← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 366–405 · переход к 371.

стр. 366

١٢ - بابُ النَّذْر قالَ اللهُ تَعالى: " يُوفونَ بالنَّذْرِ ويَخَافونَ يَوْمَاً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطيرَاً ". عن عائشةَ، قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَن نذَرَ أن يُطيعَ اللهَ فلْيُطِعْهُ، ومَن أَن يَعصيَ اللهَ، فلا يَعْصِه " (١)، رواه البخاريُّ. تقدَّمَ حديثُ: رفعِ القلمِ عن الصَّبيِّ، والمجنونِ، والنائمِ (٢). عن ابنِ عمرَ: " أَنَّ عمرَ قالَ لرسولِ اللهِ ﷺ : إنّي كنتُ نَذَرْتُ في الجاهِليَّةِ أعتكِفُ يَوْماً في المسجدِ الحَرامِ، فقالَ: أَوْفِ بنَذْرِكَ " (٣)، أخرجاه. يُسْتَدَلُّ بهِ على صِحّةِ النَّذْرِ من الكافرِ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " بينَما رسولُ اللهِ ﷺ يخطبُ، إذا هوَ برجلٍ قائمٍ، فسأَلَ عنهُ، فقالوا: أَبو إسْرائيلَ، نذَرَ أن يقومَ في الشّمسِ، ولا يَقْعُدُ، ولا يَستَظِلُّ، ولا يتَكَلَّمَ، وأن يصومَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : مُروهُ، فلْيَتَكلَّمْ، ولْيَسْتَظِلَّ، ولْيَقْعُدْ، ولْيُتِمَّ صومَهُ " (٤)، رواهُ البخاريُّ. وفيهِ دلالةٌ على أَنّه لا يَصحُّ النَّذْرُ إلا في قُرْبةٍ، وكذا حديثُ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ مرفوعاً. " لا نَذْرَ إلا ما ابْتُغِيَ بِهِ وجْهُ اللهِ " (٥)، رواهُ أَحمدُ، وأبو داودَ. عن ابنِ عبّاسٍ: " أَنَّ امرأةً رَكِبَتِ البَحْرَ، فنَذَرَتْ إنِ اللهُ نَجّاها أن تَصومَ شهراً،

стр. 367

فَنجّاها اللهُ، فلمْ تَصُمْ حتّى ماتَتْ، فجاءَتْ بنتُها أو أُخْتُها إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأَمَرها أن تصومَ عنها " (٦)، رواهُ مُسلمٌ. قالَ ﵇: " مَنْ نذَرَ أَن يُطيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ "، وهذا عامٌّ في النَّذْرِ المُعَلَّقِ وغيرِ المُعَلّقِ. عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " كَفّاةُ النذْرِ، كفّارَةُ يَمينٍ " (٧)، رواهُ مُسلمٌ، وحمَلَهُ أصحابُنا على نَذْرِ الّلجاجِ. وأَصرَحُ منهُ في ذلكَ ما رواهُ أبو داود من حديثِ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: " أَنّ أَخَوَينِ من الأنصارِ كانَ بينَهما ميراثٌ، فسأَلَ أَحدُهما صاحبَهُ القِسْمةَ، فقالَ: إن عُدتَ تَسأَلني القِسْمةَ، فَكلُّ مالي في رِتاجِ الكَعْبةِ، فقالَ لهُ عمرُ: إنّ الكعْبةَ غَنيَّةٌ عن مالِكَ، كَفِّر عن يَمينِكَ، وكَلِّمْ أَخاكَ، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " لا يَمينَ عليكَ، ولا نَذْرَ في مَعْصيةِ الرّبِّ، ولا في قَطيعةِ رَحِمٍ، ولا فيما لا تَملِكُ " (٨). وعن عمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ عن النّبيِّ ﷺ ، قالَ: " لا نَذْرَ في غَضبٍ، وكفّارتُهُ: كَفّارَةُ يَمينٍ " (٩)، رواهُ أحمدُ، وفي إسْنادِهِ ضَعيفٌ، وآخرُ مُبْهَمٌ، فليسَ هو بصحيحٍ، واللهُ أَعلَمُ. فإنّهُ رَواهُ من طرُقٍ عن محمدِ بنِ الزُّبَيْرِ عن أَبيهِ عن رجلٍ عن عِمْران، وعن محمدِ بنِ الزُّبَيْرِ عن الحسَنِ عن عِمْران، ومحمدُ بنُ الزُّبير هذا هو الحَنْظَلِيُّ، وهو: ضَعيفٌ جدّاً، ومعَ هذا فقد شكَّ مَرّةً فيهِ، فقالَ: " في مَعْصيةٍ " أو " في غَضَبٍ "، والأوّلُ أَصَحُّ. عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: " نَذَرَتْ أُختي أن تَمشيَ إلى بيتِ اللهِ، فأَمَرَتْني أَن

стр. 368

أَسْتَفْتيَ لها رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: لِتمْشِ ولْتَرْكبْ " (١٠)، أخرجاهُ. ولأَحمدَ، وأهلِ السُّنَنِ: " ولْتَصُمْ ثلاثةَ أَيامٍ " (١١). وفي لفْظٍ لأَحمدَ: " ولْتُهدِ بَدَنَةً " (١٢)، قالَ البخاريُّ: لا يصحُّ فيهِ الهَدْيُ. وعن ابنِ عبّاسٍ: " أَنَّ أُختَ عُقْبةَ نذَرَتْ أَن تمشيَ إلى البيتِ، وإنّها لا تُطيقُ ذلكَ، فأَمَرَها النبيُّ ﷺ أَن تركبَ وتُهديَ هَدْياً " (١٣)، رواهُ أبو داودَ، والبيهقيُّ بإسْنادٍ جيّدٍ. وهذا دليلُ الصّحيحِ من القولينِ: فيمنْ نذَرَ الحَجَّ ماشياً فَحَجَّ راكباً لعُذْرٍ أنّهُ يلزمُهُ دمٌ، ودَليلُ القولِ الآخرِ: ما أَخرجاهُ. عن أَنَسٍ: " أَنّ النّبيَّ ﷺ رأى شَيْخاً يُهادَى بينَ ابْنيْهِ، قالَ: ما هذا؟ قالوا: نذَرَ أن يَمشي، قالَ: إنّ اللهَ عن تعذيبِ هذا نفسَهُ لَغَنيٌّ، وأَمَرَهُ أن يَرْكَبَ، ولمْ يَذكُرْ في الحديثِ هَدْياً " (١٤). عن أَبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاّ إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، ومسجدي هذا، ومسجدِ بيتِ المَقْدِسِ " (١٥)، أَخرجاهُ. ولَهما عن أَبي سعيد مِثْلُهُ أو نحوَهُ " (١٦). وعن جابرٍ: " أَنَّ رجلاً قالَ يومَ الفَتْحِ: يا رسولَ اللهِ: إني نذَرْتُ إن فتَحَ اللهُ عليكَ مَكَّةَ أن أُصلّيَ في بيتِ المَقْدِسِ، فقالَ: صَلِّ هاهُنا: فسأَلَهُ، فقالَ: صَلِّ هاهُنا،

стр. 369

فَسَأَلَهُ، فقالَ: شَأْنَكَ إذَنْ " (١٧)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ بإسْنادٍ صحيحٍ. وفي روايةٍ لهما: " والذي بعثَ مَحمّداً بالحقِّ لو صَلّيْتَ هاهُنا لَوَفّى عنكَ كلَّ صلاةٍ في بيتِ المَقْدِسِ " (١٨). فيهِ دلالةٌ على أنّ من نذَرَ المَشْيَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، أو مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أَنّهُ يَلزَمُهُ، وأَنّهُ تَجزيهِ صلاتُهُ في المسجدِ الحرامِ عنهما إذ هو أفضلُ منهما، وكذا تَجزيهِ صلاتُهُ في مسجدِ الرّسولِ عن بيتِ المَقْدِسِ، لما: روى مُسلمٌ عن ابنِ عبّاسٍ: " أَنّ امرأةً اشْتَكَتْ شَكْوى، فقالَتْ: إنِ اللهُ شَفاني، فلأَخرُجَنَّ ولأُصَلّيَنَّ في بيتِ المَقْدِسِ، فبَرَأتْ فَتَجهّزَتْ تريدُ الخروجَ، فجاءتْ مَيْمونةُ تُسلّمُ عَلَيْها، فأَخْبَرتْها بذلكَ، فقالَتْ: اجْلِسي فَكُلي ما صَنَعْتِ، وصَلّي في مسجدِ النبيِّ ﷺ ، فإني سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " صلاةٌ فيه أَفضلُ من ألفِ صلاةٍ فيما سواهُ من المساجدِ، إلا مسجدَ الكعْبةِ " (١٩). عن ثابتِ بنِ الضَّحّاكِ: " أَنّ رجلاً أتَى النبيَّ ﷺ ، فقالَ: إنّي نَذَرْتُ أَن أنحرَ إبلاً بِبُوانَةَ، فقالَ: كانَ فيها وثَنٌ من أوثانِ الجاهِليّةِ يُعْبَدُ؟ قالوا: لا، قالَ: فَهلْ كانَ فيها عيدٌ من أَعيادِهِمْ؟ قالوا: لا، أوْفِ بنَذْرِكَ، فإنّهُ لا وَفاءَ لنذْرٍ في مَعْصيةِ اللهِ، ول افيما لا يَملِكُ ابنُ آدمُ " (٢٠). رواهُ ابو داود، بإسْنادٍ على شَرطِهما. وفيهِ دلالةٌ على لزومِ النحرِ بمَكَّةَ وبغيرِها، وإن لمْ يذكُرْ تَفْرِقةَ الّلحْمِ، اللهُمَّ إلا أن يكونَ قولُهُ: " أن أنحرَ إبلاً بِبُوانَةَ " معناهُ: وأُفَرِّقُ كما هو المعتادُ، فيدُلُّ حينَئذٍ على الصحيحِ من الوَجهين. تقدّمَ قولُهُ ﵇: " إذا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأتوا منهُ ما اسْتَطَعْتُمْ " (٢١).

стр. 370

عن أبي هريرةَ مرفوعاً: " مَنْ اغْتَسلَ يومَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ راحَ كانَ كالمُهْدي بَدَنَةً، ثُمَّ كالمُهْدي بَقَرَةً، ثُمَّ كالمُهْدي كَبْشاً، ثم كالمُهْدي دَجاجةً، ثُمَّ كالمُهدي بيضةً " (٢٢). أصلُهُ في " الصّحيحين "، فَيُستَدَلُّ بهِ على أنَّ مَنْ نذَرَ الهَدْيَ وأَطْلَقَ لَزِمَهُ ما يَقَعُ عليه الاسمُ، حتّى لو أَهْدى بَيْضةً، فقدْ وَفّى بنَذْرِهِ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " صَلّى رسولُ اللهِ ﷺ بذي الحُلَيْفَةِ، ثمَّ دَعا بناقَتِهِ فأَشْعرَها في صَفْحَةِ سَنامِها الأَيْمنِ، وسَلَتَ عنها الدّمَ، وقَلَّدَها نَعْلينِ " (٢٣)، رواهُ مُسلمٌ. قالَ النَّواويُّ: والصّوابُ أَنهُ يُسَنُّ إشْعارُ البقَرِ كالبُدْنِ، قلتُ: ويُؤَيِّدُ ذلكَ ما رواهُ مُسلمٌ عن جابرٍ: أنّهُ قالَ: " البَقَرةُ من البُدْنِ " (٢٤). عن عائشةَ، قالَتْ: " كنتُ أفتِلُ قلائدَ للنبيِّ ﷺ فيُقَلِّدُ الغَنَمَ، ويُقيمُ في أَهلِهِ حَلالاً " (٢٥)، رواهُ البخاريُّ، وهذا لفْظُهُ، ومُسلم. عن ابنِ عبّاسٍ: " أَنَّ ذُؤَيْباً أبا قَبيصةَ حدَّثَهُ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَبْعَثُ معَهُ بالبَدْنِ، ثُمَّ يقولُ: إن عَطِبَ منها شيءٌ فَخَشيتَ عليهِ مَوْتاً، فانْحرْها ثمَّ اغْمِسْ نَعْلَها في دَمِها، ثُمَّ اضرِبْ بهِ صَفْحتَها، ولا تَطْعَمْها أَنتَ ولا أَحَدٌ من أهلِ رُفْقَتِكَ " (٢٦)، رواهُ مُسلمٌ. تقدَّمَ بيناُ النّهي عن صومِ يومِ العيدَينِ، وأَيامِ التَّشريقِ، فهيَ مُسْتَثْناةٌ من صومِ الحَوْلِ شَرْعاً، فأَمّا الحائضُ، فَيُمْكِنُ أن تُلْحَقَ بهذِهِ الأيامِ، فلا تَقضي، وهو الّذي صحَّحَهُ النَّواوِيُّ، ويُمْكِنُ أن تَقضيَ لما تقدّمَ من أنّها تَقْضي الصومَ الواجبَ. وأمّا مَن نذَرَ أن يصومَ اليومَ الذي يقْدُمُ فيهِ فُلانٌ، فَقَدِمَ يومَ العيدِ، فقَدْ سُئِلَ ابنُ

стр. 371

عمرَ عن رجلٍ نَذَرَ أن يصومَ الاثْنينَ فَوافَقَ يومَ العيدِ، فقالَ: " أَمَرَ اللهُ بوَفاءِ النَّذْرِ، ونَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن صومِ هذا اليومِ " (٢٧)، أخرجاه. وهكذا ترَدَّد قولُ الشافعيِّ في ذلكَ، وصحَّحَ النَّواوِيُّ من القَوْلي، أنهُ لا قَضاءَ عَلَيْهِ. وإلى هنا انتهى بعونِ اللهِ وتوفيقِهِ وحسنِ اختيارِهِ الجزءُ الأوّلُ من شَرْحِ كتابِ التنبيهِ لأَبي إسحاقَ الشيرازي ﵀ فيما علَّق عليهِ الإمامُ المحدّثُ الحافظُ ابنُ كثيرٍ ﵀ من أَحكامٍ على أَبوابِهِ ومسائلِهِ، وبيانٍ لمعرفة أَدلَّتِهِ ودرجةِ كلِّ حديث من الصحّةِ أو الضّعفِ، وقد آثرنا أن يكونَ هذا الجزءُ حاوياً ومتضمناً لجميع العباداتِ مُلحقينَ به أبوابَ الأُضحيةِ والعَقيقةِ وحتى نهاية باب النَّذرِ الذي يعقبه كتاب البيوع والذي آثرنا أن يكون أوَّل الجزء الثاني والأخير من هذا الكتابِ النافعِ، وقد راعينا في تقسيمنا هذا المواضيعَ والأَبوابَ معَ حجم الكتابِ والله سبحانهُ الموفقُ لكلِّ خير، وهو وليّ الصوابِ وإليه المرجع والمآب، وقد كان الفراغُ من نسخه وتحقيقِه بصورة أوليّة يوم الجُمعَة المباركِ والموافق للرابع والعشرين من جمادى لعام عشر وأربع مئةٍ وألف من هجرة مَنْ لهُ العزُّ والشرفُ، والمصادف للثاني والعشرين من كانون الأول لعام تسع وثمانين وتسع مئة وألف للميلاد، نسأله تعالى دوام توفيقه وحسن معونته لنا في عملنا هذا وأمرنا كله وهو لذاك وهو حسبنا ونِعم الوكيل ونِعم المولى والنصير، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين آمين. انتهينا من مقابلته وإعادة تحقيقه الاثنين الموافق ٢١ - ٦ - ١٤١١ هـ، ٧ - ١ - ١٩٩١ م والحمد لله ربّ العالمين آمين. أبو الطيّب بهجة يوسف

стр. 372

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه تأليف الإمام الحافظ المفسر الفقيه إسماعيل بن كثير الدمشقي تحقيق بهجة يوسف حمد أبو الطيب [الجزء الثاني]

стр. 373

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 374

إرْشَادُ الفَقِيهِ إلى مَعْرِفَةِ أَدِلَّةِ التَنْبِيهِ [٢]

стр. 375

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م مؤسسة الرسَالَة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - وطى المصيطبة - مبْنى عبد الله سليت تلفاكس: ٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ - ٦٠٣٢٤٣ - ص. ب: ٧٤٦٠ - برقيا: بيوشران

стр. 376

كتابُ البيوع ١ - بابُ: ما يَتمُّ بهِ البيعُ قال الله تعالى: " وأَحَلَّ الله البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا "، وقالَ: " إلاّ أَنْ تَكونَ تجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ". وتقدّمَ حديثُ: " رُفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن الصبيِّ حتى يحتلمَ، وعن المجنونِ حتّى يَفيقَ، وعن النائمِ حتّى يَستيقظَ " (١). يُسْتَدلُّ بهِ على أنَّ هؤلاءِ، لا تَصحُّ معامَلَتُهم لأَنَّهمْ مَسلوبوا العِبادةِ. عن أبي سَعيد الخُدْرِيِّ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: " إنّما البيعُ عن تراضٍ مِنكم " (٢) رواهُ ابنُ ماجة بإسنادٍ حسنٍ. قالَ أصحابُنا: والتَّراضي لا يَنْضَبِطُ إلاّ بالأقْوالِ، فلهذا لم يُصحِّحوا بيعَ المعاطاةِ على المشهورِ من الثلاثةِ، لأنَّ الأفْعالَ لا تَدلّ كدلالةِ الأقوالِ. عَن حَكيم بنِ حزامٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " البيِّعانِ بالخِيارِ ما لمْ يَتَفرَّقا، أو قالَ: حتّى يَتَفرّقا، فإنْ صَدَقا وبيَّنا بوركَ لهما في بيعهما، وإن كَتَما وكذَبا مُحِقتْ برَكةُ بيعهما " أخرجاه (٣). وعن ابنِ عمرَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إذا تبايعَ الرّجلانِ، فكلٌّ واحدٍ منهما

стр. 377

بالخيارِ، ما لمْ يَتَفَرَّقا وكانا جَميعاً، أو يُخَيِّرْ أحدُهما الآخرَ، فإنْ خيَّرَ أَحدُهما الآخرَ، فتَبايَعا على ذلكَ، فقدْ وجبَ البيعُ، وإن تفرَّقا بعدَ أنْ تَبايعا ولَمْ يتركْ واحدٌ مِنهما البيعَ، فقدْ وجَبَ البيعُ " أخرجاهُ (٤). فَهذا الحديثُ نَصٌّ في إثباتِ خيارِ المجلسِ، لا يحتملُ تأويلاً، وقد أُخِذَ منهُ أيضاً أنَّهما إذا تَبايعا بشرطِ نفي الخِيارِ، أنهُ يصحُّ على ذلكَ. وقدْ وردَ في بعضِ ألفاظه في الصّحيحِ. عن أنسٍ: " أنَّ رجلاً على عهدِ النَّبيِّ ﷺ كانَ يبتاعُ، وكانَ في عقديهِ، يَعني في عقلِهِ ضَعفٌ، فأتى أهلُهُ النبيَّ ﷺ فقالوا: يا رسولَ الله: احجُرْ على فُلانٍ إلا بيعَ خِيارٍ " (٥). فحَمَلَهُ الشافِعيُّ في أحدِ التأويلاتِ على بيع بقيَ (٦) فيهِ الخيارُ، وفي التأويلِ الآخرِ على بيعٍ شُرِطَ فيه خَيارُ الشرطِ. عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبّان بنِ مُنقِذٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لجدِّهِ: إذا بايعْتَ فقلْ: لا خِلابةَ، ثمَّ أنتَ في كلِّ سِلْعةٍ ابتعْتَها بالخيارِ ثلاثَ لَيالٍ، إن رضيتَ فأمْسكْ، وأن سَخطتَ فارْدُدْها على صاحبها " (٧) رواهُ ابنُ ماجة، والبخاريُّ في تاريخهِ، والدارَقُطنيُّ، وهو مُرْسَلٌ جيِّدٌ. وقَدْ رواهُ الحُمَيْديُّ في مُسْندهِ عن سُفْيانَ بنِ عُيَيْنةَ عن محمدِ بن إسحاقَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: " أنَّ مُنْقِذاً سُفعَ في رأسِهِ في الجاهليةِ مأمومةً، فخبلتْ لسانَهُ، فَكانَ إذا بايعَ يُخْدَعُ في البيعِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : بايعْ، وقلْ: لا خِلابةَ، ثُمَّ أنتَ بالخيارِ ثلاثاً " (٨)، وأصلُ الحديثِ في الصحيحينِ عن عبدِ الله بنِ عمرَ، قالَ: " ذُكِرَ لرسولِ اللهِ

стр. 378

صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رجلٌ: أنُ يُخدعُ في البيوعِ، فقالَ: " مَنْ بايعْتَ فقلْ: لا خِلابةَ " (٩). وقدْ زعمَ ابنُ القَطّان من أصحابِنا: أنَّ قولَهُ: " لا خِلابةَ "، كنايةٌ في إثباتِ خيارِ الثلاثِ، وليسَ بسديدٍ، لكنَّ الجمهورَ فسّروهُ بنفي الغِشِّ والتدليسِ، [ونصُّ الشافعيِّ] أنَّ إثباتَ الخيارِ لحبّانَ بنِ مُنْقذٍ في كلِّ ما يشتريهِ وإنْ لمْ يَشرطْ الخيارَ، كانَ خاصاً بهِ. قلتُ: وقدْ جاءَ في الدارَقُطنيِّ حديثٌ يشهدُ (١٠) لهذا، وكلُّ هذا لا يَقْدَحُ في دلالةِ هذا الحديثِ على إثباتِ خيارِ الثلاثِ. وأما حَصْرُ شَرطِ الخيارِ فيها، فلأنَّ حَبَّانَ بنَ منقذٍ كانَ من أحوجِ الناسِ إلى التَروِّي فيما يشتريهِ، فلو جازَ إثباتُ الخيارِ أكثرَ من ذلك لأَشْبهَ أن يُرشَدَ إليهِ. عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قالَ: " أتيتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: إني أبيعُ الإبلَ بالبقيعِ، فأبيعُ بالدنانيرِ وآخذُ الدّراهمَ، وأبيعُ بالدّراهمِ وآخذُ الدّنانير!، فقالَ: لا بأْسَ أن تأْخذَ بسعرِ يومِها مالمْ تَتَفرّقا وبينَكما شيءٌ "، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ (١١). ولبعضِهمْ: " فآخذُ مكانَها الدّراهمَ، وآخذُ مكانَها الدّنانيرَ " (١٢)، وإسنادُ هذا الحديثِ على شرطِ مسلمٍ، وقدْ رُويَ من وجهٍ آخرَ موقوفاً. وفيهِ من الدليلِ امتناعُ الشَّرطِ في المصارَفةِ، وجوازُ بيعِ الثمنِ قبلَ قبضهِ إذا كانَ في اليدِ، وهوَ الصحيحُ من القولينِ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " أما الذي نَهى عنهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، فهو الطعامُ أن يُباعَ

стр. 379

حتّى يُقْبَضَ، قالَ ابنُ عباسٍ، ولا أحسَبُ كلَّ شيء إلا مثلَهُ (١٣)، رواهُ البخاريُّ، وهذا لفظُهُ، ومسلمٌ. وعن حَكيم بن حِزام، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا اشتريتَ شَيئاً فلا تبعْهُ حتّى تَقْبِضَهُ، وفي لَفظٍ: " لا تَبيعنَّ شيئاً حتّى تَقْبِضَهُ " (١٤) رواهُ أحمدُ. يُؤخذُ منهُ: أنَّ المبيعَ لا يَدخلُ في ضَمانِ المشتري، ولا يَستقرُّ ملكُهُ عليهِ إلا بالقبضِ، عن ابنِ عمرَ، قالَ: " لقدْ رأيتُ الناسَ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ يَتبايعونَ جُزافاً يَعني - الطعامَ - يَضربونَ أن يَضربونَ أن يَبيعوهُ مكانَهم حتّى يُؤوهُ إلى رِحالِهمْ " (١٥)، رواهُ البخاريُّ. ولمسلمٍ: " كُنّا نَشتري الطعامَ من الرُّكْبانِ جُزافاً فنَهانا رسولُ اللهِ ﷺ أن نبيعَهُ حتّى نَنقلَهُ من مكانِهِ " (١٦). وعن عثمانَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إذَا بعْتَ فَكِلْ، وإذا ابتَعْتَ فاكْتَلْ " (١٧)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة، وقدْ علَّلهُ البخاريُّ، ولهُ طرقٌ متعدِّدةٌ، ولكنْ في كلِّ مِنها نظَرٌ. وعن جابرٍ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعِ الطعامِ حتّى يجريَ فيهِ الصّاعانِ، صاعُ البائعِ، وصاعُ المشتري، رواهُ ابنُ ماجة " (١٨)، والدَّارَقُطنيّ، والحاكِمُ من روايةِ ابنِ أبي ليلى عن أبي الزُّبَيْرِ عنهُ. ورواهُ البيهقي (١٩) بإسنادٍ مقاربٍ عن أبي هريرةَ مرفوعاً، وذكرهُ الشافعيُّ عن الحسنِ البصريّ مُرْسَلاً، وهذا كلّهُ يشدُّ بعضُهُ بَعضاً مَعَ ما تَقدمَ لهُ من الشاهدِ في الصحيحين، وذلكَ دليلٌ على اشتراطِ النقلِ فيما يُمكنُ نقلُهُ، واللهُ أعلمُ.

стр. 380

٢ - بابُ: ما يجوزُ بيعُهُ، وما لا يجوز عن أبي مَسعودٍ البَدريِّ: " أنّهُ ﵇ نَهى عن ثَمنِ الكَلْبِ، ومَهْرِ البَغيِّ، وحُلْوانِ الكاهنِ " أخرجاه (١). ولمسلمٍ عن رافعِ بنِ خَديجٍ، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " ثَمنُ الكلبِ خَبيثٌ، ومَهْرُ البغيِّ خَبيثٌ، وكَسْبُ الحَجّامِ خبيثٌ " (٢). عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول عامَ الفتحِ: " إنّ الله ورسولَهُ حرّمَ بيعَ الخمرِ، والميتةِ والخِنْزير، والأصنامِ " أخرجاه (٣). أمَّا منعُ بيعِ الوقفِ، وأُمِّ الوَلدِ، والمكاتبِ، والمرهونِ، فَستأتي أدلَّتُهُ في بابِ كلٍّ مِنها إن شاءَ اللهُ. تقدَّمَ النَّهيُ عن بيعِ ما اشتراهُ قبلَ قَبْضِهِ، وباقي المعاوَضاتِ مقيسةٌ على البيعِ، عن أبي هريرةَ، قالَ: " نَهى ﵇ عن بيعِ الحَصاةِ، وعن بيعِ الغَرَرِ "، رواهُ مسلمٌ (٤). عن محمدِ بنِ إبراهيمَ الباهِليِّ عن محمدِ بنِ زيدٍ عن شهْرِ بنِ حوْشبٍ عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن شراءِ ما في بطونِ الأنعامِ حتّى تضعَ، وما في ضروعِها إلاّ بكَيْلٍ، وعن شِراءِ العبدِ وهو آبِقٌ، وعن شراءِ المَغانمِ حتّى تُقْسَمَ، وعن شراءِ الصَّدَقاتِ حتّى تُقْبَضَ، وعن ضَربةِ الغائصِ "، رواهُ أحمدُ (٥)، وابن ماجة،

стр. 381

والترمذيُّ ببعضِهِ، وقالَ غَريبٌ، وقال أبو حاتم الرازِيُّ في كتابِ العِلَلِ: محمدُ بنُ إبراهيمَ هذا، شيخٌ مجهولٌ. وقال أحمدُ: حدَّثنا محمدُ بنُ السّمَّاكِ عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ عن المسَيّبِ بنِ رافعٍ عن ابنِ مَسعودٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: " لا تَشْتروا السّمكَ في الماءِ، فإنّهُ غَرَرٌ " (٦)، هذا إسنادٌ ضعيفٌ لحالِ يَزيدَ بنِ أبي زيادٍ، فإنهُ كانَ سَيِّءَ الحفظِ ويَقبلُ التلقينَ، ثُمَّ هو مُنْقطعٌ بينَ المُسَيّبِ بنِ رافعٍ وبينَ ابنِ مَسعودٍ. وقدْ رواهُ الثوريُّ وهُشَيْمٌ عن يزيد بنِ أبي زيادٍ عن المُسَيّبِ عن ابنِ مَسعودٍ مَوْقوفاً عَلَيهِ. قالَ الحافظُ أبو بكر البَيْهقيُّ وهوَ الصَّحيحُ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُباعَ ثمرٌ حتّى يُطْعَمَ، أو صوفٌ على ظَهرٍ، أو لَبَنٌ في ضَرْعٍ، أو سَمْنٌ في لبَنٍ " (٧) رواهُ الدارَقُطنيُّ، والبَيْهقيُّ من حديثِ عمرَ بنِ فَرُّوخٍ، وهو ضعيفٌ. وقدْ رَوَياهُ من وَجهٍ آخَرَ مَوقوفاً، وهو أصحُّ. وكذا رواهُ الشافعيُّ في مُسْنَدِهِ من طريقٍ آخَرَ عن ابنِ عباسٍ مَوْقوفاً. عن المغيرةِ بنِ شُعْبةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن إضاعةِ المالِ " رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ (٨). يُسْتَدَلُّ بهِ على أنهُ لا يجوزُ بيعُ ذراعٍ من ثوبٍ ببعضِ قيمتِهِ مُقَطّعَةً لما فيه من إضاعةِ المالِ. عن حَكيمِ بنِ حِزامٍ، قالَ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ، يأتيني الرجلُ يَسألُني البيعَ ليسَ

стр. 382

عندي، أبيعهُ منهُ، ثمَّ أبتاعهُ مِنَ السّوقِ؟ قالَ: لا تَبعْ ما ليسَ عندَكَ " (٩)، رواه الشافعيُّ، وأحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ من غيرِ وجهٍ عنهُ، وفي إسْنادِهِ: اختلافٌ، وقدْ حسَّنهُ الترمذِيُّ. استدلّوا بهِ على أنهُ لا يَصحُّ بيعُ المعدومِ، وأخذَ بعضُهمْ منهُ المنعَ من صحّةِ بيعِ الغائبِ. قالَ مالكٌ: فيما بلَغَهُ عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بَيعِ العُرْبانِ " (١٠). وقد أسندَهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجة من حديثِ مالكٍ، وبه قالَ مالكٌ، وذلكَ فيما نَرى واللهُ أعلمُ: أنْ يشتريَ الرجلُ العبدَ أو يُكاري الدّابةَ ثمَّ يقولَ: أعطيكَ ديناراً على أني إنْ تركتُ السلعةَ أو الكرى، فما أعطيتكَ لكَ. قالَ البيهقيُّ: بلَغَني أنَّ مالكاً أخذَهُ عن عبدِ اللهِ بن عامرٍ الأسْلَميّ، وقيلَ: ابن لَهيعةَ، وقيلَ: عن الحارثِ عن (١١) عبدِ الرحمن عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، وكلٌّ من هؤلاءِ: ضَعيفٌ. وقال أبو مُصْعَبٍ الزُّهريُّ عن مالكٍ حدَّثني رَبيعةُ عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، فذكَرَهُ، وهذا إسنادٌ جيّدٌ. عن جابرٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن الثُّنْيا (١٢)، رواهُ مسلمٌ، تقدَّمَ النَّهيُ عن بيعِ الغَرَرِ، وحديثُ حَكيمٍ: " لا تَبعْ ما ليسَ عندَكَ " (١٣)، وقدْ اسْتُدِلَّ بهما على أنهُ لا

стр. 383

يَصحّ بيعُ الغائبِ. واحتجوا على القولِ بالصحةِ بما أخرجاهُ في الصَّحيحينِ عن ابنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تُباشِر المرأةُ المرأة تَنعتُها لزوجِها، كأنَّهُ يَنظرُ إليها " (١٤)، قالوا: فنَزَّلَ الوصفَ التامَّ منزلةَ الرؤيةِ، فدلَّ على صحةِ البيعِ لزوالِ الغَرَرِ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " من اشترى شَيئاً لمْ يَرَهُ، فَهو بالخِيارِ إذا رآهُ " (١٥)، رواهُ الدارَقُطنيُّ من حديثِ عمرَ بنِ إبراهيمَ بنِ خالدٍ الكُرْديِّ عن وهْبٍ اليَشْكُرِيِّ عن محمدِ بنِ سيرينَ عنهُ، قالَ الدارَقطنيُّ: وعمرُ: هذا: يَضعُ الحديثَ، وهذا باطلٌ، وإنما ينزلُ من قبلِ ابنِ سيرين. قال الشافعيُّ: أخبرَنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ عن عبدِ الكريمِ الجَزَريِّ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " لا تَبيعوا إلى العَطاءِ، ولا الأنْذَرِ، ولا إلى الدّياسِ " (١٦)، هذا: مُنقطعٌ وموقوفٌ، وقدْ عَضدوهُ بحديثِ النّهي عن الغَررِ لما في جهالةِ الأجلِ من الغَررِ، وسيأتي حديثُ: " من أسلفَ في شيءٍ، فَليُسلِفْ في كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ " (١٧). عن ابنِ عمرَ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعِ حبَلِ الحَبَلةِ " (١٨)، اخرجاه. وفي لفظٍ لهما عن ابنِ عمرَ: " كان أهلُ الجاهليةِ يَبتاعونَ لحمَ الجزور إلى حَبَل الحَبَلةِ " (١٩)، وحبَلُ الحبَلةِ: أن تُنْتِجَ الناقةُ ما في بطنِها، ثمَّ تحملَ التي نَتِجتْ فنَهاهمْ النبيُّ ﷺ عن ذلكَ. عن أبي هريرةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن المُلامَسةِ، والمنابَذةِ " (٢٠)، أخرجاهُ.

стр. 384

ولهما عن أبي سَعيد مثلُهُ (٢١)، وللبخاريِّ عن أنَسٍ مثلُهُ (٢٢). قال محمدُ بنُ إسحاقَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ " أنَّهُ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يَنهى عن بيعِ المَجْرِ " (٢٣). وقدْ رَواهُ أبو عُبَيْد القاسمُ بنُ سَلام حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ عن موسى بنِ عُبَيْدةَ عن عبدِ اللهِ بن دينارٍ عن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن بيعِ المجرِ " قال أبو عُبَيْد: قالَ أبو زيدٍ: المَجْرُ: أن يُباعَ البعيرُ أو غيرُهُ بما في بطنِ الناقَةِ. قالَ يحيى بنُ مَعينٍ: أنكِرَ على موسى بن عُبَيْدة هذا الحديثُ، وهو من أسبابِ تضعيفِهِ. قال الإمامُ أحمدُ حدَّثنا يحيى بنُ أَبي بُكَيْر حدَّثنا إبراهيم بنُ نافعٍ، قالَ: سمعتُ عمرَو بنُ دينارٍ يذكرُ عن أبي المِنْهال: " أَنَّ زيدَ بنَ أَرْقَمَ والبراءَ بنَ عازبٍ كانا شَريكين، فاشْتَريا فِضَّةً بنقدٍ ونَسيئةٍ، فبلغَ ذلكَ النبيَّ ﷺ ، فأَمَرهُما أنَّ ما كانَ بنَقْدٍ فأَجيزوهُ، وما كانَ بنَسيئةٍ فَرُدّوهُ " (٢٤)، هذا إسنادٌ صحيحٌ، وقد يتوَهّمُ كثيرٌ من المحدِّثين أنهُ مُرْسَلٌ، لما يَبدو من ظاهرِهِ، وليسَ كذلك عندَ جماعةٍ من المحقّقين، وهذا رواهُ البخاريُّ في صحيحِهِ، وهو من أحسنِ ما يُستدَلُّ بهِ على القولِ بتفريقِ الصَّفَقةِ، وهو الصحيحُ، واللهُ أعلمُ. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا الدَّراوَرْدِيُّ عن محمدِ بنِ عمر وعن أبي سَلَمة عن أبي هريرةَ، قال: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بَيْعتينِ في بَيْعةٍ " (٢٥) وأخرجَهُ أحمدُ، وأبو داودَ،

стр. 385

والترمذِيُّ، والنَّسائيُّ، من حديثِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ عَلْقَمةَ بنِ وقَّاصٍ، وقدْ أخرجَ لهُ مُسلمٌ في كتابِهِ ومُتابَعةً، وقالَ الترمذِيُّ: حسنٌ صَحيحٌ. وعن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يَحلُّ سَلَفٌ وبَيعٌ، ولا شَرطانِ في بيعٍ، ولا ربحُ ما لمْ يَضْمَنْ، ولا بيعُ ما ليسَ عندَكَ " (٢٦)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وصحَّحهُ الترمذِيُّ، وابْنُ خُزَيْمةَ. وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ عن أبيهِ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن صَفَقَتينِ في صَفقة " (٢٧)، قالَ: هوَ الرجلُ يبيعُ، فيقولُ: بنَسَأ بِكذا، وبنَقْدٍ: بِكَذا، وكذا رواهُ أحمدُ، وقدْ اختلَفَ الأئِمّةُ في سماعِ عبدِ الرّحمنِ بنِ عبدِ اللهِ من أبيهِ، فأنكَرهُ شُعْبةُ وغيرُهُ. عن عبدِ الرحمنِ بنِ (٢٨) جبارةَ عن أبي عبدِ الرّحمنِ الحُبُليِّ عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، واسمُهُ: خالدُ بنُ زيدٍ ﵁، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " مَنْ فرَّقَ بينَ جاريةٍ وولدِها، فرَّقَ اللهُ بينَهُ وبينَ أحبتِهِ يومَ القيامةِ " (٢٩)، رواهُ أحمدُ، والترمذِيُّ، وقالَ: حسنٌ غَريبٌ. وعن عليٍّ: " أنهُ فرَّقَ بينَ جاريةٍ وولدِها، فناهُ النبيُّ ﷺ عن ذلك، ورَدَّ البيعَ " (٣٠)، رواهُ أبو داودَ، وهذا عامٌّ فيما قبلَ التمييز وبعدَهُ على قولٍ. فأمَّا بعدَ البلوغِ، فَعن سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ قالَ: " غزَوْنا فزارةَ وعلينا أبو بكر،. . فذكرَ الحديثَ إلى أنْ قالَ: فجئتُ بهم أسوقُهم، وفيهم امرأةٌ عليها قشعٌ من دمٍ، معَها

стр. 386

بنتٌ لها من أحسنِ العربِ، فنَفَّلني أبو بكر ابنتَها فقدِمْنا المدينةَ وما كشفتُ لها ثوباً، فلقيني رسولُ اللهِ ﷺ في السوقِ فقالَ: يا سَلَمةُ: هَبْ لي المرأةَ، فقلتُ: با رسولَ اللهِ لقَدْ أعجَبتْني وما كشفتُ لها ثَوباً، ثمَّ لَقيني، فقالَ: هبْ لي المرأةَ للهِ أبوكَ، فقلتُ: هيَ لكَ يا رسولَ اللهِ، فبعثَ بها إلى مكَّةَ ففدَى بها ناساً من المسلمينَ كانوا أُسِروا بمكة " (٣١)، رواهُ مسلمٌ. عن جابرٍ: " أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن المُحاقَلةِ والمُزابَنةِ، والثُّنْيا " (٣٢)، رواهُ مسلمٌ من حديثِ أبي الزُّبَيْرِ عنهُ. وأَخرجَهُ أبو داودَ، والترمِذيُّ، والنّسائيُّ، من حديثِ سُفيان بنِ حسينٍ عن يونُسَ بنِ عُبَيْدٍ عن عَطاءٍ عن جابرٍ مَرفوعاً، وزادوا " إلا أن تُعْلَمَ " (٣٣)، وقالَ الترمذِيُّ: حسنٌ صَحيحٌ غَريبٌ، وكذا صحّحهُ الإمامُ أبو جعفر بنُ جَريرٍ الطَّبَرِيُّ. قلتُ: وسفيانُ بنُ حسينٍ هذا، قد تكَلَّمَ فيهِ غيرُ واحدٍ من الأئِمَّةِ. عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " قالَ اللهُ : ثلاثةٌ أنا خَصمُهمْ يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثم غدَرَ، ورجلٌ باعَ حرّاً فأكلَ ثمنَهُ، ورجلٌ استأْجَرَ أَجيراً فاسْتَوفى منهُ، ولم يُعْطِهِ أجرَهُ " (٣٤)، رواهُ البخارِيُّ. وهذا أعم مِن كونِ الحرِّ، حَملاً أو مُنْفصِلاً. قالَ اللهُ: " ولَنْ يجعلَ اللهُ لِلكافرينَ على المؤمنين سَبيلاً "، استدلّوا بهذهِ الآيةِ على أنهُ لا يصحُّ بيعُ العبدِ المسلمِ من الكافرِ، واسْتأنَسوا أيضاً بحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى أن يُسافرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدو، مَخافةَ أنْ ينالَهُ العَدوُّ " (٣٥)، رواه مسلم.

стр. 387

قالوا: والعبدُ المسلمُ في معنى ذلكَ لما ينالُهُ من العنت (٣٦) له في يدِ الكافرِ. وقدْ يُحتجُ للقولِ الآخرِ بما رُويَ من طرقٍ عدّةٍ في السيرةِ وغيرِها عن سَلْمانَ: " أنهُ اشتراهُ يهوديٌّ من المدينةِ، فلما قَدمَ رسولُ اللهِ ﷺ مُهاجراً، وأسلمَ سَلْمانُ، أمرَهُ أن يُكاتبَ مولاهُ فكاتبَهُ (٣٧)، وساعدَهُ المسلمونَ في كتابتِهِ، فقدْ أقرَّ مُلكَ اليهوديِّ عليهِ، وأمَرهُ بالمُكاتَبةِ، وقدْ يُجابُ عن هذا بأجوبةٍ، ليسَ هذا مَوضعَ بَسْطِها. عن ابنِ عمرَ، قالَ: قال ﵇: " لُعِنتِ الخمرُ على عشرةِ أوجهٍ، لُعَنَت الخمرُ: بعَيْنِها، وشارِبها، وسَاقيها، وبائِعها، ومُبْتاعِها (٣٨)، ومُعْتَصرِها، وحامِلِها، والمحمولةِ إليه، وآكلِ ثمنِها " (٣٩)، رواهُ أَحمدُ، وأَبو داودَ، وابنُ ماجة. وللترمِذيِّ، وابنِ ماجَة أيضاً عن أنسٍ (٤٠): نحوَهُ. قالوا: وآكلُ ثمنِها: هو بائعُها عِنَباً مِمّنْ يَتّخذُهُ خمراً، وقدْ قالَ تعالى: " وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوَى وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ ". عن عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ: " أنهُ ﵇ نَهى عن بيعِ السّلاحِ في الفِتنةِ " (٤١)، رواهُ أبو بكر بن أبي عاصمٍ، وابنُ عَديٍّ من طُرقٍ عن أبي رَجاءٍ عنهُ، والصحيحُ: أنهُ موقوفٌ عليهِ كما رواهُ عبدُ الله بنُ أحمدَ، وعلّقهُ البخاريُّ عنهُ. عن النُّعْمانِ بنِ بَشيرٍ، سمعتُهُ ﵇ وهو يقولُ: " الحلالُ بَيِّنٌ والحرامُ بَيِّن، وبينَ ذلكَ أُمورٌ مُشْتَبِهاتٌ، فمَنْ اتَّقى الشُّبُهاتِ اسْتبرَأَ لدينهِ وعِرضِهِ، ومنْ وقَعَ في الشُّبُهاتِ وقعَ في الحَرامِ. . الحديث " (٤٢)، أخرجاهُ.

стр. 388

يُؤخذُ منهُ النّهيُ عن البيعِ ممّنْ أكثر مالِهِ حَرام. عن عائشةَ: " أنها أرادتْ أن تشتريَ بَريرةَ للعتقِ فاشترطوا ولاءَها، فذَكَرتْ ذلكَ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: اشْتَريها وأعْتِقيها، فإنّما الوَلاءُ لمَنْ أعتقَ " (٤٣)، أخرجاهُ. ولَهُما: " فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " كلُّ شَرْطٍ ليسَ في كتابِ اللهِ فهوَ باطلٌ " (٤٤). وقدْ رَوى الخَطّابي في كتابِ مَعالمِ السُّننِ عن (٤٥) " أن رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن بيعٍ وشَرْطٍ " (٤٦)، وإسنادُهُ: ضَعيفٌ. قالَ سعيدُ بنُ مَنصورٍ: حدَّثنا هُشَيْم حدَّثَنا حُمَيْدُ الطَّويلُ عن الحسنِ: " أنَّ رجلاً باعَ جاريةً لأبيهِ، وأبوهُ غائبٌ، فلَمّا قدمَ أبى أن يُجيزَ بيعَهُ، وقدْ ولَدتْ من المُشتري، فاخْتَصما إلى عمرَ بنِ الخطابِ، فقَضى للرجلِ بجاريتِهِ، وأمرَ المشتري أن يأخذَ بيعَهُ بالخلاصِ، فَلَزِمَهُ، فقالَ أبو البائعِ: مُرْهُ فلْيخلِّ عن ابني، فقالَ: وأَنتَ فخلِّ عن ابنه " (٤٧)، هذا: إسنادٌ جيّدٌ إلى الحَسنِ إلا أنَّهُ: مُنقطعٌ بينَ الحسنِ وعمرَ، لأنهُ لمْ يُدْرِكْهُ، وفي قولِهِ: " وأَنتَ أَيضاً فخلِّ عن ابنه "، دليلٌ علَى أنهُ قدْ كانَ احتسبهُ لأجلِ قيمتهِ، والله أعلمُ.

стр. 389

٣ - بابُ: الرِّبا قالَ الله تعالى: " وأَحلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا "، وقالَ تَعالى: " يا أَيُّها الذينَ آمنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتمْ مُؤمِنينَ. فإنْ لَمْ تَفْعَلوا فَأْذَنوا بحربٍ مِنَ اللهِ ورَسولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أموالِكُمْ لا تَظلِمونَ ولا تُظْلَمونَ " (الآية). عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الذّهبُ بالذّهبِ، والفِضّةُ بالفِضّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والمِلْحُ بالملحِ، مِثْلاً بمثْلٍ، يَداً بيدٍ سَواءً بسَواءٍ، فمنْ زادَ أو استزادَ فقدْ أربى، الآخذُ والمُعطي فيهِ سَواءٌ " (١)، رواهُ مُسلمٌ. ولهُ عن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ مِثْلُه، وفيهِ: " فإذا اختلَفَتْ هذهِ الأصنافُ فَبيعوا كيفَ شِئْتُمْ إذا كانَ يداً بيدٍ " (٢). عن البَراءِ بنِ عازِبٍ، وزَيْدِ بنِ أرْقَمَ، قالا: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعِ الذَّهبِ بالوَرقِ دَيْناً " (٣)، أخرجاهُ. عن مَعْمرِ بنِ عبد اللهِ، قالَ: " كنتُ أسمعُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " الطَّعامُ بالطَّعامِ مِثْلاً بِمثْلٍ " (٤)، رواه مسلم. اسْتُدلَّ بهِ للجَديدِ، أنَّ العِلّةَ: الطعمُ فقطْ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الوزنُ وزنُ أهلِ مَكّةَ، والمِكْيالُ مِكْيالُ

стр. 390

أهلِ المدينةِ " (٥)، رواهُ أبو داودَ، والنَّسائيُّ من حديثِ أبي نُعَيْم، عن الثَّوريّ عن حَنْظَلَة بنِ أبي سُفيانَ عن طاوسٍ عنهُ. قالَ أبو داود: ورَواهُ أبو أحمدَ عن سفيان، فأَخطأَ، فقالَ: عن ابنِ عبّاسٍ مكانَ ابنِ عمرَ، وقالَ أَبو حاتم الرّازِيُّ: بَلْ هذا هوَ الصّحيحُ، وأَخطأَ أَبو نُعَيْمٍ في قولهِ: عن ابنِ عمرَ، ثُمَّ رَوى عن نَصْرِ بنِ عليٍّ الجَهْضَميِّ، قالَ: قالَ لي أبو أَحمدَ: أَخطأَ أبو نُعَيْمٍ فيما قالَ عن ابنِ عمرَ. قلتُ: ورَواهُ الطَّبَرانيُّ من حديثِ أبي أحمدَ، ولَفْظُهُ: " المِكْيالُ مِكْيالُ أهلِ مَكَّةَ، والوزْنُ وَزْنُ أهل ال المَدينةِ "، فعكَسَ اللفظَ، قالَ أبو داودَ: كذا رَواهُ (٥) الوليدُ بنُ مُسلمٍ عن حَنْظَلَةَ، قالَ الطَّبَرانيُّ: والصَّوابُ: حديثُ أبي نُعَيْمٍ. ورَواهُ مالكُ بنُ دينارٍ عن عَطاءٍ عن النبيِّ ﷺ ، والصّوابُ: حديثُ ابنِ عمرَ كَما تقدَّمَ. عن زَيْدٍ أبي عَيّاش عن سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُسأَلُ عن اشْتراءِ التمرِ بالرُّطَبِ، فقالَ لمن حولَهُ: " أينقصُ الرّطبُ إذا يَبسَ؟، قالوا نَعمْ، فنَهى عن ذلكَ " (٦)، رَواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وصحَّحهُ الترمذِيُّ. وقدْ استدَلَّ بهِ الأئِمةُ على قاعدةٍ كبيرةٍ في هذا البابِ، وهيَ: أنَّ الجهْلَ بالمُماثَلةِ كحقيقةِ المُفاضَلَةِ. عن ابنِ عمرَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن المُزابنَةِ: أن يبيعَ ثَمنَ حائِطِه إن كان نَخْلاً بتمرٍ كَيْلاً، وإنْ كان كَرماً أن يَبعَهُ بزَينبٍ كَيْلاً، وإنْ كانَ زَرعاً أن يَبعَهُ بكيلِ طَعامٍ، نَهى عن ذلكَ كلّه " (٧)، أَخرجاهُ.

стр. 391

وعن سالمٍ عن أبيهِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا تَبيعوا الثّمرَ بالتمرِ، قالَ سالمٌ: وأخبرَني عبدُ اللهِ عن زيدِ بنِ ثابتٍ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رخّصَ بعدَ ذلكَ في بيعِ العَرِيَّةِ بالرّطبِ أو التمرِ، ولمْ يُرَخِّصْ في غيرِهِ "، أخرجاه (٨). وفي لفظٍ لهما: " رَخَّصَ في العَرايا أن تُباعَ بخَرْصِها كَيْلاً " (٩). عن أبي هريرةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رخَّصَ في بيعِ العَرايا بخرصِها في ما دونَ خمسةِ أوسُقٍ، شَكَّ داودُ يَعني - ابنَ الحُصَيْن "، أخرجاهُ (١٠)، وليس للبخاريِّ ذكرُ الشّكِّ. يؤيِّدُهُ ما رواهُ أَحمدُ عن جابرٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ حينَ أَذِنَ لأهلِ العَرايا أن يَبيعوها بِخَرصِها، يقولُ: " الوَسْقُ، والوَسْقين، والثلاثةُ، والأربعةُ " (١١). قالوا: ولأن الأصلَ في ذلكَ التحريمُ، إلا ما خرجَ بدليلٍ، والخمسةُ مشكوكٌ فيها، فبقيَتْ على أصلِ التحريمِ، ولهذا كانَ هوَ الصحيحَ من القولينِ. عن رافعِ بنِ خَديجٍ، وسَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن المُزابَنةِ، بيعِ الثمرِ بالتمرِ إلا أصحابَ العَرايا، فإنهُ قدْ أُذِنَ لهُمْ " (١٢)، رواهُ البخاريُّ هكذا. وقد أخرجَهُ الترمذِيُّ في جامعِه عن الحَسنِ بنِ عَليٍّ الحلْوانيّ عن أبي أُسامَةَ عن الوَليدِ بنِ كثيرٍ عن بُشَيْرِ بن يَسارٍ عن رافع بن خديج، وسَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ بإسْنادٍ على شرطِهما، وعن بيعِ العنبِ بالزَّبيبِ، وعن كل ثمرٍ بخرصِهِ، وقالَ: حَسنٌ غَريبٌ من هذا الوجهِ. عن فَضالَة بنِ عُبَيْدٍ الأنصاريِّ، قالَ: " أُتِي رَسولُ اللهِ ﷺ وهو بخَيْبرَ بقِلادةٍ فيها

стр. 392

خرزٌ وذهبٌ، وهيَ من المغانمِ تُباعُ، فأمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالذهبِ الذي معَ القِلادةِ فَنُزِعَ وحدَهُ، ثمَّ قالَ: الذَّهبُ بالذّهبِ، وَزْناً بوَزْنٍ " (١٣)، رواهُ مُسلمٌ بهذا اللّفْظِ. ولأبي داود: " أُتيَ عامَ خَيبرَ بقلادةِ فيها ذهبٌ وخَرزٌ ابتاعَها رجلٌ بتسعةِ دَنانيرَ أو بسبعةِ دَنانيرَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا، حتّى تُميّزَ بينَهُ وبينَهُ، فقالَ: إنما أردتُ الحجارةَ، فقالَ: لا، حتّى تُميِّزَ بينَهما، فردّوهُ حتى مَيّزَ بينَهما " (١٤)، وإسنادُهُ، على شَرْطِ مُسلمٍ. وللترمِذيِّ، والنَّسائيِّ عن فَضالةَ، قالَ: " اشتريتُ يومَ خيبرَ قِلادةً باثني عشرَ ديناراً، فيها ذهبٌ وخَرَزٌ فَفَصّلتها فوجدتُ فيها أكثرَ من اثني عشرَ ديناراً، فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ ﷺ ، فقالَ: لا تُباعُ حتَّى تُفصَّلَ " (١٥)، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. قالَ البيهقيُّ: يَستدِلُّ بهذ الحديثِ أصحابُنا على قولِ الشافعيّ في الجديدِ: ولا يُباعُ ذهبٌ بذهبٍ معَ أحدِ الذّهبينِ شيءٌ آخرُ غيرُ الذّهبِ. قلتُ: هذهِ هيَ المسألةُ المشهورةُ بمُدِّ عَجْوةٍ، وقدْ اختلفَ فيها الأئمةُ من أصحابِنَا وغيرِهمْ على أقوالٍ قدْ بَسطتُها في موضعٍ آخر، وللهِ الحمدُ. عن الحسَن عن سَمُرة بنِ جُنْدُبٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ نَهى أنْ تُباعَ الشاةُ باللَّحمِ " (١٦)، رواهُ ابنُ خُزَيمةَ، والحاكمُ، والبيهقيُّ، وصحَّحهُ، وقدْ تقدَّمَ الكلامُ عَلى سماعِ الحَسنِ من سَمُرَةَ غيرَ مرّةٍ. وقد قالَ مالكٌ عن داودَ بنِ الحصَيْنِ: سمعتُ سعيدَ بن المُسيّب يقولُ: " كانَ مِنْ مَيسرِ أهلِ الجاهليةِ بيعُ اللحمِ بالشاةِ، والشاتينِ ".

стр. 393

قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلمَ عن سعيدِ بنِ المُسيّبِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن بيعِ اللحم بالحيوانِ " (١٧). وهذا عامٌّ بالحيوانِ المأكولِ وغيرِهِ، إلا أنهُ: مُرْسَلٌ، لكنهُ من مُرْسَلاتِ ابنِ المُسيّبِ، وهي: حِسانٌ عندَ الشافعيّ، وقدْ عضَدَهُ الشافعيُّ بروايته من وجهٍ آخرَ مُرْسَلاً، وبما رواهُ عن ابن بي يحيى عن صالح مَوْلى التوأمةِ عن ابن عبّاسٍ عن أبي بكرٍ الصّدّيقِ " أنهُ كَرِهَ بيعَ الحيوان باللحمِ " (١٨)، إلا أن هذا سندٌ ضعيفٌ عن الصدّيقِ. وقد قالَ الشافعيُّ في القديمِ: لو لمْ يُرْوَ في هذا شيءٌ عن النبيِّ ﷺ ، كانَ قولُ أبي بكرٍ فيهِ ممّا ليسَ لنا خلافُهُ، لأنهُ لا نعلمُ أحداً من الصحابةِ قالَ بخلافِهِ، وإرسالُ سَعيدِ بن المُسَيّبِ عندنا: حَسَنٌ.

стр. 394

٤ - بابُ: بيعِ الأصولِ والثّمارِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " من ابتاعَ نخلاً بعدَ أن تُؤبَّرَ، فثمرتُها للذي باعَها، إلا أنْ يشترطَ المبتاعُ، ومنْ باعَ عبداً فمالُهُ للذي باعَهُ، إلا أنْ يشترطَ المبتاعُ " (١)، أخرجاهُ. عن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن بيعِ الثمارِ حتّى يبدوَ صَلاحُها، نَهى البائعَ والمبتاعَ " (٢)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ: " نَهى عن بيعِ النخلِ حتّى يزهوَ، وعن السّنْبلِ حتّى يَبيضَّ " (٣)، تفرّدَ به أيوبُ عن نافعٍ عنهُ. وعن حمّاد بنِ سَلَمَةَ عن حُميْدٍ عن أنسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن بيعِ العنبِ حتّى يَسودَّ، وعن بيعِ الحبِّ حتى يشتدّ " (٤)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: غريبٌ لا نعرفُهُ مَرفوعاً إلا من حديثِ حمّادِ بنِ سَلَمةَ. قالَ الشافعيُّ: وإنما نُهي عن ذلكَ، لما يُخافُ عليها من العاهةِ، فإذا باعَ بشرطِ القَطعِ، فإنهُ قدْ يأمنُ من العاهةِ من يأتي المال، فليسَ داخِلاً في النّهي، بلْ فيما أحلَّ اللهُ من البيع. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا عليُّ بنُ مَعْبدٍ بإسنادِهِ عن النبيِّ ﷺ : " أَنهُ أجازَ بيعَ القمح في سُنْبلِهِ إذا أبيضّ " (٥)، فإن ثبتَ قُلْنا بهِ، وكانَ خاصّاً مُستخرجاً من عامٍ، لأنهُ عليهِ

стр. 395

السلامُ نَهى عن بيعِ الغَرَرِ. قلتُ: هذا أحدُ القولينِ عنهُ ﵀، وقدْ يُستدَلُّ عليهِ بهذا الحديثِ، ولمْ أقفْ على سَنَدهِ، ولكنْ فيما رواهُ مسلمٌ عن ابنِ عمرَ: " أنهُ ﵇ نَهى عن بَيع السُّنْبلِ حتّى يَبْيضَّ " (٦)، ما يدلُّ على هذا، ولكنْ صحَّح الأصحابُ القولَ الآخرَ: أنهُ لا يصحُّ، لأنهُ غَررٌ، وقدْ نُهيَ عنهُ. عن أنسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن بيعِ الثمارِ حتّى تَزْهو، فَسُئِلَ: وما تَزْهو؟ قالَ: تَحمرُّ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أرأيتَ إذا منعَ اللهُ الثمرَة، بمَ يأخذُ أحدُكُمْ مالَ أخيهِ " (٧)، رواهُ البخاريُّ، وهذا لَفْظُهُ، ومسلمٌ. قالَ أبو مسعودٍ الدِّمَشْقيُّ في الأطرافِ: جعَل مالكٌ، والدَّراوَرْديُّ قولَ أنسٍ: " أرأيتَ إذا منعَ اللهُ الثمرةَ، بمَ يَستحلُّ أحدُكُمْ مالَ أخيه؟ " من كلامِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أدرجاهُ فيهِ، ويَرونَ أنهُ غَلطٌ، قلتُ: بلْ هو صحيحٌ كما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، ولهُ شَواهدُ أُخَرُ: فعن ابنِ جُرَيجٍ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جابرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لو بعتَ من أخيكَ ثمراً فأصابتهُ جائحةٌ، فلا يحلُّ لكَ أن تأخذَ منهُ شيئاً، بمَ تأخذُ مالَ أخيكَ بغيرِ حقٍّ " (٨)، رواهُ مسلمٌ. ورُويَ أيضاً من حديثِ ابنِ عُيَيْنةَ عن حُمَيْدِ بنِ قَيسٍ عن سُلَيْمانَ بنِ عَتيقٍ عن جابرٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن بيعِ السِّنينِ، وأمرَ بوضعِ الجوائحِ " (٩). وهذه أدلةُ القولِ القديمِ في الأمرِ بوضعِ الجوائحِ، وإنَّ الثمرةَ إذا تَلِفتَ بعدَ النخلةِ، أنها تتلفُ من ضَمانِ البائعِ.

стр. 396

فأمَّا حُجَّةُ القولِ الجَديدِ، فقَدْ استدَلَّ الشافعيُّ بحديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قالَ: " أُصيبَ رجلٌ في عَهدِ رسولِ اللهِ ﷺ في ثمارٍ ابتاعَها، فكَثُرَ دينُهُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " تصدَّقوا عليه، فتصدَّقَ الناسُ عليهِ، فلمْ يَبلغْ ذلكَ وفاءَ دَيْنهِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ لغُرمائِهِ: خُذوا ما وجدتُمْ، وليسَ لكُمْ إلا ذلك " (١٠)، رواهُ مسلمٌ، وبحديثِ " نُهيَ عن بيعِ الثمارِ حتى تَنجو من العاهَةِ " (١١)، ووَجْهُهُ بأنهُ إذا كانتْ من ضَمانِ البائعِ فَلا فَرقَ بينَ بيعِها بعدَ بدوِّ الصَلاحِ أو قبلَهُ، وقدْ فرَّقَ الشارعُ بينَهما، فدَلَّ على دخولِها في ضمانِ المُشتري إذا اشتراها بعدَ ذلكَ. وقدْ روى حديث جابرٍ في الأمرِ بوضعِ الجوائحِ عن سُفْيانَ بنِ عُيَيْنَةَ بسندِهِ كما تقدَّمَ، وذكرَ أنهُ سمعَ سفيانَ يحدّثُ بهِ كثيراً لا يذكرُ فيهِ وضعَ الجوائحِ، وحكيَ عن سفيانَ: أن حُميْداً كانَ يذكرُ بعدَ " بيعِ السِّنينَ " كلاماً، قيلَ: وضعِ الجوائحِ، لا أحفظُهُ. قالَ الشافعيُّ مَا معناهُ، فيحتملُ أنهُ قصّةُ عينٍ، وأنّ أمْرَهُ بوضعِ الجوائحِ كانَ على وجهِ الصلحِ، ويحتملُ غيرَ ذلك، فكنتُ أكفُّ عن وضعِ الجوائحِ، لأني لا أدري كيفَ كانَ الكلامُ، وذكرَ كلاماً مُطوَّلاً إلى أنْ قالَ: فإن ثبتَ الحديثُ في وضعِ الجائحةِ، لمْ يكنْ فيما استنْبطتهُ من حديث " نُهيَ عن بيعِ الثمارِ حتّى تأمنَ العاهةَ " حجةٌ، وأمضي الحديثَ على وجهِهِ، وهذا ممّا أَستخيرُ اللهَ فيهِ، ولو صرتُ إلى القولِ بهِ، وضعتُ كلَّ قليلٍ وكثيرٍ، واللهُ أعلمُ.

стр. 397

٥ - بابُ: بيعِ المُصَرّاةِ، والرّدِّ بالعَيبِ عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ ﵇: " لا تُصِرّوا الإبلَ والغنمَ، فمنْ ابتاعَها بعدُ، فإنهُ بخيرِ النَظرينِ بعدَ أنْ يَحلبَها، إن شاءَ أمسكَ، وإنْ شاءَ ردَّها وصَاعاً من تمرٍ " (١)، أخرجاهُ. وهذا لَفْظُ البخاريِّ. ولمسلمٍ: " فإنْ رَدّ معَها صاعاً من طَعامٍ، لا سَمراءَ " (٢). وعن ابنِ مسعودٍ أنهُ قالَ: " من اشتَرى مُحَفَّلةً فَردَّها، فَلْيردَّ معَها صاعاً من تَمرٍ " (٣)، هكذا رواهُ البخاريُّ مَوقوفاً، وقدْ رُفعَ من طريقٍ أُخرى، قالَ الحافظُ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ والبَيْهقيُّ: رفعُهُ: غيرُ مَحفوظٍ. وقالَ الشافعيُّ: وبهذا مضَتِ السّنةُ، وقالَ البيهقيُّ: لا مُخَالفَ لابنِ مَسعودٍ من الصَّحابةِ. عن أبي هُريرةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مرَّ على صُبْرةِ طَعامٍ فأدخلَ يدَهُ فيها، فنالَتْ أصابعُهُ بَلَلاً، فقالَ: ما هذا يا صاحبَ الطّعامِ؟ فقالَ: أصابتْهُ السماءُ يا رسولَ اللهِ، قالَ: أفلا جَعَلْتَهُ فوقَ الطّعامِ كَيْ يراه الناسُ؟ مَنْ غَشَّ فليسَ مِنّي " (٤)، وفي لفظ: " مَن غشّنَا، فليسَ مِنّا " رواهُ مسلمٌ. وعن واثِلةَ بنِ الأسْقَعِ، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يَحلُّ لأحدٍ أنْ يبيعَ شيئاً،

стр. 398

إلاَّ بيَّنَ ما فيهِ، ولا يَحلُّ لأحدٍ يعلمُ ذلكَ إلاّ بيَّنهُ " (٥)، رواهُ أحمدُ، وهذا لَفْظُهُ، وابنُ ماجة، ولَفْظُهُ: " مَنْ باعَ عَيباً لمْ يُبيّنْهُ، لمْ يَزلْ في مَقْتٍ من اللهِ، ولمْ تزلْ المَلائكةُ تَلْعنُهُ " (٦)، وهو من حديثِ أبي جَعْفرٍ الرازِيِّ، وقدْ تَكَلّموا فيه. وعن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " المسلمُ أخو المسلمِ، لا يَحلُّ لمسلمٍ باعَ من أخيهِ بَيْعاً فيه عَيْبٌ إلا بَيَّنهُ لهُ " (٧)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة. أيضاً، وإسنادُهُ: حسَنٌ. ولفظُ الإمامِ أحمدَ: " لا يَحلُّ لامرئ أنْ يُغَيِّبَ ما بِسلْعَتِهِ عن أخيهِ إنْ عَلمهُ بها تَركَها ". وهذا يَقْتضي صحّة البيع وإن لم يُبيِّنِ العَيْبَ، لكنْ يكونُ المشتري بالخيارِ كما في المُصَرّاةِ، ولهذا قالَ ابن جَرير: في إسنادِ هذا الحديثِ نظَرٌ، وحديثُ المُحفَّلَةِ شاهدٌ لهُ ومُصَدِّقٌ لهُ. وقد تقدَّمَ في حديثِ حَكيم بنِ حِزامٍ: " فإنْ صَدَقا وبيَّنا بُوركَ لهما في بَيعهما، وإنْ كتَما وكَذَبا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيعِهما "، فهوَ دالٌّ على صِحّةِ البيعِ، وإنْ لمْ يُبيِّنِ البائعُ عَيْبَ سِلْعَتِهِ. عن مَخْلدِ بن خُفافِ بنِ إيماءِ بنِ رَحْضَةَ عن عُروةَ عن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الخَراجُ بالضَّمان " (٨)، رواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وابنُ حِبّانَ في صَحيحهِ، ووثّقَ مَخْلداً هذا. وقال أبو أحمدَ بنُ عَدِيٍّ: لا يُعرفُ لهُ غيرُ هذا الحديثِ، وقالَ أبو حاتمٍ الرّازيُّ:

стр. 399

لمْ يَرْو عنهُ سوى ابن أبي ذِئبٍ، وليسَ هذا إسناد تقومُ بمثلهِ حُجّةٌ، وكذا تبعَهُ (٩) الأزدِيُّ، وقالَ البخاريُّ: فيهِ نَظَرٌ. ورَواهُ الشافعيُّ أيضاً عن مُسلمِ بنِ خالدٍ عن هشام بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ عن عائشةَ: " أنَّ رجلاً ابتاعَ غُلاماً، فأقامَ عندَهُ ما شاءَ اللهُ أن يُقيم، ثُمَّ وَجَدَ بهِ عَيْباً، فخاصَمهُ إلى النبيِّ ﷺ ، فردَّه عليهِ، فقالَ الرجلُ: يا رسولَ اللهِ استغَلَّ غُلامي، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ ، الخَراجُ بالضَّمانِ " (١٠)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة، من حديثِ مُسلمِ بنِ خالدٍ الزَّنْجيِّ، وقدْ قالَ البخاريُّ: عندَهُ مَناكيرُ، وهذا لَفْظُ أبي داودَ. ورَواهُ الترمِذيُّ عن أبي سَلَمةَ يَحيى بنِ خَلَف عن عمر بن عليّ المقدميِّ عن هشامٍ بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ عن عائشةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَضى أنَّ الخَراجَ بالضَّمانِ "، وقالَ: صحيحٌ حسنٌ غَريبٌ من حديثِ هشامِ بنِ عُرْوةَ، واستغربَهُ البخاريُّ من حديثِ عمر بنِ عليّ: قلتُ: فهذهِ شواهدُ جيّدةٌ تدُلُّ على صحّةِ الحديثِ. تقدّمَ حديثُ تَفْريقِ الصَّفقةِ، قالَ سُفْيان الثوريُّ عن جَعْفر بنِ محمدٍ عن أبيهِ عن عليِّ بنِ الحُسينِ عن عليّ ﵁ في رجلٍ اشترى جاريةً فَوطِئَها، فوجدَ بها عَيْباً، قال: لَزَمْتْهُ، ويَردُّ البائعُ ما بينَ الصّحةِ والداءِ، وإنْ لمْ يكنْ وَطئهَا ردَّها " (١١)، رواهُ البيهقيُّ، وهذا: مُرْسَلٌ، مُنْقَطعٌ إلا أنهُ: جيّدٌ. وقدْ قالَ الشافعيُّ: لا يَثبتُ، وكأنّهُ يريدُ لانقطاعِهِ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا سَرقَ العبدُ فبيعوهُ ولو بنَشٍّ " (١٢)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ من حديثِ عمرَ بنِ أبي سَلمةَ عن أبيه عنهُ، وقدْ تَكلّموا فيهِ بعضَ الشيءِ.

стр. 400

وعندَ أحمدَ والنشِّ: " نصفُ أُوقيّةٍ "، فيُؤخَذُ منهُ أنّ السّرقةَ عيبٌ يُنقِصُ الثمنَ، فَيُرَدُّ بهِ المَبيعُ، وكذا باقي الصّفاتِ المذكورةِ في معناهُ. قالَ البخاريُّ: ويُذكَرُ عن العَدّاءِ بنِ خالدٍ، قال: " كتبَ رسولُ اللهِ ﷺ : هذا ما اشْتَرى العَدّاءُ بنُ خالدٍ بنِ هَوْذةَ من محمدٍ رسولِ اللهِ، اشتَرى منهُ عَبْداً أو أمَةً، لا داءَ، ولا غائلةَ، ولا خِبْئةَ، بيعَ المسلمِ للمسلمِ " (١٣)، كذا علَّقهُ البخاريُّ بصيغةِ التَّمريضِ. وقدْ رَواهُ الترمذيُّ، وابنُ ماجة من حديثِ عَبّادِ بنِ ليْثٍ عن عبدِ المجيدِ أبي (١٤) وَهْبٍ عن العَدّاءِ، وقالَ الترمِذيُّ: حسنٌ غَريبٌ، لا نعرفُهُ إلاَّ من حديثِ عبادِ بنِ لَيْثٍ. قلتُ: وقدْ تَكلّموا فيه. وقالَ البيهقيُّ: وقدْ رُوِّيناهُ من وجهٍ آخرَ غيرِ مُعْتمدٍ. وقال مالكٌ في المُوَطَّأ: عن يحيى بنِ سَعيدِ عن سالمٍ: " أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ باعَ غُلاماً لهُ بثمانمائةٍ، وباعَهُ بالبَراءةِ، فقال الذي ابتاعه لعبد الله: بالغلام داء لم يسمه لي، فقال عبد الله بن عمر بعته بالبراءة، فقَضى عثمانُ على عبدِ اللهِ باليَمينِ أن يُحَلّفَهُ: لقدْ باعهُ وما بهِ داءٌ يَعْلَمُهُ، فأبى عبدُ اللهِ أن يَحلفَهُ لهُ، وارتجَعَ العبدُ، فباعَهُ بعدَ ذلكَ بألفٍ وخَمْسِمائةٍ " (١٥). ثمَّ قالَ الشافعيُّ: إلى هذا نَذهبُ، قلتُ: هذا هو الذي رجَّحهُ الأصحابُ من الأقوالِ الثلاثةِ فيما إذا باعَ بشَرْطِ البَراءةِ من العيوبِ أنهُ يَبْرأُ مِن كلِّ عيبٍ باطنٍ في الحيوانِ لمْ يَعلمْ، بهِ البائعُ.

стр. 401

٦ - بابُ: بَيعِ المُرابَحة، والنَّجْشِ، والبيعِ على بيعِ أخيهِ، وبيعِ الحاضرِ للبادي وتَلقّي الرُّكْبانِ قالَ اللهُ: (وأحَلَّ اللهُ البيْعَ)، وهذا عامٌّ في البيعِ بأكثرَ من رأسِ المالِ أو أقلَّ، ما لمْ يكنْ فيهِ إضاعةُ مالٍ من غيرِ فائدةٍ، فقدْ تقدَّمَ النَّهيُ عن إضاعةِ المالِ. وقالَ ﵇: " فإذا اختلَفتْ هذهِ الأصنافُ فَبيعوا كيفَ شِئْتمْ يَداً بيدٍ " (١)، وهذا عامٌّ في جميع المُعَاملاتِ. فأمَّا الرجلُ يَبيعُ سِلْعتَهُ إلى أجَلٍ، ثُمّ يَشتريها من المُشتري في المجلسِ بثمنٍ حالٍّ أقلَّ من المُؤجَّلِ، فإنْ تَواطئا على الرِّبا، فقدْ جاءَ في ذلكَ حديثٌ أحببْتُ أنْ أذكرَهُ هاهُنا، وهو ما رَواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، واللفظُ لهُ من حديثِ أبي عبدِ الرّحمنِ الخُراسانيِّ عن عطاءٍ الخُراسانيّ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " إذا تَبايَعْتمْ بالعينةِ، وأخذْتُمْ أذنابَ البَقر، ورَضيتمْ بالزَّرعِ، وتركْتمْ الجِهادَ، سَلّطَ اللهُ عَليْكمْ ذُلاًّ لا يَنزعهُ حتّى تَرْجِعوا إلى دينكُمْ " (٢). وأبو عبدِ الرّحمن هذا، اسمُهُ: إسحاقُ بنُ أسيد ليسَ بذاكَ المشهورِ إلا أنّهُ قدْ رَوى عنه جماعةٌ، وقالَ البيهقيُّ (٣): هذا الحديث، من وَجْهينِ ضَعيفينِ عن عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ عن ابنِ عمرَ عن النبيّ ﷺ ، قالَ: ورُويَ عن ابن عمرَ مَوْقوفاً: " أنهُ كرَهَ ذلكَ.

стр. 402

ورَواهُ أحمدُ عن يزيدَ بنِ هارونَ عن أبي جَنابٍ الكَلْبيِّ عن شَهْرِ بنِ حَوْشبٍ، قالَ: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمر يقولُ: " إذا تَبايَعْتمْ بالعينةِ " فذَكرَهُ. وهذا إسنادٌ فيه: ضعفٌ، لكنّهُ شاهدٌ للذي قبلَهُ. وقالَ سعيدُ بنُ منصُورٍ: حدَّثما أبو الأحْوصِ عن أبي إسحقاَ عن امرأتِهِ العاليةِ بنتِ أيْفعَ: " أنّها دخَلتْ على عائشةَ ومعَها أُمُّ ولدِ زيدِ بنِ أرْقَمَ، فقالتْ: يا أُمَّ المُؤمنينَ: إني بعتُ غُلاماً من زيدِ بنِ أرْقَمَ بثمانِمائةِ دِرْهمٍ نسيئةً إلى العَطاءِ، وإني ابتَعْتهُ بستمائةِ درْهمٍ نَقْداً، فقالَتْ لها عائشةُ: بئسَ ما اشْتَريتِ، وبئسَ ما شَريْتِ، أخْبريهِ أنَّ جِهادَهُ معَ رسولِ اللهِ ﷺ قدْ بطَلَ إلا أن يَتوبَ (٤)، وكذا رواهُ الثوريُّ وشُعْبةُ عن أبي إسحاقَ عن امْرَأتِهِ. ورَواهُ الدارَقُطنيُّ من حديثِ يونسَ بنَ أبي إسحاق عن أُمّهِ العاليةِ عن عائشةَ، وقدْ أجابَ الشافعيُّ في المُخْتَصرِ عن هذا بما حاصلُهُ ثلاثةُ أجْوبةٍ: أحدُها: منعُ الصّحةِ لجهالةِ العاليةِ، الثاني: إنما امتنعَ ذلكَ لجهالةِ الأجَلِ، لأنهُ إلى العَطاءِ، فَهو غيرُ مَعلومٍ، الثالثُ: تَعارضُ قولِ عائشةَ وزيدِ بنِ أرْقَم، والقياسُ معهُ. فأمَّا إذا لمْ يَقصدْ في ذلكَ الرّبا، فإنهُ جائزٌ، لما رَواهُ الثّوريُّ في جامعِهِ عن ليثٍ - هو ابنُ أبي سُلَيْم عن مُجاهدٍ عن ابنِ عمرَ: " أنّ رجلاً باعَ من رجلٍ سَرْجاً ولمْ ينْقُد ثمنَهُ، فأرادَ صاحبُ السَّرج والذي اشْتراهُ أن يَبيعَهُ، فأرادَ الذي باعَهُ أن يأخذَهُ بدونِ ما باعَهُ مِنهُ، فسألَ عن ذلكَ ابنَ عمرَ، فلمْ يَرَ بهِ بأساً، وقالَ فلعلّه لو باعَهُ من غيرهِ، باعَهُ بذلكَ الثمنِ أو أنْقصَ " (٥). فهوَ رواي الحديثِ في العينةِ، وقدْ جَوَّزَ هذا، فدَلَّ على أنّ المُعْتَبرَ القصدُ واللهُ أعلمُ، ولِهذا لو واطَأ غُلامَهُ باعَ منهُ ما اشْتراهُ بعشرةٍ، ثُمَّ اشْتراهُ منهُ بعشرينَ، وخبر (٦) بالعشرين كُرِهَ ذلكَ لقولِهِ ﵇: " من غَشَّ فليسَ

стр. 403

مني " (٧)، وَلَوْ وقَعَ ذلكَ من غيرِ قَصْدٍ لمْ يُكرَهْ. عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن النَّجْشِ " (٨)، أخرجاهُ. عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يبيعُ الرجلُ على بيعِ أخيهِ، ولا يَخطُبُ على خِطْبةِ أخيهِ " (٩). وفي لَفْظٍ: " ولا يَسومُ على سَوْمِ أخيهِ "، أخرجاهُ. وعن ابن عمر، قال ﵇: " لا يبيعُ أحدُكم على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطُبُ على خِطْبةِ أخيهِ إلا أنْ يأذنَ لَهُ " (١٠)، أخرجاهُ، وهذا لفْظُ مُسلمٍ. فأمّا في حالِ المُناداةِ، فعنْ أنسٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ باعَ حِلْساً وقَدَحاً فيمن يَزيد " (١١)، رَواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، ولَفْظُهُ للترمذيّ، وقالَ: حسنٌ، لا نعرفُهُ إلا من حديثِ الأخْضرِ بنِ عَجْلانَ يعني - عن أبي بَكر الحَنَفيِّ، واسمهُ: عبدُ اللهِ، عن أنَسٍ. وفي لَفْظٍ لهُ أيضاً: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ باعَ حِلْساً وقدَحاً، فقالَ: منْ يَشتري هذا الحِلْسَ، والقَدَحَ؟، فقالَ رجلٌ: آخذُهُما بدرهمٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : من يَزيدُ على درهمٍ؟ من يزيد على درهم؟، فأعطاهُ رجلٌ دِرْهَمينِ، فَباعَهُما مِنهُ " (١٢). عن جابرٍ، قالَ ﵇: " لا يَبعْ حاضرٌ لبادٍ، دَعوا الناسَ يَرْزقُ اللهُ بعضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ " (١٣)، رواهُ مُسلمٌ. وعن أنَسٍ، قالَ: " نُهينا أن يَبيعَ حاضِرٌ لبادٍ، وإن كانَ أخاهُ، أو أباهُ " (١٤)، أخرجاهُ.

стр. 404

وهذا لفظ مسلم. عن طاوسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تَلَقّوا الرُّكْبانَ، ولا يَبع حاضرٌ لِبادٍ، قلتُ لابنِ عبّاسٍ: ما قولُهُ (١٥): حاضرٌ لِبادٍ؟، قالَ: لا يكونُ لهُ سِمْساراً " (١٦)، أخرجاهُ. عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ: " أنهُ ﵇ نهى عن تَلَقّي البُيوعِ " (١٧)، أخرجاهُ. وعن أبي هُريرةَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُتَلقّى الجَلْبُ، فمنْ تَلَقّى فاشْتَرى مِنهُ، فإذا أتى سَيّدُهُ السوقَ، فهوَ بالخِيارِ " (١٨)، رواهُ مُسلمٌ. وهذا عامٌّ فيما إذا كانَ قدْ غَبنَهُ أو لا، وهو أحَدُ الوَجهينِ، لكنّ الراجحَ خلافهُ، لأنهُ لا مَعنى لإثباتِ الخِيارِ معَ عدَمِ الغبنِ. عن أنسٍ، قالَ: " غَلا السّعرُ على عهد رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال الناسُ: يا رسولَ اللهِ: سَعّرْ لَنا، فقالَ: إنّ اللهَ هو المُسَعّرُ القابضُ الباسطُ، الرَّزّاقُ، إني لأرجو أنْ ألقى اللهَ تعالَى، وليسَ رجلٌ مسلمٌ يَطلبُني بمظْلَمةٍ في دمٍ، ولا مالٍ " (١٩)، رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ. قلتُ: إسنادُهُ عَلى شَرْطِ مُسلمٍ. وعن أبي هريرة (٢٠)، وأبي سَعيدٍ مَرفوعاً مثلهُ (٢١) أو نَحوَهُ. عن سَعيدِ بنِ المُسَيّبِ عن مَعْمَرِ بنِ عَبدِ اللهِ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لا يحتكرُ إلاّ خاطئٌ " (٢٢)، رواهُ مُسلمٌ.

стр. 405

وعن عمرَ، قالَ: سعمتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " مَنْ احتكَرَ على المسلمينَ طَعامَعُمْ، ضَربَهُ اللهُ بالجُذامِ والإفلاسِ " (٢٣)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة، وهذا لَفْظهُ من حديثِ الهَيْثمِ بنِ رافعٍ (٢٤) عن فرّوخٍ مَولى عثمانَ بنِ عَفّانَ عن عمرَ. وعن عَليِّ بنِ زَيدِ بنِ جُدْعانَ عن سَعيدِ بنِ المُسَيّبِ عن عمرَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الجالبُ مَرزوقٌ، والمُحتكرُ ملْعون " (٢٥)، رواهُ ابن ماجة، وعليُّ بنُ زَيدٍ، تَكلّموا فيهِ ولهُ مَناكيرُ. وقالَ أبو داودَ الطَّيالسِيُّ: حَدَّثنا زيدُ (٢٦) بنُ أبي لَيْلى أبو مُعَلّى العَدَويُّ: سمعتُ الحَسنَ يعني - البَصْريَّ -، قالَ: " دخَلَ عُبيْدُ اللهِ بنُ زِيادٍ على مَعْقلِ بنِ يَسارٍ، فقالَ مَعْقلٌ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " منْ دخَلَ في شيءٍ من أسعارِ المسلمينَ لِيُغْليهِ عَليْهمْ، كانَ حَقاً على اللهِ أنْ يَقذفَهُ في مُعْظمِ النّارِ يومَ القِيامةِ " (٢٧)، رواهُ أحمدُ عنهُ.
следующие страницы →