← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 296–335 · переход к 301.

стр. 296

قلتُ: وحجّاجُ بنُ أرطأة، وإن كان مسلمٌ قد أخرج لهُ مُتابَعةً إلا أنّهُ قد تركَهُ زائدةُ، وابنُ المبارَكِ، وابنُ مَهْدي، ويحيى القَطّانُ، ويحيى بنُ مَعينٍ، وأحمدُ، وغيرُهم، ثمَّ قد رواهُ غيرُهُ عن محمدِ بنِ المُنْكدِرِ عن جابرٍ موقوفاً. وروى ابنُ لَهيعة عن عطاءٍ عن جابرٍ مرفوعاً: " الحجُّ والعُمرةُ فَريضتانِ واجبتانِ " (١٢)، قالَ البيهقيُّ: وهذا ضعيفٌ. ورَوى الحافظُ أبو القاسمِ الطّبَرانيُّ من حديثِ يحيى بنِ أيوبَ الغافِقيِّ عن عُبَيد الله بنِ أبي جعفرٍ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جابرٍ، قالَ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ العُمْرةُ واجبةٌ فَريضتُها كفريضةِ الحَجِّ؟ قالَ: لا، وأنْ تَعْتمرَ خيرٌ لكَ " (١٣)، وهذا إسْنادٌ على شَرطِ مُسلمٍ، ويحيى بنُ أيوبَ أخرجا لهُ، وهو يُغرِبُ. وعن طَلْحةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ أنهُ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " الحَجُّ جهادٌ، والعُمْرةُ تَطَوُّعٌ " (١٤)، رواهُ ابنُ ماجَةَ من حديثِ الحسَن بنِ يَحبى الخُشَنيِّ وهو ضَعيفٌ. وقد رُويَ نحو هذا الحديث من طرقٍ كلُّها ضَعيفةٌ. قال الشافعيُّ: العُمرةُ سُنَّةٌ، لا نعلمُ أحداً رخَّص في تركِها، ولَيْسَ فيها شيءٌ يُثبتُ بأنها تَطوَعٌ، وقد جاء فيها شيءٌ عن النبيِّ ﷺ وهو ضَعيفٌ لا تقومُ بمثْلِهِ الحُجَّةُ. عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ الأقْرعَ بنَ حابسٍ، قالَ: يا رسولَ اللهِ: الحجُّ كلّ سنةٍ،

стр. 297

أو مرّةً واحدةً؟ قالَ: بلْ مرّةً، فمَنْ زادَ، فهو تَطوُّعٌ " (١٥)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجةَ، وللترمِذيِّ، وابنِ ماجَةَ أيضاً عن عليٍّ مِثْلُهُ. ولابنِ ماجَةَ عن أنَسٍ نحوُهُ. تقدّمَ قولُهُ ﵇: " مَنْ نذرَ أن يُطيعَ اللهَ فَلْيُطعْهُ " (١٦). عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّهُ كانَ يرُدُّ مَنْ جاوَزَ الميقاتَ غيرَ مُحرِمٍ " (١٧)، رواهُ الشافعيُّ، اسْتُدِلَّ بهِ على أحدِ القولين: أنّهُ يجبُ على مَنْ أراد دخولَ مكّةَ الإحرامُ، والصحيحُ من القولينِ أنَّ ذلكَ غيرُ واجب مطلقاً إلا لمريدِ النُّسُكِ، لما سيأتي في حديثِ ابن عبّاسٍ عندَ ذكرِ المواقِيتِ: " هيَ لهنَّ، ولمنْ أتى عَليْهنَّ من غيرِ أهلهنَّ، ممَّن أرادَ الحجَّ والعُمْرةَ " (١٨)، أخرجاهُ. تقدَّمَ حديثُ: " رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ. . " (١٩). عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ لقيَ رَكْباً بالرَّوحاءِ، فقالَ: مَنْ القومُ؟ قالوا: المسلمون، قالوا: مَنْ أنتَ؟ قال: رسولُ اللهِ، فرفَعت امرأةٌ صَبيّاً، فقالَتْ: ألهِذا حجٌّ؟ قالَ: نَعَمْ، ولكِ أجرٌ " (٢٠)، رواهُ مُسلم. وعن السّائبِ بن يزيدَ، قال: " حَجّ بي أبي مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وأنا ابنُ سَبْعِ سنينَ " (٢١)، رواهُ البُخارِيُّ. وعن جابرٍ، قالَ: " خرجْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، ومعَنا النِّساءُ والصِّبْيانُ، فلَبَّيْنا عن

стр. 298

الصِّبْيانِ ورَمَيْنا عنهم " (٢٢)، رواهُ أحمدُ، والترمِذِيُّ، وقالَ: غريبٌ، وابنُ ماجَةَ، وفي إسْنادِهِ أشْعثُ بنُ سَوّارٍ وهو ضَعيفٌ. عن محمدِ بنِ كَعبٍ القُرظيِّ عن النبيِّ ﷺ : " أيّما صبيٌّ حجَّ بهِ أهلُهُ فماتَ، أجزأتْ عنهُ، فإن أدركَ فعَلَيْهِ الحَجُّ " (٢٣)، كذا رَواهُ عبدُاللهِ بنُ أحمد، مرسَلاً، ورواهُ محمدُ بنُ المِنْهالِ الضَّريرِ عن يزيدَ بنِ زُرَيْعٍ عن شُعْبةَ عن الأعمَشِ عن أبي ظَبْيانَ عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ : فذكَرَهُ، وزادَ: " وأيُّما أعرابيٍّ حجَّ فَماتَ قبلَ أن يُهاجرَ، أجزَأتْ عنهُ، فإن هاجرَ فَعليْهِ الحَجُّ "، وهذهِ زيادةٌ غرَيبةٌ جدّاً. وقد روى هذا الحديثَ الشافعيُّ والبخاريُّ موقوفاً (٢٤) على ابنِ عبّاسٍ. واللهُ أعلمُ. قالَ تعالى: " وَللهِ على النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ استَطاعَ إليْهِ سَبيلاً ". عن أنَسٍ: " سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ : ما السَّبيلُ؟ قالَ: الزّادُ والرَّاحِلَةُ " (٢٥)، رواهُ الشافعيُّ، والدارَقُطنيُّ، ولهذا الحديثِ طرُقٌ ذكرَها ابنُ مرْدويه في تفسيرِهِ. وعن ابنِ عبّاسٍ مرفوعاً: مِثْلُهُ، رواهُ ابنُ ماجَةَ، وفي إسنادِهِ: عُمَرُ بنُ عَطاءِ بنِ وَرازٍ وهو ضَعيفٌ جدّاً. وعن ابنِ عُمرَ، قالَ: " جاءَ رجلٌ، فسأل رسولَ اللهِ: ما يُوجبُ الحَجَّ؟ قالَ: الزّادُ،

стр. 299

والراحِلةُ " (٢٦)، رواهُ الشافعيُّ، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ، قال الترمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسَنٌ، وإبراهيمُ بنُ يَزيدَ يعن الخُوزِيَّ تكلَّم فيهِ بعضُ أهلِ الحديثِ من قِبَلِ حِفْظِهِ، وقالَ الشافعيُّ: هذا حديثٌ لم يُثْبتْهُ أهلُ العلمِ بالحديثِ. ورَواهُ عن الحسَن مُرْسَلاً. قالَ البَيْهقيُّ: وقد رُويَ عن الحسَنِ عن أُمِّهِ عن عائشةَ موصولاً، وليسَ بِمحفوظٍ. عن أبي هريرةَ، قالَ: " قالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ عليَّ حجّةُ الإسلامِ، وعليَّ دينٌ؟ قالَ: فاحْفظْ دَيْنَكَ " (٢٧)، رواهُ الحافظُ أبو يَعْلى المَوْصِليُّ في مُسْندِهِ. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنَا سعيدُ بنُ سالمٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن عَطاءٍ الخُراساني عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " [مِثْلُهُ، مَنْ وُجِدَ لهُ سَعةٌ ولمْ يحتملْ دينهُ] " (٢٨). عن ابن عبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تُسافرُ امرأةٌ إلا معَ ذِي مَحْرمٍ " (٢٩)، أخرجاهُ. قالَ أصحابُنا: والمرادُ من المَحْرمِ هو أمْنُاه على نَفسِها، فمتَى حصَلَ ذلِكَ، جازَ لَها السَّفرُ، واسْتأنَسَ بعضُهم بحديث عَدِيِّ بنِ حاتمٍ، قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : " يا عَدِيُّ يوشِكُ إن طالَتْ بكَ حياةٌ، أن تَرى الظَّعينَةَ ترحَلُ من الحيرَةِ حتى تطوفَ بالكَعْبةِ، لا تخافُ أحداً إلا اللهَ " (٣٠)، رواهُ البخاريُّ. ولأبي القاسمِ البَغَويِّ في مُعْجمِهِ: " ترحَلُ من الحيرَةِ من غيرِ جوارٍ حتى تطوفَ بالبيتِ " (٣١).

стр. 300

عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ امرأةً من خَثْعَمٍ، قالتْ: يا رسولَ اللهِ: إنّ فريضةَ اللهِ على عبادِهِ في الحَجِّ أدركَتْ أبي شيخاً كبيراً لا يَثبتُ على الراحِلَةِ، أفأحُجُّ عنهُ؟ قالَ: نَعمْ، وذلكَ في حَجَّةِ الوَداعِ " (٣٢)، أخرجاهُ. وتقدَّمَ حديثُ أبي رَزينٍ: " إنَّ أبي شيخٌ كبيرٌ لا يستطيعُ الحج ولا العُمرةَ ولا الظَّعَنَ، فقالَ: حُجَّ عن أبيكَ واعْتَمِرْ " (٣٣)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وصحَّحهُ الترمِذِيُّ، وفيهِ دلالةٌ على صحّةِ الحجِّ عن المَعضوبِ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أرادَ الحَجَّ فليتعجَّلْ " (٣٤)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، واللفظُ لهُ، وابنُ ماجَةَ، وفي إسنادِهِ أبو إسرائيلَ المُلائيُّ، قالَ ابنُ المُبارَكِ: لقدْ منَّ اللهُ على المسلمين بسوءِ حِفْظِهِ. عن عليٍّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ ملَكَ زاداً وراحلةً تُبَلِّغُهُ إلى بيتِ اللهِ، ولمْ يَحجَّ، فلا عليهِ أن يموتَ يهوديّاً أو نَصرانيّاً، إنَّ اللهَ يَقولُ في كتابِهِ: " وللهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البيتِ مَنْ اسْتَطاعَ إليْهِ سَبيلاً " (٣٥)، رواهُ الترمِذِيُّ من حديثِ هِلالٍ عن أبي إسْحاقَ عن الحارثِ عنهُ، وقال: لا نعرفُهُ إلا من هذا الوجهِ، وفي إسنادِه: مَقالٌ، وهِلَالٌ هو ابنُ عبدِ الله مَوْلى رَبيعةَ مَجهولٌ، والحارثُ يُضَعَّفُ في الحديثِ. وعن أبي أُمامةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ لَمْ يَمْنعْهُ من الحَجِّ مرَضٌ حابِسٌ، ولا حاجةٌ، فلْيَمُتْ إن شاءَ يَهوديّاً، وإنْ شاءَ نَصْرانيّاً " (٣٦)، رواهُ ابنُ ماجَةَ، وإسْنادُهُ أمْثَلُ

стр. 301

من الذي قبلَهُ فيه شَريكٌ القاضي ولَيْثُ بنُ أبي سُلَيْم وقد تُكُلِّمَ فيهما. عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ امرأةً من جُهَيْنةَ جاءَتْ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَتْ: إنَّ أُمّي نذَرَتْ أنْ تَحجَّ، فلمْ تَحُجَّ حتى ماتَتْ، أفأحُجُّ عنها؟ قال: حُجّي عنها، أرأيتِ لو كان على أُمِّكِ دَيْنٌ، أكُنْتِ قاضَيتَهُ؟ اقْضوا اللهَ، فاللهُ أحَقُّ بالوَفاءِ " (٣٧)، رواهُ البخاريُّ. وعن بُرَيْدَةَ: " أنَّ امرأةً قالَتْ: يا رسولَ اللهِ إنَّ أُمّي ماتَتْ، وإنّها لَمْ تَحجُّ قَطُّ؟ قالَ: حُجّي عنها " (٣٨)، رواهُ مُسلمٌ. عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ سمعَ رجُلاً يقولُ: لبّيْكَ عن شُبْرُمَةَ، قالَ: مَنْ شُبْرُمَةُ؟ قالَ: أخٌ لي، أو قريبٌ، قال: حجَجْتَ عن نفْسِكَ؟ قالَ: لا، قالَ: حُجَّ عن نفسِكَ، ثمَّ حُجَّ عن شُبْرمَةَ " (٣٩)، رواهُ أبو داود، وهذا لفظُهُ، وابنُ ماجَةَ، وابنُ حِبّانَ في صَحيحهِ، والدارَقُطنيُّ، وعندَهُ: " هذهِ عنكَ، وحُجَّ عن شُبْرَمَةَ " (٤٠)، قال الإمامُ أحمدُ: رَفعُ هذا الحديثِ خَطأ، رواهُ عَبْدةُ مَوْقوفاً. قلتُ: رَوى هذا الحديثَ عن سَعيدِ بنِ أبي عَروبةَ جَماعةٌ عن قتادةَ عن عَزْرةَ بنِ عبدِ الرّحمن - وهو مُخْتَلفٌ في ضعفهِ - عن سعيدِ بن جُبَيْر عن ابنِ عبّاسٍ مَرفوعاً، ورَواهُ غُنْدَرٌ عن سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ موقوفاً، وكذا رواهُ رَبيعةُ عن قَتادَةَ. ورواهُ الشافِعيُّ من غيرِ وجْهٍ عن أبي قِلابَةَ عن ابنِ عبّاسٍ موقوفاً. ورواهُ الدارَقُطنيُّ من طريقٍ فيها مَطَرٌ عن عطاءٍ عن ابنِ عبّاسٍ مرفوعاً، ومن حديثِ محمدِ بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ أبي لَيْلى عن عَطاءٍ عن عائشةَ موقوفاً.

стр. 302

ورواهُ الشافعيُّ عن عَطاءٍ مُرْسَلاً، ولهذا الاضْطرابِ قالَ الإمامُ أبو بَكْر بنُ المُنْذِرِ: لا يَثبتُ حديثُ شُبْرُمَةَ، قلتُ: الصحيحُ أنّهُ موقوفٌ على ابنِ عبّاسٍ كما رواهُ الحُفّاظُ. قالَ الشافعيُّ: أخْبرَنا القَدّاحُ عن الثَّوْريِّ عن زيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قالَ: " إنّي لعندَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وسُئِل عن هذهِ، فقالَ: هذهِ حَجّةُ الإسْلامِ، فليَلْتَمِسْ أن يَقضيَ نَذْرَهُ، فيمَنْ عليهِ الحَجُّ ونذَر حَجّاً " (٤١). عن ابنِ عبّاسٍ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " عُمْرةٌ في رَمضانَ، تعدِلُ حَجّةً " (٤٢)، أخرجاهُ. فيهِ دلالةٌ على جَوازِ الاعَتمارِ في غيرِ أشْهرِ الحَجِّ. عن ابنِ عبّاسٍ أنّهُ قالَ: " من السُّنّةِ أن لا يُحرَمَ بالحَجِّ إلا في أشهُرِ الحَجِّ " (٤٣)، ذكرهُ البخاريُّ تعليقاً مَجزوماً بهِ. ورواهُ ابنُ خُزَيْمةَ في صَحيحهِ، وأبو بكر الإسْماعيليُّ، والبيهقيُّ بإسْنادٍ صحيحٍ. وقالَ البخاريُّ: قالَ ابنُ عمرَ: " أشْهرُ الحَجِّ: شَوّالٌ، وذو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ من ذي الحِجّةِ " (٤٤)، ورَواهُ الدارَقُطنيُّ. ولهُ عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عبّاسٍ، وابنِ الزُّبيْرِ مِثْلُهُ. قال الشافعيُّ: أخبرَنا مُسلمٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن عطاءٍ، قال: " لا يُهلُّ أحدٌ بالحَجِّ قبلَ أشهُرِه، فإنَّ أهلَّ بالحَجِّ، فهي عُمْرةٌ " (٤٥).

стр. 303

عن عائشةَ، قالَتْ: " خَرجْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ فقال: " مَنْ أرادَ منكُمْ أن يُهِلَّ بحجٍّ وعُمْرةٍ فليَفْعل، ومَنْ أرادَ أن يُهِلَّ بحجٍّ فليُهِلَّ، ومَنْ أراد أن يُهِلَّ بعُمْرةٍ فَليُهِلَّ، قالتْ: وأهلَّ رسولُ اللهِ ﷺ بالحَجِّ، وأهَلَّ بهِ ناسٌ معَهُ، وأهلَّ معَهُ ناسٌ بِعُمْرةٍ والحَجِّ، وأهَلَّ ناسٌ بعُمْرةٍ، وكُنتُ فيمن أهلَّ بعُمْرةٍ " (٤٦)، أخرجاهُ. فيهِ دلالةٌ على جَوازِ كلٍّ من الإفْرادِ، والتمتُّعِ، والقِرانِ، وهو من أحسنِ ما يُسْتَدَلُّ بهِ على أفْضليَّةِ الإفْرادِ. ولمُسلمٍ عنها: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أفرَدَ الحَجَّ " (٤٧). وعن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لَبّى بالحَجِّ وحدَهُ " (٤٨)، أخرجاهُ. قالَ ﵀: ثمَّ التَّمتُّع، عن ابنِ عمرَ، قالَ: " تمتَّعَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وأهدى فساقَ الهدْيَ من ذي الحُلَيْفةِ، وبدأ رسولُ اللهِ ﷺ فأهَلَّ بالعُمْرةِ، ثمَّ أهلَّ بالحَجِّ، وذكرَ الحديثَ " (٤٩)، أخرجاهُ. ولمُسلمٍ عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْن (٥٠)، وابنِ عبّاسٍ: نحو ذلك (٥١). ولنَا قولٌ: أنَّ التمتُّعَ أفْضَلُ الثلاثةِ، قالَ: ثُمَّ القِران. عن بَكْرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنيِّ عن أنَسٍ، قال: " سمعتُ النبيَّ ﷺ يُلبّي بالحَجِّ والعُمْرةِ جَميعاً، قالَ بكْرٌ: فحدَّثتُ بذلكَ ابنَ عمرَ، فقال: لَبّى بالحَجِّ وحدَهُ، فلقيتُ أنَساً فحدّثْتُهُ بقولِ ابنِ عمرَ، فقالَ أنسٌ: ما يَعدّونَا إلا صِبْياناً، سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ:

стр. 304

لَبَّيْكَ عُمْرةً وحجّاً " (٥٢)، رواهُ البخاريُّ، ومسلمٌ، وهذا لَفْظُهُ. وقد رَوى هذا الحديثَ بضعةَ عَشَرَ تابعيّاً عن أنسٍ، وروى هذا المعنى عن النبيِّ ﷺ بضعة عشر صحابيّاً. ومنهم مَنْ صرَّح بالقِران كما رواهُ (٥٣) أبو داود، والنسائيُّ بإسنادٍ على شَرْطِ مُسلمٍ، عن البراءِ بن عازبٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لعليٍّ: إنّي سُقْتُ الهَدْيَ، وقَرَنْتُ ". وقد حُكيَ قولُ الشافعيِّ أنَّ القِرانَ أفْضلُ مُطْلقاً. عن جابرٍ أنّهُ قال: " أقْبَلنا مُهِلّينَ مع رسولِ اللهِ ﷺ بحَجٍّ مُفردٍ، وأقْبَلتْ عائشةُ بعُمْرةٍ، حتى إذا كنّا بسرفَ عركَت. . فذكر الحديثَ إلى أن قال: فقالَ لها رسولُ اللهِ ﷺ : هذا أمرٌ كتبَهُ اللهُ على بناتِ آدمَ، فاغْتَسِلي، ثمَّ أهِلِّي بالحجِّ، ففَعَلتْ: ووَقفَتِ المَواقفَ حتى إذا طَهُرَتْ طافتْ بالكعبةِ، وبالصَّفا والمَرْوَةِ، ثمَّ قالَ: قد حَلَلْتِ من حَجِّكِ وعُمْرتِكِ جميعاً، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ إنّي أجدُ في نفسي أنّي لم أطِفْ بالبيتِ حتى حَجَجْتُ، قالَ: فاذهبْ بها يا عبدَالرّحمن، فأعْمِرْها من التنعيمِ وذلكَ ليْلةُ الحَصْبةِ " (٥٤)، أخرجاهُ. ففيهِ دليلٌ على جوازِ إدخالِ الحجِّ على العُمْرةِ قبل الطّوافِ، وصيرورةِ من فَعلَ ذلكَ قارناً، حيثُ قالَ: " قد حَللْتِ من حَجِّكِ وعُمْرتِكِ جميعاً، وكذا حديثُ ابنِ عمرَ المتقدّمُ: " وبدأ رسولُ اللهِ ﷺ وهو يُهلُّ بالعُمْرةِ وحدَها، حتى كانَ بسَرفَ فأدخَلَ الحَجَّ على عُمْرتِهِ، ولمْ يَحِلَّ، وأهَلَّ بهما جميعاً حينَئذٍ إلى أنْ دخَلَ مَكّةَ " (٥٥)، رواهُ

стр. 305

أبو حاتم بن حِبّان البُسْتي في صَحيحِهِ هكذا، ولا أراهُ مَحفوظاً. قالَ اللهُ تَعالى: " فَمَنْ تمتَّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسرَ منَ الهَدْي. . . ". وفي حديثِ ابنِ عمر: " تمتَّعَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وأهدى فسَاق الهَدْيَ من ذي الحُليْفةِ، وتمامُ الحَديثِ: أنّهُ أمرَ مَنْ تمتَّعَ مِن أصحابِهِ بالهَدْيِ " (٥٦). والحديثُ تمامُهُ في الصّحيحِ. فأمّا القارنُ: فعن حفْصَةَ أُمِّ المُؤمنين، قالتْ: يا رسول اللهِ: ما شَأنُ النّاسِ حَلّوا من العُمْرةِ، ولمْ تَحلَّ أنتَ مِن عُمْرتِكَ؟ فقالَ: إنّي لَبَّدْتُ رأسي، وقلَّدْتُ هَدْيي، فلا أُحِلُّ حتى أنحَرَ " (٥٧)، أخرجاهُ. وسيأْتي قولُهُ: " لتَأْخذوا مناسِكَكُمْ " (٥٨).

стр. 306

١ - بابُ: المَواقيتِ عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وقّتَ لأهلِ المدينةِ ذا الحُلَيْفةِ، ولأهلِ الشّامِ الجُحْفةَ، ولأهلِ نجد قَرْنَ المَنازلِ، ولأهل اليَمنِ يَلَمْلَمَ، وقالَ: هنَّ لهُنَّ، ولمنْ أتى عليهنَّ من غيرِهِنَّ، ممّن أرادَ الحَجَّ والعُمْرةَ، ومَنْ كانَ دونَ ذلك، فمن حيثُ أنْشَأً، حتى أهْلُ مكَّةَ من مكّةَ " (١)، أخرجاهُ. عن أبي الزُّبَيْر: أنّهُ سمعَ جابراً يُسْأل عن المُهَلِ، فقالَ: " سمعتُ أحسبُهُ رفع إلى النبيِّ ﷺ ، فقالَ: " مُهَلُ أهلِ المدينةِ من ذي الحُلَيْفةِ، والطريقُ الآخرُ من الجُحْفةِ، ومُهَلِ أهلِ العراقِ عِرْقٌ. . الحديث " (٢)، كذا رواهُ مُسلم. ورواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَةَ من ثلاثِ طرقٍ، في كلِّ منها ضعفٌ عن أبي الزُّبَيْر عن جابرٍ مرفوعاً بلا شَكٍّ. وعن عائشةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وقّتَ لأهلِ الشامِ ومصْرَ الجُحْفةَ، ولأهلِ العراقِ ذاتَ عِرْقٍ " (٣)، رواهُ أبو داود، والنَّسائيُّ، واللفْظُ لهُ، وإسْنادُهُ على شَرْطِ البخاريّ، لكنْ قالَ ابنُ عدِيٍّ: قالَ لنا ابنُ صاعدٍ: كانَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ يُنْكِرُ هذا الحديثَ، ويَحملُ على أفْلحَ بنِ حُمَيْدٍ. قلتُ: لأنّهُ تفرَّدَ بهِ عن القاسمِ عن عائشةَ. وعن الحارثِ بنِ عَمْرٍو السَّهْميِّ، قالَ: " وقّتَ رسولُ اللهِ ﷺ لأهلِ العراقِ ذاتَ

стр. 307

عِرْقٍ " (٤)، رواهُ أبو داود. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " وقّتَ رسولُ اللهِ ﷺ لأهلِ المَشْرِقِ العَقيقَ " (٥)، رواهُ أبو داود، والنسائيُّ، والترمِذِيُّ، وقالَ: حسَنٌ. قلتُ: هو من حديثِ يزيدَ بنِ أبي زِيادٍ وهو ممّن ساءَ حفْظُهُ. تقدَّمَ قولُهُ ﵇: " هُنَّ لهنَّ - إلى آخرِهِ ". عن ابنِ عمرَ، قالَ: " لما فُتِحَ هذان المِصْران أتوا عمرَ، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حدَّ لأهلِ نجدٍ قرْناً وهو جَوْرٌ عن طريقِنا، وإنّا إن أردْنا قَرْناً شقَّ علَيْنا: قالَ: فانْظروا حَذْوَها من طريقِكم، فحَدَّ لهم ذاتَ عِرْقٍ " (٦)، رواهُ البخاريُّ، والمِصْران هما: البَصْرةُ، والكوفةُ. فدلَّ على ذلك أنَّ مَنْ سلَكَ طريقاً لا ميقاتَ فيهِ أنهُ يُحرِمُ إذا حاذى أقرب المواقيتِ إليهِ، واسْتَفدْنا من هذا أنَّ الصحيحَ في حديثِ جابرٍ المُتقدّمِ في ذاتِ عِرْقٍ، أنّهُ ليسَ بمرفوعٍ، وإنّما هو من كلامِ عمر، وهكذا قال الشافعيُّ: هو أمرٌ أيسرُ عليكم، لم يُحرمْ إلا من الميقاتِ في حجّةٍ وعُمْرةٍ، لمْ يُحرِمْ قبلَهُ، فدَلَّ على أفْضَليّتهِ، وهو الصحيحُ. فأمّا القولُ الآخرُ: فَعن أُمِّ سَلَمةَ أنّها سمعتْ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " مَنْ أهَلَّ بحِجَّةٍ أو عُمْرةٍ من المسجدِ الأقْصى إلى المسجدِ الحرامِ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذنْبهِ، وما تأخّرَ، أو وَجَبتْ لهُ الجنّةُ، شكَّ الراوي أيّهما قالَ " (٧)، كذا رواهُ أبو داود. ورَواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَةَ، وابنُ حِبّانَ، والطَّبَرانيُّ، والدّارَقُطنيُّ، وغيرُهم، ولمْ يذكرْ.

стр. 308

أحدٌ من هؤلاءِ: " وما تأخّرَ " سوى أبي داود على ما فيهِ من الشّكِّ، وفي سندِهِ اضْظرابٌ مُبَيَّن في الأصلِ، ثُمَّ مَدارُهُ على يَحيى بن أبي سُفيان الأخْنَسيّ، قال أبو حاتمٍ الرازيُّ: شيخٌ من شيوخِ المدينةِ ليس بالمشهورِ، وذكرهُ ابنُ حِبّان في الثقاتِ. وقالَ الشافعيُّ: " اجتمعَ رأيُ عمرَ، وعليٍّ أنَّ أتمَّ العُمْرةِ أن يُحرِمَ بها الرّجُلُ من دُويْرَةِ أهلِهِ ". ورُويَ عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: " أنَّهُ أهَلَّ من إيْلياءَ " (٨). ورُويَ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عبّاسٍ: " لا يُجاوز الميقاتَ أحدٌ إلا مُحْرِماً " (٩). وعن ابنِ عبّاسٍ: " مَنْ نَسيَ من نُسُكِهِ شيئاً، أو تركَهُ، فلْيُهْرِقْ دماً " (١٠)، وأسانيدُها صحيحةٌ. وعن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " إذا جاوزَ الوقتُ فلمْ يُحرِمْ، فإنْ خشيَ أن يرجعَ إلى الوقتِ، فإنّهُ يُحرِمُ وأهراقَ لذلك دَماً " (١١)، رواهُ البيهقيُّ من حديثِ لَيْث بنِ أبي سُلَيْمٍ وفيهِ كلامٌ.

стр. 309

٢ - بابُ: الإحْرامِ وما يَحرُمُ فيهِ تقدَّمَ في كتابِ الطّهارةِ بيانُ غُسْل الإحرامِ. عن يَعْلى بنِ أُمَيَّةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرَ الذي أحرمَ فيه جُبّةٍ أن يَنزِعَها " (١)، أخرجاهُ. عن ابنِ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: " ليُحرمْ أحدُكُم في إزارٍ، ورِداءٍ، ونَعْلَين " (٢)، رواهُ البيهقيُّ. عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " الْبَسوا من ثيابِكُم البياضَ، فإنّها خيرٌ لكْم، وكَفِّنوا فيها مَوتاكُمْ " (٣)، رواهُ الشافعيُّ، وأبو داود، والترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ، وإسْنادُهُ على شرْطِ مُسلمٍ. عن عائشةَ، قالتْ: " كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ لإحرامِهِ قبلَ أن يُحرِمَ، ولِحلِّهِ قبلَ أن يَطوفَ بالبيتِ " (٤)، أخرجاهُ. ولَهما عنها، قالتْ: " كأنّي أنظرُ إلى وَبيصِ الطّيب في مَفارقِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو مُحْرِمٌ " (٥).

стр. 310

عن نافعٍ، قالَ: " كانَ ابنُ عمرَ إذا أرادَ الخروجَ إلى مكَّةَ ادّهنَ بدُهْنٍ ليسَ لهُ رائحةٌ طيِّبةٌ، ثمَّ يأتي مسجد الحُلَيفةِ فيُصَلّي، ثُمَّ يركَبُ، فإذا اسْتَوتْ بهِ راحِلتُهُ قائمةً أحرَمَ، ثُمَّ قالَ: هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يفعَلُ " (٦)، رواهُ البخاريُّ. ولهما عنهُ، قال: " أهَلَّ رسولُ اللهِ ﷺ حين استَوتْ بهِ راحِلتُهُ قائِمةً " (٧). ولهما عن أنَسٍ: " مِثْلُهُ " (٨). ولمسلمٍ عن جابرٍ: " مِثْلُهُ " (٩). عن ابنِعبّاسٍ، قالَ: خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ حاجّاً، فلمّا صلّى في مسجدِهِ بذي الحُلَيْفةِ ركْعتَينِ أوجبَ في مَجْلسِهِ، فأهَلَّ بالحَجِّ حينَ فرغَ من ركْعَتيهِ، فسمعَ ذلك منهُ أقوامٌ فحفِظتهُ، ثمَّ ركبَ فلما استقلت بهِ ناقَتُهُ أهلَّ، وأدركَ ذلك منهُ أقوامٌ، وذلك أنّ الناسَ إنّما كانوا يأتونَ أرسالاً، فسمعوه حين استقَلَّتْ بهِ راحِلَتُهُ يُهلُّ، فقالوا: إنّما أهلَّ حين استَقلَّتْ بهِ ناقَتُهُ، ثمَّ مَضى فَلَما علا شرَفَ البيداءِ، أهَلَّ، وأدركَ ذلكَ منهُ أقوامٌ، فقالوا: إنّما أهلَّ حين علا شرَفَ البَيْداءِ، وايمُ اللهِ لقد أوجب في مُصَلاّهُ، وأهَلَّ حين اسْتَقَلَّتْ بهِ ناقَتُهُ، وأهَلَّ حينَ عَلا شرَفَ البيداءِ، فمَنْ أخذَ بقولِ ابنِ عبّاس أهَلَّ في مُصَلاّهُ إذا فرَغَ من رَكْعَتيْهِ " (١٠)، رَواهُ أبو داود من حديثِ ابنِ إسْحاقَ عن خُصَيْفٍ عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنهُ، وخُصَيْفٌ تُكُلِّمَ فيهِ. ورواهُ الترمِذِيُّ، والنَّسائيُّ عنهُ: " أنَّ النبيَّ ﷺ أهلَّ دُبُرَ الصلاةِ " (١١). تقدَّمَ حديثُ: " الأعمالُ بالنّيّاتِ " (١٢).

стр. 311

عن جابرٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لعَلِيٍّ: بما أهْلَلْتَ؟ قالَ: بإهلالٍ كإهْلالِ النبيِّ ﷺ " (١٣)، أخرجاهُ. عن عائشةَ، قالتْ: " خرَجْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ لا نذكرُ حَجّاً ولا عُمْرةً " (١٤)، رواهُ مُسلمٌ. وعن جابرٍ، قالَ: " ما سَمّى النبيُّ ﷺ في تَلْبيتِهِ قَطُّ حَجّاً ولا عُمرةً " (١٥)، رواهُ الشافعيُّ عن إبراهيم بنِ محمدٍ عن سعيدِ بنِ عبدِ الرّحمن. يُسْتدَلُّ بذلكَ على أنَّ المسْتحبَّ أن لا يذكرَ ما أحرَمَ في تَلْبيَتِهِ. وروى الشافعيُّ عن ابنِ عمرَ: " أنهُ سمعَ بعضَ أهلِهِ يُسمّي حَجّاً أو عُمْرةً، فضرَبَ في صَدْرِهِ، ثمَّ قالَ: أتُعلمُ اللهَ بما في نفسِكَ " (١٦)، وإسْنادُهُ صحيحٌ. عن ابنِ عمرَ: أنَّ تَلْبيَةَ رسولِ اللهِ ﷺ : " لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَريكَ لكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحمدَ والنِّعْمةَ لكَ والمُلْكَ، لا شَريكَ لك " (١٧)، أخرجاهُ. عن خَلاّدِ بنِ السّائبِ الأنصاريِّ عن أبيهِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " أتاني جبْريلُ، فأمرَني أن آمُرَ أصاحبي ومَنْ مَعيَ أن يرْفعوا أصواتهم بالإهلالِ، أو قال: بالتَّلْبيَةِ يُريدُ أحدهما " (١٨)، رواهُ الأئمّةُ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وأهلُ السُّننِ، ولفْظُهُ لأبي داود، وصحَّحهُ الترمِذِيُّ، وابنُ حِبّان، ورَواهُ ابنُ ماجَةَ، وابن حّبّان أيضاً من حديثِ خَلاّدِ عن زيدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ مرفوعاً، قالَ الترمِذِيُّ: ولا يَصحُّ، والصحيحُ عن خَلاّدٍ عن أبيهِ.

стр. 312

عن ابنِ عمرَ، قالَ: " لا تَرفعِ المرأةُ صوتَها بالتَّلْبيَةِ " (١٩)، رواهُ البيهقيُّ. عن أبي بكرٍ الصّدّيقِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أيّ الحَجُّ أفضلُ؟ قالَ: العَجُّ والثَّجُّ " (٢٠)، رواهُ الترمِذِيُّ، وابنُ ماجَةَ، وفي إسْنادِهِ انقظاعٌ، وذلكَ أن محمدَ بنَ المُنْكَدِرِ يرويهِ عن عبدِ الرّحمنِ بنِ يَرْبوعٍ عن أبي بكرٍ، قالَ الترمِذِيُّ: ولمْ يَسمعْ محمدٌ مِن عبدِ الرّحمن. ورَواهُ الطَّبَرانيُّ عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ عن سعيدِ بنِ عبدِ الرّحمن بنِ يَربوعٍ عن أبيهِ عن أبي بكرٍ، فاتّصلَ الحديثُ. ورَوى الشافعيُّ عن محمدِ بنِ المنْكدِرِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُكثرُ من التَّلْبيَةِ " (٢١)، وهذا مُرْسَلٌ. عن جابرٍ، قالَ: " قالَ النبيُّ ﷺ : " ما من مُحرمٍ يَضْحَى للهِ يومَهُ يُلَبّي حتى تَغيبَ الشمسُ إلا غابَتْ بذنوبِهِ، فعادَ كما وَلَدْتُهُ أُمُّهُ " (٢٢)، رواهُ ابنُ ماجَةَ من حديثِ عاصمِ بنِ عمرَ العُمَرِيِّ وهو ضعيفٌ. وعنهُ، قال: " كان رسول الله ﷺ يُلَبّي إذا لقيَ رَكْباً، أو صَعدَ أكَمَةً، أو هبطَ وادياً، وفي أدبار المكتوباتِ، ومن آخرِ الليلِ " (٢٣)، رواهُ عبدُ اللهِ بن ناجيةَ في فوائدِهِ بإسْنادٍ غريب لا يثبتُ مثْلُهُ. عن مجاهِدٍ " أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ ذاتَ يومٍ والناسُ يُصرَفون عنهُ، فكأنّهُ أعجبَهُ ما

стр. 313

هم فيهِ، قالَ: إنّ العيشَ عيشُ الآخرةِ " (٢٤)، رواهُ الشافعيُّ عن سعيدِ بنِ سالمٍ عن ابنِ جُريْجٍ أخبرني حُمَيْدٌ الأعرجُ عن مجاهدٍ: فذكرهُ: قالَ ابنُ جُرَيْجٍ: وحَسِبْتُهُ يومَ عَرَفَةَ ". عن صالح بنِ محمدِ بن زائدةَ عن القاسمِ بنِ محمدٍ عن أبي بَكْر الصّدَيقِ، قالَ: " كانَ يُؤْمَرُ الرَّجلُ إذا فرَغَ من تلْبيَتِهِ أن يُصلّي على النبيِّ ﷺ ، على كلِّ حالٍ " (٢٥)، رواهُ الشافعيُّ، والدارَقُطنيُّ وصالحٌ، هذا ضعيفٌ، ثمَّ إن كانت هذهِ العبارةُ من الصّحابي في حُكْمِ المرفوعِ، فهي من التابعيِّ كمرْسَلِهِ، كذا نصَّ عليهِ بعضُ أصحابِنا. عن عُمارَةَ بنِ خُزَيْمةَ بنِ ثابتٍ عن أبيهِ: " أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا فَرَغَ من تَلْبيتِهِ، سألَ اللهُ رضْوانَهُ والجنّةَ، واستعاذَ برحمتِهِ من النارِ " (٢٦). رواه الشافعي من طريقٍ لا يَثيتُ، ولكنْ ذكرَ لهُ البيهقيُّ مُتابِعاً. مالكٌ عن ابنِ شهابٍ أنّهُ كانَ يقولُ: " كانَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ لا يُلَبّي وهو يطوفُ حولَ البيتِ (٢٧). عن ابنِ عمرَ: " أنَّ رجلاً سألَ النبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِوَسَلّمَ ما يَلبسُ المحرِمُ من الثيابِ؟ قال: " لا يلبسِ القُمُصَ، ولا العَمائِمَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا البَرانِسَ، ولا الخِفافَ، إلا أحدٌ لا يجدُ النَّعْلين، فلْيَلبَسِ الخفّين، وليَقْطعهما أسْفلَ من الكَعْبين، ولا تَلْبَسوا شيئاً كم الثيابِ مَسَّهُ الزَّعْفَران ولا الوَرْسُ " (٢٨)، أخرجاهُ. وتقدّم في الجنائز حديثُ ابنِ عبّاسٍ في الذي وقصَتْهُ ناقتُهُ، فقال النبيُّ ﷺ : " كفنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوهُ، ولا تُخمّروا رأسه فإنّهُ يُبْعَثُ يومَ القيامة مُلبِّياً " (٢٩)، أخرجاهُ. وللشافعيِّ بإسْنادٍ حسَنٍ: " وخَمِّروا وجْهَهُ، ولا تُخمِّروا رأسَهُ " (٣٠).

стр. 314

عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " يَشَمُّ المُحْرمُ الرِّيحانَ، وينظرُ في المرآةِ، ويَتداوى بما يأكُلُ الزَّيتَ والسّمْنَ " (٣١)، ذكرهُ البخاريُّ تَعْليقاً. ورواهُ الدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ بإسْنادٍ صحيحٍ. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا سعيدُ بنُ سالمٍ عن ابنِجُرَيْجٍ، قالَ: ما أرى الوردَ والياسَمين إلا طيباً، قالَ: وأخبرَنا سعيدٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن أبي الزُّبَيْر عن جابرٍ: " أنّهُ سُئِلَ: أيشمُّ المُحْرِمُ الرَّيْحانَ والدُّهنَ والطيبَ؟ قالَ: لا " (٣٢)، وقالَ: أخبرنا مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عمرَ: " أنّهُ كَرِهَ الرَّيْحانَ للمحْرمِ " (٣٣). قالَ الشافعيُّ: فهذا القولُ أحوطُ، وبهِ نأخذُ. فأمّا الفِدْيةُ في جميعِ ما تقدَّمَ فَسيأتي إن شاءَ اللهُ في البابِ بعدَهُ. عن عثمانَ بنِ عفّانَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " لا يَنكِحُ المُحْرمُ، ولا يُنْكِحُ، ولا يَخْطُبُ " (٣٤)، رواهُ مسلم. وعن أبي غَطَفانَ بنِ طَريفٍ المُرِّيِّ: " أنَّ أباهُ تزوَّجَ امرأةً وهو مُحْرمٌ، فرَدَّ عمرُ بنُ الخطّابِ نِكاحَهُ " (٣٥)، رواهُ مالِكٌ. قال اللهُ: " فَمَنْ فرَضَ فيهِنَّ الحجَّ فلا رَفَثَ ولا فُسوقَ "، قالَ ابنُ عبّاسٍ: " الرَّفَثُ: الجِماعُ " (٣٦)، رواهُ البيهقيُّ. قالَ تعالى: " وحُرِّمَ عَليْكُمْ صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمَاً ". عن ابنِ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " خَمْسٌ من الدّوابِ، ليسَ على المُحْرِمِ في

стр. 315

قلتهنَّ جُناحٌ: الغرابُ، والحِدَأةُ، والعقربُ، والفأرَةُ، والكلبُ العَقورُ " (٣٧)، أخرجاهُ. ولَهما عن عائشَةَ: " مِثْلُهُ " (٣٨). وقد قاسَ أصحابُنا جميعَ الصّيدِ المأكولِ على هذهِ الخَمْسِ بجامعِ عدمِ أكلِها. عن المُطَّلِبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حَنْطَب عن جابرٍ عن النبيِّ ﷺ قال: " صيدُ البَرِّ لكُمْ حلالٌ، ما لمْ تصيدوهُ أو يُصَدْ لكُمْ " (٣٩)، رواهُ الشافعيُّ - وقالَ: هو أحسنُ حديثٍ رُويَ في هذا البابِ وأقيسُ -، وأحمدُ، وأبو داود، والنَّسائيُّ، والترمِذِيُّ، وقالَ: لا يُعرَفُ للمُطَّلبِ سَماعٌ من جابرٍ. وعن الصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ: " أنهُ أهدى للنبيِّ ﷺ حمارَ وحْشٍ وهو بالأبْواءِ أو بِوَدّانَ، فرَدَّهُ عليهِ، فلمّا رأى ما في وجْهِهِ، قالَ: إنّا لمْ نَرُدَّهُ عليكَ إلا أنّا حُرُمٌ " (٤٠)، أخرجاهُ. ووجْهُ هذا الحديثِ أنّهُ ظَنَّ أنّهُ صيدَ لهُ، بدليلِ حديثِ أبي قَتادَةَ الذي في الصّحيحين: " أنّهُ انطلق هو وأصحابُهُ فأحْرَموا كلُّهم إلا أبا قَتادَةَ، وأنهُ قتلَ حمارَ وَحْشٍ، فأكَلوا منها، ثمَّ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: منكم أحدٌ أمرَهُ أو أشارَ إليهِ بشيءٍ؟ قالوا: لا، قالَ: فَكُلوا ما بقيَ من لحمِها "، وفي روايةٍ: " هلْ معَكُمْ منهُ شيءٌ؟ قلتُ: نَعَمْ، فناوَلْتُهُ العَضُدَ فأكلَها " (٤١). عن عبدِ الله بنِ مَعْقَلٍ، قال: " جلَسْتُ إلى كَعْبِ بنِ عُجْرةَ، فسألْتُهُ عن الفِدْيةِ، فقال: نزلَت فيّ خاصّةً، وهي لكمْ عامَّةً، حُمِلْتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، والقَمْلُ يَتَناثَرُ على وجهي، فقالَ: ما كنتُ أَرَى الجَهدَ بلغَ بكَ ما أرى، تجدُ شاةً؟ فقلتُ: لا، قال

стр. 316

فصُمْ ثلاثةَ أيامٍ أو أطْعِمْ ستّةَ مساكينَ، لكلِّ مِسكينٍ نصفُ صاعٍ " (٤٢)، أخرجاهُ. وفي روايةٍ لهما: " فأمرَهُ رسولُ اللهِ ﷺ أن يَحلقَ، وأن يُطْعِمَ فَرَقاً بينَ ستَّةِ، أو يُهديَ شاةً، أو يصومَ ثلاثةَ أيامٍ " (٤٣). والحلْقُ أصلٌ لما يُقاسُ عليهِ من المَحظوراتِ. عن أبي المُهَزِّمِ عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " الجرادُ من صيدِ البحرِ " (٤٤)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وأبو المُهَزِّمُ اسمُهُ يَزيدُ بنُ سفيانَ ضعيفٌ جداً، كانَ شُعْبةُ يتكلَّمِ فيهِ، فلو صحَّ لاسْتُدِلَّ بهِ لأحدِ القولينِ أنهُ إذا افتَرشَ الجرادَ في الطريقِ فقتَلَهُ، لا يَلزمُهُ شيءٌ. تقدّمَ حديثُ: " إنّ اللهَ تجاوزَ عن أُمتي الخطأَ والنّسيانَ، وما اسْتُكْرِهوا عليهِ " (٤٥)، فمقتضاهُ عامٌّ في جميعِ المَحظوراتِ، أنْ لا إثْمَ ولا كَفّارةَ على مَنْ فَعلها ناسياً، وهذا دليلٌ لأحدِ القولينِ، إلا في قتلِ الصيدِ، فإنَّ فيهِ الكفّارةَ قولاً واحداً، خطأً كانَ أو عَمْداً، على أنَّ المفهومَ من قولِهِ تَعالى: " ومَنْ قتَلَهُ مِنْكُمْ مُتعمِّداً فجزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ " يَقتضي أنْ لا كفّارةَ في قتلِهِ خطأً ونسْياناً، لكنَّ الجمهورَ على خلافِهِ، وتَرْكُ المفهومِ هنا للقياسِ. وقالَ الشافعيُّ: أخرَنا سعيدٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ، قلتُ لعَطاءٍ، قولُ اللهِ: " لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ، ومَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتعمِّداً "، قلتُ: فمن قتَلَهُ خطأً، أيغرم؟ قالَ: نَعَمْ، يُعَظِّمُ بذلكَ حُرْماتِ اللهِ، ومضَتْ بهِ السُّنَنُ " (٤٦)، وهذا من الشافعيِّ في حُكْمِ المُرْسَلِ إن جَعَلْنا قولَ الصحابيِّ: من السُّنّةِ كذا مرفوعاً، وهو الصحيحُ.

стр. 317

عمرَ، فقالَ: إنّي أجْرَيتُ أنا وصاحبي، فأجْرَينا فَرسينِ إلى ثغْرةِ ثَنيَّةٍ، فأصَبْنا ظَبْياً ونحنُ مُحْرِمانِ، فماذا تَرى في ذلكَ؟ فقالَ عمرُ لرجلٍ إلى جَنْبِهِ: تَعالَ احكمْ أنا وأنتَ، قالَ: فحكَما عليهِ بعَنْزٍ " (٤٧)، وهذا مُنْقطعٌ، إلا أنّهُ يُسْتَأْنسُ بهِ في هذا، ومثْلُهُ يَشتهرُ عن أميرِ المؤمنينَ عمرَ. تقدَّمَ في حديثِ ابن عمرَ: " ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ، ولا تَلْبسُ القُفّازَينِ " (٤٨). ولأحمد، وأبي داود من حديثِ ابنِ إسْحاقَ حدَّثني نافعٌ عن ابنِ عمرَ: " أنّهُ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يَنْهى النِّساءَ في إحرامِهِنّ عن القُفّازَينِ، والنِّقابِ، وما مَسَّ الوَرْسُ والزَّعْفَرانُ من الثِّيابِ، ولتَلْبَسْ بعدَ ذلكَ ما أحَبَّتْ من ألوانِ الثّيابِ مُعَصْفَراً، أو خَزّاً، أو حُلِيّاً، أو سَراويلَ، أو قَميصاً " (٤٩)، وهذا إسْنادٌ جيّدٌ قوِيٌّ حجة إن شاءَ اللهُ. وعنهُ: أنّهُ قال: " إحرامُ المرأةِ في وجْهِها، وإحرامُ الرّجلِ في رأسه " (٥٠)، رواه الدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ بإسْنادٍ صحيحٍ. ورَواهُ البيهقيُّ أيضاً من طريقينِ آخرَينِ مرفوعاً " (٥١)، ولا يَصحُّ. عن عائشةَ، قالَتْ: " كانَ الرُّكْبانُ يَمرّونَ بنا، ونحنُ معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فإذا حاذوا بنا سدَلَتْ إحدانا جِلبابَها من رأْسِها على وجْهِها، فإذا جاوَزونا كشَفْناهُ " (٥٢)، رَواهُ أحمدُ،

стр. 318

وأبو داود، وابنُ ماجَةَ مِن حديثِ يَزيدَ بنِ أبي زِيادٍ، وفيهِ كلامٌ. قالَ ابنُ عبّاسٍ: " تُدلي علَيها جِلْبابَها، ولا تضربُ بهِ على وَجْهِها " (٥٣)، رواهُ الشافعيُّ بإسْنادٍ جيّدٍ، لا بَأْسَ بهِ.

стр. 319

٣ - بابُ: كَفّارات الإحْرامِ تقدّمَ حديثُ كَعْبِ بنِ عُجْرةَ في البابِ قبلَهُ، وهو أصلٌ لما يُقاسُ عليهِ من المَحظوراتِ بجامعِ التَّرَفُّهِ، وفيهِ التَّخْييرُ بينَ الشاةِ، وبينَ الطعامِ، وبينَ الصيامِ. ورَوى الشافعيُّ عن مالكٍ هذا الحديثَ بسندِهِ، وفي آخرِهِ: " أيَّ ذلكَ فعَلْتَ، أجزأ عنكَ " (١). قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا مسلمٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن عَطاءٍ: أنّهُ قالَ: " في الشَّعرَةِ: مُدٌّ، وفي الشَّعرتينِ: مُدّانِ، وفي الثلاثِ فَصاعِداً دَمٌ " (٢). وقد اسْتأْنسَ الشافعيُّ ﵀ بهذا، ووجَهَّهُ الأصحابُ بشيءٍ آخرَ. قالَ مالكٌ فيما بلَغَهُ عن عمرَ، وأبي هريرةَ: " أنّهم سُئِلوا عن رجلٍ أصابَ أهلَهُ وهو مُحْرِمٌ بالحَجِّ، فقالوا: يَنْفُذانِ لِوَجْهِهما حتى يَقْضِيا حَجَّهما، ثمَّ عليهما حَجٌّ قابِلٌ، والهَدْيُ، قالَ عليٌّ: فإذا أهَلاّ بالحَجِّ من عامٍ قابِلٍ وتَفرَّقا حتى يَقْضيا حَجَّهما " (٣). ورَوى البيهقيُّ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، وعبدِ الله بنِ عمرَ، وابنِ عبّاسٍ، نحوَ ذلك (٤)، وإسْنادُهُ ثَقاتٌ أئِمّةٌ، إلى عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، وفي هذا السِّياقِ التصريحُ بسماع شُعَيْبٍ من هؤلاءِ الثلاثةِ. عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّهُ سُئِلَ عن رجلٍ وقَعَ بأهْلِهِ وهو بمَنىً قبلَ أن يَفيضَ، فأمَرهُ

стр. 320

أن يَنحرَ بَدَنَةً " (٥)، رواهُ الشافعيُّ عن مالكٍ عن أبي الزُّبَيْرِ عن عَطاءٍ عنهُ. قالَ اللهُ: " يا أيُّها الذينَ آمَنوُا لا تَقتُلوا الصَّيْدَ وأنتُمْ حُرُمٌ ومَنْ قَتَلَهُ مِنكُمْ مُتعمِّداً فجزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحكُمُ بهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدياً بالِغَ الكَعْبَةِ أو كَفَّارَةٌ طَعامُ مَسَاكينَ أوْ عدْلُ ذلِكَ صِيامَاً. . " الآية. قال الشافعيُّ: أخبرنا سعيدُ بنُ سالمٍ عن ابنِ جُرَيجٍ عن عطاءٍ الخُراسانيِّ: " أنَّ عمر، وعثمان، وعَليّاً، وزيدَ بنَ ثابتٍ، وابنَ عبّاسٍ، ومعاوية، قالوا في النَّعامةِ يقتلُها المُحْرِمُ: بدَنةٌ من الإبلِ " (٦). قالَ الشافعيُّ: وهذا غيرُ ثابتٍ عندَ أهلِ العلمِ بالحديثِ، وهو قولُ أكثرِ من لقيتُ فيهِ أقولُ وبالقياسِ، لا بهذا، يُريدُ الشافعيُّ أنَّ عطاءً الخُراسانيَّ لمْ يَثبتْ لهُ سَماعٌ من واحدٍ من هولاءِ. وعن ابنِ عبّاسٍ: أنّهُ قالَ: " في النَّعامَةِ جَزورٌ، وفي البقَرةِ: بقرةٌ، وفي الحمار: بقَرةٌ " (٧)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ، وقالَ: إسْنادٌ حسَنٌ. عن جابرٍ، قالَ: " جعلَ رسولُ اللهِ ﷺ في الضَّبْعِ يُصيبُهُ المحْرِمُ: كَبْشاً، وجَعَلَعُ من الصَّيْدِ " (٨)، رواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، والدارقطنيُّ، ولفظُهُ لأبي داود، وإسْنادُهُ على شَرْطِ مُسلمٍ، ولهُ مُتابِعٌ. وقالَ البخاريُّ والترمِذِيُّ: حسَنٌ صحيحٌ.

стр. 321

ورواهُ الدارَقُطنيُّ أيضاً من حديثِ ابنِ عبّاس مرفوعاً " (٩)، وإسْنادُهُ لا بَأْسَ بهِ. وعن جابرٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: " في الضَّبعِ إذا أصابهُ المُحرِمُ كبْشٌ، وفي الظبي: شاةٌ، وفي الأرنبِ: عَناقٌ، وفي اليَربوعِ: جَفْرَةٌ، والجَفْرةُ التي قد ارْتَعتْ " (١٠)، رواهُ الدارَقُطنيُّ من حديثِ الأجْلحِ بنِ عبدِ اللهِ الكِنْدِيِّ، وهو مُختَلَفٌ فيهِ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جابرٍ. ورواهُ الشافعيُّ عن مالكٍ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جابرٍ عن عمرَ قَوُله (١١) - وهذا هوَ الصحيحُ. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا سفيانُ عن عَمْرٍو عن عَطاءٍ: " أنَّ غلاماً من قُريشٍ قتلَ حمامةً من حمامِ مَكَّةَ، فأمَرَ ابنُ عبّاسٍ أن يُفْدى عنهُ بشاةٍ " (١٢)، إسنادٌ صحيحٌ. ورُوي أيضاً عن عمر بنِ الخطّابِ: " أنّهُ أتلفَ طيراً من حَمامِ الحرَمِ، فحكَمَ عليهِ عثمانُ بنُ عفّانَ، ونافعُ (بنُ) عبدِ الحارثِ بعَنْزٍ ثَنيَّةٍ " (١٣). عن أبي المُهَزِّمِ عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: " في بيضِ النَّعامِ يُصيبُهُ المُحْرِمُ ثَمنُهُ " (١٤)، رواهُ ابنُ ماجَةَ، اسمُ أبي المُهَزِّمِ: يزيدُ بنُ سُفْيانَ، وهو ضعيفٌ. ورَوى البيهقيُّ: " سُئِلَ ابنُ عبّاسٍ عن الصَّيدِ يَصيدُهُ المُحْرمُ، ولا مِثْلَ لهُ من

стр. 322

النَّعمِ؟ فقالَ ابنُ عبّاسٍ: ثَمنُهُ يُهْدى إلى مَكّةَ " (١٥). عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ يومَ فَتح مَكّةَ: " إنَّ هذا البلدَ حرّمَهُ اللهُ يومَ خلَقَ السّمواتِ والأرضَ، فَهو حَرامٌ بحرمةِ اللهِ إلى يومِ القيامةِ: لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنَفَّر صيْدُهُ، ولا يَلْتَقِطُ لُقطَتَهُ إلا مَنْ عرَّفَها، ولا يُخْتَلى خَلاها، فقالَ العبّاسُ: يا رسولَ اللهِ: إلا الإذْخِرَ، فإنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وبُيُوتِهمْ، فقالَ: إلا الإذْخِرَ " (١٦)، أخرجاهُ. قالَ الشافعيُّ عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ: إنَّ في الدَّوْحةِ وهيَ الشجرةُ العظيمةُ: بقرةٌ، وقالَ عطاءٌ: وفي الشّجرةِ دونَها: شاةٌ " (١٧). عن أنَسٍ، قالَ: " حرَّمَ رسولُ اللهِ ﷺ مِن كَذا إلى كَذا، لا يُقْطَعُ شجَرُها "، وفي لفظٍ: " ولا يُخْتَلى خَلاها، فمَنْ فَعلَ ذلكَ، فعَلَيْهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ، والنّاسِ أجمعين " (١٨)، أخرجاهُ. وعن أبي سعيدٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " اللهُمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّمَ مكّةَ فجعَلها حَراماً، وإنّي حَرَّمتُ المدينةَ حَراماً ما بينَ لابَتَيْها، لا يُهْراقُ فيها دمٌ، ولا يُحمَلُ فيها سِلاحٌ لِقتالٍ، ولا تُخبَطُ فيها شَجرَةٌ إلا لِعَلفٍ " (١٩)، رواهُ مُسلمٌ. وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرةٌ جدّاً. عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ: " أنّهُ ركِبَ إلى قَصْرِهِ بالعَقيقِ، فوجَدَ عَبْداً يَقْطَعُ شَجراً أو يخبطُهُ فسلَبَهُ، فلمّا رجَعَ سَعْدٌ جاءَهُ أهلُ العبدِ فكلّموهُ أن يَرُدَّ على غُلامِهم، أو عليهم ما أُخذَ من غُلامِهم، فقالَ: مَعاذَ اللهِ أن أرُدَّ شيئاً نفَّلَنيهِ رسولُ

стр. 323

اللهِ ﷺ ، وأبى أن يَرُدَّ عَلَيْهمْ " (٢٠)، رواهُ مُسلمٌ. قالَ اللهُ: " هَدْياً بالِغَ الكَعْبَةِ ". عن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خرَجَ مُعْتَمِراً، فَحالَتْ كُفّارُ قُرَيشٍ بينَهُ وبينَ البيتِ، فَنحرَ هدْيَهُ، وحَلَقَ رأْسَهُ بالحُدَيْبيَةِ، وقاضاهُم على أن يَعْتمِرَ إلى العامِ المُقْبلِ، فدَخلَ كما كانَ صالَحَهُمْ، فلما أن أقامَ بها ثلاثاً أمَروهُ أن يَخرُجَ، فخرَجَ " (٢١)، رواهُ البخاريُّ. وقالَ مالكٌ: الحُدَيْبيَةُ خارجُ الحَرَمِ. وقالَ في المُهَذَّبِ: بينَها وبينَ الحَرَمِ ثلاثةُ أميالٍ. وقالَ الشافعيُّ: بعضُ الحُدَيْبيَةِ في الحِلِّ، وبعضُها في الحَرَمِ.

стр. 324

- بابُ: صِفَةِ الحَجِّ قد تقدَّمَ في بابِ الغُسْلِ المَسنونِ: الغُسْلُ لدخولِ مَكَّةَ. عن ابنِ عمرَ ﵁، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يدخلُ من الثَّنيَّةِ العُليا التي بالبطحاءِ، ويخرجُ من الثَّنيَّة السُّفلى " (١)، أخرجاهُ. عن جابرٍ، أنّهُ سُئِلَ: " أيرفَعُ الرجُلُ يديْه إذا رأى البيتَ؟ فقالَ: حَجَجْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فكُنّا نَفْعَلُهُ " (٢)، كذا رواهُ الترمِذِيُّ، وقالَ: إنّما يُعرَفُ من حديثِ شُعْبةَ عن أبي قَزَعَةَ. قلتُ: ورواهُ بعضُهم بزيادةِ هَمْزةٍ: " أفكُنَّا نفعَلُهُ؟ " كالمُنْكِرِ لذلكَ. وقد رواهُ أبو داود بما يُقَوِّي ذلكَ من حديثِ شُعْبةَ أيضاً، قالَ: " فقالَ: ما كُنْتُ أرى أحَداً يفعَلُ ذلكَ إلا اليهودَ، وقد حَججْنا معَ النبيِّ ﷺ فلمْ تكنْ نَفْعَلُهُ " (٣). وللنِّسائي كالحديثين. فإن صحَّ النَّفْيُ عن جابرٍ، فقد أثبتَ ذلكَ غيرُهُ. فعن ابنِ عمرَ، وابنِ عبّاسٍ، قالا: " لا تُرْفَعُ الأيدي إلا في سَبْعةِ مَواطنَ: في بَدء الصّلاةِ، وبعَرَفَةَ، وبجَمْعٍ، وعندَ الجَمْرتين، وعلى الصَّفا والمَرْوَةِ، وإذا اسْتَقْبلتَ البيتَ " (٤)، رواهُ سعيدٌ في سُنَنِهِ.

стр. 325

وعن طاووسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمّا رأى البيتَ رفَعَ يَدَيْهِ " (٥)، رواهُ البيهقيُّ، وهو: مُرْسَلُ. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا سعيدُ بنُ سالمٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا رأى البيتَ رفعَ يدَيْهِ، وقالَ: " اللهُم زِدْ هذا البيتَ تَشْريفاً وتَعْظيماً، وتَكريماً ومَهابَةً، وزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وكرَّمَهُ مِمّن حجَّهُ أو اعْتَمَرهُ تشْريفاً وتكريماً وتعظيماً وبِرّاً " (٦)، هكذا رواهُ مُرْسَلاً. وقد رواهُ الطَّبَرانيُّ في المَناسِكِ من حديثِ أبي سَريحةَ حُذَيْفةَ بنِ أسيدٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا نظَرَ إلى البيتِ قالَ: " اللهُمَّ زِدْ بيتَكَ هذا تَشْريفاً وتَعْظيماً، وتَكْريماً ومَهابَةً " (٧). عن سعيدِ ينِ المُسَيَّبِ، قالَ: " سمعتُ هذا من عمرَ، ما بقيَ على الأرضِ، سمعَ هذا منهُ غَيري: " إنّهُ نَظَرَ إلى البيتِ، فقالَ: " اللَّهُمَّ أنتَ السّلامُ، ومنكَ السّلامُ، فَحيِّنا ربَّنا بالسَّلامِ " (٨)، رواهُ سعيدُ بنُ مَنْصورٍ في سُنَنِهِ، وفي هذا إثباتُ سَماعِ سعيدٍ من عمرَ، والمشهورُ عَدَمُ سَماعِهِ منهُ. وقد رَوى هذا الشافعيُّ من قولِ سَعيدٍ نفسِهِ، واللهُ أعلمُ. عن عائشةَ: " إنَّ أوَّلَ شيءٍ بدَأ رسولُ اللهِ ﷺ حينَ قدِمَ أنّهُ توضَّأ، ثمَّ طافَ " (٩)، أخرجاهُ.

стр. 326

عن ابن يَعْلى عن أبيهِ: " أنَّ النبيَّ ﷺ طافَ بالبيتِ وهو مُضْطَبِعٌ بِبُرْدٍ لهُ حَضْرَمِيٍّ " (١٠)، رواهُ أحمد، وهذا لَفْظُهُ، وأبو داود، والترمِذِيُّ، وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ. قلتُ: وفي إسْنادِهِ اختلافٌ. وعن ابنِ عباسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَهُ اعْتَمروا من الجِعْرانَةِ، فرَمَلوا بالبيتِ، وجَعَلوا أرْدِيتَهم تحتَ آباطِهم، ثمَّ قَذَفوها على عَواتِقهم اليُسْرى " (١١)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وإسْنادُهُ على شَرطِ مُسلمٍ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ حينَ يقدُمُ مكَّةَ يَسْتلِمُ الرّكْنَ الأسْودَ أوَّلَ ما يَطوفُ " (١٢)، أخرجاهُ. عن عمرَ، " أنّهُ جاءَ إلى الحَجَرِ الأسْودِ فَقَبَّلَهُ، وقالَ: إني لأعلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ، ولولا أنّي رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ، ما قَبَّلْتُكَ " (١٣)، أخرجاهُ. وعن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " طافَ رسولُ اللهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ على بَعيرٍ يَسْتلِمُ الرُّكْنَ بِمحْجَنٍ " (١٤)، أخرجاهُ. وعن عمرَ: " أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لهُ: يا عمرُ إنّكَ رجلٌ قوِيٌّ، لا تُزاحمْ على الحَجَرِ، فتأذينَّ الضَّعيفَ، إن وجَدْتَ خلْوَةً فاسْتَلِمْهُ، وإلا فهلل وكَبِّرْ " (١٥)، رواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ. عن جابرٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ أتى الحَجَرَ، فاسْتَلَمَهُ، ثمَّ مشى على يَمينِهِ فَرَمَلَ ثَلاثاً،

стр. 327

ومَشى أرْبَعاً " (١٦)، رواهُ مُسلمٌ. عن ابنِ عمر، قالَ: " لَمْ أرَ النبيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ من البيتِ إلا الرُّكْنينِ اليَمانيينِ " (١٧)، أخرجاهُ. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا سعيدُ بنُ سالمٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ، قالَ: أُخْبِرتُ أنَّ بعضَ أصحابِ النبيِّ ﷺ قالَ: " يا رسولَ اللهِ كيفَ نقولُ إذا اسْتَلَمْنا؟ قالَ: قولوا: بسْمِ اللهِ، واللهُ أكبرُ، إيماناً باللهِ، وتَصْديقاً بما جاءَ بهِ محمدٌ ﷺ (١٨)، وهذا مُنْقَطعٌ. وعن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: " أنّهُ كانَ إذا اسْتلَمَ الرُّكْنَ قالَ: بسْمِ اللهِ، واللهُ أكبرُ " (١٩). رواهُ الطَّبَرانيُّ في المَناسِكِ، قالَ الحافظُ أيضاً: بإسْنادٍ جيِّدٍ. ولهُ عن الحارثِ عن عليٍّ: " أنّهُ كانَ إذا اسْتلَمَ الحَجَرَ، قالَ: اللهُمَّ إيماناً بكَ، وتَصْديقاً بكتابِكَ وسُنَّةِ نبيِّكَ ﷺ " (٢٠). وعن جابرٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ استَلمَ الرُّكْنَ الذي فيهِ الحَجَرُ، وكَبَّرَ، ثُمَّ قالَ: وَفاءً بعهْدِكَ، وتَصْديقاً بكتابِكَ " (٢١)، رواهُ عبدُاللهِ بنُ محمدِ بنِ ناجيَةَ في " فَوائِدِهِ " بإسْنادٍ غَريبٍ. عن ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَبَّ ثلاثةَ أشْواطٍ من السَّبْعِ، ومَشى أربَعةً " (٢٢)،

стр. 328

أخرجاهُ. ولمسلمٍ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ أوّلَ ما يطوفُ يَخُبُّ ثلاثةَ أشْواطٍ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: طافَ النبيُّ ﷺ على بَعيرٍ، كلَّما أتى الرُّكْنَ أشارَ إليهِ بشيءٍ في يدِهِ وكبَّرَ (٢٣)، رواهُ البخاريُّ. عن ابن عمرَ، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ لا يَدعُ أن يَسْتلِمَ الرّكْنَ اليَمانيَّ في كلِّ طَوافِهِ (٢٤)، رواهُ أبو داود، والنَّسائيُّ بإسْنادٍ جيّدٍ. وروى الشافعيُّ عن مُجاهدٍ: أنّهُ كانَ لا يدَعُ أن يسْتلِمَ الرُّكْنَ اليَمانيَّ والحَجَرَ في كلِّ وتْرٍ من طَوافِهِ " (٢٥). وعن عبدِ الرّحمن بنِ الحارثِ: قالَ النبيُّ ﷺ لعمرَ: " يا أبا حفْصٍ: إنّكَ رجلٌ قوِيٌّ، فلا تُزاحِمُ على الرّكْنِ، فإنّك تُؤْذي الضّعيفَ، ولكن إن وجدتَ خلْوَةً فاستَلِمْ، وإلا فكبِّر، وامْضِ " (٢٦)، رواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وهو مُرْسَلٌ جيّدٌ. عن عبدِ اللهِ بنِ السّائبِ: أنّهُ سمعَ النبيَّ ﷺ يقولُ فيما بينَ رُكْنِ بني جُمَحٍ، والرُّكنِ الأسودِ: " ربَّنا آتِنا في الدّنيا حسَنَةً، وفي الآخرةِ حسَنةً، وقِنا عذابَ النّارِ " (٢٧). ولابن ماجَةَ نحوَهُ عن أبي هريرةَ (٢٨)، ولا يصحُّ سنَدُهُ.

стр. 329

عن ابنِ عمرَ، قالَ: ليسَ على النّساءِ سَعْيٌ بالبيتِ، ولا بينَ الصّفا والمَرْوةِ " (٢٩)، ورواهُ الشافعيُّ، وقالَ: حدّثنا سعيدٌ عن مُجاهدٍ، قالَ: رأتْ عائشةُ نِسَاءاً يَسعينَ بالبيتِ، فقالَتْ: أما لكنَّ فينا أُسْوةٌ، ليسَ عليْكُنَّ سَعْيٌ " (٣٠)، سعيدٌ: لمْ يَلْقَ مُجاهداً. تقدَّمَ حديثُ ابنِ عبّاسٍ: أنّهُ ﵇ طافَ في حَجّةِ الوَداعِ على بعيرٍ " (٣١)، أخرجاهُ. ولهما عن أُمِّ سَلَمةَ: أنّها استَأْذنتْهُ ﵇ أن تَطوفَ راكبةً، إذ كانتْ شاكيةً، فأذِنَ لها (٣٢). تقدَّمَ حديثُ: " الطوافُ بالبيتِ: صلاة " (٣٣) في كتابِ الطّهارةِ. وتقدَّمَ عن عائشةَ: " أنّهُ ﵇ تَوَضّأ، ثمَّ طافَ " (٣٤)، وسيأتي قولُهُ: " لِتأخذوا مناسِكَكُم " (٣٥)، فدلَّ على وجوبِ الطّهارةِ للطّوافِ. عن أبي هريرةَ: أنّ أبا بكْرٍ بعثَهُ في الحَجَّةِ التي أمرَهُ رسولُ اللهِ ﷺ قبلَ حجَّةِ الوَداعِ يومَ النّحرِ في رَهْطٍ يُؤَذِّنُ في الناسِ: " أن لا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْركٌ، ولا يطوفَ بالبيتِ عُرْيان " (٣٦)، أخرجاهُ. عن عائشةَ، قالَتْ: كنْتُ أُحبُّ أن أدخلَ البيتَ فأُصَلّيَ فيهِ، فأخذَ رسولُ اللهِ ﷺ بيدي فأدخَلني الحِجْرَ، قالَ: " صلّي في الحِجْرِ، إن أردتِ دخولَ البيتِ، فإنّما هو قِطْعةٌ من البيتِ، ولكنَّ قومَكِ استَقصروه حين بنوا الكعبةَ، وأخرجوهُ من البيتِ " (٣٧)، رواهُ

стр. 330

أحمد، وأبو داود، والنسائيُّ، والترمِذِيُّ وهذا لفظُهُ، وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ. وعنها، قالَتْ: سألْتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن الجَدْرِ، أمنَ البيتِ هوَ؟ قالَ: نَعَمْ (٣٨)، أخرجاهُ. قالَ ﵇: " إنّما الأعمالُ بالنّيّةِ " (٣٩). عن ابنِ عمرَ، قالَ: قدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ فطافَ بالبيتِ سَبْعاً، وصلّى خلفَ المقامِ ركْعتينِ، ثمَّ خرجَ إلى الصَّفا، وقد قالَ اللهُ تعالى: " كانَ لَكُمْ في رَسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حسَنَةٌ " (٤٠)، أخرجاهُ. حُجّةُ القولِ بوجوبِ ركْعتين الطّوافِ من هذا الحديثِ قولُهُ، معَ قولِهِ: " لِتأْخذوا مناسِكَكُمْ ". عن جعفرِ بنِ محمدِ بنِ عليِّ بنِ الحُسَين بنِ عَليِّ بنِ أبي طالبٍ عن أبيهِ عن جابرٍ في حديثِهِ الطّويلِ الذي ساقَهُ مسلمٌ بتمامِهِ: أنّهُ قالَ فيهِ: ثمَّ تقدّمَ إلى مقام إبراهيمَ فقرأ: " واتّخِذُوا منْ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلّى " فجعلَ الحِجْرَ بينَهُ وبينَ البيتِ، وكانَ أبي يقولُ: ولا أعلمُهُ ذكرَهُ إلاَّ عن النبيِّ ﷺ ، كانَ يقرأُ في الرّكْعتينِ: " قُلْ هوَ اللهُ أحدٌ "، و" قُل يا أيُّها الكافِرونَ "، ثُمَّ رجعَ إلى الرُّكْنِ فاسْتَلَمَهُ، ثمَّ خرَجَ من البابِ إلى الصَّفا، فلما دَنا من الصَّفا، قرأ: " إنَّ الصّفا والمَروةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ "، إبْدؤوا بما بَدأ اللهُ بهِ، فَبَدَأ بالصَّفا، فرَقِيَ عليهِ حتّى رأى البيتَ، فاسْتقْبلَ القِبْلَةَ فوحَّدَ اللهَ، وكبَّرَهُ، وقالَ: لا إله إلا اللهُ وحدَهُ، أنجزَ وعدَهُ، ونصرَ عبدَهُ، وهزَمَ الأحزابَ وحدَهُ، ثمَّ دعا بينَ ذلكَ وقالَ مِثلَ هذا ثلاثَ مرّاتٍ، ثمَّ نزلَ إلى المَرْوةِ حتى انْصبَّتْ قدَماهُ في بطنِ الوادِي، حتّى إذا صعدَها مَشى حتّى أتى المَرْوَةَ، ففعَلَ على المَرْوَةِ كَما فعَلَ على الصَّفا، حتى كانَ آخرُ طَوافِهِ على المَرْوةِ " (٤١).

стр. 331

عن ابنِ عمرَ، أنّهُ قالَ في حديثِهِ عنهُ ﷺ : " فطافَ بينَ الصّفا والمَرْوةِ سَبْعةَ أطوافٍ " (٤٢)، أخرجاهُ. عن جابرٍ في حديثِهِ، قال: فلمّا كانَ يومُ التَّرْويةِ توجَّهوا إلى مِنىً فأهَلّوا بالحَجِّ، وركِبَ رسولُ اللهِ ﷺ وصلّى بها الظّهرَ والعَصْر، والمَغربَ والعِشاءَ والفَجرَ، ثمَّ مكَثَ قليلاً حتى طلعتِ الشمسُ وأمر بقُبَّةٍ من شَعرٍ فضُرِبَتْ لهُ بنَمِرة، فسارَ ولا تَشكُّ قُريشٌ إلا أنّهُ واقفٌ عند المَشْعَرِ الحرامِ كما كانتْ قُريشٌ تصنعُ في الجاهليّةِ، فأجازَ رسولُ اللهِ ﷺ حتّى أتى عرفَةَ فوجدَ القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ لهُ بنَمِرَةَ فنزَلَ بها حتّى إذا زاغتِ الشمسُ أمرَ بالقَصْواءِ فَرُحِلَتْ لهُ، فأتى بطْنَ الوادي فخطَبَ النّاسَ وذكرَ خُطْبتَهُ، إلى أن قالَ: ثُمَّ أذّنَ ثُمَّ أقام فصَلّى الظهْرَ، ثمَّ أقامَ فصلّى العصرَ، ولمْ يُصلِّ بينَهما شيئاً، ثمَّ ركبَ حتّى أتى الموقفَ فجعلَ بطْنَ ناقتِهِ القَصْواءِ إلى الصَّخَراتِ، وجَعَلَ حَبْلَ المشاةِ بينَ يدَيهِ، واسْتقبَلَ القبْلَةَ، رواهُ مُسلمٌ. عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " خيرُ الدّعاءِ دعاءُ يومِ عرَفَةَ، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيّونَ من قَبْلي: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ المُلْكُ ولهُ الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ " (٤٣)، رواهُ أحمدُ، والترمِذِيُّ، وهذا لفْظُهُ، وقالَ: غَريبٌ، ولفْظُ أحمدَ: كانَ أكثرُ دعاءِ النبيِّ ﷺ يومَ عَرَفَةَ: " لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ ". وعن عليٍّ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أفضَلُ ما قلتُ أنا والأنبياءُ قَبْلي عَشيَّةَ عرَفَةَ: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ. . وذكرَهُ " (٤٤). رواهُ الطّبَرانيُّ في المَناسِكِ من حديثِ قيسِ بنِ الرّبيعِ، وفيهِ كلام.

стр. 332

وهكذا رواهُ مالكٌ في المُوَطَّأ مُرْسَلاً (٤٥) من وجهٍ آخرَ. عن عبدِ الرّحمنِ بنِ يَعْمَرَ الدَّيليِّ، قالَ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " الحَجُّ عَرَفاتٌ ثَلاثاً، فمَنْ أدْركَ ذاتَ عَرَفَةَ قبلَ أن يطلُعَ الفجْرُ فقد أدركَ، وأيامُ مِنىً ثلاثةٌ، فمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمينِ فلا إثْمَ عليهِ، ومَنْ تأخَّرَ فَلا إثْمَ عليهِ " (٤٦)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ بإسْنادٍ: صحيحٍ. عن عُرْوةَ بنِ مُضَرِّسِ بنِ حارِثةَ بنِ لأمٍ الطائيِّ، قالَ: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ بالمُزدَلِفَةِ حينَ خَرجَ إلى الصّلاةِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ: إنّي جئْتُ من جبَلَي طَيْءٍ أكْلَلْتُ راحِلتي، وأتعبتُ نفسي، واللهِ ما تركتُ من جبلٍ إلا وقَفْتُ عليهِ، فهلْ لي من حَجٍّ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ شهدَ صلاتَنا هذهِ، فوَقفَ معَنا حتّى ندفعَ، وقد وقَفَ بعرَفَةَ قبلَ ذلكَ ليلاً أو نهاراً، فقد تمَّ حجُّهُ وقضى تفثَهُ " (٤٧)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وصَحَّحهُ الترمِذِيُّ على شَرْطِ الصحيحِ. عن جابرٍ: أنّهُ قال في حديثِهِ: " فلم يَزلْ واقفاً حتّى غرَبتِ الشمسُ وذهبتِ الصُّفْرةُ قليلاً حتّى غابَ القُرْصُ، وأردف أُسامةَ خلفَهُ ودفَعَ رسولُ اللهِ ﷺ وقد شَنَقَ للقَصْواءِ الزِّمامَ حتّى إنَّ رأسها ليُصيبُ مَورِكَ رحْلِهِ، ويقولُ بيدِهِ اليُمنى: " أيُّها الناسُ السَّكينةَ السّكينةَ "، كلَّما أتى حبلاً من الحِبالِ أرض لها قليلاً حتّى تصعدَ، حتى أتى المُزْدلِفةَ فصلّى بها المَغْرِبَ والعِشاءَ بأذانٍ واحدٍ، وإقامَتينِ، ولم يُسَبِّحْ بينَهما شيئاً، ثُمَّ اضْطجعَ حتّى طلَعَ الفَجرُ، فصَلّى الفجرَ حين تبيّن لهُ الصّبحُ بأذانٍ وإقامةٍ، ثُمَّ ركب القَصواءَ حتّى أتى المَشْعَرَ الحرامَ فاستَقْبَلَ القِبْلةَ، فَدعا اللهَ وكبَّرهُ وهلَّلَهُ ووحَّدَهُ، فلمْ يزَلْ واقِفاً حتّى أسفرَ جدّاً، فدفعَ قبلَ أن تَطلُعَ الشمْسُ " (٤٨)، رواهُ مُسلمٌ.

стр. 333

عن أُسامةَ بنِ زَيْدٍ: " أنّهُ سُئِلَ كيفَ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَسيرُ في حَجّةِ الوَداعِ حينَ دفَعَ؟ قالَ: " كانَ يَسيرُ العَنَقَ، فإذا وجَدَ فَجْوةً نَصَّ " (٤٩)، أخرجاهُ. العَنَقُ: البِساطُ السَّير، والنَّصُّ: فوقَ ذلكَ. قال جابرٌ: حتّى أتى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فحرَّكَ قليلاً ثمَّ سلَكَ الطريقَ الوُسْطى التي تخرجُ على الجَمْرةِ الكُبْرى، حتّى أتى الجَمْرةَ التي عندَ الشّجرَةِ، فرمَاها بسبْعِ حصَياتٍ، يُكَبِّرُ معَ كلِّ حَصاةٍ منها مثل حَصى الخَذْفِ، رَمى من بَطْنِ الوادِي (٥٠)، رواهُ مُسلمٌ. وعنهُ، قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَرمي على راحِلَتِهِ يومَ النحرِ، يقولُ: " لتَأْخذوا مَناسِكَكُم، فإنّي لا أدري لعَلّي لا أحُجُّ بعدَ حَجَّتي هذهِ " (٥١). عن الفَضْلِ بنِ عبّاسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمْ يزَلْ يُلبّي حتّى رَمى جَمْرةَ العَقَبةِ " (٥٢)، أخرجاهُ. عن عائشةَ، قالَتْ: " أرسلَ رسولُ اللهِ ﷺ بأُمِّ سَلَمَةَ ليلةَ النّحرِ، فرمَتِ الجَمْرةَ قبلَ الفجرِ، ثمَّ مَضَتْ فأفاضتْ، وكانَ ذلكَ اليومُ، اليومَ الذي يكونُ رسولُ اللهِ ﷺ تَعني - عندَها " (٥٣)، رواهُ أبو داود، بإسْنادٍ: جيِّدٍ. لكنْ رواهُ الشافعيُّ مُرْسَلاً. ورواهُ جماعةٌ من الكبارِ عن هشامِ بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ عن زينبَ بنتِ أُمِّ سَلَمةَ عن أُمِّها بنحوِهِ، ولعلَّ هذا غيرُ قادحٍ، إذ قدْ يكونُ عن هشامٍ عن أبيهِ من الطّريقينِ، فيُستَدَلُّ بهِ على صحّةِ الرّمي بعدَ نصفِ اللّيلِ من ليلةِ النّحرِ، وإن كانَ الأوْلى أنْ يكونَ

стр. 334

بعدَ طُلوعِ الشمسِ، لفعلهِ ﵇. ولِما روى الحسَنُ العُرَنِيُّ عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " قدَّمَنا رسولُ اللهِ ﷺ أُغَيْلِمَةَ بني عبدِ المُطَّلبِ على حُمُراتٍ لنا من جَمْعٍ، فجعَلَ يَلْطَحُ أفخاذَنا ويقولُ: أُبَيْنيَّ، لا تَرموا الجَمْرةَ حتى تطلُعَ الشمسُ " (٥٤)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، إلاّ الترمِذِيّ، فإنّما رواهُ من حديثِ الحَكَم عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عبّاسٍ، وصحَّحهُ الترمِذيُّ، والظاهرُ أنّ هذا الأمرَ للغِلْمةِ فقط، لا للنساءِ، فإنّ في روايةٍ لأحمدَ عنهُ، قالَ: " بعثَ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ مع أهلِهِ إلى مِنىً يومَ النّحرِ، فَرَمَوا الجَمْرةَ معَ الفجرِ "، ولكنَّ أسماءَ بنتَ الصّديقِ رمَتْ الجَمْرةَ ثمَّ رجَعَتْ فصَلَّتْ الصبحَ، وقالَتْ: إنَّ النبيَّ ﷺ أذِنَ للظُّعْنِ " (٥٥)، أخرجاهُ. قال جابرٌ: " ثمَّ انصرَفَ إلى المنْحَرِ، فنَحَرَ ثلاثاً وسِتّينَ بيدِهِ، ثمَّ أعطى عَليّاً فنَحَرَ ما غَبرَ، وأشركَهُ في هَدْيِهِ " (٥٦)، رواهُ مُسلمٌ. عن أنَسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أتى مِنىً، فأتى الجمْرةَ فَرَماها، ثمَّ أتى مَنزلَهُ بمنىً ونحَرَ، ثمَّ قالَ للحلاّقِ: خُذْ، وأشارَ إلى جانبِهِ الأيمنِ، ثمَّ الأيْسرِ، ثمَّ جعَلَ يُعطيهِ الناسَ " (٥٧)، أخرجاهُ، ولفظُهُ لمُسلمٍ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " حَلَقَ النبيُّ ﷺ وطائفةٌ من أصحابِهِ، وقَصَّرَ بعضُهم " (٥٨)، أخرجاهُ. وعنهُ: أنّهُ قالَ في الأصْلَعِ: " يُمِرُّ الموسى على رأسِهِ "، رواهُ الدارَقُطنيُّ.

стр. 335

عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ليسَ على النّساءِ الحَلْقُ، إنّما على النّساءِ التَّقصيرُ " (٥٩)، رواهُ أبو داود بإسْنادٍ صحيحٍ. وعن عليٍّ، قالَ: " نَهى النبيُّ ﷺ أن تَحلِقَ المرأةُ رأسَها " (٦٠)، رواهُ الترمِذِيُّ، وقال: فيهِ اضْطرابٌ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمّ اغفِرْ للمُحَلّقينَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ ولِلمقَصِّرينَ، قال: اللهُمَّ اغفِرْ للمُحَلّقينَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ ولِلمقَصِّرينَ، قالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ للمُحَلّقينَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وللمقصِّرينَ، قالَ: ولِلمُقَصِّرينَ " (٦١). فيهِ دلالةٌ على أنَّ الحَلْقَ نُسُكٌ، وعلى الصّحيحِ من القَولينِ. وروى الإمامُ أحمدُ عن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لَبَّدَ رأسَهُ، وقالَ: لا أُحِلُّ حتّى أُحِلَّ من حجَّتي، وأحلِقَ رَأسي " (٦٢). وقد تواترَ أنّهُ ﵇ خطَبَ الناسَ يومَ النّحْرِ، وعلّمَ الناسَ مناسِكَهم، رواهُ الجمعُ الغَفيرُ من الصّحابةِ. قالَ جابرٌ: " ثمَّ ركبَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى البيتِ، فصلّى بمكَّةَ الظُّهْرَ " (٦٣)، رواهُ مُسلمٌ. ولهما عن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أفاضَ، ثمَّ رجعَ فَصَلّى الظُّهرَ بِمنىً " (٦٤)، والجمعُ بينَهما مُشْكِلٌ جِدّاً.
следующие страницы →