، ومالكٌ، وغيرُ واحدٍ، قالَ الترمِذيُّ والنَّسائيّ: وهو الصحيحُ. ورواهُ أبو داود أيضاً من حديثِ زُمَيْلٍ مَوْلى عُرْوةَ عن عُروة عن عائشة " (١٨)، وضعَّفَ ذلك البخاريُّ، والنَّسائيُّ. ورَواهُ النَّسائيُّ من حديثِ خّطّابِ بنِ القاسمِ عن حَفْصة عن عِكْرِمةَ عن ابن عبّاسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لعائشةَ وحَفْصةَ في هذه القِصَّةِ: صوما يْوماً مَكانَهُ " (١٩)،

стр. 289

وقالَ: هذا مُنْكَرٌ وضَعيفٌ، وخَطّابٌ لا علمَ لي بهِ. قلتُ: وبتقدير صحتّهِ فيحتملُ أنَّهما كانتا صائمتين صيامَ فَرضٍ، واحتاجتا إلى الإفطارِ، فلهذا أمَرهما بالقضاءِ، أو يحتملُ الأمرُ بالقضاءِ هنا على النّدْبِ جَمْعاً بينَهُ وبينَ ما تقدّمَ من الأحاديثِ التي ليس فيها الأمرُ بالقضاءِ، وعلى كلِّ حالٍ فلمْ ينكرْ علَيهما في إفطارِهِما، فدَلَّ على جوازِ ذلكَ، ومسألَةُ القضاءِ شيءٌ آخرُ، واللهُ أعلمُ. عن عمّارٍ، قالَ: " مَنْ صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيهِ، فقد عَصى أبا القاسمِ " (٢٠)، رواهُ البخاري تعليقاً، وأصحابُ السُّنَنِ، وصحَّحهُ الترمِذِيُّ. عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولَ اللهِ ﷺ : " لا تقدَّموا رَمضانَ بصومِ يومٍ، ولا يومينِ، إلا رجُلاً كان يصوم صَوماً فليَصُمْهُ " (٢١)، أخرجاه. عن العَلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ : " إذا كانَ النّصْفُ من شَعبانَ، فلا صومَ حتى رمَضانَ " (٢٢)، رواهُ أحمدُ وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَةَ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، وقالَ الإمامُ أحمدُ، ليسَ هذا الحديثُ بمحفوظٍ، والعلاءُ ثقةٌ لا يُنْكَرُ من حديثهِ إلا هذا الحديثُ، قال: وسألنا عبدَالرّحمنِ بنِ مَهْدي، فلم يُصحِّحهُ، ولم يُحَدِّثْ بهِ، وكانَ يتوقّاهُ. عن أبي هريرةَ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ قال: " لا يصومَنَّ أحدُكُم يومَ الجُمعَةِ إلا أن يصومَ يوْماً قبلَهُ، أو يوْماً بعدَهُ " (٢٣)، أخرجاهُ.

стр. 290

ولمسلمٍ: " لا تَخُصّوا ليلةَ الجُمعَةِ بقيامٍ من البينِ الليالي، ولا يومَ الجمعةِ بصيامٍ من بينِ الأيامِ إلا أن يكونَ في صومٍ يصومُهُ أحدُكُم " (٢٤). عن عمرَ، قالَ: " هذانِ يومانِ، نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن صيامِهما: يومُ فِطْرِكُم من صيامِكُم، واليومُ الآخرُ تأكلونَ فيهِ من نُسكِكُم " (٢٥)، أخرجاهُ. عن نُبَيْشَةَ الهُذَليِّ، قالَ: قالَ لي رسولُ اللهِ ﷺ : أيّامُ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشُرْبٍ، وذكرِ الله " (٢٦)، رواهُ مُسلمٌ. وعن عَمْرِو بنِ العاصِ، قالَ: " هذهِ الأيّامُ التي كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يأْمُرنا بإفْطارِها، ويَنهى عن صِيامِها " (٢٧)، رواهُ مالكٌ، قالَ: هي أيّامُ التشريقِ، والشافِعيُّ، وأحمدُ، وأبو داود، والحاكمُ. عن عائشةَ، وابنِ عمرَ، قالا: " لمْ يُرخَّصْ في أيامِ التشريقِ أن يُصَمْنَ، إلا لمنْ لمْ يَجدِ الهَدْيَ " (٢٨)، رواهُ البخاريُّ.

стр. 291

٢ - بابُ: الاعْتِكافِ عن عائشةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَعْتكِفُ العَشْرَ الأواخرَ من رَمضانَ، حتّى تَوَفّاهُ اللهُ، ثمَّ اعتكفَ أزواجُهُ من بعدِهِ " (١)، أخرجاهُ. وعنها، قال رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ نذَرَ أن يُطيعَ اللهَ فلْيُطعهُ، ومَنْ نذَرَ أن يَعْصيَهُ فلا يَعْصِهِ " (٢)، رواهُ البخاريُّ. تقدَّمَ حديثُ: " الأعمالُ بالنيّاتِ ". عن ابن عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: إنّي كنْتُ نذرْتُ في الجاهِليّةِ أن اعتكِفَ ليلةً في المسجدِ الحرامِ، قالَ: أوْفِ بنَذْرِكَ " (٣)، اسْتَدَلَّ بهِ أصحابُنا على أنّهُ لا يُشْترَطُ الصومُ في الاعْتِكافِ، ولكنْ في لفظٍ لمسلمٍ: " يوْماً ". ولأبي داود: " فقالَ: اعْتَكِفْ وصُمْ " (٤)، وهذه الزَّيادةُ تفرَّدَ بها عبدُاللهِ بنُ بُدَيلٍ، قال الدارقطنيُّ: وهو ضعيفٌ، وقالَ أبو بَكر بنُ زيادٍ، وقدْ خالَفَهُ الثقاتُ، وهذا حديثٌ مُنْكَرٌ. وعن ابنِ عبّاسٍ مَرْفوعاً قالَ: " ليسَ على المُعْتَكِفِ صوْمٌ إلا أن يجعلَهُ على نفسِهِ " (٥)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، وقال: رفَعَهُ أبو بكر السّوسيُّ، وغيرُهُ لا يرفعُهُ، رواهُ الحاكمُ في مسندِهِ، وقالَ: صحيحُ الإسنادِ.

стр. 292

وقالَ البيهقيُّ: الصحيحُ أنّهُ مَوقوفٌ. عن عائشةَ، قالتْ: " السُّنَّةُ على المُعْتكفِ أن لا يعودَ مَريضاً، ولا يشهدَ جنازةً، ولا يَمَسُّ امْرأةً، ولا يُباشِرَها، ولا يخرجَ لحاجةٍ، إلا لما لا بُدَّ منهُ، ولا اعتِكافَ إلا بصوْمٍ، ولا اعْتِكافَ إلا في مسجدٍ جامعٍ " (٦)، رواهُ أبو داود، وهذا لفظُهُ، والدارَقُطنيُّ، قال: يُقالُ: إنَّ قولَهُ: " من السُّنَّة من كلامِ الزُّهْري، وإنَّ مَنْ أدْرَجَهُ فقد وهِمَ، وهكذا رجّحَ ذلكَ أبو داود، والبيهقيُّ. فأمّا حديثُ ابنِ ماجَةَ الذي رواهُ عن أنسٍ مرفوعاً: " المُعتكفُ يَتِّبعُ الجَنازَةَ، ويَعودُ المريضَ " (٧)، فلا يَصِحُّ، فيهِ ثلاثةٌ ضُعفاء بمَرّةٍ، ثمَّ هو مَحمولٌ على مَنْ اشترطَ ذلكَ. عن عائشةَ، قالتْ: " إنْ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ ليُخرِجُ إليَّ رأسَهُ، وهو مُعْتَكِفٌ فأغْسِلُهُ وأنا حائضٌ، وكانَ لاُ يَدخلُ البيتَ إلا لحاجةِ الإنسانِ " (٨)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ عنها، قالَتْ: " إن كُنتُ لأدخلُ البيتَ للحاجةِ، فما أسألُ عنهُ إلا وأنا مارّةٌ " (٩). ولأبي داود عنها، قالَتْ: " كانَ النبيُّ ﷺ يمرُّ بالمريضِ، وهو مُعْتكِفٌ، فيمرُّ كما هوَ، ولا يُعَرِّجُ يسألُ عنهُ " (١٠)، ولكنه من روايةِ ليْثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ، وفيهِ كلامٌ. عن عائشةَ، قالَتْ: " أرادَ رسولُ اللهِ ﷺ أن يَعتكِفَ، فأمرَتْ عائشةُ، وحفْصَةُ، وزينبُ بأخْبيةٍ فَضُربْنَ، فأمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بتلكَ الأبْنيَةِ فَقُوِّضَتْ، ولمْ يَعْتَكِفْ تلكَ السّنةَ، في رَمضانَ، واعتكَفَ عَشْراً من شوّالٍ "، أخرجاهُ، فيهِ دلالةٌ على أنّهُ لا تَعْتكِفُ امْرأةٌ بغيرِ إذْنِ زوْجِها.

стр. 293

٦ - كتابُ الحَجِّ قالَ اللهُ تَعالى: " وَللهِ على النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطاعَ إليهِ سَبيلاً ". وقالَ ﵇: " بُنيَ الإسلامُ على خَمْسٍ: شهادةِ أن لا إله إلاّ اللهُ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزّكاةِ، وصوْمِ رمضانَ، وحِجِّ البيتِ " (١)، أخرجاهُ من حديثِ ابن عمر ﵄، والأحاديثُ على وجوبِهِ كثيرةٌ جداً، والإجماعُ على ذلك ضَروريٌّ، وأمّا العُمْرةُ ففي وجُوبها خِلافٌ مشهورٌ بينَ السَّلَفِ والخَلَفِ، وللشافعيِّ فيها قَوْلان، الصحيحُ الجديدُ: أنّها واجبةٌ، والدليلُ على ذلكَ أشياءُ: منها قولُهُ تعالى: " وأتِمّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ للهِ ". رَوى الشافعيُّ عن ابنِ عبّاسٍ بإسْنادٍ صحيحٍ أنّهُ اسْتَدَلَّ بذلكَ، وقالَ: " إنّها لقرينَةٌ الحَجِّ في كتابِ اللهِ " (٢). وكذلكَ استدَلَّ بها الصُبَيُّ بن مَعْبَدٍ، وصدَّقَهُ عمرُ بنُ الخطّابِ. وعن عمرَ، قالَ: " بينَما نحنُ جُلوسٌ عندَ النبيِّ ﷺ إذ طَلعَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ: أخبرني عن الإسلامِ، فقالَ: أن تَشهدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وتُقيمَ الصّلاةَ، وتُؤْتيَ الزَّكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتحجَّ وتعتمر. . الحديث (٣)، كذا رواهُ الجَوْزَقيُّ في كتابهِ المُخْرَّجِ على الصَّحيحينِ، وابنُ حِبَّانَ في صحيحهِ، وقال: هذا أدلُّ دليلٍ على وجوبِ العُمْرةِ - والدارَقُطنيُّ، وقالَ: إسْنادٌ صحيحٌ، والبيهقيُّ، قالَ: ثابتٌ.

стр. 294

قلتُ: وسَنَدُهُ على شَرْطهما، ولكنَّ الحديثَ في الصحيحِ بدونِ زيادةِ العُمرةِ. ورَواهُ أبو بَكْر أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ أبي عاصمٍ في كتابِ السُّنَّةِ (٤)، بسندٍ لهُ على شرْطِ مُسلمٍ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " جاءَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ أوْصني، قالَ: اعبدِ اللهَ، ولا تُشرك بهِ شيئاً، وأقمِ الصّلاةَ وآتِ الزَّكاةَ، وصُمْ رَمضانَ، وحُجَّ البيتَ واعتمرْ، واسمعْ وأطِعْ، وعَليكَ بالعَلانيةِ، وإيّاكَ والسّرِّ " (٥). وعن القاسمِ بنِ مُخَوَّلٍ الضِّبيِّ [عن أبيه] (٦)، قالَ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ أوصِني، قال: أقمِ الصّلاةَ، وآتِ الزَّكاةَ، وحجَّ البيت، واعتمِر، وبرَّ والديكَ، وصِلْ رَحمَكَ، وأقْرِ الضَّيْفَ، وامُر بالمعروفِ، وأنْهَ عن المنكرِ، وزُلْ معَ الحقِّ حيثُ ما زالَ " (٧)، رواهُ ابنُ حِبّانَ في صحيحِهِ. وعن عائشةَ، قالتْ: " قلتُ: يا رسول الله: هَل على النّساءِ جهادٌ؟ قال: نَعمْ، عَليْهنَّ جِهادٌ لا قِتالَ فيهِ: الحَجُّ والعُمْرةُ " (٨)، كذا رواهُ ابنُ ماجَةَ عن أبي بكْرِ بنِ أبي شَيْبةَ عن محمدِ بنِ فُضَيْلٍ عن حَبيبِ بنِ أبي عَمْرةَ عن عائشة بنتِ طلْحةَ عن خالتِها عائشةَ ﵂، وهذا إسْنادٌ رجالُهُ على شَرْطِ الصحيحِ إلا أنَّ البخاريَّ رَوى هذا الحديثَ من حديثِ الثَّوْري وخالدٍ الطّحّانِ، وعبدِ الواحدِ بنِ زيادٍ ثلاثتِهم عن حَبيبِ بن أبي عَمْرةَ بسندِهِ، وليسَ عندَهُ ذكرُ العُمْرةِ. وكذا رواهُ من حديثِ الثَّوْريِّ أيضاً عن مُعاويةَ بنِ إسْحاقَ عن عائشةَ بنتِ طَلْحة

стр. 295

عن أمِّ المؤْمنينَ بدونِ ذكْرِ العُمْرةِ. وقد رُويَ من حديثِ عَمْرِو بنِ عُبَيْدٍ شيخِ القَدريّةِ عن الحسَنِ عَن عائشةَ مثْلَ حديثِ ابنِ ماجَةَ، وعَمْرو هذا لا يُحتجُّ بهِ، وفي سماعِ الحسَنِ من عائشةَ نَظَر، والله أعلمُ. فأمّا حديثُ أبي رَزين العُقَيْليِّ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ: إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يَستطيعُ الحَجَّ والعُمْرةَ ولا الظّعَنَ؟ قالَ: حُجَّ عن أبيكَ واعْتمِرْ " (٩)، فَقد رَواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وصحَّحهُ الترمِذيُّ، قالَ الإمامُ أحمدُ: لا أعلمُ في إيجابِ العُمْرةِ حديثاً أجودَ من هذا، ولا أصحَّ منهُ، وفي هذا نظرٌ، لأنَّ قُصارى هذا الحديثِ أنْ يَدُلَّ على صحّةِ فعلِ الحجِّ والعُمْرةِ عن المَعْضُوبِ، فأمّا أن يدُلَّ على وجوبِ ذلكَ بمُجرَّدِهِ، فلَيْسَ هذا بظاهرٍ. وأمّا حديثٌ عن زيدِ بنِ ثابتٍ مرفوعٌ: " الحَجُّ والعُمْرةُ فَريضتانِ، لا يَضرُّكَ بأيّهِما بدَأْتَ " (١٠)، فلا يُفْرَحُ بهِ، لأنّهُ رَواهُ الدارَقُطنيُّ من حديثِ إسماعيلَ بنِ مسلمٍ المَكّيِّ وهو ضَعيفٌ جدّاً، والصحيحُ وَقْفُهُ. وكذا رُويَ موقوفاً عن عليِّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عبّاسٍ، وقالَ أشْعثُ عن ابن سيرينَ: " كانوا لا يختلِفونَ أنَّ العُمْرةَ واجبةٌ "، والله أعلمُ. القولُ الثاني: عدمُ وجوبِ العُمْرةِ، والدليلُ على ذلك: ما روى الحجّاجُ بنُ أرطأة عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن جابرٍ، قالَ: " أتى أعرابيٌّ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ أخبرني عن العُمرةِ، أواجبةٌ هيَ؟ قالَ: لا، وأنْ تَعْتمِرَ خيرٌ لكَ " (١١)، رواهُ أحمدُ، والترمِذِيُّ، وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ.

стр. 296

قلتُ: وحجّاجُ بنُ أرطأة، وإن كان مسلمٌ قد أخرج لهُ مُتابَعةً إلا أنّهُ قد تركَهُ زائدةُ، وابنُ المبارَكِ، وابنُ مَهْدي، ويحيى القَطّانُ، ويحيى بنُ مَعينٍ، وأحمدُ، وغيرُهم، ثمَّ قد رواهُ غيرُهُ عن محمدِ بنِ المُنْكدِرِ عن جابرٍ موقوفاً. وروى ابنُ لَهيعة عن عطاءٍ عن جابرٍ مرفوعاً: " الحجُّ والعُمرةُ فَريضتانِ واجبتانِ " (١٢)، قالَ البيهقيُّ: وهذا ضعيفٌ. ورَوى الحافظُ أبو القاسمِ الطّبَرانيُّ من حديثِ يحيى بنِ أيوبَ الغافِقيِّ عن عُبَيد الله بنِ أبي جعفرٍ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جابرٍ، قالَ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ العُمْرةُ واجبةٌ فَريضتُها كفريضةِ الحَجِّ؟ قالَ: لا، وأنْ تَعْتمرَ خيرٌ لكَ " (١٣)، وهذا إسْنادٌ على شَرطِ مُسلمٍ، ويحيى بنُ أيوبَ أخرجا لهُ، وهو يُغرِبُ. وعن طَلْحةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ أنهُ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " الحَجُّ جهادٌ، والعُمْرةُ تَطَوُّعٌ " (١٤)، رواهُ ابنُ ماجَةَ من حديثِ الحسَن بنِ يَحبى الخُشَنيِّ وهو ضَعيفٌ. وقد رُويَ نحو هذا الحديث من طرقٍ كلُّها ضَعيفةٌ. قال الشافعيُّ: العُمرةُ سُنَّةٌ، لا نعلمُ أحداً رخَّص في تركِها، ولَيْسَ فيها شيءٌ يُثبتُ بأنها تَطوَعٌ، وقد جاء فيها شيءٌ عن النبيِّ ﷺ وهو ضَعيفٌ لا تقومُ بمثْلِهِ الحُجَّةُ. عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ الأقْرعَ بنَ حابسٍ، قالَ: يا رسولَ اللهِ: الحجُّ كلّ سنةٍ،

стр. 297

أو مرّةً واحدةً؟ قالَ: بلْ مرّةً، فمَنْ زادَ، فهو تَطوُّعٌ " (١٥)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجةَ، وللترمِذيِّ، وابنِ ماجَةَ أيضاً عن عليٍّ مِثْلُهُ. ولابنِ ماجَةَ عن أنَسٍ نحوُهُ. تقدّمَ قولُهُ ﵇: " مَنْ نذرَ أن يُطيعَ اللهَ فَلْيُطعْهُ " (١٦). عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّهُ كانَ يرُدُّ مَنْ جاوَزَ الميقاتَ غيرَ مُحرِمٍ " (١٧)، رواهُ الشافعيُّ، اسْتُدِلَّ بهِ على أحدِ القولين: أنّهُ يجبُ على مَنْ أراد دخولَ مكّةَ الإحرامُ، والصحيحُ من القولينِ أنَّ ذلكَ غيرُ واجب مطلقاً إلا لمريدِ النُّسُكِ، لما سيأتي في حديثِ ابن عبّاسٍ عندَ ذكرِ المواقِيتِ: " هيَ لهنَّ، ولمنْ أتى عَليْهنَّ من غيرِ أهلهنَّ، ممَّن أرادَ الحجَّ والعُمْرةَ " (١٨)، أخرجاهُ. تقدَّمَ حديثُ: " رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ. . " (١٩). عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ لقيَ رَكْباً بالرَّوحاءِ، فقالَ: مَنْ القومُ؟ قالوا: المسلمون، قالوا: مَنْ أنتَ؟ قال: رسولُ اللهِ، فرفَعت امرأةٌ صَبيّاً، فقالَتْ: ألهِذا حجٌّ؟ قالَ: نَعَمْ، ولكِ أجرٌ " (٢٠)، رواهُ مُسلم. وعن السّائبِ بن يزيدَ، قال: " حَجّ بي أبي مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وأنا ابنُ سَبْعِ سنينَ " (٢١)، رواهُ البُخارِيُّ. وعن جابرٍ، قالَ: " خرجْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، ومعَنا النِّساءُ والصِّبْيانُ، فلَبَّيْنا عن

стр. 298

الصِّبْيانِ ورَمَيْنا عنهم " (٢٢)، رواهُ أحمدُ، والترمِذِيُّ، وقالَ: غريبٌ، وابنُ ماجَةَ، وفي إسْنادِهِ أشْعثُ بنُ سَوّارٍ وهو ضَعيفٌ. عن محمدِ بنِ كَعبٍ القُرظيِّ عن النبيِّ ﷺ : " أيّما صبيٌّ حجَّ بهِ أهلُهُ فماتَ، أجزأتْ عنهُ، فإن أدركَ فعَلَيْهِ الحَجُّ " (٢٣)، كذا رَواهُ عبدُاللهِ بنُ أحمد، مرسَلاً، ورواهُ محمدُ بنُ المِنْهالِ الضَّريرِ عن يزيدَ بنِ زُرَيْعٍ عن شُعْبةَ عن الأعمَشِ عن أبي ظَبْيانَ عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ : فذكَرَهُ، وزادَ: " وأيُّما أعرابيٍّ حجَّ فَماتَ قبلَ أن يُهاجرَ، أجزَأتْ عنهُ، فإن هاجرَ فَعليْهِ الحَجُّ "، وهذهِ زيادةٌ غرَيبةٌ جدّاً. وقد روى هذا الحديثَ الشافعيُّ والبخاريُّ موقوفاً (٢٤) على ابنِ عبّاسٍ. واللهُ أعلمُ. قالَ تعالى: " وَللهِ على النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ استَطاعَ إليْهِ سَبيلاً ". عن أنَسٍ: " سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ : ما السَّبيلُ؟ قالَ: الزّادُ والرَّاحِلَةُ " (٢٥)، رواهُ الشافعيُّ، والدارَقُطنيُّ، ولهذا الحديثِ طرُقٌ ذكرَها ابنُ مرْدويه في تفسيرِهِ. وعن ابنِ عبّاسٍ مرفوعاً: مِثْلُهُ، رواهُ ابنُ ماجَةَ، وفي إسنادِهِ: عُمَرُ بنُ عَطاءِ بنِ وَرازٍ وهو ضَعيفٌ جدّاً. وعن ابنِ عُمرَ، قالَ: " جاءَ رجلٌ، فسأل رسولَ اللهِ: ما يُوجبُ الحَجَّ؟ قالَ: الزّادُ،

стр. 299

والراحِلةُ " (٢٦)، رواهُ الشافعيُّ، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ، قال الترمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسَنٌ، وإبراهيمُ بنُ يَزيدَ يعن الخُوزِيَّ تكلَّم فيهِ بعضُ أهلِ الحديثِ من قِبَلِ حِفْظِهِ، وقالَ الشافعيُّ: هذا حديثٌ لم يُثْبتْهُ أهلُ العلمِ بالحديثِ. ورَواهُ عن الحسَن مُرْسَلاً. قالَ البَيْهقيُّ: وقد رُويَ عن الحسَنِ عن أُمِّهِ عن عائشةَ موصولاً، وليسَ بِمحفوظٍ. عن أبي هريرةَ، قالَ: " قالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ عليَّ حجّةُ الإسلامِ، وعليَّ دينٌ؟ قالَ: فاحْفظْ دَيْنَكَ " (٢٧)، رواهُ الحافظُ أبو يَعْلى المَوْصِليُّ في مُسْندِهِ. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنَا سعيدُ بنُ سالمٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن عَطاءٍ الخُراساني عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " [مِثْلُهُ، مَنْ وُجِدَ لهُ سَعةٌ ولمْ يحتملْ دينهُ] " (٢٨). عن ابن عبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تُسافرُ امرأةٌ إلا معَ ذِي مَحْرمٍ " (٢٩)، أخرجاهُ. قالَ أصحابُنا: والمرادُ من المَحْرمِ هو أمْنُاه على نَفسِها، فمتَى حصَلَ ذلِكَ، جازَ لَها السَّفرُ، واسْتأنَسَ بعضُهم بحديث عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : " يا عَدِيُّ يوشِكُ إن طالَتْ بكَ حياةٌ، أن تَرى الظَّعينَةَ ترحَلُ من الحيرَةِ حتى تطوفَ بالكَعْبةِ، لا تخافُ أحداً إلا اللهَ " (٣٠)، رواهُ البخاريُّ. ولأبي القاسمِ البَغَويِّ في مُعْجمِهِ: " ترحَلُ من الحيرَةِ من غيرِ جوارٍ حتى تطوفَ بالبيتِ " (٣١).

стр. 300

عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ امرأةً من خَثْعَمٍ، قالتْ: يا رسولَ اللهِ: إنّ فريضةَ اللهِ على عبادِهِ في الحَجِّ أدركَتْ أبي شيخاً كبيراً لا يَثبتُ على الراحِلَةِ، أفأحُجُّ عنهُ؟ قالَ: نَعمْ، وذلكَ في حَجَّةِ الوَداعِ " (٣٢)، أخرجاهُ. وتقدَّمَ حديثُ أبي رَزينٍ: " إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ الحج ولا العُمرةَ ولا الظَّعَنَ، فقالَ: حُجَّ عن أبيكَ واعْتَمِرْ " (٣٣)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وصحَّحهُ الترمِذِيُّ، وفيهِ دلالةٌ على صحّةِ الحجِّ عن المَعضوبِ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أرادَ الحَجَّ فليتعجَّلْ " (٣٤)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، واللفظُ لهُ، وابنُ ماجَةَ، وفي إسنادِهِ أبو إسرائيلَ المُلائيُّ، قالَ ابنُ المُبارَكِ: لقدْ منَّ اللهُ على المسلمين بسوءِ حِفْظِهِ. عن عليٍّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ ملَكَ زاداً وراحلةً تُبَلِّغُهُ إلى بيتِ اللهِ، ولمْ يَحجَّ، فلا عليهِ أن يموتَ يهوديّاً أو نَصرانيّاً، إنَّ اللهَ يَقولُ في كتابِهِ: " وللهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البيتِ مَنْ اسْتَطاعَ إليْهِ سَبيلاً " (٣٥)، رواهُ الترمِذِيُّ من حديثِ هِلالٍ عن أبي إسْحاقَ عن الحارثِ عنهُ، وقال: لا نعرفُهُ إلا من هذا الوجهِ، وفي إسنادِه: مَقالٌ، وهِلَالٌ هو ابنُ عبدِ الله مَوْلى رَبيعةَ مَجهولٌ، والحارثُ يُضَعَّفُ في الحديثِ. وعن أبي أُمامةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ لَمْ يَمْنعْهُ من الحَجِّ مرَضٌ حابِسٌ، ولا حاجةٌ، فلْيَمُتْ إن شاءَ يَهوديّاً، وإنْ شاءَ نَصْرانيّاً " (٣٦)، رواهُ ابنُ ماجَةَ، وإسْنادُهُ أمْثَلُ
следующие страницы →