← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 541–580 · переход к 546.

стр. 541

وفي لفظٍ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " خيرُ النّكاحِ أيسرُهُ " (٥). عن جابرٍ، قالَ ﵇: " من أعطى في صَداقِ امرأةٍ ملءَ كفِّهِ سَويقاً أو تمراً، فقد استحلَّ " (٦)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفظهُ، وفي سندِهِ اختلافٌ، ورُويَ موقوفاً. وفيما تقدّم، وما يأتي من حديثِ سَهْلٍ " أنهُ قالَ: الْتَمسْ ولو خاتماً من حديدٍ " (٧)، ما يدلُّ دلالةً قويّةً على أنهُ لا يتقَدَّرُ بشيءٍ ". عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، قالَ: قالَ ﵇: " أيُّما امرأةٍ نكَحت على صداقٍ أو حِباءٍ أو عِدةٍ، فهو لها، وما كانَ بعدَ عِصْمةِ النّكاحِ فهو لمنْ أُعطيَهُ، وأحقُّ ما أكرِمَ عليهِ الرّجلُ ابنتُهُ، أو أختُهُ " (٨)، رواهُ أبو داودَ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة. يُؤْخذُ منهُ: أنهُ إذا ذكر صَداقاً في السر (٩)، وصَداقاً في العَلانية: فإنّ الصّداقَ ما تقدّمَ العقدَ. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " لما تزوّجَ عليٌّ فاطمةَ، قالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : أعطِها شيئاً، قالَ: ما عندي شيءٌ، قالَ أينَ دِرعُك الحُطَميّةُ؟ " (١٠)، رواهُ أبو داودَ، والنّسائيُّ. قالَ اللهُ تَعالى: " إنّي أُريدُ أنْ أُنكحَكَ إحْدى هَاتيْنِ على أنْ تأْجُرَني ثَمانيَ حِجَجٍ فإنْ أتْممْتَ عَشراً فمِنْ عِندِكَ. . الآية ". عن سهْلٍ بنِ سَعْدٍ " جاءَت امرأة، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ: إني وهبتُ نفسي لكَ فقامتْ طويلاً، فقالَ رجلٌ: زوِّجْنيها يا رسولَ اللهِ إن لم يكنْ لكَ بها حاجةٌ، قالَ: هلْ

стр. 542

عندَك من شيءٍ تُصدقُها؟، فذكرَ إزارَهُ، حتّى قالَ: التمس ولو خاتماً من حديدٍ فالتمسَ، فلمْ يجدْ شيئاً، قالَ: زوَّجْتكَها بما معَكَ من القرآنِ " (١١)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ: " زوَّجتكَها، فعلِّمْها من القرآنِ " (١٢). فدلَّ حديثُ ابنِ عباسٍ على أنه يجةو أن يكون الصداقُ عيناً تُباع، وحديثُ سهلٍ هذا على أنه يجوز أن يكون منفعة تكرى. قالَ تعالى: " وإنْ طَلَّقْتُموهُنَّ مِنْ قَبلِ أنْ تَمَسّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتمْ لهُنَّ فَريضةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلاَّ أنْ يَعفونَ أوْ يَعفوَ الّذي بِيَدِهِ عُقْدةُ النِّكاحِ. . الآية ". قال ابنُ عبّاسٍ " في الرّجلِ يتزوَّجُ المرأةَ فيَخْلوا بها ولا يَمَسُّها، ثمّ يُطلِّقُها: ليسَ لها إلا نصفُ الصَّداقِ، وتَلا هذهِ الآيةَ " (١٣)، رواهُ الشافعيّ، وقال في الجديدِ بهِ آخذُ. ورَوى البيهقيُّ من حديثِ الشَّعْبيّ عن ابنِ مسعود (١٤): مثلَهُ. وقالَ في القديمِ: يَستقرُّ الصَّداقُ بالخلوةِ لما رواهُ عن مالكٍ عن يحيى بنِ سعيد عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ: أنَّ عمرَ بن الخطابِ قَضى في المرأةِ يتزوّجُها الرَّجلُ، أنها إذا أُرخِيتْ السّتورُ، فقد وجبَ الصَّداقُ " (١٥). وعن مالكٍ عن الزُّهريّ عن زيدِ بنِ ثابتٍ مثلُهُ. قالَ البيهقيُّ: وروينا عن الأحنفِ بنِ قيسٍ: " أنَّ عمرَ وعليّاً قالا: إذا أغلقَ باباً، أو أرخى سِتْراً، فلها الصَّداقُ كاملاً، وعليها العِدَّةُ " (١٦).

стр. 543

وقالَ زُرارةُ بنُ أوفى: " قضاءُ الخلفاءِ الراشدينَ المَهديينَ أنهُ من أغلقَ باباً، أو أرخى سِتراً، فقد وجبَ الصَّداقُ والعِدّةُ " (١٧). قالَ البيهقيُّ: وهذا: مُنقطعٌ، فإنهُ لمْ يُدركهُم. فأمّا تفسيرُ الذي بيدِهِ عُقدةُ النّكاحِ: فالجديدُ: أنهُ الزّوجُ، وهو الذي حَكاهُ الشافعيُّ عن عليّ، وجُبيرِ بنِ مُطْعمِ، وابنِ عبّاسٍ، وبهِ قالَ شُرَيْحٌ، وسعيدُ بنُ المسيّبِ، وابنُ سيرين، والشَّعبيّ، ومجاهدٌ، ونافعُ بنُ جُبيْرٍ، ومحمدُ بنُ كَعْبٍ، وقالَ في القديمِ: هو الوَليُّ، وهو روايةٌ عن ابنِ عبّاسٍ، وشُرَيْحٍ، وطاوسٍ، وبهِ قالَ عَلْقَمةُ، والحسنُ، وإبراهيمُ النّخعيُّ، وعَطاء بنُ أبي رَباحٍ. قالَ البيهقيُّ: والأوّلُ: أصحُّ. قلتُ: وعلى القديم: شُرِعَ عفوُ الأبِ أو الجدِّ عن صَداقِ المجنونةِ أو الصغيرةِ. عن عبد اللهِ بنِ مسعودٍ: " أنه سُئلَ في رجلٍ تزوّجَ امرأةً فمات عنها، ولمْ يفرضْ لها، فقالَ: لها الصَّداقُ كاملاً، وعليها العِدّةُ، ولها الميراثُ، فقامَ مَعْقِلُ بنُ سِنان الأشْجعيُّ، فقالَ: سمعتُ النبيَّ ﷺ قضى بهِ في بِرْوَعَ بنتِ واشقٍ، ففرحَ عبدُاللهِ بذلكَ " (١٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ. وقالَ الربيعُ عن الشافعيّ: إنْ ثبتَ هذا الحديثُ، فهو أولى الأمورِ بنا، ولا حجةَ في قولِ أحدٍ دونَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وإنْ كثروا، ولا في قياسٍ، قالَ: غيرَ أني لم أحفظْهُ من وجهٍ من الوجوهِ يثبتُ مثلُهُ، هو مرّةً: قالَ عن مَعْقلِ بنِ يَسارٍ، ومرّةً عن مَعْقلِ بنِ سِنانَ، ومرّةً عن بعضِ أشْجعَ، لا يُسمّي، فإذا ماتَ أو ماتتْ، فلا مَهْر لها، ولا مُتْعةَ، فهذا من الشافعيّ ﵀ وقفٌ في صحةِ الحديثِ، ولا شكَّ إنّ لهُ أسانيدَ قَوِيّةً،

стр. 544

وبعضها على شرطِ الصحيحين، وقد ورد بألفاظ كما ذكرَها الشافعي، لكن قالَ أبو عبد الرحمن النّسائيُّ: لولا ثقةٌ مَن روى عن رسول الله ﷺ ، لما فرحَ عبدُاللهِ بنُ مَسعودٍ. قلتُ: وهذا الاختلافُ ليسَ بمُضرٍّ للحديثِ، لأنّ أيّما كانَ من معقلِ بنِ سِنان، الأشجعيّ، أو معقلِ بنِ يسارٍ المُزَنيّ، فهو: ثقةٌ، ومن لمْ يسمهِ لا يضرُّ أيضاً، لأنّ الصحابةَ كلَّهم عدولٌ، ولهذا قال الحافظ أبو عبد الله محمدُ بن يعقوبَ بنِ الأحزم: لو حضرتُ الشافعيَّ وقد وقفَ في هذا الحديثِ، لقمتُ وقلتُ: قد صحَّ الحديث، فقلْ بهِ، وهذا صححهُ النَّوويُّ، وغيرهُ من حُذّاقِ المذهبِ. وحُجّةُ القديمِ: ما رواهُ الشافعي عن ابن عُييْنةَ عن عطاءِ بنِ السّائبِ عن عبدِ خيرٍ عن عليٍّ: " في الرّجلِ يتزوّجُ المرأةَ ثمَّ يموتُ، ولمْ يدخلْ بها، ولمْ يفرضْ لها صداقاً، إنَّ لها الميراثَ، وعليْها العِدّةُ، ولا صَداقَ لها " (١٩). ورَوى مالكٌ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ: مثلَ ذلكَ، ثمّ قالَ: بهذا نقولُ، إلا أن يَثبتَ حديثُ بِرْوَعَ (٢٠). عن أنس: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أعتقَ صَفيةً، وجعلَ عِتْقها صَداقَها " (٢١)، أخرجاهُ. ورواهُ الترمذيُّ، ثم قالَ: حسنٌ صحيحٌ، والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ من الصّحابةِ، وغيرِهم، وهو قولُ الشافعيّ، وأحمدَ، وإسحاقَ. وكرهَ بعضُ أهلِ العلم: أن يُجعلَ عِتقُها صداقَها، حتّى يُجعلَ لها مهرٌ سوى العِتْقِ والقول الأولُ أصحُّ، فهذا الذي حكاهُ الترمذيُّ عن الشافعيّ في هذهِ المسألةِ غريبٌ، لا يعرفُهُ كثيرٌ من الأصحابِ، بل المشهورُ في المذهبِ: أنها تُعتقُ ولا يلزمُها أن تتزوّجَ بهِ، ويرجعُ عليها بقيمةِ رَقبتِها، فإن تزوَّجتْهُ استحقَّتْ عليهِ مهْرَ المِثْلِ.

стр. 545

ورَوى البيهقيُّ: أنهُ ﵇: " خطبَ صفيَّةَ بعدَ ما أعتَقَها، وتزوَّجَها، وأمهرَها رُزَينةَ " (٢٢)، وهو غريبٌ جداً، ولا يثبتُ إسنادُهُ.

стр. 546

١ - بابُ: المُتْعةِ قالَ اللهُ تعالى: " لا جُناحَ عليْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمسُّوهُنَّ أو تَفْرضُوا لهُنَّ فريضةً ومَتّعُوهُنَّ على الموسِعِ قَدَرُهُ وعلى المُقْترِ قَدَرُهُ مَتاعاً بالمَعْرُوفِ حقّاً عَلى المُحسنينَ ". عن سهْلِ بنِ سعدٍ، وأبي أسيْدٍ، قالا: " تزوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ أُميْمةَ بنتَ شَراحيلَ، فلما أُدْخِلتْ عليهِ بَسطَ يدَهُ إليها، فكأنّها كرهتْ ذلكَ، فأمرَ أبا أُسيْدٍ أن يُجهّزها ويَكسوها ثوبينِ رازِقيين " (١)، رواهُ البخاريُّ، وفي لفظٍ لهُ عن أبي أُسيْدٍ " فلما أُدخلَتْ عليهِ، قالَ: هَبي لي نفْسَكِ، قالتْ: وهلْ تَهَبُ الملكةُ نفسَها لسوقةٍ؟، قالَ: فأهوى بيدِهِ يضعُ يدهُ عليها لتسْكنَ، فقالتْ: أعوذُ باللهِ منكَ، فقالَ: لقدْ عُذتِ بمُعاذٍ، ثمّ خرجَ علينا، فقالَ: يا أبا أُسيْدٍ: " أكسِها رازقيينِ، وألحقْها بأهلِها " (٢). فأمَّا المدخولُ بها: فعن عائشةَ، قالتْ: " لما أُمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بتخييرِ أزواجِه، بدأ بي، فقالَ: إني ذاكرٌ لكِ أمراً فلا عليكِ أن لا تَعجلي حتّى تسْتأمري أبَويكِ، ثمّ قالَ: إنّ اللهَ قالَ: " يا أيّها النبيُّ قلْ لأزواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحياةَ الدُّنْيا وزينتَها فَتعالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جميلاً وإنْ كُنْتُنَّ تُردْنَ اللهَ ورسولَهُ والدّارَ الآخِرةَ فإنَّ اللهَ أعدَّ للمُحسناتِ مِنْكُنَّ أجْراً عَظيماً "، فقلتُ: في هذا استأمرُ أبوَيَّ؟، فإنّي أُريد الله ورسولَهُ والدّارَ الآخرةَ، قالتْ: ثمَّ فعلَ أزواجُ رسولِ اللهِ ﷺ مثلَ ما فعلتُ " (٣)، أخرجاهُ. ولفظُهُ لمسلمٍ.

стр. 547

ومعلومٌ أنهنَ كنَّ مدخولاً بهنَّ، ولهذا صحَّحوا هذا القولَ، وأمَّا القولُ الآخرُ، فحجتُهُ مفهومُ الآية: " لا جُناحَ عليْكُمْ إن طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تمسّوهُنَّ "، قالَ الشافعيُّ: لا يُجبرُ الزوّجُ على شيءٍ معلومٍ إلا أقلَّ ما يقعُ عليهِ اسمُ المتعةِ، وأحبُّ ذلكَ إليَّ: أن يكونَ أقلّهُ ما يجزيءُ فيهِ الصلاةُ، وقالَ في القديمِ: لا أعرفُ في المتعةِ وقتاً إلا أني أستحسنُ ثلاثين درهماً، لما رُويَ عن ابنِ عمرَ. قلتُ: رَوى موسى بنُ عُقبةَ عن نافعٍ: " أنَّ رجلاً أتى ابنَ عمرَ فذكرَ أنهُ فارقَ امرأتَهُ، فقالَ: أعطِها كذا، واكْسِها كذا، فحسبْنا ذلكَ، فإذا هو نحو من ثلاثينَ درهماً، قلتُ لنافعٍ ما كانَ هذا الرّجلُ؟، قالَ: كان مُسدّداً " (٤). وقالَ الشافعيُّ في موضعٍ آخرَ من القديمِ: أستحسنُ ثيابَ ثلاثٍ بقدرٍ ثلاثين درهماً وما رأى الوالي، وما أشبهَ هذا بقدرِ الزّوجين.

стр. 548

٢ - بابُ: الوليمةِ والنَّثرِ عن أنسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى على عبدِ الرَّحمن بن عَوفٍ رَدعَ زَعْفران، فقال: مَهْيَمُ؟، قالَ: يا رسولَ اللهِ تزوّجتُ امرأةً، قالَ: ما أصدقْتها؟ قالَ: وزْنَ نَواةٍ من ذهبٍ، قالَ: فباركَ الهُ لكَ، أوْلمْ ولو بشاةٍ " (١)، أخرجاهُ. وظاهرُ الأمرِ للوجوبِ. وتقدّمَ حديثُ: هلْ عليَّ غيرُها؟، قالَ: لا، إلا أن تطوَّعَ (٢)، يعني في الزّكاةِ، وقد استُدلَّ بهِ على عدمِ وجوبِ الوَليمةِ. عن أنسٍ، قالَ: " ما أوْلمَ رسولُ اللهِ ﷺ على شيءٍ من نسائِه، ما أوْلَمَ على زينبَ، أولَمَ بشاةٍ " (٣)، أخرجاهُ. عن صَفيّةَ بنتِ شَيْبةَ عن عائشةَ، قالتْ: " أولمَ رسولُ اللهِ ﷺ على بعضِ نسائِه بمُدَّينِ من شعيرٍ " (٤)، رواهُ البخاريّ هكذا وقع في روايةِ كريمة (٥) بنتِ أحمد، وفي بعضِ النسخِ: عن صفيّةَ من غيرِ ذكرِ عائشةَ وهو في (٦) سنن النّسائي. وعن أنسٍ، قالَ: " أقامَ رسولُ اللهِ ﷺ بينَ خيبرَ والمدينةِ ثلاثاً يُبْنى عليهِ بصَفيّةَ بنتِ حُيَي، فدعوتُ المسلمين إلى وليمتِهِ، فما كانَ فيها من خبزٍ ولا لحمٍ، أمرَ

стр. 549

بالأنطاعِ فأُلقيَ عليها التمرُ والأقِطُ، والسمنُ، فكانت وليمتَهُ " (٧)، أخرجاهُ. وقالَ: " على عدمٍ "، يعني للشاةِ، وأنهُ بما أولمَ بهِ من الطعامِ جائزٌ. أمَّا النِّثارُ: فقد كرِهَهُ بعضُ أصحابنا، واستدَلّوا عليهِ بحديثِ عبد الله بن يزيدَ الأنصاريّ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ نَهى عن النُّهْبى والمُثْلةِ " (٨)، رواهُ البخاريُّ، وبما رواهُ أحمدُ عن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إنّ للمنافقينَ علاماتٍ يُعرفونَ بها، تحيّتُهم لعنةٌ، وطعامُهم نُهْبةٌ " (٩). وقد قالَ بعضُهم: هو مباحٌ، وحكَى القاضي الماوَرْدِيّ على ذلكَ الإجماعَ، وصحّح إباحيتَهُ النَّوويُّ، وإنهُ خلافُ الأولى. واحتجَّ لذلكَ بحديثِ عبدِ الله بنِ قُرْطٍ الأزْدي الثّماليِّ: أنهُ قالَ: " قُرّبَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ خَمسُ بدناتٍ أو ستُّ ينحرهُنَّ، فطَفِقنَ يَزدَلفْنَ إليهِ أيتهُنَّ يبدأُ بها، فلما وجَبتْ جنوبُها، قالَ كلمةً خفيَّة لم أفهمْها، فسألتُ بعضَ من يَليني، ما قالَ؟، قالوا: قالَ: منْ شاءَ اقتطعَ " (١٠)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والنّسائيّ؛ بإسنادٍ جيّدٍ. وقالَ بعضُهم: هو مُستحبٌّ، وهو قولُ أبي حنيفةَ، ويُحتجُّ لهُ بما رواهُ أبو جعفرٍ الطّحاويُّ من حديثِ ثَور بنِ يَزيدَ عن خالدِ بنِ مَعْدانَ عن مُعاذِ بنِ جبَلٍ: " أنّ رسولَ الله ﷺ كانَ في إملاكٍ، فجاءَ الجَواري معهنَّ الأطباقُ عليها اللوزُ والسّكرُ، فأمسكَ القومُ أيديَهم، قالَ: ألا تَنتهبونَ؟، قالوا: إنكَ كنتَ نَهيتَ عن النُّهْبةِ، فقالَ: تلكَ نُهْبةٌ العَساكر، فأما العُرساتُ، فلا، قالَ: فرأيتَ رسولَ اللهِ ﷺ يُجاذبُهُم ويُجاذبونَهُ " (١١). قال البيهقيُّ: هو من روايةِ عونِ بنِ عُمارةَ وعبدِ الله (١٢) بنِ سُليمانَ وكلاهما لا يُحتجُّ

стр. 550

بهِ عن لمازة (١٣) بنِ المغيرة - وهو مجهولٌ عن ثَورٍ، قالَ: وخالدُ بنُ مَعْدان، عن مُعاذٍ: منقطعٌ. عن أبي هريرةَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " شرُّ الطعامِ، طعامُ الوَليمةِ، يُمنَعها مَنْ يأتيها، ويُدْعى إليها من يأباها، ومَنْ لمْ يُجب الدعوة، فقد عصى اللهَ ورسولَهُ " (١٤)، رواهُ مسلمٌ. وأخرجاهُ (١٥) من وجهٍ آخرَ موقوفاً على أبي هُريرةَ. وعن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا دُعيَ أحدُكُم إلى الوَليمةِ، فلْيأتِها " (١٦)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ: " إذا دَعى أحدُكم أخاهُ فلْيُجبْ عُرْساً كانَ أم غيرَهُ " (١٧). وهذا دليلُ وجوبِ الإجابةِ. عن ابنِ مسعودٍ، قالَ ﵇: " طعامُ أولِ يومٍ حقٌّ، وطعامُ يومِ الثاني، سنّةٌ، وطعامُ يوم الثالثِ سُمْعةٌ، ومن سَمّعَ سمّعَ اللهُ به " (١٨)، رواهُ الترمذيُّ بإسنادٍ حسنٍ، ثمّ قالَ: لا نعرفُهُ إلا من حديثِ زيادِ بنِ عبد اللهِ - يعني البَكّائي، وهو كثيرُ الغَرائبِ.

стр. 551

قلتُ: احتجّ بهِ الشّيخان في الصّحيحين. وقد روى أحمدُ، وأبو داود من حديثِ رجلٍ من ثَقيفٍ عن النبي ﷺ مثلَهُ (١٩)، وإسنادُهُ جيدٌ. ولابنِ ماجة عن أبي هريرةَ مرفوعاً (٢٠) نحوهُ، لكنْ سندُهُ فيهِ ضعفٌ. تقدّمَ قولُهُ ﵇: " إذا دعا أحدُكمْ أخاهُ، فلْيُجبْ " (٢١)، فيُؤْخَذُ من مفهومِهِ أنهُ لا يجبُ إجابةُ الكافرِ إلى وليمتِهِ. عن أنسٍ: " أنّ يهودياً دعا رسولَ اللهِ ﷺ إلى خبزِ شعيرٍ وإهالةٍ سَنِخةٍ، فأجابَهُ " (٢٢)، رواهُ أحمدُ، ففيهِ مع ما تقدّمَ من عُمومِ قولِه: " إذا دُعيَ أحدُكُم إلى الوليمةِ، فلْيأتها "، وجهُ من قال بإجابةِ دعوةِ الكافرِ. عن أبي هريرةَ، قالَ ﵇: " إذا دُعِيَ أحدُكم فلْيُجبْ، فإنْ كانَ صائماً فلْيُصلِّ، وإنْ كانَ مُفْطِراً فلْيَطْعمْ " (٢٣)، رواهُ مُسلم. ولهُ عن جابرٍ، قالَ: قالَ ﵇: " إذا دُعيَ أحدُكمْ إلى طعامٍ فَلْيُجبْ، فإنْ شاءَ طَعِمَ، وإنْ شاءَ تَركَ " (٢٤)، فدلَّ هذا على عدمِ الوجوبِ. عن أبي سعيدٍ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " من رأى منكُمْ مُنكراً فلْيُغيّرهُ بيدِهِ، فإنْ لمْ يستطعْ فبلسانِهِ، فإنْ لمْ يستطعْ فبقلبِهِ، وذلكَ أضعفُ الإيمان " (٢٥)، رواهُ مسلمٌ. عن ابنِ عمرَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن مَطعمين: عن الجلوسِ على مائدةٍ يُشرَبُ

стр. 552

عليها الخمرُ، وأن يأكلَ وهو مُنْبطحُ على بطنِهِ " (٢٦)، رواهُ أبو داود، قالَ: لمْ يسمعه جعفرُ بنُ بُرْقانَ من الزُّهريّ - وهو: مُنكرٌ. قلت: لكنْ لهُ شاهدٌ من حديثِ أبي الزُّبيرِ عن جابرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " من كان يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر، فلا يَقعدَنَّ على مائدةٍ يُشرَبُ عليها الخمْرُ " (٢٧)، رواهُ النسائيّ، وابنُ خُزَيمةَ من طريقين عن أبي الزّبير. ورواهُ أحمدُ في مُسندِهِ عن عمرَ بن الخطاب مرفوعاً بنحوه (٢٨)، فهذه مُقوِّياتٌ للحديثِ. قالَ عبدُ الرّزاقِ: أخبرنا معْمرٌ عن أبي إسحاقَ عن مُجاهدٍ عن أبي هريرةَ: " أنّ جبريلَ جاءَ فسلّم على رسولِ اللهِ ﷺ فعرفَ صوتَهُ، فقالَ: ادخلْ، فقالَ: إنّ في البيتِ سِتراً فيه تماثيلٌ فاقطعوا رؤوسَها، واجعلوها سُبطاً أو وَسائدَ وأوطئوهُ، فإنّا لا ندخلُ بيتاً فيه تماثيلٌ " (٢٩)، رواهُ أبو داودَ من حديثِ أبي إسحاق - وهو الفَزاريُّ - عن يونسَ بنِ أبي إسحاقَ عن مُجاهدٍ عن أبي هريرةَ مرفوعاً بنحوهِ، وفيهِ: " فمرَّ برأسٍ التمثالِ يُقطَعُ فيصيرُ كهيئةِ الشجرةِ ". عن القاسمِ عن عائشةَ: " أنها اشترتْ نمرقةً فيها تصاوير، فلما رآها رسولُ اللهِ ﷺ قامَ على البابِ، فلمْ يدخل، فعَرفتُ في وجههِ الكراهةَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ: أتوبُ إلى اللهِ، وإلى رسولِهِ، ماذا أذنبتُ؟، فقالَ: ما هذهِ النُّمْرُقةُ؟، فقلتُ: اشتَريْتُها لتقعدَ عليها وتوسَّدَها، فقالَ: إن أصحابَ هذهِ الصّورِ يُعذِّبون يومِ القيامةِ، ويقالُ لهمْ: أحيوا ما خلقْتُم، وقالَ: إنَّ البيتَ الذي فيهِ الصّورُ لا تدخُلهُ الملائكةُ " (٣٠)، أخرجاهُ.

стр. 553

٣ - بابُ: عِشرةِ النِّساءِ، والقَسْم، والنُّشوزِ قالَ اللهُ: " وعاشِروهُنَّ بالمعروفِ. . الآية ". وعن أبي هريرةَ، قالَ ﵇: " مَن كانَ يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر، فلا يُؤذي جارَهُ، واسْتوصوا بالنّساءِ خيراً، فإنهنّ خُلقْنَ من ضِلعٍ، وإن أعوجَ شيء في الضِّلَعِ أعلاهُ، فإن ذهبتَ تُقيّمُهُ كَسَرْتَهُ، فإن تركْتَهُ لم يزلْ أعوجَ، فاسْتوصوا بالنّساء خيراً " (١)، أخرجاه، ولفظُهُ للبخاريّ. وعنهُ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " إذا دعا الرجلُ امرأتَهُ إلى فراشِهِ فأبتْ، أن تجيءَ لَعَنتْها الملائكةُ حتى تُصبحَ " (٢) رواهُ البخاريّ، وهذا لفظُهُ. ولمسلمٍ " نحوَهُ ". ولهما: " إذا باتتْ المرأةُ مُهاجرةً فراشَ زوجها لعَنتْها الملائكةُ حتى ترجعَ " (٣). قد تقدّمَ قولهُ ﵇: " مَطْلُ الغنيّ ظُلمٌ " (٤)، فيجبُ على كلّ من الزوجين بذلُ ما يجبُ عليهِ من غيرِ مَطْلٍ. وقد رَوى الطَّبرانيّ عن أبي هريرةَ، قالَ: " لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ المُسَوِّفات، وهن اللاتي إذا دُعينَ قُلنْ: سوفَ، والمُفَلّساتِ (٥)، وهنَّ اللاتي يقلْنَ: نحن حُيّضٌ " (٦)، لكنْ في إسنادِهِ: يحيى بنُ العَلاءِ البَجَلي، وهو: ضعيفٌ جدّاً.

стр. 554

تقدّمَ نهيُهُ ﵇ عن الضَّررِ والإضرارِ - وهو حاصلٌ في إسكانِ إحدى الزّوجتين معَ الأخرى في المنزلِ الواحدِ إلا أن يكونَ نادراً. عن أبي سعيدٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إنّ من أشرِّ الناسِ عندَ اللهِ، منزلةً يومَ القيامةِ: الرجلُ يُفضي إلى امرأتِهِ وتُفضي إليه، ثمّ يَنشُرُ سِرَّها " (٧)، رواهُ مسلم. فيُؤخذُ، منهُ كراهةُ وطء إحدى المرأتين بحضرةِ الأخرى. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تصومنَّ امرأةٌ وزوجها شاهدٌ إلا بإذنِه، ولا تأذنْ في بيتِهِ " (٨) أخرجاهُ (٩)، فيُؤخذُ منهُ أنها لا تخرجُ من منزلهِ، إلا بإذنِهِ أيضاً، ويُؤيّدُهُ. حديثُ ابنِ عمرَ: أتتْ النبيَّ ﷺ امرأةٌ، فقالت: يا رسولَ اللهِ: ما حقُّ الزوجِ على زوجتِهِ؟، قالَ: لا تخرجُ من بيتِها إلا بإذنهِ، فإنْ فعلتْ لعنَتْها ملائكةُ الرَّحمةِ، وملائكةُ الغضبِ، قالتْ: يا نبيَّ اللهِ، وإنْ كانَ ظالماً؟، قالَ: وإن كان ظالماً - الحديث " (١٠). عن أبي هريرةَ، قالَ ﵇: " من كانتْ لهُ امرأتان، فمالَ إلى إحداهُما جاءَ يومَ القيامةِ وشِقُّهُ مائلٌ " (١١)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وهذا لفْظُ أبي داود، وإسنادُهُ صحيحٌ، وهو محمولٌ على من قَسمَ لإحدى المرأتين، ولم يَقسِمْ للأخرى، لما روتْ عائشةُ، قالتْ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يقسمُ فيعدلُ ويقولُ: اللَّهمَّ هذا قَسَمي فيما أملكُ، فلا تَلمْني فيما تملكُ، ولا أملكُ " (١٢)، رواهُ أهلُ السُّننِ، ولفظُهُ لأبي داود، وقالَ: يعني - القلبَ، وإسنادُهُ صحيحٌ.

стр. 555

قالَ سليمانُ بنُ يَسارٍ: " من السّنةِ إذا تزوّجَ الحرّةَ على الأمةِ، قسَمَ للحرّةِ ليلتين، وللأمةِ ليلةً " (١٣). ورواهُ الدارَقطنيُّ عن عليّ بنِ أبي طالبٍ قوله، وفي إسنادهِ: ابنُ أبي لَيْلى، وهو سيّءُ الحفظِ. قالتْ عائشةُ في حديثِ الإفكِ الذي في الصحيحين: " وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا أرادَ سَفراً، أقرعَ بينَ نسائهِ، فأيّتهنَّ خرجَ سهْمُها خرجَ بها. . الحديث " (١٤). عن عائشةَ: " أنّ سودةَ بنتَ زَمْعةَ وهبَتْ يومَها لعائشةَ، فكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يقسِمُ لعائشةَ يومَها، ويومَ سَوْدةَ " (١٥)، أخرجاه. وعنها في قولِهِ تَعالى: " وإنْ امرأةٌ خافَتْ من بَعْلِها نُشوزاً أو إعْراضاً "، قالتْ: نَزلَتْ في المرأةِ تكونُ عندَ الرجل، فلعَلّهُ لا يستكثرُ منها، ويكونُ لها صحبةٌ ووليدٌ فيكرهُ أن يُفارقَها، فتقولُ: أنتَ في حلٍّ من شَأني " (١٦)، أخرجاهُ. عن أنسٍ، قالَ: " كانَ للنبيِّ ﷺ تسعُ نِسوةٍ، فكانَ إذا قسمَ بينهنَّ لا ينتهي إلى المرأةِ الأولى إلا في تِسْعٍ، فكنَّ يجتمعنَ كلَّ ليلةٍ في بيتِ التي يأتيها " (١٧)، رواهُ مسلمٌ. ولهما عنهُ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا انصرفَ من صلاةِ العصرِ، دخلَ على نسائهِ فيدنو من إحداهن " (١٨)، فدَلَّ على أنّ عماد القَسْم الليلُ.

стр. 556

وعن عائشةَ، قالتْ: " يا ابنَ أُختي، كانَ رسولُ اللهِ ﷺ لا يُفضِّلُ بعضَنا على بعضٍ في القَسْمِ، من مُكْثِهِ عندَنا، وكانَ قلَّ يومٌ إلا وهو يطوفُ علينا جَميعاً فيدنو من كلِّ امرأةٍ من غيرِ مَسيسٍ حتّى يبلغَ إلى التي هو يومُها فيبيتُ عندَها " (١٩)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفظُهُ، وإسنادهُ صحيحٌ حسنٌ. عن أبي قِلابةَ عن أنسٍ، قالَ: " من السّنةِ إذا تزوَّجَ الثّيِّبَ أقامَ عندَها ثلاثاً، ثمَّ قَسمَ، قالَ أبو قِلابةَ: ولو شئتُ لقلتُ: إن أنساً رفعهُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ " (٢٠)، أخرجاهُ. عن أُمِّ سَلمةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ لما تزوّجها، أقامَ عندها ثلاثاً، وقالَ: إنهُ ليسَ بكِ على أهلكِ هَوانٌ، إنْ شئتِ سبَّعتُ لكِ، وإنْ سبَّعتُ لكِ سبَّعتُ لنسائي " (٢١)، رواهُ مسلمٌ. وفي لفظٍ: " إنْ شئتِ سبَّعتُ عندَكِ، وإنْ شئتِ ثَلَّثْتُ ثمَّ درتُ، قالتْ: ثَلِّثْ " (٢٢)، وفي لفظٍ لهُ: " لما أرادَ الخروجَ أخذتْ بثوبِهِ، فقالَ: إن شئتِ زِدْتُكِ وحاسبْتُكِ، للبكرِ سَبْعٌ، وللثَّيب ثَلاثٌ " (٢٣). قالَ اللهُ: " واللاتي تَخافُونَ نُشوزَهُنَّ فَعِظوهُنَّ واهْجروهُنَّ في المضاجعِ واضْرِبوهُنَّ. . الآية ". قالَ الشافعيّ: هذه الآية مُنزلةٌ على أحوالٍ، وهو أحسنُ ما سمعتُ في ذلكَ. عن جابر: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ذكرَ في خُطبةِ الحجّ: " فاتَّقوا اللهَ في النّساءِ، فإنّكُمْ أخذْتموهنَّ بكلمةِ اللهِ، ولكمْ عليْهنَّ أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحداً تكرهونَهُ، فإنْ فعلْنَ ذلكَ فاضربوهنَّ ضَرْباً غيرَ مُبَرّحٍ، ولهنَّ رزقُهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروفِ " (٢٤)، رواهُ مسلمٌ.

стр. 557

قال اللهُ: " وإنْ خِفْتُم شِقاقَ بَيْنهما فابْعَثوا حَكَماً مِنْ أهْلِهِ وحَكَماً من أهلِها إنْ يُريدا إصْلاحَاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهما إنَّ اللهَ كانَ عَليماً خَبيراً ". قالَ عَبيدَةُ السلْمانيّ في هذهِ الآيةِ: " جاءَ رجلٌ وامرأةٌ إلى عليّ، ومعَ كلّ واحد منهما فئامٌ من الناسِ، فأمَرهُمْ عليٌّ فَبعثوا حَكَماً من أهلهِ، وحَكماً من أهلِها، ثمّ قالَ للحَكمين: تدريانِ ما عَليْكما؟ إنْ رأيْتُما أن تجمَعا، أن تجمعا، وإنْ رأيْتما أن تُفَرِّقا أن تُفَرِّقا، قالتْ المرأةُ: رَضيتُ بكتابِ اللهِ بما عليَّ فيهِ وليَ، وقالَ الرّجلُ: أمّا الفُرْقةُ، فلا، فقالَ عليٌّ: كذَبْتَ، واللهِ حتّى تُقِرَّ بمثلِ الذي أقرَّتْ بهِ " (٢٥)، رواهُ الشافعيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. ففيهِ دلالةٌ على أنّ الحكمين حاكمانِ حيثُ جعلَ إليهما الجمعَ والتفريقَ، ولمْ يَعتبرْ رِضا الزّوجينِ، وهو الذي صحَّحهُ المُصنّفُ ويُؤيّدُهُ ما. رواهُ الشافعيّ عن مُسلمِ بنِ خالدٍ عن ابن جُريجٍ عن ابن أبي مُليْكةَ سمعته يقولُ: " بعث عثمانُ ابنَ عبّاسٍ، ومعاويةَ في شأنِ عَقيلِ بنِ أبي طالبٍ، وزوجتِهِ، فاطمةَ بنتِ عُتْبةَ لما وقعَ بينَهما من الخصومةِ، فقالَ ابنُ عبّاسٍ: لأفَرّقنَّ بينَهما، وقالَ معاويةُ: ما كنتُ لأُفرِّقُ بينَ شيخين من بَني عبدِ مَنافٍ، فأصلحا بينَهما " (٢٦). وصحَّح النّوويُّ أنهما وَكيلان، فعن رضا الزّوجين، لقولِ عليّ للزوجِ: " كذبتَ، حتى تُقرَّ بمثل ما أقرَّتْ بهِ ".

стр. 558

٤ - بابُ: الخُلْعِ قالَ اللهُ: " ولا يحلُّ لكم أنْ تأخُذوا مِمَّا آتيْتموهُنَّ شيئاً إلا أنْ يخافا أنْ لا يُقيما حدودَ اللهِ فإنْ خِفْتُمْ أنْ لا يُقيما حدودَ اللهِ فلا جُناحَ عَليْهما فيما افتَدَتْ به. . الآية ". عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّ امرأةَ ثابتِ بنِ قيسٍ بنِ شمّاسٍ قالتْ: يا رسولَ اللهِ: ثابت لا أعيبُ عليهِ في خلقٍ ولا دينٍ، ولكنّي أكرهُ الكفرَ في الإسلامِ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أتَرُدّينَ عليهِ الحديقة؟، قالتْ: نعمْ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إقبلِ الحديقةَ، وطَلّقْها تَطليقةً " (١)، رواهُ البخاريُّ. فدلَّ على أنّ الخُلْعَ طلاقٌ إن جاءَ بلفظِ الطلاقِ، فأمّا إن كانَ بغيرِ لفظِ الطّلاقِ، فقدْ قالَ الرّبيعُ عن الشافعيّ: اختلفَ أصحابُنا في الخُلْعِ: فأخبرَنا سفيانُ عن عمْرو بنِ دينارٍ، عن طاوسٍ عن ابنِ عبّاسٍ: " في رجلٍ طلّقَ امرأتَهُ تطليقتين، ثمَّ اختلعَتْ منهُ بعد أن يتزوجُها إن شاءَ، لأنّ اللهَ يقولُ: " الطّلاقُ مَرّتان " إلى ": أنْ يتراجعا " (٢). قالَ الشافعيُّ: وأخبرَنا سفيانُ عن عمْرو عن عِكْرمةَ، قالَ: " كلُّ شيءٍ أجازهُ المالُ، فليسَ بطلاقٍ " (٣)، وهذا، اختيارُهُ في القديمِ، وقدْ استدلّ لهذا القولِ بحديثِ ابنِ عباسٍ أيضاً: " أنّ امرأةَ ثابتِ بنِ قيسٍ اختلعَتْ من زوجِها، فأمرَها النبيُّ ﷺ أن تُعيدَ حديقتَهُ " (٤)، رواه أبو داودَ، والترمذيُّ، وقالَ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. ومالَ الشافعيّ في

стр. 559

الجديدِ إلى ما رواهُ عن مالكٍ عن هشامِ بنِ عُرْوةَ عن جُمْهانَ مولى الأسلميين عن أُمّ بَكْرٍ الأسلميةِ: " أنها اختلعتْ من زوجها عبدِ اللهِ بنِ أسيدٍ، ثمّ أتيا (٥) عثمان في ذلكَ، فقالَ: هيَ تطليقةٌ إلا أن تكونَ سمَّيتَ شيئاً، فهو ما سمَّيتَ " (٦)، ثمّ قالَ: ولا أعرفُ جُمْهانَ، ولا أُمَّ بكْرٍ بشيءٍ يُثبتُ خَبرَهما، ولا ردّهُ، وبقولِ عثمانَ نأخذُ، وقولُهُ: " فهو ما سَمّيت " يَعني - في العددِ. وقالَ أبو بكرِ بنُ المُنْذِرِ: رُويَ عن عثمان، وعليّ، وابن مسعود " الخلع تطليقة (٧) بائنة "، وضعّفَ أحمدُ حديثَ عثمانَ، وحديثَ ابنِ مسعودٍ، وقالَ: ليسَ في البابِ أصحُّ من حديثِ ابنِ عبّاسٍ. وقالَ أبو داود: قلتُ لأحمدَ: حديثُ عثمانَ: " الخُلْعُ تطليقةٌ " لا يصحُّ، فقال: لا أدري، جُمهان لا أعرفُهُ.

стр. 560

٥ - كتابُ الطَّلاقِ تقدّمَ حديثُ: " رفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن الصغيرِ حتّى يحتلمَ، وعن المجنون حتّى يَفيقَ، وعن النائمِ حتّى يستيقظَ " (١). قالَ الشافعيُّ: والسّكرانُ، فما لمْ يكنْ واحداً من هؤلاءِ الثلاثةِ وقعَ طلاقُهُ، وهو قولُ أكثرِ من لقيتُ من المُفْتين. قلتُ: هذا هو المشهورُ من مذهبهِ، وقد نصرَهُ جماعةٌ من كبارِ المَذْهبِ، ولهُ قولٌ آخرٌ: أنهُ لا يقعُ، ودليلُهُ ما رواهُ سعيدُ بنُ منصور عن عثمانَ: أنهُ قالَ: كلُّ الطّلاقِ جائزٌ إلا طلاقَ النَّشوانِ، وطلاقَ المجنونِ " (٢)، وإسنادُهُ: صحيحٌ. ولهذا علّقَهُ البخاريُّ في صحيحِه بصيغةِ الجزمِ، قالَ: وقال ابنُ عبّاسٍ: " طلاقُ السّكرانِ، والمُسْتكْرَهِ، ليسَ بجائزٍ " (٣). قالَ البيهقيُّ: وبهِ قالَ: القاسمُ، وطاوسٌ، وعطاءٌ، وأبانُ بنُ عثمانَ، وعمرُ بنُ عبد العزيز، والمزنيُّ، وأبو ثور. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إنّ اللهَ تجاوزَ لأُمّتي ما تُوسوس بهِ صدورُها، ما لمْ تعملْ بهِ أو تكلّمْ " (٤)، أخرجاهُ. وقد رواهُ ابنُ ماجة، فزادَ فيهِ: " وما اسْتُكْرهوا عليهِ " (٥). وله عن ابن عن النبيّ ﷺ ، قالَ: " إنّ اللهَ وضعَ عن أُمّتي الخطأ، والنّسيانَ،

стр. 561

وما اسْتكرِهوا عليهِ " (٦). وقد تقدّمَ الكلامُ عليهِ في كتابِ الصلاةِ. وعن عائشةَ، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: " لا طلاقَ ولا عِتاقَ في إغلاقٍ " (٧)، رواهُ أحمدُ، وابو داودَ، وهذا لفظُهُ، وقالَ: " أظنهُ الغضبَ "، وابنُ ماجة. وفسّرهُ الشافعيُّ، والخطابيُّ: بالإكراهِ. وذكرَ أبو عُبَيْدٍ عن ابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبيرِ: أنهم لمْ يوقعوا طلاقَ المُكرَهِ، ثمَّ قالَ: ولا مخالفَ لهمْ من الصّحابةِ. واحتجّ البخاريُّ على عدمِ الوقوعِ بحديثِ: " الأعمالُ بالنيّاتِ "، يعني: أنّ المُكرهَ طلّقَ لفْظاً من غيرِ نيّةٍ. أمّا ملكُ العبدِ طلاقَ زوجتِهِ، فبظاهر الكتابِ، ولِما: رواهُ ابنُ ماجة عن ابنِ عباسٍ: " جاءَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ: إنّ سيّدي زوّجني أَمَتَهُ، وهو يريدُ أنْ يُفرِّقَ بيني وبينَها، قالَ: فصعدَ رسولُ اللهِ ﷺ المِنْبرَ، وقالَ: يا أيّها الناسُ، ما بالُ أحدكُمْ يُزَوّجُ عبدَهُ أَمتَهُ، ثم يُدريُ أن يُفرّقَ بينَهما، إنّما الطلاقُ لمنْ أخذَ بالساقِ " (٨)، وفي إسنادِهِ عبد اللهِ بنُ لهيعةَ. وأمّا ملكهُ عليها تطليقتين، فقد روى مالكٌ، والشافعيُّ عن عثمانَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ: " أنّهما سُئلا عن مكاتبٍ طلّقَ امرأتَهُ، وكانت حرّةً تطليقتين، فقالَ كلٌّ منهما: حَرُمتْ عليْكَ " (٩).

стр. 562

ورواهُ الدارَقُطني عن ابن عمر (١٠) أيضاً. وعن عمرو بن شعيب (١١): " أنّ أبا حسنٍ مَوْلى بني نَوْفلٍ أخبرَهُ: أنهُ استفتى ابنَ عباسٍ في مَمْلوكٍ كانتْ تحتهُ مَمْلوكةٌ، فطلّقها تطليقتين، ثمّ عُتِقا بعدَ ذلكَ، هلْ يصلحُ لهُ أن يخطبَها بعدَ ذلكَ؟، قالَ: نعمْ، قَضى بذلكَ رسولُ اللهِ ﷺ " (١٢)، رواهُ أحمدُ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة، وأبو داودَ، وعندهُ: " بقيتْ لكَ واحدةٌ، قضى بهِ رسولُ اللهِ ﷺ ". قالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ ومَعْمرٌ: لقدْ تحمّل أبو حسَنٍ هذا صخرةً عظيمةً. وذهبَ إلى هذا الحديثِ أحمدُ في روايةِ أبي طالبٍ، وحكاهُ عن ابنِ عباسٍ، وجابرٍ، وأبي سَلَمةَ، وقتادةَ، وهو وجهٌ لبعضِ أصحابِنا، والغرضُ من إيرادِهِ: أنّ في سياقِهِ ما يدُلُّ على أنّ العبدَ إنما يملكُ تطليقتين. عن مُحارب بن دثارٍ عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " أبغضُ الحلالِ إلى اللهِ الطَّلاقُ " (١٣)، رواهُ أبو داود، وابنُ ماجة، ثم رواهُ أبو داود مُرْسَلاً. وعن ثَوبانَ، قالَ: قال رسول الله ﷺ : " أيّما امرأةٍ سألتْ زوجها الطّلاقَ في غير ما بأس، فحرامٌ عليها رائحةُ الجنّةِ " (١٤)، رواهُ أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ. عن عمرَ: " أن رسول الله ﷺ طلّق حفْصة، ثم راجعها " (١٥) رواهُ أبو داودَ، والنسائيّ، وابنُ ماجة، فدلّ على جوازِه للحاجةِ، وأنّ الأوْلى أن لا يزيدَ على واحدةٍ،

стр. 563

ليكونَ مالكاً للرّجعةِ، كما فعلَ ﵇ بحفْصةَ. ويؤيد ذلكَ: ما رواهُ النّسائيُّ بإسنادٍ جيّد قويٍّ عن محمود بن لبيدٍ، قالَ: " أُخبرَ رسولُ اللهِ ﷺ عن رجلٍ طلقَ امرأتَهُ ثلاثَ تطليقات جميعاً، فقامَ غضبانُ، ثمَّ قالَ: أيلعَبُ بكتابِ اللهِ، وأنا بينَ أظْهُركُمْ؟، حتّى قامَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، ألا أقتلُهُ " (١٦). واستدلَّ الشافعيُّ على وقوعِ الثّلاثِ المجموعةِ بحديثِ العجلاني: " أنهُ طلّقَ امرأتَهُ ثلاثاً بحضرةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلمْ يُنكرْ ذلك عليه " (١٧)، والحديثُ في الصحيحين، وبحديثِ عبد الله بنِ عباسٍ، قالَ: " كانَ الطّلاقُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ وأبي بكرٍ، وسنتين من خلافةِ عمرَ، طلاقُ الثلاثِ واحدةٌ، فقالَ عمرُ بن الخطابِ: إنّ الناسَ قد استعجلوا في أمرٍ كانتْ لهمْ فيهِ أناةٌ، فلو أمْضَيْناهُ عليْهم، فأَمضاهُ عليْهم " (١٨). وقد رَوى هذا الحديثَ مسلمٌ، ثمّ قال الشافعيُّ: قد رُويَ عن ابنِ عبّاسٍ: أنهُ كان يُوقعُ الثلاثَ مجموعةً، فدلَّ على نسخِ ذلكَ عندَهُ. عن عِكْرِمةَ عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " الطلاقُ على أربعةِ أوجهٍ: وجهان: حلالٌ، ووجهانِ حرامٌ، فأما اللذان هما حلالٌ، فأنْ يُطلقَ الرجلُ امرأتَهُ طاهراً من غير جماعٍ، أو يُطلّقها حاملاً مُستبيناً حَمْلُها، وأمّا اللذان هما حرام، فأنْ يُطلّقَها حائضاً أو يطلّقها عندَ الجماعِ لا يَدري اشتملَ الرحمُ على حَملٍ أم لا " (١٩). عن نافعٍ: " أن ابنَ عمرَ طلّقَ امرأةً لهُ وهي حائضٌ تطليقةً واحدةً، فأمرهُ رسولُ اللهِ ﷺ أن يُراجعَها، ثمّ يُمسكَها حتى تطهرَ، ثمّ تحيضَ عندهُ حيضةً أُخرى، ثمّ يُمهلها حتى تطهرَ من حَيْضتِها، فإن أرادَ أن يُطلّقَها، فلْيُطلّقْها حينَ تطهرُ من قبلِ أن يُجامِعَها،

стр. 564

فتلكَ العدّةُ التي أمرَ اللهُ أن يطلَّق لها النساءُ " (٢٠)، أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاريّ. ولمسلمٍ عن ابنِ عمر: أنهُ طلّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ، فذكرَ ذلكَ عمرُ للنبيّ ﷺ ، فقال: مُرْهُ فلْيُراجعْها، ثم ليطلّقْها طاهراً أو حامِلاً " (٢١). قال الشافعيّ: ذكرَ اللهُ تعالى الطّلاقَ في كتابهِ بثلاثةِ أسماءَ: الطّلاقِ، والفراقِ، والسّراحِ، فمن خاطبَ امرأتَهُ فأفردَ لها لها اسماً من هذهِ لزمَهُ الطلاقُ (٢٢)، ولمْ ينوهِ في الحكمِ، وما تكلّمَ بهِ ممّا يُشبهُ الطّلاقَ سوى هذهِ، فليسَ بطلاقٍ حتى يقولَ: كان مخرجُ كلامي على أني نويتُ به طلاقاً، وهو ما أراد من عددِ الطّلاقِ. قالَ الثوريُّ عن عمادٍ عن إبراهيمَ عن عمرَ: " أنهُ كانَ يقولُ في الخليَّةِ، والبريّةِ، والبتّةِ، والبائنةِ، واحدةٌ، وهو أحقُّ بها " (٢٣)، وهذا مُنقطعٌ. وروى الشافعيّ عن مالكٍ فيما بلغَهُ عن عمرَ: " أنهُ استحلفَ رجلاً قالَ لامرأتِهِ: حبلُكِ على غاربِكِ، هلْ أرادَ الطّلاقَ أم لا؟ " (٢٤). تقدّمَ قوله ﵇ للجونيةِ: " إلحقي بأهلكِ، ومَتَّعها " (٢٥). والظاهرُ: أنهُ أرادَ الطّلاق. وفي الصحيحين عن كعْبِ بنِ مالكٍ: " أنهُ قالَ لامرأتِهِ: إلحقي بأهلكِ حتّى يقضيَ اللهُ في هذا الأمر " (٢٦)، ولم يُرِدْ بهِ الطَّلاقَ، بدليلِ أنهُ لما تابَ اللهُ عليهِ وعلى صاحبيهِ هلالِ بنِ أُميّةَ، ومرارةَ بنِ الرّبيعِ، لمْ يُؤمَرْ بتجديدِ النكاحِ، فدلَّ على أنّ المرجعَ في ذلكَ إلى النيّة "، وقدْ قالَ ﵇: " الأعمالُ بالنيّاتِ ".

стр. 565

عن عائشةَ: أنّها قالتْ: " خيّرنا رسولُ اللهِ ﷺ ، أفكانَ ذلكَ طلاقاً؟ " (٢٧) رواهُ مُسلمٌ، وأصلُهُ في الصحيحين.

стр. 566

١ - بابُ: عددِ الطَّلاقِ، والاستثناء فيهِ . عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ ﵇: " وإنّ اللهَ تجاوزَ عن أُمّتي ما حدَّثتْ بهِ أنفسَها، ما لمْ تعملْ أو تكلّمْ " (١)، أخرجاهُ. فدلَّ على أنهُ لا يقعُ الطّلاقُ بالنيّةِ، وأنهُ لا بُدَّ من اللفظِ، فأمّا عددُ الطّلْقاتِ فيرجعُ إلى نيّتِهِ، لقولِهِ ﵇: " إنّما الأعمالُ بالنيّاتِ، وإنما لكلّ امرئٍ ما نَوى " (٢). عن رُكانةَ بنِ عبدِ يزيدَ: " أنهُ طلّقَ امرأتَهُ البتّةَ، فأتى رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: ما أردتَ؟، قالَ: واحدةٌ، قالَ: اللهِ؟، قالَ: اللهِ، قالَ: هو ما أردتَ " (٣)، رواهُ أبو داودَ، وهذا لفظُهُ، والترمذيُّ، وابنُ ماجة، من حديثِ الزُّبيرِ بنِ سعيدٍ، وهو: متروكٌ - ولكنْ رواهُ أبو داودَ من حديثِ الشافعيّ من وجهٍ آخرَ، فهو حديثٌ: حسنٌ إن شاءَ اللهُ، ولهُ طرُقٌ أُخَرُ. عن ابنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " إنّا أُمّةٌ أُميّةٌ، لا نكتبُ ولا نحسبُ، الشهرُ هكذا، وهكذا، وهكذا، وعقدَ الإبهامَ في الثالثةِ، والشهرُ هكذا، وهكذا، وهكذا، يَعني - تمامَ ثلاثين " (٤)، أخرجاهُ، ولفظُهُ لمسلمٍ. ففيهِ دلالةٌ لوقوعِ الطّلاقِ بعددِ ما أشارَ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ثلاثٌ جدّهنَّ جِدٌّ، وهزْلهُنَّ جِدٌّ

стр. 567

النّكاحُ، والطّلاقُ، والرجْعةُ " (٥). رواهُ أحمد، وأبو داود، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ غريبٌ، وهو من حديثِ عبد الرحمن بنِ حَبيبِ بنِ أرْدَك، وقد قالَ النسائيُّ: هو: مُنكرُ الحديثِ، وذكرَهُ ابنُ حبّانَ في كتابِ الثقاتِ. ورُويَ من وجهٍ آخرَ عن عُبادَة بنِ الصّامتِ، فيُؤخَذُ منهُ: أنّ من قالَ لزوجتِهِ أنتِ طالقٌ طَلْقةً لا تقعُ عليكِ، أنها تطلقُ، قالَ بعضُ الأصحابِ: ولا يُبالى بهذيانِهِ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ ﵇: " من حلَفَ ثمّ قالَ: إنْ شاءَ اللهُ، فقدْ استثنى " (٦)، رواهُ أهلُ السُّننِ، وإسنادُهُ: على شرطِهما، ولكن رُويَ موقوفاً. وعن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : " من حلَفَ، فقالَ: إن شاءَ اللهُ لمْ يَحنَثْ " (٧)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: سمعتُ البخاريَّ يقولُ: هذا خَطأ، أخطأَ فيهِ عبد الرّزاقِ، واختصرَهُ من حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ . قالَ سُليمانُ بنُ داودَ: " لأطوفنَّ الليلةَ على سبعين امرأةً تلدُ كلُّ امرأةٍ منهنَّ غلاماً يقاتلُ في سبيلِ اللهِ، فقيلَ لهُ: قلْ: إنْ شاءَ اللهُ، فلمْ يَقلْ، فطافَ فلمْ تلدْ منهنَّ إلا امرأةٌ واحدةٌ، نصفَ إنسانٍ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لو قالَ: إنْ شاءَ اللهُ، لمْ يَحنثْ، كانَ درَكاً لحاجتِهِ " (٨)، والحديثُ في الصحيحينِ من طرُقٍ. والغرضُ: أنّ الحديثَ الأوّلَ عامٌّ في الأعمالِ والطّلاقِ، وأنهُ يُستثنى فيهِ بأنْ شاءَ اللهُ، فيرتفعُ الطّلاقُ.

стр. 568

٢ - بابُ: الشَرْط في الطَّلاقِ عن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا طلاقَ لابنِ آدمَ فيما لا يَملكُ " (١)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ، وهو أحسنُ شيءٍ رُويَ في هذا البابِ. وروى ابنُ ماجة عن عليٍّ، وعن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ مرفوعاً: " لا طلاقَ قبلَ نكاحٍ " (٢)، فدلَّ على: أنهُ لا يصحُّ تنجيزُ الطّلاقِ، ولا تعليقُهُ، ممّنْ ليسَ متزوّجاً. تقدّمَ حديثُ: " المسلمونَ على شروطِهم " (٣)، وهذا الحديثُ أصلٌ كبيرٌ في هذا البابِ. وقال البخاريُّ في " صحيحهِ " قالَ نافعٌ: " طلّقَ رجلٌ امرأتَهُ إن خرجتْ، فقالَ ابنُ عمرَ: إن خرجتْ، فقدْ بُتّتْ منهُ، وإنْ لمْ تخرجْ فليسَ بشيءٍ " (٤)، وهذا تعليقٌ مجزومٌ بهِ، فهو في حكم الصحيحِ عندَ جماعةٍ من العلماءِ. وعن عبد الرّحمن بنِ حُجَيْرةَ عن أبي ذرٍّ: " أنّ امرأتَهُ سألتْهُ عن الساعةِ التي في يوم الجُمعةِ التي يُستجابُ للعبدِ المؤمنِ فيها، فقالَ: هي بعد زيغِ الشمس بشبرٍ إلى الذّراعِ، إنْ سألتِني بعدَ هذا، فأنتِ طالقٌ "، هكذا رواهُ ابنُ عبدِ البرِّ، وفيهِ: انقطاعٌ، بينَ ابنِ حُجيرةَ، وأبي داودَ (٥).

стр. 569

٣ - بابُ: الشّكّ في الطلاقِ تقدَّمَ حديثُ عمْرانَ بنِ حُصينٍ: شُكيَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ : " الرجلُ يُخَيَّلُ إليهِ: أنهُ يجدُ الشيءَ في الصّلاةِ، فقالَ: لا ينصرفْ حتّى يسمعَ صوتاً، أو يجدَ ريحاً " (١)، أخرجاه. استدلَّ به الشافعيُّ على أنهُ إذا شكَّ هلْ طلّقَ أمْ لا، لمْ يُطلّقْ، لكنْ الأولى أن يُراجعَ، لما رَوى أبو الجَوْزاءِ عن الحسنِ بن عليٍّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " دعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يريبُكَ " (٢)، رواهُ النسائيُّ، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ. تقدّمَ في سجودِ السَّهوِ، قولُهُ ﵇: " إذا شكَّ أحدكُمْ في الصّلاةِ، فلم يدْرِ ثلاثاً صلّى أمْ أربعاً، فلْيبْنِ على ما اسْتيقنَ " (٣). فمثلُهُ إذا شكَّ هل طلَّق ثلاثاً أم واحدةً، طرح الزيادةَ، قال عبد الله بنُ الزُّبيرِ: " طلَّق عبدُالرّحمنِ بنُ عوْفٍ تُماضرَ بنتَ الأصبغِ الكَلْبيةَ فبتّها، ثمّ ماتَ وهيَ في عِدّتِها، فورَّثَها عثمانُ، قالَ ابنُ الزّبيرِ: وأمّا أنا فلا أرى أن تُوَرَّثَ مَبتوتةٌ " (٤)، رواهُ الشافعيُّ بإسنادٍ: صحيحٍ. ورواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ من حديثِ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمن: " أن أباهُ طلّق امرأتَهُ البَتّةَ، وهو مريضٌ، فوَرَّثَها عثمانُ منهُ بعدَ انقضاءِ عدّتِها ".

стр. 570

وكذا رواهُ الزُّهريُّ عن معاويةَ بنِ عبدِ الله بنِ جعفرٍ عن السائبِ بنِ يزيدَ بنِ أُختِ نمرٍ: " أنهُ أشهدُ على قضاءِ عثمانَ في تُماضِرَ بنتِ الأصبغِ ورَّثَها من عبدِ الرحمن بن عوفٍ بعدَ ما حَلّتْ " (٥). ورواهُ الشافعيُّ في القديمِ عن مالكٍ عن ربيعةَ، قالَ: بلغني أنّ امرأة عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ سألتْهُ أن يُطلّقَها فقالَ لها: إذا حِضْتِ ثمّ طَهُرتِ فآذنيني، فلمْ تَحِضْ حتّى مرضَ عبدُالرحمنِ بنُ عَوفٍ، فلما طَهُرتْ آذنَتْهُ فطلَّقها البتّةَ، أو تطليقةً لم يكنْ بقيَ له عليْها من الطلاقِ غيرُها، وعبدُالرحمن يومئذٍ مريضٌ، فورَّثَها عثمانُ عبدَ انقضاءِ عِدَّتِها ". وقالَ الثّوريُّ عن مُغيرةَ عن إبراهيمَ: " أنّ عمرَ قالَ: الذي يُطلّقُ امرأتَهُ وهو مريضٌ قالَ: ترثُهُ في العدّةِ، ولا يرثُها " (٦)، وهذا: منقطعٌ، وقد عُلِّلَ، وجعلَ يحيى بنُ سعيدٍ القَطّانُ، والبخاريُّ وغيرُهما حاصلهُ: أنهُ من قضاءِ شُرَيْحٍ، وليسَ من قولِ عمرَ. قالَ الشافعيُّ: فذهبَ بعضُ أصحابِنا إلى توريثِها منهُ، وإنْ لم يكنْ لهُ عليها رجعةٌ، وقالَ بعضُهم: وإن نَكحتْ زوجاً غيرَهُ، وقالَ غيرُهُم: ترثُهُ ما امتنعتْ من الأزواجِ، وقالَ بعضُهم: ترثُهُ ما كانتْ في العدّةِ، فإنْ انقضَتْ لم تَرثُهُ، قالَ الرّبيعُ: قدْ استخارَ اللهَ فيهِ، فقالَ: لا ترثُ المبتوتةُ، قالَ الرّبيعُ: وهو قول ابنِ الزُّبيرِ، وعبدُالرحمنِ بنُ عوفٍ طلَّقها على أنها لا ترثُهُ إنْ شاءَ اللهُ عندَهُ " (٧).

стр. 571

٤ - بابُ: الرَّجْعةِ عن عمرَ ﵁، قالَ: " طلّقَ رسولُ اللهِ ﷺ حَفْصةَ، ثم راجَعها " (١) رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ ماجة بإسنادٍ جيّدٍ قويٍّ. قالَ اللهُ: " وبُعولتُهنَّ أحقُّ بِرَدِّهنَّ في ذلكَ ": أي في العِدّةِ. وكانَ هذا في ابتداءِ الإسلامِ في حقِّ كلِّ مُطَلَّقةٍ، حتّى حَصرَ اللهُ سبحانَهُ الطلاقَ في ثلاثِ تطليقاتٍ كما تقدّمَ عن عائشةَ، وابنِ عباسٍ، وعمومُهُ شاملٌ للأحرارِ والعبيدِ، لكنْ خرجَ العبيدُ بقولِ عثمانَ وزيدِ بنِ ثابتٍ، لأنّ مذهبَ الصّحابيّ حجّةٌ على قولِ الأكثرين، وهو قولُ الشافعيِّ في القديمِ، قيلَ: وفي الجديدِ أبضاً. عن عِمْرانَ بنِ حُصيْنٍ: " سُئلَ عن الرّجلِ يُطلّقُ امرأتَهُ، ثمَّ يقعُ بها، ولمْ يُشهِدْ على طلاقِها، ولا على رَجْعتِها، فقالَ: طَلَّقْتَ لغيرِ سُنّةٍ، وراجعتَ لغيرِ سُنّةٍ، أشْهِدَ على طلاقِها وعلى رجعتِها، ولا تعُدْ " (٢)، رواهُ أبو داودَ، وابنُ ماجة. فيستدلُّ بهِ على النّهي عن الوطءِ قبلَ الرّجعةِ، وعلى عدمِ وجوبِ المهر (٣) حيثُ لمْ يأمرْهُ بهِ، وقدْ يدُلُّ على أنهُ لا تَصحُّ الرّجعةُ إلا بالقولِ، لأنّ الإشهادَ أنما يكونُ على القولِ. قالَ تعالى: " فإنْ طلَّقَها فَلا تَحِلُّ لهُ منْ بعدُ حَتّى تنكِحَ زَوجاً غَيْرَهُ ". عن عائشةَ: " أنّ امرأةَ رِفاعةَ القُرَظيِّ قالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنّ رِفاعةَ طلَّقني فبتَّ

стр. 572

طَلاقي، فتزوّجتُ بعدَهُ عبدَالرّحمن بنَ الزُّبيرِ، وإنّما معَهُ ميلُ هدْبةِ الثّوبِ، فقالَ: لعلَّكِ تُريدينَ أن تَرجعي إلى رِفاعةَ، لا، حتّى تذوقي عُسيْلَتَهُ، ويَذوقَ عُسَيْلتَكِ " (٤)، أخرجاهُ. ولأحمدَ، والنَّسائي عن عائشةَ مرفوعاً: " العُسَيْلةُ: هي الجماعُ " (٥). قالَ الشافعيُّ عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: " إذا طلَّقَ العبدُ امرأتَهُ طَلْقتين، فقدْ حَرُمَتْ عليهِ حتّى تنكِحَ زوْجاً غيرَهُ " (٦). ورواهُ من وجهٍ آخرَ عن عمرَ بنِ الخطّابِ. وقد تقدّمَ عن عثمانَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ: مثلُهُ. وتقدّمَ من حديثِ أبي حسنٍ مَوْلى بني نوْفلٍ عن ابنِ عباسٍ: " في العبدِ يُطلّقُ الأمةَ ثنتين، ثمّ يُعتَقانِ في العِدّةِ " (٧)، والكلامُ عليهِ.

стр. 573

٥ - بابُ: الإيلاءِ قالَ اللهُ تعالى: " لِلّذينَ يُؤلونَ مِنْ نِسائهمْ تَربُّصُ أرْبعَةِ إشْهرٍ فإنْ فاءوا فإنَّ اللهَ غَفورٌ رحيمٌ. وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فإنَّ اللهَ سَميعٌ عليمٌ ". عن عائشةَ، قالتْ: " آلى رسولُ اللهِ ﷺ من نسائِهِ شَهراً، فأقامَ في مَشْرُبةٍ لهُ، فلما كانَ اليومُ التاسعُ والعشرون جاءَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ: إنّكَ آليتَ شَهراً، فقالَ: الشّهرُ يكونُ تسعةً وعشرون " (١)، أخرجاهُ. قالَ المُصنفُ: وإنْ قالَ: واللهِ لا وَطِئْتُكِ حتّى ينزلَ عيسى بنُ مَرْيم، أو يخرجَ الدّجالُ، أو أموتَ، أو تموتي، كانَ مولياً. يُستدَلُّ لذلكَ بحديثِ مُعاذ بنِ جَبلٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " عمرانُ بيتِ المَقْدسِ خَرابُ يَثْربَ، وخَرابُ يَثْربَ خروجُ المَلْحَمةِ، وخروجُ المَلْحَمةِ فتحُ القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروجُ الدّجّالِ، ثمّ ضربَ بيدِهِ على فخذِ الذي حدّثَهُ أو مَنْكبيهِ، ثمّ قالَ: إنَّ هذا الحقّ كما أنكَ هاهُنا " (٢)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ. ورُويَ بإسنادٍ شامِيٍّ قَويٍّ عن عبدِ اللهِ بنِ بسرٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " بينَ الملْحمةِ وفتحِ المدينةِ ستُّ سنين، ويخرج المسيحُ الدّجالُ في السابعةِ " (٣). ومعلومٌ بالسّنةِ الصّحيحةِ المتواترةِ: أنّ عيسى بنَ مَرْيمَ رسولُ اللهِ ينزلُ إلى الأرضِ بعدَ استيلاءِ

стр. 574

الدّجال على الأرضِ، إلا الحرمين، فيقتلُهُ ببابِ لدٍّ، وهي المدينةُ المشهورةُ بالسّاحلِ بالقربِ من بيتِ المقدسِ. قالَ الشافعيُّ: أخبرنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ عن يحيى بنِ سعيدٍ عن سُليمانَ بنِ يسارٍ، قالَ: " أدركتُ بضعةَ عشرَ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، كلُّهم يُوقِفُ المولي " (٤)، قالَ الشافعيُّ: وأقلُّ ذلكَ ثلاثة عشرَ. رَوى الدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ من حديثِ سُهَيْل بنِ أبي صالحٍ عن أبيهِ، قالَ: " سألتُ اثني عشرَ من الصّحابةِ عن الرّجلِ يُولي، قالوا: ليسَ عليهِ شيءٌ حتّى تمضيَ عليهِ أربعةُ أشهرٍ، فإنْ فاءَ، وإلا طلّقَ " (٥). ثمّ رَوى الشافعيُّ عن عليٍّ: " أنهُ وقفَ المولي " (٦)، ثمّ قالَ: وهكذا نقولُ، وهو موافقٌ لما بيّناهُ عن عمرَ، وابنِ عمر، وعائشةَ، وعن عثمانَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وعن بضْعةَ عشرَ من الصّحابةِ. وعن ابنِ عمرَ: أنهُ قالَ: " إذا آلى الرجلُ من امرأتِهِ لمْ يقعْ عليها طلاقٌ، وإنْ مضتْ أربعةُ أشهرٍ، حتّى يُوقَفَ، فإمّا أن يُطلّق، وإمّا أن يَفيءَ " (٧)، رواهُ البخاريُّ. عن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " مَنْ حلفَ على يمينٍ، فرأى غيرَها خيراً منها، فليُكفِّرْ عن يمينِهِ ولْيَفْعَل الذي هو خيرٌ " (٨)، رواهُ مسلمٌ. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشْعريِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : إنّي - والله - إن شاءَ اللهُ - لا أحلفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيراً منها، إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ، وتحلَّلْتُها " (٩).

стр. 575

وهذا عامٌّ في المولي وغيرِهِ، فيُكَفَّر يمينهُ على الصحيحِ من القولين. ويُؤيِّدُهُ ما رواهُ الشَّعبيُّ عن مَسروقٍ عن عائشة، قالتْ: " آلى رسولُ اللهِ ﷺ من نسائِهِ، وحرَّمَ فجعلَ الحرامَ حلالاً، وجعلَ في اليمينِ كَفّارةً " (١٠). رواهُ ابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: رُويَ مُرْسَلاً عن الشَّعبي، ومأخذُ القولِ الآخرِ في عدمِ التكفيرِ: قولُهُ تعالى: " فإنْ فَاءُوا فإنَّ اللهَ غَفورٌ رَحيمٌ "، ولمْ يذكرْ كفّارةً، فدَلَّ على عدَمِهَا، والأوّلُ: أصحُّ.

стр. 576

٦ - بابُ: الظِّهار عن خُوَيْلةَ بنتِ ثَعْلبةَ، قالتْ: " فيَّ واللهِ، وفي أوْسِ بنِ الصّامتِ أنزلَ اللهُ سورةَ المجادلةِ، قالتْ: كنتُ عندَهُ، وكان شيخاً كبيراً قدْ ساءَ خُلُقُهُ، قالتْ: فدخلَ عليَّ يوماً فراجَعْتُهُ بشيءٍ، فغضبَ وقالَ: أنتِ عليّ كظهرِ أُمّي، قالتْ: ثمّ خرجَ فجلسَ في نادي قومِهِ ساعةً، ثمّ دخلَ عليَّ، فإذا هو يريدُني عن نفسي، قالتْ: فقلتُ: كلاّ، والذي نفسُ خُوَيْلةَ بيدِهِ، لا تخلصْ إليَّ وقد قلتَ ما قلْتَ حتّى يحكمَ اللهُ ورسولُهُ فينا بحكمهِ، قالتْ: فواثَبني وامتنعْتُ منهُ، فغلبْتُهُ بما تغلبُ بهِ المرأةُ الشيخَ الضّعيفَ، فألقيتهُ عنّي، ثمّ خرجتُ إلى بعضِ جاراتي، فاستعرْتُ منها ثيابَها، ثمّ خرجتُ حتّى جئتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فجلستُ بينَ يديهِ، فذكرتُ لهُ ما لقيتُ منهُ، فجعلتُ أشكو إليهِ ما ألقى من سوءِ خلقهِ، قالتْ: فجعلَ يقولُ: يا خُوَيْلةُ: ابنُ عمِّكِ شيخٌ كبيرٌ، فاتّقي اللهَ فيهِ، قالتْ: فواللهِ ما بَرِحتُ حتّى نزلَ القرآنُ، فتغَشّى رسولُ اللهِ ﷺ ما كانَ يتَغشّاهُ، ثمَّ سُرِّيَ عنهُ، وذكرَت الحديث في نزولِ: " قدْ سمعَ اللهُ قولَ التي تُجادِلُكَ في زَوْجها " - الآية، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : فليعتقْ رَقَبَةً، قالتْ: لا يجدُ، قال: فيصومُ شهرينِ مُتتابعينِ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ: إنهُ شيخٌ كبيرٌ ما بهِ من صيامٍ، قالَ: فلْيُطعمْ سِتّينَ مسكيناً، قالتْ: ما عندَهُ من شيءٍ يتَصَدَّقُ بهِ، قالَ: فإني سأعينُهُ بعَرَقٍ من تمرٍ، وقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إني أُعينُهُ بعرَقٍ آخرَ، قالَ: قد أحسنْتِ، اذهبي فأطعمي بها عنهُ ستّينَ مسكيناً، وارجعي إلى ابنِ عمِّكِ " (١)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، ولفظُهُ مجموعٌ من كلٍّ منهما، وإسنادُهُ: مشهورٌ، وله طرقٌ تُقَوّيهِ. فيُؤخَذُ منهُ عامّةُ أحكامِ هذا البابِ، وفيهِ دلالةٌ على وجوبِ الكَفّارةِ قبلَ الجِماعِ.

стр. 577

عن سَلَمةَ بنِ صَخْر البَياضيّ، قالَ: كنتُ امرءاً أُصيبُ من النّساءِ ما لايصيبُهُ غيري، فلما دخلَ شهرُ رمضانَ خفتُ أُصيبُ من امرأتي شيئاً فيتابعُ بي حتّى أُصبحَ، فظاهرتُ منها حتّى ينسلخَ شهرُ رمضانَ، فبينما تخدمُني ذاتَ ليلةٍ إذ تكشّفَ لي منها شيءٌ، فلمْ ألبثْ أن نزوتُ عليْها، فلما أصبحتُ خرجتُ إلى قومي فأخبرتُهم الخبرَ، وذكرَ الحديثَ في ذهابِهِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: أنتَ بذاكَ يا سَلمةُ؟، فقلتُ: أنا بذاكَ يا رسولَ اللهِ مرَّتينِ، وأنا صابرٌ لأمرِ اللهِ، فاحكمْ فيَّ بما أراكَ اللهُ، قالَ: حرِّرْ رَقَبةً، قلتُ: والذي بعثَكَ بالحقِّ، ما أملكُ رقبةً غيرَها، وضربتُ صفْحةَ رَقَبتي، قالَ: فصمْ شهرين مُتتابعينِ، قالَ: وهلْ أصبتُ الذي أصبتُ إلا من الصيامِ، قالَ: فأطعمْ وَسْقاً من تمرٍ بينَ سِتّينَ مسكيناً، فقالَ: والذي بعثَكَ بالحقّ: لقد بِتْنا وَحْشين ما لنا من طَعامٍ - وذكرَ الحديثَ " (٢)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وابنُ ماجة، والترمذيُّ مُخْتصراً، وقالَ: حسنٌ، وعندَهُ: " فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لعزوةَ بنِ عمْرو: أعطهِ ذلكَ العَرقَ، وهو مِكْتلٌ يأخذُ خَمسةَ عَشرَ صاعاً، أو ستّةَ عشَر صاعاً، فقالَ: أطعمهُ ستّين مسكيناً ". وللدارَقُطنيِّ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أعطاهُ مكْتلاً فيهِ: خمسةَ عشرَ صاعاً، فقالَ: أطعمْ سِتّينَ مسكيناً، وذلكَ لكلِّ مسكينٍ مُدّ " (٣). قلتُ: وإسنادُهُ: جيدٌ، وله طرقٌ مُتعدّدةٌ، وقد دلَّ هذا الحديثُ على صحةِ الظهارِ المُوَقّتِ، وهو الصحيحُ من القولين، وإنّ الكفّارةَ لا تجبُ فيهِ إلا بالجماعِ، وهو أصحُّ الوجهين. عن عِكْرمةَ عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّ رجلاً قالَ: يا رسولَ اللهِ إني ظاهرتُ من امرأتي فوقعتُ عليها قبلَ أن أُكَفِّرَ؟ فقالَ: ما حملَكَ على ذلكَ؟، قالَ: رأيتُ خِلْخالَها في ضوءِ القمرِ، قالَ: فلا تَقْربْها حتّى تفعلَ ما أمركَ اللهُ " (٤)، رواهُ أهلُ السُّننِ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.

стр. 578

قلتُ: وقد رواهُ أبو داود، والنسائيُّ من حديثِ عِكْرمةَ مُرْسَلاً، قالَ النّسائيّ: وهو أولى بالصوابِ. قالَ الشافعيُّ ﵀: قد شرَطَ اللهُ سبحانَهُ الإيمانَ في عِتقِ الرَّقبةِ في القتلِ، وأطلقَ ذلكَ في الظِّهارِ، قالَ: فلْيُحمَلْ ما أطلقهُ على ما قَيّدَهُ كما شرَطَ العدالة في الشهادةِ في موْضعين، وأطلقَ ذلكَ في ثلاثةِ مواضعَ، قالَ: وأُحبُّ لهُ أن لا يعتقَ إلا بالغةً مؤمنةً، وإن كانتْ أعجميةً فوصَفتْ الإسلامَ أجزأتْهُ، ثمّ استدلَّ على ذلكَ بما رواهُ عن مالكٍ عن هِلالِ بنِ أُسامة عن عطاءِ بنِ يَسارٍ (٥) عن عمرَ بنِ الحَكمِ: أنهُ قالَ: " أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ: إن جاريةً لي كانت تَرعى غَنماً فجئتُها وقد فُقدتْ شاةٌ من الغَنمِ، فسألتُها عنها، فقالتْ: أكلَها الذئبُ، فأسِفتُ عليها وكنتُ من بَني آدمَ فلطمْتُ وجهَها وعليَّ رقبةٌ، أفأعتِقُها؟، فقالَ لها رسولُ اللهِ ﷺ : أينَ اللهُ فقالت: في السّماءِ، فقالَ: منْ أنا؟، قالتْ: رسولُ اللهِ، قالَ: فأعتِقْها، فذكرَ بقية الحديثِ في الطِّيرَةِ " (٦). قالَ الشافعيُّ: اسمُ الرجلِ: معاويةُ بنُ الحكمِ، قلتُ: كذا رواهُ مسلمٌ (٧) في صحيحهِ عن معاويةَ بنِ الحكمِ السُّلَميّ، وكذا رواهُ يحيى بنُ يحيى وحدَهُ عن مالك، وقالَ سائرُ الرّواةِ عنهُ: عمر بنُ الحكمِ. قال الشافعيُّ: ففي هذا الحديثِ بيانٌ أنّ من كانتْ عليهِ رقبَةٌ بنذْرٍ أو وجبتْ بغيرِ نَذْرٍ، لمْ يُجزئهُ فيها إلا مؤمنةٌ، ألا ترى أنه يقولُ: " عليَّ رقبَةٌ، لا يذكرُ مؤمنةً. فسأل رسولَ اللهِ ﷺ عن صفةِ الإيمانِ، ولو كانتْ غيرَ مؤمنةٍ، قالَ: أعتقْ أيَّ رقبةٍ شئتَ. قلتُ: وأما الكفّارةُ بالصيامِ أو الإطعامِ، ففي نصِّ القرآنِ وما تقدّمَ من الحديثِ كفايةٌ، واللهُ أعلمُ.

стр. 579

٧ - بابُ: اللِّعانِ عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ هلالَ بنَ أُمَيَّةَ قذَفَ امرأتَهُ عندَ النبيِّ ﷺ بشريكِ بنِ السَّحْماءِ، فقالَ النبيُّ ﷺ : البيِّنة، أو حَدٌّ في ظهركَ، قالَ: يا رسولَ اللهِ: إذا رأى أحدُنا على امرأتِهِ رجلاً، ينطلقُ يلتمسُ البيّنةَ، فجعلَ النبيُّ ﷺ يقولُ: " البيّنةُ أو حَدٌّ في ظهركَ، فقالَ هِلالٌ: والذي بعثَكَ بالحقِّ إني لصادقٌ، وليُنزِلنَّ اللهُ ما يُبرّيءُ ظَهير من الحدِّ، فنزلَ جبريلُ وأنزلَ عليهِ: " والذينَ يَرمونَ أزواجَهُمْ - فقرأ حتّى بلغَ: إنْ كانَ من الصّادقينَ "، فانصرفَ النبيُّ ﷺ ، فأرسلَ إليهما، فذكرَ الحديثَ، وأنهُ لاعَنَ بينَهما، فوعظَهما عندَ الخامسة، فتلَكَّأتْ ونكَصتْ ثمَّ مضَتْ، وقالتْ: لا أفضحُ قومي سائرَ اليومِ - الحديث " (١)، رواهُ البخاريّ بطولِهِ ورواه مسلمٌ عن أنسٍ، وعندَهُ، قالَ: " وكانَ أوّلَ رَجلٍ لاعنَ في الإسلامِ " (٢). فدَلَّ ذلكَ على أنهُ إذا قذَفَ فطولبَ بالحدِّ، إنّ لهُ دفعَ ذلكَ باللّعانِ. عن عبد الله بنِ عمرَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ لاعنَ بينَ الرجلِ وامرأتِهِ، فانْتفى من وَلدِها، وفرّقَ بينَهما، وألحقَ الولدَ بالمرأةِ " (٣)، أخرجاهُ، ولفظهُ للبخاري. عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ لاعنَ على الحَملِ " (٤)، رواهُ أحمدُ، والدارقُطنيُّ. عن ابن مسعودٍ (٥): مثلُهُ.

стр. 580

قالَ اللهُ تعالى: " والذينَ يَرمونَ أزْواجَهُمْ ولمْ يكُنْ لهُمْ شُهَداءُ إلا أنفُسُهُمْ فَشهادَةُ أحدِهمْ أربعُ شهاداتٍ باللهِ إنَّه لَمنَ الصَّادقين. والخامسةُ أن لعْنةَ اللهِ عليهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذبينَ. ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ باللهِ إنّهُ لمنَ الكاذبينَ. والخامسة أن غضبَ الله عَليْها إنْ كانَ من الصّادقينَ "، وهذه صفةُ اللعانِ التي نصّ القرآنُ عليها، وبيّنتْها السّنةُ كما أخرجاهُ في الصحيحين (٦). عن عبدِ الله بن عمر، قالَ: " أوّلُ من سألَ عن ذلكَ فلانُ بنُ فُلانٍ، قالَ يا رسولَ اللهِ: أرأيتَ لو وجدَ أحدُنا امرأتَهُ على فاحشةٍ، كيفَ يصنعُ؟ إن تكلّمَ تَكلَّمَ بأمرٍ عظيمٍ، وإنْ سكتَ سكتَ على مثلِ ذلكَ، قالَ: فسكتَ النبيُّ ﷺ ، فلمْ يُجبْهُ، فلما كانَ بعدَ ذَلكَ أتاهُ، فقالَ: إنّ الذي سألْتُكَ عنهُ قدْ ابتُليتُ بهِ، فأنزلَ اللهُ هؤلاءِ الآياتِ في سورةِ النّورِ: " والذينَ يَرمونَ أزواجَهُمْ "، فتلاهنَّ عليه، ووعظهُ وذكّرهُ، وأخبرَهُ أنّ عذابَ الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ، قالَ: لا، والذي بعثَكَ بالحقِّ، ما كذبتُ علَيْها، ثمَّ دعاها فوعظَها، وذكّرَها، وأخبرَها أنّ عذابَ الدّنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ، قالتْ: لا، والذي بعثَكَ بالحقِّ إنهُ لكاذبٌ، فبدأ بالرجلِ فشهدَ أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنهُ لمنَ الصادقين، والخامسةَ أنّ لعنةَ اللهِ عليه إن كانَ من الكاذبين، ثمّ ثَنّى بالمرأةِ، فشهدتْ أربعَ شهاداتٍ بالله إنهُ لمنَ الكاذبين، والخامسةَ: أنّ غضبَ اللهِ عليها إنْ كانَ من الصادقينَ، ثمَّ فرّقَ بينهما، ثمَّ قالَ: لا سبيلَ لكَ عليها، قالَ: يا رسولَ اللهِ مالي، قالَ: لا مالَ لكَ، إنْ كنتَ صدقتَ عليها، فهو بما استحلَلْتَ من فَرْجِها، وإنْ كنتَ كذبتَ عليها، فهو أبعدُ لكَ منها " (٧)، أخرجاه. وفيه عامةُ أحكامِ هذا البابِ. وقولهُ: " وفرّقَ بينَهما "، هو تفريقٌ بالشرعِ، أي: أنهُ حُكْمٌ مستمرٌّ في حقِّ كلِّ مُتلاعنٍ، ويؤيّدُهُ ما رواهُ أبو داودَ عن سهْل بنِ سَعدٍ، قالَ: " فمضَتِ السّنةُ بعدُ في المتلاعنين أن يُفرَّقَ بينَهما، ثمّ لا يجتمعان أبداً " (٨).
следующие страницы →