← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 436–475 · переход к 441.

стр. 436

١٨ - بابُ: الوَديعةِ قال الله تَعالى: " إنّ اللهَ يأمرُكُمْ أنْ تُؤَدّوا الأماناتِ إلى أهلِها ". وقالَ ﵇: " آيةُ المنافقِ ثَلاثٌ، إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا وعدَ أخلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ " (١)، رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو. وعنهُ قالَ: قالَ ﵇: " من أُودعَ وديعةً فلا ضَمانَ عليهِ " (٢)، رواهُ ابنُ ماجة، وهو: حديثٌ ضَعيفٌ لأنهُ من روايةِ أيوبَ بنِ يزيد (١) عن المُثَنّى بنِ الصّباحِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ، وأيّوبُ، وشيخُهُ المُثَنّى: ضَعيفان. وهذا الحكمُ مُتفقٌ عليهِ، لا نَعلمُ فيهِ نزاعاً إلا ما رواهُ ابنُ حَزْمٍ الظّاهريُّ عن عمرَ " أنّهُ ضَمّنَ الوَديعةَ (٣)، وقال: هذا: صحيحٌ عنهُ ". قلتُ: وهذا محمولٌ عندَنا على ما إذا تعمّدَ المودعُ إتلافَها، فإنهُ يَضمنُ قيمتَها بالإجماعِ ". ويُقوّي ذلكَ ما رواهُ الدارَقُطنيُّ عن عَمْرِو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " ليسَ على المُسْتَودِعِ غَيرِ المُغلِّ ضَمانٌ " (٤)، إلا أنهُ من روايةِ عمْرِو بنِ عبدِ الجبّارِ عن عَبيدةَ بنِ حَسّانَ، وكلاهُما: ضَعيفٌ.

стр. 437

١٩ - بابُ: العاريَةِ قال اللهُ تعالى: " وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ وَالتَّقْوَى ". وقالَ تَعالى: " فَوَيْلٌ لِلمُصَلّينَ. الّذينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهونَ. الّذينَ هُمْ يُراؤونَ وَيَمْنَعُونَ المَاعونَ ". قالَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ: " كُنّا نَعُدُّ الماعونَ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ عاريةَ الدَّلْوِ، والقِدْرِ " (١)، رواهُ أبو داود بإسْنادٍ: صَحيحٍ. عن أنسٍ، قالَ: " كانَ فَزَعٌ بالمدينةِ، فاستعارَ النبيُّ ﷺ فَرَساً لأبي طَلْحةَ، يُقالُ لهُ المندوبُ فركبَهُ، فلما رجعَ قالَ: ما رأيْنا من شيءٍ، وإنْ وَجَدناهُ لَبَحْراً " (٢) أخرجاهُ. قالَ أبو داودَ الطَّيالسِيُّ في مُسْندِهِ: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيّاشٍ حدَّثنا شُرَحْبيلُ بنُ مُسلمٍ: أنهُ سمعَ أبا أُمامَةَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ (يقولُ) (٣): " العارِيَةُ مُؤَدّاةٌ، والمِنْحةُ مَردودةٌ، والدَّينُ مَقْضيٌّ، والزَّعيمُ غارِمٌ " (٤)، ورواهُ أحمدُ، أبو داودَ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسَنٌ. عن قَتادَةَ عن الحسنِ عن سَمُرةَ أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " على اليدِ ما أخذَتْ حتّى تُؤدّيَه، قالَ قَتادةُ: ثُمَّ نَسيَ الحسَنُ، فقالَ: لا يَضْمنُ " (٥)، هكذا رواهُ أحمدُ وأخرجه

стр. 438

أهلُ السُّننِ، وقالَ الترمذيُّ: حَسَنٌ. قلتُ: ونسيانُ الحَسنِ لا يضرُّ الحديثَ عندَنَا، لأنّ الاعتبارَ بروايتهِ الأولى ل برأيهِ، واللهُ أعلمُ. عن صَفْوانَ بنِ أُميّة " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ استعارَ منهُ أدرعاً، فقالَ: أغَصْباً يا محمدُ؟ قالَ: بلْ عاريةٌ مضمونةٌ، قالَ: فضاعَ بعضُها، فعرضَ عليهِ رسولُ الله ﷺ أن يَضمنها لهُ، فقالَ: أنا اليومَ يا رسولَ اللهِ في الإسلامِ أرغبُ " (٦)، رواهُ أحمدُ، وهذا لفظُه، لأبي داودَ، والنّسائي إلى قولِه: " مضمونة "، ولهُ طرقٌ من وجوهٍ يشدُّ بعضُها بعضاً، وقَد رُويَمن حديثِ جابرٍ، وابن عبّاسٍ، وهو من الأحاديثِ المشهوراتِ الحِسانِ.

стр. 439

٢٠ - بابُ: الغَصْبِ عن عبد اللهِ بنِ عمرَ ﵄، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الظّلْمُ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ " (١)، أخرجاهُ. عن أبي بكْرٍ ﵁، قالَ: " خَطبنا رسولُ اللهِ ﷺ يومَ النحرِ، فقالَ: إنّ دماءَكُمْ، وأموالَكُمْ، وأعراضَكُمْ عليكمْ حَرامٌ كَحرمةِ يومِكمْ هذا، في شهرِكمْ هذا، في بلدِكُمْ هذا. إلى يومِ تلقونَ ربّكُمْ. . الحديث " (٢)، أخرجاهُ، ولهُ طرقٌ متواترةٌ. عن العلاءِ بنِ عبدِ الرّحمنِ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لَتُؤَدُّن الحقوقَ إلى أهلِها، حتى يُقادَ للشاةِ الجلحاء من الشاةِ القَرناءِ " (٣) رواهُ مُسلمٌ. عن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ ظَلَمَ قيدَ شِبْرٍ، طوّقَهُ من سَبعِ أرضين " (٤)، أخرجاهُ. عن السّائبِ بنِ يزيدَ عن أبيهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يَأْخذَنَّ أحدُكُمْ مَتاعَ أخيهِ جادّاً، ولا لاعباً، وإذا أخذَ أحدُكُمْ عَصا أخيهِ، فلْيَرُدّها عليه " (٥)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حَسنٌ غريبٌ. تقدَّمَ حديثُ الحسنِ عن سَمُرَةَ: " على اليدِ ما أخذَتْ حتّى تُؤَدّيهِ " (٦)، وفيهِ دلالةٌ

стр. 440

على أنهُ يجبُ ردُّ المَغصوبِ نفسِهِ ما دامَ باقياً، فإنْ لمْ يكُنْ باقياً فَيُردّ مثلُهُ، لحديثِ أنسٍ في القرض: " أنهُ ﵇ رَدَّ القَصْعةَ مكانَ القَصْعةِ " (٧)، فإن تعذَّرَ ذلكَ كلّهُ فبالقيمةِ للضرورةِ. عن سَلَمةَ بنِ المُحبِّقِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَضى في رجلٍ وقعَ على جاريةِ امرأتِهِ، إن كانَ استَكرَهَها فهيَ حرّةٌ عليهِ لسيّدتِها مِثلُها، وإن كانتْ طاوَعَتهُ، فهيَ لهُ، وعليهِ لسيّدتِها مِثلها " (٨)، رواه أحمدُ وأبو داودَ، وهذا لَفْظُهُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجة، وفي إسْنادِهِ مَقالٌ: وهو حديثٌ مُشكلٌ جِدّاً، لا أعلمُ أحداً من الأئِمّةِ المشهورين قالَ بِمُقْتضاهُ، إلاَّ أنّ فيهِ دلالةٌ على أنّ من أفسدَ شيئاً وخيفَ عليهِ الفَسادُ، أنهُ يَلزَمُهُ رَدُّ مثلِه حيثُ جُعلَ فيما إذا طاوَعَتْهُ على الزّنا رَدُّ مِثلِها، وما ذاكَ إلا لأنهُ خَبَّثَها على سيّدتِها، وأحدَثَ فيها صفةَ عيبٍ يُرَدُّ بمثلها المَبيعُ، والله أعلمُ. عن سَعيدِ بنِ زَيْدٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " من أحيا أرضاً مَيْتةً، فهيَ لَهُ، وليسَ لعِرْقِ ظالمٍ حقٌّ " (٩)، رواهُ أبو داودَ، بإسنادٍ على شَرطِ الشَّيخين. ورواهُ عن عبدِ اللهِ بنِ الزّبيرِ أيضاً، وفيهِ دلالةٌ على أنّ الغاصبَ إذا أحدثَ فِعْلاً زادتْ بهِ قيمةُ المغصوبِ أنه لا يَستحقُّ شيئاً على ذلكَ، لأنهُ ظالمٌ في فعلِهِ ذاكَ. عن الحَسنِ عن سَمُرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " من وجدَ عينَ مالِهِ عندَ رجلٍ، فهوَ أحقُّ بهِ، ويتبعُ البيّعُ من بَاعَهُ " (١٠)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجَة، ولفْظُهُ: " إذا سُرقَ من الرّجلِ مَتاعٌ أوْ ضاعَ منهُ، فوجدَهُ بيدِ رجُلٍ بِعينِهِ، فهوَ أحقُّ بهِ، ويَرجعُ المُشتري على البائعِ بالثّمنِ ". تقدّمَ " أمرُهُ ﵇ بإهراقِ الخَمرِ " عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 441

" يُوشِكُ أن يَنزلَ فيكمْ ابنُ مَريمَ حَكماً مُقْسِطاً، فيقتلَ الخِنزيرَ، ويكسِرَ الصَّليبَ، ويَضعَ الجزيةَ ويفيضَ المالُ حتّى لا يقبلَهُ أحدٌ " (١١)، أخرجاهُ.

стр. 442

٢١ - بابُ: الشُّفْعةِ قالَ الزُّهريُّ: عن أبي سَلَمةَ عن جابرٍ: " قَضَى رسولُ اللهِ ﷺ بالشُّفْعةِ في كلِّ ما لمْ يُقْسَمْ، فإذا وقَعَتِ الحدودُ وصُرِفَتِ الطّرقُ، فلا شُفْعةَ " (١)، رواهُ البخاريُّ. وقالَ أبو الزُّبيرِ عن جابرٍ: قالَ ﵇: " الشُّفْعةُ في كلّ شِراءٍ في أرضٍ أو رَبْعٍ، أو حائطٍ، لا يَصلحُ أن يبيعَ حتّى يَعرضَ على شَريكهِ، فيأخذَ أو يدَعَ، فإنْ أبى فشريكُهُ أحقُّ بهِ حتّى يُؤْذِنَهُ " (٢)، رواهُ مُسلمٌ. اسْتدَلَّ البيهقيُّ بهذا الحديثِ على أنهُ لا شُفْعةَ في المنقولاتِ حيثُ قالَ: " في أرضٍ، أو ربْعٍ، أو حائطٍ ". ويَعضدُ ما رُويَ عن أبي حَنيفةَ عن عَطاءٍ عن أبي هريرةَ: أنهُ قالَ: " لا شُفْعةَ إلا في دارٍ، أو عِقارٍ " (٣). عن ابن عمرَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " الشُّفْعةُ كحلِّ العِقالِ " (٤)، رواهُ ابنُ ماجة، وهو: حديثٌ ضعيفٌ، لأنهُ من رواية محمد بنِ الحارثِ البَصْريّ عن محمدِ بنِ عبدِ الرّحمن عن أبيهِ عن ابنِ عمرَ، وثلاثتُهم: ضُعَفاءُ، ولكنَّ المُصَحَّح من الأقوالِ الثلاثة على مُقْتضى هذا الحديثِ. عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سُليمانَ عن عَطاءٍ عن جابرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 443

" الجارُ أحقُّ بشُفْعتِهِ، يُنْتظرُ بهِ وإن كانَ غائباً، إذا كانَ طريقُهما واحداً " (٦)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السّننِ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ غريبٌ، قلتُ: وقدْ تكلّمَ شُعْبة في عبدِ الملك بنِ أبي سليمانَ من أجلِ هذا الحديث. عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا شُفْعةَ لشريكٍ على شريكٍ إذا سبقَهُ بالشراءِ " (٧)، رواهُ ابنُ ماجة بسندِ " الشُّفعة كحلِّ العِقالِ "، وهوَ غيرُ حُجةٍ، ولهذا كانَ الصحيحُ من القولين أنهُ يُشاركُهُ. والله أعلم.

стр. 444

٢٢ - بابُ: القِراض قالَ اللهُ: " وتَعاوَنوا على البرِّ والتَّقْوى ". وقالَ ﵇: " المسلمونَ على شُروطِهم " (١)، وهذا عمومٌ في المعاملاتِ الشرعيةِ، والقِراضُ ممّا أجمعَ على جوازهِ العلماءُ من عصرِ الصحابةِ، وهلُمّ جَرّاً، حتى (٢) أن أهلَ الجاهليةِ كانُوا يَتعاملونَ بهِ، وقد خرجَ النبيُّ ﷺ في تجارةٍ لخديجةَ بنتِ خُويْلدٍ، إلى الشامِ، ثمَّ جاءَ الإسلامُ مُقَرِّراً لذلكَ، ومُؤَكِّداً لهُ. وقالَ مالكٌ في المُوَطّأ: عن زيدِ بنِ أسْلمَ عن أبيهِ، أنهُ قالَ: " خرجَ عبدُاللهِ وعُبيدُ اللهِ ابنا عمرَ بنِ الخَطابِ في جيشٍ إلى العراقِ، فلما قفَلا مرّا على أبي موسى الأشْعَريّ، وهو أميرُ البَصرةِ، فرحَّبَ بهما وسَهَّلَ، وقالَ: لو قدْ أقدرُ لكما على أمرٍ أنفعكُما بهِ لفَعَلتُ، ثُمَّ قالَ: بلى، هاهُنا مالٌ من مالِ اللهِ أُريدُ أن أَبعثَ بهِ إلى أميرِ المؤمنين، فأُسلفكماهُ فتبتاعانِ بهِ من مَتاعِ العراقِ، ثمَّ تَبيعانِهِ بالمدينةِ فتؤدّيانِ رأسَ المالِ إلى أميرِ المؤمنين، ويكونُ لكما الربحُ، فقالا: وَدِدْنا، ففَعلَ وكتبَ إلى عمرَ بنِ الخطابِ أن يأخذَ منهما المالَ، فلما قدِما على عمرَ، قالَ: أكلَّ الجيشِ أسلَفهُ كما أسْلَفكُما؟ فقالا: لا، فقالَ عمرُ: ابنا أميرِ المؤمنينِ فأسْلَفكما، أدّيا المال وربحَهُ، فأمّا عبدُاللهِ فسكتَ، وأمّا عُبَيْدُ اللهِ فقالَ: ما يَنبغي لكَ يا أميرَ المؤمنين، لو هلكَ المالُ أو نقصَ لَضَمنّاهُ، فقالَ: أدّياهُ، فسكتَ عبدُ الله وراجعَهُ عُبَيدُ اللهِ، فقالَ رجلٌ من جُلساءِ عمرَ: يا أميرَ المؤمنين: لو جَعَلْتَهُ قِراضاً؟، فأخذ عمرُ رأسَ المالِ ونصفَ ربحِهِ وأخذَ عبدُ الله وعُبيْدُ اللهِ نصف ربحِ ذلكَ المالِ " (٣).

стр. 445

فهذا دليلٌ على اشتهارِ القِراضِ عندَهُم، وجريانِهِ بينَهم، ولو لمْ يكنْ في ذلكَ إلا فعلُ عمرَ، فهذا في صَدرِ الصَّحابةِ، ولمْ يُنقَلْ لهُ مُخالفٌ من الصّحابةِ معَ اشتهارهِ بينَهمْ، لكانَ كافياً، وقدْ قالَ ﵇: " اقْتدوا باللذينِ من بَعدي بأبي بكرٍ وعمرَ " (٤)، وقالَ ﵇: " عليْكُمْ بسنَّتي وسُنّةِ الخلفاءِ الراشدين من بَعدي " (٥). ثمَّ روى مالكٌ عن العَلاءِ بنِ عبدِ الرّحمن بنِ (٦) يعقوبَ مَوْلى الحرقةِ عن أبيهِ عن جدّهِ: " أنهُ عَمِلَ لعثمانَ بنِ عفّانَ على أنّ الربحَ بينَهما " (٧)، وهذا صحيحٌ عنهُ. وقد جاءَ في البابِ أحاديثُ. فعن رُوَيْفعِ بنِ ثابتٍ: أنهُ قالَ: " إنْ كانَ أحدُنَا في زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ ليَأخُذ نِضْوَ أخيهِ على أنّ لهُ النصفَ جائزاً ممّا يَغنمُ، ولهُ النصفُ، وإن كانَ أحدُنا ليَطيرُ لهُ النّصلُ والريشُ، وللآخرُ القدحُ " (٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، فإذا كانَ هذا جائزاً معَ هذا، ففي المالِ بطريقِ الأولى، لكن في إسنادِهِ اختلافٌ. وعن صُهَيبِ بنِ سِنان، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ثلاثٌ، فيهنَّ البركَةُ: البيعُ إلى أجَلٍ، والمُقارَضةُ، وأخلاطُ البُرِّ بالشّعيرِ للبيتِ لا للبيعِ " (٩)، رواهُ ابنُ ماجة، وإسنادُهُ: غَريبٌ. وأصرحُ من هذا كلّهِ: ما رواهُ الدارَقُطنيُّ عن ابن عبّاسٍ، قالَ: " كانَ العباسُ بنُ عبد المطلبِ إذا دفعَ مالاً بمضاربةٍ يشترطُ على صاحبهِ أن لا يسلكَ به بَحراً، ولا ينزلُ بهِ وادياً، ولا يشتريَ به ذاتَ كبد رطبةٍ، فإنْ فعلَ فهو ضامنٌ، ورفعَ شرطَهُ إلى رسولِ

стр. 446

اللهِ ﷺ فأجازهُ " (١٠)، لكنْ في إسنادِهِ: أبو الجارود: زيادُ بنُ المُنْذِر، وهو: كذّابٌ من غُلاةِ الرَّوافضِ، وإليه نسبةُ الفِرقةِ الجاروديّةِ، وإنما رَوى عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ بسندٍ صحيحٍ إلى حَكيم بن حِزام أنه كانَ يشترطُ نحو ذلك (١١) واللهُ أعلمُ.

стр. 447

٢٣ - بابُ: العَبْدِ المَأذون عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قالَ ﵇: " العبدُ إذا نصَحَ لسيّدِهِ وأحسنَ عبادَة ربّهِ، لهُ أجران " (١)، أخرجاهُ. وعنهُ، قالَ: قالَ ﵇: " كلُّكمْ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيّتِهِ، فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ، وهو مَسؤولٌ عنهمْ، والرّجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ، وهو مسؤولٌ عنهمْ، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ زوجها وهيَ مسؤولةٌ عنهمْ، والعبدُ راعٍ على مالِ سيّدِهِ، وهو مسؤولٌ عنهُ، ألا فكلّكُمْ راعٍ وكلّكمْ مسؤولٌ عن رعيّتهِ " (٢)، أخرجاهُ. عن ابن عمرَ أيضاً، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " من باعَ عبداً لهُ مالٌ، فمالُهُ للذي باعَهُ، إلا أنْ يَشترطَ المُبْتاعُ " (٣)، أخرجاه أيضاً. ففيهِ دليلٌ على أنّ السيّدَ إذا أذِنَ لعبدِهِ في الاكْتسابِ صحّ، وكذا يَدلُّ على أنّهُ إذا ملّكَهُ مالاً، أنهُ يَمْلكُهُ وهو أحدُ القَولينِ.

стр. 448

٢٤ - بابُ: المُساقاةِ والمُزارَةِ عن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عاملَ أهلَ خَيْبرَ على شَطْرِ ما يَخرجُ منها، من ثَمرٍ، أو زرعٍ " (١)، أخرجاهُ. وفي لفظٍ لهما: " أعطى خيبرَ على أنْ يَعْملوها ويَزْرَعوها، ولهم شَطْرُ ما خَرجَ منها " (٢). عن رافعِ بنِ خَديجٍ، قالَ: " كنّا أكثرَ الأنصارِ حَقلاً، فكُنّا نُكْري الأرضَ على أنّ لَنا هذهِ، ولهمْ هذهِ، فربَّما أخرجتْ هذهِ ولمْ تُخرِجْ هذهِ، فنَهانا عن ذلكَ، فأمّا الوَرقُ فلمْ يَنْهنا " (٣) أخرجاهُ. عن رافعٍ أيضاً، قالَ: قالَ النبيُّ ﷺ : " مَنْ زَرعَ في أرضِ قومٍ بغيرِ إذْنهمْ، فليسَ لهُ من الزّرعِ شيءٌ، ولهُ نَفَقَتُهُ " (٤)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لَفْظهُ، والترمذيُّ وقالَ هوَ والبخاريُّ: هوَ حديثٌ: حسنٌ.

стр. 449

٢٥ - بابُ: الإجارَةِ قالَ اللهُ تَعالى: " قالَتْ إحداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجرْهُ إنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ ". وقالَ النبيُّ ﷺ : " ما بَعثَ اللهُ نبيّاً إلا رَعى الغَنمَ، فقالَ أصحابُهُ: وأنتَ؟، قالَ: نَعَمْ، كنتُ أرعاها على قَراريطَ لأهلِ مكّةَ " (١)، رواهُ البخاريُّ من حديثِ أبي هريرةَ. وقالتْ عائشةُ في حديثِ الهِجْرةِ: " واسْتأجرَ رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بَكْرٍ هادِياً خِرّيتاً "، الخِرّيتُ: الماهرُ بالهدايةِ " (٢). رواهُ البخاريُّ في حديثٍ طويلٍ. وعن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إنَّ أحقَّ ما أخَذْتمْ عليهِ أجْراً، كتابُ اللهِ " (٣)، رواهُ البخاريُّ. ولَهُما (٤) عن أبي سَعيدٍ: نحوَ ذلكَ. فهذا كلّهُ دليلٌ على مشروعيةِ الاسْتئجارِ على المَنافعِ المُباحةِ والمُستَحبّةِ. وقدْ تقدّمَ النّهيُ عن ثمنِ الكلبِ. وعن ابنِ عمرَ، قالَ: " نهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن عَسْب الفَحلِ " (٥)، رواهُ البخاريُّ. ولمسلمٍ عن جابرٍ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعِ ضِرابِ الجَملِ " (٦). فأمّا إن

стр. 450

أكرموا على ذلكَ من غيرِ شَرطٍ فقدْ: رَوى الترمذيُّ عن أنسٍ: " أنَّ رجلاً من كلابٍ سألَ النبيُّ ﷺ عن عَسبِ الفَحل، فنهاهُ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ: إنا نُطرِقُ الفَحلَ فنُكْرَمُ، فَرخَّصَ لهم في الكَرامةِ " (٧)، وقالَ: حسَنٌ غَريبٌ. وأمّا الاسْتئجارُ على المنافعِ المُحَرَّمةِ، فقدْ قالَ تَعالى: " وتَعاوَنُوا على البِرِّ والتَّقوى ولا تَعاوَنوا على الإثْمِ والعُدْوانِ "، وقدْ ذكرَ المُصنّفُ من ذلكَ المعنى، والدليلُ على ذلكَ ما قالَ البخاريُّ في صحيحِه: قالَ هشامُ بنُ عَمّارٍ، حدَّثَنا صدقَةُ بنُ خالدٍ، حدَّثَنا عبدُ الرّحمن بنُ يَزيدَ بنِ جابرٍ، حدَّثنا عَطيّةُ بنُ قيسٍ عن عبدِ الرّحمن بنِ غُنْمٍ، قالَ: حدَّثني أبو عامرٍ أو أبو مالكٍ الأشْعَريُّ، واللهِ ما كذَبَني سمعَ النبيَّ ﷺ يقولُ: " ليكونّنَ في أُمّتي أقوامٌ يستحلّونَ الخَمْرَ والحَريرَ، والمَعازفَ، ولَيَنزلنَّ أقوامٌ على جَنبِ عَلَمٍ تروحُ عَليْهِم سارحتُهم يأتيهم وخنازيرَ إلى يومِ القيامةِ " (٨)، هكذا علّقهُ البخاريُّ بصيغةِ الجزمِ، وقدْ أسنَدهُ الحافظانِ أبو بكر الإسماعيليُّ، والبَرْقانيّ في مُستخرجيهما، والبيهقيُّ. ورواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة من طرُقٍ أُخَر، فهو حديثٌ صحيحٌ لا حُجةَ لمن ردَّهُ. وقد قالَ الإمامُ أبو نصْر إسماعيلُ بن حَمّادٍ الجوهَريُّ في كتابِه الصحاح: المَعازفُ آلاتُ الطّرَب، واحدَتُها مِعْزَفةٌ، والعَلَمُ: الجَبلُ. عن عائشة، قالت: " دخلَ عليَّ أبي، وعندي جارِيتان من الأنصارِ تُغَنّيانِ بما تقاوَلتْ الأنصارُ يومَ بُعاثٍ، ولَيْستا بِمُغَنّيتينِ، فانْتهرني، وفي لفظٍ: فانتهرَهمَا، وقالَ: أمزمارُ الشّيطانِ في بيتِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟، وذلك في يومِ عيدٍ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 451

يا أبا بَكْرٍ: إنَّ لكلِّ قومٍ عيداً، وهذا عيدُنا " (٩)، أخرجاهُ. فقدْ أقرَّ ﵇ أبا بكرٍ على قولِه: " مِزْمارُ الشّيطانِ "، وخصّصَ من ذلكَ يومَ العيدِ، وقرَّرَ على فعلِه من مثلِ تِلْكما الجاريَتينِ، فوجبَ العملُ بمقْتضى التّقْريرين، وهذا ما لا شَكَّ فيهِ عندَ أئِمةِ الأصوليين، وكذا يُباحُ مثلُ ذلكَ أو يُنْدَبُ إليهِ في العُرْسِ، كذا عندَ قدومِ الغائبِ لما وردَ في ذلكَ من الأحاديثِ، وقدْ أفردتُ لذلك جُزْءاً على حِدةٍ، وللهِ الحمدُ والمِنّةُ. وأما حَملُ الخَمرِ، فقدْ تقدّمَ الحديثُ في " لعنِ الخمر من عَشرةِ أوْجهٍ، عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه - الحديث " (١٠). عن عليّ، قالَ: " جُعتُ مرّةً جوعاً شَديداً، فخرجتُ أطلبُ العملَ في عَوالي المدينةِ، فإذا أنا بامرأةٍ قد جمعتْ مَدَراً فظَننْتها تريدُ بلَّةً، فقاطَعْتها كلَّ ذنوبٍ على تمرةٍ، فمددتُ ستّةَ عشرَ ذنوباً حتى مَحَلتْ يدايَ، ثمَّ أتيتُها فعدّتْ لي ست عشرةَ تمرةَ، فأتيتُ النبيَّ ﷺ فأخبرْتُه، فأكلَ معي مِنها " (١١)، رواهُ أحمدُ، والقاضي يوسفُ بنُ يعقوبَ بإسنادٍ: جيّدٍ قَوِيٍّ. ورواه ابنُ ماجة من وجهٍ آخرَ. ورواهُ أيضاً من حديثِ أبي هريرةَ، وابنِ عبّاسٍ. فاستدَلّوا بهِ على أنهُ لا بُدّ أن تكونَ الأجرةُ والعملُ معلومين، ولا يجوز أن يكونَ واحدٌ منهما مَجهولاً لما فيه من الغَرَرِ، وقد نُهيَ عنهُ. وعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ: " أنهُ ﵇ نَهى عن استئجارِ الأجيرِ حتى يُبيِّنَ لهُ

стр. 452

أجرُهُ " (١٢)، رواهُ أحمدُ، وهذا لَفْظُهُ، وأبو داودَ من حديثِ حَمّادِ بنِ سَلمَةَ عن حمّادِ بنِ أبي سُليمانَ عن إبراهيمَ عن أبي سَعيدٍ. ورواهُ الثّوريُّ عن حمّادٍ عن إبراهيمَ عن أبي سعيدٍ موقوفاً. قال أبو زُرْعةَ، وأبو حاتمٍ: الصّحيحُ: موقوفٌ، لأنّ الثَّوريَّ أحْفظُ. وقالَ أبو حَنيفةَ عن حمّادٍ عن إبراهيمَ عن الأسودِ عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " منْ استأْجرَ أجيراً، فلْيُعلمْهُ أجرَهُ " (١٣). عن أبي هريرةَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " ثلاثةٌ أنا خَصمُهمْ يومَ القيامةِ، ومَنْ كنتُ خَصمهُ خَصَمْتُهُ، رجلٌ أعطى بي ثمَّ غدَرَ، ورجلٌ باعَ حُرّاً فأكلَ ثمنَهُ، ورجلٌ استأْجرَ أجيراً، فاسْتوفى منهُ، ولمْ يُوَفّهِ أجرَهُ " (١٤)، رواهُ البخاريُّ. عن عبدِ الرحمنِ بنِ زيد بنِ أسْلَمَ عن أبيهِ عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أعْطوا الأجيرَ أجرهُ قبلَ أن يجفَّ عرَقُهُ " (١٥)، رواهُ ابنُ ماجة، وعبدُ الرحمن: ضعيفٌ. ورواه ابن ماجة من طرقٍ أخُر عن أبي هريرةَ، وفي كلٍّ منها نَظرٌ وضعفٌ. تقدّمَ حديثُ: " على اليدِ ما أخذَتْ حتّى تُؤَدّيهِ " (١٦)، استدَلّوا بعمومِهِ على تَضمينِ الأجير المشترك (١٧). وعن جعفرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ: " أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ ضمَّنَ الغَسّالَ والصبَّاغَ،

стр. 453

وقالَ: لا يُصلحُ الناسَ إلا ذلك " (١٨)، رواهُ الشافعيُّ، وقالَ: لا يُثبته أهلُ الحديثِ. قلتُ: كأنهُ يُشير به إلى انقطاعِهِ، والظاهرُ أنهُ: صحيحٌ عنهُ لأنهُ: قد رواهُ قتادة عن خِلاسٍ عن عليٍّ (١٩). ورواهُ جابرُ الجعفيُّ عن الشَّعبيِّ عن عليٍّ، وهذهِ طرُقٌ يشدُّ بعضُها بَعْضاً.

стр. 454

٢٦ - بابُ: الجُعالة قالَ اللهُ تعالَى: " وَلمَنْ جاءَ بهِ حِمْلُ بَعيرٍ وأنا بهِ زَعيمٌ ". عن أبي سعيدٍ الخُدْريّ، قال: " انطلقَ نفرٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ في سفرةٍ سافروها حتى نَزلوا على حيّ من أحياءِ العربِ، فاستضافوهمْ، فأبَوا أن يُضَيّفوهم، فلُدِغَ سيّدُ ذلكَ الحيّ فسعَوْا لهُ بكلّ شيءٍ لا يَنفعُهُ شيءٌ، فقالَ بعضُهم: لو أتيتمْ بعضَ هؤلاءِ الرّهْطِ الذين نزَلوا، لعلَّهُ أن يكونَ عندَ بعضِهم شيءٌ، فأتَوْهُمْ فقالوا: يا أيّها الرّهْطُ: إن سيّدَنا لُدِغَ، وسَعَيْنا لهُ بكلِّ شيءٍ لا ينفعُهُ، فهلْ عندَ أحدٍ منكُمْ شيءٌ؟، فقال بعضُهمْ: نعمْ واللهِ إني لأرقى، ولكنْ واللهِ لقدْ استضفْناكُمْ فلمْ تُضَيّفونا، فما أنا براقٍ لكُمْ حتّى تَجعلوا لَنا جُعْلاً، فَصالحوهمْ على قطيعٍ من الغنمِ، وانطلَقَ يَتْفِلُ عليهِ، ويقرأ: " الحمدُ للهِ ربِ العالمينَ "، فكأنّما نشَطَ من عقالٍ، فانطلقَ يَمشي وما بهِ قَلَبةٌ، لا تَفعلوا حتى نأتي النبيَّ ﷺ ، فنذكر لهُ الذي كانَ، فننظرَ ما يَأمرُنا، فقدِموا على رسول الله ﷺ ، فذكروا لهُ، فقالَ: وما يُدريكَ أنها رُقْيةٌ؟، ثمَّ قالَ: قدْ أصَبْتم، اقْتسموا، واضربوا لي معَكُمْ سَهْماً، فضحك رسولُ اللهِ ﷺ " (١)، رواه البخاريُّ، وهذا لَفْظهُ، ومسلمٌ. وفي المُسْندِ: أنّ الرَّاقيَ كانَ أبا سعيدٍ نفسَهُ، وإنّ اللّدْغةَ كانتْ من عَقْرب " (٢).

стр. 455

٢٧ - بابُ: المُسابَقةِ عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ على المنبرِ يقولُ: " (وأعِدُّوا لهُمْ ما اسْتطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)، ألا إنّ القُوّةَ الرَّمْيَ " (١)، رواهُ مُسلمٌ وعنهُ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: (٢): " ارْموا، وارْكبوا، وأن تَرموا (٣) أحبُّ إليَّ من أنْ تَركَبوا " (٤)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ. وعن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سابقَ بينَ الخيلِ التي ضُمِّرتْ من الحَفْياءِ إلى ثَنيَّةِ الوداعِ، والتي لم تُضَمَّرْ من الثَنيَّةِ إلى مسجدِ بَني زُرَيْقٍ " (٥)، أخرجاهُ. قالَ أحمدُ: حدَّثنا مُحَمدُ بنُ أبي عَديّ عن حُمَيْدٍ عن أنسٍ، قالَ: " كانتْ ناقةُ رسولِ اللهِ ﷺ تُسمّى العَضْباءَ، وكانتْ لا تُسبَقُ، فجاءَ أعرابيّ على قعودٍ فَسَبَقها، فشقَّ ذلكَ على المسلمين، وقالوا: يا رسولَ اللهِ سُبقت العَضْباءُ، فقالَ: حقّاً على اللهِ أن لا يرفعَ شيئاً من أمرِ الدّنيا إلا وَضَعه " (٦) ورواهُ البخاريُّ. وعن أبي أسيدٍ (٧) لِمازةَ بنِ زَبّارٍ، قالَ: قلنا لأنسٍ: أكنتمْ تُراهنونَ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟، قالَ: نعمْ، لقدْ راهنَ على فرَسٍ لهُ يُقالُ لهُ سبحةَ، فسَبقَ الناسَ

стр. 456

فبَهَشَ لذلكَ وأعجَبهُ " (٨)، رواهُ أحمدُ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا سَبَقَ إلا في خُفٍّ، أو حافرٍ، أو نَصْلٍ " (٩)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيّ، والنّسائيُّ. وقد رُويَ من غيرِ وجهٍ عن أبي هريرةَ. ورُويَ من حديثِ ابنِ عبّاس أيضاً. عن سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ في حديث يومِ ذي قردٍ حين رجعوا، قالَ: " وكان رجلٌ من الأنصارِ لا يُسبقُ شَدّاً، قالَ: فجعلَ يقولُ: ألا مُسابقٌ إل المدينةِ؟، هلْ من مُسابق؟، وجَعَلَ يُعيدُ، فلما سمعتُ كلامَهُ، قلتُ: أما تكرمُ كَريماً، ولا تَهابُ شَريفاً؟، قالَ: لا، إلاّ أن يكونَ رسولُ اللهِ ﷺ ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، بأبي أنتَ وأُمّي، ذَرْني فلأسابق الرجلَ، قالَ: إن شئتَ، قالَ: قلتُ: اذهبْ، إليكَ، قالَ وثَنَيْتُ رِجلي وطَفرتُ فعدَوتُ، فرَبطتُ عليه شَرفاً أو شَرفين، أسْتبقي نَفسي، ثمَّ عَدَوتُ في إثرِهِ فربطتُ عليهِ شَرفاً أو شَرفين، ثمَّ رفعتُ حتى ألحقَهُ، قالَ: فأصكّهُ بينَ كتفيهِ، قالَ: قلتُ: قد سُبقتَ واللهِ، قالَ: أنا أظنُّ، قالَ: فسبقْتُهُ إلى المدينة " (١٠)، رواه مُسلمٌ. وعن عائشةَ: " أنها كانتْ معَ رسولِاللهِ ﷺ في سفر فسابَقْتهُ على رجلي، فلما حملتُ اللّحمَ سابقْتُهُ فسَبَقني، فقالَ: هذهِ بتلكَ السّبْقةِ " (١١)، رواهُ أبو داودَ، والنّسائيُّ. عن أبي جعفرِ بنِ محمد بن رُكانةَ عن أبيهِ: " أنّ رُكانةَ صارعَ النبيَّ ﷺ بمكّةَ، فصرَعَهُ النبيُّ ﷺ " (١٢)، رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ غريبٌ، ولا نَعرفُ أبا الحسن،

стр. 457

ولا ابنَ رُكانةَ. قلتُ: وقد اخْتُلِفَ في إسنادِهِ أيضاً. لكنْ رواهُ أبو بكر الشافعيُّ بإسنادٍ جيّدٍ عن ابن عبّاسٍ، قالَ: " جاءَ يزيدُ بنُ رُكانةَ إلى النبيِّ ﷺ ومعهُ ثلاثمائةٍ من الغنم، فقالَ: يا محمدُ: هلْ لكَ أن تُصارعَني؟، قالَ: وما تجعلُ لي إن صَرَعْتكَ؟، قالَ: مائةً من غَنمي، قالَ: فصارَعَهُ النبيُّ ﷺ ، فصَرَعهُ، ثمَّ قالَ: يا محمدُ، هلْ لكَ في العَودِ؟، قالَ: وما تَجعلُ لي إنْ صَرَعْتكَ؟، قالَ: مائةً أُخرى، قالَ فصارَعَهُ فصرَعَهُ، ثمَّ قالَ: يا محمدُ، هل لكَ في العَودِ؟ قالَ: وما تَجعلُ لي؟ قالَ: مائةً من الغنمِ، قالَ: فصارَعَهُ، فصَرعَهُ، ثمَّ قالَ: يا محمدُ: ما وضعَ ظَهري إلى الأرضِ أحدٌ قبلَكَ، وما كانَ أحدٌ أبغضَ إليّ منكَ، وأنا أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وأنّك رسولُ اللهِ، فقامَ عنهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، وردَّ عليهِ غنَمَهُ ". عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " مَن أدخلَ فرساً بينَ فَرَسين يعني - وهو لا يأمنُه أن يُسبقَ فليسَ بقمارٍ، ومَنْ أدخلَ فرساً بينَ فرسين، وقدْ أمِنَ أن يُسبَقَ، فهو قِمارٌ " (١٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة من حديثِ سفيانَ بن حسينٍ عن الزُّهري عن سعيدِ بنِ المُسيّبِ عنهُ، وقد عُلّلَ بأنّ الثقات من أصحابِ الزُّهري كمالكٍ في المُوطَّأ، ويونسَ، وعُقيْلٍ، والليثِ، وغيرهم رَوَوْهُ عن الزّهري، قالَ أبو داودَ: وهو أصحُّ. وقالَ أبو حاتمٍ الرّازيُّ: هذا خطأٌ، لمْ يعملْ سفيانُ بنُ حسينٍ شيئاً، لا يُشبهُ أن يكونَ عن النبيّ، وأحسنُ أحوالِهِ أن يكونَ عن سعيدِ بنِ المُسَيّبِ قولَهُ. وقدْ رواهُ يحيى بنُ سعيدٍ عن سعيدٍ قولَه، قلتُ: وقد جمعتُ جُزْءاً في هذا الحديثِ، وذكر شواهدهِ وطرُقه، وبيانِ وجهِ الدّلالةِ منهُ في اشتراطهِ المُحلِّلَ.

стр. 458

وعن ابنِ عمرَ " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سابقَ بينَ الخيلِ، وجعلَ لها سَبَقاً، وجعلَ لها مُحَلّلاً " (١٤)، رواهُ ابنُ حِبّانَ في صحيحِهِ إلا أنهُ من روايةِ عاصمِ بنِ عُبيْدِ اللهِ العُمريّ، وهوَ ضعيفٌ. عن عليّ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " يا عليٌّ، قدْ جعلتُ إليكَ هذهِ السّبقةَ بين الناسِ، فخرجَ عليٌّ، فدعا سُراقةَ بنَ مالكٍ، فقالَ: يا سُراقةُ إني جعلتُ إليكَ ما جعلَ النبيُّ ﷺ في عُنُقي من هذه السّبْقةِ، في عُنُقِك، فإذا أتيتَ الميطارَ، والميطارُ مُرسلُها من الغايةِ، فصفّ الخيلَ، ثمّ نادِ: هلْ من مُصْلٍ للجامٍ، أو حاملٍ لغلامٍ، أو طارحٍ لجلٍّ، فإذا لمْ يُجبكَ أحدٌ فكبّر ثلاثاً، ثم خلِّها عندَ الثالثةِ يسعدُ اللهُ بسبقِهِ من شاءَ من خلقِهِ، فكانَ عليٌّ يقعدُ عندَ مُنتهى الغايةِ ويخطُّ خَطّاً، ويُقيمُ رجلين مُتقابلين عندَ طَرَفِ الخطِّ، طَرَفُهُ عندَ إبهاميّ أرجلهما، وتمرُّ الخيلُ بينَ الرجلين، ويقولُ إذا خرجَ أحدُ الفَرسين على صاحبِهِ بطَرَفِ أُذُنيهِ، أو أُذُنٍ، أو عَذارٍ، فاجعلوا السّبقة لهُ، فإنْ شَككْتُما فاجْعلا سبْقَهما نصْفينِ " (١٥)، رواهُ الدارَقُطنيُّ. عن سَلمةَ بنِ الأكوعِ، قالَ: " مرَّ رسولُ اللهِ ﷺ على نفَرٍ من أسلمَ يتَناضلون، فقالَ: ارْموا بَني إسماعيلَ، فإنَّ أباكم كان رامياً، ارمو وأنا معَ بني فلانٍ، قالَ: فأمسكَ أحدُ الفَريقين بأيْديهم، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : مالكُمْ لا ترمونَ؟، قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيفَ نَرمي وأنتَ معَهُمْ؟، فقالَ ارموا وأنا معَكُم كلّكُم " (١٦)، رواهُ البخاريُّ. عن عليٍّ: " كانتْ بيدِ رسولِ اللهِ ﷺ قوسٌ عربيّةٌ، فرأى رجلاً بيدِهِ قوسٌ فارِسيّةٌ، فقالَ: ما هذِهِ؟، ألقها، وعليكَ بهذِه وأشباهِها ورماحِ القَنا، فإنّها يُؤيّدُ اللهُ بهما في الدينِ ويُمَكّنُ لكُمْ في البلادِ " (١٧)، رواهُ ابنُ ماجة بإسنادٍ غَريبٍ.

стр. 459

٢٨ - بابُ: إحياءِ المواتِ، وتملّكِ المُباحاتِ عن جابرٍ، قالَ: قالَ ﵇: " من أحيا أرضاً مَيتةً فلَهُ فيها أجرٌ، وما أكلَت العافيةُ منها، فهو لهُ صدقةٌ " (١)، انفردَ بإخراجهِ الترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صَحيحٌ. وعن جابر (٢) ولهُ عنه عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " من أحيا أرضاً ميتة، فهيَ لهُ " (٣)، رواهُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، والترمذِيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ. ولهمْ عن سَعيدِ بنِ زيدٍ مثْلُه، وزيادَة " ليسَ لعرقِ ظالمٍ حقٌّ " (٤)، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ غَريبٌ، فهذا عامٌّ في المسلمين. فأمّا الكُفّارُ، فإنّهم لا يَملكون الإحياءَ في دارِ الإسلامِ لما: رواهُ الشافعيُّ عن سفيانَ بنِ عُيَيْنةَ عن عبدِ اللهِ بنِ طاوسٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " من أحيا مَواتاً من الأرضِ فهوَ لهُ، وعاديُّ الأرضِ لله ورسولِهِ، ثمَّ هيَ لكُمْ مِنّي " (٥)، وهذا: مُرْسَلٌ، وقولُهُ: " ثمّ هيَ لكُمْ منّي "، دليلٌ على ذلكَ، لأنّ الكافرَ لم يدخل في هذا الخطابِ. عن عائشةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " من عَمَرَ أرضاً ليستْ لأحدٍ، فهو أحقُّ بها " (٦)،

стр. 460

رواهُ البخاريُّ. فدَلَّ بعمومِهِ على أنّ ما جَرى عليهِ أثرُ مُلكٍ، لا يجوزُ تملّكهُ بالإحياءِ، سَواءاً كان في دارِ الإسلامِ، أو في دارِ الشركِ، وهو أحدُ الوجهين، ولكن صحَّح الأصحابُ أنّ ما جَرى عليهِ أثرُ مُلكٍ جاهليّ، ولا يُعرفُ لهُ مالكٌ، أنهُ يُمْلَكُ بالإحياءِ، سواءاً كانَ في دارِ الإسلام أو الشركِ لما رَواهُ أبو داودَ عن أسمرَ بنِ مُضَرِّسٍ ﵁، قال: " أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فَبايَعْتُهُ، فقالَ: مَنْ سبَقَ إلى ما لمْ يَسْبِقْ إليهِ مسلمٌ، فهوَ أحقُّ به " (٧)، وفي إسنادِهِ غرابةٌ. عن الحَسنِ عن سَمُرةَ: أنّ النبيَّ ﷺ قالَ: " من أحاطَ حائطاً على أرضٍ، فهيَ لهُ " (٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وسماع الحسنِ من سَمُرةَ قد تقدَّمَ الكلامُ عليهِ غيرَ مرّةٍ. عن إسماعيلَ بنِ مُسلمٍ عن الحَسنِ عن عبدِ اللهِ بنِ مغَفَّلٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " من حَفَرَ بئراً، فلهُ أربعونَ ذِراعاً عَطَناً لماشيتِهِ " (٩)، رواهُ ابنُ ماجة، وإسماعيلُ هذا - هو المَكّيُّ: ضعيفٌ. وعن أبي سَعيدٍ مرفوعاً: " حَريمُ البئرِ، مَدُّ رِشائِها " (١٠). وعن ابنِ عمرَ مرفوعاً: " حَريمُ النّخلةِ، مَدُّ جَريدها " (١١)، رواهُما ابنُ ماجة، وفي إسنادِهما: منصورُ بنُ صُقَيْرٍ - وهو مَتروكٌ. وعن أبي خِداشٍ الشَّرْعَبيِّ، واسمُهُ: حِبّان بنُ زيدٍ الشامِيّ عن رجلٍ من المهاجرين من قَرْنٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " المسلمون شُركاءُ في ثلاثةٍ: النار، والكلأ، والماءِ " (١٢)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ.

стр. 461

وعن بُهَيْسةَ عن أبيها: " أنهُ قالَ: يا رسولَ اللهِ: ما الشيءُ الذي لا يحلُّ مَنعُهُ؟، قالَ: الماءُ، قالَ: يا نبيَّ اللهِ: ما الشيءُ الذي لا يحلُّ منْعُهُ؟، قالَ: الملحُ، قالَ: ما الشيءُ لا يحلُّ منعُهُ؟، قالَ: أن تفعلَ الخيرَ خيرٌ لكَ " (١٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ. وعن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " ثلاثٌ لا يُمْنَعْنَ: الماءُ، والكلأُ، والنّارُ " (١٤)، رواهُ ابنُ ماجة، قالَ الحافظُ الضّياءُ: بإسنادٍ: جيِّدٍ. ولهُ عن ابن عبّاسٍ مَرفوعاً، مثلُ ذلكَ، وزيادةُ: " وثَمنُهُ حرام " (١٥)، لكنْ في إسنادِهِ: عبدُ اللهِ بنُ خِراش بنِ حَوْشَب، وهوَ: ضعيفٌ. فهذهِ أدلّةٌ على أنّ الماءَ لا يُمْلَكُ، وهو أحدُ الوَجهين. عن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " منْ منعَ فضلَ الماءِ ليمنعَ بهِ الكلأَ، مَنَعَهُ اللهُ فضلَ رحمتِهِ، يومَ القيامَةِ " (١٦)، أخرجاهُ بمعناهُ فيهما: " ورجلٌ على فَضلِ ماءٍ يمنعُهُ ابنَ السّبيلِ، يقولُ اللهُ: اليومَ أمنعُكَ فَضلي كَما منعتَ فضلَ ما لم تعملْ يَداكَ " (١٧). ولمسلمٍ " لا يُباعُ فضلُ الماءِ، ليُباعَ بهِ الكلأُ " (١٨). فدلَّ على أنهُ يجبُ عليهِ بَذلُ فضلِ الماءِ لينبتَ بهِ الكلأُ الذي تأكلُهُ البهائمُ، تقدّمَ حديثُ: " لا ضَرَرَ، ولا ضِرارَ " (١٩)، فمن تحجَّرَ أرضاً، ولم يُحييها، وطالتْ مدّتُهُ ومنعَ غيرَهُ من إحيائِها، فهوَ مُضارٌّ، فيجوزُ لغيرِه أن يُحييها، لما: رواه البيهقيُّ من حديثِ عمْرِو بنِ شُعيْبٍ: " أنَّ عمرَ جعلَ التَّحجيرَ ثلاثَ سِنينَ، فإنْ تركَها حتَّى تَمضيَ ثلاثَ سِنين، فأحياها غيرُهُ، فهو أحقُّ بها " (٢٠)، وهذا: منقطعٌ.

стр. 462

وقدْ رُويَ من وجهٍ آخرَ مُتّصِلاً عن سَبْرَة بنِ عبدِ العزيزِ الجهنيّ عن أبيهِ عن جدّهِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ لما خرجَ إلى تبوكَ لحقتْهُ جُهَيْنةٌ (٢١)، فقالَ لهم: مَن أهلُ ذب المرْوَةِ؟، فقالوا: بَنو رِفاعةَ من جُهَيْنةَ، فقالَ: قد أقْطَعْتُها لبَني رِفاعةَ، فأقْسَموها، فمنهمْ من باعَ، ومنهم من أمسكَ " (٢٢)، رواهُ أبو داودَ (٢٣). فدَلَّ على أن المُقطَعَ كالمتحَجّر، وإنَّ المتحجِّرَ يملكُ البيعَ، وهو أحدُ الوجهين. عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " إيّاكُمْ والجلوسَ على الطّرُقاتِ، فقالوا: ما لنا بُدٌّ، إنّما هي مجالسُنا نتحدّثُ فيها، قالَ: فإذا أبيتمْ إلا المجالسَ، فأعْطوا الطريق حقَّها، قالوا: وما حقُّ الطريقِ؟، قالَ: غَضُّ البَصَرِ، وكفُّ الأذى، ورَدُّ السلامِ، وأمرٌ بالمعروفِ ونهيٌ عن المنكرِ " (٢٤)، رواهُ البخاريُّ بهذا اللفظِ، ومُسلمٌ. فدلَّ على أنَّ ما بينَ العَمائرِ من الطّرقاتِ والرّحابِ، والمَقاعدِ يجوزُ الارتفاقُ فيها لمن لا يَضرُّ بالمارّةِ. وكذا حديثُ الزُّبيرِ بنِ العَوَّامِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لأنْ يَحملَ الرّجلُ حَبْلاً فَيحتطبَ، ثمَّ يجيءَ فيبيعهُ في السوقِ فيستغنيَ بهِ فينفقَ على نفسِهِ خيرٌ لهُ من أنْ يسألَ الناسَ أعطوهُ، أو مَنَعوهُ (٢٥)، هكذا رواهُ الإمامُ أحمدُ، وللبخاريّ: نحوَهُ. عن أنسٍ، قالَ: " أرادَ رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يَقْطعَ من البحرين، فقالتِ الأنصارُ: لا، حتّى تَقطعَ لإخوانِنا المهاجرينَ من الذي تقطعُ لنا، قالَ: سترونَ بَعديَ إثرةً، فاصْبِروا حتّى تَلْقَوني (٢٦)، رواهُ البخاريُّ.

стр. 463

قد تقدَّمَ في كتابِ الزّكاةِ حديثُ مالكٍ عن رَبيعةَ عن غيرِ واحدٍ: " أن رسولَ اللهِ ﷺ أقطعَ بلالَ بنَ الحارثِ معادنَ القَبَليّةِ من ناحيةِ الفَرْعِ، - الحديث " (٢٧). وعن كثيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو بنِ عَوْفٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: " أن رسولَ اللهِ ﷺ أقطعَ بلالَ بنَ الحارثِ المُزَنيِّ مَعادنَ القَبليّةِ جِلْييَّها وغُوريَّها، وحيثُ يَصلحُ الزرعُ من قُدْسى، ولمْ يَقطعْهُ حقّ مُسلمٍ " (٢٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ. ولهما من حديثِ عِكْرمَةَ عن ابنِ عبّاسٍ (٢٩): مِثلُهُ، فدَلَّ على صحّةِ إقطاع المعادنِ. تقدّمَ حديثُ أسمرَ بنِ مُضَرِّسٍ: " مَن سبَقَ إلى ما لمْ يَسبقْ إليهِ مُسلمٌ، فهوَ لهُ " (٣٠)، وهو عامٌّ في مُلْكِ كلِّ مُباحٍ من المعادنِ الظاهرةِ ونحوِها، فأمّا إقطاعُهُ فلا يجوزُ لحديثِ أبيضَ بنِ حَمّالٍ: " أنهُ وفدَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فاسْتقطَعَهُ الملحَ الذي بمَأْرِبَ، فقَطَعَهُ لهُ، فلمّا أن ولّى، قالَ رجلٌ من المجلسِ: أتدري ما قَطَعْتَ لهُ؟، إنّما قَطَعْتَ لهُ الماءَ العِدَّ، قال: فانْتزَعَ منهُ، قالَ: وسألَهُ عَمّا يُحمى من الأراكِ؟، قالَ: ما لمْ تَنَلْهُ أخفافُ الإبلِ " (٣١)، رواهُ أبو دوادَ، وهذا لفظُهُ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: غَريبٌ. عن أسْلمَ مولى عمرَ: " أن عمرَ استعملَ مَوْلى لهُ يُدعى هُنَيّاً على الحِمى، فقالَ: يا هُنَيُّ، اضْممْ جناحَكَ عن المسلمين، واتّق دعوةَ المسلمين (٣٢)، فإنّ دعوةَ المظلومِ مستجابة، وأدخلْ ربَّ الصُّرَيمةِ وربَّ الغُنَيْمةِ، وإيّايَ ونعمَ ابنِ عفّانَ، وابنِ عَوْفٍ، فإنّهما إن تهلِكْ ماشيتُهما يرجعان إلى زَرعٍ ونخلٍ، وإنَّ ربَّ الصُّرَيْمةِ وربَّ الغُنَيْمةِ

стр. 464

إن تهلكْ ماشيتُهما، يأتيني ببنيه (٣٣) فيقولُ: يا أميرَ المؤمنين، يا أميرَ المؤمنين، أفتاركُهُم أنا، لا أبا لكَ، فالماءُ والكَلأُ أَيْسرُ عليَّ من الذّهبِ والوَرِقِ، إنّهم يرونَ أنّي قدْ ظلَمْتُهمْ، إنّها لبلادُهُمْ قاتَلوا عليها في الجاهليةِ، وأسلموا عَليْها في الإسلامِ، والذي نَفسي بيدِهِ لولا المالُ الذي أحملُ عليهِ في سبيلِ اللهِ، ما حميتُ عليهمْ من بلادِهمْ شِبْراً " (٣٤)، رواهُ البخاريُّ. وله عن الصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا حِمى إلا للهِ ورسولِهِ، قالَ: وبلَغَنا أنّ رسولَ اللهِ ﷺ حَمى النَّقيعَ، وإن عمرَ حمى شَرفَ، والرَّبذةَ " (٣٥). عن ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حَمى النَّقيعَ للخيلِ خيلِ المسلمين " (٣٦)، رواهُ أحمدُ، وفي إسنادِهِ: عبدُ اللهِ العُمريُّ، وفيهِ ضعفٌ.

стр. 465

٢٩ - بابُ: اللُّقَطةِ عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيّ، قالَ: " سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن اللُّقطةِ، الذّهبِ أو الوَرِقِ، فقالَ: اعرفْ عِفاصَها وَوكاءَها، ثُمَّ عرِّفْها سنةً، فإنْ جاءَ صاحبُها، وإلا فَشأنَكَ بها " (١)، أخرجاهُ، ولفظُهُ لمسلمٍ. وفي لفظٍ لهُ: " فإنْ لمْ تُعْرَفْ فاسْتَنْفِقْها، ولكنْ وديعةٌ عندَكَ، فإن جاءَ طالبُها يوماً من الدَّهرِ، فأدِّها إليه " (٢). عن عِياضِ بنِ حمارٍ المُجاشِعيِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " من وجَدَ لُقَطَةً، فلْيُشهِدْ ذَوي عَدْلٍ، ولْيَحفظْ عِفاصَها وَوِكاءَها، ثمَّ لا يَكتمْ ولا يُغَيِّبْ، فإنْ جاءَ ربُّها فهو أحقُّ بها، وإلا فهو مالُ اللهِ يُؤتيهِ من يَشاء " (٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَة بإسنادٍ صحيحٍ. وفيه أمرٌ بالإشهادِ، وظاهرُهُ الوجوبُ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " من سمعَ رجلاً يَنشدُ ضالّةً في المسجدِ، فليقل: لا ردَّها اللهُ " (٤)، فإن المساجدَ لمْ تُبْنَ لهذا " (٥)، رواهُ مسلمٌ. عن أنسٍ " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ مرَّ بتمرةٍ في الطّريقِ، فقالَ: لولا أنّي أخافُ أن تكونَ من الصّدَقةِ لأكلْتها " (٦)، أخرجاهُ.

стр. 466

فيهِ دلالةٌ على جَوازِ التقاطِ المُحَقّراتِ وتملّكِها من غيرِ تعريفٍ، لأنهُ إنما علّلَ بكونِها من الصَّدقةِ. وعن جابرٍ، قالَ: " رخَّصَ لنا رسولُ اللهِ ﷺ في السّوطِ، والعَصا، والحبلِ، وأشباهِهِ، يلتقطهُ الرجلُ ينتفعُ بهِ " (٧)، رواهُ أبو داودَ من حديثِ المغيرةِ بنِ زيادٍ، وهو مُختلفٌ في توثيقِهِ، قالَ: ورواهُ شَبابَةُ عن مُغيرةَ بنِ مسلمٍ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جابرٍ، قالَ: " كانوا، لمْ يَذكر النبيّ ﷺ ". عن رجلٍ عن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ " أنّ عَليّاً وجدَ ديناراً فأتى بهِ فاطمةَ، فسألتْ عنهُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: هو رزقُ اللهِ، فأكلَ منهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، وأكلَ عليٌّ وفاطمةُ، فلما كانَ بعدَ ذلكَ أتت امرأةٌ تنشُدُ الدّينارَ، فقالَ رسولُ: يا عليُّ أدِّ الدّينار " (٨)، رواهُ أبو داود، وهذا إسنادٌ لا تقومُ بمثله حُجّةٌ، إلا أنهُ رواهُ أيضاً من حديثِ سَهْلِ بنِ سَعدٍ بأطولَ من هذا السّياقِ، وهو ظاهرٌ في عَدمِ تعريفِ الدّينارِ، وهو وجهٌ في المذهبِ، لكن في إسنادِهِ ضَعفٌ أيضاً. وقد رَوى ابنُ خُزَيمةَ من حديثِ عَطاءِ بنِ يَسارٍ " أنهُ قالَ: وجدَ عليٌّ ديناراً فجاءَ بهِ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالَ: وجدتُ هذا، فقالَ: اذهبْ فَعرّفهُ، فمكثَ ما شاءَ اللهُ، قالَ: يا رسولَ اللهِ عرَّفْتُهُ، فلمْ أجدْ أحداً يتعرّفُهُ، قالَ فشأنُكَ بهِ - الحديث " (٩). وهذا مُرْسَلٌ، وفيهِ إثباتُ التعريفِ، وهو مُقَدَّمٌ، لأنهُ مسكوتٌ عنهُ في الحديثين الأوَّلين، اللهمَّ إلا أن يُقالَ: إنّهما واقعتان. وقد يُستدَلُّ بهذ اعلى أنهُ يكفي في تعريفِ القليلِ مضيّ زمانٍ يغلبُ على الظّنِّ أنّ فاقدَهُ قد أعرضَ عنهُ غالباً، حيثُ لمْ يُذكرْ فيهِ الحَولُ، وهذا الذي صحَّحهُ النّوويُّ

стр. 467

وغيرُهُ، واللهُ أعلمُ. عن زيدِ بنِ خالدٍ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " فإنْ جاءَ صاحبُها فعرَفَ عِفاصَها، ووِعاءَها، وَوِكاءَها، فأعطهِ إيّاهُ، وإلا فهيَ لكَ " (١٠)، رواهُ مُسلمٌ بهذا اللفطِ. فَيُستدَلُّ بهِ على أنها تدخلُ في مُلْكِ المُلْتقِطِ بمُضِيِّ الحَولِ بعدَ التعريفِ، لأنَّ الشارعَ حكَمَ بأنّها لهُ بعد مُضِيّ الحَولِ بعدَ التعريفِ، وهو أحدُ الوجهينِ. عن ابن عبّاسٍ: أنّ النبيَّ ﷺ قالَ يومَ فتحِ مكّةَ: " إن هذا البلدَ حرّمهُ اللهُ يومَ خلقَ السماواتِ والأرضَ، فهو حَرامٌ بحرمةِ اللهِ، لا يُعضَدُ شَوكُهُ، ولا يُنفَّرُ صَيدُهُ، ولا تُلْتقَطُ لُقَطَتُهُ إلا مَنْ عرَّفَها " (١١)، أخرجاهُ. ولهما عن أبي هريرة (١٢) نحوَهُ. وعمومُ هذه الأحاديث دالٌّ على صحّةِ التقاطِ العبدِ، والمُبعّضِ، والمُكاتبِ، والفاسقِ والكافرِ أيضاً على المذهبِ. عن زيد بنِ خالدٍ " أن رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن ضالّةِ الإبلِ، فغضِبَ، وقالَ: دَعْها فإنّ معَها سِقاءها وحذاءَها تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشّجرَ، حتّى يجدَها ربُّها، وسُئِلَ عن الشاةِ، فقالَ: خُذْها، فإنّما هيَ لكَ، أو لأخيكَ، أو للذئبِ " (١٣)، أخرجاهُ.

стр. 468

٣٠ - بابُ: اللَّقيطِ قالَ اللهُ تعالى: " وتَعاوَنُوا على البِرِّ وَالتَّقْوى ". عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " المسلمُ أخو المسلمِ، لا يَظلمُهُ، ولا يُسلِمُهُ، مَن كانَ في حاجةِ أخيهِ، كانَ اللهُ في حاجتِهِ، ومَن فرَّجَ عن مُسلمٍ كُرْبةً، فرَّجَ اللهُ عنهُ بها كُرْبةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومن سَتَرَ على مسلمٍ سَتَرهُ اللهُ يومَ القيامة " (١)، أخرجاه. ففي قولِه " ولا يُسلمُهُ "، دليلٌ على التقاط المنبوذِ. عن الحسَنِ عن عليٍّ: " أنهُ قَضى في اللَّقيطِ أنهُ حُرٌّ، وقرَأ هذهِ الآيةَ: " وَشَرَوْهُ بثَمنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدودَةٍ وكانُوا فيهِ من الزَّاهدينَ " (٢)، رواهُ البَيْهقيُّ. وعن أبي الأسودِ الدَّيليِّ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: " الإسلامُ يَزيدُ، ولا يَنقُصُ " (٣)، رواهُ أبو داودَ الطَّيالِسيُّ في مُسْنَدِهِ هكذا. وأخرجَهُ أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ في سُنَنِهِ من حديثِ أبي الأسودِ: " أنّ رجلاً حدّثَهُ عن مُعاذٍ فَذَكرَهُ *. والغَرَضُ: أنهُ يُستدَلُّ بهِ على أنّ اللَّقيطَ إذا وُجِدَ في بَلَدِ الكُفّارِ وفيهِ مسلمون، أن يُحكمَ بإسلامِهِ على المَذْهبِ. قالَ مالكٌ عن الزُّهْريِّ سمعَ سُنَيْناً أبا جَميلة يقولُ: " وجدتُ مَنبوذاً على عهدِ عمرَ،

стр. 469

فذكرَهُ عَريفي لعمرَ، فأرسَ إليَّ فَدعاني والعريفُ عندَهُ، فلما رآني قالَ: عَسى الغُوَيْرُ أبؤساً، فقالَ عَريفي: إنه لا يُتَّهَمُ، فقال عمرُ: ما حَمَلكَ على أخذِ هذهِ النَّسمةِ؟، قالَ: وجدْتُ نَفْساً بِمَضْيعةٍ فأحببْتُ أن يأجُرَني اللهُ فيها، قالَ: هو حرٌّ، وولاؤُهُ لكَ، وعليْنا رضاعُهُ، وفي لَفْظٍ: ونَفَقَتُهُ في بيتِ المالِ " (٤). ورَواهُ الشافعيُّ عن مالكٍ. ويُؤيّدُ ذلكَ ما أخرجاهُ عن أبي هريرةَ، قالَ ﵇: " من تَركَ مالاً فَلِوَرَثتِهِ، ومن تَركَ كَلاًّ فإلَيْنا " (٥). عن أبي هُريرةَ، قالَ ﵇: " كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ - الحديث " (٦)، أخرجاهُ. يُمكنُ أن يُستدَلَّ بهِ على أنهُ إذا ادّعى نَسَبَهُ كافرٌ لمْ يُقْبلْ منهُ إلا بِبَيِّنةٍ، لأنّا لما فَقدْنا أبوَيهِ حَكَمْنا بإسلامهِ تبعاً للدارِ، فلا يُعْدَلُ عن ذلكَ إلا بِبَيِّنةٍ. وعنهُ قالَ ﵇: " بينَما امرأتانِ في بَني إسرائيلَ، عَدا الذئبُ فأخذَ ابنَ إحداهما فتنازَعتا في ابن الأخرى، فاخْتَصمَتا إلى داودَ فحكمَ بهِ للكبرى، فمَرَّتا على سليمانَ فسألهما فذكرَتا لهُ، فقالَ: ائتوني بالسِّكينِ أقدُّهُ نِصفين، فقالَتْ الصُّغْري: لا تَفعلْ يَرحَمُكَ اللهُ، هوَ ابنُها، فحكمَ بهِ لها " (٧)، أخرجاهُ. فدَلَّ على صحّةِ دَعوى المرأةِ الولدَ، وقبولها. . عن عائشةَ، قالتْ: دَخلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ مسروراً تَبرُقُ أساريرُ وجهِهِ، فقالَ: ألم تَريْ أنّ مُجزّراً نظرَ آنفاً إلى زيدِ بنِ حارثةَ وأُسامةَ بنِ زيدٍ، فقالَ: إن بعضَ هذهِ

стр. 470

الأقدامِ لَمِن بعضٍ، وفي لَفْظٍ " وكانَ مُجزّر قائفاً " (٨)، أخرجاهُ. فدلَّ على اعتبارِ قولِ القائفِ في ذلكَ، لأنهُ ﵇ استبشرَ بذلكَ، لأنَّ زيداً كانَ أبيضَ، وأُسامةُ أنه كانَ أسودَ كاللَّيلِ، وكانَ قدْ تكلّمَ بعضُ مَن لا يعلمُ في ذلكَ، فلما قال مُجزّرٌ ذلكَ فرِحَ النبيّ ﷺ .

стр. 471

٣١ - بابُ: الوَقْفِ عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عملُهُ إلا من ثَلاثٍ، إلا من صَدَقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنْتفعُ بهِ، أو ولدٍ صالحٍ يدعو لهُ " (١)، رواهُ مُسلمٌ. قالَ الأئمةُ: والصَّدقةُ الجاريةُ: هي الوَقفُ المستمرُّ. عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قالَ: أصابَ عمرُ أرضاً بخيبرَ، فأتى النبيَّ ﷺ يستأمرُهُ فيها، فقال يا رسولَ اللهِ: إني أصبتُ أرضاً بخيبرَ لمْ أُصِبْ مالاً قطُّ هو أنفَسُ عندي منها، فما تأمرُني به؟ قالَ: إن شئتَ حبستَ أصلَها، وتصدّقْتَ بها، قالَ: فتصدّقَ عمر في الفقراءِ، وفي القُربى، وفي الرّقابِ، وفي سبيلِ اللهِ، وابنِ السبيلِ، والضّيفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَليها أن يأكلَ منها بالمعروف أو يُطعمَ صديقاً غيرَ مُتَموِّلٍ فيهِ، وفي لفظٍ غيرَ مُتأَثّلٍ (٢)، أخرجاهُ. تقدَّمَ حديثُ " بعث رسول اللهِ ﷺ عمرَ على الصّدَقةِ، وفيهِ: وأما خالدٌ فإنّكُمْ تَظلمون خالداً، وقدْ احتبسَ أدراعَهُ وأعتادَهُ في سبيلِ الله " (٣)، وفي رواية " أعبدَهُ " فدلَّ على صحةِ وقفِ الحيوانِ، والمنقولاتِ، وغيرِ ذلكَ، لأنّ الحبسَ هو الوقفُ. عن يَحبى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ عن صدقةِ عمرَ بنِ الخطّابِ، قالَ نَسخَها لي عبدُالحميدِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ - فذكرَ الحديثَ إلى أن قالَ: بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ: هذا ما أوصى عبدُ اللهِ عمرُ أميرُ المؤمنين إن حدَثَ لي حدثٌ أن ثَمغاً وصِرْمةَ ابنَ

стр. 472

الأكوعِ والعبدَ الذي فيهِ، والمائةَ سَهمٍ التي بخيبرَ، ورقيقهُ الذي فيهِ، والمائةَ التي أطعمهُ محمد ﷺ بالوادِي تليهِ حَفْصةُ ما عاشَتْ، ثمَّ يليهِ ذو الرّأيِ من أهلِها - الحديث " (٤)، رواهُ أبو داود بسندٍ صحيحٍ إليه. تقدّمَ حديثُ المسلمونَ على شروطِهم إلا شَرْطاً أحلَّ حَراماً أو حرَّمَ حلالاً " (٥)، فما شَرَطَهُ الواقفُ من ذلك أتّبعَ

стр. 473

٣٢ - بابُ: الهِبَةِ عن أبي هريرةَ، قالَ ﵇: " يا نساءَ المؤمناتِ، لا تَحقِرَنَّ جارةٌ جارتَها وَلوْ بِفرْسَنِ شاةٍ " (١)، أخرجاهُ. ففيه الحَثُّ على الهباتِ، والهَدايا، وصَدَقاتِ التطَوُّعِ. عن مَيْمونةَ بنتِ الحارثِ الهِلاليةِ أمِّ المؤمنين " أنها أعْتقتْ وليدةً لها، ولمْ تَستأْذِنْ النبيَّ ﷺ ، فلما كانَ يومُها الذي يدوُ علَيْها فيهِ، قالتْ: يا رسولَ اللهِ: أشعرتَ أني أعتقْتُ وَليدَتي؟ قالَ: أو فَعلتِ؟ قالتْ: نعَمْ، قالَ أمّا أنّكِ لَوْ أعْطيتِها أخوالَكِ، كانَ أعظمَ لأجرِكِ " (٢)، أخرجاهُ. فدَل على أنّ الهِبةَ للأقاربِ أفضلُ من غيرِهم. عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ، قالَ: " تصدَّقَ عليَّ أبي ببعضِ مالهِ، فقالتْ أُمّي عَمْرةُ بنتُ رَواحةَ: لا أرضى حتّى تُشهِدَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فانطلَقَ أبي إلى رسولِ اللهِ ﷺ لِيُشهِدَهُ على صَدقَتي، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : أفعَلتَ هذا بوَلَدِكَ كلِّهمْ؟، قالَ: لا، قالَ: اتّقوا اللهَ واعدِلوا في أولادِكُمْ، فرجعَ أبي، فردَّ تلكَ الصّدقةَ " (٣)، أخرجاهُ، ولفْظُهُ لمسلمٍ. ولهُ أيضاً، قالَ: " فكلُّ إخوتِهِ أعْطيتَهُ كما أعطيتَ هذا، قالَ: لا، قالَ: فَردَّهُ " (٤). عن أبي هريرة، قالَ ﵇: " العُمْرى جائزةٌ " (٥)، أخرجاهُ.

стр. 474

ولهما عن جابرٍ: " قضى رسولُ اللهِ ﷺ بالعُمْرى أنّها لمنْ وُهِبتْ لهُ " (٦). ولمسلمٍ عنهُ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " أيّما رجلٍ أعمرَ عُمْرى لهُ ولعَقبهِ، فقالَ: أعطيتَكَها وعَقِبكَ ما بقي منهمْ أحَدُ، فإنّها لمن أُعطيَها، وإنّها لا تَرجعُ إلى صاحبِها، من أجلِ إنهُ أعطاها عطاءٌ وقعَتْ فيهِ المَواريثُ " (٧). ولهُ عنه، قالَ: قالَ ﵇: " أمسِكوا عَليْكُمْ أموالَكُمْ، ولا تُفسدوها، فإنّهُ من أعمرَ عُمْرى فهيَ لمنْ أُعمِرَها حيّاً ومَيْتاً، ولعَقبهِ " (٨). قد يُستدَلُّ بهِ على أنهُ يصحُّ وإنْ لمْ يذكرِ العَقِبَ أيضاً. عن جابرٍ أنهُ قالَ: " إنّما العُمرى التي أجازَ رسولُ اللهِ ﷺ : أن يقولَ: هِي لكَ ولعَقبكَ، أما إذا قالَ: هيَ لكَ ما عشتَ، فإنّها ترجعُ إلى صاحبِها، قالَ مَعْمرٌ: وكانَ الزُّهريُّ يُفْتي بهِ " (٩)، رواهُ مُسلمٌ. ففيهِ دلالةٌ للقولِ الثالث - وهو أنهُ إذا لمْ يذكر العقِبَ صحَّ، وتكونُ للمُعمرِ في أصل حياتِهِ، فإذا ماتَ رجَعَتْ إلى المُعمرِ، أو إلى ورَثَتِهِ، وإن كانَ قد ماتَ، ثمّ هو أصلٌ في الرُّقْبى. وقدْ رَوى أحمدُ، وأهلُ السُّننِ عن جابرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " العُمْرى جائزةٌ لأهلِها " (١٠)، وقالَ الترمذِيُّ: حديثٌ حَسنٌ. وقدَ رَوى النِّسائيُّ عن ابنِ عبّاسٍ، وزيدِ بنِ ثابتٍ مثلَهُ، أو نحوَهُ. وعن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا رُقْبى، فمَن أُرقبَ شيئاً، فهي لهُ،

стр. 475

حياتَهُ ومماتَهُ، قالَ: والرُّقْبى: أن يقولَ: هي للآخر منّي ومنكَ مَوتاً " (١١)، رواهُ أحمدُ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة، وهذا لفظُهُ. عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قال: " لو دُعيتُ إلى كُراعٍ لأجبتُ، ولو أُهديَ إليَّ ذِراعٌ لَقَبلتُ " (١٢)، رواهُ البخاريُّ. استدَلّوا بهِ على افتقارِ الهبةِ إلى القبولِ. قالَ موسى بنُ عُقْبة عن أمّ كُلثومٍ بنتِ أبي سَلَمةَ، قالتْ: " لما تزوّجَ رسولُ الله ﷺ ، قالَ لها: إني قدْ أهديتُ إلى النَّجاشيِّ حُلّةً وأواقيّ من مِسكٍ، ولا أرى النّجاشيَّ إلا قدْ ماتَ، لا أرى هَديّتي إلا مردودةٌ، فإن رُدّتْ عليَّ فهيَ لكِ، قالتْ: وكانَ كما قالَ رسولُ اللهِ ﷺ رُدَّتْ عليهِ هديّتُهُ، فأعطى كلَّ امرأةٍ من نسائهِ أُوقيّة مِسْكٍ، وأعطى أُمَّ سَلَمةَ بقيّةَ المِسكِ والحُلّةِ " (١٣)، رواهُ أحمدُ. ففيهِ دلالةٌ على أنّ الهديّةَ والهبةَ لا تُمَلكانِ إلا بالقَبْضِ. وقالَ مالكٌ في المُوَطَّأ عن ابنِ شهابٍ عن عُرْوةَ عن عائشةَ: " أنّ أبا بكرٍ كان نَحَلها جدادُ عشرين وَسْقاً من مالِهِ بالغابةِ، فلما حَضرتْهُ الوفاةُ، قالَ: يا بُنيّةُ: إني كنتُ نحلْتُكِ جدادَ عشرين وَسْقاً، ولو كنتِ جَدَدْتيهِ وأحرزتيهِ كانَ لكِ، وإنّما هو اليومَ مالُ الوارثِ، فاقْتسِموهُ على كتابِ اللهِ " (١٤)، هذا إسنادٌ صحيحٌ. عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: " أنهُ كانَ معَ رسولِ اللهِ ﷺ على بَكرٍ صَعْبٍ لعمرَ، وكانَ يتقدّمُ النبيَّ ﷺ ، فيقولُ أبوهُ: يا عبدَ اللهِ، لا يَتقدّمْ رسولَ اللهِ ﷺ أحدٌ، فقالَ النبيُّ ﷺ : بعْنيهِ، قالَ عمرُ: هو لكَ، فاشتراهُ ثمَّ قالَ: هو لكَ يا عبدَاللهِ، فاصنعْ بهِ ما شئتَ " (١٥)، رواهُ البخاريُّ.
следующие страницы →