← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 401–440 · переход к 406.

стр. 401

٦ - بابُ: بَيعِ المُرابَحة، والنَّجْشِ، والبيعِ على بيعِ أخيهِ، وبيعِ الحاضرِ للبادي وتَلقّي الرُّكْبانِ قالَ اللهُ: (وأحَلَّ اللهُ البيْعَ)، وهذا عامٌّ في البيعِ بأكثرَ من رأسِ المالِ أو أقلَّ، ما لمْ يكنْ فيهِ إضاعةُ مالٍ من غيرِ فائدةٍ، فقدْ تقدَّمَ النَّهيُ عن إضاعةِ المالِ. وقالَ ﵇: " فإذا اختلَفتْ هذهِ الأصنافُ فَبيعوا كيفَ شِئْتمْ يَداً بيدٍ " (١)، وهذا عامٌّ في جميع المُعَاملاتِ. فأمَّا الرجلُ يَبيعُ سِلْعتَهُ إلى أجَلٍ، ثُمّ يَشتريها من المُشتري في المجلسِ بثمنٍ حالٍّ أقلَّ من المُؤجَّلِ، فإنْ تَواطئا على الرِّبا، فقدْ جاءَ في ذلكَ حديثٌ أحببْتُ أنْ أذكرَهُ هاهُنا، وهو ما رَواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، واللفظُ لهُ من حديثِ أبي عبدِ الرّحمنِ الخُراسانيِّ عن عطاءٍ الخُراسانيّ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " إذا تَبايَعْتمْ بالعينةِ، وأخذْتُمْ أذنابَ البَقر، ورَضيتمْ بالزَّرعِ، وتركْتمْ الجِهادَ، سَلّطَ اللهُ عَليْكمْ ذُلاًّ لا يَنزعهُ حتّى تَرْجِعوا إلى دينكُمْ " (٢). وأبو عبدِ الرّحمن هذا، اسمُهُ: إسحاقُ بنُ أسيد ليسَ بذاكَ المشهورِ إلا أنّهُ قدْ رَوى عنه جماعةٌ، وقالَ البيهقيُّ (٣): هذا الحديث، من وَجْهينِ ضَعيفينِ عن عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ عن ابنِ عمرَ عن النبيّ ﷺ ، قالَ: ورُويَ عن ابن عمرَ مَوْقوفاً: " أنهُ كرَهَ ذلكَ.

стр. 402

ورَواهُ أحمدُ عن يزيدَ بنِ هارونَ عن أبي جَنابٍ الكَلْبيِّ عن شَهْرِ بنِ حَوْشبٍ، قالَ: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمر يقولُ: " إذا تَبايَعْتمْ بالعينةِ " فذَكرَهُ. وهذا إسنادٌ فيه: ضعفٌ، لكنّهُ شاهدٌ للذي قبلَهُ. وقالَ سعيدُ بنُ منصُورٍ: حدَّثما أبو الأحْوصِ عن أبي إسحقاَ عن امرأتِهِ العاليةِ بنتِ أيْفعَ: " أنّها دخَلتْ على عائشةَ ومعَها أُمُّ ولدِ زيدِ بنِ أرْقَمَ، فقالتْ: يا أُمَّ المُؤمنينَ: إني بعتُ غُلاماً من زيدِ بنِ أرْقَمَ بثمانِمائةِ دِرْهمٍ نسيئةً إلى العَطاءِ، وإني ابتَعْتهُ بستمائةِ درْهمٍ نَقْداً، فقالَتْ لها عائشةُ: بئسَ ما اشْتَريتِ، وبئسَ ما شَريْتِ، أخْبريهِ أنَّ جِهادَهُ معَ رسولِ اللهِ ﷺ قدْ بطَلَ إلا أن يَتوبَ (٤)، وكذا رواهُ الثوريُّ وشُعْبةُ عن أبي إسحاقَ عن امْرَأتِهِ. ورَواهُ الدارَقُطنيُّ من حديثِ يونسَ بنَ أبي إسحاق عن أُمّهِ العاليةِ عن عائشةَ، وقدْ أجابَ الشافعيُّ في المُخْتَصرِ عن هذا بما حاصلُهُ ثلاثةُ أجْوبةٍ: أحدُها: منعُ الصّحةِ لجهالةِ العاليةِ، الثاني: إنما امتنعَ ذلكَ لجهالةِ الأجَلِ، لأنهُ إلى العَطاءِ، فَهو غيرُ مَعلومٍ، الثالثُ: تَعارضُ قولِ عائشةَ وزيدِ بنِ أرْقَم، والقياسُ معهُ. فأمَّا إذا لمْ يَقصدْ في ذلكَ الرّبا، فإنهُ جائزٌ، لما رَواهُ الثّوريُّ في جامعِهِ عن ليثٍ - هو ابنُ أبي سُلَيْم عن مُجاهدٍ عن ابنِ عمرَ: " أنّ رجلاً باعَ من رجلٍ سَرْجاً ولمْ ينْقُد ثمنَهُ، فأرادَ صاحبُ السَّرج والذي اشْتراهُ أن يَبيعَهُ، فأرادَ الذي باعَهُ أن يأخذَهُ بدونِ ما باعَهُ مِنهُ، فسألَ عن ذلكَ ابنَ عمرَ، فلمْ يَرَ بهِ بأساً، وقالَ فلعلّه لو باعَهُ من غيرهِ، باعَهُ بذلكَ الثمنِ أو أنْقصَ " (٥). فهوَ رواي الحديثِ في العينةِ، وقدْ جَوَّزَ هذا، فدَلَّ على أنّ المُعْتَبرَ القصدُ واللهُ أعلمُ، ولِهذا لو واطَأ غُلامَهُ باعَ منهُ ما اشْتراهُ بعشرةٍ، ثُمَّ اشْتراهُ منهُ بعشرينَ، وخبر (٦) بالعشرين كُرِهَ ذلكَ لقولِهِ ﵇: " من غَشَّ فليسَ

стр. 403

مني " (٧)، وَلَوْ وقَعَ ذلكَ من غيرِ قَصْدٍ لمْ يُكرَهْ. عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن النَّجْشِ " (٨)، أخرجاهُ. عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يبيعُ الرجلُ على بيعِ أخيهِ، ولا يَخطُبُ على خِطْبةِ أخيهِ " (٩). وفي لَفْظٍ: " ولا يَسومُ على سَوْمِ أخيهِ "، أخرجاهُ. وعن ابن عمر، قال ﵇: " لا يبيعُ أحدُكم على بَيعِ أخيهِ، ولا يَخطُبُ على خِطْبةِ أخيهِ إلا أنْ يأذنَ لَهُ " (١٠)، أخرجاهُ، وهذا لفْظُ مُسلمٍ. فأمّا في حالِ المُناداةِ، فعنْ أنسٍ: " أنَّ النبيَّ ﷺ باعَ حِلْساً وقَدَحاً فيمن يَزيد " (١١)، رَواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، ولَفْظُهُ للترمذيّ، وقالَ: حسنٌ، لا نعرفُهُ إلا من حديثِ الأخْضرِ بنِ عَجْلانَ يعني - عن أبي بَكر الحَنَفيِّ، واسمهُ: عبدُ اللهِ، عن أنَسٍ. وفي لَفْظٍ لهُ أيضاً: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ باعَ حِلْساً وقدَحاً، فقالَ: منْ يَشتري هذا الحِلْسَ، والقَدَحَ؟، فقالَ رجلٌ: آخذُهُما بدرهمٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : من يَزيدُ على درهمٍ؟ من يزيد على درهم؟، فأعطاهُ رجلٌ دِرْهَمينِ، فَباعَهُما مِنهُ " (١٢). عن جابرٍ، قالَ ﵇: " لا يَبعْ حاضرٌ لبادٍ، دَعوا الناسَ يَرْزقُ اللهُ بعضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ " (١٣)، رواهُ مُسلمٌ. وعن أنَسٍ، قالَ: " نُهينا أن يَبيعَ حاضِرٌ لبادٍ، وإن كانَ أخاهُ، أو أباهُ " (١٤)، أخرجاهُ.

стр. 404

وهذا لفظ مسلم. عن طاوسٍ عن ابنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تَلَقّوا الرُّكْبانَ، ولا يَبع حاضرٌ لِبادٍ، قلتُ لابنِ عبّاسٍ: ما قولُهُ (١٥): حاضرٌ لِبادٍ؟، قالَ: لا يكونُ لهُ سِمْساراً " (١٦)، أخرجاهُ. عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ: " أنهُ ﵇ نهى عن تَلَقّي البُيوعِ " (١٧)، أخرجاهُ. وعن أبي هُريرةَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُتَلقّى الجَلْبُ، فمنْ تَلَقّى فاشْتَرى مِنهُ، فإذا أتى سَيّدُهُ السوقَ، فهوَ بالخِيارِ " (١٨)، رواهُ مُسلمٌ. وهذا عامٌّ فيما إذا كانَ قدْ غَبنَهُ أو لا، وهو أحَدُ الوَجهينِ، لكنّ الراجحَ خلافهُ، لأنهُ لا مَعنى لإثباتِ الخِيارِ معَ عدَمِ الغبنِ. عن أنسٍ، قالَ: " غَلا السّعرُ على عهد رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال الناسُ: يا رسولَ اللهِ: سَعّرْ لَنا، فقالَ: إنّ اللهَ هو المُسَعّرُ القابضُ الباسطُ، الرَّزّاقُ، إني لأرجو أنْ ألقى اللهَ تعالَى، وليسَ رجلٌ مسلمٌ يَطلبُني بمظْلَمةٍ في دمٍ، ولا مالٍ " (١٩)، رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ. قلتُ: إسنادُهُ عَلى شَرْطِ مُسلمٍ. وعن أبي هريرة (٢٠)، وأبي سَعيدٍ مَرفوعاً مثلهُ (٢١) أو نَحوَهُ. عن سَعيدِ بنِ المُسَيّبِ عن مَعْمَرِ بنِ عَبدِ اللهِ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لا يحتكرُ إلاّ خاطئٌ " (٢٢)، رواهُ مُسلمٌ.

стр. 405

وعن عمرَ، قالَ: سعمتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " مَنْ احتكَرَ على المسلمينَ طَعامَعُمْ، ضَربَهُ اللهُ بالجُذامِ والإفلاسِ " (٢٣)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة، وهذا لَفْظهُ من حديثِ الهَيْثمِ بنِ رافعٍ (٢٤) عن فرّوخٍ مَولى عثمانَ بنِ عَفّانَ عن عمرَ. وعن عَليِّ بنِ زَيدِ بنِ جُدْعانَ عن سَعيدِ بنِ المُسَيّبِ عن عمرَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الجالبُ مَرزوقٌ، والمُحتكرُ ملْعون " (٢٥)، رواهُ ابن ماجة، وعليُّ بنُ زَيدٍ، تَكلّموا فيهِ ولهُ مَناكيرُ. وقالَ أبو داودَ الطَّيالسِيُّ: حَدَّثنا زيدُ (٢٦) بنُ أبي لَيْلى أبو مُعَلّى العَدَويُّ: سمعتُ الحَسنَ يعني - البَصْريَّ -، قالَ: " دخَلَ عُبيْدُ اللهِ بنُ زِيادٍ على مَعْقلِ بنِ يَسارٍ، فقالَ مَعْقلٌ: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: " منْ دخَلَ في شيءٍ من أسعارِ المسلمينَ لِيُغْليهِ عَليْهمْ، كانَ حَقاً على اللهِ أنْ يَقذفَهُ في مُعْظمِ النّارِ يومَ القِيامةِ " (٢٧)، رواهُ أحمدُ عنهُ.

стр. 406

٧ - بابُ: اختلافِ المُتبايعين عن عبدِ الله بنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ ﵇: " لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لادّعى أناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهُم، ولكنَّ اليمينَ على المُدّعى عَليه " (١)، أخرجاهُ. استدَلّ الشافعيُّ بهذا الحديثِ على أنهما يتَحالفانِ لأنّ كلاًّ منهما مُدّعٍ ومُدّعى عليه، وهذا هوَ المذهبُ المشهورُ، وبهِ قالَ فُقهاءُ المدينةِ، وقدْ قالَ الشافعيُّ في الدّعوى والبيّناتِ: إنْ بدأَ بتحليفِ البائعِ خيّرَ المشتريَ، وإن بدأَ بالمشتري خيّرَ البائعَ، وقالَ بعضُ أصحابنا: إنّما ذكرَ هذا حكايةً عن غيرهِ، وهذا بَعيدٌ، بلْ هو قولٌ لهُ، ويُستدَلُّ عليهِ بِما رَواهُ الشافعيُّ عن سُفْيان بنِ عُيَيْنةَ عن محمدِ بنِ عَجْلانَ عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا اختلَفَ البَيِّعانِ، فالقولُ قولُ البائعِ، والمبتاعُ بالخِيارِ (٢)، ثُمّ قالَ: وهذا مُنقطعٌ أعلمُ أحداً يَصلهُ عن ابنِ مَسعودٍ، وقدْ جاءَ من غيرِ وجهٍ. قلتُ: وقدْ رَواهُ عبدُ الملك بنُ عُبَيْدةَ عن أبي عُبيْدةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ عن أبيهِ مَرفوعاً. ورَواهُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، ورَواهُ الشافعيُّ إلا أنّهُ قالَ: عبد الملكِ بن عُمَيْرٍ بدلَ عُبَيْدةَ، وكذا أخرجَهُ الحاكمُ في مُستدْرَكِه. .

стр. 407

قالَ البَيْهقيُّ: والصّوابُ: عبدُ الملكِ بنُ عُبيْدةَ، وأبو عُبيْدةَ: لمْ يسمعْ من أبيهِ شَيْئاً. ورَواهُ ابنُ أبي لَيْلى عن القاسمِ بنِ عبدِ الرّحمنِ عن أبيهِ عن ابنِ مَسعودٍ مَرفوعاً. كذا رَواهُ أبو داودَ، ورَواهُ جَماعةٌ عن القاسمِ عن عبدِ الله مُنْقَطِعاً، قالَ البَيْهقيُّ: وهذا: هوَ الصّوابُ، وابن أبي لَيْلى: لا يُقْبلُ تَفرُّدُهُ لكثرةِ أوْهامِهِ، وقدْ تابَعَهُ على هذا الحسنُ بنُ عُمارَةَ، ولا يُحْتَجُّ بهِ. وأجودُ إسْنادٍ لهذا ما قالَ أبو العُمَيْسِ: عُتْبةُ بنُ عَبدِاللهِ أخبرَني عبدُالرّحمنِ بنُ قيْسِ بنِ محمدِ بنِ الأشْعثِ عن أبيهِ عن جدّهِ، قالَ: " اشْتَرى الأشْعثُ رَقيقاً من رَقيقِ الخُمْسِ من عبدِ اللهِ يعني - ابنَ مسعودٍ بعشرينَ ألْفاً، فأرسلَ عبدُ الله إليهِ في ثَمنِهم، فقالَ: إنّما أخَذْتُهمْ بعشرةِ آلافٍ، فقالَ عبدُ اللهِ: فاخْترْ رجُلاً يكونُ بينيَ وبينَكَ، قالَ الأشْعثُ: أنتَ بيني وبينَ نفسِكَ، قالَ عبدُ اللهِ: فإني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " إذا اخْتلَفَ البَيّعانِ ليسَ بينَهما بيّنةٌ، فهوَ ما يقولُ رَبُّ السِّلْعةِ، أو يتركان " (٣) رواهُ أحمدُ، أبو داودَ، وهذا لَفْظهُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجة، والبيهقيُّ، وقالَ: هذا إسنادٌ حسنٌ مَوصولٌ، وقدْ رُوي من وجهٍ آخرَ إذا جُمعَ بينهما صارَ الحديثُ بذلكَ قَوِيّاً، وقالَ في مَوْضعٍ آخرَ: هذا أصحُّ إسنادٍ في هذا الباب.

стр. 408

٨ - بابُ: السَّلَمِ قالَ اللهُ تَعالى: " يا أيّها الذينَ آمنوا إذا تدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمّىً فاكْتُبوهُ "، فقالَ ابنُ عبّاسٍ: أشهدُ أنّ السَّلَفَ المَضمونَ إلى أجَلٍ مُسَمّىً قدْ أحَلَّهُ اللهُ في كتابِهِ، وأذِنَ فيهِ، ثُمَّ تَلا هذِهِ الآية (١)، رَواهُ الشافعيُّ بإسْنادٍ صَحيحٍ. والبخاريُّ. وعن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " قدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ المدينة، وهمْ يُسْلّفونَ في الثّمارِ السّنةَ والسَّنتينِ، وفي لَفْظٍ: السَّنتينِ والثلاثَ، فقالَ: من أسْلَفَ في شيءٍ، فلْيُسلفْ في كيْلٍ مَعلومٍ، ووَزْنٍ مَعلومٍ إلى أجَلٍ مَعلومٍ " (٢) أخرجاهُ. تقدّمَ إثباتُ خِيارِ المَجلسِ في البيعِ، والسَّلَمُ صِنْفٌ من أصنافِهِ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعِ الكاليءِ بالكاليءِ " (٣)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ، وفي إسنادِهِ: موسى بنُ عُبيدة الرَّبَذيُّ، وهو: ضَعيفٌ. ولهذا قالَ الشافعيُّ: أهلُ الحديثِ يُوهنونَ هذ الحديثَ. وقالَ البيهقيُّ: غَلِطَ بعضُ الحُفّاظِ يَعني - الدارَقُطنيًّ في هذا الحديثِ، فتوَهَّمَ أنهُ عن موسى بنِ عُقْبةَ، وليسَ لهُ في هذا الحديثِ روايةٌ. قلتُ: فلو صحَّ لأُخِذَ مِنهُ اشتراطُ بَدَل، (وليس مالُ المسلمِ في المجلسِ " (٤)، لكنَّ أبا عُبيْدٍ فسَّرَهُ ببيعِ الدَّينِ بالدَّينِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 409

تقدّمَ حديثُ ابنِ مَسعودٍ: " لا تباشرِ المرأةُ المرأةَ تنعتُها لزوجِها كأنّهُ يَنظرُ إليها " (٥). يُؤخذُ منهُ: أنّ حَصرَ الشيءِ بالصّفاتِ يقومُ مقامَ النَّظرِ، ويُؤخذُ منهُ صحّةُ السَّلَمِ في الحَيوانِ أيضاً، وأصرحُ منهُ في هذا حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرَهُ أن يُجَهّزَ جَيشاً، فنفدَت الإبلُ، فأمرَهُ أن يأخذَ من قِلاص الصَّدقةِ، فكانَ يأخذُ البَعيرَ بالبعيرينِ إلى إبلِ الصَّدَقةِ " (٦)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لَفْظُهُ بإسنادٍ: غَريبٍ. عن محمدِ بنِ المُجالدِ، قالَ: " بَعَثني عبدُاللهِ بنُ شَدّادٍ، وأبو بُرْدةَ إلى عبدِ اللهِ بن أبي أوْفى، فقالا: سَلْهُ، هلْ كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ يُسْلفونَ في الحنطةِ؟، فقالَ عبدُالله: كُنّا نُسلِفُ أهلَ الشامِ في الحنطةِ والشَعيرِ، والزَّبيبِ، في كَيْلٍ مَعلومٍ، إلى أجَلٍ مَعلومٍ، قلتُ: إلى مَنْ كانَ أصلُهُ عندَهُ؟، قالَ: ما كُنّا نَسألُهمْ عن ذلك " (٧)، رواهُ البخاريُّ. عن عبدِ الله بنِ سَلامٍ، قالَ: " جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالَ: إنَّ بني فلانٍ قد أسْلَموا، لقومٍ من اليهودِ، وإنهم قدْ جاعوا، فأخافُ أن يَرْتدّوا، فقالَ النبيُّ ﷺ : مَنْ عندَهُ؟، فقالَ رجلٌ من اليهودِ: عندي كَذا وكَذا لشيءٍ سَمّاهُ، أراهُ قال: ثَلاثمائةِ دينارٍ بسعرِ كذا وكذا من حائطِ بَني فُلانٍ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : بسعرِ كَذا أو كَذا، إلى أجَلِ كَذا وكَذا، وليسَ من حائطِ بَني فلانٍ " (٨)، رواهُ ابن ماجة، في إسنادِهِ! انقطاعٌ وَغَرابةٌ، ولكنْ رَوى أبو داودَ الطَّيالسِيُّ عن شُعْبةَ عن أبي إسْحاقَ عن رجلٍ من نَجْرانَ عن النبيِّ ﷺ نحوَ هذا. وأخرجَهُ أبو داودَ، وابنُ ماجة من حديثِ أبي إسحاقَ عن النَّجْرانيّ " عن ابنِ عمرَ،

стр. 410

قالَ يحيى بنُ مَعينٍ، وابنُ عَدِيّ: النَّجرانيُّ هذا، لم يَرْوِ عنهُ سِوى أبي إسحاقَ - وهو: مجهولٌ. قلتُ: تفرَّدَ أبو إسْحاقَ عن جَماعةٍ بَعضُهم في الصحيحين. فهذا معَ الذي قبلَهُ، لا بأْسَ بهِ، فَيُؤخَذُ منهُ أنهُ إذا أسْلَفَ في ثمرةٍ بعينِها أو حائطٍ، أو نَخْلةٍ، أنهُ لا يَصحُّ. عن عَطيّةَ بنِ سَعْدٍ العَوْفيّ عن أبي سَعيد الخُدْرِيّ، قال: (٩): قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أسْلَفَ في شيءٍ، فَلا يَصرفهُ إلى غَيرِهِ " (١٠) رواهُ أبو داودَ، وابنُ ماجَة، والدارقُطنيُّ، وعندَهُ: " مَنْ أسْلَفَ في شيء، فلا يأخذْ إلا ما أسْلَفَ فيهِ أو رأسَ مالِهِ " وعطيّةُ العَوْفيُّ: ضعيفٌ، إلا أنّهمْ استدَلّوا بهِ على أنهُ لا يجوزُ بيعُ المسلم فيهِ، ولا التوليةُ، ولا الشركةُ، ويعضدُهُ ما تقدَّمَ من النّهي عن بيعِ الطّعامِ قبلَ القَبْضِ، وكذا حديثُ النّهي عن بيْعِ ما ليسَ عندَهُ، وعن ربحِ ما لمْ يُضْمنْ، واللهُ أعلَمُ.

стр. 411

٩ - بابُ: القَرْضِ قالَ اللهُ تَعالى: " وتَعاوَنُوا على البِرِّ وَالتَّقْوى ". وقالَ ﵇: " مَنْ نفَّسَ عن أخيهِ كُرْبةً من كُرَبِ الدّنيا نفّسَ اللهُ بها عنهُ كُربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَنْ سَتَر مُسلماً، سَتَرهُ اللهُ في الدّنيا والآخرةِ، ومَنْ يسَّرَ على مُعْسرٍ، يَسَّرَ اللهُ عليهِ في الدّنيا والآخرةِ، واللهُ في عَونِ العبدِ ما كانَ العبدُ في عَون أخيهِ " (١)، رواهُ مُسلمٌ من حديثِ أبي هريرة. عن ابنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ ﵇: " ما مِنْ مُسلمٍ يُقرِضُ مُسلماً قَرْضاً مَرتين، إلا كانَ كَصَدَقتِهِ مرَّةَ " (٢)، رَواهُ ابنُ ماجة من حديثِ سُلَيمانَ بنِ يُسَيْرٍ، ويُقالُ: ابنُ أُسير، وهوَ مَتروكٌ. ورَواهُ الدّارَقُطنيُّ في كتابِ الأفرادِ من وَجْهٍ آخرَ غَريبٍ. ورُويَ مَوقوفاً على عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، وهو أشبهُ بالصّوابِ. وعن أنسٍ، قالَ: قالَ ﵇: " رأيتُ ليلةَ أُسْري بِي على بابِ الجنّةِ مكتوباً: الصّدَقةُ بِعَشْرِ أمثالِها، والقَرضُ بثمانيةَ عشرَ، فقلتُ: يا جِبْريلُ، ما بالُ القَرضِ أفضلُ من الصَّدقةِ؟، قالَ لأنَّ السائلَ يسألُ وعندَهُ، والمقتَرضُ لا يقْترضُ إلا مَنْ حاجةٍ " (٣)، رواهُ ابن ماجة، وهوَ: حديثٌ: مُنكرٌ جداً، تفرَّدَ بهِ خالدُ بنُ يَزيدَ بنِ عبدِ الرّحمن بنِ أبي مالكٍ الشاميّ، وقالَ فيه النَّسائيُّ: ليسَ بثقةٍ، عن أبيهِ عن أنسٍ، وقالَ يحيى بنُ مَعينٍ: ليسَ بشيءٍ، ورَواهُ البيهقيُّ من وجهٍ آخرَ عن أنَسٍ رَفَعَهُ، قالَ:

стр. 412

" قَرضُ الشيءِ خيرٌ من صَدقَتهِ "، وإسنادُهُ: مَرفوعاً: غَريبٌ، ولا يَصحُّ أيضاً. سيأتي إن شاءَ اللهُ في بابِ الضّمانِ حديثُ الرّجلِ الذي استسْلفَ من صاحبهِ ألفَ دينارٍ، فقالَ لهُ: ائتِ بكَفيلٍ، فقالَ: كَفى باللهِ كَفيلاً " (٤)، فَيُؤخَذُ منهُ جَوازُ شَرطِ الضَّمانِ في القَرضِ، لأنَّهُ حكايةُ رسولِ اللهِ ﷺ عن شرعِ مَنْ قبلَنا، ولمْ يُنكرْهُ، ومِثْلُهُ يُحتَجُّ بهِ على أَظهرِ قولي الأصوليين. عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " مَنْ أسلفَ سَلفاً، فَلا يَشترطْ على صاحبهِ غيرَ قَضائِهِ " (٥)، رواهُ الدارقُطنيُّ من حديثِ بَقيّةَ بنِ الوَليدِ عن لوذانَ بنِ سُليمانَ عن نافعٍ عنهُ، قال ابنُ عَدِيٍّ: لوذان: مَجهولٌ. وقال يحيى بنُ بُكَيْرٍ عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: أنهُ قالَ: " إذا أسْلفتَ رجلاً واشْترطتَ عليهِ أفْضلَ مِمّا أسْلَفتهُ فهوَ رِبا "، وهذا أصحُّ. وعن فَضالةَ بنِ عُبَيْدٍ: أنّهُ قالَ: " كُلُّ قَرضٍ جرَّ مَنْفَعة، فهو وجهٌ من وجوهِ الرّبا " (٦). رواهُ البَيْهقيُّ، قالَ: ورُوِّينا في معناهُ عن ابنِ مسعودٍ، وأُبيّ بنِ كعْبٍ، وعبدِ اللهِ بنِ سَلامٍ، وابنِ عبّاسٍ. قلتُ: وقدْ رَوى أبو الجَهْم العَلاءُ بنُ موسى في جُزئهِ المشهورِ عن سَوّار بنِ مُصْعَبٍ عن عُمارةَ عن عَليٍّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " كلُّ قرضٍ جَرَّ مَنْفعةً، فهوَ رِبا "، وهذا: مُنْقطعٌ بينَ عُمارةَ وعليٍّ، وسَوّارٌ: ضَعيفٌ. وعن أنسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا أقرضَ إحدُكُمْ قرْضاً، فأهدَى إليهِ أو حمَلهُ على الدّابةِ، فلا يَركبْها، ولا يَقبلْهُ، إلا أن يكونَ جَرى بينَهُ وبينَهُ قبل ذلك " (٧)،

стр. 413

رواهُ ابنُ ماجة، وفي إسْنادِهِ: اختلافٌ قدْ بَسَطْتهُ في الأصلِ. ورَوَى البُخاريُّ في تاريخهِ عن أنسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا أقْرضَ، فلا يأخذْ هدِيّةً " (٨). تقَدّمَ النَّهيُ عَن بيعٍ وسَلَفٍ "، اسْتدَلّوا بهِ على أنهُ لو قالَ: أقرضْتكَ ألْفاً على أنْ تَبيعَني دارَكَ بكذا، أنّهُ لا يَصحُّ. عن عُبَيْدِ بنِ السَّبّاق عن زَينب، قالَتْ: " أعطاني رسولُ اللهِ ﷺ خَمسين وِسْقاً تَمراً، وعشرين شَعيراً، قالَتْ: فجاءَني عاصمُ بنُ عَدِيٍّ في إمارةِ عمرَ، فقالَ لي: هَلْ لكِ أنْ أُوتيك مالَكِ بخيبر هاهُنا بالمدينةِ فأقبضَهُ منكِ بكيلِهِ بخيبرَ؟، فقالَتْ: لا، حتّى أسألَ عن ذلكَ، فذكرَتْ ذلكَ لعمرَ، فقالَ: لا تَفعَلي، فكيفَ لكَ بالضَّمان فيما بينَ ذلكَ " (٩)، رواهُ البيهقيُّ مُستدِلاً بهِ على أنهُ إذا شَرَط السَّفْتجةَ لا يَصحُّ، قالَ: وقدْ رُوِّيناهُ في حديثٍ، مَرفوعٍ، وهوَ: ضَعيفٌ بمرّةٍ، فلمْ أذكرْهُ. وقالَ سعيدُ بنُ مَنصورٍ: حدَّثنَا هُشَيْمٌ أَخبرَنا حَجّاجُ بنُ أرْطاةٍ عن عَطاءٍ: " أنَّ عبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيْر كانَ يأخذُ من قومٍ بمكّةَ دراهمَ، ثُمَّ يَكتبُ بها إلى مُصْعَبِ بنِ الزُّبيرِ بالعراقِ، فيأخذُونَها منهُ، فسُئِلَ ابنُ عبّاسٍ عن ذلكَ، فلمْ يرَ بهِ بأساً " (١٠)، قالَ البَيْهقيُّ: وذلكَ مَحْمولٌ على ما إذا كانَ بغيرِ شَرْطٍ. عن جابرٍ، قالَ: " كانَ لي على النبيِّ ﷺ دينٌ، فَقَضاني وزادَني " (١١)، أخرجاهُ. وعن سِماكِ بنِ حَرْبٍ عن سُوَيدِ بنِ قيسٍ، قالَ: " جَلَبْتُ أنا ومَخْرفةُ العبدِيُّ بَزّاً من هَجَرَ أو البَحرينِ، فلَمّا كُنا أتانا رسولُ اللهِ ﷺ ، فاشْتَرى مِنّا سَراويلَ، قالَ:

стр. 414

وثَمَّ وَزّانٌ يَزِنُ بالأجرِ، قالَ: فدَفعَ إليهِ الثّمنَ، وقالَ: زِنْ وأرْجِحْ " (١٢)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وصَحّحهُ الترمذِيُّ، وقدْ عُلِّلَ. اسْتَدلّوا بهذينِ عَلى أنهُ يجوزُ أنْ يدفعَ إليهِ أكثرَ ممّا اقترضَ مُتَطوِّعاً، وأصْرَحُ من هذينِ في ذلكَ حديثُ ابنِ عبّاس: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ اسْتَسلفَ مِن رجلٍ من الأنصارِ أربعينَ وِسْقاً من تَمرٍ، فأعطاهُ ثمانينَ، أربعينَ سَلَفهُ، وأربعينَ فَضْلاً " (١٣)، رواهُ الحافظُ أبو بكرٍ بن (١٤) أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزّار في مُسْندِهِ. عن أبي هُريرةَ، قالَ: " كانَ لرجلٍ على النبيِّ ﷺ سِنٌّ من الإبلِ، فجاءَ يَتقاضاهُ، فقالَ: أعطوهُ. فَطَلبوا سِنَّهُ فلمْ يَجدوا إلا سِنّاً فوقَ سِنِّهِ، فقالَ: أعطوهُ، فقالَ: أوْفَيتَني، أوفاكَ اللهُ، فقالَ النبيُّ ﷺ : إنَّ خيرَكُمْ، أحسَنُكُمْ قَضاءً " (١٥)، أخرجاهُ. قالَ الشافعيُّ: فيهِ دليلٌ على أنهُ لا بأسَ أن يَقضيَ أفْضلَ مِمّا عليهِ مُتَطوِّعاً. قلتُ: ويُؤخَذُ منهُ أنّ الحيوان مِثْليٌّ. عن أنسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ عندَ بعضِ نسائِهِ، فأرسَلَتْ إحدى أُمّهاتِ المُؤمنين معَ خادمٍ بقَصْعةٍ فيها طعامٌ، فضرَبتْ بيدِها وكَسَرت القصعة، فضمَّها وجَعَل فيها الطعامَ، وحَبَس الرّسولُ القَصْعةَ حتى فَرَغُوا، فَدَفع القصعةَ الصحيحةَ، وحَبَس المكسورةَ " (١٦)، رواه البخاري. .

стр. 415

وعنه قال: أهدَتْ بعضُ أزواج النَّبي ﷺ إليه طعاماً في قَصْعَةٍ، فَضَرَبتْ عائشةُ القصعةَ بيَدِها، فألقَتْ ما فيها، فقال النَّبي ﷺ : " طعامٌ بِطَعامٍ، وإناءٌ بإناءٍ " (١٧). رواه أحمدُ والنسائيُّ وابن ماجة والترمذي وصححه، واللفظ له. وعن عائشةَ مثلُ ذلك (١٨). رواه أحمد وأبو داود والنّسائي، وفيه: أن صَفيَّةَ كانت هي المُهدِية. فيُؤخَذ من ذلك ردُّ المِثْل الصُّوري، وهو الذي صححه النواوي، قال: فإن أخذ عن القرض عِوَضاً جاز، لأن أرفق بالمُقْرَض. ولحديث ابن عمر المتقدم: " أنه كان يَبيعُ بالدراهمِ فيأخُذُ الدنانير، ويبيعُ بالدنانيرِ فيأخُذُ الدارهمَ " (١٩).

стр. 416

١٠ - بابُ: الرَّهْن قال الله: " وإنْ كُنْتُم على سَفَرٍ ولم تَجِدُوا كاتباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ " [البقرة: ٢٨٣]. عن عائشة: " أن رسول الله ﷺ اشْتَرى من يهوديٍّ طَعاماً ورَهَنَه دِرْعاً من حديدٍ " (١)، أخرجاه. وعن أنس بن مالك قال: " رَهَنَ رسولُ الله ﷺ دِرْعَه بشَعيرٍ (٢)، رواه البخاري. وعنه: " لقد رَهَنَ رسولُ الله ﷺ دِرْعَه عند يهوديٍّ بالمدينة فأخَذَ لأهلِه منه شعيراً " (٣)، رواه أحمد والترمذي وصححه، والنسائيُّ وابن ماجة، وهذا لفظُه.

стр. 417

عن الشَّعْبيّ عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الظّهرُ يُرْكبُ بنفقَتِهِ إذا كانَ مَرْهوناً، ولبَنُ الدّرِّ يُشْرَبُ بنفقتِهِ إذا كانَ مَرْهوناً، وعلى الذي يَركبُ ويَحلبُ النَّفَقَةُ " (٤)، رواهُ البخاريُّ. ورَوى الشافعيُّ بإسنادٍ صحيحٍ على شَرطهما عن أبي هريرةَ موقوفاً أو مَرفوعاً " الرَّهْنُ مَركوبٌ ومَحلوبٌ " (٥)، وقد رَفعهُ أبو عَوانةَ عن الأعْمشِ عن أبي صالحٍ عن أبي هُريرةَ، والصّوابُ: الأوّلُ. قالَ الشافعيُّ: ومعناهُ أنّ مَنْ رَهَنَ ذاتَ دَرٍّ وظَهْرٍ لم يُمنعِ الرّاهن، من دَرّها وظَهرَها كما كانتْ قبلَ رَهْنِها، قالَ: وليسَ للمُرتهنِ من ذلكَ شيءٌ، لأنهُ لا يملكُ الرّقبةَ. قالَ مالكٌ في المُوَطَّأ عن الزُّهْريّ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا يُغْلَق الرهنُ من صاحبِهِ الذي رهَنَهُ، لهُ غُنْمهُ، وعليهِ غُرْمُهُ " (٦)، هكذا رَواهُ الشافعيُّ وأبو داودَ في المراسيلِ من حديثِ الزّهريّ عن سعيدٍ مُرْسَلاً. وهكذا رواهُ الثقاتُ عن أصحابِ الزُّهْري. وقدْ رُويَ من طُرُقٍ مَوصولاً، كلُّها ضَعيفةٌ، بعضُها في بعضِ (٧) مُسْنَدِ الشافعيّ (٨)، وسُننِ ابنِ ماجة، والدّارقُطني، وغيرِها، عن الزُّهْري عن سعيد بنِ المُسَيّبِ عن أبي هريرةَ عن النبيّ ﷺ ، والمحفوظ: المُرسَلُ كما قالهُ البيهقيُّ وغيرُهُ من الحفّاظِ، لا كما قالَ الدارقطنيُّ إنّ وصلهُ: حسَنٌ، فإنّ الأخذَ بقولِ الأكثرِ الأوثَقِ. واللهُ أعلمُ. قالَ الشافعيّ: غُنْمهُ: زياداتُه، وغُرْمهُ: هلاكُه ونقصهُ.

стр. 418

١١ - بابُ: التَّفْليسِ تَقَدّمَ حديثُ أبي سَعيدٍ: " أنّ رجلاً أُصيبَ في ثمارٍ ابتاعَها فكثُرَ دينُهُ، فتصدَّقَ الناسُ عليهِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ لغرمائِهِ: خُذوا ما وَجدْتُمْ، وليسَ لكمْ إلا ذلكَ " (١)، رواهُ مُسلمٌ. عن أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَطْلُ الغَني ظُلْمٌ، وإذا أُتبعَ أحدكُمْ على مَليءٍ فَلْيتبعْ " (٢) أخرجاهُ. وعن عَمْرو بنِ الشَّريد عن أبيهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لَيُّ الواجدِ يُحلُّ عرْضَه وعُقوبتَهُ " (٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجة، وإسْنادُهُ: حَسَنٌ. قالَ أحمدُ عن وَكيع: عِرْضُهُ: شَكْواهُ، وعقوبتُهُ: حَبْسُهُ. وهكذا قالَ الثوريُّ، وعبدُاللهِ بنُ المُبارَكِ، وغيرُهما. قالَ ابنُ جُرَيْجٍ عن عبدِ الرّحمن بنِ القاسمِ عن أبيهِ، وعن أبي الزِّنادِ عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ رَبيعةَ، وغيرِهم: " أنَّ أبا بكرٍ الصّدَيقَ، وعمرَ بنَ الخطابِ كانا يَسْتحلِفانِ المُعْسِرَ باللهِ: ما تجد (مالاً) (٤) يَقضيه من عَرَض، ولا قَرضٍ، أو قالَ: ناضٍّ، وإن وجَدتَ من حيثُ لا يَعلمهُ لتَقضينَّهُ، ثمَّ يُخَلّيانِ سبيلَهُ "، هَكذا رواهُ إسحاقُ بنُ راهوَيه عن الوَليدِ بنِ مُسلمٍ عن ابن جُرَيْجٍ.

стр. 419

قالَ مُعْمَرٌ عن الزُّهْري عن ابنِ كَعْبِ بنِ مالكٍ، قالَ: " كانَ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ شابّاً جَميلاً سَمْحاً من خيرِ شَباب قومِهِ، لا يُسْألُ شَيئاً إلا أعطاهُ حتّى ادّان دَيناً أغلَقَ مالَهُ، فكلّمَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فدَعاهُ رسولُ اللهِ ﷺ فلمْ يَبرَحْ حتى باعَ مالَهُ وقسمَهُ بين غُرَمائِهِ، فقامَ مُعاذُ لا مالَ لَهُ " (٥). هكذا رواه أحمدُ، وسعيدُ بنُ منصورٍ مُرْسَلاً، إلا أن سعيدَ بنَ منصورٍ قال في روايته: عن الزّهري عن عبدِ الرّحمن بنِ كعْبٍ بنِ مالكٍ، وكذا قالَ يونُسُ بن يَزيد عن الزُّهْري. ورَواهُ الدارقُطنيُّ من حديثِ مَعْمَرٍ عن الزُّهْريِّ عن ابنِ كَعْبِ بنِ مالكٍ عن أبيهِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حجَرَ على مُعاذ بنِ جَبَلٍ مالَهُ، وباعَهُ في دينٍ كانَ عليه ". وهذا: إسْنادٌ: جيّدٌ أيضاً، والقصّةُ صَحيحةٌ، واللهُ أعلمُ. وقالَ مالكٌ في المُوَطَّأ: عن عمرَ بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ دَلافٍ المُزنيِّ عن أبيهِ: " أنَّ عمرَ بنَ الخطّابِ قالَ: " أمّا بعدُ، أيّها الناسُ، فإنّ الأُسَيْفعَ أسَيْفعَ جُهَيْنةَ رضيَ مِن دينهِ وأمانتِهِ أنْ يُقالَ: سَبَقَ الحاجَّ، ألا وأنهُ أدّانَ مُعرِضاً فأصبحَ قدْرِينَ بهِ، فمنْ كانَ لهُ دينٌ فلْيَأتِنا بالغَداةِ فنقسمُ مالَهُ بينَ غُرَمائِهِ، ثمَّ وإياكُم والدّينَ، فإنّ أوَّلَهُ هَمٌّ، وآخرهُ: حَرْبٌ (٦). وقالَ أيوبُ السَّخْتِيانيُّ: أُنْبِئْتُ عن عمرَ بنِ الخطابِ بمثلِ ذلكَ، إلا أنهُ قالَ: " نقسمُ مالَهُ بينَهم بالحِصَصِ" (٧)، رواهُ البَيْهقيُّ. عن أبي هريرةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ : " من أدركَ مالَهُ بعينهِ عندَ رجلٍ أو إنسانٍ قد أفلسَ، فهو أحقُّ بهِ من غيرهِ " (٨) أخرجاهُ.

стр. 420

ولمسلم: عنهُ عن النبيِّ ﷺ : " في الرجلِ الذي يُعدمُ: إذا وجدَ عندَه المتاعُ ولمْ يفرقهُ أنه لصاحبه الذي بايعهُ " (٩).

стр. 421

١٢ - بابُ: الحَجْرِ قالَ اللهُ تَعالى: " وابْتَلُوا اليَتامَى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فإنْ آنَسْتُمْ منْهمْ رُشْداً فادْفَعوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ، ولا تأْكُلوهَا إسرافاً وبِدارَاً أنْ يَكْبَروا ومَنْ كانَ غَنِيَّاً فَلْيَسْتعْفِفْ، ومَنْ كانَ فَقيراً فَلْيأْكُلْ بالمَعرُوفِ، فإذا دَفَعْتُمْ إليْهمْ أمْوالَهُمْ فأشْهِدُوا عَلَيْهمْ وكَفى باللهِ حَسيباً ". فهذهِ الآيةُ الكريمةُ دَلَّتْ بمنطوقِها ومَفهُومِها على عامّةِ أحكامِ هذا البابِ، وللهِ الحمدُ، ولنذكره وما في مَعناها من السُّنّةِ. فَعن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " لَمّا نزَلَتْ: " ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتيمِ إلاّ بالّتي هِيَ أحْسَنُ "، عَزَلوا أموالَ اليَتامى حتّى جعلَ الطّعامُ يفسدُ، واللحمُ ينتنُ فذكروا ذلكَ للنبيّ ﷺ ، فنزَلتْ: " وإنْ تُخالِطوهُمْ فإخْوانُكُم واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ "، قالَ: فَخالطوهُم " (١)، رواه أحمدُ، وهذا: لَفْظُهُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ مِن روايةِ عطاءِ بنِ السّائبِ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عنهُ. وعن عائشةَ: (ومَنْ كانَ غَنِيَّاً فَلْيَسْتعْفِفْ ومنْ كانَ فَقيراً فَلْيأْكُل بالمَعروفِ "، أُنزلتْ في والي اليتيم يُقيمُ عَليهِ ويُصلحُ في مالِه، إن كانَ فقيراً أكلَ منهُ بالمعروفِ (٢) أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاري. وعن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: " أنّ رجلاً سألَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: ليسَ لي مالٌ، وليَ يتيمٌ، فقالَ: كُلْ من مالِ يتيمِك غيرَ مُسْرفٍ ولا مُبَذّرٍ، ولا مُتأَثِّلٍ

стр. 422

مالاً، من غيرِ أن تَقيَ، أو قال: تَفديَ مالَكَ بمالِهِ " (٣)، رواهُ أحمدُ، وهذا: لفْظُهُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَة. قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ: حدَّثنا أبو الأَحْوصِ عن أبي إسْحاقَ عن البَراءِ، قالَ: قالَ لي عمرُ بنُ الخطابِ: إني أنزلْتُ نفسي من مالِ اللهِ بمنزِلةِ والي اليتيمِ، إن احْتجتُ أخذتُ منهُ، فإذا أيْسرتُ رَدَدْتُه، وإن اسْتَغْنيتُ اسْتَعْففتُ " (٤)، هذا: إسنادٌ صَحيحٌ. ورَوى البيهقيُّ عن ابنِ عبّاسٍ نحوَهُ، وهو قولُ طائفةٍ من السَّلفِ، وأحدُ القَولينِ، ولكنْ صَحّحوا أنهُ إذا أكلَ للحاجةِ: أنهُ لا يَردُّ البَدَلَ، لأنّ الآيةَ والأحاديثَ دلَّتْ على الأكلِ عندَ الحاجةِ، ولمْ يُذكَرْ في شيءٍ من ذلكَ رَدُّ البدَلِ عندَ اليَسارِ، واللهُ أعلمُ. قالَ اللهُ: " حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ "، قالَ مُجاهدٌ: هوَ الحُلُم. عن عليٍّ، قالَ: حَفظْتُ من رسولِ اللهِ ﷺ : " لا يُتْمَ بعدَ احتلامٍ، ولا صُماتَ يومٍ إلى الليلِ " (٥)، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ: غَريبٍ. وقد تقدَّمَ في معناهُ حديثُ أيضاً مرفوعٌ: " رُفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن الصبيِّ حتّى يحتلمَ، وعن المَجنونِ حتّى يَفيقَ - الحديث " (٦). وكتبَ ابنُ عبّاسٍ إلى نَجْدةَ الحرورِيِّ: " وإنكَ كتبتَ تَسألُني عن اليتيمِ مَتى ينقطعُ عنهُ اسمُ اليُتْمِ؟، إنهُ لا ينقطعُ عنهُ اسمُ اليُتْمِ حتّى يبلغَ، ويُؤْنَسَ منهُ الرشدُ " (٧)، رواهُ مسلمٌ. عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قالَ: " عُرِضتُ على النبيِّ ﷺ يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أربعَ عَشرةَ،

стр. 423

فلمْ يُجزِني، وعُرِضتُ عليه يومَ الخندقِ وأنا ابنُ خَمسَ عَشرةَ فأَجازَني " (٨)، أخرجاهُ. عن عبدِ الملك بنِ عُميْرٍ عن عَطيَّةَ القُرظيِّ، قالَ: " عُرِضْتُ على النبيِّ ﷺ يومَ قُرَيْظةَ فشَكّوا فيَّ، فأمرَ النبيُّ ﷺ أن (٩) ينظروا إليَّ هلْ أنْبتُّ بعدُ، فنظَروا فلمْ يَجدوني أنْبتُ، فَخُلِّيَ عنّي، وألحقَني بالسّبي " (١٠)، رواهُ أحمدُ، وهذا لَفْظُهُ، وأهلُ السُّننِ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ صَحيحٌ. وفي لفظٍ لأحمدَ: " عُرِضْنا على رسولِ اللهِ ﷺ يومَ قُرَيْظةَ، فكانَ مَنْ أنبتَ قُتِلَ، ومَنْ لمْ يُنبتْ (١١) فخلّيَ سَبيلي ". قلتُ: وذلكَ أن رسولَ اللهِ ﷺ كانَ قدْ حكَّم فيهم سعدَ بنُ مُعاذٍ، فحكمَ بقتلِ مُقاتلتهم، وسَبْي ذَراريهمْ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : لقدْ حَكمْتَ بحكمِ اللهِ. . الحديث " (١٢)، اخرجاهُ في الصّحيحين كما سيأتي في بابهِ إن شاءَ الله. قالتْ عائشةُ: " إذا احتلَمتِ الجاريةُ فَعليها ما على أُمّهاتِها من السِّتر " (١٣)، رواهُ البيهقيُّ. ورُويَ عن أُمِّ سَلَمةَ: " إذا حاضَتِ الجاريةُ، وجَبَ عليْها ما يجبُ على أُمّهاتِها، تقولُ: من السِّتْر " (١٤). عن عائشةَ، قالَ ﵇: " لا يَقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلا بخِمارٍ " (١٥)، رواهُ

стр. 424

أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حَسَنٌ. قالَ تَعالى: " فإنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدَاً "، قالَ عليّ بنُ أبي طَلْحَة عن ابنِ عبّاسٍ: " يقولُ تَعالى: اخْتَبِروا اليَتامى عندَ الحُلُمِ، فإنْ عَرفْتمْ منْهمْ الرُّشْدَ في حالِهمْ، والإصلاحَ في أموالِهم، فادفعوا إليهمْ أموالَهُم، وأَشهِدوا عَليْهم " (١٦). تقدّمَ حديثُ أنَسٍ في الرجلِ الذي كانَ يُخْدَعُ في البيوعِ، فأتى أهلُهُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فسألوهُ أن يَحْجرَ عليهِ " (١٧). اسْتُدلَّ بهِ على الحَجْر بالسَّفَهِ، واحْتجَّ الشافعيُّ على ذلكَ بما رواهُ من حديثِ أبي يوسفَ القاضي عن هشامِ بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ، قالَ: " ابتاعَ عبدُالله بنُ جَعفرٍ بيعاً، فقالَ عليٌّ: لآتينَّ عثمانَ فلأَحْجُرَنَّ عليكَ، وأعلمَ ابنُ جَعفرٍ الزُّبيرَ، فقال: أنا شريكُكَ في بيعكَ، فأتى عليٌّ عثمانَ، فقالَ: احْجرْ على هذا، فقالَ الزُّبيرُ: أنا شريكُهُ، فقالَ عثمانُ: أحجرُ على رجُلٍ شَريكُهُ الزّبيرُ؟ " (١٨). رواهُ البيهقيُّ من وجهٍ آخرَ عن هشام بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ بنحوهِ،: أنَّ عبدَ الله بنَ جَعفرٍ اشْتَرى أرْضاً بستّمائةِ ألفِ دِرْهمٍ ".

стр. 425

١٣ - بابُ: الصُّلْحِ قالَ اللهُ (تعالى): " والصُّلْحُ خَيْرٌ ". عن أبي هريرةَ، قالَ ﵇: " الصُّلْحُ جائزٌ بينَ المسلمين، إلا صُلْحاً أحلَّ حراماً، أو حرَّمَ حلالاً، والمسلمونَ على شُروطهم " (١)، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حَسنٍ. وعن كثيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو بنِ عَوْفٍ المُزَنيّ عن أبيهِ عن جدّهِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " الصُّلْحُ جائزٌ بينَ المسلمين - وذكرهُ " (٢)، رواهُ ابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صَحيحٌ، وقد نوقِشَ في تصحيحهِ هذا الحديثُ وما شاكَلَهُ من الأحاديثِ الضِّعافِ، فإنّ كثيراً في هذا كذّبَهُ الشافعيّ، وتركَهُ أحمدُ، وغيرُ واحدٍ من الأئمةِ. وقد تقدَّمَ النَّهيُ عن بيعِ الغَرَرِ، والصّلْحُ نوعٌ من أنواعِ البيعِ، وكذا حديثُ النَّهي عن بيعِ الكاليءِ بالكاليءِ، فيُؤْخَذُ منهُ أنهُ لا يجوزُ الصّلْحُ بينَ دينٍ على دينٍ إلا أن يُقْبضَ في المجلسِ. عن كَعْبِ بنِ مالكٍ: " أنهُ تقاضى ابنَ أبي حَدْرَدٍ ديناً لهُ عليهِ في المسجدِ، فارتفَعتْ أصواتُهما حتى سمعَها رسولُ اللهِ ﷺ في بيتِهِ، فخرجَ إليما فقالَ: يا كَعْبُ: ضَعْ من دينهِ هذا، وأشارَ إليهِ أيْ الشَّطرَ، قالَ: قد فعلتُ يا رسولَ اللهِ، قالَ: فقمْ، فاقْضهِ " (٣)، أخرجاهُ. ففيه دلالةُ الصّحيحِ من الوجهينِ أنهُ إذا صالحَ من ألْفٍ على خَمْسمائةٍ أنهُ يصحُّ.

стр. 426

عن أبي هُريرةَ، قال ﵇: " إذا اخْتلفْتُم في الطريقِ، فاجعلوهُ سبعةَ أذرُعٍ " (٤) أخرجاهُ. عن لُؤلُؤةَ عن أبي صِرْمةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " من ضَارَّ أضرَّ الله بهِ، ومن شاقَّ شقَّ اللهُ عليهِ " (٥)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسَنٌ غَريبٌ. وعن عُبادَة بنِ الصّامتِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قَضى أنْ لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ " (٦) رواهُ ابنُ ماجة، وفي إسْنادِهِ: انْقطاعٌ، ولكن رُويَ من حديثِ ابن عبّاسٍ، وأبي سعيدٍ، وهو حديثٌ مشهورٌ، واللهُ أعلمُ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ ﵇: " لا يمنعُ أحدُكُمْ جارَهُ أن يضعَ خَشَبةً على جدارِهِ، ثُمّ يقولُ أبو هريرةَ: مالي أراكمْ عنها مُعْرِضينَ، واللهِ لأرمينَّ بها بينَ أكتافِكُمْ " (٧)، أخرجاهُ. وهذا حُجّةُ القولِ القديمِ، واحْتجوا للجديدِ بعمومِ قولِهِ ﵇ في حِجّةِ الوَداعِ: " إنّ دِماءَكُمْ، وأموالَكُمْ وأعراضَكُمْ عليْكُم حَرامٌ كَحرمةِ يومِكُم هذا، وفي شهرِكمْ هذا، في بلدِكُمْ هذا " (٨)، ولحديثِ أنسٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لا يحلُّ مالُ مُسلمٍ إلا بطيبِ نفسِهِ " (٩)، رواهُ ابنُ ماجة. وقد رُويَ من حديثِ ابنِ عبّاسٍ مرفوعاً بإسنادٍ جيّدٍ، ومن حديثِ غيرهِ. عن سَمُرةَ بنِ جُنْدُبٍ، قالَ: " كانتْ لي عَضدٌ من نخلٍ في حائطِ رجلٍ من

стр. 427

الأنصارِ، قالَ: ومعَ الرَّجلِ أهلُهُ، فكانَ سمرةُ يدخلُ إلى نخلِهِ فيَتأذّى بهِ ويَشقُّ عليهِ، فطَلبَ إليهِ إنْ يُناقِلَهُ، فأبى، فأتى النبيَّ ﷺ ، وطلبَ إليهِ النبيُّ ﷺ أن يبيعَهُ، فأبى، فطَلبَ إليهِ أن يُناقلَهُ فأبى، فقالَ النبيُّ ﷺ للأنصاريِّ: إذهبْ فاقطعْ نخلَهُ " (١٠)، هكذا رواهُ أبو داود بإسنادٍ حَسَنٍ. فيُؤْخَذُ منهُ أنَّ مَنْ حَصَلتْ أغصانُ شجرهِ في هواءِ غيرِهِ، وطولبَ بإزالتِهِ، أنّها تُقْطعُ إن لم يمكن لها. قالَ البخاريُّ: بابُ إذا هدَمَ حائطاً فلْيبنِ مثلَهُ، ثمَّ ساقَ فيهِ حديثَ أبي هريرةَ في قصّةِ جُرَيْجٍ الرّاهبِ لما اتّهموهُ بتلكَ المرأةِ، فهدَموا صَوْمَعَتَهُ، ثمّ ظَهَرتْ بَراءَتُهُ، فقالوا لهُ: نَبْني صَوْمعتَك من ذَهبٍ، فقالَ: لا، إلا مِن طينٍ " (١١).

стр. 428

١٤ - بابُ: الحِوالةِ عن أبي هريرةَ، أنهُ ﵇ قالَ: " مَطْلُ الغَنيِّ ظُلْمٌ، وإذا أُتبعَ أحدُكُم على مَليءٍ فَلْيَتْبعْ " (١)، أخرجاهُ. وقدْ رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ، وابنُ ماجة عن ابنِ عمرَ (٢) مرفوعاً: مثلهُ، وإسنادُهُ: على شَرطِ الصّحيحين، واللهُ أعلمُ. يُسْتدَلُّ بهِ على أنهُ لا يفتقرُ إلى رِضى المُحالِ عليهِ، وفي عُمومِهِ دليلٌ على صحّةِ الحَوالةِ على مَنْ لا دينَ عليهِ برضاهُ "، وهذا أحدُ الوَجهين، واللهُ تعالى أعلمُ.

стр. 429

١٥ - بابُ: الضَّمان قالَ اللهُ تعالى: " قالُوا نفْقِدُ صُواعَ الملكِ وَلمنْ جاءَ بهِ حِمْلُ بَعيرٍ وأنا بهِ زَعيمٌ ". عن إسماعيل بنِ عَيّاشٍ عن شُرَحْبيل بنِ مُسلمٍ عن أبي أُمامَةَ الباهِليّ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " الدَّينُ مَقْضيٌّ، والزَّعيمُ غارِمٌ " (١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حَسَنٌ. قلتُ: هذا من أصحّ أحاديثِ إسماعيلَ بنِ عيّاشٍ لأنّ شيخَهُ في هذا: شاميٌّ، وهو حُجّةٌ إذا رَوى عن الشاميين عندَ الجمهور. عن جابر، قالَ: " تُوفّيَ رجلٌ فَغسلْناهُ وكفّناهُ، ثمَّ أتينا بهِ النبيَّ ﷺ ، فقلنا: تُصلّي عليهِ، فخَطا خطوةً، ثم قالَ: أعليهِ دينٌ؟ قلنا: ديناران، فانصرف، فقالَ أبو قَتادةَ: الديناران عليَّ، فقالَ النبيُّ ﷺ : قد أوفى اللهُ حقَّ الغَريم، وبَريءَ منهُ الميّتُ؟، قالَ: نَعم، فصلّى عليه، ثمّ قالَ بعدَ ذلك بِيومٍ: ما فعلَ الديناران؟، قالَ: إنّما ماتَ أمسِ، قالَ: فعادَ إليه من الغَدِ، فقالَ: قد قَضَيتُهما، فقالَ الآنَ برَّدْتَ عليهِ جِلْدَهُ " (٢)، هكذا رواهُ أحمدُ من حديثِ عبد الله بن محمدِ بنِ عَقيلٍ عنهُ. وقد رواهُ أبو داودَ، والنَّسائيُّ من حديثِ الزّهْريّ عن أبي سَلَمةَ عن جابرٍ مُخْتصراً بنحوِهِ. وقد استدَلّ البيهقيُّ بهذا الحديثِ على أنّ للمضمونِ لهُ مطالبةُ الضّامنِ والمضمونِ عنهُ حيثُ قالَ: الآنَ برَّدتَ جلْدَهُ، فدَلَّ على أنهُ لا يَبرأُ بمجرّدِ الضَّمانِ، وبقولِهِ: " والميّتُ منهما بَريءٌ " أي أنهُ لا يَنوي الرّجوعَ، وكذا قالَ أبو البَركاتِ الحرّاني.

стр. 430

فأمَّا إن نَوى الرجوعَ، فقدْ استدَلَّ البيهقيُّ على ذلكَ بما رواهُ من حديثِ الفَضلِ بنِ العبّاسِ في حديثِهِ الطويلِ: أنَّ رجلاً قالَ: يا رسولَ اللهِ: إن لي عندَكَ ثلاثةَ دراهمُ، فقالَ: فيمَ كانتْ لكَ عِنْدِي؟، قالَ: أما تذكرُ أنهُ مرّ بكَ سائلٌ فأمرتَني فأَعْطيتُه ثلاثةَ دَراهمَ؟، قالَ: أعطهِ يا فَضْلُ " (٣). قالَ البخاريُّ: وقالَ اللَّيْثُ: حدَّثني جعفرُ بنُ رَبيعةَ عن الأعرجِ عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ : أنهُ ذكَرَ أن رجلاً من بني إسرائيلَ سألَ بعضَ بني إسرائيلَ أن يُسلفَهُ ألفَ دينارِ، قالَ: ائتني بالشّهودِ أُشهدُهُمْ عليكَ، قالَ كَفى باللهِ شَهيداً، قالَ: فائْتِني بِكفيلٍ، قالَ: كَفى باللهِ كفيلاً، فدَفَعها إليه، وذكرَ القصةَ بطولِها " (٤) ذكرهُ البخاريُّ هكذا في صحيحِهِ في سَبعةِ مَواضعَ، وقدْ قيلَ: إنهُ رواهُ في بعضِها عن عبدِ الله بنِ صالحٍ عن اللَّيْثِ. وهكذا رواهُ أحمدُ في مُسْنَدِهِ عنهُ، وعن يونُسَ بنِ محمدٍ المؤدّب كلاهما عن اللَّيْثِ. ورواهُ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ في مُسْتخرجهِ على صحيحِ البخاريّ عن أبي بكرٍ المَرْوَزيّ عن عاصمِ بنِ عليٍّ عن اللَّيْثِ. وهذا الحديثُ أصلٌ في مشروعيةِ الكفالةِ لأنهُ حُكِيَ مُقرَّراً عن شَرعِ من قبلَنا، ولمْ يثبتْ نسخُهُ، فهو حُجّةٌ عندَ الجُمهورِ. ثمَّ ذكرَ البخاريُّ في الترجمةِ بلا إسنادٍ عن ابنِ مَسعودٍ أنهُ لما قتلَ ابنَ النّواحةِ استشارَ في بقيّةِ أصحابِهِ، فقال عَدِيُّ بنُ حاتم: ثُؤلول كفرٍ قدْ أظهرَ رأسَه فاحسمهُ، وقالَ جريرٌ والأشعثُ بنُ قيسٍ: استَتبْهم وكَفِّلْهُمْ عَشائرَهُم، ففعَلَ " (٥)، وقد رَواهُ

стр. 431

البيهقيُّ بسندِهِ عن أبي إسحاق عن حارثة بن مُضَرِّبٍ عن ابنِ مسعودٍ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا كَفالةَ في حدٍّ " (٦)، رواهُ ابنُ عدِيّ، والبيهقيُّ في حديثٍ عن عمرَ بنِ أبي عمرَ الدِّمَشْقيّ، وهو من المجاهيلِ الذينَ لا يُحتجُّ بهم، عن عَمرو بنِ شُعيبٍ. فذكرَهُ.

стр. 432

١٦ - بابُ: الشّرِكَةِ عن أبي هريرةَ رفَعهُ: " قالَ: إن اللهَ يقولُ: أنا ثالثُ الشَّريكينِ، ما لمْ يخُنْ أحدُهما صاحبَهُ، فإذا خانَ خرجتُ من بينهما " (١)، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ جيدٍ. عن السّائبِ بنِ أبي السّائبِ: " أنهُ كانَ يُشارِكُ النبيَّ ﷺ قبلَ الإسلامِ في التجارةِ، فلمّا كانَ يومَ الفتحِ جاءَهُ، فقالَ: مَرْحباً بأخي وَشريكي، كانَ لا يُداري، ولا يُماري - الحديث " (٢)، رواهُ أحمدُ، بهذا اللفظِ. وعندَ أبي داودَ، وابنِ ماجة: أنَّ السائبَ هو القائلُ لرسولِ اللهِ ﷺ ذلكَ عن أبي موسى، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إن الأشعريين إذا أرمَلوا في الغَزْوِ أو قلَّ طعامُهم عليهم بالمدينةِ جَمعوا ما كانَ عندَهُم في الثوبِ الواحدِ ثم اقْتسموا بينَهم في إناءٍ واحدٍ بالسّوية، فهم منّي وأنا مِنهم " (٣)، أخرجاهُ. يُؤْخَذُ منهُ صحّةُ الشّركةِ في غير الأثمان، وهو وَجهٌ حكاهُ المصنّفُ، وجوازُ ما يفعلُهُ كثيرٌ من المسافرين، وهي مسألةُ الهبةِ، واللهُ أعلمُ بالصوابِ.

стр. 433

١٧ - بابُ: الوكالةِ عن أبي موسى الأشْعَريِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الخازنُ الأمينُ الذي يُنفّذُ ما أُمرَ به كاملاً مُوَفّراً طيبةً به نفسُهُ حتّى يدفعَهُ إلى الذي أُمرَ لهُ بهِ، أحدُ المُتصدّقين " (١)، أخرجاهُ. وعن جابرٍ، قالَ: " أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقلتُ: إني أُريدُ الخروجَ إلى خيبرَ، فقالَ: إذا أتيتَ وكيلي فخُذْ منهُ خَمْسةَ عَشرَ وِسْقاً، فإن ابتغى منكَ آيةً، فضعْ يدَكَ على تَرْقوتِهِ " (٢)، رواهُ أبو داودَ. وعلّقَ البخاريُّ عن أبي هريرةَ، قالَ: " وَكَّلني رسولُ اللهِ ﷺ بحفظِ زكاةِ رمضانَ - الحديث " (٣). ففي ذلكَ دلالةٌ عن مشروعيةِ التوكيلِ في الجُمْلةِ، معَ الإجماعِ على ذلكَ. عن أنسٍ، قالَ: " عَمدَتْ أُمّ سُلَيْمٍ إلى أقراصِ شعيرٍ فَجَعَلتهنَّ في خِرقةٍ ورَدّتني ببعضِها، وبَعَثتْني إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو في أصحابِه، فقالَ: أرسلكَ أبو طَلْحةَ؟، فقلتُ: نَعمْ، فقالَ لأصحابِهِ: قوموا فانْطَلَقوا، وتلَقّاهُمْ أبو طَلْحة (٤)، وذكرَ تمامَ الحديث في تكثيرهِ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ الطّعامَ اليسيرَ يومئذٍ حتّى كفى الجمعَ الغَفيرَ "، فيُؤْخذُ منهُ توكيلُ الصّبيّ في الإذنِ في دخُولِ الدارِ، وحملِ الهَديّةِ.

стр. 434

قد وكّلَ رسولُ اللهِ ﷺ عمرَو بنَ أُمَيّةَ الضَمْري في تزويجِ أمّ حَبيبةَ من الحبشةِ، ووكَّلَ أبا رافعٍ في تزويجِ مَيْمونةَ، ووكَّلَ عَليّاً في نحرِ بُدْنِهِ وتفْرِقتِها، ووكَّل أبا رافعٍ في قضاءِ البَكْرِ الذي كانَ عليهِ، ووكَّلَ بلالاً في قضاءِ دينهِ، ووكَّلَ عليّاً في ردِّ الوَدائِع عامَ الهجرةِ، وقالَ: " اغدُ يا أُنَيْسُ إلى امرأةِ هذا، فإنْ اعتَرفتْ فارْجُمْها " (٥)، ووكَّلَ أبا هريرةَ في حِفْظِ زكاةِ رَمضانَ. وقالَ محمدُ بنُ إسحاقَ عن جَهْمِ بنِ أبي الجَهْمِ عن عبدِ اللهِ بن جعفرٍ، قالَ: " كانَ عليٌّ يكرهُ الخُصومة، وكانَ إذا كانتْ لهُ خصومةٌ وكَّلَ فيها عقيلاً، فلما كبرَ عَقيلٌ وكّلني ". عن معْنِ بنِ يَزيدَ، قالَ: " كان أبي خَرجَ بدنانيرَ يتصدّقُ بها، فوضَعَها عندَ رجلٍ بالمسجدِ، فجئتُ فأخذْتُها، فأتيتُهُ بها، فقالَ: واللهِ: ما إياكَ أردتُ بها، فخَاصَمهُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: لكَ ما نَويْتَ يا يَزيدُ، ولكَ يا معْنُ ما أخذتَ " (٦) رواهُ البخاريُّ. فدلَّ على صحةِ الوَكالةِ في أداءِ الزّكاةِ. تقدّمَ حديثُ: " حُجَّ عن أبيكَ واعتمرْ "، وقالَ أحمدُ: حدَّثَنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ عن شَبيبِ بنِ غَرْقدةَ: أنهُ سمعَ الحَيَّ يخبرون عن عُرْوة، هو ابن أبي الجَعْدِ البارقيِّ " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعثَ معهُ بدينارٍ ليشتريَ لهُ أُضْحيةً، وقالَ مرّةً: شاةً، فاشترى لهُ اثنتين، فباعَ واحدةً بدينار، وأتاهُ بالأخرى، فدَعا لهُ بالبرَكةِ في بيعِهِ، فكانَ لو اشترى الترابَ لربحَ فيهِ " (٧). وأخرجهُ أبو داودَ، وابنُ ماجة في سُنَنِهما من حديثِ سفيانَ إلا أنَّ ابنُ ماجة قالَ: " عن شبيبٍ عن عُرْوةَ نفسِهِ، وقد صحَّ سماعُهُ منهُ لأنّ البخاريَّ رَوى لهُ عنهُ: أنّ رسولَ

стр. 435

اللهِ ﷺ قالَ: " الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ "، ثمَّ أتبعَهُ بهذا الحديثِ، وقالَ: عن شَبيبٍ عن الحيّ عن عُرْوة، وهذا هو المحفوظُ. وقد رواهُ أبو داودَ، أيضاً، والترمذيُّ، وابنُ ماجة من حديثِ الزُّبيرِ بنِ الخِرِّيتِ عن أبي لَبيدٍ لِمازَةَ بنِ زَبّارٍ عن عُرْوةَ بنِ أبي الجَعْدِ: فذكَرَهُ، وهذا سَندٌ جيّدٌ إلا أنّ الشافعيَّ قالَ: هذا الحديثُ ليسَ بثابتٍ، قالَ البيهقيُّ: لما في سَندِهِ من الاضْطرابِ. قلتُ: ورَواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ من حَديثِ حَكيمِ بنِ حِزامٍ (٨)، وفي سَنَدِه انقطاعٌ.

стр. 436

١٨ - بابُ: الوَديعةِ قال الله تَعالى: " إنّ اللهَ يأمرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهلِها ". وقالَ ﵇: " آيةُ المنافقِ ثَلاثٌ، إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا وعدَ أخلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ " (١)، رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو. وعنهُ قالَ: قالَ ﵇: " من أُودعَ وديعةً فلا ضَمانَ عليهِ " (٢)، رواهُ ابنُ ماجة، وهو: حديثٌ ضَعيفٌ لأنهُ من روايةِ أيوبَ بنِ يزيد (١) عن المُثَنّى بنِ الصّباحِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ، وأيّوبُ، وشيخُهُ المُثَنّى: ضَعيفان. وهذا الحكمُ مُتفقٌ عليهِ، لا نَعلمُ فيهِ نزاعاً إلا ما رواهُ ابنُ حَزْمٍ الظّاهريُّ عن عمرَ " أنّهُ ضَمّنَ الوَديعةَ (٣)، وقال: هذا: صحيحٌ عنهُ ". قلتُ: وهذا محمولٌ عندَنا على ما إذا تعمّدَ المودعُ إتلافَها، فإنهُ يَضمنُ قيمتَها بالإجماعِ ". ويُقوّي ذلكَ ما رواهُ الدارَقُطنيُّ عن عَمْرِو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " ليسَ على المُسْتَودِعِ غَيرِ المُغلِّ ضَمانٌ " (٤)، إلا أنهُ من روايةِ عمْرِو بنِ عبدِ الجبّارِ عن عَبيدةَ بنِ حَسّانَ، وكلاهُما: ضَعيفٌ.

стр. 437

١٩ - بابُ: العاريَةِ قال اللهُ تعالى: " وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ وَالتَّقْوَى ". وقالَ تَعالى: " فَوَيْلٌ لِلمُصَلّينَ. الّذينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهونَ. الّذينَ هُمْ يُراؤونَ وَيَمْنَعُونَ المَاعونَ ". قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ: " كُنّا نَعُدُّ الماعونَ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ عاريةَ الدَّلْوِ، والقِدْرِ " (١)، رواهُ أبو داود بإسْنادٍ: صَحيحٍ. عن أنسٍ، قالَ: " كانَ فَزَعٌ بالمدينةِ، فاستعارَ النبيُّ ﷺ فَرَساً لأبي طَلْحةَ، يُقالُ لهُ المندوبُ فركبَهُ، فلما رجعَ قالَ: ما رأيْنا من شيءٍ، وإنْ وَجَدناهُ لَبَحْراً " (٢) أخرجاهُ. قالَ أبو داودَ الطَّيالسِيُّ في مُسْندِهِ: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيّاشٍ حدَّثنا شُرَحْبيلُ بنُ مُسلمٍ: أنهُ سمعَ أبا أُمامَةَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ (يقولُ) (٣): " العارِيَةُ مُؤَدّاةٌ، والمِنْحةُ مَردودةٌ، والدَّينُ مَقْضيٌّ، والزَّعيمُ غارِمٌ " (٤)، ورواهُ أحمدُ، أبو داودَ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسَنٌ. عن قَتادَةَ عن الحسنِ عن سَمُرةَ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " على اليدِ ما أخذَتْ حتّى تُؤدّيَه، قالَ قَتادةُ: ثُمَّ نَسيَ الحسَنُ، فقالَ: لا يَضْمنُ " (٥)، هكذا رواهُ أحمدُ وأخرجه

стр. 438

أهلُ السُّننِ، وقالَ الترمذيُّ: حَسَنٌ. قلتُ: ونسيانُ الحَسنِ لا يضرُّ الحديثَ عندَنَا، لأنّ الاعتبارَ بروايتهِ الأولى ل برأيهِ، واللهُ أعلمُ. عن صَفْوانَ بنِ أُميّة " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ استعارَ منهُ أدرعاً، فقالَ: أغَصْباً يا محمدُ؟ قالَ: بلْ عاريةٌ مضمونةٌ، قالَ: فضاعَ بعضُها، فعرضَ عليهِ رسولُ الله ﷺ أن يَضمنها لهُ، فقالَ: أنا اليومَ يا رسولَ اللهِ في الإسلامِ أرغبُ " (٦)، رواهُ أحمدُ، وهذا لفظُه، لأبي داودَ، والنّسائي إلى قولِه: " مضمونة "، ولهُ طرقٌ من وجوهٍ يشدُّ بعضُها بعضاً، وقَد رُويَمن حديثِ جابرٍ، وابن عبّاسٍ، وهو من الأحاديثِ المشهوراتِ الحِسانِ.

стр. 439

٢٠ - بابُ: الغَصْبِ عن عبد اللهِ بنِ عمرَ ﵄، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الظّلْمُ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ " (١)، أخرجاهُ. عن أبي بكْرٍ ﵁، قالَ: " خَطبنا رسولُ اللهِ ﷺ يومَ النحرِ، فقالَ: إنّ دماءَكُمْ، وأموالَكُمْ، وأعراضَكُمْ عليكمْ حَرامٌ كَحرمةِ يومِكمْ هذا، في شهرِكمْ هذا، في بلدِكُمْ هذا. إلى يومِ تلقونَ ربّكُمْ. . الحديث " (٢)، أخرجاهُ، ولهُ طرقٌ متواترةٌ. عن العلاءِ بنِ عبدِ الرّحمنِ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لَتُؤَدُّن الحقوقَ إلى أهلِها، حتى يُقادَ للشاةِ الجلحاء من الشاةِ القَرناءِ " (٣) رواهُ مُسلمٌ. عن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ ظَلَمَ قيدَ شِبْرٍ، طوّقَهُ من سَبعِ أرضين " (٤)، أخرجاهُ. عن السّائبِ بنِ يزيدَ عن أبيهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يَأْخذَنَّ أحدُكُمْ مَتاعَ أخيهِ جادّاً، ولا لاعباً، وإذا أخذَ أحدُكُمْ عَصا أخيهِ، فلْيَرُدّها عليه " (٥)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حَسنٌ غريبٌ. تقدَّمَ حديثُ الحسنِ عن سَمُرَةَ: " على اليدِ ما أخذَتْ حتّى تُؤَدّيهِ " (٦)، وفيهِ دلالةٌ

стр. 440

على أنهُ يجبُ ردُّ المَغصوبِ نفسِهِ ما دامَ باقياً، فإنْ لمْ يكُنْ باقياً فَيُردّ مثلُهُ، لحديثِ أنسٍ في القرض: " أنهُ ﵇ رَدَّ القَصْعةَ مكانَ القَصْعةِ " (٧)، فإن تعذَّرَ ذلكَ كلّهُ فبالقيمةِ للضرورةِ. عن سَلَمةَ بنِ المُحبِّقِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَضى في رجلٍ وقعَ على جاريةِ امرأتِهِ، إن كانَ استَكرَهَها فهيَ حرّةٌ عليهِ لسيّدتِها مِثلُها، وإن كانتْ طاوَعَتهُ، فهيَ لهُ، وعليهِ لسيّدتِها مِثلها " (٨)، رواه أحمدُ وأبو داودَ، وهذا لَفْظُهُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجة، وفي إسْنادِهِ مَقالٌ: وهو حديثٌ مُشكلٌ جِدّاً، لا أعلمُ أحداً من الأئِمّةِ المشهورين قالَ بِمُقْتضاهُ، إلاَّ أنّ فيهِ دلالةٌ على أنّ من أفسدَ شيئاً وخيفَ عليهِ الفَسادُ، أنهُ يَلزَمُهُ رَدُّ مثلِه حيثُ جُعلَ فيما إذا طاوَعَتْهُ على الزّنا رَدُّ مِثلِها، وما ذاكَ إلا لأنهُ خَبَّثَها على سيّدتِها، وأحدَثَ فيها صفةَ عيبٍ يُرَدُّ بمثلها المَبيعُ، والله أعلمُ. عن سَعيدِ بنِ زَيْدٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " من أحيا أرضاً مَيْتةً، فهيَ لَهُ، وليسَ لعِرْقِ ظالمٍ حقٌّ " (٩)، رواهُ أبو داودَ، بإسنادٍ على شَرطِ الشَّيخين. ورواهُ عن عبدِ اللهِ بنِ الزّبيرِ أيضاً، وفيهِ دلالةٌ على أنّ الغاصبَ إذا أحدثَ فِعْلاً زادتْ بهِ قيمةُ المغصوبِ أنه لا يَستحقُّ شيئاً على ذلكَ، لأنهُ ظالمٌ في فعلِهِ ذاكَ. عن الحَسنِ عن سَمُرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " من وجدَ عينَ مالِهِ عندَ رجلٍ، فهوَ أحقُّ بهِ، ويتبعُ البيّعُ من بَاعَهُ " (١٠)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجَة، ولفْظُهُ: " إذا سُرقَ من الرّجلِ مَتاعٌ أوْ ضاعَ منهُ، فوجدَهُ بيدِ رجُلٍ بِعينِهِ، فهوَ أحقُّ بهِ، ويَرجعُ المُشتري على البائعِ بالثّمنِ ". تقدّمَ " أمرُهُ ﵇ بإهراقِ الخَمرِ " عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :
следующие страницы →