← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 506–545 · переход к 511.

стр. 506

ولهُ عن إبراهيمَ، قالَ: " عليُّ بن زيد: " المشركُ لا يَحجبُ ولا يَرِثُ، وقالَ عبدُ الله: يحجبُ ولا يَرثُ " (٢٦). وكذا: رَوى الشَّعبيُّ عنهم. قالَ محمدُ بنُ إسحاقَ: حدَّثنا الزُّهريُّ عن عُبيْدِ الله بنِ عبدِ الله عن ابنِ عبّاسٍ: أنهُ قالَ: " إنّ الذي أحصى رملَ عالجٍ لمْ يجعلْ في مالٍ واحدٍ نصفاً، ونصفاً، وثُلُثاً، فقالَ لهُ زُفرُ بنُ أوسٍ: يا أبا عباسٍ: من أوّلُ مَن أعالَ الفرائضَ؟، قالَ: عمرُ، قالَ: ولمَ؟ قالَ: لما تَدافعتْ عليهِ وركبَ بعضُها بَعضاً، قالَ: واللهِ ما أدري كيفَ أصنعُ بكمْ، واللهِ ما أدري أيّكُمْ قدّمَ اللهُ، ولا أيكُم أخَّرَ، قالَ: واللهِ ما أجدُ في هذا المالِ أحسنَ من أنْ أقسمَهُ عليْكمْ بالحصَصِ، ثمّ قالَ ابنُ عبّاسٍ: وأيْمُ اللهِ: لو قدَّمَ من قدّمَ اللهُ، وأخَّرَ من أخّرَ اللهُ ما عالتْ فريضةٌ، قالَ لهُ زُفَرُ: وأيّهمْ قدّمَ، وأيّهم أخّرَ، فقالَ: كلُّ فريضةٍ لا تزولُ إلا إلى فريضةٍ فتلكَ التي قدَّم اللهُ، فقالَ لهُ زُفَرُ: فما منَعكَ أن تُشيرَ بهذا على عمرَ؟ فقالَ: هَيْبتُهُ واللهِ، قالَ ابنُ إسحاق: فقالَ لي الزُّهريُّ: وأيْمُ اللهِ لولا أنهُ تقدّمَهُ إمامُ هُدىً كانَ أمرُهُ على الوَرَعِ، ما اختلفَ على ابنِ عبّاس اثنان من أهل العلم " (٢٧).

стр. 507

٢ - بابُ: ميراثِ العَصَبةِ تقدّمَ قولُهُ ﵇: " ألحقوا الفَرائض بأهلِها، فما بقيَ فلأَولى رجلٍ ذكرٍ " (١). وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، مَنْ تركَ مالاً، فَلْيرثْهُ عَصَبهُ مَن كانوا، ومنْ تركَ ديناً، أو ضياعاً فإليَّ " (٢). عن عبد الله بنِ بُريْدةَ عن أبيه: " أنّ رجلاً تُوفِّي من خُزاعةَ، فأُتيَ رسولُ اللهِ ﷺ بميراثِهِ: فقالَ: أُنظروا هلْ من وارثٍ؟، فالتمسوهُ فلمْ يجدوا لهُ وارثاً، فقالَ: ادفعوهُ إلى أكبر خُزاعةَ " (٣)، رواهُ أبو داود الطَّيالسِيُّ في مُسْندِهِ، وهذا لفْظُهُ، والإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ في سُنَنِهِ، والنّسائيُّ، وقالَ: هو حديثٌ مُنكَرٌ. عن سعيدِ بنِ المُسيّبِ: " أنّ عمرَ بنَ الخطابِ أشركَ بينَ الإخوةِ من الأبِ والأمِّ، وبينَ الإخوةِ من الأمِّ في الثُّلُثِ " (٤)، رواهُ محمدُ بنُ نَصْرٍ المرْوَزِيُّ، والبَيْهقيُّ بإسنادٍ صحيح. وهو قولُ عثمانَ، وابنِ مسعودٍ، وزيد بنِ ثابتٍ في المشهورِ عنهما. قالَ زيدُ بنُ ثابتٍ: " هَبوا أباهُمْ كانَ حِماراً، ما زادَهم الأبُ إلا قُرباً " (٥)، رواهُ البيهقيُّ. عن محمدِ بنِ السّائبِ الكَلْبي عن أبي صالحٍ عن ابنِ عبّاسٍ: " أنهُ ﵇

стр. 508

سُئلَ عن مولودٍ لهُ قُبُلٌ وذَكرٌ، من أين يُورَّثُ؟، فقالَ: يُوَرَّثُ حيثُ يبولُ " (٦)، رواهُ البيهقيُّ. ومحمدُ بنُ السّائبِ هذا، متروكٌ لا يُحتجُّ بما تفرّد بهِ، وشيخُهُ أيضاً ضعيفٌ، ولكن رُويَ عن عليٍّ موقوفاً، وهو أصحُّ. عن المِقْدامِ بنِ معدي كربٍ الكِنْدِيِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أنا أولى الناس بكلِّ مؤمنٍ من نفسهِ، من تركَ ديناً أو ضَيعةً فإليَّ، ومن تَركَ مالاً، فلورَثتِهِ، أنا مَولى من ولا مَولى لهُ، أرثُ مالَهُ، وأفكُّ عانيهِ، والخالُ مولى مَن لا مولى لهُ، يَرثُ مالَهُ ويفُكُّ عانيهِ " (٧)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيّ، وابنُ ماجة، وقالَ أبو زُرْعةَ: هذا حديثٌ حسنٌ. استَدلّوا بهذا الحديثِ على أن من لمْ يتركْ وارثاً فمالُهُ لبيتِ المالِ ميراثاً للمسلمينَ، يتولّى قبضَ ذلكَ السّلطانُ الأعظمُ أو نائبُهُ، حيثُ قالَ: " وأنا مَوْلى من لا مَوْلى لهُ، أرثُ مالَهُ ". قالَ محمدُ بنُ سالمٍ عن الشَّعبيّ عن عليٍّ: " أنهُ كانَ يَرُدُّ على غيرِ الزّوجينِ على قدرِ ما وَرثوا، وكانَ زيدُ بنُ ثابتٍ لا يرى الرّدَّ " (٨)، رواهُ البيهقيُّ، ومحمدٌ هذا: فيه ضعفٌ كبير. استدلَّ أصحابُنا وغيرُهم ممّن لا يَرى توريثَ ذوي الأرحامِ بحديثِ أبي أُمامةَ: " إن اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وصيةَ لوارثٍ " (٩) على ذلكَ، وسَندُهُ جيّدٌ. قالوا: فلما لمْ يكنْ لهمْ فرضٌ مُعيَّنٌ لمْ يكونوا وُرّاثاً. ورَوى أبو داودَ في المراسيلِ من حديثِ عَطاءِ بنِ يَسارٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ رَكبَ

стр. 509

إلى قِباءَ يستخيرُ اللهَ في ميراثِ العمّةِ والخالةِ، فأنزلَ اللهُ عليهِ: لا ميراثَ لهما " (١٠). وقد رُويَ موصولاً من وجهٍ آخرَ عن عَطاءِ بنِ يَسارٍ عن أبي سعيدٍ مرفوعاً، والأولُ أصحُّ. وأمّا من ورَّثهمْ من أصحابِنا فاحتجَّ بالآيةِ الكريمةِ: " وأولوا الأرحام بعضُهمْ أَوْلى بِبَعْضٍ "، وبما تقدّمَ من قولِهِ ﵇: " الخالُ مَولى من لا مَولى لهُ، يَرِثُ مالَهُ، ويَفُكُّ عانيهِ ". ورَوى أحمدُ، والترمذيُّ، وابنُ ماجة، وابنُ حِبّان في صحيحهِ عن عمرَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " الخالُ وارثُ مَنْ لا وارثَ لهُ " (١١)، ولهُ طُرقٌ جيّدةٌ يشدُّ بعضُها بعضاً، وقد حسَّنهُ الترمذيُّ عن عائشةَ مرفوعاً. ورُويَ عن أبي هريرةَ، ولكنْ رَوى الغَلابي عن يحيى بنِ مَعينٍ: أنهُ يُبطلُ حديثَ الخالِ، يَعني حديثَ المِقدامِ بنِ مَعْدي كربٍ، ويقولُ: ليسَ فيهِ حديثٌ قَويٌّ. وسيأتي قولُهُ ﵇ في الحَضانةِ: " الخالةُ بمنزلةِ الأمِّ " (١٢). وعن ابنِ مسعودٍ، قالَ: " الخالةُ بمنزلةِ الأمّ، والعَمّةُ بمنزلةِ الأبِ، وابنةُ الأخ بمنزلةِ الأخِ، وكلُّ ذي رَحمٍ بمنزلةِ الرّحمِ التي تليهِ إذا لمْ يكنْ وارثٌ ذو قرابةٍ " (١٣)، رواهُ البيهقيُّ. ومِنْ وجهٍ آخرَ عنهُ: نحْوَهُ.

стр. 510

٣ - بابُ: ميراثِ الجد والإخوة قد تقدّمَ ذكرُ ميراثِه وحدَهُ، فأمّا إذا اجتمعَ هو والإخوةُ من الأبوينِ أو الأبِ، فكانَ الصّدّيقُ يُنزلهُ أباً، وقد حَكى ذلكَ البخاريُّ عنهُ، وكذلكَ كانَ عمرُ في أوّلِ إمْرتِهِ، ثمّ تَناظَر فيه هو وزيدُ بنُ ثابتٍ، وكانَ زيدٌ إذ ذاكَ يَرى تقديمَ الإخوةِ عليهِ، فاتفقا على التّشريكِ بينَهم، وهو قولُ عبد اللهِ بنِ مسعودٍ أيضاً. وسلكَ الشافعيُّ وحوّلهُ كتابَهُ في الأُمِّ مَسْلكاً في التَّشريكِ بينَهم، حاصلُهُ: أنّ الأخَ يُدلي ببنوّةِ أبِ الميّتِ، والجدِّ بأُبُوّتِهِ، ومعلومٌ أنّ البُنوّة أقوى من الأُبوّةِ، فإذا لمْ يُقدِّم الأخُ عليه، فلا أقلَّ من التشريكِ بينَهما. قالَ ابنُ المبارك: أخبرنَا يونسُ عن الزُّهري حدَّثني سعيدُ بنُ المُسيَّبِ وعُبيْداللهِ بنُ عبد اللهِ بنِ عُتبةٍ، وقَبيصةُ بنُ ذُؤيْبٍ: أنّ عمرَ قضى، أنّ الجدَّ يُقاسمُ الإخوةَ للأبِ والأمَّ، والإخوةَ للأبِ ما كانتِ المقاسَمةُ خيراً لهُ من ثُلُثِ المالِ، فإنْ كثرَ الإخوةُ، أُعطيَ الجدُّ الثُّلثَ، وكانَ للإخوةِ ما بقيَ، للذكرِ مثلُ حَظِّ الأنْثيينِ، وقَضى أن بني الأبِ والأُمِّ أولى بذلكَ من بني الأبِ ذكورِهم وإناثِهم، غيرَ أن بني الأبِ يُقاسمون الجدَّ كبني الأبِ والأمِّ، فَيرُدّون عليْهم، ولا يكونُ لبني الأبِ معَ بني الأبِ والأمِّ إلا أن يكونَ بنو الأبِ يَردّون على بناتِ الأبِ والأُمِّ، فإنْ بقيَ شيءٌ بعدَ فرائضِ بناتِ الأب والأُمِّ، فهو للإخوةِ للأبِ، للذكرِ مثلُ حظِّ الأنثيين " (٢). وهذا إسنادٌ جيّدٌ إلى عمر، وإن كانَ فيهِ انقطاعٌ، إلا أنهُ حُجّةٌ، وهكذا رَوى عبدُالرحمنِ بنُ أبي الزّنادِ عن أبيهِ عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ عن أبيهِ عن عثمانَ، وبهِ قالَ زيدُ بنُ ثابتٍ.

стр. 511

قالَ ابنُ المباركِ عن الثّوري عن الأعمشِ عن إبراهيمَ: " كانَ عبدُاللهِ بنُ مسعودٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ - يعني - إذا لم يكنْ المالُ معَ الجدِّ ذو فرضٍ، أعطياهُ أحظَّ الأمرين من المُقاسَمةِ، وثُلثَ جميعِ المالِ، وإن كانَ معَهُ ذو فرضٍ أعطياهُ خيرَ أمورٍ ثلاثةٍ، بعدَ إخراجِ الفرضِ، إما المُقاسَمة، أو ثُلث ما بقيَ بعدَ الفرضِ، أو سُدُس جميع المالِ " (٣). وبهذا الإسنادِ عن زيدِ بنِ ثابتٍ: " أنهُ قالَ في المسألةِ الأكدريةِ كما ذكرَهُ المصنّفُ في التنبيهِ سَواء، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ ﵁ (٤).

стр. 512

٣ - كتابُ النِّكاحِ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، قالَ: قالَ ﵇: " يا معشرَ الشّبابِ، مَن استطاعَ منكمُ الباءَة فلْيتزوجْ، فإنهُ أغضُّ للبَصرِ، وأحْصنُ للفرجِ، ومنْ لمْ يَستطعْ فَعليهِ بالصّومِ، فإنهُ لهُ وِجاءٌ " (١)، أخرجاهُ. عن أبي أيّوبَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أربعٌ من سُنَنِ المرسلين، " الحناءُ، والتَّعطُّرُ، والسِّواكُ، والنّكاحُ " (٢)، رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ غريبٌ، وفي إسنادِهِ: الحجَّاجُ بنُ أرطأةٍ، وقد تكلّمَ فيهِ جماعةٌ من الحفّاظِ من قِبل حفظِهِ. عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " تُنكَحُ المرأةُ لأربعٍ: لمالِها، وحَسبِها، وجمالِهَا، ولدينِها، فاظفرْ بذاتِ الدّين تَرِبتْ يَداك " (٣)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ عن جابرٍ (٤): نحوهُ. وعن ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال (٥): " الدّنيا مَتاعٌ، وخيرُ متاعِها المرأةُ الصّالحةُ " (٦)، رواهُ مُسلمٌ. عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قالَ ﵇: " إذا نكحَ العبدُ بغيرِ إذنِ مولاهُ، فنكاحُهُ باطلٌ " (٧)، رواهُ أبو داودَ من حديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ العُمريِّ عن نافعٍ عنهُ، وقالَ: هو

стр. 513

ضعيفٌ، وهو موقوفٌ، وهو من قولِ ابنِ عمرَ. رواهُ ابن ماجة من حديثِ مَنْدَلِ بنِ عليِّ العَنزيّ وهو ضَعيفٌ أيضاً عن ابن جُريْجٍ عن موسى بنِ عُقْبةَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أيّما عبدٍ تزوّجَ بغيرِ إذنِ مَواليهِ، فهو زانٍ " (٨). ولهُ أيضاً من حديثِ عبدِ الله بنِ محمدِ بنِ عقيلٍ عن ابن عمرَ مرفوعاً (٩): مثلُهُ. وهذهِ طرقٌ يُقوِّي بعضُها بعضاً، ويُشبهُ أن يكونَ موقوفاً كما قالَ أبو داودَ. عن عبد الحميدِ بنِ سليمانَ عن محمد بنِ عَجْلانَ عن ابن وَثيمةَ عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا خطبَ إليكُمْ من ترضونَ دينَهُ وخلُقهُ، فَزوِّجوهُ، إلاّ تفعلوا تكنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٌ عريضٌ " (١٠)، رواهُ الترمذيُّ، وابنُ ماجة، هكذا. وقد رواهُ اللّيْثُ بنُ سَعدٍ عن ابنِ عجْلانَ عن أبي هُريرةَ نفسِهِ، قالَ البخاريُّ: وهذا أشبهُ، ولمْ يَعُدَّ حديثَ عبدِ الحميدِ، محفوظاً. ثمَّ رواهُ الترمذيُّ عن أبي حاتمٍ المُزّنيِّ عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوهِ، وقالَ: حسنٌ غريبٌ، وأبو حاتمٍ المُزَنيُّ لهُ صحبةٌ، لا نعرفُ لهُ غيرَ هذا الحديثِ. ففي ذلكَ دلالةٌ على أنّ المرأةَ إذا دعتْ إلى كُفؤ إنه يجبُ على الوَليِّ تزويجُها، واللهُ أعلمُ. عن عائشةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ تزوّجها وهي بنتُ ستّ سنينَ، وأُدخلتْ عليهِ وهي بنتُ تِسعٍ، ومَكثتْ عندَهُ تسْعاً " (١١)، أخرجاهُ، وهذا لفظُ البخاريّ. ففيه تزويجُ الصّغيرةِ بغيرِ إذنِها، لأنّ إذنَها والحالة هذهِ غيرُ مُعْتبرٍ، واللهُ أعلمُ، فأمّا إن كانتْ كبيرةً:

стр. 514

فعن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لا تُنكَحُ الأيّمُ حتّى تُستأمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكْرُ حتّى تُسْتأذَنَ، قالوا: وكيفَ إذنُها؟، قالَ: أنْ تسكتَ " (١٢)، أخرجاهُ. ولهما عن عائشة (١٣) نحوه. ولمسلمٍ عن ابنِ عبّاسٍ: نحوه (١٤)، وفي لَفْظٍ لهُ: " والبِكْرُ يَستأْذِنُها أبوها في نفسِها، وإذْنُها: صُماتُها ". عن خَنساءَ بنتِ خِدَامِ بنِ خالدٍ الأنصاريّة: أنّ أباها زوّجها وهي ثيّبٌ، فكَرِهتْ ذلكَ، فأتتْ رسولَ اللهِ ﷺ ، فردّ نكاحَهُ " (١٥)، رواهُ البخاريُّ. قالَ اللهُ تعالى: " فانْكِحوهُنَّ بإذنِ أهلِهنَّ ". وقال تعالى: " وإذا طَلَّقْتُم النّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنّ فلا تعضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهنَّ إذا تَراضَوا بيْنَهمْ بالمَعروفِ. . الآية "، فنهى الأولياءَ عن العَضلِ، فدلَّ على أنّ عُقدةَ النّكاحِ بأيديهم لا يصحُّ تزويجُ النّساءِ بدونهمْ، ويُؤيّدُهُ: ما قالَ الإمامُ أحمدُ: حدَّثنا وكيعٌ وعبدُ الرّحمن عن إسرائيلَ عن أبي إسحاقَ عن أبي بُرْدةَ عن أبي موسى الأشعَريّ: قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا نكاحَ إلا بوَليٍّ " (١٦)، وقد أخرجهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجة، وغيرُهُمْ من حديثِ إسرائيلَ وشَريك القاضي، وقيسِ بنِ الرّبيعِ، ويونسَ بن أبي إسحاقَ، وزُهَيْرِ بنِ مُعاويةَ، كلّهمْ عن أبي إسحاقَ كذلكَ. قالَ الترمذيُّ: رواهُ شُعْبةُ، والثَّوريُّ عن أبي إسحاقَ عن أبي بُرْدَةَ مُرْسَلاً، قالَ: والأولُ: عندي: أصحُّ، وهكذا صحَّحهُ عبدُالرحمن بنُ مَهْدي، فيما حَكاهُ ابنُ خُزَيْمةَ

стр. 515

عن ابنِ المُثَنّى عنهُ. وقالَ عليُّ بنُ المَدينيِّ: حديثُ إسرائيلَ في النّكاحِ: صحيحٌ، وقالَ البخاريُّ: الزّيادةُ من الثقةِ: مقبولةٌ، وإسرائيلُ: ثقةٌ، وكذا صحَّحهُ البيهقيُّ، وغيرُ واحدٍ من الحُفّاظِ، ولهُ طرُقٌ أُخر، تَركْتُها اختصاراً. ورَواهُ أبو يَعْلى المَوْصليُّ في مُسندِهِ عن جابر مرفوعاً، قالَ الحافظُ الضّياءُ: بإسنادٍ، رجالُه: ثقاتٌ. وعن أبي هُريرة، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : " لا تُزَوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تُزَوِّجُ المرأةُ نفسَها، فإنّ الزّانيةَ هيَ التي تُزَوِّجُ نفسَها " (١٧)، رواهُ ابنُ ماجة بإسنادٍ جيّدٍ، من حديثِ هشامِ بنِ حَسّانٍ عن محمدِ بنِ سيرينَ عنهُ، لكنْ رواهُ الشافعيُّ عن ابنِ عُيَيْنة عن هشامِ بنِ حسّانَ عن ابنِ سيرين عن أبي هريرة موقوفاً، وهو الصّحيح. عن سليمانَ بنِ موسى عن الزُّهريّ عن عُرْوةَ عن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أيّما امرأةٍ لمْ يُنكِحْها الوَليُّ، فنكاحُها باطلٌ، فنكاحُها باطلٌ، فنكاحُها باطلٌ، فإنْ أصابَها، فلها مَهْرُها بما أصابَ منها، فإنْ اشْتجروا فالسلطانُ وليُّ من وَليَّ له " (١٨)، رواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو داود، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ، وصحّحهُ يحيى بن مَعينٍ، وغيرُهُ من الحفّاظِ، وتكلّمَ غيرُ واحدٍ في سليمانَ من أجلِ هذا الحديثِ كما هو مبسوطٌ في ترجمتِهِ من كتابِ التّكميلِ في معرفةِ الرّجالِ، ولله الحمدُ. وعن أُمِّ حَبيبةَ: " أنها كانتْ عندَ ابنِ جَحْشٍ، فهلَكَ عنْها، وكان ممنْ هاجرَ إلى أرضِ الحَبشةِ، فزَوّجَها النجاشيُّ رسولَ اللهِ ﷺ وهي عندَهمْ " (١٩)، رواهُ أبو داود، وهذا لفْظُهُ، والنسائيّ، فَيُستدلُّ بهِ على ولايةِ السّلطانِ عندَ غيبوبةِ الأولياءِ، لكنْ ذكرَ

стр. 516

في السّيرةِ وغيرِها أنّ الذي وليَ عقْدَها كانَ خالدَ بنَ سعيد بنِ العاصِ، واللهُ أعلمُ. وقالَ الشافعيُّ عن مالكٍ فيما بلغهُ عن سعيدِ بنِ المُسيّبِ، قالَ: قالَ عمرُ: " لا تُنكَح المرأة إلى بإذنِ وليِّها، أو ذي الرأي من أهلِها، أو السّلطانِ " (٢٠). ورواهُ الدارَقُطنيّ من وجهٍ آخر عن سعيدِ بنِ المُسيّبِ، وهو: صحيحٌ. قالَ: أخبرَنا ابنُ عليّة عن سعيدٍ عن قَتادَةَ عن الحَسنِ عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أيّما امرأةٍ زوَّجها وَليّان، فهو للأوّلِ منهما " (٢١). رواهُ النسائيُّ من حديث إبراهيمَ بنِ طَهْمانَ عن قَتادةَ عن الحسنِ عن عُقْبةَ وعن سَمُرةَ بهِ. وأخرجهُ ابنُ ماجة من حديثِ خالد بنِ الحارثِ عن سعيدٍ عن قَتادةَ عن الحسنِ عن عُقبةَ أو سَمُرةَ بالشّكِّ. وقد رواهُ الترمذيُّ من حديثِ غُنْدَرٍ عن سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ عن قَتادَةَ عن الحَسنِ عن سَمُرةَ من غيرِ شَكٍّ، وقالَ: حسنٌ. وهكذا رواهُ أحمد، وباقي أصحابِ السُّنَنِ من طرقٍ أُخَر عن قتادةَ عن الحسنِ عن سَمُرةَ بهِ، واللهُ أعلمُ، وهذهِ الطرقُ التي صحَّحها أبو زُرْعَة، وأبو حاتمٍ الرَّازيان رحمهمُا اللهُ. عن ابنِ عباسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا نكاحَ إلا بوَليٍّ، وشاهدَيْ عدْلٍ، وأيُّما امرأةٍ أنكَحها وليٌّ مسخوطٌ عليهِ، فنكاحُها باطلٌ " (٢٢)، رواهُ الدارَقُطنيُّ من حديثِ

стр. 517

عَديِّ بنِ الفَضل - وهو: مَتروكٌ. ورواهُ الطَّبرانيُّ ولفْظُهُ: " لا نكاحَ إلا بإذنِ وَليٍّ مُرْشدٍ، أو سُلطانٍ " (٢٣). وقد اعتمد الشافعيُّ في أنهُ لا يجوزُ أن يكونَ الوليُّ فاسقاً بما رواهُ عن مسلم بن خالدٍ عن ابنِ خُثَيْمٍ عن سعيد بن جُبيْرٍ عن ابن عبّاسٍ، قالَ: " لا نكاحَ إلا بوليٍّ مرشدٍ، وشاهديْ عَدْلٍ " (٢٤)، وهذا موقوفٌ، وهو أصحّ من الأوّلِ. قال البخاريُّ: " خطبَ المغيرةُ بنُ شُعْبةَ امرأةً هو أولى الناسِ بها، فأمرَ رجلاً فزَوَّجهُ " (٢٥). وقالَ عبدُ الرحمن بنُ عوفٍ لأُمِّ حَكيم بنتِ قارِظٍ: " أتجعلينَ أمرَكِ إليَّ؟، قالتْ: نعَمْ، قالَ: قد تزوَّجْتُكِ ". قالَ الله: " الخبيثاتُ للخبيثينَ والخبيثونَ للخَبيثاتِ والطَّيِّباتُ للطَّيِّبينَ والطَّيِّبونَ للطَّيِّباتِ. . الآية ". وقالَ عمرُ: " لأمنعنَّ تَزوّجَ ذواتِ الأحسابِ إلا من الأكفاءِ " (٢٦)، رواهُ الدارقُطنيُّ من حديثِ إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ طَلحةَ عنهُ، وفيهِ انقطاعُ. عن ابن عمرَ مرفوعاً: " العربُ بعضُها أكفاءُ لبعضٍ قبليةٌ بقبليةٍ، ورجلٌ برجلٍ إلا حائكاً، أو حجّاماً " (٢٧). وعن عائشةَ مرفوعاً: نحوهُ، رواهُما البيهقيُّ في سُنَنهِ الكبيرِ، ولا يصحّان لضعفِ

стр. 518

إسنادَيْهما، قالَ أبو حاتم في حديثِ ابنِ عمرَ: هذا كذبٌ، لا أصلَ لهُ، ولكنْ رَوى أبو القاسمِ البَغَويُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن سَلْمانَ الفارسيّ أنهُ قالَ: " لا نَؤُمّكم في صلاتِكمْ، ولا ننكحُ نساءَكم - يعني - العربَ ". عن الزُّهريّ: " أنهُ بلغَه أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " قدّموا قريشاً، ولا تقدّموها، وتعَلّموا من قريشٍ ولا تعَلموها " (٢٨)، رواهُ الشافعيّ عن ابن أبي فُدَيكٍ عن ابنِ أبي ذِئْبٍ عنهُ. عن واثِلةَ بنِ الأسْقعِ، قالَ ﵇: " إنّ اللهَ اختارَ كِنانةَ من بني إسماعيلَ، ثمّ اختارَ من كِنانة قُريْشاً، ثمّ اختار من قريش بني هاشمٍ، ثمَّ اختارني من بني هاشمٍ " (٢٩)، رواهُ مُسلمٌ. عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن سعيدٍ المقْبرِيِّ عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ ﵇: " لا ينكح الزاني المَجلودُ إلا مثلَهُ " (٣٠)، رواهُ أبو داود، وهذا إسنادٌ جيدٌ قويٌّ. سيأتي حديثُ بريرةَ: " أنها أُعتِقَتْ وزوجُها عبدٌ، فخُيِّرتْ - الحديث بطولهِ في الخيارِ في النّكاحِ " (٣١)، وهو عُمدةُ الشافعيّ في إثباتِ الكفاءةِ كما نصّ عليهِ في البُوَيطيِّ وغيرِه. قالَ اللهُ تعالى: " يا أيّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ من ذَكرٍ وأُنثى وجَعَلناكُمْ شُعوباً وقبائلَ لتَعارَفوا إنَّ أكْرمَكمْ عندَ اللهِ أتقاكُمْ ". عن ابنِ عمرَ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ خطبَ الناسَ يومَ فتحِ مكّةَ وقالَ: " يا أيها الناسُ: إنّ الله قد أذهبَ عنكُمْ عُبْيَةَ الجاهليّةِ وتعاظُمَها بآبائِها، فالناسُ رجلان: رجلٌ بَرٌّ تقيٌّ وكريمٌ على اللهِ، وفاجرٌ شَقيٌ هيّنٌ على اللهِ، والناسُ بنو آدمَ، وخلقَ اللهُ آدمَ من ترابٍ،

стр. 519

قالَ اللهُ: " يا أيّها الناسُ إنّا خَلَقْناكُمْ من ذَكرٍ وأُنثى وجَعَلناكُمْ شُعوباً وقبائلَ لتَعارَفوا إنَّ أكْرمَكمْ عندَ اللهِ أتقاكُمْ أنّ اللهَ عليمٌ خَبيرٌ " (٣٢). رواهُ الترمذيُّ، وقالَ: غريبٌ لا نعرفُهُ إلا من هذا الوجهِ، وعبدُ اللهِ بنُ جَعفرٍ يُضَعَّفُ، ضَعَّفَهُ يحيى بنُ معينٍ، - وهو والدُ عليِّ بنِ المَديني - وغيرُه. وفي البابِ عن أبي هريرةَ، وابنِ عبّاسٍ. وعن الحسنِ عن سَمُرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الحسَبُ: المالُ، والكرمُ: التقوى " (٣٣)، رواهُ ابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ، فدلَّ هذا كلّهُ على أنّ الكفاءَةَ ليستْ شَرْطاً في صحّةِ العقدِ، بلْ إنَّ زوَّجَها برضاها غيرَ كُفؤٍ صحَّ العقدُ، كما زوّجَ أبو حُذيفةَ مَولاهُ سالماً بابنةِ أخيهِ الوليدِ بنِ عُتبةَ " (٣٤)، وكما تزوّجَ المقْدادُ بنُ الأسودِ الكِنْدِيُّ (٣٥) ضُباعةَ بنتَ الزُّبيرِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ، وكلاهما في الصحيحين. ورَوى الدارَقُطنيُّ من حديثِ حَنْظلةَ بنِ أبي سُفيان الجُمحِيِّ عن أُمّهِ، قالتْ: " رأيتُ أُختَ عبدِ الرّحمنِ بنِ عَوْفٍ تحتَ بلالٍ " (٣٦). وعن أبي هريرةَ: " أنّ أبا هندٍ حَجَمَ النبيَّ ﷺ في اليافوخِ، وقالَ ﵇: يا بني بَياضةَ أنكِحوا أبا هندٍ، وأنكحوا إليه " (٣٧)، رواهُ أبو داود بإسنادٍ جيّدٍ. وعن ابنِ عبّاسٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " البَغايا: اللاتي يُنكحْنَ أنفسَهنّ بغيرِ بيّنةٍ " (٣٨)، وقالَ: صحيحٌ.

стр. 520

عن ابنِ عبّاسٍ قولهِ: " لا نكاحَ إلا بِبَيِّنةٍ " (٣٩). وروى أحمدُ من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ مُحرّرٍ - وهو متروكٌ - عن قَتادَة عن الحسن عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ عن النبيّ ﷺ ، قالَ: " لا نكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهدين " (٤٠)، والصحيحُ ما قالهُ الشافعيُّ: وُويَ عن الحسنِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا نكاحَ إلا بوليٍّ وشاهدَيْ عَدْلٍ ". ثمَّ قالَ: وهذا، وإن كانَ مُنْقَطعاً فإنَّ أكثرَ أهلِ العلمِ يقولُ بهِ. وعن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا نكاحَ إلا بوَليٍّ وشاهدَيْ عَدْلٍ، فإنْ تشاجروا، فالسُّلطانُ وليُّ من لا وَليٍّ لهُ " (٤١)، رواهُ ابنُ حِبّانَ في صحيحِهِ، وقالَ: لا يصحُّ في الشاهدين سواهُ. ورواهُ الدارَقُطنيُّ في سُنَنِهِ، وهو من روايةِ عيسى بنِ يُونُسَ، وحَفصِ بنِ غِياثٍ، وخالدِ بنِ الحارثِ ثلاثتهم عن ابن جُرَيْجٍ عن سُليمانَ بنِ موسى عن الزُّهريِّ عن عُرْوةَ عن عائشةَ، وعلّلهُ الدارَقُطنيُّ في العَلَلِ بأنّ الثّوريَّ، ويحيى بنَ سعيدٍ، وغيرَهما من الحُفّاظِ رَوَوْهُ ولمْ يَذكروا فيهِ الشّاهدين. ورواهُ الدارَقُطنيُّ من وجهٍ آخرَ عن عائشةَ مرفوعاً: " لا بُدَّ في النِّكاحِ من أربعة: الزّوجِ، والوليّ، والشاهدينِ "، ولكنْ في إسنادِهِ: أبو الخَصيب نافعُ بن مَيْسرةَ، قالَ: وهو: مجهولٌ، ثمَّ رواهُ من طريقٍ آخرَ عن ابنِ عمرَ مرفوعاً، ولا يصحُّ، لأنهُ من رواية ثابتِ بنِ زُهَيْرٍ، وهو متروكٌ عن نافعٍ عنهُ، وأحسنُ ما في ذلكَ ما رواهُ الشافعيّ عن مالكٍ عن أبي الزبير: " أنَّ عمرَ أُتِيَ بنكاحٍ لم يشهدْ عليهِ إلا رجلٌ وامرأةٌ، فقالَ: هذا: هو نكاحُ السّرِّ، ولا أُجيزُهُ، ولو كنتُ تقدّمتُ فيهِ، لرجمتُ " (٤٢). وهكذا رواهُ سعيدُ بنُ

стр. 521

المُسيّبِ، والحسنُ البَصْريُّ، وأبو الشّعْثاءِ وإبراهيمُ النَّخعيُّ، وقَتادَةُ. عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: " علَّمنا رسولُ اللهِ ﷺ التَّشهُّدَ في الحاجةِ في النكاحِ وغيرهِ: إنَّ الحمدَ لله نَستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ، ومَنْ يُضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، " يا أيُّها الناسُ اتقوا ربكم الذي خَلقكُم منْ نفْسٍ واحدةٍ، وخلقَ منها زوْجَها، وبثَّ منها رجالاً كثيراً ونساءً، واتّقُوا اللهَ الذي تَساءَلونَ بهِ والأرحامَ إنَّ اللهَ كانَ عَليْكُمْ رَقيباً "، " يا أيّها الذينَ آمَنُوا اتّقوا اللهَ حقَّ تقاتِهِ ولا تموتُنَّ إلا وأنْتُم مُسْلمونَ "، يا أيّها الذينَ آمنوا اتّقوا اللهَ وقولوا قوْلاً سديداً يُصلحْ لكُمْ أعمالكُمْ ويَغفِرْ لكُم ذُنوبَكُمْ ومنْ يُطِع اللهَ ورسولَهُ فقدْ فازَ فوزاً عظيماً " (٤٣)، رواهُ أحمدُ. وأهلُ السُّننِ، وهذا لفظُ أبي داودَ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ، وفي لفْظٍ لأبي داودَ بعدَ قَولِه: " ورسولِهِ ". أرسَلَهُ بَشيراً ونَذيراً بينَ يَدَي السّاعةِ، مَنْ يُطعِ اللهَ ورسولَهُ فقدْ رشَدَ، ومنْ يَعْصِهمَا فإنّهُ لا يَضرُّ إلا نفسَهُ، ولا يضرُّ اللهَ شيْئاً ". وفي إسنادِ هذا الحديثِ اختلافٌ على أبي إسحاقَ السَّبيعي عن عبد اللهِ قولهِ، فاللهُ أعلمُ. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا سفيانُ عن عَمْرٍو - هو ابنُ دينارٍ عن ابنِ أبي مليْكَةَ عن ابنِ عمرَ: " أنهُ كانَ إذا أنكحَ قالَ: " أنكَحْتُكَ على ما أمرَ اللهُ وعلى إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسانٍ " (٤٤). قالَ الشافعيُّ: فإنْ لمْ يَزدْ على عَقدِ النّكاحِ جازَ. قلتُ: ودليلُهُ: ما رواهُ أبو داود من حديثِ شُعبةَ عن العَلاءِ بنِ أخي شُعَيْبٍ الرّازيّ عن إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ عن رجلٍ من بَني سُليْمٍ، قالَ: " خطبتُ إلى رسولِ الله ﷺ

стр. 522

أُمامةَ بنتَ عبدِ المُطّلبِ، فأنكَحني من غيرِ أن يَتَشهّدَ " (٤٥). قالَ أبو داودَ: وفي هذا أحاديثُ. قالَ اللهُ: " فلمّا قَضَى زيدٌ مِنْهَا وطَراً زوّجْناكَها ". وقالَ: " فانكحوهُنَّ بإذْنِ أهْلِهنَّ ". وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ في قصّةِ الواهبةِ نفْسَها: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ للرّجلِ، الذي خَطبها: إذهبْ فقدْ ملَّكتَكَها بما مَعكَ من القُرآنِ " (٤٦)، أخرجاهُ. وللبخاريّ: " أنكَحْنَاكَها بما مَعكَ من القرآن " (٤٧). ولمسلم: " زوَّجْتُكَها، فعَلِّمْها من القُرآنِ " (٤٨). عن عَمرِو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ، قالَ: قالَ ﵇: " إذا أفاد أحدُكُمْ امرأةً، أو خادماً، أو دابةً، فلْيأخذْ بناصيتها، ولْيقلْ: إني أسألكَ خيرَها. وخيرَ ما جُبِلتْ عليهِ، وأعوذُ بكَ من شرِّها، وشرِّ ما جُبِلتْ عليهِ " (٤٩)، رواهُ أبو داودَ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة، وهذا لفْظُهُ. تقدَّمَ حديثُ بَهْزِ بنِ حَكيمِ بنِ مُعاويةَ بنِ حَيْدةَ القُشَيْريِّ عن أبيهِ عن جدّهِ: " قلتُ: با رسولَ اللهِ: عوراتُنا ما نأتي منها وما نَذَرُ، قال: احفظْ عورتَكَ إلا من زوجتِكَ وما مَلَكَتْ يمينُكَ " (٥٠).

стр. 523

وتقدَّمَ حديثُ عائشةَ: " كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ اللهِ ﷺ من إناءٍ واحدٍ، كلانا جُنُبٌ " (٥١). وهذا قد يكونُ ظاهراً في النّظرِ إلى جميعِ البدنِ إلا ما رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة عن عائشةَ، قالتْ: " ما نظرتُ إلى، أو ما رأيتُ فرجَ رسولِ اللهِ ﷺ قَطُّ " (٥٢). عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ ﵇: " لا ينظرْ أحدُكم إلى فَرجِ زوجتِهِ، ولا فرجِ جاريتِهِ إذا جامَعها، فإنّ ذلكَ يُورثُ العَمى " (٥٣). رواهُ الحافظُ أبو أحمدَ بنُ عَديّ في كامِلهِ في ترجمةِ بقيّةَ بنِ الوليدِ بن قُتيبةَ عن هشامِ بنِ خالدٍ عن بقيّةَ حدّثني ابنُ جُرَيْج عن عَطاءٍ عن ابنِ عبّاسٍ فذكرَهُ. ثمَّ رَوى بهذا السّندِ مرفوعاً: " تربوا الكتابَ، وأسْموا من أسفلِه فإنهُ أنجحُ للحاجةِ "، قالَ: وحدّثنا بهذا الإسنادِ ثلاثةَ أحاديثَ مَناكيرَ، ثمّ قالَ: وهذهِ الأحاديثُ يُشبهُ أن يكونَ بينَ بقيّة، وبينَ ابن جُرَيْج بعضُ المجهولين أو بعضُ الضُّعفاءِ ألا أن هشامَ بنَ خالد قالَ: عن بقيّةَ حدَّثني ابنُ جريْج، وقالَ الحافظُ أبو الفضل محمدُ بنُ عَسْكر بن المكحية (٥٤)، هذا حديثٌ غريبٌ جداً، لا أعرفُهُ إلا من حديثِ بقيّةَ، وحكمَ بأنهُ موضوعٌ أبو حاتم بنُ حِبّانَ البُسْتيّ، وابنُ الجَوْزي، وضعَّفه أبو نَصْر بنُ الصَّباغِ وحسَّنهُ ابنُ الصَّلاحِ لظاهرِ سَندِهِ، وقولُ الجمهورِ أوْلى. قال اللهُ: " ويَسْألونَكَ عن المَحيضِ قُلْ هُوَ أذَىً فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحيضِ ولا تَقْربوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فإذا تَطَهّرنَ فأتوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أمَركُمُ اللهُ، إنَّ اللهَ يُحبُّ التَّوابينَ ويُحبُّ المُتَطَهِّرينَ "، وقدْ تقدّمَ في بابِ الحيضِ بيانُ تحريمِ وطْءِ الحائضِ بالسّنةِ الصحيحةِ، وأمّا مَسْألةُ الدُّبُرِ، فقد نُقِلَ فيها شيءٌ عن السّلَفِ، والصحيحُ ما عليهِ الجمهورُ من تحريمِ ذلكَ:

стр. 524

قالَ اللهُ: " نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لكُمْ فائْتوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئْتُمْ. . الآية "، قالَ العلماءُ: الحَرْثُ: هو مَحلُّ الوَلدِ، فأمّا الدُّبُرُ فَحُشٌ. عن جابرٍ، قالَ: " كانت اليهودُ تقولُ: إذا أتى الرجلُ امرأتَهُ من دُبُرِها في قُبلِها كانَ الولدُ أحولَ، فنزَلتْ: " نِساؤكُمْ حَرْثٌ لكُمْ فأتُوا حَرْثَكُمْ أنّى شِئتُمْ " (٥٥)، أخرجاهُ، ولمسلمٍ: " إن شاءَ مُجَبِّيةً، وإن شاءَ غيرَ مُجَبِّيةٍ، غير أنّ ذلكَ في صَمّامٍ واحدٍ " (٥٦). وعن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " أتى عمرُ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هلكتُ، قالَ: وما الذي أهلكَكَ؟، قالَ: حوَّلتُ رحْلي البارحةَ، قالَ: فلمْ يَرُدَّ عليهِ رسولُ اللهِ ﷺ شيئاً، قالَ: فأوحى اللهُ إلى رسولِهِ: " نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ "، أقبِلْ وأدْبِر، واتّقِ الدُّبرَ والحيضةَ " (٥٧)، رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ غريبٌ. وعنهُ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا ينظرُ اللهُ إلى رجلٍ أتى رجلاً، أو امرأةً في دُبُرِها " (٥٨)، رواهُ الترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ غريبٌ، وأخرجَهُ أبو حاتمٍ بنُ حِبّانَ في صحيحهِ، ورواهُ النّسائيُّ مَوقوفاً. . وقدْ رُويَ في ذلكَ عن أبي هُريرةَ، وخُزيْمةَ بنِ ثابتٍ، وعليِّ بنِ طَلْقٍ، وعَمرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ، وفي إسنادِ كلٍّ منها نَظرٌ، لكنْ يُقَوّي بعضُها بَعْضاً. عن أبي سعيد، قال: " أصبْنا سَبايا، فكُنّا نَعزِلُ، فسألْنا رسول اللهِ ﷺ ، فقال: أو إنّكُمْ لتَفعلونَ، قالَها ثَلاثاً، ما مِن نَسَمةٍ كائنةٍ إلى يومِ القيامةِ إلا هيَ كائنةٌ " (٥٩)، أخرجاهُ، لفْظُهُ للبخاريّ.

стр. 525

ولمسلمٍ: " لا عَليْكُم ألا تفْعلوا " (٦٠). وعن جابرٍ قالَ: " كنّا نعزِلُ والقرآنُ ينزلُ، ولو كانَ شيئاً نُهي عنهُ لنهانا عنهُ القرآن " (٦١)، أخرجاهُ. ولمسلم: " فبلغَ ذلك نبيَّ اللهِ، فلمْ يَنْهَنا " (٦٢)، وهذا في الحرائرِ والإماءِ. عن عمرَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن العزْلِ عن الحرّةِ " (٦٣)، رواهُ أحمدُ وابنُ ماجة من حديثِ ابنِ لهيعةَ، وقد تكلّموا فيه. عن أبي هريرةَ، قالَ ﵇: " إذا دعا الرجلُ امرأتَهُ إلى فراشِهِ فأبتْ أن تجيءَ لَعَنَتْها الملائكةُ حتى تُصبحَ " (٦٤)، أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاري، فيُؤخَذُ منهُ إجبارُها على ما يتوقّفُ الاستمتاعُ عليهِ لأنهُ واجبٌ عليها طاعتهُ في الاسْتمتاعِ، ويشهدُ لذلكَ حديثُ معاذٍ: أوصاني رسولُ اللهِ ﷺ بعشرِ كلماتٍ، فذكرَ في آخرهِنَّ: " وأنفقْ على عيالِكَ من طَولِكَ، ولا ترفعْ عنهم عصاك أدباً، وأخِفْهمْ في اللهِ " (٦٥)، رواهُ الإمامُ أحمدُ. عن جابرٍ، قالَ: " كُنّا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فلما قَدمْنا المدينةَ ذهبنا ندخلُ، فقالَ: أمهلوا، حتّى ندخلَ ليلاً أي: عِشاءً، كيْ تَمْتشطَ الشَّعثةُ، وتستحِدُّ المغيبةُ " (٦٦)، أخرجاهُ.

стр. 526

١ - بابُ: ما يَحرمُ مِن النِّكاحِ تقدَّمَ قولُهُ ﵇: " لا يَنكِحُ المحرم (١)، ولا يُنكِح، ولا يَخطبُ " (٢)، رواهُ مسلمٌ. وأمّا المرتدُّ، فليسَ بمقرّ على الدّينِ الذي تحوّلَ إليهِ، ولا يصحُّ عقدُهُ على المسلمةِ لعدمِ الكفاءةِ. وأمّا الخُنْثى المشكِلُ فلا يصحُّ عقدُهُ على امرأةٍ ولا رجلٍ لعدمِ العلم بحالِه. قالَ اللهُ تعالى: " حُرِّمتْ علَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وبَناتُكُمْ - الآية "، والتي تليها، وهما أصلُ هذا البابِ، والمرادُ من " حُرِّمَتْ عَليْكُم أُمَّهاتُكُمْ "، أي وَطْؤُهُنَّ، والعقدُ عليهنْ، وهذا مفهومٌ من اللفظِ، وليسَ بمجْمَلٍ خلافاً لمن زعَمَ ذلكَ، من أهلِ الأصولِ، واللهُ أعلمُ. عن أُمِّ حبيبةَ: " أنّها قالتْ: يا رسولَ اللهِ، انكِحْ أُختي بنتَ أبي سُفْيان، فقالَ: أتُحبّينَ ذلكَ؟، قلتُ: نَعَمْ، لستُ لكَ بمُخْليةٍ، وأحبُّ من شاركني في خيرٍ أُختي، فقالَ: إنّ ذلكَ لا يَحلُّ لي، فقلتُ: إنّا نتحدثُ أنكَ تريدُ أن تنكحَ بنتَ أبي سَلَمةَ، فقالَ: إنّها لوْ لمْ تكنْ رَبيبتي في حِجْري ما حلَّتْ لي، إنّها لابنةُ أخي من الرّضاعةِ، أرضَعتْني وأبا سَلمةَ ثُوَيْبةُ، فلا تَعرضنَّ عليَّ بناتِكُنَّ، ولا أخواتِكُنَّ " (٣)، أخرجاهُ. وللبخاريِّ: " إنّها لوْ لمْ أتزوَّجْ أُمَّ سَلَمةَ ما حلَّتْ لي " (٤).

стр. 527

ولمسلمٍ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ انكحْ أُختي عَزّةَ " (٥). تقدَّمَ في كتابِ الفرائضِ حديثُ البَراءِ في الذي تزوّجَ امرأةَ أبيهِ، فأمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بقتلِهِ وأخذِ مالِهِ " (٦). عن الشّعبي عن أبي هريرةَ، قالَ ﵇: " لا يُجمعُ بينَ المرأةِ وعمَّتها، ولا بينَ المرأةِ وخالتِها " (٧). وللبخاريِّ من حديثِ الشَّعبيّ أيضاً عن جابرٍ مَرفوعاً (٨): مثلُهُ، سيأتي تحريمُ المُلاعنةِ على مَن لاعنَها. قالَ الله: " فإنْ طَلَّقهَا فَلا تحلُّ لهُ مِن بَعْدُ حتّى تنكِحَ زَوْجاً غيرَهُ. . "، قال ابنُ عبّاسٍ في قولِه: " والمُطَلَّقاتُ يَتَربَّصنَ بأنْفُسِهنَّ ثلاثةَ قُروء. . " إلى أن قالَ: " وبُعولتُهنّ أحقُّ بردهِنَّ في ذلك. . الآية "، كان الرجلُ إذا طلّقَ امرأتَهُ فهو أحقُّ برجعتِها، وإنْ طَلَّقها ثلاثاً، فنُسِخَ ذلكَ، فقالَ: الطّلاقُ مرّتان. . الآية " (٩)، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ. [قلتُ (١٠): فقد ظهرَ من هذا الحديثِ]. وعن عائشةَ، قالتْ: " كانَ الناسُ والرّجلُ يُطلّقُ امرأَتَهُ ما شاءَ أن يُطلّقَها وهي امرأتُهُ إذا ارتَجعَها وهي في العِدّةِ وإنْ طلّقها مائةَ مرّةٍ أو أكثرَ، حتّى نزَلَ القرآنُ: " الطّلاقُ مرّتانِ ". . الآية، فاستأنفَ الناسُ الطّلاقَ مُستقبلاً مَنْ كانَ طلّقَ، ومَن لمْ يكنْ طلَّق " (١١)، مُخْتصرٌ من الترمذيِّ.

стр. 528

تقدّمَ قولُهُ ﵇: " لا يَنكحُ المحرمُ ولا يُنكِحُ " (١٢). قالَ تَعالى: " ولا تَعْزمُوا عُقْدةَ النِّكاحَ حَتّى يَبْلغَ الكتابُ أجَلَهُ ". وسيأتي قولهُ ﵇ لفاطمةَ بنتِ قيسٍ: " فإذا حَللْتِ فآذنيني " (١٣). عن رُوَيْفع بنِ ثابتٍ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " مَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، فلا يَسقي ماءَهُ زرعَ غيرِهِ " (١٤)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود والترمذيُّ، وهذا لَفْظُهُ، وقالَ: حسنٌ. فيؤخذُ منهُ النّهيُ عن نكاحِ المرتابةِ بالحملِ، وأنهُ لا يصحُّ العقدُ عليها، وهو الراجحُ واللهُ أعلمُ. لأنّ مُطلقَ النَّهي للفسادِ، كالنّهيِ عن النّكاحِ في العِدّةِ. قالَ اللهُ: " فانْكِحوا ما طابَ لكُمْ مِنَ النّساءَ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ". وقالَ جَماعةٌ من الحفّاظِ عن مَعْمرٍ عن الزّهري عن سالمٍ عن أبيهِ، قالَ: " أسلمَ غَيلانُ بنُ سَلمةَ على عَشرِ نسوةٍ، فأسلمنَ معَهُ، فأمرهُ النبيُّ ﷺ أن يختارَ منهنَّ أربعاً " (١٥)، رواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، والترمذيُّ، وابنُ ماجة، وهذا الإسنادُ رجالُهُ على شرطِ الشّيخين، إلا أنّ الترمذيَّ قالَ: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ، والصَّحيحُ ما رَوى شُعَيْبٌ وغيرُهُ عن الزُّهْري: حُدِّثتُ عن محمدِ بنِ سُوَيْدٍ (١٦) الثَّقفيِّ: أنّ غَيْلانَ: فذكرَهُ. قالَ البخاريُّ: وإنّما حديثُ الزُّهريِّ عن سالمٍ عن أبيهِ: " أنّ رجلاً من ثقيفٍ طلَّقَ نساءَهُ، فقالَ لهُ عمرُ: لَتُراجِعنَّ نساءَكَ أو لأرجُمَنَّ قبرَكَ كما رُجمَ قبرُ أبي رغالٍ ".

стр. 529

قلتُ: ورجّحَ الإمامُ أحمدُ في روايتِهِ لهذا الحديثِ بينَ هذين الحديثين بهذا السّندِ، فليسَ ما ذكرَهُ البخاري قادحاً في صحّةِ الحديثِ، كيفَ، وقد رواهُ النّسائيُّ في سُننِهِ من حديثِ سَرّار بنِ مُجَشّرٍ عن أيوبَ عن نافعٍ وسالمٍ عن ابنِ عمرَ: " أنّ غيلانَ بنَ سَلمةَ كانَ عندَهُ عشرُ نسوةٍ، فأسلمَ وأسلَمْنَ معهُ، فأمرهُ النبيُّ ﷺ أن يختارَ منهنَّ أربعاً، قالَ الحافظُ أبو عليِّ بنُ السَّكنِ: تفرّدَ بهِ سَرّارُ بنُ مُجَشِّرٍ، وهو ثقةٌ، وهكذا قالَ يحيى بنُ مَعينٍ أنهُ ثقةٌ. وقد رَوى أبو داودَ، وابنُ ماجة من حديثِ محمدِ بنِ عبدِ الرّحمن بنِ أبي ليلى عن حُمَيْضَةَ بنِ الشَّمَرْدَلِ، ولابنِ ماجة: بنت الشَّمَرْدَلِ عن قيسِ بن الحارثِ، قالَ: " أسلمتُ وعندي ثمانُ نسوةٍ، فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فذكرتُ ذلكَ له، فقالَ: اخترْ منهنَّ أربعاً " (١٧). وعن نوفلِ بنِ مُعاويةَ الدّيليِّ، قالَ: " أسلمتُ وعندي خمسُ نسوةٍ، فقالَ لي رسولُ اللهِ ﷺ : " أمسكْ أربعاً أيتهنَّ شئتَ، وفارقِ الأخرى "، فعمدتُ إلى أقدمِهنّ صُحبةً، عجوزٍ عاقرٍ معي منذُ ستّين سنةً، فطلَّقْتُها " (١٨)، رواهُ الشافعيُّ، وقال البيهقيُّ: قد رُوِّينا عن عُرْوةَ بن مسعودٍ الثَّقفيِّ، وصَفوانَ بنِ أُميَّةَ معنى حديثِ غَيلانَ بنِ سَلَمةَ، فهذه أحاديثُ منفردةٌ يشدُّ بعضُها بعضاً، فلهذا قالَ الشافعيُّ: دلّتْ سنّةُ رسولِ اللهِ ﷺ المُبيَّنةُ عن اللهِ، على تحريمِ أن يجمعَ أحدٌ غيرُ رسولِ اللهِ ﷺ بين أكثرَ من أربعٍ. عن عمرَ، قالَ: " ينكحُ العبدُ امرأتين " (١٩)، رواهُ الشافعيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. وقالَ الثَّوري عن جعفرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ: " أنّ عليّاً قالَ: " ينكحُ العبدُ اثنتين، لا يزيدُ عليهما " (٢٠)، رواهُ الشافعيُّ عن ابنِ أبي يحيى عن جعفرِ بنِ محمدٍ، ثمّ قالَ:

стр. 530

ورُويَ عن عبدِ الرّحمن بنِ عوْفٍ مثلَ قولِ عمرَ، وعليّ، ولا يُعرَفُ لهم من الصّحابةِ مخالفٌ، وهو قولُ الأكثرِ من المُفتين بالبلدانِ. قالَ مالكٌ: عن نافعٍ عن ابنِعمرَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن الشِّغارِ، والشِّغارُ أن يُزوّجَ الرّجلُ ابنتَهُ على أن يُزوِّجَهُ الآخر ابنتَهُ، وليسَ بينها صَداقٌ " (٢١) أخرجاه. ولهما من روايةِ عُبَيْدِ الله بنِ عمرَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ مرفوعاً: مثلُهُ، قلتُ لنافعٍ: ما الشِّغارُ؟ قالَ: أن يَنكِح ابنة الرجل، ويُنكحَهُ ابنتَهُ بغيرِ صَداقٍ، ويَنكِحَ أُختَ الرّجلِ، ويُنكحَهُ أُختَهُ بغيرِ صَداقٍ " (٢٢). ولمسلمٍ عن أبي هريرةَ: مثلُهُ (٢٣)، وفيه ذكرُ تفسيرِ الشّغارِ مُدْرَجاً. وعن جابرٍ (٢٤): مثلُهُ من غيرِ تفسيرٍ. عن الرّبيعِ بنِ سَبْرةَ: " أنّ أباهُ غزا معَ رسولِ اللهِ ﷺ فتحَ مكّة، فقالَ: " يا أيّها الناسُ إني كنتُ أذنتُ لكُمْ في الاستمتاع من النساءِ، وإنّ الله قد حرّمَ ذلكَ إلى يومِ القيامةِ، فمنْ كانَ عندَهُ منهنَّ شيءٌ فلْيُخلِّ سبيلَهُ، ولا تأْخذوا ممّا آتيتموهنَّ شيئاً " (٢٥)، رواهُ مُسلمٌ، وهذا الحديثُ أصرحُ شيءٍ رُويَ في تحريمِ المُتْعةِ، وأبينُهُ. وهكذا حديثُ سَلَمةَ بنِ الأكْوعِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ رخّصَ عامَ أوطاسٍ في المُتْعَةِ ثلاثةَ أيامٍ، ثمّ نَهى عنها " (٢٦)، رواهُ مسلمٌ. فأمّا حديثُ عليٍّ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن متعةِ النّساءِ يومَ خيبرَ، وعن لحومِ

стр. 531

الحُمُرِ الأهليةِ " (٢٧)، فرواهُ البخاريُّ ومسلمٌ، وهذا لفظُهُ، وقد قيلَ أنهُ وقعَ فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، واللهُ أعلمُ. وقيلَ: بلْ هو كذلكَ، وأُبيحتْ المُتْعَةُ مرّتين، وحُرّمت مرّتين، نصَّ عليهِ الشافعيُّ وغيرُهُ. عن ابنِ مسعودٍ: " لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ المُحلِّلَ والمُحلَّلَ لهُ " (٢٨)، رواهُ أحمدُ، والنّسائيُّ والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ. ولهذا الحديثِ طرقٌ عدّةٌ عن جماعةٍ من الصّحابةِ، منهم: عليٌّ، وابنُ عبّاسٍ، وجابرٌ، وعقبةُ بنُ عامرٍ. تقدَّم قولهُ ﵇: " كلُّ شرطٍ ليسَ فيه كتابِ الله، فهو باطلٌ " (٢٩). عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إنَّ أحقَّ الشروطِ أن تُوفّوا بهِ، ما اسْتَحْلَلتمْ بهِ الفروجَ " (٣٠)، أخرجاهُ. عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاسٍ: " أنهُ قالَ في الآية: " ولا جُنَاحَ عليْكُمْ فيمَا عَرَّضْتُم بهِ مِنْ خِطْبةِ النِّساءِ أوْ أكْنَنْتُمْ في أنْفُسِكُمْ "، قالَ: يقولُ: إني أردتُ التزوّجَ، ولَودِدتُ أنهُ يتيسَّرُ لي امرأةٌ صالحةٌ " (٣١)، رواهُ البخاريُّ. وسيأتي قولُهُ ﵇ لفاطمةَ بنتِ قيسٍ، وهي مُعتدّةٌ: " فإذا حَلَلَتِ فآذنيني، فلما حلّتْ، خطبها على أُسامةَ بنِ زيدٍ بنِ حارثةَ مولاهُ " (٣٢)، وهذا تعريضٌ في العدّةِ. عن ابن عمرَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ أن يبيعَ بعضُكُم على بيعِ بعضٍ، ولا يخطُبَ

стр. 532

على خِطبةِ أخيهِ حتّى يتركَ الخاطبُ قبلَهُ أو يأذنَ لهُ " (٣٣)، أخرجاهُ. عن ابن عُمر: " أنهُ خطب ابنةَ خالِهِ عثمانَ بنِ مَظعونٍ بعدَما هلَك، زوَّجها منهُ عمُّها قُدامة، فدخلَ المغيرةُ بنُ شُعْبةَ على أُمِّها فأرغبَها في المالِ فحطَّتْ إليهِ، وحطَّت الجاريةُ إلى هَوى أُمِّها فأبَيا حتّى ارتفعَ أمرُهما إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: " هي يتيمةٌ، لا تُنكَحُ إلا بإذنِها، قالَ عبدُاللهِ: فنُزِعَتْ واللهِ من يدي بعدَ ما مَلكْتُها، فزَوَّجوها المُغيرةَ بنَ شُعْبةَ " (٣٤)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة. يُستدَلُّ بهِ لقولِ المُصنفِ: فإن خالفَ - يعني - فخطبَ على خِطبةِ أخيهِ، فزُوِّج، صحَّ العقدُ.

стр. 533

٢ - بابُ (١): عيوب النكاح أو ما يثبت به الخيار أو (الخيار في النكاح، والرّدّ بالعيب) . قد تقدّمَ إثباتُ الخيارِ في المَسْبيَّةِ في نكاحٍ أوْلي (٢). قالَ أحمدُ: حدَّثنا أبو القاسم (٣) بنُ مالكٍ المُزنيّ أخبرني جميلُ بنُ زيدٍ، قالَ: " صحبتُ شيخاً من الأنصارِ ذكرَ أنهُ كانتْ لي صحبةٌ (٤) يقالُ لهُ كعبُ بنُ زيدٍ أو زيدِ بن كعبٍ فحدثني: أن رسولَ اللهِ ﷺ تزوّجَ امرأةً من بني غِفارٍ، فلما دخلَ عليْها فوضعَ ثوبَهُ وقعدَ على الفراشِ، أبصرَ بكَشْحِها بياضاً فانحازَ عن الفراشِ، ثمَّ قالَ: خُذي عليكِ ثيابَكِ، ولمْ يأخذْ ممّا آتاها شيئاً " (٥)، رواهُ سعيدٌ في سُنَنِهِ، وقالَ زيدُ بنُ كعْبٍ بنِ عُجْرةَ. ورَوى البيهقيُّ من حديثِ جميلِ بنِ زيدٍ، هذا - وهو ضعيفٌ عن ابنِ عمرَ، ولم يسمعْ منهُ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ تزوّجَ امرأةً من بَني غفارٍ، فلما أدخلتْ عليهِ، رأى بكَشْحِها وَضحاً فردَّها إلى أهلِها، وقالَ: دَلَّسْتُمْ عليَّ " (٦). عن ابن عبّاسٍ: أنهُ قالَ: " أربعٌ لا يجزنَ في بيعٍ ولا نكاحٍ: المجنونةُ، والمجذومةُ، والبرصاءُ، والعفلاءُ " (٧)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ قَوِيٍّ.

стр. 534

عن سليمانَ بنِ يسارٍ: " أنّ ابنَ سندرٍ تزوّجَ امرأةً، وكانَ خصيّاً، فنزَعها منه عمرُ بنُ الخطابِ " (٨)، رواهُ عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ عن عَمْرو بنِ الحارثِ عن بُكَيْرِ بنِ عبدِ الله عنهُ، وهذا: إسنادٌ جيّدٌ، إلا أنهُ: منقطعٌ بينَ سليمانَ بنِ يَسار، وعمرَ بنِ الخطاب، فإنهُ لم يُدركْهُ. وقالَ الشافعيُّ: عن وَكيعٍ عن سُفيانَ عن رجلٍ عن الشَّعبيّ عن عليٍّ: " في رجل تزوّجَ امرأةً بها جنونٌ أو جذامٌ أو برَصٌ، قالَ: إذا لمْ يدخلْ بها فُرِّقَ بينَهما، وإن دخلَ بها فهي امرأتُهُ، إن شاءَ طلَّقها، وإن شاءَ أمسكَها " (٩). وقالَ الشافعيُّ أيضاً: أخبرَنا مالكٌ عن يحيى بنِ سَعيدٍ عن سعيدِ بنِ المُسيّب، قالَ: قالَ عمرُ: " أيّما رجلٍ تزوّجَ امرأةً وبها جنونٌ أو جذامٌ، أو بَرصٌ فمسّها، فلها صداقُها، وذلكَ لزوجِها غُرمٌ على وليُّها " (١٠). وقد حَكى الشافعيُّ في القديمِ عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عبّاسٍ في المغرورِ يرجعُ بالمَهْرِ على من غرَّهُ، ويُعْضَدُ بما تقدّمَ من قولهِ ﵇: " من غشَّ فليسَ منّي " (١١)، ثمّ قالَ في الجديدِ: وإنّما تركتُ ذلكَ لحديثِ: " أيّما امرأةٍ بغيرِ إذنِ وليّها، فنكاحُها باطلٌ، فإنْ أصابَها فلها الصِّداقُ بما استحلَّ من فَرْجها " (١٢)، قالَ: فجعلَ لها الصِّداقَ في النكاحِ الفاسد، وهي التي غرَّتْهُ، فلأنْ يجعلَ لها الصّداقَ بلا رجوعٍ على الغارّ في النكاحِ الصّحيحِ الذي الزوجُ فيهِ مُخَيرٌ بطريقِ الأولى. عن عمرَ بنِ الخطاب: أنهُ قالَ: في العِنّينِ: يُؤجَّلُ سنةً، فإن قدرَ عليْها، وإلا فُرِّقَ

стр. 535

بينَهما " (١٣)، رواهُ الشافعيُّ عن ابنِ عُيَيْنةَ عن الزُّهريّ عن سعيدٍ عنهُ. ورَوى البيهقيُّ معناهُ عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، والمغيرةِ بنِ شُعْبةَ، قالَ المغيرةُ: وذلكَ من يومِ رافَعْتُهُ " (١٤). عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ ﵇: " إنّ أحقَّ الشروطِ أن يُوَفّرَ بهِ ما اسْتَحْللْتُم بهِ الفُروجَ " (١٥)، أخرجاهُ. عن عائشةَ: " أن بَريرةَ خُيِّرتْ على زوجِها حينَ عُتِقتْ، وكانَ زوجُها عَبْداً " (١٦)، هكذا رواهُ مسلمٌ من حديثِ عُرْوةَ، والقاسمِ عنها، وكذا رواهُ عنها عَمْرةُ ويَزيدُ بنُ الأصمّ (١٧)، وقد قدّمَ الأئمة هذا على ما رواهُ البخاريّ عن الأسودِ عنها: " أنهُ كانَ حُرّاً " (١٨)، قالَ البخاريُّ - وهو منقطعٌ، وقولُ ابنِ عبّاسٍ: " رأيتهُ عبداً أصحّ " (١٨). عن عائشةَ: " أن بَريرةَ أُعتِقتْ وهيَ عندَ مُغيثٍ لآلِ أبي أحمدَ، فخيَّرها رسولُ اللهِ ﷺ ، وقالَ: إنْ قَرِبَكِ فلا خِيارَ لكِ " (١٩)، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حسنٍ. ورواهُ الشافعيُّ عن ابنِ عمرَ (٢٠)، وحَفْصَةَ (٢١)، فهذا نصّ الشافعيّ، وقد صحّح النَّوويُّ وغيرُهُ من الأصحابِ على الفورِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 536

٣ - بابُ: نكاحِ المُشركِ . عن عبدِ الله بنِ عبّاسٍ: " أنَّ رجلاً جاءَ مسلماً، ثمَّ جاءت امرأتُهُ مسلمةً بعدَهُ، فقالَ يا رسولَ اللهِ: إنّها كانتْ أسلمتْ معي فردَّها عليها (١)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وقال حسنٌ صحيحٌ، وكذا صحَّحهُ ابنُ حِبّان (٢) أيضاً. وفي لفظٍ، قالَ: " أسلمتْ امرأةٌ على عهدِ النبيِّ ﷺ فتزوَّجَتْ، فجاءَ زوجُها، فقالَ يا رسولَ اللهِ: إني كنتُ أسلمتُ وعلمتْ بإسلامي، فانتزعها رسولُ اللهِ ﷺ من زوجِها الآخرِ، وردَّها إلى زوجِها الأوّلِ " (٣)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة، وابنُ حِبّان في صحيحه. قالَ الشافعيُّ: عن مالكٍ عن ابنِ شهابٍ: أنهُ قالَ: ولمْ يَبلغْنا أنَّ امرأةً هاجرتْ إلى اللهِ ورسولِهِ وزوجُها كافرٌ مُقيمٌ بدار الكفرِ إلا فرَّقتْ هجرتُها بينَها وبينَ زوجِها إلا أن يَقدمَ زوجُها مُهاجراً قبلَ أن تنقضيَ عدّتُها " (٤)، ثم ذكرَ عن صَفْوانَ بنِ أُميّةَ، وعِكْرمةَ بنِ أبي جَهْلٍ: أنّ زوجةَ كلّ واحدٍ منهما أسلمتْ قبلَهُ، ثمَّ أسلمَ بعدَها بنحو شهرٍ، واستقرّا على النِّكاحِ. وذكرَ الشافعيُّ: عن حَكيمِ بنِ حِزامٍ مثلَ ذلك (٥)، ثمّ قالَ: وهذا معروفٌ عندَ أهلِ العلمِ بالمَغازي.

стр. 537

وعن ابنِ عباسٍ: " أنهُ قالَ في اليهوديّةِ أو النصرانيةِ تكونُ تحتَ اليهوديّ أو النّصرانيّ، فتسلمُ، قالَ: يُفْرَّقُ بينهما، الإسلامُ يَعلو ولا يُعْلى " (٦)، رواهُ أبو جعفرٍ الطّحاويُّ بإسنادٍ: جيّدٍ. عن ابن عبّاسٍ، قالَ: " ردَّ رسولُ اللهِ ﷺ زينبَ ابنتَهُ على أبي العاصِ بنِ الرّبيعِ بالنّكاحِ الأوّلِ، ولمْ يُحدِثْ شيئاً " (٧). وفي لفظٍ: " كان إسلامُهَا قبلَ إسلامِهِ بستّ سنينَ، ولمْ يُحدِثْ شهادةً ولا صَداقاً " (٨). رواهُ أحمدُ، بهذينِ اللّفظينِ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ، وليسَ بإسنادِهِ بأسٌ. قلتُ: هو مِن روايةِ محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ يسارٍ، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ عن عِكْرمةَ عنهُ، وهذا: إسنادٌ جيّدٌ قويٌّ، ويعني بإسلامِها هِجْرَتها، وإلا فهيَ وسائرُ بناتِهِ ﵇ أسلمْنَ منذُ بعثَهُ اللهُ، وكانتْ هجرتُها بعدَ وقعةِ بدرٍ بقليلٍ من السنةِ الثانيةِ، وحُرِّمت المسلماتُ على الكفّارِ في الحُديْبيةِ سنةَ ستّ في ذي القعْدةِ منها، فيكونُ مُكْثُها بعدَ ذلكَ نحواً من سنتين، وهذا وردَ في روايةِ أبي داود، ردَّها عليهِ بعدَ سنتين "، وهكذا قرّرَ ذلكَ البيهقيُّ. فأمّا: ما رواهُ الحَجَّاجُ بنُ أرطاةٍ عن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ردّ ابنتَهُ على أبي العاصِ بمَهْرٍ جديدٍ، ونكاحٍ جديدٍ " (٩)، فرواهُ أحمدُ، والترمذيُّ، وابنُ ماجة، في حديثٍ معلولٍ كما قالَ أحمدُ: هذا حديثٌ: ضعيفٌ، وحجّاجٌ لمْ يسمعْهُ من عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ، إنّما سمعهُ من محمدِ بنِ عُبَيْدِ الله العَرْزَميِّ

стр. 538

عنهُ، لا يُساوي حديثُهُ شيئاً، قالَ: والصّحيحُ: حديثُ ابن عباسٍ يعني - المتقدّمَ، وهكذا قالَ البخاريُّ، والترمذيُّ، والبيهقيُّ، وحَكاهُ عن حُفّاظِ الحديثِ. تقدّمَ حديثُ غَيْلانَ بنِ سَلمةَ: " أنهُ أسلمَ وتحتَهُ عشرٌ، فأمرَهُ ﵇ أن يختارَ منهن أربعاً " (١٠). عن عبدِ اللهِ بنِ لهيعةَ، ويزيدِ بنِ أبي حَبيبٍ عن أبي وَهْب الجَيْشانيِّ عن الضَّحّاكِ بنِ فَيْروزٍ الدَّيْلَميِّ عن أبيهِ، قالَ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ: إني أسلمتُ وعندي أُختانِ، فقالَ: طلّقْ أيّتهما شئتَ " (١١)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفظُهُ، والترمذيُّ وابنُ ماجة، وهو حديثٌ جيّدٌ. ورواهُ الشافعيُّ، وابنُ ماجة من حديثِ إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي فَرْوةَ عن أبي وهْبٍ الجَيْشانيِّ عن أبي خِراشٍ الرُّعَيْنيِّ عن ابن الدَّيْلميِّ، زادَ الشافعيُّ: أو الدَّيْلمي، قالَ: " أسلمتُ وعندي أُختان - الحديث ". أبو وهْبٍ الجَيْشاني: مصريٌّ، وجَيْشان من اليمن، قالَ البخاريُّ والترمذيُّ: اسمُهُ: الدُّيْلمُ بنُ الهوشع، وقيلَ: عكسهُ، وقالَ أبو سعيدٍ بن يونسَ: الصّوابُ أنّ اسمَهُ: عُبيْدُ بنُ شُرَحْبيل، قالَ البخاريُّ: في إسنادِهِ نَظرٌ. عن سعيدِ بن جُبيرٍ عن ابن عباسٍ، قال: " كانت المرأةُ تكونُ مِقلاةً، فتجعلُ على نفسِها إن عاشَ لها ولدٌ أن تُهوِّدَهُ، فلما أُصيبَ بنو النّضير كان فيهم من أبناءِ الأنصارِ، فقالوا: لا ندعُ أبناءَنا، فأنزلَ اللهُ: " لا إكراهَ في الدِّينِ قدْ تَبيّنَ الرُّشْدُ من الغَيِّ " (١٢)، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ، لكن رواه سعيدُ بنُ منصورٍ في سُننِه عن سعيدِ بنِ جُبيْر مُرْسَلاً.

стр. 539

وفيه دلالةٌ لأحدِ القولينِ في مَن انتقلَ من المشركين إلى دينٍ يقرُّ أهلُهُ عليه، أنَّه يُقَرُّ، ولكنَّ الصحيحَ أنهُ لا يُقَرُّ، واستُدِلَّ على ذلكَ بما رواهُ البخاريُّ عن ابنِ عبّاسٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: " من بدّل دينهُ فاقتلوهُ " (١٣)، وهذا عامٌّ، فلا يُقْبلُ منه إلاَّ الإسلامُ أو نقتلهُ، ولا يُقبلُ منهُ عودةٌ إلى دينِهِ.

стр. 540

٤ - كتابُ الصَّداقِ قال اللهُ: " وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهنَّ نِحْلةً ". وقالَ: " وإنْ أردْتُمْ اسْتبدالَ زَوْجٍ مكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحداهُنَّ قِنْطاراً فلا تأْخُذُوا منْهُ شَيئاً أتأْخذُونَهُ بُهْتاناً وإثْماً مُبيناً ". عن سَهْلِ بنِ سَعْد، قالَ ﵇ لرجلٍ: تزوَّجْ ولو بخاتمٍ من حديدٍ " (١)، هكذا رواهُ البخاريُّ مُخْتصراً، وسيأتي أبسطَ من هذا، وفيه دلالةٌ على أنّ تسمية الصَّداقِ في النكاحِ مشروعةٌ، وإنَّها لا تتقدَّرُ بشيءٍ. فأمّا عدمُ وجوبهِ، فعن عائشةَ، قالتْ: " أمرني رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أُدخِلَ امرأةٍ على زوجِها قبلَ أن يُعطيَها شيئاً " (٢)، رواهُ أبو داودَ، وابنُ ماجة. وعن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: " قالَ ﵇ لرجلٍ: أترضى أن أُزوّجَكَ فُلانةً؟، قالَ: نعمْ، وقالَ للمرأةِ: أترضينَ أن أُزوّجَكِ فُلاناً؟، قالت: نعم، فزوَّج أحدَهما صاحبَهُ، فدخلَ بها الرّجلُ ولمْ يَفرضْ لها صَداقاً، ولمْ يُعطها شيئاً، وكانَ ممّن شهدَ الحُديْبيةَ، فلما حضرتهُ الوفاةُ، قالَ: أشهدُكُمْ أني قد أعطيتُها من صَداقها سَهْمي بخيبرَ، فباعتهُ بمائةِ ألفٍ " (٣)، رواهُ أبو داودَ من حديث يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ (٤) عن مرْثَدِ بنِ عبد الله اليزَنيِّ عنهُ، وهذا: إسنادٌ جيّدٌ قويٌّ، والحديثُ ظاهرُ الدلالةِ في المطلوبِ.

стр. 541

وفي لفظٍ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " خيرُ النّكاحِ أيسرُهُ " (٥). عن جابرٍ، قالَ ﵇: " من أعطى في صَداقِ امرأةٍ ملءَ كفِّهِ سَويقاً أو تمراً، فقد استحلَّ " (٦)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفظهُ، وفي سندِهِ اختلافٌ، ورُويَ موقوفاً. وفيما تقدّم، وما يأتي من حديثِ سَهْلٍ " أنهُ قالَ: الْتَمسْ ولو خاتماً من حديدٍ " (٧)، ما يدلُّ دلالةً قويّةً على أنهُ لا يتقَدَّرُ بشيءٍ ". عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، قالَ: قالَ ﵇: " أيُّما امرأةٍ نكَحت على صداقٍ أو حِباءٍ أو عِدةٍ، فهو لها، وما كانَ بعدَ عِصْمةِ النّكاحِ فهو لمنْ أُعطيَهُ، وأحقُّ ما أكرِمَ عليهِ الرّجلُ ابنتُهُ، أو أختُهُ " (٨)، رواهُ أبو داودَ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة. يُؤْخذُ منهُ: أنهُ إذا ذكر صَداقاً في السر (٩)، وصَداقاً في العَلانية: فإنّ الصّداقَ ما تقدّمَ العقدَ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " لما تزوّجَ عليٌّ فاطمةَ، قالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : أعطِها شيئاً، قالَ: ما عندي شيءٌ، قالَ أينَ دِرعُك الحُطَميّةُ؟ " (١٠)، رواهُ أبو داودَ، والنّسائيُّ. قالَ اللهُ تَعالى: " إنّي أُريدُ أنْ أُنكحَكَ إحْدى هَاتيْنِ على أنْ تأْجُرَني ثَمانيَ حِجَجٍ فإنْ أتْممْتَ عَشراً فمِنْ عِندِكَ. . الآية ". عن سهْلٍ بنِ سَعْدٍ " جاءَت امرأة، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ: إني وهبتُ نفسي لكَ فقامتْ طويلاً، فقالَ رجلٌ: زوِّجْنيها يا رسولَ اللهِ إن لم يكنْ لكَ بها حاجةٌ، قالَ: هلْ

стр. 542

عندَك من شيءٍ تُصدقُها؟، فذكرَ إزارَهُ، حتّى قالَ: التمس ولو خاتماً من حديدٍ فالتمسَ، فلمْ يجدْ شيئاً، قالَ: زوَّجْتكَها بما معَكَ من القرآنِ " (١١)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ: " زوَّجتكَها، فعلِّمْها من القرآنِ " (١٢). فدلَّ حديثُ ابنِ عباسٍ على أنه يجةو أن يكون الصداقُ عيناً تُباع، وحديثُ سهلٍ هذا على أنه يجوز أن يكون منفعة تكرى. قالَ تعالى: " وإنْ طَلَّقْتُموهُنَّ مِنْ قَبلِ أنْ تَمَسّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتمْ لهُنَّ فَريضةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاَّ أنْ يَعفونَ أوْ يَعفوَ الّذي بِيَدِهِ عُقْدةُ النِّكاحِ. . الآية ". قال ابنُ عبّاسٍ " في الرّجلِ يتزوَّجُ المرأةَ فيَخْلوا بها ولا يَمَسُّها، ثمّ يُطلِّقُها: ليسَ لها إلا نصفُ الصَّداقِ، وتَلا هذهِ الآيةَ " (١٣)، رواهُ الشافعيّ، وقال في الجديدِ بهِ آخذُ. ورَوى البيهقيُّ من حديثِ الشَّعْبيّ عن ابنِ مسعود (١٤): مثلَهُ. وقالَ في القديمِ: يَستقرُّ الصَّداقُ بالخلوةِ لما رواهُ عن مالكٍ عن يحيى بنِ سعيد عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ: أنَّ عمرَ بن الخطابِ قَضى في المرأةِ يتزوّجُها الرَّجلُ، أنها إذا أُرخِيتْ السّتورُ، فقد وجبَ الصَّداقُ " (١٥). وعن مالكٍ عن الزُّهريّ عن زيدِ بنِ ثابتٍ مثلُهُ. قالَ البيهقيُّ: وروينا عن الأحنفِ بنِ قيسٍ: " أنَّ عمرَ وعليّاً قالا: إذا أغلقَ باباً، أو أرخى سِتْراً، فلها الصَّداقُ كاملاً، وعليها العِدَّةُ " (١٦).

стр. 543

وقالَ زُرارةُ بنُ أوفى: " قضاءُ الخلفاءِ الراشدينَ المَهديينَ أنهُ من أغلقَ باباً، أو أرخى سِتراً، فقد وجبَ الصَّداقُ والعِدّةُ " (١٧). قالَ البيهقيُّ: وهذا: مُنقطعٌ، فإنهُ لمْ يُدركهُم. فأمّا تفسيرُ الذي بيدِهِ عُقدةُ النّكاحِ: فالجديدُ: أنهُ الزّوجُ، وهو الذي حَكاهُ الشافعيُّ عن عليّ، وجُبيرِ بنِ مُطْعمِ، وابنِ عبّاسٍ، وبهِ قالَ شُرَيْحٌ، وسعيدُ بنُ المسيّبِ، وابنُ سيرين، والشَّعبيّ، ومجاهدٌ، ونافعُ بنُ جُبيْرٍ، ومحمدُ بنُ كَعْبٍ، وقالَ في القديمِ: هو الوَليُّ، وهو روايةٌ عن ابنِ عبّاسٍ، وشُرَيْحٍ، وطاوسٍ، وبهِ قالَ عَلْقَمةُ، والحسنُ، وإبراهيمُ النّخعيُّ، وعَطاء بنُ أبي رَباحٍ. قالَ البيهقيُّ: والأوّلُ: أصحُّ. قلتُ: وعلى القديم: شُرِعَ عفوُ الأبِ أو الجدِّ عن صَداقِ المجنونةِ أو الصغيرةِ. عن عبد اللهِ بنِ مسعودٍ: " أنه سُئلَ في رجلٍ تزوّجَ امرأةً فمات عنها، ولمْ يفرضْ لها، فقالَ: لها الصَّداقُ كاملاً، وعليها العِدّةُ، ولها الميراثُ، فقامَ مَعْقِلُ بنُ سِنان الأشْجعيُّ، فقالَ: سمعتُ النبيَّ ﷺ قضى بهِ في بِرْوَعَ بنتِ واشقٍ، ففرحَ عبدُاللهِ بذلكَ " (١٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ. وقالَ الربيعُ عن الشافعيّ: إنْ ثبتَ هذا الحديثُ، فهو أولى الأمورِ بنا، ولا حجةَ في قولِ أحدٍ دونَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وإنْ كثروا، ولا في قياسٍ، قالَ: غيرَ أني لم أحفظْهُ من وجهٍ من الوجوهِ يثبتُ مثلُهُ، هو مرّةً: قالَ عن مَعْقلِ بنِ يَسارٍ، ومرّةً عن مَعْقلِ بنِ سِنانَ، ومرّةً عن بعضِ أشْجعَ، لا يُسمّي، فإذا ماتَ أو ماتتْ، فلا مَهْر لها، ولا مُتْعةَ، فهذا من الشافعيّ ﵀ وقفٌ في صحةِ الحديثِ، ولا شكَّ إنّ لهُ أسانيدَ قَوِيّةً،

стр. 544

وبعضها على شرطِ الصحيحين، وقد ورد بألفاظ كما ذكرَها الشافعي، لكن قالَ أبو عبد الرحمن النّسائيُّ: لولا ثقةٌ مَن روى عن رسول الله ﷺ ، لما فرحَ عبدُاللهِ بنُ مَسعودٍ. قلتُ: وهذا الاختلافُ ليسَ بمُضرٍّ للحديثِ، لأنّ أيّما كانَ من معقلِ بنِ سِنان، الأشجعيّ، أو معقلِ بنِ يسارٍ المُزَنيّ، فهو: ثقةٌ، ومن لمْ يسمهِ لا يضرُّ أيضاً، لأنّ الصحابةَ كلَّهم عدولٌ، ولهذا قال الحافظ أبو عبد الله محمدُ بن يعقوبَ بنِ الأحزم: لو حضرتُ الشافعيَّ وقد وقفَ في هذا الحديثِ، لقمتُ وقلتُ: قد صحَّ الحديث، فقلْ بهِ، وهذا صححهُ النَّوويُّ، وغيرهُ من حُذّاقِ المذهبِ. وحُجّةُ القديمِ: ما رواهُ الشافعي عن ابن عُييْنةَ عن عطاءِ بنِ السّائبِ عن عبدِ خيرٍ عن عليٍّ: " في الرّجلِ يتزوّجُ المرأةَ ثمَّ يموتُ، ولمْ يدخلْ بها، ولمْ يفرضْ لها صداقاً، إنَّ لها الميراثَ، وعليْها العِدّةُ، ولا صَداقَ لها " (١٩). ورَوى مالكٌ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ: مثلَ ذلكَ، ثمّ قالَ: بهذا نقولُ، إلا أن يَثبتَ حديثُ بِرْوَعَ (٢٠). عن أنس: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أعتقَ صَفيةً، وجعلَ عِتْقها صَداقَها " (٢١)، أخرجاهُ. ورواهُ الترمذيُّ، ثم قالَ: حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ من الصّحابةِ، وغيرِهم، وهو قولُ الشافعيّ، وأحمدَ، وإسحاقَ. وكرهَ بعضُ أهلِ العلم: أن يُجعلَ عِتقُها صداقَها، حتّى يُجعلَ لها مهرٌ سوى العِتْقِ والقول الأولُ أصحُّ، فهذا الذي حكاهُ الترمذيُّ عن الشافعيّ في هذهِ المسألةِ غريبٌ، لا يعرفُهُ كثيرٌ من الأصحابِ، بل المشهورُ في المذهبِ: أنها تُعتقُ ولا يلزمُها أن تتزوّجَ بهِ، ويرجعُ عليها بقيمةِ رَقبتِها، فإن تزوَّجتْهُ استحقَّتْ عليهِ مهْرَ المِثْلِ.

стр. 545

ورَوى البيهقيُّ: أنهُ ﵇: " خطبَ صفيَّةَ بعدَ ما أعتَقَها، وتزوَّجَها، وأمهرَها رُزَينةَ " (٢٢)، وهو غريبٌ جداً، ولا يثبتُ إسنادُهُ.
следующие страницы →