← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 471–510 · переход к 476.

стр. 471

٣١ - بابُ: الوَقْفِ عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عملُهُ إلا من ثَلاثٍ، إلا من صَدَقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنْتفعُ بهِ، أو ولدٍ صالحٍ يدعو لهُ " (١)، رواهُ مُسلمٌ. قالَ الأئمةُ: والصَّدقةُ الجاريةُ: هي الوَقفُ المستمرُّ. عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قالَ: أصابَ عمرُ أرضاً بخيبرَ، فأتى النبيَّ ﷺ يستأمرُهُ فيها، فقال يا رسولَ اللهِ: إني أصبتُ أرضاً بخيبرَ لمْ أُصِبْ مالاً قطُّ هو أنفَسُ عندي منها، فما تأمرُني به؟ قالَ: إن شئتَ حبستَ أصلَها، وتصدّقْتَ بها، قالَ: فتصدّقَ عمر في الفقراءِ، وفي القُربى، وفي الرّقابِ، وفي سبيلِ اللهِ، وابنِ السبيلِ، والضّيفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَليها أن يأكلَ منها بالمعروف أو يُطعمَ صديقاً غيرَ مُتَموِّلٍ فيهِ، وفي لفظٍ غيرَ مُتأَثّلٍ (٢)، أخرجاهُ. تقدَّمَ حديثُ " بعث رسول اللهِ ﷺ عمرَ على الصّدَقةِ، وفيهِ: وأما خالدٌ فإنّكُمْ تَظلمون خالداً، وقدْ احتبسَ أدراعَهُ وأعتادَهُ في سبيلِ الله " (٣)، وفي رواية " أعبدَهُ " فدلَّ على صحةِ وقفِ الحيوانِ، والمنقولاتِ، وغيرِ ذلكَ، لأنّ الحبسَ هو الوقفُ. عن يَحبى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ عن صدقةِ عمرَ بنِ الخطّابِ، قالَ نَسخَها لي عبدُالحميدِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ - فذكرَ الحديثَ إلى أن قالَ: بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ: هذا ما أوصى عبدُ اللهِ عمرُ أميرُ المؤمنين إن حدَثَ لي حدثٌ أن ثَمغاً وصِرْمةَ ابنَ

стр. 472

الأكوعِ والعبدَ الذي فيهِ، والمائةَ سَهمٍ التي بخيبرَ، ورقيقهُ الذي فيهِ، والمائةَ التي أطعمهُ محمد ﷺ بالوادِي تليهِ حَفْصةُ ما عاشَتْ، ثمَّ يليهِ ذو الرّأيِ من أهلِها - الحديث " (٤)، رواهُ أبو داود بسندٍ صحيحٍ إليه. تقدّمَ حديثُ المسلمونَ على شروطِهم إلا شَرْطاً أحلَّ حَراماً أو حرَّمَ حلالاً " (٥)، فما شَرَطَهُ الواقفُ من ذلك أتّبعَ

стр. 473

٣٢ - بابُ: الهِبَةِ عن أبي هريرةَ، قالَ ﵇: " يا نساءَ المؤمناتِ، لا تَحقِرَنَّ جارةٌ جارتَها وَلوْ بِفرْسَنِ شاةٍ " (١)، أخرجاهُ. ففيه الحَثُّ على الهباتِ، والهَدايا، وصَدَقاتِ التطَوُّعِ. عن مَيْمونةَ بنتِ الحارثِ الهِلاليةِ أمِّ المؤمنين " أنها أعْتقتْ وليدةً لها، ولمْ تَستأْذِنْ النبيَّ ﷺ ، فلما كانَ يومُها الذي يدوُ علَيْها فيهِ، قالتْ: يا رسولَ اللهِ: أشعرتَ أني أعتقْتُ وَليدَتي؟ قالَ: أو فَعلتِ؟ قالتْ: نعَمْ، قالَ أمّا أنّكِ لَوْ أعْطيتِها أخوالَكِ، كانَ أعظمَ لأجرِكِ " (٢)، أخرجاهُ. فدَل على أنّ الهِبةَ للأقاربِ أفضلُ من غيرِهم. عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ، قالَ: " تصدَّقَ عليَّ أبي ببعضِ مالهِ، فقالتْ أُمّي عَمْرةُ بنتُ رَواحةَ: لا أرضى حتّى تُشهِدَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فانطلَقَ أبي إلى رسولِ اللهِ ﷺ لِيُشهِدَهُ على صَدقَتي، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : أفعَلتَ هذا بوَلَدِكَ كلِّهمْ؟، قالَ: لا، قالَ: اتّقوا اللهَ واعدِلوا في أولادِكُمْ، فرجعَ أبي، فردَّ تلكَ الصّدقةَ " (٣)، أخرجاهُ، ولفْظُهُ لمسلمٍ. ولهُ أيضاً، قالَ: " فكلُّ إخوتِهِ أعْطيتَهُ كما أعطيتَ هذا، قالَ: لا، قالَ: فَردَّهُ " (٤). عن أبي هريرة، قالَ ﵇: " العُمْرى جائزةٌ " (٥)، أخرجاهُ.

стр. 474

ولهما عن جابرٍ: " قضى رسولُ اللهِ ﷺ بالعُمْرى أنّها لمنْ وُهِبتْ لهُ " (٦). ولمسلمٍ عنهُ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " أيّما رجلٍ أعمرَ عُمْرى لهُ ولعَقبهِ، فقالَ: أعطيتَكَها وعَقِبكَ ما بقي منهمْ أحَدُ، فإنّها لمن أُعطيَها، وإنّها لا تَرجعُ إلى صاحبِها، من أجلِ إنهُ أعطاها عطاءٌ وقعَتْ فيهِ المَواريثُ " (٧). ولهُ عنه، قالَ: قالَ ﵇: " أمسِكوا عَليْكُمْ أموالَكُمْ، ولا تُفسدوها، فإنّهُ من أعمرَ عُمْرى فهيَ لمنْ أُعمِرَها حيّاً ومَيْتاً، ولعَقبهِ " (٨). قد يُستدَلُّ بهِ على أنهُ يصحُّ وإنْ لمْ يذكرِ العَقِبَ أيضاً. عن جابرٍ أنهُ قالَ: " إنّما العُمرى التي أجازَ رسولُ اللهِ ﷺ : أن يقولَ: هِي لكَ ولعَقبكَ، أما إذا قالَ: هيَ لكَ ما عشتَ، فإنّها ترجعُ إلى صاحبِها، قالَ مَعْمرٌ: وكانَ الزُّهريُّ يُفْتي بهِ " (٩)، رواهُ مُسلمٌ. ففيهِ دلالةٌ للقولِ الثالث - وهو أنهُ إذا لمْ يذكر العقِبَ صحَّ، وتكونُ للمُعمرِ في أصل حياتِهِ، فإذا ماتَ رجَعَتْ إلى المُعمرِ، أو إلى ورَثَتِهِ، وإن كانَ قد ماتَ، ثمّ هو أصلٌ في الرُّقْبى. وقدْ رَوى أحمدُ، وأهلُ السُّننِ عن جابرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " العُمْرى جائزةٌ لأهلِها " (١٠)، وقالَ الترمذِيُّ: حديثٌ حَسنٌ. وقدَ رَوى النِّسائيُّ عن ابنِ عبّاسٍ، وزيدِ بنِ ثابتٍ مثلَهُ، أو نحوَهُ. وعن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا رُقْبى، فمَن أُرقبَ شيئاً، فهي لهُ،

стр. 475

حياتَهُ ومماتَهُ، قالَ: والرُّقْبى: أن يقولَ: هي للآخر منّي ومنكَ مَوتاً " (١١)، رواهُ أحمدُ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة، وهذا لفظُهُ. عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قال: " لو دُعيتُ إلى كُراعٍ لأجبتُ، ولو أُهديَ إليَّ ذِراعٌ لَقَبلتُ " (١٢)، رواهُ البخاريُّ. استدَلّوا بهِ على افتقارِ الهبةِ إلى القبولِ. قالَ موسى بنُ عُقْبة عن أمّ كُلثومٍ بنتِ أبي سَلَمةَ، قالتْ: " لما تزوّجَ رسولُ الله ﷺ ، قالَ لها: إني قدْ أهديتُ إلى النَّجاشيِّ حُلّةً وأواقيّ من مِسكٍ، ولا أرى النّجاشيَّ إلا قدْ ماتَ، لا أرى هَديّتي إلا مردودةٌ، فإن رُدّتْ عليَّ فهيَ لكِ، قالتْ: وكانَ كما قالَ رسولُ اللهِ ﷺ رُدَّتْ عليهِ هديّتُهُ، فأعطى كلَّ امرأةٍ من نسائهِ أُوقيّة مِسْكٍ، وأعطى أُمَّ سَلَمةَ بقيّةَ المِسكِ والحُلّةِ " (١٣)، رواهُ أحمدُ. ففيهِ دلالةٌ على أنّ الهديّةَ والهبةَ لا تُمَلكانِ إلا بالقَبْضِ. وقالَ مالكٌ في المُوَطَّأ عن ابنِ شهابٍ عن عُرْوةَ عن عائشةَ: " أنّ أبا بكرٍ كان نَحَلها جدادُ عشرين وَسْقاً من مالِهِ بالغابةِ، فلما حَضرتْهُ الوفاةُ، قالَ: يا بُنيّةُ: إني كنتُ نحلْتُكِ جدادَ عشرين وَسْقاً، ولو كنتِ جَدَدْتيهِ وأحرزتيهِ كانَ لكِ، وإنّما هو اليومَ مالُ الوارثِ، فاقْتسِموهُ على كتابِ اللهِ " (١٤)، هذا إسنادٌ صحيحٌ. عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: " أنهُ كانَ معَ رسولِ اللهِ ﷺ على بَكرٍ صَعْبٍ لعمرَ، وكانَ يتقدّمُ النبيَّ ﷺ ، فيقولُ أبوهُ: يا عبدَ اللهِ، لا يَتقدّمْ رسولَ اللهِ ﷺ أحدٌ، فقالَ النبيُّ ﷺ : بعْنيهِ، قالَ عمرُ: هو لكَ، فاشتراهُ ثمَّ قالَ: هو لكَ يا عبدَاللهِ، فاصنعْ بهِ ما شئتَ " (١٥)، رواهُ البخاريُّ.

стр. 476

فقدْ وهبَ منهُ شيئاً في يدِهِ، وأذِنَ لهُ في قَبضِهِ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " العائدُ في هبتِهِ، كالكلبِ يقيءُ ثمَّ يعودُ في قَيْئِهِ " (١٦)، أخرجاهُ. عن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ (١٧) عن طاوسٍ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عبّاسٍ رفَعاهُ إلى النبيِّ ﷺ ، أنهُ قالَ: " لا يَحلُّ للرجلِ أن يُعطيَ العطيةَ فيرجعَ فيها، إلا الوالدَ فيما يُعطي ولدَهُ " (١٨)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّنَنِ، وقالَ الترمذيُّ: حديث ابنِ عبّاسٍ حسنٌ صحيحٌ. رواهُ الشافعيُّ عن طاوسٍ مُرْسلاً. وعن عَمْرِو بن شُعَيبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا يرجع في هبتِهِ إلاّ الوالدُ من ولدِهِ " (١٩)، رواهُ أحمدُ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة، والبيهقيُّ، وقالَ: يحتملُ أن عمرَو بنَ شُعيبٍ سمعَهُ من الوجهين معاً. تقدّمَ حديثُ النُّعْمانِ: " تصدَّقَ عليَّ أبي ببعضِ مالِهِ، وإنهُ ﵇ أمرَهُ بالرّجوعِ في ذلك (٢٠)، فدَلَّ على أنّ لهُ أنْ يَرجعَ في الصّدقةِ أيضاً - وهو المَذْهبُ المنصُوصُ. عن أبي هُريرةَ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا أُتيَ طَعاماً سألَ عنهُ: أهديّةٌ أم صَدَقةٌ، فإن قيلَ صدقةٌ، قالَ لأصحابهِ: كُلوا، وإن قيلَ هديّةٌ، ضربَ بيدِهِ فأكلَ معهم " (٢١)، أخرجاهُ. ولمْ يُذكَرْ فيهِ ثواباً، فاسْتَدلّوا بهِ على أنها لا تَقْتضي الثّوابَ، وهذا

стр. 477

الذي صَحّحوهُ، من القولين. عن عائشةَ، قالتْ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يقبَلُ الهديةَ ويُثيبُ عَليْها " (٢٢)، رواهُ البخاريُّ. يُستدَلُّ بهِ على القولِ الآخرِ. عن المَقْبُريِّ عن أبي هُريرةَ: " أنَّ أعرابياً أهدى إلى رسولِ اللهِ ﷺ بَكْرةً، فعوَّضَهُ منها سِتَّ بَكْراتٍ فَتسَخَّطَهُ، فبلغَ ذلكَ النبيَّ ﷺ ، فحمدَ اللهَ، وأثنى عليهِ، ثمَّ قالَ: إنّ فُلاناً أهدى إليَّ ناقةً، وهيَ ناقتي أعرفُها كمَا أعرفُ بعضَ أهْلي، ذهَبتْ مِنّي يومَ زغاباتٍ فَعوَّضْتُهُ منها بسِتّ بَكْراتٍ فظلَّ ساخطاً، لقدْ هممْتُ أن لا أقبلَ هديّةً إلا من قُرَشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثَقفيٍّ، أو دَوْسيٍّ " (٢٣)، رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ. ولأبي داودَ، والنّسائيِّ: بعضُهُ، وإسنادُهُ صحيحٌ. فيُستدلُّ بهِ على أنهُ يثيبُهُ إلى أنْ يَرضى، وهو أحدُ الأقوالِ، والثاني: يُكرِمُهُ قدرَ الموهوبِ، ويُستَأْنَسُ فيهِ بحديثِ عمرَ: " أنّ رجلاً كانَ يُلقّبُ حماراً، وكانَ يُهدي إلى رسولِ اللهِ ﷺ العكّةَ من السّمنِ والعَسلِ، فإذا جاءَ صاحبهُ يتقاضاهُ جاءَ بهِ إلى النبيِّ ﷺ فيقولَ: أعطِ هذا متاعَهُ، فما يَزيدُ ﷺ على أن يَتبسّمَ، ويأمرَ بهِ فيُعطى " هكذا رواهُ الحافظُ أبو بكر: أحمدُ بنُ عمرو ابن عاصمٍ (٢٤). وأصلُ الحديثِ في صَحيحِ البخاريِّ مُخْتصراً (٢٥). الثالثُ: يُكرمُهُ ما يكونُ ثواباً لمثلِهِ في العادةِ لحديثِ أنسٍ ﵁: " أ، رجلاً من أهلِ الباديةِ كانَ اسمُهُ زاهراً، كانَ يُهدي للنبيِّ ﷺ الهديّةَ من الباديةِ فيُجَهّزهُ

стр. 478

النبيّ ﷺ إذا أرادَ أن يخرجَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنّ زاهراً باديتُنا، ونحنُ حاضِروهُ، وكانَ ﵇ يُحبّهُ. . الحديث " (٢٦)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وهذا لفظُهُ، وابنُ حِبّانَ في صحيحهِ، وإسنادُهُ على شرطِ الصّحيحنِ. عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بن مُجَمّعِ بنِ حارثَة عن عَمْرو بنِ دينارٍ عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " الرّجلُ أحقُّ بهبتِهِ، ما لمْ يُثَبْ منها " (٢٧)، رواهُ ابنُ ماجة، وإبراهيمُ، هذا ضعيفٌ. وقدْ رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ عن سفيانَ بنِ عُيَيْنةَ عن عمرِو بنِ دينارٍ عن سالمٍ عن أبيهِ عن عمرَ قولِهِ، قالَ البخاريُّ: وهذا هوَ الصحيحُ. وقد رَواهُ البيهقيُّ من وجهٍ آخرَ مَرفوعاً، ثمّ قالَ: الصحيحُ أنهُ من قولِ عمرَ.

стр. 479

٣٣ - بابُ: الوَصيَّةِ عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ ﵇: " ما حَقُّ إمرئٍ مُسلمٍ لهُ شيءٌ يوصى فيه يبيتُ ليْلتين إلا وَوصيّتُهُ مكتوبةٌ عندَهُ " (١)، أخرجاه. وتقدَّمَ حديثُ: " رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ، عن المجنون حتّى يفيق، وعن الصَّبيِّ حتّى يَحْتلمَ، وعن النائمِ حتّى يَسْتيقظَ " (٢)، وهو عامٌّ في الصّبيِّ المُمَيّز، وغيرِهِ، وهوَ الذي صحَّحهُ النَّوويُّ. ولكنْ رَوى مالكٌ في المُوَطَّأ من حديثِ عَمْرِو بنِ سُلَيمٍ الزُّرَقِيّ: " أنهُ قيلَ لعمرَ بنِ الخطابِ: إنّ هاهُنا غُلاماً يَفاعاً لمْ يَحْتلمْ من غَسانَ ووَرَثتُه بالشامِ، وهو ذو مالٍ، وليسَ لهُ ها هُنا إلاّ ابنةُ عمٍّ لهُ، فقالَ: فَلْيوصِ لها، فأوصَى لها بمالٍ يُقالُ لهُ: بئرُ جشمٍ، قالَ عمرو بنُ سُليمٍ: فبيعَ ذلكَ المالُ بثلاثينَ ألفاً، وابنةُ عمِّهِ التي أوصى لها أمّ عَمْرو بنِ سُلَيْم " (٣). عن أبي ذرٍّ، قلتُ: " يا رسولَ اللهِ، ألا تَستعملني؟، قالَ: فضربَ بيدهِ على مِنكبي، ثمّ قالَ: يا أبا ذرٍّ، إنكَ ضعيفٌ، وإنّها أمانةٌ، وإنها يومَ القيامةِ خِزْيٌ ونَدامةٌ، إلا من أخذَها بحقّها، وأدّى الذي عليهِ فيها " (٤)، رواهُ مسلمٌ. وفي لَفظٍ لهُ: " يا أبا ذرٍّ: إني أراكَ ضعيفاً، وإني أُحبُّ لكَ ما أُحبُّ لنفسي، لا تأمرَنَّ على اثنين، ولا تولَّيَنَّ مالَ يَتيمٍ ".

стр. 480

قدْ تقدَّمَ في الإمامةِ: " أنهُ ﵇ استخلفَ على المدينةِ ابنَ أمِّ مَكتومٍ، وكانَ أعمى " (٥)، فَيُؤْخَذُ منهُ صحّةُ الوصيّةِ إليهِ - وهوَ الصّحيحُ من والوجهينِ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " لمّا بعث رسولُ اللهِ ﷺ سَريةَ مُؤْتةَ، أمَّرَ عليْهمْ زيدَ بنَ حارثةَ، وقالَ: إن قُتِلَ زيدٌ فجعفرُ، فإن قُتِلَ جعفرٌ فعبدُ اللهِ بنُ رَواحةَ. . الحديث " (٦)، رواهُ البخاريُّ. فَيُؤْخَذُ منهُ أنهُ إذا أوصى إلى رجلٍ، ثمَّ بعدَهُ إلى آخرَ يجوزُ. عن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " منْ عملَ عملاً ليسَ عليهِ أمرُنا، فهو رَدٌّ " (٧)، راوه مسلمٌ. فمن أوصى بمعصيةٍ، لا تصحُّ وصيّتُهُ، وكذا من أوصى لوارثٍ أيضاً، لأنها كانتْ واجبةً في ابتداءِ الإسلامِ، ثمَّ نُسِخَ ذلكَ، وجاءَ في النّهي عنها أحاديثُ كثيرةٌ. فمنها: حديثُ قَتادةَ عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ عن عبدِ الرّحمن بنِ غنْمٍ عن عَمْرو بنِ خارِجَةَ، قالَ: " خَطَب رسولُ اللهِ ﷺ ، فقالَ: إنّ الله قدْ أعطى كلِّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصيَّةَ لوارثٍ " (٨)، رواهُ أحمدُ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ. رواهُ الدارَقُطني، والبيهقيُّ من حديثِ إسماعيلَ بنِ مُسلمٍ المكيِّ وهو: مَتروكٌ. عن الحسنِ البَصْريِّ عن عَمْرو بنِ خارجةَ، وزادَ: " إلا أن يُجيزَ الوَرَثةُ ". وفي حديثِ ابنِ عباسٍ، وعمْرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: مثلُ هذهِ الزّيادةِ، ولا يَصحُّ شيءٌ من ذلكَ، على أنّ الشافعيّ روى أصلَ الحديثِ مُرْسَلاً، عن مجاهد:

стр. 481

" أنهُ ﵇، قالَ: " لا وصيّةَ لوارثٍ "، ثمَّ قالَ: وقد رَوى بعضُ الشاميينَ حديثاً ليسَ مِمّا يُثبتُهُ أهلُ الحديثِ، بأنَّ بعضَ رجالِهِ مجهولونَ، ورُوِّيناهُ مُنقطعاً، واعتمدُوا على حديثِ أهلِ المَغازي عامةًّ: أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ عامَ الفتح: " لا وصيّةَ لوارثٍ " وإجماعِ العامّةِ على القولِ بهِ، هذهِ عبارَتُهُ. عن عليّ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " ليسَ لقاتلٍ وصيّةٌ " (٩)، رواهُ البيهقيُّ من حديثِ مُبَشِّرِ بنِ عُبيدٍ - وهو متروكٌ عن الحجّاجِ بنِ أرطاةٍ، وفيهِ ضعفٌ، عن عاصمٍ عن زِرٍّ عنهُ. عن يحيى بنِ عبدِ الله بنِ أبي قتادةَ عن أبيه: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ حينَ قدمَ المدينةَ سألَ عن البَراءِ بنِ مَعْرورٍ، قالوا: تُوفّيَ، وأوصى بثُلُثِهِ لكَ، قالَ: قدْ ردَدْتُ ثُلُثهُ على ولدِهِ " (١٠)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ حسنٍ. عن سعدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، قالَ: جاءني النبيُّ ﷺ يعودُني منْ وجَعٍ اشتدّ بي، فقلت: يا رسولَ اللهِ إني قدْ بلغَ من الوَجع ما ترى، وأنا ذو مالٍ (١١) إلاّ ابنةٌ، أفأتصدّقُ بثُلثي مالي؟ قال: لا، قلت: بالشطر؟ قال: لا، ثم قال: الثلث (١٢)، والثلث كثيرٌ أو كبيرٌ، إنّك إن تذرَ وَرَثتَك أغنياءً خيرٌ مِنْ أنْ تَدَعهُم عالةً يَتَلفَّقون الناس. . الحديث " (١٣)، أخرجاه. عن ابن عباس أنه قالَ: " لو أنّ الناسَ غَضّوا من الثُلثِ إلى الرُّبُعِ، فإنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: الثلُثُ، والثلُثُ كثيرٌ أو كبيرٌ " (١٤)، أخرجاهُ.

стр. 482

عن أبي هُريرَة: " جاءَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الصّدقةِ أفضلُ؟، قالَ: أن تصدَّقَ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ، تَخشى الفقرَ، وتأملُ الغِنى، ولا تُمهلْ حتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقومَ، قلتَ: لفُلانٍ كذا، ولِفُلانٍ كذا، وقدْ كانَ لِفُلانٍ " (١٥)، أخرجاهُ. عن أبي الدَّرْداءِ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: " إنّ الله تصدّقَ عليْكمْ بثُلثِ أموالِكمْ عندَ وفاتِكُم " (١٦)، رواهُ أحمدُ من حديثِ أبي بكر بن أبي مَرْيمَ، وفيهِ ضعفٌ. ولابنِ ماجة عن أبي هريرةَ مرفوعاً مثلُهُ، وفي سَندِه طَلْحةُ بنُ عَمرو - وهو ضعيفٌ. وللدارقُطنيِّ عن مُعاذٍ مَرفوعاً: نحوهُ، وفيهِ: القاسمُ بنُ عبدِ الرّحمن - وهوَ ضعيفٌ أيضاً، ولكن قد يقوى الحديثُ بانْضمام بعضِ هذهِ الطّرقِ إلى بعضٍ، فيُستدَلُّ بهِ على أنّ مَن تبرَّعَ وهو في مَرضٍ مخوفٍ أنهُ تُخرجُ وصيّتُهُ من الثلُثِ. عن سعيدِ بنِ المُسيّبِ، قالَ: " مضَتِ السُّنةُ أن يُبْدأ بالعتاقةِ في الوَصيّةِ " (١٧)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ: صحيحٍ عنهُ. وقد نصَّ غيرُ واحدٍ من علماءِ الأصولِ والحديثِ على أنهُ إذا قالَ التابعيُّ: " من السّنةِ كذا " أنهُ يُنزَّلُ منزلةَ مُرْسَلهِ، إذا كان ذلكَ من الصّحابي في حُكمِ المرفوعِ، وهو الصحيحُ الذي نصَّ عليهِ الشافعيُّ، وقد عُلمَ أن مُرسلاتِ سعيدِ بنِ المسيّب: حسانٌ، وممنْ نصَّ على ذلكَ الشافعيُّ، وغيرُهُ. عن عِمران بنِ حُصيْنٍ: " أنّ رجلاً أعتقَ ستّةَ ممْلوكين لهُ، وفي لَفْظٍ: أن رجلاً من الأنصارِ أوصى عند موتِهِ، فأعتقَ ستّةَ مملوكين لهُ، لم يكنْ لهُ مالٌ غيرُهم، فدعا بهم رسولُ اللهِ ﷺ فجزَّاهم أثلاثاً، ثمَّ أقرعَ بينَهم، فأعتقَ اثنينِ، وأرَقَّ أربعةً، وقالَ لهُ: قولاً شديداً " (١٨)، رواهُ مسلمٌ.

стр. 483

وعندَ أحمدَ: " فجاءَ ورَثَتُهُ من الأعرابِ، فأخبروا رسولَ اللهِ ﷺ بذلكَ - وذكرَ - الحديث "، ففيه: أن تبرُّعَ المريضِ من الثلُثِ، وإنهُ إذا أوصى بأكثرَ من الثُلثِ، فيرُدُّ الوارثُ ما زادَ، وصحَّ في الباقي. عن الشَّريدِ بنِ سُوَيْدٍ: " أنَّ أمَّهُ أوصتْ أن يُعْتَقَ عنها رقبةٌ مُؤمنةٌ، فسألَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن ذلكَ وقالَ: عندي جاريةٌ سَوداءُ، قالَ: ايتِ بها، فقالَ لها: من ربُّكِ؟ قالَتْ: الله، قالَ: من أنا؟، قالتْ: أنتَ رسولُ اللهِ، قالَ: اعتقْها، فإنها مؤمنةٌ " (١٩)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنّسائيُّ. عن ابنِ مسعود: " أنَّ رجلاً جعلَ لرجل سَهْماً من مالِهِ، فلما ماتَ الرجلُ لمْ يُدرَ كمْ يُعْطى، فرُفعَ ذلكَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فجعلَ لهُ السُّدُسَ من مالِهِ "، رواهُ أبو بكرِ بنُ أبي عاصمٍ من حديثِ محمدِ بنِ عُبيْدِ اللهِ العَرْزَميِّ - وهو متروكٌ. قالَ أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ: حدَّثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ - هو السَّلوليُّ - عن عُمارةَ بنِ زاذانَ الصَّيْدلانيِّ عن ثابتٍ عن أنسٍ: " أنهُ أوصى لهُ بمثلِ نصيبِ ولدِهِ " (٢٠).

стр. 484

٣٤ - بابُ: العِتْقِ عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " منْ أعتقَ رقَبةً مؤمنةً، أعتقَ اللهُ بكلِّ إرْبٍ منهُ إرْباً منهُ من النّارِ " (١)، أخرجاهُ، ولفظهُ لمسلمٍ. وقد رُويَ هذا الحديثُ عن جماعةٍ من الصّحابةِ. عن أبي المَليحِ عن أبيهِ: " أنّ رجلاً أعتقَ شِقْصاً من غُلامٍ "، فذكرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ ، فقالَ: ليسَ فيهِ شَريكٌ، وأجازَ عِتْقهُ " (٢)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفْظُهُ، والنّسائيُّ، فيُؤخذُ منهُ أنّ من أعتقَ بعضَ عبدِهِ، أنهُ يُعتقُ عليه جميعهُ، فأما إن أعتقَ بعضَ عبدِهِ بينَهُ وبينَ غيرِهِ، فقد أخرجا في الصحيحين عن سالمٍ عن أبيه عن النبي ﷺ : " مَنْ أعتقَ عبْداً بينَ اثنين، فإنْ كان موسراً قُوِّمَ عليهِ، ثمّ يُعْتقُ " (٣)، وهذا لفظُ البخاريّ. ولمسلمٍ: " من أعتقَ عبداً بينَهُ وبينَ آخرَ، قُوِّمَ عليهِ في مالِهِ قيمةَ عَدْلٍ، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، ثمّ عُتِقَ عليهِ في مالِهِ إن كانَ موسِراً " (٤). عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " من أعتقَ شِرْكاً لهُ في عبدٍ، فكانَ لهُ مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ قُوِّمَ العبدُ عليهِ قيمةَ عدْلٍ فأُعطيَ شركاؤهُ حِصَصَهمْ، وعُتقَ عليه العبدُ، وإلا فقدْ عَتقَ منهُ ما عَتقَ " (٥)، أخرجاهُ.

стр. 485

عن قَتادةَ عن الحسنِ عن سَمُرة: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: " من مَلكَ ذا رَحمٍ مَحْرمٍ، فهو حُرٌّ " (٦)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وقالَ الترمذيُّ: لا نعرفُهُ مُسْنداً إلا عن حمّاد يعني - ابنَ سَلمةَ عن قَتادة، قالَ: وقد رُويَ عن قتادةَ عن الحَسنِ عن عمرَ. قلتُ: وقد رُويَ عن قَتادةَ عن عمرَ، قولهِ، وعن قَتادةَ عن الحسنِ قولهِ، وهذا اضطرابٌ في الحديثِ معَ الاختلافِ في سماعِ الحسنِ من سمرةَ. عن أبي هريرةَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يَجزي ولدٌ والدَهُ، إلا أن يَجدَهُ مَمْلوكاً فيَشتريَهُ، فَيعْتِقَهُ " (٧)، رواهُ مسلمٌ.

стр. 486

٣٥ - بابُ: التَّدبيرِ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، قالَ: " المدَبَّرُ من الثُّلُثِ " (١)، رواهُ أبو محمدٍ الدّارميُّ في مُسْندِهِ. ورُويَ مَرفوعاً، قالَ أبو زُرْعة الرّازيُّ: وهو باطلٌ. عن جابر، قالَ: " أعتقَ رجلٌ منّا عبداً عن دبُرٍ، فدعا النبيّ ﷺ فباعَهُ " (٢)، أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاريّ. وفي لفْظٍ: " قال: دبّر رجلٌ من الأنصارِ غُلاماً لمْ يكنْ لهُ مالٌ غيرُه، فباعَهُ رسولُ الله ﷺ بثمانِمائةِ درهمٍ، ثمّ أرس ثمنهُ إليه ". فدلَّ على صحةِ بيعِ المدَبَّر، وإنه يَصحُّ الرجوع عن التدبير بالبيع ونحوِهِ. قال مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عمرَ: " دبّرَ رجلٌ جاريتين، فكانَ يَطَأهُما وهما مُدَبَّرتان " (٣).

стр. 487

٣٦ - بابُ: الكتابةِ قالَ الله تعالى: " والّذينَ يَبْتغونَ الكتابَ ممّا مَلَكتْ أيْمانُكمْ فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فيهمْ خيراً وآتوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الّذي آتَاكُمْ ". عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " فكاتِبوهُمْ إن عَلِمْتُمْ فيهمْ خيراً "، قالَ: إن عَلمتمْ فيهمْ حِرفةً، ولا تُرسلوهُمْ كِلاباً على الناسِ " (١)، رواهُ أبو داودَ في المراسيلِ. عن أنسٍ، قالَ: " أرادني سيرين على الكتابةِ فأبَيْتُ، فأتى عمرَ فأخبرَهُ، فأقبلَ عليَّ عمرُ بالدّرّةِ، وقالَ: كاتبهُ " (٢)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. وهذا محمولٌ عندَ الأصحابِ على الاستحبابِ لحديثِ أنسٍ: " لا يَحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا بطيبِ نفسهِ " (٣). وعن الحسنِ البصْريِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " كلُّ أحدٍ أحقُّ بمالِهِ، من والدِهِ وولدِهِ، والنّاسِ أجمعينَ " (٤). رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ في سُنَنِهِ، وقد قوّى غيرُ واحدٍ من الأئمّةِ مُرْسَلاتِ الحَسنِ. ثم قد أُرسلَ من وجهٍ كما رواهُ الحسنُ بنُ عَرَفةَ عن هُشَيْمٍ عن عبد الرحمن بنِ يحيى عن حِبّانَ بنِ أبي جَبَلَةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " كلُّ أحَدٍ أحقُّ بمالِهِ من والدِهِ، وولدِهِ، والنّاسِ أجمعينَ ".

стр. 488

قالَ جماعةٌ من الأصوليين، منهم الشافعيُّ: إذا أُرسلَ الحديثُ من وجهين قَوِيَ. عن عائشةَ، قالتْ: " دخَلتْ عليَّ بريرةُ، فقالتْ: إن أهلي كاتَبوني على تسعِ أوَاقي لهمْ عدّةً واحدةً، وأُعتقكِ، ويكونُ الولاءُ لي فعلتُ، فذكَرَتْ ذلكَ لأهلِها فأبوا إلا أن يكونَ الولاءُ لهمْ، فأتتْني، فذكَرَتْ ذلكَ، قالتْ: فانتَهرْتُها، فقالتْ: لاهاً الله، إذنْ، قالتْ: فسمعَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فسألني فأخبرْتُهُ، فقالَ: اشتريها واعتقيها واشْترِطي لهم الوَلاءَ، فإنّ الولاءَ لمنْ أعتقَ، ففعلتُ، قالتْ: ثمَّ خَطبَ رسولُ اللهِ ﷺ عَشِيَّةً، فحمدَ اللهَ وأثنى عليه بما هو أهلُهُ، ثمَّ قالَ: أمّا بعدُ: فما بالُ أقوامٍ يَشترطونَ شُروطاً ليستْ في كتابِ اللهِ، ما كانَ من شَرطٍ ليسَ في كتابِ اللهِ فهو باطلٌ، وإن كانَ مائةَ شرطٍ، كتابُ اللهِ أحقُّ، وشَرطُ اللهِ أوثقُ، ما بالُ رجالٍ منكمْ يقولُ: اعتقْ فلاناً والولاءُ لي، إنّما الولاءُ لمنْ أعتقَ " (٥)، أخرجاهُ، ولفظُهُ لمسلمٍ. وقد استنبطَ الأئِمةُ من هذا الحديثِ عامّةَ أحكامِ هذا البابِ، وأجابوا عمّا جاءَ فيهِ " اشتريها، واشتَرطي لهم الولاءَ "، بأجوبةٍ كثيرةٍ، قد جمعْتُها في موضعٍ على حِدَةٍ. عن عَمْرو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جدّه: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " أيّما عبدٍ كاتبَ على مائةِ أُوقيّةٍ فأدّاها إلا عشرَ أواقٍ، فهو عبدٌ، وأيّما عبدٍ كاتبَ على مائةِ دينارٍ فأدّاها إلا عشرَ دنانيرَ، فهو عبدٌ " (٦)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ من حديثِ جماعةٍ عن عَمْرو بنِ شُعيْبٍ، وهو: صحيحٌ عنهُ. ورَواهُ أبو دوادَ من وجهٍ آخرَ عنهُ، ولفظُهُ: " المُكاتبُ عبدٌ ما بَقيَ عليهِ من مُكاتَبتِهِ درهمٌ ". رواهُ الشافعيُّ من كلامِ زيدِ بنِ ثابتٍ، وقالَ: لا أعلمُ رواهُ - يعني - مُسْنداً سِوى عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ، وعليهِ فُتْيا المُفْتين.

стр. 489

وقد رواهُ البيهقيُّ من حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ عن عبدِ اللهِ بنِ السّائبِ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمروٍ مرفوعاً: نحوَهُ، ثمَّ قالَ: ولا أراهُ مَحفوظاً. قد تقدَّمَ: أن سلمانَ الفارسِيَّ كاتبَ ذلكَ اليهودِيَّ الذي كان قد اشْتراهُ، فدَلَّ على صحّةِ مكاتبةِ الكافرِ عبدَهُ المسلمَ، واللهُ أعلمُ.

стр. 490

٣٧ - بابُ: عِتْقِ أُمِّ الوَلدِ عن أبي سعيدٍ الخُدْريّ، قالَ: " قيلَ يا رسولَ اللهِ ﷺ : إنا نُصيبُ سَبايا ونحبُّ المالَ، فكيفَ ترى في العَزْلِ؟، فقالَ: لا عليكمْ أن لا تَفعلوا، فإنهُ ليستْ نَسمَةُ كتبَ الله أن تخرجَ إلا وهيَ كائنةٌ " (١)، أخرجاهُ، استدَلّوا بهِ على المنعِ من بيعِ أُمّهاتِ الأولادِ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أيّما رجلٍ ولدَتْ أمَتُهُ منهُ، فهيَ مُعْتقةٌ عن دُبُرٍ منهُ " (٢)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجَة، والدارَقُطنيُّ من حديثِ حُسينِ بنِ عبدِ الله بنِ عُبيْدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ عن عِكْرِمةَ عنهُ، وحُسينُ هذا: متروك الحديث. ورَوى ابنُ ماجة بهذا السّندِ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: ذُكِرَتْ أمُّ إبراهيمَ عندَ النبيِّ ﷺ ، فقالَ: أعتقَها ولَدُها " (٣). وقد ذُكرَ لهذا مُتابعاتٌ من وجوهٍ أُخَرَ، من أمْثَلِها: ما رواهُ قاسمُ بنُ أصبغَ في مُصَنّفِهِ عن مُصْعَبِ بنِ محمدٍ عن عُبيْدِاللهِ بنِ عَمْرٍو الرَّقّي عن عبدِ الكريمِ الجَزَريِّ عن عِكْرمة عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " لما ذُكِرَتْ ماريةُ أمُّ إبراهيمَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أعتقَهَا ولَدُها " (٤). وهذا الإسنادُ: رجالُهُ ثقاتٌ، وهو من أحسنِ ما رُويَ في هذا البابِ، وقدْ صحَّحهُ

стр. 491

أبو محمدٍ بنُ حَزْمِ الظّاهريِّ، واعتمدَ عليهِ في هذهِ المسألةِ، وقد عُلِّلَ بما رواهُ الثَّوريُّ عن أبيهِ عن عِكْرمةَ: " أن عمرَ قالَ في أمِّ الولدِ: أعتقَهَا ولَدُها ". وإن كانَ سُقْطاً. قالَ البيهقيُّ: فرجعَ الحديثُ إلى قولِ عمرَ، وهو الأصلُ في ذلكَ. قلتُ: ويُؤيّدُ ذلكَ: أنّ الشافعيَّ لما ذكرَ أمَّ الولدِ، وإنّها لا تُباعُ، قالَ: وهو: تقليدٌ لعمرَ بنِ الخطابِ، وهو كما قالَ فيهِ محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خُزيْمة كلُّ سُنّةٍ لا تبلغُ الشافعيَّ " (٥)، وهكذا مالكٌ لم يذكر في مُوطئهِ حديثاً مرفوعاً، فإنّما رَوى عن نافعٍ عن عبد اللهِ بنِ عمرَ: " أن عمرَ قالَ: " أيُّما وليدةٍ ولدَتْ من سيِّدها فإنّهُ لا يَبيعُها، ولا يَهبُها، ولا يُورِّثُها، وهو يَسْتَمتعُ بها، فإذا ماتَ فهي حرّةٌ " (٦). وقد رُويَ هذا من غيرِ وجهٍ عن عمرَ ﵁، وقد حَكى الإجماع على المنعِ من بيعِهنَّ غيرُ واحدٍ من أئمةِ المتأخرين، وعليهِ عملُ الناسِ اليومَ، وحكى فيها آخرونَ خِلافاً، وصنّفَ فيها غيرُ واحدٍ من الفقهاء، وقد أفْردتُ ذلكَ في جُزءٍ على حِدَةٍ، تَلَخّصَ لي فيها أربعةُ أقوالٍ عن الشافعيِّ نفسِهِ، وفي المسألةِ من حيثُ هي ثمانيةُ أقوالٍ، قد فَصَّلْتُها هناكَ، ولله الحمدُ.

стр. 492

٣٨ - بابُ: الوَلاءِ عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، قالَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعِ الوَلاءِ وعن هِبَتِهِ " (١)، أخرجاهُ. وعنهُ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الوَلاءُ لُحْمةٌ كلحمةِ النَّسبِ، لا يُباعُ ولا يُوهبُ " (٢)، رواهُ الشافعيُّ، وابنُ خُزَيْمةُ، والطَّبرانيُّ، ولهُ طرقٌ عنهُ، وقد عَلَّلهُ ابنُ خُزَيمةَ. تقدّمَ قولُهُ ﵇: " إنّما الولاءُ لمنْ أعتقَ " (٣)، وفي لفظٍ للبخاري: " الوَلاءُ لمن أعطى الوَرِقَ، ووَلِيَ النِّعمةَ ". قالَ مالكٌ عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرحمن: " أنّ الزُّبيرَ بنَ العَوّام اشْترى عبداً فأعتقَهُ، ولذلكَ العبدِ بنونٌ من امرأةٍ حرّةٍ، فلما أعتقَهُ قالَ الزُّبيرُ: هم مَواليَّ، وقد قالَ مَوالي أمّهم همْ: مَوالينا، فاختصموا إلى عثمانَ، فقَضى للزُّبيرِ، بولائِهم " (٤). ثمَّ رواهُ عن هشامِ بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ: مثلَ حديثِ ربيعةَ، وكلاهما: فيهِ انقطاعٌ إلا أنهُ قويٌّ، واللهُ أعلمُ. عن أبي بكرِ بنِ عبد الرحمن بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ: " أنّ العاصَ بنَ هشامٍ هلَكَ وتركَ بنينَ لهُ ثلاثةً، اثنان لأمٍّ، ورجلٌ لعَلّةٍ، فهلكَ واحدُ اللّذين لأمٍّ، وتركَ مالاً وموالياً،

стр. 493

فوَرثَهُ أخوهُ الذي لأبيهِ وأُمِّهِ، مالَهُ ومواليهِ، ثمّ هلكَ الذي ورثَ المالَ وولاءَ الموالي وتركَ ابنَهُ وأخاهُ لأبيهِ، فقالَ ابنُهُ: قد أحرزتُ ما كانَ أبي أحرزَهُ من المالِ وولاءِ الموالي، وقالَ أخوهُ: ليسَ كذلكَ: إنّما أحرزتَ المالَ، وأما ولاءُ الموالي، فلا، أرأيتَ لو هَلكَ أخي اليومَ ألسْتُ أرِثُهُ؟، فاختصمَا إلى عثمانَ فقضى لأخيهِ بوَلاءِ الموالي " (٥)، رواهُ مالكٌ في الممُوَطَّأ. وقال الإمامُ أبو داود ﵀، أبو بكرٍ، وعثمانُ، وعليٌّ، وزيدُ بنُ ثابتٍ يُورِّثون الكبيرَ من الوَلاءِ. وقالَ أحمدُ: حديثُ عمرَ عن النبيِّ ﷺ : " ما أحرَزَ الوالدُ والولدُ، فهو لعَقبتِهِ من كان " (٦)، وهكذا يرويهِ عمرو بنُ شُعَيبٍ. وقد رُويَ عن عمرَ، وعثمانَ، وعليّ، وزيدٍ، وابن مسعود: " أنّهم قالوا: الولاءُ للكبير "، فهذا الذي يُذهَبُ إليه، وهو قولُ أكثرِ الناسِ فيما بلَغَنا. قلتُ: هذا الحديثُ الذي أشارَ إليهِ أحمدُ ﵀، هو في مُسندِهِ مُخْتصَراً، وأخرجَهُ أبو داودَ في سُنَنِه مُطوَّلاً، وفيه قصّةٌ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجة، وهو صحيحٌ إلى عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، وهو غَريبٌ جدّاً. وعن الزُّهريِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " المولى أخٌ في الدّينِ، ونعمةٌ، وأحَقُّ الناسِ بميراثِهِ أقربُهمْ من المُعتِقِ " (٧)، رواهُ أبو محمدٍ الدّارِميُّ، وهو: مُرْسلٌ، ولفظُهُ: غريبٌ. قد تقدَّمَ قولُه ﵇: " الوَلاءُ لمنْ أعطى الوَرق، ووَلي النعمة " (٨)، رواهُ البخاريُّ. وهذا عامٌّ في الرّجالِ والنّساءِ.

стр. 494

وعن واثِلةَ بنِ الأسْقَعِ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " المرأةُ تحوزُ ثلاثةَ مواريثَ: عَتيقَها، ولَقيطَها، وولَدَها الذي لاعَنَتْ عليهِ " (٩)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ من حديثِ عمرَ بنِ روبة عن عبد الواحدِ بنِ عبدِ اللهِ النصريّ عنهُ، وقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وعن عبد الله بنِ شَدَّادٍ: " أنّ ابنةَ حمزةَ أعتقتْ عبداً لها فماتَ، وتركَ ابنتَهُ ومولاتَهُ ابنةَ حمزةَ، فقسمَ رسولُ اللهِ ﷺ مالهُ بينَ ابنتِهِ ومولاتِهِ ابنةِ حمزةَ نصفينِ " (١٠)، رواهُ أبو محمدٍ الدارميُّ، والنَّسائيُّ بإسنادٍ جيّدٍ، قالَ النَّسائيُّ: وهذا أولى بالصّوابِ من حديثِ ابن أبي ليلى، لأنهُ كثيرُ الخطأ. قلتُ: رواهُ النّسائي هو وابنُ ماجة من حديثِ ابنِ أبي ليلى عن الحَكمِ عن عبدِ الله بنِ شدّادٍ عن بنتِ حمزةَ، وهي أُختُهُ لأُمِّهِ، فذكرَ مثلَ ما تقدّم، وليسَ بمنكرٍ، واللهُ أعلمُ. وأمّا حديثُ ابنِ لهيعةَ عن عمرو بنِ شُعَيبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " يَرثُ الولاءَ من يَرِثُ المالَ " (١١)، فرواهُ الترمذيُّ، وقالَ: إسنادُهُ ليسَ بقويٍّ. قلتُ: لحالِ عبدِ الله بنِ لهيعَةَ، وما في عَمْرو بنِ شُعيبٍ من الكلامِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 495

٢ - كتابُ الفَرائض عن عبدِ الله بنِ عمرو ﵄: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " العلمُ ثلاثةٌ، وما سوى ذلكَ، فهو فَضْلٌ، آيةٌ مُحْكَمةٌ، أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادِلةٌ " (١)، رواهُ أبو داود، وهذا: لَفْظُهُ، وابنُ ماجة، وفي بعضِ نسخِه: عبدُ الله بنُ عمرَ، بدل عَمْرو، واللهُ أعلمُ. وهو من حديثِ عبدِ الرّحمنِ بنِ زيادِ بنِ أنْعُمَ الإفريقيِّ، وفيهِ: ضَعفٌ عن عبدِ الرّحمنِ بنِ رافعٍ التَّنوخيِّ عنهُ. وعن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " يا أبا هريرةَ تعلّم الفَرائضَ، وعَلّموهُ (٢)، فإنهُ نصفُ العلمِ، وهو يُنسى، وهو أوّلُ شيءٍ يُنْزعُ من أُمّتي " (٣)، رواهُ ابنُ ماجة من حديثِ حفصِ بنِ عمرَ بنِ أبي العَطافِ - وهو متروكُ الحديثِ، لكنْ قد رُويَ لهُ شَواهدُ أُخَرُ، ومن حديثِ ابنِ مسعودٍ، وأبي سعيدٍ الخُدْريِّ، وفي كلٍّ منها: ضَعفٌ، واللهُ أعلمُ. قالَ سفيانُ بنُ عُييْنةَ: إنما قيلَ للفرائضِ نصفُ العلمِ، لأنهُ يُبْتَلى بهِ الناسُ كلُّهمْ. فصلٌ في ذكرِ قاعدة كبيرةٍ في الفَرائضِ، وهو أن مذهبَ الشافعيَّ فيه كثيراً ما يُطابقُ مذهبَ زيدِ بنِ ثابتٍ، وما ذاكَ إلا لأنهُ قد وردَ مدحُهُ فيها، وذلكَ فيما رواهُ أبو قِلابة عبدُاللهِ بنُ زيدٍ الجَرْميُّ البَصْريُّ عن أنَسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أرحمُ أُمّتي بأُمّتي: أبو بكرٍ، وأشدُّهم في دين اللهِ عمرُ، وأصدقُها حياءً عثمانُ، وأعلمُها بالحلالِ

стр. 496

والحرامِ: مُعاذُ بنُ جَبَلٍ، وأقرؤُها لكتابِ اللهِ: أُبيٌّ، وأعلمُها بالفرائضِ زيدُ بنُ ثابتٍ، ولكلِّ أُمّةٍ أمينٌ، وأمينُ هذهِ الأمّةِ: أبو عبيْدةَ بنُ الجَرّاحِ (٤)، أخرجَهُ الإمامُ أحمدُ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة. وأخرجَ البخاريُّ في صحيحِهِ: " لكلِّ أُمّةٍ أمينٌ، وأمينُ هذهِ الأمّةِ: أبو عُبيْدةَ بن الجَرّاحِ (٥)، فقطْ، ولم يذكر الباقي، فتكلّم الناسُ في ذلكَ، فقالَ الدارقُطنيُّ: إنّ ذلكَ لمْ يسمعْهُ أبو قِلابةَ من أنسٍ، وإنّما هو منقطعٌ. قلتُ: وكذا رواهُ جماعةٌ عن خالدٍ الحَذّاءِ عن أبي قِلابةَ مُرْسَلاً. ورُويَ عن عمرَ: " الثّناءُ على زيدِ بنِ ثابتٍ في الفَرائضِ ". وقال الشعبيُّ: " علمَ زيدٌ بخصلتين " (٦). وقال الزُّهريُّ: " لولا أن زيدَ بنَ ثابتٍ كتبَ الفرائضَ، لرأيتُ أنها ستذهبُ من الناسِ ". قالَ اللهُ تعالى: " يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادِكُمْ. . . الآية " والتي بعدَها، وآيةُ الصيفِ آخرُ السّورةِ، استنبطَ كثيرٌ من الأئمةِ عامّةَ أحكامِ الفرائضِ من هذهِ الثلاثِ آياتٍ، وقد أفردَ ابنُ عبدِ البَرِّ لذلكَ مُصَنَّفاً، وتبعَهُ في ذلكَ السُّهَيْليّ فأبدعَ وأغربَ. وعن أُسامةَ بنِ زيدٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا يَرِثُ الكافرَ المسلمَ، ولا المسلمُ الكافرَ " (٧)، أخرجاهُ. استدَلّ بهِ الشافعيُّ على أن المرتدَّ لا يُورَثُ، وقالَ: رُوي عن معاويةَ: أنهُ كتبَ

стр. 497

إلى ابنِ عبّاسٍ، وزيدِ بنِ ثابتٍ يسألُهما عن مالِ المرتدِّ، فقالا: لبيتِ المالِ ". وقد استدَلَّ بعضُ الأصحابِ فيما حكاهُ البيهقيُّ بحديثِ البَراءِ بنِ عازبٍ، قالَ: " لقيتُ خالي، ومعَهُ الرّايةُ، فقلت: أين تريدُ؟، فقالَ: بعثَني رسولُ اللهِ ﷺ إلى رجلٍ تزوّجَ امرأةَ أبيهِ من بعدِهِ، أن أضربَ عنقَهُ، وآخذَ مالَهُ " (٨)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، ولمْ يذكر الترمذيُّ، وابنُ ماجة: " أخذَ المالِ " وحملوا هذا الحديثَ على أنهُ فعلَ ذلك مُعتقداً حلَّه، فارتدَّ بذلكَ، فأخذَ مالَهُ فَيْئاً، واللهُ أعلمُ. عن عليّ ﵁: أنّ النبيَّ ﷺ قالَ: " إذا أصابَ المكاتبُ حدّاً أو ميراثاً وُرِّثَ بحسابِ ما عُتقَ منهُ " (٩)، رواهُ أبو داود، والترمذيُّ، وهذا لفظُهما، والنسائيُّ، ثمَّ رواه موقوفاً، وقالَ: هو أشبهُ بالصّوابِ. وقد احتجَّ الإمام أحمدُ: بهذا الحديثِ على أنّ العبدَ إذا كانَ نصفُهُ حرّاً، أنهُ يَرثُ بقدرِ ما فيهِ من الحريّةِ، وهو أحدُ القولين في مذهبنا. عن عليٍّ ﵁، قالَ: " إنّكُم تقرأون: " مِنْ بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصَى بِهَا أو دَيْنٍ "، وإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَضى بالدّينِ قبلَ الوَصيّةِ، وإن أعيانَ بني الأُمِّ يتوارثون دونَ بني العَلاّثِ، يرثُ الرّجلُ أخاهُ لأبيهِ وأُمِّهِ، دونَ أخيهِ لأبيهِ " (١٠)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: لا نعرفُه إلا من حديثِ أبي إسحاقَ عن الحارثِ عن عليٍّ، وقد تكلّمَ بعضُهم في الحارثِ. عن أبي هريرةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قالَ: " القاتلُ لا يَرثُ " (١١)، رواهُ الترمذيُّ، وابنُ ماجة، والدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ كلُّهم من

стр. 498

حديثِ إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي فَرْوةَ عن الزّهريّ عن حُميدِ بنِ عبد الرحمن بنِ عوفٍ عنهُ، قالَ الترمذيُّ: لا يصحُّ، ولا نعرفُهُ إلا من هذا الوجهِ، وإسحاقُ تركهُ بعضُ أهلِ العلمِ. قالَ البيهقيُّ: إسحاقُ، هذا: لا يُحتجُّ بهِ، إلا أن شواهدَهُ تُقَوّيهِ. وقد رَوى أبو داودَ في المراسيلِ من حديثِ ابنِ أبي ذِئْبٍ عن الزُّهريّ عن سعيدِ بنِ المُسَيّبِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا يَرثُ قاتلٌ من دية من قَتلَ " (١٢)، وهذا أشبهُ بالصّوابِ، واللهُ أعلمُ. وعن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ليسَ لقاتلٍ ميراثٌ " (١٣) رواهُ عبدُ الرّزاق عن مَعْمرٍ عن عَمرو بنِ برقٍ عن عِكْرِمةَ عنهُ. وعن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريّ عن عَمْرو بنِ شُعيْبٍ عن عمرَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " ليسَ لقاتلٍ ميراثٌ " (١٤)، رواهُ الإمامان مالكٌ، وأحمدُ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة، وهو منقطعٌ بينَ عَمْرو بنِ شُعيبٍ وعمرَ. قالَ النّسائيُّ: وهذا: هوَ الصّوابُ، وقدّمَ ذلكَ على ما رواهُ عن عليِّ بنِ حُجْرٍ عن إسماعيلَ بنِ عيّاشٍ عن يحيى بنِ سعيدٍ، وابنِ جُرَيْجٍ وذكرَ آخرَ وهو المُثَنَّى بنُ الصّباحِ عن عَمْرو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ليسَ للقاتلِ من الميراثِ شيءٌ " (١٥). ورواهُ البيهقيُّ من حديثِ جماعةٍ عن إسماعيلَ بنِ عيّاشٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ فقطْ عن

стр. 499

عَمرو بنِ شُعَيْبٍ بهِ، وعلى كلِّ تقديرٍ، فإسنادُ ابنِ عيّاشٍ لا يُحتجُّ بما رواهُ عن غيرِ الشاميين عندَ الأكثرين، وهذا منهُ، والعجبُ من ابنِ عبدِ البرِّ مع جلالتِهِ واتّساعِ اطلاعِهِ وإمامَتِهِ كيفَ صحَّح هذا الحديثَ من هذا الوجهِ في كتابِ الفرائضِ لهُ، ونقلَ الاتّفاقَ على ذلكَ معَ ما فيهِ من العِلَلِ القادمةِ، وهي أنّ إسماعيلَ بنَ عيّاشٍ نفسَهُ، قد تُكُلِّمَ فيهِ، ثمّ روايتهُ عن غيرِ الشاميين، ثمّ عَمْرو بن شعيبٍ نفسه ثم اتصال نسخته أو إرسالها، أو انقطاعها، ثمّ ما تقدّمَ لهُ من العِلّةِ، كما رواهُ الإمامُ مالكٌ عن يحيى بنِ سعيدٍ عن عَمْرِو بنِ شُعيْبٍ عن عمرَ بن الخطابِ مرفوعاً، وهو: مُنْقطعٌ. وقالَ الشّعبيُّ: قالَ عمرُ: " لا يرِثُ القاتلُ خطأ، ولا عَمْداً " (١٦)، رواهُ الدارقطنيّ، ورواهُ البيهقيُّ عن الشّعبيِّ عن عليّ، وزيدٍ، وعبدِ الله، قالوا: " لا يرثُ القاتلُ عَمداً، ولا خطأ شيئاً ". ونقلَهُ عَبيدَةُ السَّلْمانيُّ إجماعاً في العَمدِ، فأمَّا الخطأُ، فعن الشافعيِّ قولٌ: أنهُ يرثُ، وبهِ قالَ سعيدُ بنُ المُسيَّبِ، وعطاءٌ، ومحمدُ بنُ جُبيْرِ بنِ مُطْعمٍ. قالَ الشافعيُّ: قد رَوى بعضُ أصحابِنا في ذلكَ حديثاً لا يُثبتُهُ أهلُ العلمِ بالحديثِ، يعني ما رواهُ محمدُ بنُ سعيدٍ الطائفيُّ أحدُ الثقاتِ عن عَمْرِو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قامَ يومَ فتحِ مكَّةَ فقالَ: " المرأةُ ترثُ من ديةِ زوجِها ومالِهِ، وهو يَرثُ من ديتِها ومالِها ما لمْ يقتلْ أحدُهما صاحبهُ، فإذا قتلَ أحدُهما صاحبَهُ عمداً لم يَرِثْ من ديتِهِ ومالِهِ شيئاً، وإن قتلَ أحدهما صاحبهُ خطأً وَرثَ من مالِهِ، ولمْ يرثْ من دِيتِهِ " (١٧). هكذا رواهُ ابنُ ماجة بهذا اللفظِ، والدارَقُطنيُّ. قالَ البيهقيُّ: ورواهُ الواقدِيُّ وليسَ بحجّةٍ عن الضَّحاكِ بنِ عثمانَ عن عَمْرو بنِ شُعيْبٍ وعن (١٨) مَخْرمةَ بنِ بُكيْرٍ عن أبيهِ عن عَمْرٍو: فذكرَهُ. واللهُ أعلمُ.

стр. 500

عن أُسامةَ بنِ زيدٍ ﵄: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا يرثُ المسلمُ الكافرَ، ولا يرثُ الكافرُ المسلمَ " (١٩)، أخرجاهُ. قد استُدِلَّ بعمومِ هذا الحديثِ على أن المرتدَّ لا يرثُ أحداً، لأنّهُ ليسَ من أهلِ دينٍ مُعَيّنٍ، واللهُ أعلمُ. قالَ الشافعيُّ: إنّما لمْ يَرث العبدُ، لأنهُ لا يملكُ، لحديثِ: " من باعَ عبداً، فمالُهُ للذي باعَه " (٢٠)، ولو أخذنا ما يخصّهُ من تركةِ قريبهِ، لمَلَكهُ سيّدُهُ عليهِ، وكنّا قد ورّثنا سيّدَهُ من قريبِ عبدِه، وهو أجنبيٌّ منهُ، فلهذا لمْ يَرث العبدُ أحداً. وعن زيدِ بنِ ثابتٍ، قالَ: " أمرَني أبو بكرٍ ﵁ حيثُ قُتِلَ أهلُ اليَمامةِ أن يورّثَ الأحياءُ من الأمواتِ، ولا أُورِّثُ بعضُهم من بعضٍ " (٢١)، رواهُ البيهقيُّ من حديثِ عبّادِ بنِ كثير - وفيه ضَعفٌ -. وقالَ إسماعيلُ القاضي: حدَّثنا ابنُ أبي أُوَيْسٍ وعيسى بنُ ميناء، قالا: حدَّثنا ابنُ أبي الزِّنادِ عن الفُقهاءِ من أهلِ المدينةِ " كانوا يقولون: كلُّ قومٍ مُتوارثين ماتوا في هَدمٍ أو غَرقٍ، أو حريقٍ، أو غيرهِ، فعَميَ موتُ بعضِهمْ قبلَ بعضٍ، فإنّهمْ لا يتوارثون، ولا يحجبون، وعلى ذلكَ كانَ قولُ زيد بن ثابتٍ، وقضى بذلكَ عمرُ بنُ عبد العزيز ﵀ (٢٢).

стр. 501

١ - بابُ: ميراثِ أهلِ الفَرْضِ قالَ اللهُ تَعالى: " يُوصيكُمُ اللهُ في أوْلادِكُمْ. . . الآيةُ "، والتي تَليها، وآيةُ الكلالةِ في آخرِ السّورةِ، وتُسمى آيةَ الصّيفِ، وهي آخرُ آيةٍ أُنزلَتْ " (١)، رواهُ صاحبا الصّحيحِ عن البَراءِ بنِ عازبٍ. اسْتنبطَ العلماءُ من هذهِ الآياتِ عامّةَ أحكامِ الفَرائضِ معَ ما وردَ في ذلكَ من السُّنّةِ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اقسموا المالَ بينَ أهلِ الفرائضِ على كتابِ اللهِ، فما تركَت الفرائضُ، فلأوْلى رجلٍ ذكَرٍ " (٢)، أخرجاهُ، ولفظُهُ لمسلم. تكلّمَ أبو القاسمِ السّهْليُّ على قولِهِ: في هذا الحديثِ: " فلأولى رجلٍ ذكَرٍ "، بكلامٍ غريبٍ، وادّعى أنه لم يُسْبَقْ إليهِ، وما أظنُّ القواعدَ العربيةَ تُوافقُهُ على تحقيقِ ما ذكرَهُ، وقد أفردتُ لهُ مناقشةً على حِدَةٍ، واللهُ أعلمُ. عن شُعْبةَ مولى ابنِ عبّاسٍ عن ابن عبّاسٍ: أنهُ قالَ لعثمانَ: إنَّ الأخوين لا يَردّان الأمَّ عن الثُّلُثِ، واللهُ تَعالى يقولُ: " فإنْ كانَ لهُ إخْوةٌ "، والأخوان ليسا بلسانِ قومِكَ إخوةٌ، فقالَ عثمانُ: لا أستطيعُ (٣) ما كانَ قبلي، ومضَى في الأمصارِ، وتوارثَ بهِ الناسُ " (٤)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ: صحيح إلى شعبةَ هذا، وقد تكلَّمَ فيهِ مالكٌ وغيرُهُ. عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قالَ: " كان عمرُ إذا سلَكَ بنا طريقاً، وجدناهُ سَهلاً، وإنهُ

стр. 502

أُتيَ في امرأةٍ وأبوين، فجعلَ للمرأةِ الرُّبُعَ، وللأمِّ ثُلُثُ ما بقي، وما بقيَ فللأبِ " (٥). وعن عثمانَ (٦)، وزيدِ بنِ ثابتٍ، مثلُ ذلكَ، رواهُنّ البيهقيُّ بأسانيدَ جَيّدةٍ. وقالَ الحارثُ الأعورُ عن عليّ " للزوج النصفُ، وللأُمِّ ثُلُثُ ما يَبقى، وللأبِ سَهمانِ " (٧)، رواهُ البيهقي والحارثُ هذا قد تكلّمَ فيهِ غيرُ واحدٍ من الأئمّةِ، لكنّهُ كانَ من أعلمِ الناسِ بالفَرائضِ، والحسابِ. قالَ مالكٌ عن الزُّهريّ عن عثمانَ بنِ إسحاقَ بنِ خَرَشةَ عن قَبيصةَ بنِ ذُؤيْبٍ، أنهُ قالَ: " جاءتِ الجدّةُ إلى أبي بَكرٍ الصّدّيقِ تسألُهُ ميراثَها، فقالَ: مالكِ في كتابِ اللهِ شيءٌ، وما علمتُ لكِ في سُنّةِ نبيِّ اللهِ شيئاً، فارْجعي حتّى أسألَ الناسَ، فسألَ الناسَ، فقالَ المغيرةُ بنُ شُعْبةَ: حضرتُ رسولَ اللهِ ﷺ أعطاها السُّدُسَ، فقالَ أبو بكرٍ: هلْ معَكَ غيرُكَ؟، فقامَ محمدُ بنُ مَسْلَمة: فقالَ مثلَ ما قالَ المغيرةُ، فأنفذَهُ لها أبو بكر، ثمَّ جاءتِ الجدّةُ الأخرى إلى عمر بنِ الخطابِ تسألُهُ ميراثَها، فقالَ: مالكِ في كتابِ اللهِ شيءٌ، وما كانَ القضاءُ الذي قُضيَ بهِ إلا لغيرِكِ، وما أنا بزائدٍ في الفرائضِ، ولكنْ هو ذاكَ السّدُسُ، فإنْ اجتَمعْتا فيه فهو بينكُما، وأيّكُما خَلَّتْ بهِ، فهو لها " (٨)، رواه أحمدُ، ولم يذكر قصّةَ الجدّةِ الأخرى، وأهلُ السُّننِ، ولفظُهُ لأبي داودَ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. وقالَ موسى بنُ عُقْبةَ: حدَّثني إسحاقُ بنُ يحيى بنِ الوليدِ بنِ عُبادَة عن عُبادة بنِ الصّامتِ، قالَ: " إنَّ من قضاءِ رسولِ اللهِ ﷺ أنْ قَضى للجدّتين من الميراثِ بينَهما السُّدُسَ سَواءٌ " (٩)، رواهُ البيهقيُّ، وقال: إسحاق عن عبادة: مرسل.

стр. 503

قالَ محمدُ بنُ نصْرٍ المَرْوَزيُّ: حدَّثنا يحيى بنُ يحيى أخبرنا وكيعٌ عن الفَضْلِ بنِ دَلهمٍ عن الحَسنِ البَصْريِّ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ورَّثَ جدّاتٍ " (١٠)، هذا مُرْسَلٌ عن الحسنِ، وقد كانَ يحيى بنُ سعيدٍ، وعليُّ بنُ المَدينيّ يُقَوّيانِ مُرْسَلاتِهِ. وقد أرسَلَهُ أيضاً إبراهيمُ النَّخَعيُّ، قالَ: " أطعَمَ رسولُ اللهِ ﷺ ثلاثَ جدّاتٍ سُدُساً، قالَ منصورٌ: قلتُ لإبراهيمَ: ما هنَّ؟، قالَ: جدّتان من قِبَلِ أبيكَ، وجدَّةُ أُمِّكَ " (١١)، رواهُ البيهقيُّ. ورَواهُ الدارَقُطنيُّ من وجهٍ آخرَ مُرْسلاً، لكنّهُ بسندٍ: ضَعيفٌ. عن عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عَقيلٍ عن جابرٍ: " جاءتِ امرأةُ (١٢) سَعدِ بنِ الرّبيعِ بابنتيْ سَعْدٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ: هاتان ابنتا سَعدٍ قُتِلَ مَعَك يومَ أُحُدٍ، وإنّ عمَّهما أخذَ جميعَ ما تركَ أبوهما، وإنّ المرأةَ لا تُنكَحُ إلا على مالِها، فسكَتَ النبيُّ ﷺ حتّى أُنزلَتْ آيةُ الميراثِ، فدَعا رسولُ اللهِ ﷺ أخا سَعْدِ بنِ الرّبيعِ، فقالَ: أعطِ ابنتي سَعْدٍ ثُلُثيْ مالِهِ، وأعطِ امرأَتَهُ الثُّمُنَ، وخُذْ أنتَ ما بقيَ " (١٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجة، وعبدُ اللهِ، هذا: تكَلّموا فيهِ من قِبلِ حِفْظِهِ. عن هُزَيْلِ بنِ شُرَحْبيلَ، قالَ: " سُئلَ أبو موسى عن ابنةٍ، وابنةِ ابنٍ، وأختٍ، فقالَ: للبنتِ النّصفُ، وللأختِ النّصفُ، وائتِ ابنَ مسعودٍ فسيُتابعُني، فسُئلَ ابنُ مسعودٍ، وأخبرَ بقولِ أبي موسى، فقالَ: قدْ ضَلَلْتُ إذنْ، وما أنا من المُهتدين، أقضي فيها بما قَضى النبيُّ ﷺ : للإبنةِ النّصفُ، ولابنةِ الإبن: السُّدُسُ تكْمِلةَ الثُّلُثينِ، وما بقيَ فللأخْتِ، فأتينا أبا موسى، فأخبرناهُ بقولِ ابنِ مسعودٍ، فقالَ: لا تسألوني ما دامَ هذ الحبرُ فيكمْ " (١٤)، رواهُ البخاريُّ.

стр. 504

وعن سُليمانَ عن إبراهيمَ عن الأسودِ، قالَ: " قَضى فينا معاذُ بنُ جَبلٍ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ : النّصفُ للإبنةِ، والنّصفُ للأُختِ، ثمّ قالَ سُليمانُ: " قَضى فينا " ولمْ يذكرْ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ " (١٥)، رواهُ البخاريُّ. فدَلَّ على أنّ الأخواتِ معَ البناتِ عَصَبةٌ. عن عِمْرانَ بنَ حُصَيْنٍ: " أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، فقالَ: إنّ ابنَ ابني ماتَ، فمالي من ميراثِهِ؟، قالَ لكَ السُّدُسُ، فلما أدبرَ دَعاهُ، قالَ: لكَ سُدُسٌ آخَرٌ، فلما أدبرَ دعاهُ، وقالَ: إنّ السُّدُسَ الآخرُ طُعْمةٌ " (١٦)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنّسائيُّ، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ، وهو من حديثِ قَتادَةَ عن الحَسنِ عن عِمْرانَ. عن بُرَيْدةَ بنِ الحُصيبِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أعطى الجدّةَ السُّدُسَ إذا لمْ يكنْ دونَها أُمٌّ " (١٧)، رواهُ أبو داودَ، والنَّسائيُّ، من حديثِ أبي المُنيبِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبدِاللهِ العَتَكيِّ عن ابنِ بُرَيْدةَ عن أبيهِ، فدَلَّ على أنّ الجدّاتِ لا يَرِثنَ معَ الأمِّ. قالَ الزُّهريُّ: " كانَ عثمانُ لا يُورِّثُ الجدَّةَ إذا كانَ ابنُها حيّاً " (١٨). وقالَ سعيدُ بنُ المُسَيّبِ: " إنّ زيدَ بنَ ثابتٍ لمْ يكنْ يجعلُ للجدّةِ معَ ابنِها ميراثاً " (١٩). وقالَ محمدُ بنُ سالمٍ عن الشَّعْبي عن عليٍّ، وزيدٍ: مثلُهُ سواء "، رَوى ذلكَ البيهقيُّ. فأمّا، ما رواهُ محمدُ بنُ سالمٍ هذا عن الشَّعبيِّ عن مَسروقٍ عن عبدِ الله: أنهُ قالَ: " أوّلُ جدّةٍ أطعَمَها رسولُ اللهِ ﷺ السُّدُسَ معَ ابنها، وابنُها حيٌّ " (٢٠)، رواهُ

стр. 505

الترمذيُّ، وقالَ: لا نعرفُهُ مَرفوعاً إلا مِن هذا الوجهِ، وقالَ البيهقيُّ: وإنّما الصحيحُ: أنهُ موقوفٌ على عمر، وعبد اللهِ، وعِمْرانَ بنِ حُصيْنٍ. قلتُ: ومحمدُ بنُ سالمٍ هذا: هَمْدانيٌّ، يُكْنَى بأبي سَهْلٍ: ضعيفُ الحديثِ، تركَه الأئمةُ. قالَ اللهُ تعالَى: " وإن كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كلالةً أوْ امرأةٌ ولهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلٍّ واحدٍ مِنْهما السُّدُسُ فإنْ كانُوا أكثَرَ مِنْ ذَلِكَ فهُمْ شُركاءُ في الثُّلُثِ ". وحكى قَتادةُ عن أبي بكرٍ الصّدّيقِ: " أنهُ فسّرَ ذلكَ بإخوةِ الأمّ ". ورَوى البيهقيُّ بإسنادٍ: صحيحٍ عن الشَّعبيِّ أنّ أبا بكرٍ رأى ذلكَ، فلما وليَ عمر، قالَ: إني لأستحي اللهَ أن أردَّ شيئاً قالَهُ أبو بكرٍ " (٢١). قالَ ابنُ المباركِ: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ عن الشَّعبيِّ أنه قالَ: " ما وَرَّثُ أحدٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ الأخوةَ من الأُمِّ مَع الجدِّ شيئاً " (٢٢). ورُويَ عن سَعْدٍ بنِ أبي وَقّاصٍ: " أنهُ قرأها كذلكَ: (وَلَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ مِن أُمٍّ)، عن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قالَ: " سألتُ أو سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن الكَلالةِ، فقالَ: ما خَلا الوَلدِ والوالدِ " (٢٣)، رواهُ أبو بكرِ بنُ أبي عاصمٍ، قالَ الحافظُ ضياءُ الدين المَقدِسيُّ: وإسنادُهُ: ثقاتٌ. عن أنسِ بنِ سيرينَ: أن عمرَ بنَ الخطابِ، قالَ: " لا يَتوارثُ أهلُ مِلَّتين شيء (٢٤)، ولا يَحجبُ من لا يرِثُ " (٢٥)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ.

стр. 506

ولهُ عن إبراهيمَ، قالَ: " عليُّ بن زيد: " المشركُ لا يَحجبُ ولا يَرِثُ، وقالَ عبدُ الله: يحجبُ ولا يَرثُ " (٢٦). وكذا: رَوى الشَّعبيُّ عنهم. قالَ محمدُ بنُ إسحاقَ: حدَّثنا الزُّهريُّ عن عُبيْدِ الله بنِ عبدِ الله عن ابنِ عبّاسٍ: أنهُ قالَ: " إنّ الذي أحصى رملَ عالجٍ لمْ يجعلْ في مالٍ واحدٍ نصفاً، ونصفاً، وثُلُثاً، فقالَ لهُ زُفرُ بنُ أوسٍ: يا أبا عباسٍ: من أوّلُ مَن أعالَ الفرائضَ؟، قالَ: عمرُ، قالَ: ولمَ؟ قالَ: لما تَدافعتْ عليهِ وركبَ بعضُها بَعضاً، قالَ: واللهِ ما أدري كيفَ أصنعُ بكمْ، واللهِ ما أدري أيّكُمْ قدّمَ اللهُ، ولا أيكُم أخَّرَ، قالَ: واللهِ ما أجدُ في هذا المالِ أحسنَ من أنْ أقسمَهُ عليْكمْ بالحصَصِ، ثمّ قالَ ابنُ عبّاسٍ: وأيْمُ اللهِ: لو قدَّمَ من قدّمَ اللهُ، وأخَّرَ من أخّرَ اللهُ ما عالتْ فريضةٌ، قالَ لهُ زُفَرُ: وأيّهمْ قدّمَ، وأيّهم أخّرَ، فقالَ: كلُّ فريضةٍ لا تزولُ إلا إلى فريضةٍ فتلكَ التي قدَّم اللهُ، فقالَ لهُ زُفَرُ: فما منَعكَ أن تُشيرَ بهذا على عمرَ؟ فقالَ: هَيْبتُهُ واللهِ، قالَ ابنُ إسحاق: فقالَ لي الزُّهريُّ: وأيْمُ اللهِ لولا أنهُ تقدّمَهُ إمامُ هُدىً كانَ أمرُهُ على الوَرَعِ، ما اختلفَ على ابنِ عبّاس اثنان من أهل العلم " (٢٧).

стр. 507

٢ - بابُ: ميراثِ العَصَبةِ تقدّمَ قولُهُ ﵇: " ألحقوا الفَرائض بأهلِها، فما بقيَ فلأَولى رجلٍ ذكرٍ " (١). وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، مَنْ تركَ مالاً، فَلْيرثْهُ عَصَبهُ مَن كانوا، ومنْ تركَ ديناً، أو ضياعاً فإليَّ " (٢). عن عبد الله بنِ بُريْدةَ عن أبيه: " أنّ رجلاً تُوفِّي من خُزاعةَ، فأُتيَ رسولُ اللهِ ﷺ بميراثِهِ: فقالَ: أُنظروا هلْ من وارثٍ؟، فالتمسوهُ فلمْ يجدوا لهُ وارثاً، فقالَ: ادفعوهُ إلى أكبر خُزاعةَ " (٣)، رواهُ أبو داود الطَّيالسِيُّ في مُسْندِهِ، وهذا لفْظُهُ، والإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ في سُنَنِهِ، والنّسائيُّ، وقالَ: هو حديثٌ مُنكَرٌ. عن سعيدِ بنِ المُسيّبِ: " أنّ عمرَ بنَ الخطابِ أشركَ بينَ الإخوةِ من الأبِ والأمِّ، وبينَ الإخوةِ من الأمِّ في الثُّلُثِ " (٤)، رواهُ محمدُ بنُ نَصْرٍ المرْوَزِيُّ، والبَيْهقيُّ بإسنادٍ صحيح. وهو قولُ عثمانَ، وابنِ مسعودٍ، وزيد بنِ ثابتٍ في المشهورِ عنهما. قالَ زيدُ بنُ ثابتٍ: " هَبوا أباهُمْ كانَ حِماراً، ما زادَهم الأبُ إلا قُرباً " (٥)، رواهُ البيهقيُّ. عن محمدِ بنِ السّائبِ الكَلْبي عن أبي صالحٍ عن ابنِ عبّاسٍ: " أنهُ ﵇

стр. 508

سُئلَ عن مولودٍ لهُ قُبُلٌ وذَكرٌ، من أين يُورَّثُ؟، فقالَ: يُوَرَّثُ حيثُ يبولُ " (٦)، رواهُ البيهقيُّ. ومحمدُ بنُ السّائبِ هذا، متروكٌ لا يُحتجُّ بما تفرّد بهِ، وشيخُهُ أيضاً ضعيفٌ، ولكن رُويَ عن عليٍّ موقوفاً، وهو أصحُّ. عن المِقْدامِ بنِ معدي كربٍ الكِنْدِيِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أنا أولى الناس بكلِّ مؤمنٍ من نفسهِ، من تركَ ديناً أو ضَيعةً فإليَّ، ومن تَركَ مالاً، فلورَثتِهِ، أنا مَولى من ولا مَولى لهُ، أرثُ مالَهُ، وأفكُّ عانيهِ، والخالُ مولى مَن لا مولى لهُ، يَرثُ مالَهُ ويفُكُّ عانيهِ " (٧)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيّ، وابنُ ماجة، وقالَ أبو زُرْعةَ: هذا حديثٌ حسنٌ. استَدلّوا بهذا الحديثِ على أن من لمْ يتركْ وارثاً فمالُهُ لبيتِ المالِ ميراثاً للمسلمينَ، يتولّى قبضَ ذلكَ السّلطانُ الأعظمُ أو نائبُهُ، حيثُ قالَ: " وأنا مَوْلى من لا مَوْلى لهُ، أرثُ مالَهُ ". قالَ محمدُ بنُ سالمٍ عن الشَّعبيّ عن عليٍّ: " أنهُ كانَ يَرُدُّ على غيرِ الزّوجينِ على قدرِ ما وَرثوا، وكانَ زيدُ بنُ ثابتٍ لا يرى الرّدَّ " (٨)، رواهُ البيهقيُّ، ومحمدٌ هذا: فيه ضعفٌ كبير. استدلَّ أصحابُنا وغيرُهم ممّن لا يَرى توريثَ ذوي الأرحامِ بحديثِ أبي أُمامةَ: " إن اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصيةَ لوارثٍ " (٩) على ذلكَ، وسَندُهُ جيّدٌ. قالوا: فلما لمْ يكنْ لهمْ فرضٌ مُعيَّنٌ لمْ يكونوا وُرّاثاً. ورَوى أبو داودَ في المراسيلِ من حديثِ عَطاءِ بنِ يَسارٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ رَكبَ

стр. 509

إلى قِباءَ يستخيرُ اللهَ في ميراثِ العمّةِ والخالةِ، فأنزلَ اللهُ عليهِ: لا ميراثَ لهما " (١٠). وقد رُويَ موصولاً من وجهٍ آخرَ عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ عن أبي سعيدٍ مرفوعاً، والأولُ أصحُّ. وأمّا من ورَّثهمْ من أصحابِنا فاحتجَّ بالآيةِ الكريمةِ: " وأولوا الأرحام بعضُهمْ أَوْلى بِبَعْضٍ "، وبما تقدّمَ من قولِهِ ﵇: " الخالُ مَولى من لا مَولى لهُ، يَرِثُ مالَهُ، ويَفُكُّ عانيهِ ". ورَوى أحمدُ، والترمذيُّ، وابنُ ماجة، وابنُ حِبّان في صحيحهِ عن عمرَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " الخالُ وارثُ مَنْ لا وارثَ لهُ " (١١)، ولهُ طُرقٌ جيّدةٌ يشدُّ بعضُها بعضاً، وقد حسَّنهُ الترمذيُّ عن عائشةَ مرفوعاً. ورُويَ عن أبي هريرةَ، ولكنْ رَوى الغَلابي عن يحيى بنِ مَعينٍ: أنهُ يُبطلُ حديثَ الخالِ، يَعني حديثَ المِقدامِ بنِ مَعْدي كربٍ، ويقولُ: ليسَ فيهِ حديثٌ قَويٌّ. وسيأتي قولُهُ ﵇ في الحَضانةِ: " الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ " (١٢). وعن ابنِ مسعودٍ، قالَ: " الخالةُ بمنزلةِ الأمّ، والعَمّةُ بمنزلةِ الأبِ، وابنةُ الأخ بمنزلةِ الأخِ، وكلُّ ذي رَحمٍ بمنزلةِ الرّحمِ التي تليهِ إذا لمْ يكنْ وارثٌ ذو قرابةٍ " (١٣)، رواهُ البيهقيُّ. ومِنْ وجهٍ آخرَ عنهُ: نحْوَهُ.

стр. 510

٣ - بابُ: ميراثِ الجد والإخوة قد تقدّمَ ذكرُ ميراثِه وحدَهُ، فأمّا إذا اجتمعَ هو والإخوةُ من الأبوينِ أو الأبِ، فكانَ الصّدّيقُ يُنزلهُ أباً، وقد حَكى ذلكَ البخاريُّ عنهُ، وكذلكَ كانَ عمرُ في أوّلِ إمْرتِهِ، ثمّ تَناظَر فيه هو وزيدُ بنُ ثابتٍ، وكانَ زيدٌ إذ ذاكَ يَرى تقديمَ الإخوةِ عليهِ، فاتفقا على التّشريكِ بينَهم، وهو قولُ عبد اللهِ بنِ مسعودٍ أيضاً. وسلكَ الشافعيُّ وحوّلهُ كتابَهُ في الأُمِّ مَسْلكاً في التَّشريكِ بينَهم، حاصلُهُ: أنّ الأخَ يُدلي ببنوّةِ أبِ الميّتِ، والجدِّ بأُبُوّتِهِ، ومعلومٌ أنّ البُنوّة أقوى من الأُبوّةِ، فإذا لمْ يُقدِّم الأخُ عليه، فلا أقلَّ من التشريكِ بينَهما. قالَ ابنُ المبارك: أخبرنَا يونسُ عن الزُّهري حدَّثني سعيدُ بنُ المُسيَّبِ وعُبيْداللهِ بنُ عبد اللهِ بنِ عُتبةٍ، وقَبيصةُ بنُ ذُؤيْبٍ: أنّ عمرَ قضى، أنّ الجدَّ يُقاسمُ الإخوةَ للأبِ والأمَّ، والإخوةَ للأبِ ما كانتِ المقاسَمةُ خيراً لهُ من ثُلُثِ المالِ، فإنْ كثرَ الإخوةُ، أُعطيَ الجدُّ الثُّلثَ، وكانَ للإخوةِ ما بقيَ، للذكرِ مثلُ حَظِّ الأنْثيينِ، وقَضى أن بني الأبِ والأُمِّ أولى بذلكَ من بني الأبِ ذكورِهم وإناثِهم، غيرَ أن بني الأبِ يُقاسمون الجدَّ كبني الأبِ والأمِّ، فَيرُدّون عليْهم، ولا يكونُ لبني الأبِ معَ بني الأبِ والأمِّ إلا أن يكونَ بنو الأبِ يَردّون على بناتِ الأبِ والأُمِّ، فإنْ بقيَ شيءٌ بعدَ فرائضِ بناتِ الأب والأُمِّ، فهو للإخوةِ للأبِ، للذكرِ مثلُ حظِّ الأنثيين " (٢). وهذا إسنادٌ جيّدٌ إلى عمر، وإن كانَ فيهِ انقطاعٌ، إلا أنهُ حُجّةٌ، وهكذا رَوى عبدُالرحمنِ بنُ أبي الزّنادِ عن أبيهِ عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ عن أبيهِ عن عثمانَ، وبهِ قالَ زيدُ بنُ ثابتٍ.
следующие страницы →