← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 331–370 · переход к 336.

стр. 331

عن ابنِ عمرَ، أنّهُ قالَ في حديثِهِ عنهُ ﷺ : " فطافَ بينَ الصّفا والمَرْوةِ سَبْعةَ أطوافٍ " (٤٢)، أخرجاهُ. عن جابرٍ في حديثِهِ، قال: فلمّا كانَ يومُ التَّرْويةِ توجَّهوا إلى مِنىً فأهَلّوا بالحَجِّ، وركِبَ رسولُ اللهِ ﷺ وصلّى بها الظّهرَ والعَصْر، والمَغربَ والعِشاءَ والفَجرَ، ثمَّ مكَثَ قليلاً حتى طلعتِ الشمسُ وأمر بقُبَّةٍ من شَعرٍ فضُرِبَتْ لهُ بنَمِرة، فسارَ ولا تَشكُّ قُريشٌ إلا أنّهُ واقفٌ عند المَشْعَرِ الحرامِ كما كانتْ قُريشٌ تصنعُ في الجاهليّةِ، فأجازَ رسولُ اللهِ ﷺ حتّى أتى عرفَةَ فوجدَ القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ لهُ بنَمِرَةَ فنزَلَ بها حتّى إذا زاغتِ الشمسُ أمرَ بالقَصْواءِ فَرُحِلَتْ لهُ، فأتى بطْنَ الوادي فخطَبَ النّاسَ وذكرَ خُطْبتَهُ، إلى أن قالَ: ثُمَّ أذّنَ ثُمَّ أقام فصَلّى الظهْرَ، ثمَّ أقامَ فصلّى العصرَ، ولمْ يُصلِّ بينَهما شيئاً، ثمَّ ركبَ حتّى أتى الموقفَ فجعلَ بطْنَ ناقتِهِ القَصْواءِ إلى الصَّخَراتِ، وجَعَلَ حَبْلَ المشاةِ بينَ يدَيهِ، واسْتقبَلَ القبْلَةَ، رواهُ مُسلمٌ. عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " خيرُ الدّعاءِ دعاءُ يومِ عرَفَةَ، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيّونَ من قَبْلي: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ المُلْكُ ولهُ الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ " (٤٣)، رواهُ أحمدُ، والترمِذِيُّ، وهذا لفْظُهُ، وقالَ: غَريبٌ، ولفْظُ أحمدَ: كانَ أكثرُ دعاءِ النبيِّ ﷺ يومَ عَرَفَةَ: " لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ المُلكُ ولهُ الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ ". وعن عليٍّ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أفضَلُ ما قلتُ أنا والأنبياءُ قَبْلي عَشيَّةَ عرَفَةَ: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ. . وذكرَهُ " (٤٤). رواهُ الطّبَرانيُّ في المَناسِكِ من حديثِ قيسِ بنِ الرّبيعِ، وفيهِ كلام.

стр. 332

وهكذا رواهُ مالكٌ في المُوَطَّأ مُرْسَلاً (٤٥) من وجهٍ آخرَ. عن عبدِ الرّحمنِ بنِ يَعْمَرَ الدَّيليِّ، قالَ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " الحَجُّ عَرَفاتٌ ثَلاثاً، فمَنْ أدْركَ ذاتَ عَرَفَةَ قبلَ أن يطلُعَ الفجْرُ فقد أدركَ، وأيامُ مِنىً ثلاثةٌ، فمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمينِ فلا إثْمَ عليهِ، ومَنْ تأخَّرَ فَلا إثْمَ عليهِ " (٤٦)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ بإسْنادٍ: صحيحٍ. عن عُرْوةَ بنِ مُضَرِّسِ بنِ حارِثةَ بنِ لأمٍ الطائيِّ، قالَ: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ بالمُزدَلِفَةِ حينَ خَرجَ إلى الصّلاةِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ: إنّي جئْتُ من جبَلَي طَيْءٍ أكْلَلْتُ راحِلتي، وأتعبتُ نفسي، واللهِ ما تركتُ من جبلٍ إلا وقَفْتُ عليهِ، فهلْ لي من حَجٍّ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ شهدَ صلاتَنا هذهِ، فوَقفَ معَنا حتّى ندفعَ، وقد وقَفَ بعرَفَةَ قبلَ ذلكَ ليلاً أو نهاراً، فقد تمَّ حجُّهُ وقضى تفثَهُ " (٤٧)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وصَحَّحهُ الترمِذِيُّ على شَرْطِ الصحيحِ. عن جابرٍ: أنّهُ قال في حديثِهِ: " فلم يَزلْ واقفاً حتّى غرَبتِ الشمسُ وذهبتِ الصُّفْرةُ قليلاً حتّى غابَ القُرْصُ، وأردف أُسامةَ خلفَهُ ودفَعَ رسولُ اللهِ ﷺ وقد شَنَقَ للقَصْواءِ الزِّمامَ حتّى إنَّ رأسها ليُصيبُ مَورِكَ رحْلِهِ، ويقولُ بيدِهِ اليُمنى: " أيُّها الناسُ السَّكينةَ السّكينةَ "، كلَّما أتى حبلاً من الحِبالِ أرض لها قليلاً حتّى تصعدَ، حتى أتى المُزْدلِفةَ فصلّى بها المَغْرِبَ والعِشاءَ بأذانٍ واحدٍ، وإقامَتينِ، ولم يُسَبِّحْ بينَهما شيئاً، ثُمَّ اضْطجعَ حتّى طلَعَ الفَجرُ، فصَلّى الفجرَ حين تبيّن لهُ الصّبحُ بأذانٍ وإقامةٍ، ثُمَّ ركب القَصواءَ حتّى أتى المَشْعَرَ الحرامَ فاستَقْبَلَ القِبْلةَ، فَدعا اللهَ وكبَّرهُ وهلَّلَهُ ووحَّدَهُ، فلمْ يزَلْ واقِفاً حتّى أسفرَ جدّاً، فدفعَ قبلَ أن تَطلُعَ الشمْسُ " (٤٨)، رواهُ مُسلمٌ.

стр. 333

عن أُسامةَ بنِ زَيْدٍ: " أنّهُ سُئِلَ كيفَ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَسيرُ في حَجّةِ الوَداعِ حينَ دفَعَ؟ قالَ: " كانَ يَسيرُ العَنَقَ، فإذا وجَدَ فَجْوةً نَصَّ " (٤٩)، أخرجاهُ. العَنَقُ: البِساطُ السَّير، والنَّصُّ: فوقَ ذلكَ. قال جابرٌ: حتّى أتى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فحرَّكَ قليلاً ثمَّ سلَكَ الطريقَ الوُسْطى التي تخرجُ على الجَمْرةِ الكُبْرى، حتّى أتى الجَمْرةَ التي عندَ الشّجرَةِ، فرمَاها بسبْعِ حصَياتٍ، يُكَبِّرُ معَ كلِّ حَصاةٍ منها مثل حَصى الخَذْفِ، رَمى من بَطْنِ الوادِي (٥٠)، رواهُ مُسلمٌ. وعنهُ، قالَ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَرمي على راحِلَتِهِ يومَ النحرِ، يقولُ: " لتَأْخذوا مَناسِكَكُم، فإنّي لا أدري لعَلّي لا أحُجُّ بعدَ حَجَّتي هذهِ " (٥١). عن الفَضْلِ بنِ عبّاسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمْ يزَلْ يُلبّي حتّى رَمى جَمْرةَ العَقَبةِ " (٥٢)، أخرجاهُ. عن عائشةَ، قالَتْ: " أرسلَ رسولُ اللهِ ﷺ بأُمِّ سَلَمَةَ ليلةَ النّحرِ، فرمَتِ الجَمْرةَ قبلَ الفجرِ، ثمَّ مَضَتْ فأفاضتْ، وكانَ ذلكَ اليومُ، اليومَ الذي يكونُ رسولُ اللهِ ﷺ تَعني - عندَها " (٥٣)، رواهُ أبو داود، بإسْنادٍ: جيِّدٍ. لكنْ رواهُ الشافعيُّ مُرْسَلاً. ورواهُ جماعةٌ من الكبارِ عن هشامِ بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ عن زينبَ بنتِ أُمِّ سَلَمةَ عن أُمِّها بنحوِهِ، ولعلَّ هذا غيرُ قادحٍ، إذ قدْ يكونُ عن هشامٍ عن أبيهِ من الطّريقينِ، فيُستَدَلُّ بهِ على صحّةِ الرّمي بعدَ نصفِ اللّيلِ من ليلةِ النّحرِ، وإن كانَ الأوْلى أنْ يكونَ

стр. 334

بعدَ طُلوعِ الشمسِ، لفعلهِ ﵇. ولِما روى الحسَنُ العُرَنِيُّ عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " قدَّمَنا رسولُ اللهِ ﷺ أُغَيْلِمَةَ بني عبدِ المُطَّلبِ على حُمُراتٍ لنا من جَمْعٍ، فجعَلَ يَلْطَحُ أفخاذَنا ويقولُ: أُبَيْنيَّ، لا تَرموا الجَمْرةَ حتى تطلُعَ الشمسُ " (٥٤)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، إلاّ الترمِذِيّ، فإنّما رواهُ من حديثِ الحَكَم عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عبّاسٍ، وصحَّحهُ الترمِذيُّ، والظاهرُ أنّ هذا الأمرَ للغِلْمةِ فقط، لا للنساءِ، فإنّ في روايةٍ لأحمدَ عنهُ، قالَ: " بعثَ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ مع أهلِهِ إلى مِنىً يومَ النّحرِ، فَرَمَوا الجَمْرةَ معَ الفجرِ "، ولكنَّ أسماءَ بنتَ الصّديقِ رمَتْ الجَمْرةَ ثمَّ رجَعَتْ فصَلَّتْ الصبحَ، وقالَتْ: إنَّ النبيَّ ﷺ أذِنَ للظُّعْنِ " (٥٥)، أخرجاهُ. قال جابرٌ: " ثمَّ انصرَفَ إلى المنْحَرِ، فنَحَرَ ثلاثاً وسِتّينَ بيدِهِ، ثمَّ أعطى عَليّاً فنَحَرَ ما غَبرَ، وأشركَهُ في هَدْيِهِ " (٥٦)، رواهُ مُسلمٌ. عن أنَسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أتى مِنىً، فأتى الجمْرةَ فَرَماها، ثمَّ أتى مَنزلَهُ بمنىً ونحَرَ، ثمَّ قالَ للحلاّقِ: خُذْ، وأشارَ إلى جانبِهِ الأيمنِ، ثمَّ الأيْسرِ، ثمَّ جعَلَ يُعطيهِ الناسَ " (٥٧)، أخرجاهُ، ولفظُهُ لمُسلمٍ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " حَلَقَ النبيُّ ﷺ وطائفةٌ من أصحابِهِ، وقَصَّرَ بعضُهم " (٥٨)، أخرجاهُ. وعنهُ: أنّهُ قالَ في الأصْلَعِ: " يُمِرُّ الموسى على رأسِهِ "، رواهُ الدارَقُطنيُّ.

стр. 335

عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ليسَ على النّساءِ الحَلْقُ، إنّما على النّساءِ التَّقصيرُ " (٥٩)، رواهُ أبو داود بإسْنادٍ صحيحٍ. وعن عليٍّ، قالَ: " نَهى النبيُّ ﷺ أن تَحلِقَ المرأةُ رأسَها " (٦٠)، رواهُ الترمِذِيُّ، وقال: فيهِ اضْطرابٌ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمّ اغفِرْ للمُحَلّقينَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ ولِلمقَصِّرينَ، قال: اللهُمَّ اغفِرْ للمُحَلّقينَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ ولِلمقَصِّرينَ، قالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ للمُحَلّقينَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وللمقصِّرينَ، قالَ: ولِلمُقَصِّرينَ " (٦١). فيهِ دلالةٌ على أنَّ الحَلْقَ نُسُكٌ، وعلى الصّحيحِ من القَولينِ. وروى الإمامُ أحمدُ عن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لَبَّدَ رأسَهُ، وقالَ: لا أُحِلُّ حتّى أُحِلَّ من حجَّتي، وأحلِقَ رَأسي " (٦٢). وقد تواترَ أنّهُ ﵇ خطَبَ الناسَ يومَ النّحْرِ، وعلّمَ الناسَ مناسِكَهم، رواهُ الجمعُ الغَفيرُ من الصّحابةِ. قالَ جابرٌ: " ثمَّ ركبَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى البيتِ، فصلّى بمكَّةَ الظُّهْرَ " (٦٣)، رواهُ مُسلمٌ. ولهما عن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أفاضَ، ثمَّ رجعَ فَصَلّى الظُّهرَ بِمنىً " (٦٤)، والجمعُ بينَهما مُشْكِلٌ جِدّاً.

стр. 336

وأمّا المُصَنِّفُ، فإنهُ قالَ: ثمَّ يخطبُ الإمامُ بعدَ الظهرِ بمنىً، ويُعَلّم الناسَ النَّحرَ، والرَّمْيَ، والإفاضَةَ، ثمَّ يُفيضُ إلى مكّةَ، ودليلُهُ ما رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داود بإسْنادٍ جيِّدٍ عن عائشةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أفاضَ من آخرِ يومِهِ حينَ صلّى الظهرَ، ثمَّ رجَعَ فمَكَثَ بِمنىً لياليَ أيامِ التشريقِ " (٦٥)، وحينَئِذٍ يَقْوى الإشْكالُ أيضاً في الجمْعِ بينَ هذهِ الأدِلّةِ. تقدَّمَ حديثُ عائشةَ: " أَنّ أُمَّ سلَمَةَ رَمَتْ قبلَ الفجرِ، ثمَّ مَضتْ فأَفاضَتْ " (٦٦)، اسْتُدِلَّ بهِ على أَنَّ أَوَّلَ وقتِ الإفاضَةِ بعدَ نصفِ الّليلِ من لَيْلَةِ النّحْرِ، وفيهِ نظَرٌ، والأَولى أَن يكونَ يومَ النّحْرِ لفعله ﵇، فإن أخَّرَهُ عنهُ، فقدْ روَتْ أُمُّ سَلَمةَ، قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إنّ هذا يومٌ رُخِّصَ فيه لكُمْ إذا أَنتُمْ رَمَيْتُمُ الجمْرةَ، أن تَحِلّوا من كُلِّ ما حَرَمْتُم منهُ إلا النّساءَ، فإذا أَمْسَيتُمْ قبلَ أن تَطوفوا بهذا البيتِ صِرْتُم حُرُماً كهَيْئتِكُم قبلَ أن تَرْموا الجمْرةَ حتّى تَطوفوا به " (٦٧)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود. ففيهِ دلالةٌ على أنهُ وإن أخَّرَهُ عن يومِ النّحرِ، ثمّ فعلَهُ أنّهُ يَقعُ المَوْقعَ. وقد يُسْتَدَلُّ بهِ على أنّ الحلْقَ ليسَ بنُسُكٍ، وأنّ التَّحلُّلَ الأوّلَ لا يتَوَقَّفُ عليهِ، وأنّهُ يَحِلُّ بالأَوّلِ ممّا سِوى النِّساءِ. فأَمّا القولُ بصَيرورَةِ مَن لمْ يَطُفْ يومَ النّحرِ مُحْرِماً من كلِّ شيءٍ، فما علمتُ قالَ بهِ أَحَدٌ، واللهُ أعلمُ. وعن عائشةَ، قالَتْ: " كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ قبلَ أن يُحرِمَ، ويَوْمَ النّحرِ قبلَ أن يَطوفَ بالبيتِ بطيبٍ فيهِ مِسْكٌ " (٦٨)، أخرجاهُ.

стр. 337

ولأَبي داودَ عنها، قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا رَمَيْتُم وحَلَقْتُم، فقدْ حلَّ لكُم الطّيبُ والثيابُ، وكلُّ شيءٍ إلا النّساءَ " (٦٩)، وفي إسْنادِهِ الحجّاجُ بنُ أَرطأةٍ وهو ضعيفٌ. تقدّمَ: " أنّهُ ﵇ أفاضَ ثمَّ عادَ إلى مِنىً " (٧٠). عن ابن عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا رَمى الجمْرةَ التي تَلي مسجدَ مِنىً، يَرميها بسبْعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ كلّما رَمى بحصاةٍ، ثمّ تَقدَّمَ أمامَها فوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلةِ رافعاً يَدَيْهِ يَدعو، وكانَ يُطيلُ الوقوفَ يدعو، ثمَّ يأتي الجمْرةَ الثانيةَ فيرميها بسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ كلَّما رَمى بحصَاةٍ، ثمَّ يَنْحدِرُ ذاتَ اليَسارِ ممّا يَلي الوادي، فَيَقِفُ مُسْتَقبِلَ القبلةِ رافعاً يَدَيْهِ يدعو، ثمَّ يأتي الجمْرةَ التي عندَ العَقَبَةِ، فَيرميها بِسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ عندَ كلِّ حصَاةٍ، ثمَّ يَنْصَرِفُ، ولا يَقِفُ عندَها، وكانَ ابنُ عمرَ يَفْعَلُهُ " (٧١)، رواهُ البخاريُّ. عن جابرٍ، قالَ: " حَججْنا معَ النبيِّ ﷺ ، ومعنا النّساءُ والصّبْيانُ، فلَبَّيْنا عن الصِّبْيانِ ورَمَيْنا عنهم " (٧٢)، رواهُ أحمدُ، والترمِذيُّ، وقالَ: غَريبٌ، لا نَعرِفُهُ إلا من هذا الوجْهِ، وابنُ ماجةَ، وهو من روايةِ أشْعَثَ بنِ سَوّارٍ، وهو ضَعيفٌ. عن الفَضْل بن عبّاسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وغَداةَ جَمْعٍ للنّاسِ عَليْكُم بِحَصى الخَذْفِ الذي يُرْمى بهِ الجَمْرةُ. . . الحديث " (٧٣)، رواهُ مُسلمٌ. تقدَّمَ حديثُ ابنِ عمرَ: " أنّهُ ﵇ رَمى الجَمَراتِ مُرَتَّباً، وقدْ قالَ: " لِتَأْخذوا مَناسِكَكُم " (٧٤). عن جابرٍ، قالَ: " رَمى النبيُّ ﷺ الجَمْرةَ يومَ النّحْرِ ضُحَىً، وأمّا بعدُ، فإذا زالَتِ الشمْسُ " (٧٥)، رواهُ مسلم.

стр. 338

عن ابنِ عبّاسٍ مَرفوعاً: " من تَركَ نُسُكاً فعَلَيهِ دمٌ " (٧٦)، كذا ذكَرَهُ الشيخُ في المُهَذَّبِ، مُسْتَدِلاًّ بهِ على أنّ من ترَكَ الرمْيَ يَجبُ عَليهِ دمٌ، ولَمْ أقفْ لهُ على سنَدٍ، وقد ذكَرهُ الشافعيُّ، والبَيْهقيُّ موقوفاً. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " اسْتأْذَنَ العبّاسُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ رسولَ اللهِ ﷺ أن يَبيتَ بمكَّةَ لياليَ مِنىً مِن أجْلِ سِقايتِهِ، فأذِنَ لهُ " (٧٧)، أخرجاه. عن أبي البَدّاحِ بنِ عاصمِ بنِ عَدِيٍّ عن أبيهِ، قالَ: " رَخَّصَ النبيُّ ﷺ لِرُعاءِ الإبلِ في البَيْتوتةِ أن يَرْموا يومَ النَّحْر، ثُمَّ يَجْمَعوا رَمْيَ يَوْمينِ بعدَ النَّحْرِ فَيَرْمونَهُ في أحدِهِما، قالَ مالكٌ: ظَنَنْتُ أنهُ قالَ: في الآخِر منهما " (٧٨). ولَفْظُ سفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ: " أرخَصَ للرِّعاءِ أن يَرْموا يَوْماً، ويَدَعوا يَوْماً "، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وصحَّحهُ الترمِذيُّ، وقالَ: روايةُ مالكٍ أصَحُّ. عن سَرّاءَ بنتِ نَبْهانَ، قالَتْ: " خَطَبَنا النبيُّ ﷺ يومَ الرُّؤوسِ، فقالَ: أيُّ يومٍ هذا؟ قُلْنا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: أليسَ أوْسَطَ أيّامِ التشريقِ " (٧٩)، رواهُ أبو داود، ولهُ شواهدُ أُخَرُ. قالَ تعالى: " فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَنْ تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ". وقد تقدَّم في الحديثِ مِثلُهُ. عن عائشةَ، قالَتْ: " خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ من عنْدي وهو قَريرُ العَينِ طيّبُ النَّفسِ، ثمَّ رجعَ إليَّ وهو حزينٌ، فقلتُ لَهُ، فقالَ: إنّي دخَلْتُ الكَعْبةَ، ووَدِدْتُ أنّي لمْ أكُنْ فَعَلْتُ، إني أخافُ أن أكونَ أتْعَبْتُ أُمَّتي من بَعْدي " (٨٠)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وابنُ

стр. 339

ماجَةَ، والترمِذيُّ، وقالَ: حسَنٌ صحيحٌ. فأمّا حديثٌ عن ابنِ عبّاسٍ مَرفوعٌ: " مَنْ دخَلَ البيتَ، دَخَلَ في حَسَنةٍ، وخَرجَ من سَيِّئَةٍ (٨١)، فَرواهُ البيهقيُّ، وغيرُهُ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ المُؤَمَّلِ، وفيهِ ضَعْفٌ. وعن ابنِ عمرَ في الصّحيحينِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ البيتَ يومَ الفَتْحِ، وصلّى فيهِ " (٨٢). عن جابرٍ: سمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ " (٨٣). رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَةَ من روايةِ عبدِ اللهِ بن المُؤَمَّلِ أيضاً. ورواهُ الدارَقُطنيُّ، والحاكمُ من طريقٍ آخرَ عن ابنِ عبّاسٍ (٨٤) مرفوعاً، ولا يَثْبتُ. عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّهُ قالَ لرجلٍ: إذا شَربْتَ منها - يَعني زَمْزمَ - فاسْتَقْبلِ الكَعْبةَ، واذكر اسمَ اللهِ، وتَنَفَّسْ ثَلاثاً، وتضَلَّعْ منها، فإذا فَرغْتَ فاحْمَدِ اللهَ، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: إنَّ آيةَ ما بينَنا وبينَ المنافقينَ لا يَتَضَلّعونَ من زَمْزَمَ " (٨٥)، رواهُ ابنُ ماجةَ، والحاكمُ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " أُمِرَ الناسُ أن يكونَ آخِر عَهْدِهم بالبيتِ. إلاّ أنّهُ خُفِّفَ عن المرأةِ الحائضِ " (٨٦)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ: " لا يَنْفِرَنَّ أحدٌ حتّى يكونَ آخرَ عهدِهِ بالبَيْتِ " (٨٧).

стр. 340

قالَ ابنُ عبّاسٍ: " المُلْتَزَمُ بينَ الرُّكْنِ والبابِ "، رواهُ الحراني في المَراسيلِ (٨٨)، والبَيْهقيُّ، وزادَ: " لا يَلزَمُ ما بينَهما أحَدٌ يَسألُ اللهَ شَيْئاً إلا أعطاهُ اللهُ إيّاه "، وقد ذَكرَ الشافعيُّ دُعاءَ المُلْتَزَمِ بِعَيْنِهِ.

стр. 341

٥ - بابُ: صِفَةِ العُمْرَةِ تقدَّمَ قولُهُ: " هنَّ لَهُنَّ، ولمنْ أتى عليهنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ، مِمَّنْ أرادَ الحَجَّ والعُمْرة " (١). وعن محمّدِ بنِ سِيرينَ، قالَ: " وقَّتَ رسولُ اللهِ ﷺ لأهلِ مَكَّةَ التَّنْعيمَ " (٢)، رواهُ أبو داود في المَراسيلِ. عن جابرٍ في حديثِهِ، قالَ: " فأَمَرهُم أن يَجْعلوها عُمْرةً، ويُقَصِّروا أو يَحْلِقوا، إلا من كانَ معَهُ الهَدْيُ " (٣)، رواهُ مُسلمٌ. وعن ابنِ عمرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ ، قالَ للنّاسِ: " مَنْ كان مِنكُمْ أهْدى، فإنّهُ لا يَحِلُّ من شيءٍ حَرُمَ منه، ومن لمْ يَكُنْ أهدى، فَلْيَطُفْ بالبيتِ، وبالصَّفا والمَرْوَةِ، ولْيُقَصِّرْ، ولا يتحلل " (٤)، أخرجاه.

стр. 342

٦ - بابُ: فَرْضِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وسُنَنِهما تقدَّمَ قولُهُ ﵇: " هنَّ لهنَّ، ولمنْ أتى عليهنَّ من غيرِهِنَّ، ممّنْ أرادَ الحَجَّ أو العُمْرَةَ " (١). وقولُهُ: " الحَجُّ عَرَفَةٌ " (٢). وقالَ ﵇ لمّا قيلَ لهُ: إنَّ صَفيَّةَ قد حاضَتْ، " أحابِسَتُنا هي؟ قالوا: إنّها أفاضَتْ يومَ النَّحْرِ، قالَ: فانْفِروا " (٣). فدَلَّ على أنَّ الطّوافَ رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ بدونِهِ، ولا يخرُجُ من إحْرامِهِ إلا بهِ، لقولِهِ: " أحابسَتُنا هيَ؟ ". وأمّا السَّعْيُ: فعن عائشةَ: أنّها قالتْ: " وقد سَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ الطَّوافَ بهما، تَعني - الصَّفا والمَرْوةَ، فلَيْسَ لأحدٍ أن يترُكَ الطَّوافَ بينَهما " (٤)، أخرجاهُ. وليسَ المُرادُ بالسُّنَّةِ هاهُنا ما هو ضِدّ الرُّكْنِ والواجبِ، بدليلِ ما رواهُ الشافعيُّ وأحمدُ من حديثِ صَفيَّةَ بنتِ شَيْبَةَ عن حَبيبةَ بنتِ أبي تجراةَ، قالَتْ: " رأيتُ النبيَّ ﷺ يَطوفُ بينَ الصَّفا والمَرْوةِ، والناسُ بينَ يدَيْهِ، وهو يَسْعى حتّى أرى رُكْبَتَيْهِ من شدّةِ السَّعي يدورُ بهِ إزارُهُ، وهو يقولُ: " اسْعَوا، فإنَّ اللهَ كتَبَ عليْكُم السَّعْيَ " (٥)، وهذا دليلٌ

стр. 343

على كَوْنِهِ رُكْناً في الحَجِّ. وقدْ تقدَّمتْ أقوالُهُ، وأفعالُهُ ﵇ في صِفةِ الحَجِّ، وقولُهُ: " لِتَأْخذوا مَناسِكَكُمْ "، فما فَعَلَهُ كانَ واجباً، لأنّهُ خرَجَ مَخْرَجَ البيانِ لقولِهِ: " وَللهِ على النّاسِ حِجُّ البَيْتِ "، إلا ما خَرجَ بدليلٍ يدُلُّ على عدَمِ وجوبِهِ. عن ابنِ عبّاسٍ: أنّهُ قالَ في حديثٍ: " فلمّا قدِمْنا مَكَّةَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اجْعَلوا إهلالَكُم بالحَجِّ عُمْرةً، إلا من قَلَّدَ الهَدْيَ، فَطُفْنا بالبيتِ، وبالصَّفا والمَرْوَةِ، وأتينا النّساءَ، ولَبِسْنا الثيابَ " (٦)، رواهُ البخاريُّ، ولمْ يذكُرِ الحَلْقَ. تقدّمَ قولُ ابنِ عبّاسٍ: " مَن نَسيَ من نُسُكِهِ شَيْئاً، أو تَرَكَهُ، فَلْيُهْرِقْ دَماً ".

стр. 344

٧ - بابُ: الفَوْتِ والإحْصارِ عن سالمٍ، قالَ: " كانَ ابنُ عمرَ يقولُ: أليسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نبيِّكُم ﷺ ، إن حُبِسَ أحدُكُم عن الحَجِّ، طافَ بالبيتِ وبالصَّفا والمَرْوةِ، ثُمَّ حَلَّ من كلِّ شيءٍ حتّى يَحُجَّ عاماً قابِلاً فَيُهدي أو يصوم إن لمْ يَجدْ هَدْياً " (١)، رواهُ البخاريُّ. عن أبي حاضِرٍ عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرَ أصحابَهُ أن يُبدِلوا الهَدْيَ الذي نَحَروا عامَ الحُدَيْبِيَةِ في عُمْرةِ القَضاءِ " (٢)، رواهُ أبو داود. تقدَّمَ في الصِّيامِ: " الفِطْرُ يومَ تُفْطِرونَ، والأَضْحى يومَ تُضَحّونَ " (٣)، وفي روايةٍ: " الفِطْرُ يومَ يُفْطِرُ الناسُ، والأَضْحى يومَ يُضَحّي الناسُ ". فيهِ دلالةٌ على أنَّ الناسَ إذا أخطَئوا فوَقَفوا في غيرِ يومِ عَرَفَةَ، أنّ ذلكَ يُجزِئُهم، قد عُلِمَ من غيرِ حديثٍ في الصّحيحِ. وعنها: " أنّهُ ﵇، لما حالَ كُفّارُ قُرَيشٍ بينَهُ وبينَ البيتِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، نَحَرَ هَدْيَهُ، وحَلَقَ رأْسَهُ، وتَحَلَّلَ " (٤). وعن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " حُصِرَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فحَلَقَ، وجامَعَ نِساءَهُ، ونَحرَ هَدْيَهُ،

стр. 345

حتّى اعْتَمَرَ عاماً قابِلاً " (٥)، رواهُ البخاريُّ. عن عائشةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ دخَلَ على ضُبَاعَةَ بنتِ الزُّبَيْرِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ: إنّي أُريدُ الحجَّ، وأنا شاكِيَةٌ. فقالَ: حُجّي واشْتَرِطِي أنَّ مَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَني، وكانَتْ تحتَ المقْدادِ " (٦)، أخرجاهُ. ولمُسلمٍ عن ابنِ عبّاسٍ: " مِثْلُهُ " (٧). وقدْ روى الشافعيُّ هذا الحديثَ عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيْر بنِ العَوّامِ مُرْسَلاً، وعلّقَ القولَ على صحّتِهِ، وقدْ صحَّ الحديثُ، كما تَرى، وللهِ الحمدُ. واحتَجَّ الشافعيُّ على عدَمِ الاشْتراطِ بما رواهُ بإسْنادٍ صحيحِ عن ابنِ عبّاسٍ أنّهُ قالَ: " لا حَصْرَ إلا حَصْرُ العَدُوِّ، وذَهَبَ الحَصْرُ الآنَ " (٨). عن إبراهيم الصائغِ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ : " أنّ امرأةً لها زوجٌ، ولها مالٌ، ولا يَأذنُ لها زوجُها في الحَجِّ، قالَ: ليسَ لها أن تَنْطَلِقَ إلا بإذنِ زَوْجِها " (٩)، رواهُ البَيْهقيُّ. قالَ الشافعيُّ: قالَ اللهُ: " فإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي "، ولمْ يَذْكُرْ قَضاءً. قالَ البخاريُّ: وقالَ رَوْحٌ عن أبي نَجيحٍ عن مُجاهدٍ عن ابنِ عبّاسٍ: " إنّما البَدَلُ على من نقَضَ حَجَّهُ بالتَّلَذُّذِ، فأمّا مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ، أو غيرُ ذلكَ، فإنّهُ لا يَحِلُّ ولا يَرجِعُ " (١٠)، قالَ: وقالَ مالكٌ: " إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمّا حُصِرَ تحلَّلَ، ولمْ يُذكَرْ أنّهُ أمَرَ أحداً بالقَضاءِ " (١١).

стр. 346

٨ - بابُ: الأُضْحِيَةِ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ثلاثٌ هنَّ عليَّ فَرائضُ، وهيَ لكُمْ تَطَوُّعٌ: الوِتْرُ، والنَّحرُ، وصلاةُ الضُّحى " (١)، رواهُ أحمدُ، من حديثِ أبي جَنابٍ: يحيى بنِ أبي حَيَّةَ، وقد ضَعَّفَهُ الجُمْهورُ. ويُؤَيِّدُ عدَمَ الوُجوبِ في حقِّ الأُمّةِ، ما رواهُ أحمدُ، وأبو داود، من حديثِ المُطَّلبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حَنْطَب عن جابرٍ، قالَ: " صلَّيْتُ معَ رسولِ اللهِ ﷺ عيدَ الأَضْحى، فلَمّا انصرَفَ، أُتي بكَبْشٍ فذَبَحَهُ وقالَ: بسْمِ اللهِ، واللهُ أكبرُ، اللهُمَّ هذا عَنّي، وعمّن لمْ يُضَحِّ من أُمّتي " (٢). والمُطَّلِبُ: لمْ يَسمعْ من جابرٍ. لكنْ رواهُ أحمدُ من وجهٍ آخرَ عن أبي رافعٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " اللهُمَّ، هذا عن أُمَّتي جَميعِها، من شهِدَ لكَ بالتوحيدِ، وشهِدَ لي بالبَلاغِ " (٣). وعن أبي سَريحَةَ، قالَ: " أدرَكتُ أبا بكرٍ، وعمرَ، وكانا لي جارَين، وكانا لا يُضَحّيانِ، كراهيةَ أن يُقْتدى بهما " (٤)، ذكرَهُ الشافعيُّ، ورواهُ البَيْهقيُّ بإسْنادٍ جيِّدٍ. عن أنَسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " من ذبَحَ قبلَ الصّلاةِ، فَلْيُعِدْ " (٥)، أخرجاهُ. وعن جابرٍ، قالَ: " صلّينا معَ النبيِّ ﷺ يومَ النّحْرِ، فتقدَّمَ رجالٌ فَنَحروا وظنّوا أنّ النبيَّ ﷺ قد نَحرَ، فأمرَ من كانَ نَحرَ قبلَهُ، أن يُعيدَ بنَحْرٍ، ولا يَنْحروا حتّى

стр. 347

يَنْحرَ النبيُّ ﷺ " (٦). رواهُ مُسلمٌ. فَيُؤْخذُ من هذا أنّهُ لا بُدَّ من مُضْي قَدرِ صلاةِ العيدِ والخُطْبةِ، وأنَّ الاعتبارَ بصلاتِهِ ﷺ . عن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " كلُّ أيامِ التشريقِ ذَبْحٌ " (٧)، رواهُ أحمدُ، والدارَقُطنيُّ كلاهما من ثلاثِ طُرُقٍ، وكلُّها مُنْقَطِعةٌ. وقد رواهُ ابنُ حِبّانَ في " صَحيحهِ " مَوصولاً مُجَوَّداً، واللهُ أعلَمُ. عن أُمِّ سَلَمةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إذا رأَيْتم هلالَ ذي الحِجّةِ، وأرادَ أحدُكُم أن يُضَحّيَ، فلْيُمْسكْ عن شَعْرِهِ وأظْفَارِهِ " (٨)، رواهُ مُسلم. وقد استَدَلَّ الشافعيُّ بهذا على عَدَمِ وجوبِ الأُضْحية، حيثُ قالَ: " وأَرادَ أحدُكُم أن يُضَحّيَ "، قالَ: وصرفَ هذا الأمرَ عن الوجوبِ يَعني - قولهُ: " فلْيُمْسِكْ عن شَعرهِ وأظفارِهِ "، حديثُ عائشةَ: " فَتَلْتُ قلائدَ هَدْي رسولِ اللهِ ﷺ ، فبَعثَ بها إلى البيتِ، وأقامَ بالمدينةِ فما حَرُمَ عليهِ شيءٌ كانَ لهُ حَلالاً " (٩)، وهذا الحديثُ أخرجاهُ في " الصحيحين ". عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: " قَسَم النبيُّ ﷺ بينَ أصحابهِ ضَحايا، فَصارَتْ لعُقْبةَ جذَعةٌ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ أصابَني جَذَعٌ، فقالَ: ضَحِّ بهِ " (١٠)، أخرجاهُ. وعن مُجاشعِ بنِ مَسعودٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يقولُ: " إنَّ الجَذَعَ يُوفِي ممّا تُوفِي منهُ الثَّنِيَّةُ " (١١)، رواهُ أبو داود، وابنُ ماجَةَ.

стр. 348

عن جابرٍ، قالَ: " أَمَرنا النبيُّ ﷺ أن نشتركَ في الإبلِ والبَقَرِ، كُلُّ سَبْعةٍ منّا في بقَرَةٍ " (١٢)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ، قالَ جابرٌ: " البَقَرَةُ من البُدْنِ " (١٣). عن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أربعٌ لا تَجوزُ في الأضاحي: العَوْراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والمَريضةُ البَيِّنُ مَرَضُها، والعَرْجاءُ البَيِّنُ ظَلْعُها، والكَسيرةُ التي لا تُنْقي " (١٤)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وصَحَّحهُ الترمِذِيُّ. ولهُ شواهدُ أُخَرُ من طرُقٍ عن جماعةٍ من الصّحابةِ. عن أنَسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ضَحّى بِكَبْشَينِ أمْلَحينِ أقْرنينِ، ذبَحَهُما بيدِهِ، وسَمّى وكَبَّرَ، ووضَعَ رجْلَهُ على صِفاحِهما " (١٥)، أخرجاهُ. وفي حديثِ جابرٍ عندَ مُسلم: " فَنَحرَ رسولُ اللهِ ﷺ ثَلاثاً وسِتّينَ بَدَنَةً، وأعطى عَليّاً فَنَحرَ ما غَبَرَ (١٦)، يُريد ما بقيَ ". عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ لفاطمةَ: " قومِي إلى أُضْحِيَتِكِ، فاشْهدِيها، فإنّهُ بأوّلِ قَطْرةٍ من دمِها يُغْفَرُ لكِ ما سَلَفَ مِن ذنوبِكِ " (١٧)، رواهُ الحاكمُ في " المُسْتَدْرَكِ "، والبيهقيُّ من حديثِ النَّضْرِ بنِ إسماعيلَ عن أبي حَمْزَةَ الثُّماليِّ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنهُ، وذكَرَهُ في " المُهَذَّبِ " عن أبي سعيدٍ الخُدْري، وليسَ بمعروفٍ. وقد رواهُ الحاكمُ بإسْنادٍ ضَعيفٍ، وأنكرَهُ أبو حاتم الرّازيُّ.

стр. 349

قالَ تَعالى: " فَكُلُوا مِنْها وأطْعِمُوا القانعَ والمُعْتَرَّ ". فَجعَلَها أثلاثاً - وهو المَذْهبُ، ويَعضدُ ذلكَ: ما رواهُ إبراهيمُ الحَرْبيُّ في " مَناسكِهِ " عن ابن مسعودٍ، قالَ: " أمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أن نأْكلَ منها ثُلُثَها، ونَتصدَّقَ بثُلثِها، ونُطْعمَ الجيرانَ ثُلُثَها " (١٨)، وفي إسْنادِهِ ضَعفٌ، لأنهُ رواهُ عن الحَكَمِ بنِ موسى عن الوليدِ بنِ مُسلمٍ - وهو ضعيفٌ - عن عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ عن ابنِ مَسعودٍ، ولمْ يُدْركْهُ، فهو: مُنْقطعٌ ضَعيفٌ. وقالَ تعالى: " فَكُلُوا مِنْها وَأطْعِمُوا البَائِسَ الفَقيرَ "، فجعَلَها نصفين، وهو أحَدُ القَولينِ. وفي حديثِ عائشةَ، فقالوا: با رسولَ اللهِ نَهيتَ أن تُؤْكَلَ لحومُ الأضاحي بعدَ ثَلاثٍ، فقالَ: إنّما نَهيْتُكُم مِن أجْلِ الدافّةِ، فَكُلوا، وادَّخِروا، وتَصَدَّقوا " (١٩)، أخرجاهُ. ولَهما عن سَلَمَةَ: " فَكلوا، وأَطْعِموا، وادَّخِروا " (٢٠). ولمسلمٍ عن بُرَيْدةَ (٢١)، وأبي سَعيدٍ (٢٢) " مِثْلُهُ ". عن ثَوْبانَ، قالَ: " ذبَحَ رسولُ اللهِ ﷺ أُضْحيتَهُ، ثمَّ قالَ: يا ثَوْبانُ: أصلحْ لي لحمَ هذهِ، فلمْ أزَلْ أُطعِمُهُ منهُ، حتّى قدِمَ المدينةَ " (٢٣)، رواهُ مُسلم. قد يُسْتدلُّ بهِ على أنّهُ إذا أكَلَ الكُلَّ لا يَضرُّ، وهو وجْهٌ في المَذْهبِ، قدْ حَكاهُ الشيخُ.

стр. 350

عن ابنِ عمرَ، قالَ: " أَهدى عمرُ نَجيباً، فأُعْطيَ بها ثَلاث مئةِ دينارٍ، فأَتى النبيًّ ﷺ ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنّي أهْديتُ نَجيباً فأُعْطيتُ بهَا ثَلاث مئةِ دينارٍ، أفأبيعُها وأشتري بثَمنِها بُدْناً؟ قالَ: لا، إنْحرْها إيّاها " (٢٤)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وتكلّمَ البخاريُّ في اتّصالِ سَنَدِهِ. عن أنَسِ، قالَ: " مرّ رسولُ اللهِ ﷺ على رجلٍ يَسوقُ بَدَنَةً، فقالَ: اركَبْها، قال: إنّها بَدَنَةٌ، قال: اركبْها مرَّتين أو ثَلاثاً " (٢٥)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ عن جابرٍ: " اركَبْها بالمعروفِ إذا أُلجِئْتَ إلَيْها " (٢٦). عن عليٍّ: " أنّهُ رأى رجلاً يسوقُ بَدَنَةً ومعَها ولدُها، فقالَ: لا تشربْ من لبنِها إلا ما فضَلَ عن وَلَدِها، فإذا كانَ يومُ النّحرِ، فاذْبَحْها وولدَها " (٢٧). رواهُ شُعْبةُ عن زُهَيْرِ بنِ أبي ثابتٍ الأعْمى عن المُغيرةِ بنِ حَذَف، عنهُ، وهذا إسْنادٌ غَريبٌ. عن أبي سعيدٍ، قالَ: " اشْتَرَيْتُ كَبْشاً أُضَحّي بهِ، فَعدا الذئبُ فأخذَ الأَلْية، فسَأْلتُ النبيَّ ﷺ ، فقالَ: ضَحِّ بهِ " (٢٨)، رواهُ أحمدُ، من حديثِ جابرِ بن يَزيد الجُعْفيِّ، وهو ضَعيفٌ. ورواهُ البَيْهقيُّ من حديثِ الحَجَّاجِ بنِ أَرْطأةٍ أيضاً.

стр. 351

٩ - بابُ: العَقيقةِ عن سَلْمانَ بنِ عامرٍ الضَّبِّيِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " معَ الغُلامِ عَقيقةٌ فأَهْريقوا عنهُ دَماً، وأميطوا عنهُ الأذى " (١)، أخرجاهُ. عن الحسَنِ البَصْريِّ عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ: " كلُّ غلامٍ رَهينةٌ بعَقيقتِهِ، تُذْبَحُ عنهُ يومَ سابعِهِ، ويُسَمّى، ويُحْلَقُ رأسُهُ " (٢)، رواهُ أحمدُ وأهلُ السُّنَنِ، وصحَّحهُ الترمِذيُّ، وهذا الحديثُ، هو الذي صرَّحَ فيهِ الحسَنُ بسماعِهِ من سَمُرَةَ، لمّا سُئِلَ عن ذلكَ، ذكرَهُ البخارِيُّ وغيرُهُ. عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ، قالَ: " سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن العَقيقةِ، فكأنّهُ كرِهَ الاسْمَ، فَقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنّما نَسألُكَ عن أحدِنا يولَدُ لَهُ؟ قالَ: مَن أحبَّ منْكُم أن يَنْسُكَ عن ولَدِهِ فَلْيَفْعَلْ، عن الغلامِ شاتانِ مُكافِئَتانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ " (٣). رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داود، والنَّسائيُّ. ورُويَ ذلكَ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن رجلٍ من بَني ضَمرةَ عن أبيهِ عن النبيِّ ﷺ نحوَ ذلكَ ". فهذا دالٌّ على عدَمِ الوجوبِ. وعن أُمّ كُرْزٍ الكَعْبيّةِ: " أنّها سألتِ النبيَّ ﷺ عن العَقيقةِ، فقالَ: نَعَمْ، عن الغلامِ

стр. 352

شاتانِ، وعن الأُنثى واحدةً، لا يَضرُّكم ذُكْراناً كُنْ أو إناثاً " (٤). رواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو داود، والنَّسائيُّ، والترمِذيُّ، وصحَّحهُ، ولهُ طرُقٌ عنها. وعن عائشةَ نَحْوُهُ (٥)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَةَ، والترمِذِيُّ، وصحَّحهُ. وعن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عقَّ عن الحَسنِ والحُيبنِ كَبْشاً، كَبْشاً " (٦)، كذا رواهُ أبو داود بإسْنادٍ صحيحٍ، والنَّسائيُّ: " كَبْشينِ، كَبْشينِ "، وهو بإسْنادٍ صحيحٍ أيضاً. وعن جعفرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ: " أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في العَقيقةِ التي عقَّتْها فاطمةُ عن الحسَنِ والحُيبنِ، أن يَبْعَثوا إلى القابِلَةِ مِنها برجلٍ، وكُلوا وأطْعِمُوا، ولا تَكْسِروا منها عَظْماً " (٧)، رواهُ أبو داود في المَراسيلِ عن أبي كُرَيبٍ عن حَفْص يَعني - ابنَ غِياثٍ عن جعفرٍ عن أبيهِ. وعن عائشةَ، قالتْ: " السُّنَّةُ فيها: شاتانِ مُكافئَتانِ عن الغلامِ، وعن الجاريةِ شاةٌ، وتُطْبَخُ جَدوُلاً، ولا يُكْسَرُ عَظْمٌ، ويَأكلُ، ويُطْعِمُ، ويَتَصَدَّقُ، وذلكَ يومُ السابعِ " (٨)، أخرجهما البَيْهقيُّ.

стр. 353

١٠ - بابُ: الصَّيْدِ والذَّبائحِ قالَ اللهُ تَعالى: " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ " - الآية. وقالَ ﵇ في البحرِ: " هو الطَّهورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيتتُهُ " (١)، وقد تقدّمَ الكلامُ عليهِ. وعن جابرٍ، قالَ: " غَزَوْنَا جَيْشَ الخَبَطِ، وأميرُنا أبو عُبَيْدَةَ، فَجعْنا جوعاً شَديداً فألقى البحرُ حوتاً مَيْتاً لمْ نَرَ مثْلَهُ، يُقال لهُ العَنْبَرُ، فأكلْنا منهُ نصفَ شهرٍ - وذكرَ الحديثَ - إلى أن قالَ: فلما قَدِمْنا المدينةَ ذَكَرْنا للنبيِّ ﷺ ، فقالَ: رِزْقٌ أخرجَهُ اللهُ لكُم، أطْعِمونا إن كانَ معَكُم، فأتاهُ فأكلَهُ " (٢)، أخرجاه. عن عبدِ اللهِ بنِ أبي أوْفى، قالَ: " غزَوْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ سبْعَ غَزَواتٍ نأكلُ الجَراد " (٣)، أخرجاه. وقالَ الشافعيُّ: أخبرَنا عبدُ الرّحمن بنُ زيدِ بنِ أسْلَمَ عن أبيهِ عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أُحِلَّتْ لنا مَيتتانِ، ودمانِ، فأمّا المَيْتتانِ: فالحوتُ والجَرادُ، وأمّا الدَّمان، فالكبِدُ، والطِّحالُ ". ورَواهُ الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجَةَ، والدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ كلُّهم من حديثِ عبدِ الرّحمنِ بنِ زَيْدٍ، هذا -: ضَعيفٌ جدّاً (٤).

стр. 354

قالَ البَيْهقيُّ: ورَواهُ إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ عن عبدِ الرّحمنِ، وعبدِ اللهِ، وأُسامةَ عن أبيهم زَيْدِ بنِ أسْلمَ عن ابنِ عمرَ مرفوعاً. ورَواهُ سُلَيْمانُ بنُ بِلالٍ عن زيْدِ بنِ أسْلَمَ عن ابنِ عمرَ قولَهُ، وهذا أصحُّ. وكذا قالَ أبو زُرْعةَ الموقوف. عن عمرَ، وعليٍّ، قالا: " ما نَصارى العَربِ بأهْلِ كتابٍ، ولا تَحِلُّ لنا ذَبائِحُهم " (٥)، روَاهُما الشافعيُّ، فأمّا المجوسُ فستَأتي إن شاءَ اللهُ الأحاديثُ المتَعَلِّقةُ بهم، في بابِ عَقْدِ الذِّمّةِ وضَرْبِ الجِزْيةِ. عن رافعِ بنِ خَديجٍ، قالَ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ: إنا لاقوا العَدوِّ غداً، ولَيْسَتْ معَنا مُدىً، أفنَذْبحُ بالقَصَبِ؟ فقالَ: ما أنهرَ الدمَ، وذُكِرَ اسمُ اللهِ عليهِ، فَكلوهُ، ليسَ السِّنَّ والظُّفُرَ، وسأُحَدِّثُكُم عن ذلكَ، أمّا السِّنُّ فعَظْمٌ، وأمّا الظُّفُرُ، فَمُدى الحبَشَةِ " (٦)، أخرجاه. عن شَدّادِ بنِ أوْسٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: " إنَّ اللهَ كَتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قَتَلْتُم فأَحْسِنوا القِتْلةَ، وإذا ذَبحْتُم فأَحْسِنوا الذَّبْحَ، ولْيُحدَّ أَحَدُكُم شَفْرتَهُ، وَلْيُرحْ ذَبيحتَهُ " (٧)، رواهُ مُسلم. عن كَعْبِ بنِ مالكٍ: " أنّهُ سألَ النبيَّ ﷺ عن مَمْلوكةٍ ذبَحَتْ شاةً بمَرْوةٍ، فأمَرَهُ بأكْلِها " (٨)، رواهُ البخاريُّ. فيهِ دلالةٌ على صحّةِ الذَّبْحِ بالسِّكينِ الكالِّ، لأنَّ المَرْوةَ هي الحجَرُ المُحَدَّدُ وليسَ هو في الحِدّةِ كالسِّكينِ.

стр. 355

عن ابنِ عبّاسٍ، وأبي هريرةَ، قالا: " نَهى النبيُّ ﷺ عن شَريطةِ الشّيطانِ، وهي التي تُذْبَحُ فَيُقطَع الجلدُ ولا تُقْرَى الأَوْداجُ " (٩)، رواهُ أبو داود. ولأحمدَ عن ابنِ عبّاسٍ وحدَهُ (١٠): " نحوَهُ ". وعن أبي هريرةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ بعثَ بُدَيْلَ بنَ وَرْقاءَ الخُزاعِيِّ على جملٍ أوْرقَ يصيحُ في فِجاجِ مِنىً ألا أنّ الذَّكاةَ في الحَلْقِ والَّلبَّةِ، ولا تَعْجَلوا الأنْفُسَ أن تَزْهَقَ " (١١)، رواهُ الدارَقُطنيُّ. ورَواهُ الثَّوْريُّ في " جامعِهِ " عن أيّوبَ عن يحيى بنِ أبي كَثيرٍ عن فَرافِضةَ الحَنَفِيِّ عن عمر قولَهُ. فأمّا حديثُ أبي العُشَراءِ الدّارِميِّ، قلتُ: يا رسول اللهِ: أما تكونُ الذَّكاةُ إلا في الحَلْقِ واللبَّةِ؟ فقالَ: لوْ طَعَنْتَ في فَخِذِها لأَجزأ عنكَ " (١٢)، فرواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وهو مَحمولٌ على ما لمْ يُقْدَرْ على ذبحِهِ، بدليلِ حديثِ رافعِ بنِ خَديجٍ، قالَ: " كنّا معَ النبيِّ ﷺ في سَفرٍ، فندَّ بعيرٌ من إبلِ القومِ، ولمْ يكنْ معَهم خيلٌ، فرماهُ رجلٌ بسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنَّ لهذهِ البَهائمِ أوابدَ كأوابدِ الوَحْشِ، فما فَعل منها هذا، فافْعَلوا بهِ هكذا " (١٣)، أخرجاه.

стр. 356

قالَ البيهقيُّ: وروينا عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: " أنهُ كانَ يَسْتَحبُّ أن يَسْتقبِلَ القِبْلةَ إذا ذبَحَ " (١٤). ويَعْضِدُ ذلكَ: ما رَواهُ ابنُ ماجَةَ عن جابرٍ، قالَ: " ضَحّى رسولُ اللهِ ﷺ بكَبْشينِ، فقالَ حينَ وجَّهَهُما: وجَّهْتُ وَجْهيَ للذي فطَرَ السّماواتِ والأرضَ حنيفاً. . . وذكرَ تمامَ الحديثِ " (١٥). قالَ تَعالى: " فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ ". تقدّمَ حديثُ أنسٍ: " أنهُ ﵇ ضَحّى بكَبْشينِ، وضَعَ رجلَهُ على صِفاحِهما، وسمَّى، وكَبَّرَ " (١٦). وكذا حديثُ رافعِ بنِ خَديجٍ " ما أنْهَرَ الدّمَ، وذُكِرَ اسْمُ اللهِ، فَكلوهُ " (١٧). وفي ذلك أحاديثُ كثيرةٌ. وقد اسْتُدِلَّ على عدَمِ وجوبِ التَّسْميَةِ بما رواهُ البخاريُّ عن عائشةَ: " أنَّ قوماً قالوا: يا رسولَ اللهِ: إن قوماً حَديثوا عهْدٍ بكفرٍ يأتونَا بالّلحْمِ، لا نَدري أذكَروا اسْمَ اللهِ عليهِ أمْ لا؟ فقالَ: اذْكُروا اسْمَ اللهِ، وكُلُوا " (١٨). وعن ثَورِ بنِ يَزيدَ عن الصَّلْتِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ذَبيحةُ المسلمِ حَلالٌ، ذَكَرَ اسمَ اللهِ، أمْ لمْ يَذكُرْ، إنّهُ إن ذَكَرَ، لمْ يَذكُرْ إلا اسمَ اللهِ " (١٩)، رواهُ أبو داود في المَراسيلِ، والصَّلْتُ هذا: غيرُ معروفٍ إلا بهذا الحديثِ، وقد ذكرَهُ ابنُ حِبّانَ في كتابِ الثِّقاتِ. وعن ابنِ عبّاسٍ مرفوعاً قالَ: " المسلمُ يَكفيهِ اسمُهُ إن نَسيَ أن يُسَمّيَ حينَ يَذبَحُ،

стр. 357

فَلْيَذكر اسمَ اللهِ ولْيَأكُلْهُ " (٢٠)، رواهُ البَيْهقيُّ من حديثِ مَعْقَلِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ عن عَمْرِو بنِ دينارٍ عن عِكْرِمَةَ عنهُ. ورَواهُ من وجْهٍ آخرَ مَوقوفاً، قالَ: وهوَ المَحفوظُ. عن ابنِ عمرَ: " أنهُ أتى على رجلٍ قد أناخَ بدَنَتَهُ ينحَرُها، قالَ: إبْعَثْها قِياماً مُقيَّدَةً، سُنَّةَ أبي القاسمِ " (٢١)، أخرجاه. وتقدَّمَ في حديثِ أنسٍ: " أنهُ ﵇ وضَعَ رجلَهُ على صِفاحِهما " (٢٢). وقالَ تَعالى: " إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ". عن أبي واقِدٍ الَّليْثيِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ما قُطِعَ من البَهيمةِ وهيَ حيّةٌ، فهوَ مَيْتَةٌ " (٢٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والترمِذيُّ بإسْنادٍ صحيحٍ على شَرْطِ البخاريِّ. ولابنِ ماجَةَ " مِثْلُهُ " (٢٤) عن ابنِ عمرَ. وتقدَّمَ: " لا تَعْجلوا الأَنْفسَ أن تَزْهقَ "، ففيها دلالةٌ على أنهُ لا يَكسِرُ عُنُقَها، ولا يَسلَخُ جلدَها حتى تَبرُدَ. قالَ تَعالى: " وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبينَ تُعَلِّمونَهُنَّ مِمَّا عَلّمَكُمُ اللهُ، فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ واذْكُرُوا اسْمَ اللهِ ". عن عَدِي بنِ حاتمٍ، قلتُ: " يا رسولَ اللهِ: إنّي أُرسلُ الكِلابَ المُعَلَّمةَ، فَيُمْسِكْنَ عليَّ، وأذكرُ اسمَ اللهِ، فقالَ: إذا أرْسَلْتَ كلْبَكَ المُعَلَّمَ وذَكَرْتَ اسمَ اللهِ، فَكُلْ ما أمسكْنَ عليكَ، قلتُ: وإن قَتَلْنَ؟ قالَ: وإن قَتلْنَ ما لمْ يَشْرَكْها كلبٌ ليسَ منها، فإنّك إنّما سَمّيتَ على كلبِكَ، ولمْ تُسَمِّ على غيرِهِ، قُلْتُ: فإنّي أرمي بالمِعْراض فأُصيبُ؟

стр. 358

فقالَ: إذا رَميتَ بالمِعْراضِ فخَزَقَ فَكُلْهُ، وإن أصابَهُ بعَرْضٍ فإنَّهُ وَقيذٌ، فلا تأْكُلْهُ " (٢٥)، أخرجاه. ففيهِ دلالةٌ على جوازِ ما قتلتهُ الجارحةُ شعله حيثُ أطلَقَ ولمْ يُفَصِّلْ، اللهُمَّ إلا أن يُسمَّى وَقيذاً فلا يَحِلُّ، ولهذا كانَ في المسألةِ قولان، وفيهِ دليلٌ على المنعِ من ذلكَ في السَّهْمِ، وفي روايةٍ لهما: " إذا أرْسلْتَ كلْبَكَ، فاذكُرِ اسمَ اللهِ، فإن أمسَكَ عليكَ وأدْرَكْتَهُ حَيّاً فاذْبحْهُ، وإن أدْرَكْتَهُ قد قتَلَ ولمْ يأكلْ منهُ، فَكُلْهُ، فإنَّ أخذَ الكلبِ ذكاتهُ " (٢٦)، وفي روايةٍ لهما " فإنْ أكَلَ، فلا تأكُلْ، فإنّي أخافُ أن يكونَ أمسكَ على نفسِهِ " (٢٧)، فهذا دليلُ أحدِ القولين، وهو الذي صحَّحهُ النَّواويُّ، ودليلُ القولِ الآخرِ ما رَواهُ أبو داود بإسْنادٍ صحيحٍ كلُّهمْ ثِقاتٌ عن أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا أرْسَلْتَ كلبَكَ وذَكَرْنَ اسْمَ اللهِ فكُلْ، وإن أكَلَ منهُ، وكُلْ ما رَدَّت عليكَ يدُكَ " (٢٨). وعن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أَبيهِ عن جدِّهِ: " أنَّ أعرابيّاً يُقالُ لهُ أبو ثَعْلبَةَ، قالَ: يا رسولَ اللهِ إنَّ لي كلاباً مُكَلَّبَةً فأَفْتِني في صيدِها. فقالَ: كُلْ ما أمْسكْنَ عليكَ، قالَ: ذكياً وغيرَ ذكيٍّ؟ وإن أكلَ منهُ؟ قالَ: نَعَمْ، وإن أكلَ منهُ " (٢٩)، رواهُ أبو داود، أيضاً، والنَّسائيُّ، فمَن يحتَجُّ بعَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، فهذا: صحيحٌ إليهِ، معَ ما انْضَمَّ من الشاهدِ الأوّلِ، إليه، وما أحسنَ ما جمعَ بعضُ العلماءِ بينَ حديثِ عَدِيٍّ، وهذا، بأنَّ حديثَ النّهْي عن الأكلِ محمولٌ على ما إذا أكَلَ أوّلَ ما أمسَكَهُ، فَإنّهُ يُخْشى أَن يكونَ إنّما أَمسكَ على نفسِهِ، وأَمّا حديثُ أبي ثَعْلَبةَ، فمحمول على ما إذا أَمسَكَهُ حتّى طالَ عليهِ، ثُمَّ أكَلَ منهُ، وفيهِ دلالةٌ على أنهُ لا يُشْتَرَطُ غسلُ موضعِ الظُّفْرِ والنّابِ من الصّيدِ، إذ لمْ يأمرْ بهِ.

стр. 359

عن عَدِيٍّ، قالَ: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: " إذا رميتَ سَهْمَكَ، فاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فإنْ وجَدْتَهُ قد قتَلَ فَكُلْ، إلا أن تَجِدَهُ في ماءٍ، فإنّكَ لا تَدري الماءُ قتَلَهُ، أو سَهْمُكَ " (٣٠)، أخرجاه. وفي روايةٍ لهما: " إذا رَمَيْتَ الصَّيدَ، فوَجَدْتُهُ بعدَ يومٍ أو يومين "، وفي روايةٍ: " اليومينِ والثلاثةِ، ولمْ تَجدْ فيهِ إلا أثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ، إن شئْتَ " (٣١). فهذا دليلُ أَحَدِ القولينِ، وأمّا القولُ الآخَرُ. فَعن زِيادِ بنِ أَبي مَرْيم، قالَ: " جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالَ: إنّي رَمَيْتُ صَيْداً ثمّ تَغَيَّبَ، فوَجَدْتُهُ، فقالَ: هَوامُّ الأَرضِ كثيرةٌ، فلمْ يأْمُرْهُ بأَكْلِهِ " (٣٢)، رواهُ أبو داود في المَراسيلِ. قلتُ: ولمْ أَرَهُ في الأَطرافِ، وقد رُويَ من طريقِ عامرٍ الشَّعْبيِّ، وأَبي رَزينٍ مُرْسَلاً " (٣٣)، واللهُ أعلمُ. في قولِهِ ﵇: " إذا أَرسَلْتَ كلبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ، فكُلْ ما أَمسَكَ عليك، وقتَلَ ": أنّ مَنْ أَرسلَ على صيدٍ فقتَلَ كلبُهُ آخرَ، أنّهُ يَحِلُّ، وكذا لَو أَرسَلَ على ما يَظُنّهُ حَجَراً فكانَ صَيْداً على الصحيحِ. وفي قولِهِ: " وكُلْ ما رَدَّتْهُ عليكَ يدُكَ "، دليلُ حِلِّ ما ظنَّهُ غيرَ صَيْدٍ أو حَجراً، فَكانَ صَيْداً.

стр. 360

١١ - بابُ: الأَطْعِمةِ قالَ تَعالى: " أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهيمةُ الأَنْعَامِ "، والأَنْعامُ: هيَ: الإبِلُ، والبَقرُ، والغَنَمُ، التي فَصّلَها في قولِهِ تَعالى: " ثَمانيةَ أَزْواجٍ "، ومن السُّنّةِ بنَحْرِهِ ﵇ الإبِلَ في مَناسِكِهِ، وأَمرِهِ إيّاهُم أَن يَشْترِكوا في الإبِلِ، والبَقرِ، وتَضْحيَتِهِ بالغَنمِ، إلى غيرِ ذلكَ مِمّا يَطولُ تَفصيلُهُ، وقدْ أجمعَ المسلمون على ذلكَ إجْماعاً قَطْعيّاً. فأَمّا الخيلُ: فعَن جابرٍ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن لحومِ الحُمُرِ الأَهْليّةِ، وأَذِنَ في لحومِ الخيلِ " (١)، أَخرجاه. قالَ اللهُ تَعالى: " وَيُحرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائثَ ". عن رافعِ بنِ خَديجٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ثمنُ الكلبِ خَبيثٌ " (٢)، رواهُ مُسلم. قالَ تَعالى: " حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ وَلَحْمُ الخِنْزيرِ ". عن بُرَيدةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَن لَعِبَ بالنَّردشيرِ فكأنّما صبَغَ يدَهُ في لحمِ الخنزيرِ ودمِهِ " (٣)، رواهُ مُسلمٌ، فقد بشع ذلكَ بصبغِ اليَدِ فيهِ، فما ظَنُّكَ بأَكلِهِ. عن جابرٍ، قالَ: " ذَبحْنا يومَ خَيْبَرَ الخيلَ والبِغالَ والحميرَ، فَنهانا رسولُ اللهِ ﷺ عن البِغالِ، والحميرِ، ولمْ يَنْهَنا عن الخيلِ " (٤)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، كلٌّ مِنهما من طريقِ على شَرطِ مُسلمٍ، لكنَّ الحديثَ في " الصَّحيحينِ " كما تقدّمَ، وليسَ فيه ذِكرُ البِغالِ.

стр. 361

عن جابرٍ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن أَكلِ الهِرِّ وأَكلِ ثَمنِها " (٥)، رواهُ أبو داود، والترمذيُّ، وابنُ ماجَةَ من حديثِ عمرَ بنِ زيدٍ الصَّنْعانيِّ - وهو ضَعيفٌ -، ولمْ يَرْوِ عنهُ سِوى عبدِ الرّزاقِ، ولكنْ سيأتي نَهْيُهُ ﵇ " عن كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ ". ورَوى الإمامُ أحمدُ عن أبي النَّضْرِ عن عيسى بنِ المُسَيَّبِ عن أبي زُرْعَةَ عن أبي هريرةَ مرفوعاً: " الهرَّةُ سَبْعٌ " (٦)، وعيسى هذا ضَعيفٌ. تقدَّمَ حديثُ أبي قَتادةَ، والصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ في الحمارِ الوَحْشي. وتقدّمَ في أبوابِ الإحرامِ حديثُ جابرٍ في الضَّبُع والضَّبُّ يُؤْكَلُ بالإجماعِ. وقالَ أبو هريرةَ: " لوْ رأيتُ الظَّباءَ تَرتعُ في جَوانبِها ما ذَعَرْتُها " (٧)، أخرجاهُ. وقالَ الشافعيُّ: لم تَزَلِ العربُ إلى اليومِ تأكلُ الضَّبُعَ، والثعلبَ، وتأكلُ الضَّبَّ، والأرنبَ، وحمارَ الوَحْشِ، ولمْ تَزَلْ تدعُ أكلَ الأسدِ، والنَّمِرِ، والذِّئْبِ تحريماً بالتَّقَذُّر. عن أنسٍ، قالَ: " أَنْفَجْنا أرْنباً بِمَرِّ الظَّهْرانِ فَسَعى القومُ فَلَغَبوا، فأَدْرَكْتُها وأَخَذْتُها، فأَتَيْتُ بها أبا طَلْحةَ، فذَبَحها وبعثَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بِوَرِكِها وفَخِذَيْها فَقبِلَهُ " (٨)، أَخرَجاه. ولهما عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " سأَلتُ النبيَّ ﷺ عن الضَّبِّ، أحرامٌ هوَ؟ قال: لا " (٩). عن ابنِ عبّاسٍ: أنهُ قالَ: " وكانَ أهلُ الجاهِليَّةِ يأكلونَ أشياءَ، ويتركونَ أشياءَ تَقَذُّراً، فبعَثَ اللهُ نبيَّهُ، وأنزلَ كتابَهُ، فأَحَلَّ حلالَهُ، وحرَّمَ حرامَهُ، فما أحَلَّ فهو حَلالٌ،

стр. 362

وما حرَّمَ فهو حَرامٌ، وما سَكتَ عنهُ، فهو عَفْوٌ، وتَلا: " قُلْ لَا أَجِدُ فيما أُوحِيَ إليَّ. . . إلى آخر الآيةِ (١٠)، رواهُ أبو داود، بإسْنادٍ صحيحٍ من قولِ ابنِ عبّاسٍ الحَبْرِ تَرْجُمانِ القرآنِ. وهذهِ قاعِدةٌ عظيمةٌ في بابِ التَّحليلِ والتّحريمِ، وثَمَّ قاعِدَةٌ أُخْرى، وهي ما أُمِرَ بقتلِهِ أو نُهيَ عن قتلِهِ من الدّوابِّ، فهو: حَرامٌ، وما ذاكَ إلا لاحترامِ ما نُهي عَن قتلِهِ، ولخُبثِ ما أُمِرَ بقتلِهِ، وقد قالَ تَعالى: " وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِث "، وذلكَ كحديثِ أبي هريرةَ في " الصّحيحين ": " أنّهُ ﵇ أمَرَ بقتلِ الأَسْودينِ في الصّلاةِ: الحَيَّةِ، والعَقْرَبِ " (١١)، وحديثِ سَعْدٍ فيهما: " أَنّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرَ بقتلِ الوَزَغِ، وسَمّاهُ فُوَيْسِقاً " (١٢). عن أبي ثَعْلَبةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن أَكْلِ كلِّ ذب نابٍ منَ السِّباعِ " (١٣)، أَخرجاه. تقدَّمَ في الأَثَرِ أَنَّ النَّعامَةَ تُفْدَى. عن أَبي موسى قالَ: " رأيتُ النبيَّ ﷺ يأكلُ لحْمَ الدّجاجِ " (١٤)، أخرجاه. عن صُهَيْبٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو يرفَعُهُ: " مَن قتَلَ عُصْفوراً فَما فوقَها بغيرِ حقِّها، سألَهُ اللهُ عنها يومَ القيامَةِ، قيلَ: يا رسولَ اللهِ وما حَقُّها؟ قالَ: أن تذبَحَهُ فَتَأْكُلَهُ، ولا تَقطع رأسَهُ فترميَ بهِ " (١٥)، رواهُ أحمدُ، والنسائيُّ بإسْنادٍ حَسنٍ. عن ابن عبّاسٍ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن كلِّ ذي نابٍ من السِّباعِ، وكلِّ

стр. 363

ذي مِخْلَبٍ من الطَّيرِ " (١٦)، رواهُ مُسلم. تقدّمَ قتلُ الحِدَأَةِ، وفي بعضِ طرُقِ الحديث: " الأَبْقَع " (١٧). عن مُجاهدٍ عن ابنِ عمرَ، قالَ: " نَهى النبيُّ ﷺ عن أكل الجَلاّلَةِ وأَلبانِها " (١٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وابنُ ماجَةَ، والترمِذِيُّ، وقالَ: حسَنٌ غَريبٌ. قلتُ: وهو من روايةِ محمدِ بن إسحاقَ عن ابنِ أبي نَجيحٍ عن مُجاهدٍ، فذكَرَهُ. قال الترمذِيُّ: ورواهُ الثَّوريُّ عن ابنِ أبي نجيحٍ عن مُجاهدٍ مُرْسَلاً. عن عبدِ الرّحمن بنِ عثمانَ، قالَ: " ذكرَ طيبٌ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ دواءاً، وذكرَ الضِّفْدعَ، فنَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن قتلِ الضِّفْدعِ " (١٩). رواهُ أَحمدُ، وأبو داود، والنَّسائيُّ من حديثِ سعيد بن خالدٍ القارِظيِّ، وقد اخْتُلِفَ فيهِ، وللنَّسائيِّ أيضاً عن عبدِ الله بنِ عَمْرو: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن قتلِ الضِّفدَعِ، وقالَ: نَقيقُها تَسبيحٌ " (٢٠). قالَ تَعالى: " أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ ". وتقدَّمَ: " أُحِلَّتْ لنا مَيتتانِ السّمَكُ والجَرادُ " (٢١). وحديثُ: " هو الطَّهورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيتتُهُ " (٢٢)، وهو عامٌّ في جميعِ صيدِ البَحرِ إلا ما خرَجَ بدليلٍ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " ماتَتْ شاةٌ لسَوْدَةَ، فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ: ماتتْ فُلانةُ تَعني، الشاةَ، قالَ: فلولا أَخَذْتُم مَسْكَها؟ قالوا: أنأْخُذُ مَسْكَ شاةٍ قد ماتَتْ؟ فقالَ لها:

стр. 364

إنّما قالَ اللهُ: " قُلْ لا أَجِدُ فيمَا أُوحِيَ إليَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلاّ أنْ يَكونَ مَيْتَةً أو دَمَاً مَسْفُوحَاً أوْ لَحْمَ خِنْزيرٍ "، وأَنتم لا تَطعمونَهُ، أن تَدْبُغوهُ تَنْتَفِعوا بهِ " (٢٣)، رواهُ أَحمدُ بإسْنادٍ صحيحٍ، فيما قالَهُ الإمامُ مَجدُ الدينِ، وفيهِ دلالةٌ لتحليلِ جلدِ المَيْتةِ المَدبوغِ، وهو أَصحُّ القولين. وعن أَبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَن قتَلَ نفسَهُ بِسُمٍّ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسّاهُ في نارِ جَهَنّمَ خالِداً مُخَلَّداً فيها أَبداً " (٢٤)، أخرجاه. وعنهُ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن الدّواءِ الخَبيثِ يَعني السَّمّ " (٢٥)، رواهُ أحمدُ، والترمِذيُّ، وابنُ ماجَةَ. قالَ تعالى: " فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ اللهَ غَفورٌ رَحيمٌ ". عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ: " أَنَّ رجلاً نزَلَ على الحَرَّةِ ومعَهُ أَهلُهُ ووَلَدُهُ، فقالَ لهُ رجلٌ: إنّ ناقةً لي ضلَّتْ، فإن وجدْتَها فأَمْسِكْها، فَوجَدَها ولمْ يجدْ صاحبَها فمَرضَتْ، فقالَتْ امرأَتُهُ: انْحرْها، فأَبى فنَفَقَتْ، فَقالَتْ امْرَأَتُهُ: اسْلَخْها حتى نُقَدِّدَ شَحْمَها ولحمَها، فقالَ: حتّى أَسأَلَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فأَتاهُ فَسَأَلَهُ، فقالَ: هَلْ عندَكَ غِنىً يُغْنيكَ؟ قالَ: لا، قالَ: فَكلوها، فجاءَ صاحبُها فأخبرَهُ الخبَرَ، قالَ: هلاّ كُنتَ نَحَرْتَها، قالَ: استَحْييْتُ " (٢٦)، رواهُ أَحمدُ، وأَبو داود، والّلفْظُ لهُ، وإسْنادُهُ على شَرْطِ مُسلم. عن وائلِ بنِ حُجْرٍ: " أَنَّ طارقَ بنَ سُوَيدٍ الجُعْفيِّ سأَلَ النبيَّ ﷺ عن الخَمرِ، فَنَهاهُ، قالَ: إنّما أصنَعُها للدّواءِ، فقالَ: إنّهُ ليسَ بدواءٍ، ولكنّهُ داءٌ " (٢٧)، رواهُ مُسلمٌ.

стр. 365

عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " احتجَمَ النبيُّ ﷺ ، وأعطى الذي حجَمَهُ أَجْرَهُ، ولو كانَ حَراماً، لَمْ يُعْطهِ أَجرَهُ " (٢٨)، رواهُ البخاريُّ. ولمسلمٍ: نحوُهُ. ولهُ عن رافعِ بنِ خَديجٍ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " كَسْبُ الحجَّامِ خَبيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبيثٌ، وثَمنُ الكلبِ خَبيثٌ " (٢٩). وعن مُحَيِّصَةَ بنِ مَسعودٍ: " أَنهُ استأْذنَ النبيَّ ﷺ في إجارةِ الحجَّامِ، فنَهاهُ عنها، ولمْ يَزلْ يسأَلُهُ فيها حتى قالَ لهُ: اعْلِقْهُ ناضِحَكَ، وأَطْعِمْهُ رَقيقَكَ " (٣٠)، رواهُ الأئِمّةُ مالكٌ، والشافعيُّ، وأَحمدُ.

стр. 366

١٢ - بابُ النَّذْر قالَ اللهُ تَعالى: " يُوفونَ بالنَّذْرِ ويَخَافونَ يَوْمَاً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيرَاً ". عن عائشةَ، قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَن نذَرَ أن يُطيعَ اللهَ فلْيُطِعْهُ، ومَن أَن يَعصيَ اللهَ، فلا يَعْصِه " (١)، رواه البخاريُّ. تقدَّمَ حديثُ: رفعِ القلمِ عن الصَّبيِّ، والمجنونِ، والنائمِ (٢). عن ابنِ عمرَ: " أَنَّ عمرَ قالَ لرسولِ اللهِ ﷺ : إنّي كنتُ نَذَرْتُ في الجاهِليَّةِ أعتكِفُ يَوْماً في المسجدِ الحَرامِ، فقالَ: أَوْفِ بنَذْرِكَ " (٣)، أخرجاه. يُسْتَدَلُّ بهِ على صِحّةِ النَّذْرِ من الكافرِ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " بينَما رسولُ اللهِ ﷺ يخطبُ، إذا هوَ برجلٍ قائمٍ، فسأَلَ عنهُ، فقالوا: أَبو إسْرائيلَ، نذَرَ أن يقومَ في الشّمسِ، ولا يَقْعُدُ، ولا يَستَظِلُّ، ولا يتَكَلَّمَ، وأن يصومَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : مُروهُ، فلْيَتَكلَّمْ، ولْيَسْتَظِلَّ، ولْيَقْعُدْ، ولْيُتِمَّ صومَهُ " (٤)، رواهُ البخاريُّ. وفيهِ دلالةٌ على أَنّه لا يَصحُّ النَّذْرُ إلا في قُرْبةٍ، وكذا حديثُ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ مرفوعاً. " لا نَذْرَ إلا ما ابْتُغِيَ بِهِ وجْهُ اللهِ " (٥)، رواهُ أَحمدُ، وأبو داودَ. عن ابنِ عبّاسٍ: " أَنَّ امرأةً رَكِبَتِ البَحْرَ، فنَذَرَتْ إنِ اللهُ نَجّاها أن تَصومَ شهراً،

стр. 367

فَنجّاها اللهُ، فلمْ تَصُمْ حتّى ماتَتْ، فجاءَتْ بنتُها أو أُخْتُها إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأَمَرها أن تصومَ عنها " (٦)، رواهُ مُسلمٌ. قالَ ﵇: " مَنْ نذَرَ أَن يُطيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ "، وهذا عامٌّ في النَّذْرِ المُعَلَّقِ وغيرِ المُعَلّقِ. عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " كَفّاةُ النذْرِ، كفّارَةُ يَمينٍ " (٧)، رواهُ مُسلمٌ، وحمَلَهُ أصحابُنا على نَذْرِ الّلجاجِ. وأَصرَحُ منهُ في ذلكَ ما رواهُ أبو داود من حديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: " أَنّ أَخَوَينِ من الأنصارِ كانَ بينَهما ميراثٌ، فسأَلَ أَحدُهما صاحبَهُ القِسْمةَ، فقالَ: إن عُدتَ تَسأَلني القِسْمةَ، فَكلُّ مالي في رِتاجِ الكَعْبةِ، فقالَ لهُ عمرُ: إنّ الكعْبةَ غَنيَّةٌ عن مالِكَ، كَفِّر عن يَمينِكَ، وكَلِّمْ أَخاكَ، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " لا يَمينَ عليكَ، ولا نَذْرَ في مَعْصيةِ الرّبِّ، ولا في قَطيعةِ رَحِمٍ، ولا فيما لا تَملِكُ " (٨). وعن عمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ عن النّبيِّ ﷺ ، قالَ: " لا نَذْرَ في غَضبٍ، وكفّارتُهُ: كَفّارَةُ يَمينٍ " (٩)، رواهُ أحمدُ، وفي إسْنادِهِ ضَعيفٌ، وآخرُ مُبْهَمٌ، فليسَ هو بصحيحٍ، واللهُ أَعلَمُ. فإنّهُ رَواهُ من طرُقٍ عن محمدِ بنِ الزُّبَيْرِ عن أَبيهِ عن رجلٍ عن عِمْران، وعن محمدِ بنِ الزُّبَيْرِ عن الحسَنِ عن عِمْران، ومحمدُ بنُ الزُّبير هذا هو الحَنْظَلِيُّ، وهو: ضَعيفٌ جدّاً، ومعَ هذا فقد شكَّ مَرّةً فيهِ، فقالَ: " في مَعْصيةٍ " أو " في غَضَبٍ "، والأوّلُ أَصَحُّ. عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: " نَذَرَتْ أُختي أن تَمشيَ إلى بيتِ اللهِ، فأَمَرَتْني أَن

стр. 368

أَسْتَفْتيَ لها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: لِتمْشِ ولْتَرْكبْ " (١٠)، أخرجاهُ. ولأَحمدَ، وأهلِ السُّنَنِ: " ولْتَصُمْ ثلاثةَ أَيامٍ " (١١). وفي لفْظٍ لأَحمدَ: " ولْتُهدِ بَدَنَةً " (١٢)، قالَ البخاريُّ: لا يصحُّ فيهِ الهَدْيُ. وعن ابنِ عبّاسٍ: " أَنَّ أُختَ عُقْبةَ نذَرَتْ أَن تمشيَ إلى البيتِ، وإنّها لا تُطيقُ ذلكَ، فأَمَرَها النبيُّ ﷺ أَن تركبَ وتُهديَ هَدْياً " (١٣)، رواهُ أبو داودَ، والبيهقيُّ بإسْنادٍ جيّدٍ. وهذا دليلُ الصّحيحِ من القولينِ: فيمنْ نذَرَ الحَجَّ ماشياً فَحَجَّ راكباً لعُذْرٍ أنّهُ يلزمُهُ دمٌ، ودَليلُ القولِ الآخرِ: ما أَخرجاهُ. عن أَنَسٍ: " أَنّ النّبيَّ ﷺ رأى شَيْخاً يُهادَى بينَ ابْنيْهِ، قالَ: ما هذا؟ قالوا: نذَرَ أن يَمشي، قالَ: إنّ اللهَ عن تعذيبِ هذا نفسَهُ لَغَنيٌّ، وأَمَرَهُ أن يَرْكَبَ، ولمْ يَذكُرْ في الحديثِ هَدْياً " (١٤). عن أَبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاّ إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، ومسجدي هذا، ومسجدِ بيتِ المَقْدِسِ " (١٥)، أَخرجاهُ. ولَهما عن أَبي سعيد مِثْلُهُ أو نحوَهُ " (١٦). وعن جابرٍ: " أَنَّ رجلاً قالَ يومَ الفَتْحِ: يا رسولَ اللهِ: إني نذَرْتُ إن فتَحَ اللهُ عليكَ مَكَّةَ أن أُصلّيَ في بيتِ المَقْدِسِ، فقالَ: صَلِّ هاهُنا: فسأَلَهُ، فقالَ: صَلِّ هاهُنا،

стр. 369

فَسَأَلَهُ، فقالَ: شَأْنَكَ إذَنْ " (١٧)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ بإسْنادٍ صحيحٍ. وفي روايةٍ لهما: " والذي بعثَ مَحمّداً بالحقِّ لو صَلّيْتَ هاهُنا لَوَفّى عنكَ كلَّ صلاةٍ في بيتِ المَقْدِسِ " (١٨). فيهِ دلالةٌ على أنّ من نذَرَ المَشْيَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، أو مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أَنّهُ يَلزَمُهُ، وأَنّهُ تَجزيهِ صلاتُهُ في المسجدِ الحرامِ عنهما إذ هو أفضلُ منهما، وكذا تَجزيهِ صلاتُهُ في مسجدِ الرّسولِ عن بيتِ المَقْدِسِ، لما: روى مُسلمٌ عن ابنِ عبّاسٍ: " أَنّ امرأةً اشْتَكَتْ شَكْوى، فقالَتْ: إنِ اللهُ شَفاني، فلأَخرُجَنَّ ولأُصَلّيَنَّ في بيتِ المَقْدِسِ، فبَرَأتْ فَتَجهّزَتْ تريدُ الخروجَ، فجاءتْ مَيْمونةُ تُسلّمُ عَلَيْها، فأَخْبَرتْها بذلكَ، فقالَتْ: اجْلِسي فَكُلي ما صَنَعْتِ، وصَلّي في مسجدِ النبيِّ ﷺ ، فإني سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " صلاةٌ فيه أَفضلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ من المساجدِ، إلا مسجدَ الكعْبةِ " (١٩). عن ثابتِ بنِ الضَّحّاكِ: " أَنّ رجلاً أتَى النبيَّ ﷺ ، فقالَ: إنّي نَذَرْتُ أَن أنحرَ إبلاً بِبُوانَةَ، فقالَ: كانَ فيها وثَنٌ من أوثانِ الجاهِليّةِ يُعْبَدُ؟ قالوا: لا، قالَ: فَهلْ كانَ فيها عيدٌ من أَعيادِهِمْ؟ قالوا: لا، أوْفِ بنَذْرِكَ، فإنّهُ لا وَفاءَ لنذْرٍ في مَعْصيةِ اللهِ، ول افيما لا يَملِكُ ابنُ آدمُ " (٢٠). رواهُ ابو داود، بإسْنادٍ على شَرطِهما. وفيهِ دلالةٌ على لزومِ النحرِ بمَكَّةَ وبغيرِها، وإن لمْ يذكُرْ تَفْرِقةَ الّلحْمِ، اللهُمَّ إلا أن يكونَ قولُهُ: " أن أنحرَ إبلاً بِبُوانَةَ " معناهُ: وأُفَرِّقُ كما هو المعتادُ، فيدُلُّ حينَئذٍ على الصحيحِ من الوَجهين. تقدّمَ قولُهُ ﵇: " إذا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأتوا منهُ ما اسْتَطَعْتُمْ " (٢١).

стр. 370

عن أبي هريرةَ مرفوعاً: " مَنْ اغْتَسلَ يومَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ راحَ كانَ كالمُهْدي بَدَنَةً، ثُمَّ كالمُهْدي بَقَرَةً، ثُمَّ كالمُهْدي كَبْشاً، ثم كالمُهْدي دَجاجةً، ثُمَّ كالمُهدي بيضةً " (٢٢). أصلُهُ في " الصّحيحين "، فَيُستَدَلُّ بهِ على أنَّ مَنْ نذَرَ الهَدْيَ وأَطْلَقَ لَزِمَهُ ما يَقَعُ عليه الاسمُ، حتّى لو أَهْدى بَيْضةً، فقدْ وَفّى بنَذْرِهِ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " صَلّى رسولُ اللهِ ﷺ بذي الحُلَيْفَةِ، ثمَّ دَعا بناقَتِهِ فأَشْعرَها في صَفْحَةِ سَنامِها الأَيْمنِ، وسَلَتَ عنها الدّمَ، وقَلَّدَها نَعْلينِ " (٢٣)، رواهُ مُسلمٌ. قالَ النَّواويُّ: والصّوابُ أَنهُ يُسَنُّ إشْعارُ البقَرِ كالبُدْنِ، قلتُ: ويُؤَيِّدُ ذلكَ ما رواهُ مُسلمٌ عن جابرٍ: أنّهُ قالَ: " البَقَرةُ من البُدْنِ " (٢٤). عن عائشةَ، قالَتْ: " كنتُ أفتِلُ قلائدَ للنبيِّ ﷺ فيُقَلِّدُ الغَنَمَ، ويُقيمُ في أَهلِهِ حَلالاً " (٢٥)، رواهُ البخاريُّ، وهذا لفْظُهُ، ومُسلم. عن ابنِ عبّاسٍ: " أَنَّ ذُؤَيْباً أبا قَبيصةَ حدَّثَهُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَبْعَثُ معَهُ بالبَدْنِ، ثُمَّ يقولُ: إن عَطِبَ منها شيءٌ فَخَشيتَ عليهِ مَوْتاً، فانْحرْها ثمَّ اغْمِسْ نَعْلَها في دَمِها، ثُمَّ اضرِبْ بهِ صَفْحتَها، ولا تَطْعَمْها أَنتَ ولا أَحَدٌ من أهلِ رُفْقَتِكَ " (٢٦)، رواهُ مُسلمٌ. تقدَّمَ بيناُ النّهي عن صومِ يومِ العيدَينِ، وأَيامِ التَّشريقِ، فهيَ مُسْتَثْناةٌ من صومِ الحَوْلِ شَرْعاً، فأَمّا الحائضُ، فَيُمْكِنُ أن تُلْحَقَ بهذِهِ الأيامِ، فلا تَقضي، وهو الّذي صحَّحَهُ النَّواوِيُّ، ويُمْكِنُ أن تَقضيَ لما تقدّمَ من أنّها تَقْضي الصومَ الواجبَ. وأمّا مَن نذَرَ أن يصومَ اليومَ الذي يقْدُمُ فيهِ فُلانٌ، فَقَدِمَ يومَ العيدِ، فقَدْ سُئِلَ ابنُ
следующие страницы →