← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 576–615 · переход к 581.

стр. 576

٦ - بابُ: الظِّهار عن خُوَيْلةَ بنتِ ثَعْلبةَ، قالتْ: " فيَّ واللهِ، وفي أوْسِ بنِ الصّامتِ أنزلَ اللهُ سورةَ المجادلةِ، قالتْ: كنتُ عندَهُ، وكان شيخاً كبيراً قدْ ساءَ خُلُقُهُ، قالتْ: فدخلَ عليَّ يوماً فراجَعْتُهُ بشيءٍ، فغضبَ وقالَ: أنتِ عليّ كظهرِ أُمّي، قالتْ: ثمّ خرجَ فجلسَ في نادي قومِهِ ساعةً، ثمّ دخلَ عليَّ، فإذا هو يريدُني عن نفسي، قالتْ: فقلتُ: كلاّ، والذي نفسُ خُوَيْلةَ بيدِهِ، لا تخلصْ إليَّ وقد قلتَ ما قلْتَ حتّى يحكمَ اللهُ ورسولُهُ فينا بحكمهِ، قالتْ: فواثَبني وامتنعْتُ منهُ، فغلبْتُهُ بما تغلبُ بهِ المرأةُ الشيخَ الضّعيفَ، فألقيتهُ عنّي، ثمّ خرجتُ إلى بعضِ جاراتي، فاستعرْتُ منها ثيابَها، ثمّ خرجتُ حتّى جئتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فجلستُ بينَ يديهِ، فذكرتُ لهُ ما لقيتُ منهُ، فجعلتُ أشكو إليهِ ما ألقى من سوءِ خلقهِ، قالتْ: فجعلَ يقولُ: يا خُوَيْلةُ: ابنُ عمِّكِ شيخٌ كبيرٌ، فاتّقي اللهَ فيهِ، قالتْ: فواللهِ ما بَرِحتُ حتّى نزلَ القرآنُ، فتغَشّى رسولُ اللهِ ﷺ ما كانَ يتَغشّاهُ، ثمَّ سُرِّيَ عنهُ، وذكرَت الحديث في نزولِ: " قدْ سمعَ اللهُ قولَ التي تُجادِلُكَ في زَوْجها " - الآية، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : فليعتقْ رَقَبَةً، قالتْ: لا يجدُ، قال: فيصومُ شهرينِ مُتتابعينِ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ: إنهُ شيخٌ كبيرٌ ما بهِ من صيامٍ، قالَ: فلْيُطعمْ سِتّينَ مسكيناً، قالتْ: ما عندَهُ من شيءٍ يتَصَدَّقُ بهِ، قالَ: فإني سأعينُهُ بعَرَقٍ من تمرٍ، وقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إني أُعينُهُ بعرَقٍ آخرَ، قالَ: قد أحسنْتِ، اذهبي فأطعمي بها عنهُ ستّينَ مسكيناً، وارجعي إلى ابنِ عمِّكِ " (١)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، ولفظُهُ مجموعٌ من كلٍّ منهما، وإسنادُهُ: مشهورٌ، وله طرقٌ تُقَوّيهِ. فيُؤخَذُ منهُ عامّةُ أحكامِ هذا البابِ، وفيهِ دلالةٌ على وجوبِ الكَفّارةِ قبلَ الجِماعِ.

стр. 577

عن سَلَمةَ بنِ صَخْر البَياضيّ، قالَ: كنتُ امرءاً أُصيبُ من النّساءِ ما لايصيبُهُ غيري، فلما دخلَ شهرُ رمضانَ خفتُ أُصيبُ من امرأتي شيئاً فيتابعُ بي حتّى أُصبحَ، فظاهرتُ منها حتّى ينسلخَ شهرُ رمضانَ، فبينما تخدمُني ذاتَ ليلةٍ إذ تكشّفَ لي منها شيءٌ، فلمْ ألبثْ أن نزوتُ عليْها، فلما أصبحتُ خرجتُ إلى قومي فأخبرتُهم الخبرَ، وذكرَ الحديثَ في ذهابِهِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: أنتَ بذاكَ يا سَلمةُ؟، فقلتُ: أنا بذاكَ يا رسولَ اللهِ مرَّتينِ، وأنا صابرٌ لأمرِ اللهِ، فاحكمْ فيَّ بما أراكَ اللهُ، قالَ: حرِّرْ رَقَبةً، قلتُ: والذي بعثَكَ بالحقِّ، ما أملكُ رقبةً غيرَها، وضربتُ صفْحةَ رَقَبتي، قالَ: فصمْ شهرين مُتتابعينِ، قالَ: وهلْ أصبتُ الذي أصبتُ إلا من الصيامِ، قالَ: فأطعمْ وَسْقاً من تمرٍ بينَ سِتّينَ مسكيناً، فقالَ: والذي بعثَكَ بالحقّ: لقد بِتْنا وَحْشين ما لنا من طَعامٍ - وذكرَ الحديثَ " (٢)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، وابنُ ماجة، والترمذيُّ مُخْتصراً، وقالَ: حسنٌ، وعندَهُ: " فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لعزوةَ بنِ عمْرو: أعطهِ ذلكَ العَرقَ، وهو مِكْتلٌ يأخذُ خَمسةَ عَشرَ صاعاً، أو ستّةَ عشَر صاعاً، فقالَ: أطعمهُ ستّين مسكيناً ". وللدارَقُطنيِّ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أعطاهُ مكْتلاً فيهِ: خمسةَ عشرَ صاعاً، فقالَ: أطعمْ سِتّينَ مسكيناً، وذلكَ لكلِّ مسكينٍ مُدّ " (٣). قلتُ: وإسنادُهُ: جيدٌ، وله طرقٌ مُتعدّدةٌ، وقد دلَّ هذا الحديثُ على صحةِ الظهارِ المُوَقّتِ، وهو الصحيحُ من القولين، وإنّ الكفّارةَ لا تجبُ فيهِ إلا بالجماعِ، وهو أصحُّ الوجهين. عن عِكْرمةَ عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّ رجلاً قالَ: يا رسولَ اللهِ إني ظاهرتُ من امرأتي فوقعتُ عليها قبلَ أن أُكَفِّرَ؟ فقالَ: ما حملَكَ على ذلكَ؟، قالَ: رأيتُ خِلْخالَها في ضوءِ القمرِ، قالَ: فلا تَقْربْها حتّى تفعلَ ما أمركَ اللهُ " (٤)، رواهُ أهلُ السُّننِ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ غريبٌ صحيحٌ.

стр. 578

قلتُ: وقد رواهُ أبو داود، والنسائيُّ من حديثِ عِكْرمةَ مُرْسَلاً، قالَ النّسائيّ: وهو أولى بالصوابِ. قالَ الشافعيُّ ﵀: قد شرَطَ اللهُ سبحانَهُ الإيمانَ في عِتقِ الرَّقبةِ في القتلِ، وأطلقَ ذلكَ في الظِّهارِ، قالَ: فلْيُحمَلْ ما أطلقهُ على ما قَيّدَهُ كما شرَطَ العدالة في الشهادةِ في موْضعين، وأطلقَ ذلكَ في ثلاثةِ مواضعَ، قالَ: وأُحبُّ لهُ أن لا يعتقَ إلا بالغةً مؤمنةً، وإن كانتْ أعجميةً فوصَفتْ الإسلامَ أجزأتْهُ، ثمّ استدلَّ على ذلكَ بما رواهُ عن مالكٍ عن هِلالِ بنِ أُسامة عن عطاءِ بنِ يَسارٍ (٥) عن عمرَ بنِ الحَكمِ: أنهُ قالَ: " أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ: إن جاريةً لي كانت تَرعى غَنماً فجئتُها وقد فُقدتْ شاةٌ من الغَنمِ، فسألتُها عنها، فقالتْ: أكلَها الذئبُ، فأسِفتُ عليها وكنتُ من بَني آدمَ فلطمْتُ وجهَها وعليَّ رقبةٌ، أفأعتِقُها؟، فقالَ لها رسولُ اللهِ ﷺ : أينَ اللهُ فقالت: في السّماءِ، فقالَ: منْ أنا؟، قالتْ: رسولُ اللهِ، قالَ: فأعتِقْها، فذكرَ بقية الحديثِ في الطِّيرَةِ " (٦). قالَ الشافعيُّ: اسمُ الرجلِ: معاويةُ بنُ الحكمِ، قلتُ: كذا رواهُ مسلمٌ (٧) في صحيحهِ عن معاويةَ بنِ الحكمِ السُّلَميّ، وكذا رواهُ يحيى بنُ يحيى وحدَهُ عن مالك، وقالَ سائرُ الرّواةِ عنهُ: عمر بنُ الحكمِ. قال الشافعيُّ: ففي هذا الحديثِ بيانٌ أنّ من كانتْ عليهِ رقبَةٌ بنذْرٍ أو وجبتْ بغيرِ نَذْرٍ، لمْ يُجزئهُ فيها إلا مؤمنةٌ، ألا ترى أنه يقولُ: " عليَّ رقبَةٌ، لا يذكرُ مؤمنةً. فسأل رسولَ اللهِ ﷺ عن صفةِ الإيمانِ، ولو كانتْ غيرَ مؤمنةٍ، قالَ: أعتقْ أيَّ رقبةٍ شئتَ. قلتُ: وأما الكفّارةُ بالصيامِ أو الإطعامِ، ففي نصِّ القرآنِ وما تقدّمَ من الحديثِ كفايةٌ، واللهُ أعلمُ.

стр. 579

٧ - بابُ: اللِّعانِ عن ابنِ عبّاسٍ: " أنَّ هلالَ بنَ أُمَيَّةَ قذَفَ امرأتَهُ عندَ النبيِّ ﷺ بشريكِ بنِ السَّحْماءِ، فقالَ النبيُّ ﷺ : البيِّنة، أو حَدٌّ في ظهركَ، قالَ: يا رسولَ اللهِ: إذا رأى أحدُنا على امرأتِهِ رجلاً، ينطلقُ يلتمسُ البيّنةَ، فجعلَ النبيُّ ﷺ يقولُ: " البيّنةُ أو حَدٌّ في ظهركَ، فقالَ هِلالٌ: والذي بعثَكَ بالحقِّ إني لصادقٌ، وليُنزِلنَّ اللهُ ما يُبرّيءُ ظَهير من الحدِّ، فنزلَ جبريلُ وأنزلَ عليهِ: " والذينَ يَرمونَ أزواجَهُمْ - فقرأ حتّى بلغَ: إنْ كانَ من الصّادقينَ "، فانصرفَ النبيُّ ﷺ ، فأرسلَ إليهما، فذكرَ الحديثَ، وأنهُ لاعَنَ بينَهما، فوعظَهما عندَ الخامسة، فتلَكَّأتْ ونكَصتْ ثمَّ مضَتْ، وقالتْ: لا أفضحُ قومي سائرَ اليومِ - الحديث " (١)، رواهُ البخاريّ بطولِهِ ورواه مسلمٌ عن أنسٍ، وعندَهُ، قالَ: " وكانَ أوّلَ رَجلٍ لاعنَ في الإسلامِ " (٢). فدَلَّ ذلكَ على أنهُ إذا قذَفَ فطولبَ بالحدِّ، إنّ لهُ دفعَ ذلكَ باللّعانِ. عن عبد الله بنِ عمرَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ لاعنَ بينَ الرجلِ وامرأتِهِ، فانْتفى من وَلدِها، وفرّقَ بينَهما، وألحقَ الولدَ بالمرأةِ " (٣)، أخرجاهُ، ولفظهُ للبخاري. عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ لاعنَ على الحَملِ " (٤)، رواهُ أحمدُ، والدارقُطنيُّ. عن ابن مسعودٍ (٥): مثلُهُ.

стр. 580

قالَ اللهُ تعالى: " والذينَ يَرمونَ أزْواجَهُمْ ولمْ يكُنْ لهُمْ شُهَداءُ إلا أنفُسُهُمْ فَشهادَةُ أحدِهمْ أربعُ شهاداتٍ باللهِ إنَّه لَمنَ الصَّادقين. والخامسةُ أن لعْنةَ اللهِ عليهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذبينَ. ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ باللهِ إنّهُ لمنَ الكاذبينَ. والخامسة أن غضبَ الله عَليْها إنْ كانَ من الصّادقينَ "، وهذه صفةُ اللعانِ التي نصّ القرآنُ عليها، وبيّنتْها السّنةُ كما أخرجاهُ في الصحيحين (٦). عن عبدِ الله بن عمر، قالَ: " أوّلُ من سألَ عن ذلكَ فلانُ بنُ فُلانٍ، قالَ يا رسولَ اللهِ: أرأيتَ لو وجدَ أحدُنا امرأتَهُ على فاحشةٍ، كيفَ يصنعُ؟ إن تكلّمَ تَكلَّمَ بأمرٍ عظيمٍ، وإنْ سكتَ سكتَ على مثلِ ذلكَ، قالَ: فسكتَ النبيُّ ﷺ ، فلمْ يُجبْهُ، فلما كانَ بعدَ ذَلكَ أتاهُ، فقالَ: إنّ الذي سألْتُكَ عنهُ قدْ ابتُليتُ بهِ، فأنزلَ اللهُ هؤلاءِ الآياتِ في سورةِ النّورِ: " والذينَ يَرمونَ أزواجَهُمْ "، فتلاهنَّ عليه، ووعظهُ وذكّرهُ، وأخبرَهُ أنّ عذابَ الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ، قالَ: لا، والذي بعثَكَ بالحقِّ، ما كذبتُ علَيْها، ثمَّ دعاها فوعظَها، وذكّرَها، وأخبرَها أنّ عذابَ الدّنيا أهونُ من عذابِ الآخرةِ، قالتْ: لا، والذي بعثَكَ بالحقِّ إنهُ لكاذبٌ، فبدأ بالرجلِ فشهدَ أربعَ شهاداتٍ باللهِ إنهُ لمنَ الصادقين، والخامسةَ أنّ لعنةَ اللهِ عليه إن كانَ من الكاذبين، ثمّ ثَنّى بالمرأةِ، فشهدتْ أربعَ شهاداتٍ بالله إنهُ لمنَ الكاذبين، والخامسةَ: أنّ غضبَ اللهِ عليها إنْ كانَ من الصادقينَ، ثمَّ فرّقَ بينهما، ثمَّ قالَ: لا سبيلَ لكَ عليها، قالَ: يا رسولَ اللهِ مالي، قالَ: لا مالَ لكَ، إنْ كنتَ صدقتَ عليها، فهو بما استحلَلْتَ من فَرْجِها، وإنْ كنتَ كذبتَ عليها، فهو أبعدُ لكَ منها " (٧)، أخرجاه. وفيه عامةُ أحكامِ هذا البابِ. وقولهُ: " وفرّقَ بينَهما "، هو تفريقٌ بالشرعِ، أي: أنهُ حُكْمٌ مستمرٌّ في حقِّ كلِّ مُتلاعنٍ، ويؤيّدُهُ ما رواهُ أبو داودَ عن سهْل بنِ سَعدٍ، قالَ: " فمضَتِ السّنةُ بعدُ في المتلاعنين أن يُفرَّقَ بينَهما، ثمّ لا يجتمعان أبداً " (٨).

стр. 581

وللدارقطنيِّ عنهُ، قالَ: " ففرَّقَ رسولُ اللهِ ﷺ بينهما، وقالَ: لا يجتمعان أبداً (٩)، قالَ البيهقيّ: وإسنادُه صحيح، وللدارقطنيّ أيضاً عن ابنِ عمرَ مرفوعا: " والمتلاعنان إذا تفرقا، لا يجتمعان أبدا " (١٠). وقال الثوريّ عن الأعمشِ عن إبراهيمَ عن عمرَ: أنهُ قالَ: " في المتلاعنين: يُفرَّقُ بينَهما، ولا يحتمعانِ أبداً " (١١). هذا: مُنقطعٌ. وللدارَقُطنيّ عن عليّ، وابنِ مسعودٍ، قالا: " مضَت السّنةُ في المتلاعنين أنْ لا يجتمعا أبداً " (١٢). فهذهِ آثارٌ متعاضدةٌ على أنها لا تحلُّ لهُ أبداً، وأنها تحرمُ عليهِ على التأبيدِ. وقولُهُ: " فبدأ بالرّجلِ، ثمّ ثَنّى بالمرأةِ "، دليلٌ على: أنهُ لا يُعتدُّ بأيمانِها قبلَهُ. وعن ابنِ عبّاسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرَ رجلاً حينَ أمرَ المتلاعنين أنْ يَتلاعَنا أنْ يضعَ يدَهُ عندَ الخامسةِ على فيهِ، وقالَ: إنها موجبةٌ " (١٣)، رواهُ الشافعيُّ عن ابنِ عُيَيْنَةَ عن عاصمِ بنِ كُلَيْبٍ عن أيوب (١٤)، وأبو دواد، والنسائي. عن سَهْل بنِ سَعْدٍ، قالَ في قصةِ العَجْلاني: " فتلاعَنا في المسجدِ، وأنا شاهدٌ " (١٥)، أخرجاه. قالوا: وقد كانَ سَهْلٌ إذ ذاكَ صغيراً، فلمْ يشهدْ ذلكَ، وإلا فقدْ شهدَهُ فئامٌ من الناسِ.

стр. 582

عن عبدِ الله بنِ جَعفرٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، لاعنَ بينَ أخوي بني العَجلان، بعدَ العصرِ على المِنْبر على حَملٍ " (١٦)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، وفي إسنادِهِ الواقديُّ وهو: ضعيفٌ. وقد رواهُ عبدُالله بنُ وهبٍ عن يونسَ عن الزُّهري: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرَ الرَّجلَ والمرأةَ فحلفا بعدَ العصرِ عندَ المِنبرِ " (١٧)، وهذا: مُرْسَلٌ يتقَوّى بالذي قبلَهُ. عن جابرٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " مَن حلفَ على مِنْبري هذا بيمينٍ آثمةٍ يتبوَّأْ مَقْعدَهُ من النَّارِ " (١٨)، رواهُ مالكٌ، والشافعيّ، وأبو داود، وابنُ ماجة. ورواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة من حديثِ أبي هريرةَ. قالَ الشافعيُّ: ورُويَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لاعنَ بينَ الزوجين على المِنبر " (١٩). قالَ أبو دوادَ الطَّيالسيُّ: حدّثنا عبّادُ بنُ منصورٍ عن عِكرمة عن ابن عباس: أنهُ قالَ في حديثِ هلالِ بنِ أميّةَ: " ففرّقَ رسولُ اللهِ ﷺ بينَهما، وقَضى أن لا يُدعى ولدُها لأبٍ، ولا تُرمَى هي، ولا يُرمى ولدُها، ومَن رَماها، أو رَمى ولدَها فعليه الحدّ، وقضَى أن لا بيتَ لها عليهِ، ولا قوتَ، من أجلِ أنهما يتَفرَّقان من غيرِ طَلاقٍ، ولا مُتوفى عنها (٢٠)، ورواهُ أحمدُ، وأبو داود، وهذه قطعة من حديثٍ طويلٍ، وعَبادُ بنُ منصور فيه كلامٌ. عن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ في ولدِ المتلاعنين: " أنهُ يَرثُ أمَّهُ وترثُهُ أُمّهُ، ومن رماها به جُلد ثمانين، ومن دعاهُ ولدَ زنا، جُلدَ ثمانين " (٢١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ.

стр. 583

٨ - بابُ: ما يلحقُ من النَّسبِ، وما لا يلحقُ عن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " الولدُ للفراشِ، وللعاهرِ الحجرُ " (١)، أخرجاهُ. قالَ عبدُالله بنُ وَهْبٍ: أخبرني يونسُ عن ابنِ شهابٍ، أخبرني أبو عُبيْدٍ مَوْلى عبدِ الرحمن بن أزهرَ: " أنّ عثمانَ بنَ عفّان خرجَ يوماً فصلّى الصلاة، ثمّ جلسَ على المِنبرِ، فأثنى على اللهِ بما هو أهلهُ، ثمّ قالَ: أما بعدُ، فإنّ هاهنا امرأة حالُها قد جاءتْ بشيءٍ، ولدتْ في ستّةِ أشهرٍ، فما ترونَ فيها؟، فناداهُ ابن عباسٍ، فقالَ: إنّ اللهَ قالَ: " ووَصَّيْنا الإنسانَ بوالِدَيْهِ إحْساناً حَمَلتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً ووَضَعتْهُ كُرْهاً وحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثلاثون شَهْراً "، وقالَ: " والوالداتُ يُرضعْنَ أولادهُنَّ حَولينِ كامِليْن لمنْ أرادَ أن يُتمّ الرَّضاعةَ "، فأقلُّ الحملِ ستّةُ أشهرٍ، فتركها عثمانُ ولم يَرجمْها " (٢)، هذا إسنادٌ صحيحٌ. وفيهِ دلالةٌ على أنّ أقلَّ الحملِ ستّةُ أشهرٍ، لأنّ مثلَ هذا اشتهرَ، ولم يُعرفْ لهُ مُخالفٌ من الصحابةِ. عن أبي هريرةَ: " أنهُ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ لما نزلتْ آيةُ الملاعنة، قالَ: " أيّما امرأةٍ أدخلتْ على قومٍ من ليسَ منهم، فليستْ من اللهِ في شيءٍ، ولم يُدخلها جنّتهُ، وأيُّما رجلٍ جحَد ولدَهُ وهو ينظرُ إليهِ، احتجبَ اللهُ منهُ وفضحهُ على رؤوسِ الخلائقِ من الأوّلين والآخرين " (٣)، رواهُ الشافعيُّ، وهذا لفظُهُ، وأبو داود بإسنادٍ جيّدٍ.

стр. 584

عن أبي هريرةَ: " أنّ رجلاً من فَزارةَ، قالَ: " يا رسولَ اللهِ إن امرأتي ولدَتْ غلاماً أسودَ، قالَ: هلْ لكَ من إبلٍ؟، قالَ: نعمْ، قالَ: ما ألوانُها؟، قالَ: حُمُرٌ، قالَ: هلْ فيها من أوْرقَ؟ قالَ: إنَّ فيها لوُرْقاً، قالَ: فأنَّى أتاها ذلكَ؟، قالَ: عسى أن يكونَ نزَعهُ عِرْقٌ، قالَ: وهذهِ عَسى أن يكونَ نزَعَهُ عِرقٌ " (٤)، أخرجاهُ. فدلَّ على أنهُ بمجرّدِ الشَّبهِ لا ينتفي عنهُ. وكذا حديثُ عائشة، قالتْ: " اختصمَ سعدُ بنُ أبي وقّاصٍ وعبْدُ بنُ زَمْعةَ في غلامٍ، فقالَ سعدٌ: هذا يا رسولَ اللهِ ابنُ أخي عُتْبةَ بن أبي وَقّاصٍ، عِهِدَ إليَّ أنهُ ابنُهُ، انظرْ إلى شَبَهِهِ، وقالَ عبدُ بنُ زَمْعةَ: هذا أخي يا رسولَ اللهِ، ولدَ على فراشِ أبي من وليدتهِ، فنظرَ رسولُ الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شَبهاً بيِّناً بعُتْبةَ، فقالَ: هو لكَ يا عبدُ بنُ زَمْعةَ، الولدُ للفراشِ، وللعاهرِ الحَجرُ، واحْتَجبي منهُ يا سوْدةُ بنتُ زَمْعةَ، فلمْ ترهُ سَوْدةُ قَطُّ " (٥)، أخرجاهُ، ولفظهُ لمسلمٍ. وفيهِ دلالةٌ على أنّ الأمةَ المُستَفْرَشَةَ حكمُها حكمُ الزّوجةِ في الفراشِ. عن عمرَ، قالَ: " ما بالُ رجالٍ يَطأونَ ولائدَهُم، ثُمَّ يقتلهنَّ، لا تأتيني وليدةٌ يعترفُ سيّدُها أنهُ قد ألمَّ بها إلا ألحقتُهُ ولدَها، فاعْتَزِلوا بعدُ أو اترُكوا " (٦). رواهُ الشافعيُّ عن مالكٍ عن الزُّهريّ عن سالمٍ عن أبيهِ عنهُ. عن عائشة: " دخَلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ ذات يوم مسروراً، فقالَ: يا عائشةُ، ألمْ ترَيْ أنّ مُجَزِّزاً المُدْلِجيِّ، دخَلَ عليَّ، فرأى أُسامة وزَيْداً عليهما قَطيفةٌ، قدْ غَطَّيا رُؤوسَهما وبدَتْ أقدامُهُما، فقالَ: إنّ هذهِ الأقدامَ بعضُها من بعضٍ " فَسُرَّ بذلكَ النبيُّ ﷺ وأعجَبَهُ وأخبرَ بهِ عائشة " (٧)، أخرجاهُ، ولفظُهُ لمسلمٍ.

стр. 585

وعندَ البخاريِّ: " قالَ داودُ: " وكانَ أُسامةُ أسودَ، وكانَ زيدٌ أبيضَ " (٨) فدلَّ على: أنهُ يجوزُ أن يكونَ القائفُ واحداً.

стр. 586

٦ - كتابُ الأيمان ١ - بابُ: مَنْ يَصحُّ يَمينُهُ، وما تَصِحُّ بهِ اليمينُ قالَ اللهُ: " لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ باللَّغْو في أيْمانِكُمْ ولكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدتُمُ الأيْمانَ. . الآية ". قالتْ عائشةُ: " نزَلتْ هذهِ الآيةُ في قولِ الرّجلِ: لا واللهِ، وبَلى واللهِ "، رواهُ البخاريُّ (١). ورواهُ أبو داودَ عن عائشةَ عن النبيّ ﷺ مرفوعاً، ثمَّ ذكرَ أنّ الموقوفَ أصحُّ. تقدّمَ حديثُ: " رُفعَ القلمُ عن ثلاثةٍ، عن الصّبيّ حتّى يَحتلم، وعن النائمِ حتّى يستيقظ، وعن المجنون حتّى يَفيقَ " (٢). وحديثُ: " رُفِع عن أُمّتي الخطأُ والنّسيانُ، وما أُستُكرِهوا عليه " (٣)، والكلامُ عليها في كتابِ الصّلاةِ. عن الشَّعبيِّ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرو: " جاءَ أعرابيٌّ، فقالَ: يا رسول اللهِ: ما الكبائرُ؟ قال: الإشراك بالله، قالَ: ثم ماذا؟ قال: عقوق الوالدين، قالَ: ثم ماذا؟ قالَ: اليمينُ الغَموسُ "، قلتُ: وما اليمينُ الغَموسُ؟، قالَ: التي يُقتطَعُ بها مالُ امرئٍ مسلمٍ، هوَ فيها كاذبٌ " (٤)، رواهُ البخاريُّ. وعن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " اختصمَ إلى النبيِّ ﷺ رجلان، فوقْعتْ اليمينُ على

стр. 587

أحدهما، فحلفَ باللهِ الذي لا إله إلا هوَ: ما لهُ عندي شيءٌ، فنزلَ جبريلُ، فقالَ: إنهُ كاذبٌ، فأمرهُ أن يُعطيَهُ حقَّهُ، وكَفّارةُ يمينِهِ، معرفتُهُ أن لا إله إلا اللهُ، أو شهادتُهُ " (٥)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ من حديثِ عطاءِ بنِ السائبِ، وفيه كلامٌ عن أبي يحيى المعرقبِ عنهُ. والغرضُ من هذا إثباتُ الكفّارةِ في اليمينِ الغَموسِ في الجملةِ. عن أبي موسى الأشعريّ، قالَ ﵇: " إني - واللهِ - إن شاءَ اللهُ - لا أحلفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيراً منها، إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحلَّلْتُها " (٦)، أخرجاهُ. عن ابنِ عمرَ: " أنّ رسول الله ﷺ سمع عمرَ وهو يحلفُ بأبيهِ، فقالَ: إنّ اللهَ يَنهاكُمْ أن تَحلِفوا بآبائِكُمْ، فمنْ كانَ حالفاً فليحلفْ باللهِ، أو ليَصْمُتْ " (٧)، أخرجاهُ. عن قُتيْلةَ بنتِ صَيْفي الجُهَنيِّ: " أنّ يهودياً أتي النبيَّ ﷺ ، فقالَ: إنّكُمْ تُنَدِّدون، وإنّكم تُشركون، تقولونَ: ما شاءَ اللهُ وشئْتَ، وتقولون: والكبعةِ، فأمَرهُم النبيُّ ﷺ إذا أرادوا أن يَحلِفوا: أن يقولوا: وربّ الكعبةِ، ويقولُ أحدُهم: ما شاءَ اللهُ، ثمَّ شئتَ " (٨)، رواهُ أحمدُ، والنسائيُّ، وفي سندِهِ اختلافٌ. عن ثابتِ بنِ الضَّحاكِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " من حلفَ على يمينٍ بملّةٍ غيرِ الإسلامِ كاذباً، فهوَ كما قالَ " (٩)، أخرجاهُ. عن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ حلف منكُمْ فقالَ في حلفِهِ: باللاتِ والعُزّى، فلْيقُلْ: لا إله إلا اللهُ، ومنْ قالَ لصاحبهِ: تعالَ أُقامِرْكَ، فليتصدّقْ " (١٠) أخرجاه.

стр. 588

عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إنّ لله تسعةً وتسعين اسماً، مائةٌ إلا واحداً، مَن أحصاها دخَلَ الجنّةَ، وهو: وِتْرٌ، يحبُّ الوِتْرَ " (١١)، أخرجاه. وأخرجهُ الترمذيُّ في جامعهِ عن الجَوْزجاني عن صَفوان بنِ صالحٍ عن الوليدِ بنِ مسلمٍ عن شُعَيْبٍ: فذكرَ سندَهُ مثلهُ، وزادَ بعدَ قولهِ: " يحبُّ الوِترَ "، هو اللهُ الذي لا إله إلا هو، الرّحمن، الرّحيمُ، الملِكُ القُدّوسُ، السلامُ، المؤمنُ، المهيمنُ، العزيزُ، الجبّارُ، المتَكَبِّرُ، الخالقُ البارئُ، المُصَوِّرُ، الغَفّارُ، القهَّارُ، الوهّابُ، الرَّزاق، الفتّاحُ، العليمُ، القابضُ، الباسطُ، الحافظُ، الرافعُ، المعزُّ، المذِلُّ، السميعُ، البصيرُ، الحكمُ، العدلُ، اللطيفُ، الخبيرُ، العظيمُ، الغفورُ، الشكورُ، العليُّ، الكبيرُ، الحفيظُ، المُقيتُ الحسيبُ، الجليلُ، الكريمُ، الرّقيبُ، المجيبُ، الواسعُ، الحكيمُ، الودود، المجيدُ، الباعثُ، الشّهيدُ، الحقُّ، الوكيلُ، القويُّ، المتينُ، الوليُّ، الحميدُ، المحصي، المبدئُ، المعيدُ، المحيي، المميتُ، الحيُّ، القيّومُ، الواجدُ، الماجدُ، الواحدُ، الصّمدُ، القادرُ، المقتدرُ، المقدّمُ، المؤخّرُ، الأوّلُ، الآخرُ، الظاهرُ، الباطنُ، الوالي، المتعالي، البرُّ، التَّوابُ، المنتقمُ، العفوُّ، الرؤوفُ، مالكُ الملكِ، ذو الجلالِ والإكرامِ، المُقْسطُ، الجامعُ، الغنيُّ، المانعُ، الضارُّ، النافعُ، النورُ، الهادي، البديعُ، الباقي، الوارثُ، الرشيدُ، الصبورُ " (١٢)، ثمّ قالَ: غريبٌ، وقد رُويَ من غيرِ وجهٍ عن أبي هريرة. ولا نعلمُ في كثير شيء من الرّواياتِ ذكرَ الأسماءِ، إلا في هذا الحديثِ. وقد رواهُ آدمُ بنُ أبي إياسٍ، بإسنادٍ غيرِ هذا عن أبي هريرةَ مرفوعاً، ذكرَ فيه الأسماءَ، وليسَ لهُ إسنادٌ صحيحٌ. ورواهُ ابنُ ماجة من حديثِ موسى بنِ عُقْبةَ عن الأعرجِ عن أبي هريرة مرفوعاً، فسردَ الأسماءَ كنحو ما تقدّمَ بزيادةٍ ونقصانٍ، والذي عوَّلَ عليه جماعةٌ من الحفّاظ أن سردَ الأسماءِ في هذا الحديثِ مُدْرَجٌ فيهِ، وإنما ذلكَ كما رواهُ الوليدُ بنُ مُسلم، وعبدُ

стр. 589

الملكِ بنُ محمدٍ الصّنْعانيُّ عن زهيرِ بن محمد: أنهُ بلغَهُ عن غيرِ واحدٍ من أهلِ العلم أنهم قالوا ذلكَ، أي أنهم جمعوها من القرآنِ كما رُويَ عن جعفرِ بنِ محمدٍ، وسفيانَ ابن عُيَيْنةَ، وأبي زيدٍ اللّغويّ، واللهُ أعلمُ. قلتُ: وليْستْ أسماءُ اللهِ سبحانَهُ مُنحصرةً في تسعةٍ وتسعين اسماً، بدليلِ ما رواهُ أحمدُ في مُسْندِهِ عن ابنِ مسعودٍ، أنهُ: قالَ ﵇: " اللهمَ إني عبدُكَ بنُ عبدِك، ناصيتي بيدِكَ، ماضٍ فيَّ حكمكَ، عدلٌ فيّ قضاؤكَ، أسلكَ بكلّ اسمٍ هو لكَ، سمّيتَ به نفسَكَ، أو أنزلتَهُ في كتابِكَ، أو علّمْتهُ أحداً من خلقِكَ، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَكَ، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، وشفاءَ صَدري، وجلاءَ همّي وحُزني. . الحديث " (١٣). وقد أخرجهُ أبو حاتم ابنُ حِبّان البستي في صحيحه، وقد ذكرَ القاضي أبو بكر بمُ العَربي في أوّلِ كتابِه: الإحوذي في شرحِ الترمذيّ: أن بعضهم جمعَ من أسماءِ اللهِ ألفَ اسمٍ. عن أبي هريرةَ عن النبيّ ﷺ ، قالَ: " بينما أيوبُ يغتسلُ إذ خرَّ عليهِ رِجلُ جرادٍ من ذهبٍ، فجعلَ يحثي في ثوبهِ، فقالَ اللهُ لهُ: ألمْ أكن أغْنيْتُكَ عمّا هو هُنا؟، فقالَ أيوبُ: لا غِنى لي عن بركَتِكَ " (١٤)، أخرجاهُ. أمّا الحلفُ بالقرآنِ، فإنهُ ينعقدُ، لأنهُ كلامُ اللهِ، صفةٌ من صفاتِهِ، وليسَ بمخلوقٍ لإجماعِ أهلِ السّنةِ على ذلكَ. عن عائشةَ في قصّة الإفكِ: " أنّ سعدَ بنَ عُبادةَ، قالَ لسعدِ بنِ مُعاذٍ في كلامٍ: كذبتَ، لعمرُ اللهِ، لا تقتلهُ، ولا تستطيعُ قتلَهُ، فقال أُسَيْدُ بنُ حُضيرٍ لسعدِ بنِ عُبادَة: لعمرُ اللهِ، لَنقْتُلنَّهُ " (١٥)، أخرجاهُ، وهذا كانَ والنبيُّ ﷺ على المِنبرِ.

стр. 590

عن ابن عباسٍ عن أبي هريرةَ: " أنّ أبا بكرٍ، قالَ: أقسمتُ بأبي أنتَ وأُمّي يا رسولَ اللهِ، لتُحدِّثني بالذي أخطأتُ، قالَ: لا تُقسمْ " (١٦)، رواهُ مُسلمٌ. عن الوليدِ بنِ ثَعْلبةَ (١٧) عن أبيه، قالَ: قالَ ﵇: " من حلفَ بالأمانةِ فليسَ منّا " (١٨)، رواهُ أبو داودَ، ورى ابنُ المباركِ في الزهد عن شَريكٍ عن أبي إسحاقَ عن جَبَلةَ بنِ سُحيْمٍ عن زيادِ بنِ حُدَيْرٍ: " أنّ عمرَ كانَ ينهى عن الحلفِ بالأمانةِ أشدَّ النّهي " (١٩). قالَ تعالى: " يا أيّها الذينَ آمنوا لا تُحرّموا طَيّباتِ ما أحلَّ اللهُ لكُمْ ". عن ابن عباس، قالَ: " إذا حرّمَ الرجلُ امرأتَهُ، فليسَ بشيءٍ، وقالَ: " لقد كانَ لكم في رسولِ اللهِ أُسوةٌ حسنةٌ " (٢٠) أخرجاه. ولمسلمٍ: " إذا حرّمَ الرجلُ امرأتَهُ، فهي يمينٌ يكفِّرها " (٢١). عن أنسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كانت لهُ أمةٌ يطؤها، فلمْ تزَلْ بهِ عائشةٌ وحفْصةُ حتّى حرّمها على نفسِهِ، فأنزلَ اللهُ: " يا أيّها النبيُّ لِمَ تحرّمُ. . الآية "، رواهُ النسائيّ (٢٢).

стр. 591

٢ - بابُ: جامعِ الأيمان تقدّمَ حديثُ: " المسلمونَ على شروطِهم " (١)، فيُؤخَذُ منه: أنّ مَن علّقَ يمينَهُ على شيءٍ، أنهُ لا يحنثُ به قبلَ حصولِ ذلكَ الشيءِ. عن عائشةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " نِعْمَ الإدامُ الخَلُّ " (٢)، رواهُ مسلمٌ. ولهُ عن جابرٍ (٣): مثلُهُ. عن أنسٍ، قالَ ﵇: " سيّدُ إدامِكُمْ الملحُ " (٤)، رواهُ ابنُ ماجة من حديثِ عيسى بن أبي عيسى الخيّاط المدَني، وهو: ضعيفٌ جدا، تركَهُ الأئمة. عن أبي الدرْداءِ، قالَ ﵇: " سيّدُ طعامِ أهلِ الدّنيا وأهلِ الجنّةِ: اللّحمُ " (٥)، رواهُ ابنُ ماجة، ولا يصحُّ، في إسنادِهِ: سليمانُ بنُ عَطاءٍ الجَزَريُّ - وهو متروكُ الحديثِ. وقالَ الأصْمعيُّ: عن أبي هلالٍ الراسِبيّ، واسمُهُ محمدُ بنُ سُليْمٍ عن عبدِ الله بنِ بُرَيْدةَ عن أبيهِ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " سيّدُ إدامِ أهلِ الدّنيا والآخرةِ: اللّحمُ، وسيّدُ الشرابِ: الماءُ، وسيّدُ الرّياحينِ الفاغيةُ، قالَ الأصْمعيُّ: هو نورُ الحِناء "، رواهُ ابنُ قُتيْبَةَ في غريبهِ (٦)، وتمّامُ بنُ محمدٍ في فوائدِهِ، وقالَ: رواهُ العيشيُّ (٧) عن أبيهِ عن أبي

стр. 592

هلالٍ عن قتادةَ (٨) عن ابنِ بُريدةَ عن أبيهِ موقوفاً. عن محمد بنِ أبي يحيى الأسْمليِّ عن يزيدَ الأعورِ عن يوسفَ بنِ عبدِ الله بنِ سلامٍ، قالَ: " رأيتُ النبيَّ ﷺ أخذَ كِسْرةً من خبزٍ، فوضعَ عليها تمرةً، وقالَ: هذهِ إدامُ هذهِ " (٩)، رواهُ أبو داودَ، والبخاريُّ في تاريخِهِ، والبيهقيُّ. تقدّمَ حديثُ: " رُفع الخطأ، والنسيان، والإكراهِ " (١٠). قال الإمامُ أحمدُ: حدّثنا سفيانُ عن أيوبَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ يبلغُ به النبيَّ ﷺ ، قالَ: " من حلفَ على يمينٍ، فقالَ: إن شاءَ اللهُ، فقدْ اسْتَثنى " (١١)، ورواهُ أهل السُّنة، وهذا إسناد صحيح، وأخرجوه إلا أبا داود عن أبي هريرة (١٢)، فاسْتُدلَّ بقولِهِ فقال " إنْ شاءَ اللهُ "، على تعقيبِ الاستثناءِ باليمين، وهوَ ظاهرٌ.

стр. 593

٣ - بابُ: كفّارةِ اليمينِ عن عبدِ الرّحمنِ بنِ سَمُرةَ، قالَ: قالَ ﵇: " وإذا حلفتَ على يمينٍ، فرأيتَ غيرَها خيراً منها، فائتِ الذي هوَ خيرٌ، وكفِّرْ عن يمينِكَ " (١)، أخرجاهُ. وفي لفظٍ لهما: " فكفِّرْ عن يمينِكَ، وائتِ الذي هو خيرٌ " (٢). ولأبي داودَ، والنّسائيّ: " فكفِّرْ عن يمينِكَ، ثمّ ائتِ الذي هو خيرٌ " (٣). فدَلَّ على جوازِ التكفيرِ قبلَ الحنثِ. قالَ اللهُ: " لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ باللّغوِ في أيْمانِكُمْ ولكنْ يُؤاخِذكمْ بما عَقّدتمُ الأيْمانَ فَكفّارتُهُ إطْعام عَشرةِ مَساكينَ مِنْ أوْسَطِ ما تُطعمونَ أهْليكُمْ أوْ كِسْوتُهمْ أوْ تحريرُ رَقبةٍ فمَنْ لمْ يجِدْ فصِيامُ ثَلاثَةِ أيّام ذَلكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ إذا حَلفْتُمْ كذلكَ يُبيِّنُ اللهُ لكُمْ آياتِهِ لعلَّكُمْ تشكُرونَ "، عن أُبيّ بنِ كعْبٍ: أنهُ قرأهَا: فصيام ثلاثةِ أيامٍ متتابعةٍ، ورُويَ ذلكَ عن عائشةَ مرفوعاً. عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كفّرَ بصاعٍ من تمرٍ، وأمرَ الناسَ بذلكَ " (٤)، رواهُ ابنُ ماجة من حديثِ عمر بنِ عبدِ الله بنِ يَعْلى، وكانَ ضعيفاً فاسقاً يشربُ الخمرَ، وليسَ لهُ عندَ ابنِ ماجة سواهُ. وروى البيهقيُّ من حديثِ محمدِ بنِ الزُّبيرِ الحَنْظَليِّ عن أبيهِ عن عِمْرانَ بنِ

стр. 594

حُصينٍ: أنهُ قالَ: " لو أنّ قوماً قاموا إلى أميرٍ من الأمراءِ، وكسى كلّ إنسانٍ منهمْ قَلَنْسُوةً لقالَ الناسُ: قدْ كساهُمْ " (٥)، ولا يَثبتُ هذا، لحالِ محمدٍ وأبيهِ، وشيخِهِ. وقد تقدَّمَ الكلامُ في مُلكِ العبدِ في بابِ المأذونِ.

стр. 595

٧ - كتابُ العِدَد قالَ اللهُ تعالى: " والمطَلَّقاتُ يترَبَّصْنَ بأنْفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُروءٍ. . الآية ". وقال (تعالى): " يا أيُها الذينَ آمنوا إذا نكَحْتُمُ المُؤمناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُموهُنَّ مِنْ قبل أنْ تَمسُّوهُنَّ فما لكُمْ عليْهن مِنْ عِدَّةٍ تَعْتدونَها. . الآية ". قالَ الشافعيُّ: والمَسيسُ: هو الوَطءُ، وهو الجديد من مذهبِهِ، وحُجّةُ القديمِ: في وجوبِالعِدّةِ على المخلوِ بها: ما رواهُ البيهقيُّ من كتابِ سعيدِ بنِ منصور عن هُشَيْمٍ عن عَوْفٍ عن زُرارةَ بنِ أوفى قاضي البصرةِ، قالَ: " وقضاءُ الخلفاءِ الراشدينَ المَهْديين: أنّ مَنْ أغلقَ باباً أو أرخى سِتْراً، فقدْ وجبَ الصِّداقُ والعِدّةُ " (١). لكن قالَ البيهقيُّ: هو منقطعٌ. ورُويَ نحوهُ عن غيرِ واحدٍ من الصّحابةِ. وتقدّمَ روايةُ الشافعيّ من حديثِ مُسلمِ بنِ خالدٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن لَيْثٍ عن طاووسٍ عن ابنِ عبّاسٍ، أنهُ قالَ: في الرّجلِ يتزوّجُ المرأةَ فيخلو بها ولا يَمسُّها، ثمَّ يُطلِّقُها، ليسَ لها إلا نصفُ الصّداقِ، لأنّ اللهَ تعالى يقولُ: " وإنْ طَلِّقْتموهنَّ مِنْ قبلِ أنْ تَمَسّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لهُنَّ فريضةً فنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ " (٢). قالَ الشافعيُّ: بهذا أقولُ، وهو ظاهرُ الكتابِ. ورواهُ البيهقيُّ من حديثِ ابنِ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ (٣). قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا مالكٌ عن الزُّهري عن عُرْوةَ عن عائشةَ: " أنها انتقلتْ حفْصةَ

стр. 596

بنتَ عبدِ الرّحمن حينَ دخلتْ في الدمِ من الحيضةِ الثالثةِ، قالَ ابنُ شهاب: فذكرتُ ذلكَ لعمْرةَ، فقالتْ: صدَقَ عُرْوة، وقد جادَلتها في ذلك ناسٌ، وقالوا: إنّ الله يقولُ: " ثلاثةَ قروءٍ "، فقالتْ عائشةُ: صدَقْتُم، وهلْ تدرونَ، ما الأَقراءُ؟ الأطهارُ ". وبهِ قالَ الزُّهريُّ: سمعتُ أبا بكرِ بنَ عبدِ الرّحمنِ يقولُ: " ما أدركتُ أحداً مِن فقهائنا، إلا وهو يقولُ هذا، يريدُ الذي قالتْ عائشةُ " (٤). ثمَّ رَوى الشافعيُّ عن ابنِ عمرَ: مثلَ قولِ عائشةَ، قالَ: وهو مذهبُ جماعةٍ من التابعين. قالَ مالكٌ: وهو الأمرُ الذي أدركتُ عليهِ أهلَ الحديثِ. قالَ الشافعيُّ: وعلى ذلكَ يدلُّ الكتابُ، واللسانُ، ثمَّ شرعَ في تقريرِ ذلكَ. وأجادَهُ أبو عُبَيْدٍ القاسمُ بنُ سَلامٍ في كتابِ الغريبِ، وحكاهُ عن أبي عُبيْدةَ، وأنشدَ في ذلكَ: مُورِّثةً عِزّاً وفي الحيّ رفعةٌ... لما ضاعَ فيها مِن قروءِ نسائكا يعني: أنهُ أثرَ الغزوَ على القعودِ، فضاعتْ قروءُ نسائهِ بلا جماعٍ، فدلَّ على أنها الأقراءُ ". وقيلَ: إنَّ القُرْءَ: الحيضُ، لقولِهِ ﵇: " دَعي الصّلاةَ أيامَ أقرائِك " (٥). وقد أجابَ الشافعيُّ عن هذا بأنهُ مَرويٌّ بالمعنى من الحديثِ الآخرِ: " لتنظر الأيامَ واللياليَ التي كانتْ تحيضهنَّ من الشّهر، فتترك الصلاةَ " (٦)، وقيلَ: هي مشتركةٌ بينَ الحيضِ والأطهارِ، وقيلَ: القدرُ المشتركُ بينَهما. قالَ الثّوريُّ عن حمّادٍ والأعمشِ وعن منصورٍ عن إبراهيمَ عن عَلْقمةَ: " أنهُ طلّقَ امرأتَهُ تطليقةً أو تطليقتين، ثمّ حاضتْ حَيْضةً أو حيضتين، ثمَّ ارتفعَ حيضُها سبْعةَ عَشر

стр. 597

شهراً، أو ثمانيةَ عشرَ شهراً، ثمّ ماتتْ، فجاءَ ابنُ مسعودٍ، فسألهُ، فقالَ: حبس اللهُ عليكَ ميراثَها، فورَّثَهُ منها " (٧). هذا إسنادٌ صحيحٌ، وهو عمدةُ الشافعيّ في الجديدِ، أنهُ إذا انقطَع دمُها لغير عارضٍ وهي مِمّن تحيضُ، أنها تمكثُ إلى الإياسِ، ولهذا قالَ محمدُ بنُ سيرين: قالَ ابنُ مسعودٍ: " وعِدَّةُ المُطلّقةِ بالحيضِ، وإنْ طالتْ " (٨). وحجّةُ قولِهِ في القديمِ: ما رواهُ عن مالكٍ عن يحيى بنِ سعيدٍ، ويزيدَ بنِ عبد الله بنِ قُسيْطٍ عن ابنِ المسَيَّبِ، قالَ: قالَ عمرُ بنُ الخطابِ: " أيُّما امرأةٍ طُلِّقتْ، فحاضتْ حيضةً أو حَيْضتين، فإنْ بانَ حملٌ فذاكَ، وإلا اعتدَّتْ بعد التسعةِ بثلاثةِ أشهرٍ ثمّ حَلَّتْ " (٩). وهذا: صحيحٌ عن عمرَ، وقد تأوَّلَهُ في الجديدِ على امرأةٍ بلغتِ الإياسَ. قالَ ابنُ أبي شَيْبةَ: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ عن حبيبٍ المُعلِّم عن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ، قالَ: سُئلَ أبو الشَّعْثاءِ عن امرأة طُلِّقتْ بعدَما دخَلَ بها الزوجُ، وهي لا تحيضُ، فاعتدَّتْ شهرين وخمساً وعشرين ليلةً، ثمّ إنها حاضَتْ، قالَ: تعتدُّ بعد ذلكَ بثلاثةِ قروءٍ، كذلكَ قالَ ابنُ عبّاسٍ " (١٠). ورُوِّيناهُ عن الحسنِ، والشَّعبيّ. عن أبي عاصمٍ النَّبيلِ عن مُظاهرِ بنِ أسْلمَ عن القاسمِ عن عائشةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " طلاقُ الأمةِ: تطْليقتان، وقرؤها حَيْضتان " (١١)، رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجة، وهو حديثٌ ضعيفٌ، لحالِ مُظاهرِ بنِ أسلمَ، فإنهُ متروكُ الحديث، قالَ أبو

стр. 598

عاصمُ النبيلُ: ليسَ بالبصرةِ حديثُ أنكرُ من هذا، وكذا قالَ أبو حاتم الرّازِيُّ، وقالَ أبو داودَ: إسنادٌ، مجهولٌ، وقالَ الترمذيُّ: غريبٌ، لا نعرفُهُ مرفوعاً إلا من حديثِ مُظاهرِ وليسَ لهُ في العلمِ سوى هذا الحديثِ، وقالَ الدارَقُطنيُّ: الصحيحُ: أنهُ من قولِ القاسمِ، فإنهُ قيلَ لهُ: أبلغَكَ في هذا شيءٌ عن النبيِّ ﷺ ؟، فقالَ: لا ". ورواهُ ابنُ ماجة أيضاً من حديثِ عطيّةَ عن ابنِ عمرَ مرفوعاً " (١٢)، وعطيّةُ العَوْفيُّ: ضعيفٌ، وقالَ الدارَقُطنيُّ: الصحيحُ: ما رواهُ سالمٌ ونافعٌ عن ابنِ عمرَ قولِه. ورَوى الشافعيُّ عن عبدِ اللهِ بنِ عُتْبةَ عن عمرَ: أنهُ قالَ: " ينكحُ العبدُ امرأتين، ويُطلِّقُ تطليقتين، وتعتدُّ الأمةُ حيضتين، فإنْ لمْ تكنْ تحيضُ: فشهرين، أو شهر ونصف " (١٣). قالَ اللهُ: " وأولاتُ الأحمَالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ "، وهذا عامٌّ في المُطلَّقاتِ والمُتوفّى عنهُنَّ. عن سُبَيْعةَ: " أنها كانتْ تحْتَ سَعْدِ بنِ خَوْلةَ وهو (١٤) من بني عامرٍ بنِ لُؤيٍّ، وكانَ ممن شهدَ بَدراً، فتُوفّيَ عنها في حجّةِ الوَداعِ، وهي حاملٌ فلمْ تَنشَبْ أن وضعتْ حملَها بعدَ وفاتِهِ، فلما تعلَّتْ من نفاسِها تجمَّلَتْ للخُطّابِ، فدخلَ عليها أبو السَّنابلِ ابنُ بَعْكَك رجلٌ من بني عبدِ الدارِ، فقالَ لها: مالي أراكِ مُتَجمِّلةً، لعَلَّكِ ترجين النّكاحَ، واللهِ ما أنتِ بناكحٍ حتّى تمرَّ عليكِ أربعَة أشهرٍ وعَشْراً، قالتْ سُبَيْعَةُ: فلما قالَ لي ذلكَ، جمعْتُ عليَّ ثيابي حينَ أمسيتُ، فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فسألْتُهُ عن ذلكَ، فأفتاني بأنّي قدْ حَللْتُ حينَ وضَعْتُ حَمْلي، وأمرني بالتزوّجِ إنْ بَدا لي، قالَ ابنُ شِهابٍ: " ولا أرى بأساً أن تتزوّجَ حينَ وضعَتْ، وإنْ كانتْ في دمِها، غيرَ أنهُ لا يَقْربُها زوجُها حتّى تَطهُرَ " (١٥)، أخرجاهُ، ولفظهُ لمسلمٍ.

стр. 599

ولهما عن أبي سلَمةَ بنِ عبدِ الرّحمنِ عن أُمِّ سَلمةَ (١٦): مثلُهُ (١٧). عن عبدِ اللهِ الأسَديِّ عن عليٍّ: " أنهُ قالَ في امرأةِ المفقودِ: أنها لا تَتزوَّجُ " (١٨)، رواهُ الشافعيُّ، قالَ: وبهذا نقولُ، ثمَّ ذكرَ آية العدّةِ والميراثِ، وذكرَ حديث " الرّجلِ يُخَيّلُ إليهِ: أنه يجدُ الشيءَ في الصّلاةِ فقالَ: لا ينصرفُ حتّى يسمعَ صوتاً أو يجدَ ريحاً، ثمَّ قالَ: فيقينُ الطّهارةِ لا يُرفَعُ إلا بيقين الحدثِ، فكذلكَ هذهِ المرأةُ لها زوجٌ بيقينٍ، فلا نُزيلُهُ إلا بيقينِ موتٍ أو طلاقٍ، واحتجَّ في القديمِ بما رواهُ عن مالكٍ عن يحيى بنِ سعيد عن سعيدِ بنِ المسَيَّبِ: أنّ عمرَ بنَ الخطابِ قالَ: " أيّما امرأةٍ فقدَتْ زوْجها، فلمْ تدرِ أينَ هو، فإنها تنتظرُ أربعَ سنين، ثمّ تنتظرُ أربعة أشهر وعَشْراً " (١٩) رواهُ البيهقيُّ من حديثِ يونسَ عن الزُّهريّ عن سعيدٍ عن عمرَ: فذكرَهُ، وزادَ: " فإذا تزوّجَتْ فقدَم زوجُها الآخرُ، فهو أحقُّ بها، وإنْ دخلَ بها زوجُها الآخرُ، فالأوّلُ المفقودُ بالخيارِ بينَ امرأتِهِ والمَهْرِ، قالَ ابنُ شِهاب: وقَضى بذلكَ عثمانُ بعدَ عمرَ ". فلهذا قالَ الشافعيُّ: هذا كلُّهُ هو الثّابتُ عن عمرَ وعثمانَ، ومن قالَ بقولِ عمرَ في ذلكَ. ورَوى أبو عُبيْدٍ القاسمُ بنُ سَلامٍ عن هُشَيْمٍ عن سَيّارٍ أبو الحكم عن الشَّعبيّ عن عليٍّ في امرأةِ المفقودِ إذا قدمَ وقد تزوَّجَتْ امرأتُهُ، هي امرأتُهُ إن شاءَ طلَّقَ، وإنْ شاءَ أمسكَ " (٢٠). وحَملَ الشافعيُّ ما رُويَ عن عمرَ على امرأةٍ تضرَّرَتْ بذلكَ، وحالُ الضَّروراتِ غيرُ حالِ الاختيارِ.

стр. 600

عن أُمِّ حَبيبةَ، وزينبَ بنتِ جَحْشٍ أُمَّي المؤمنين: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا يحِلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثَلاثٍ، إلا على زوجٍ، أربعةَ أشهر وعَشراً " (٢١)، أخرجاهُ. عن أُمّ عَطيّةَ، واسمُها: نسيبةُ الأنصاريّةُ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " لا تُحدّ امرأةٌ على ميّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلا على زوجٍ أربعَة أشهرٍ وعَشراً، ولا تلبسْ ثَوباً مَصبوغاً إلا ثوبَ عَصْبٍ، ولا تكتحلْ، ولا تمسُّ طيباً إلا إذا طهرتْ نُبذةً من قُسْطٍ أو أظفارٍ " (٢٢)، أخرجاهُ. وعن أُمِّ سَلمةَ: قالَ ﵇: " المُتَوفّى عنها زوجُها، لا تلبسُ المُعَصْفَرَ من الثيابِ، ولا المُمَشَّقةَ، ولا الحُليَّ، ولا تختضبُ، ولا تكْتحِل " (٢٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ بإسنادٍ جيّدٍ، لكنْ قالَ البيهقيُّ: رُويَ موقوفاً عليها. وعنها، قالتْ: " دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ حينَ تُوفّيَ أبو سَلَمةَ، وقدْ جعلتُ على عينيَّ صبراً، قالَ: ما هذا يا أُمَّ سَلمَةَ؟ قلتُ: إنّما هو صَبرٌ يا رسولَ اللهِ، ليسَ فيهِ طيبٌ، قالَ: أنهُ يشبُّ الوجهَ، فلا تجعليهِ إلا بالليلِ وتَنزعيهِ بالنّهارِ، ولا تَمتشطي بالطيبِ، ولا بالحِنّاءِ، فإنهُ خِضابٌ، قلتُ: بأيِّ شيءٍ أمتشطُ؟، قالَ: بالسَّدرِ، تُغَلِّفينَ بهِ رأسَكِ " (٢٤)، رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وفي سندِهِ غرابةٌ، ولكنْ رواهُ الشافعيُّ عن مالكٍ: أنه بلغَهُ عن أُمِّ سَلَمة: فذكرَهُ. قالَ تعالَى: " لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيوتِهنَّ ولا يَخْرُجْنَ. . الآية ". عن جابرٍ، قالَ: " طُلِّقتْ خالتي فأرادتْ أن تَجدَ نخلَها فزجرَها رجلٌ أن تخرجَ،

стр. 601

فأتتْ النبيَّ ﷺ ، فقالَ: بلَى فجُدّي نخلكِ، فإنّكِ عسى أن تَصدّقي أو تفعلي معروفاً " (٢٥)، رواهُ مسلمٌ. قالَ الشافعيُّ: نخلُ الأنصارِ قريبٌ من منازلهمْ، والجُدادُ لا يكونُ إلا نهاراً. قلتُ: فيؤخَذُ منهُ أنّ المطلَّقةَ تخرجُ في حاجاتِها إذا كانتْ بَرْزةً، ووجبَ لها أو عليها، حقٌّ إذا كانَ نهاراً، فأمّا الليلُ: فقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄: " لا يصلحُ للمرأةِ أن تبيتَ ليلةً واحدةً إذا كانتْ في عدّةِ وفاةٍ أو طلاقٍ إلا في بيتها " (٢٦)، رواهُ الشافعيُّ بإسنادٍ: قوي، رجالُهُ ثِقاتٌ. قالَ اللهُ: " أسْكِنوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكنْتُم منْ وُجْدِكُمْ ولا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضيّقوا علَيْهنَّ ". قالَ الشافعيُّ: أخبرنا مالكٌ عن سعيدِ بنِ إسحاقَ بنِ كَعْبِ بنِ عُجْرةَ عن عمَّتِهِ زينبَ بنتِ كعْبٍ عن فُرَيْعةَ بنتِ مالكٍ بنِ سِنان، وهي أختُ أبي سعيدٍ أنها جاءتْ رسولَ اللهِ ﷺ تسألهُ أن ترجعَ إلى أهلها في بني خُدْرةَ، وإنَّ زوجَها خرجَ في طلبِ أعْبُدٍ لهُ أبقوا حتّى إذا كانَ بطرفِ القدوم لحقهمْ فقتَلوهُ، قالتْ: فسألتُ رسولَ اللهِ ﷺ أنْ أرجعَ إلى أهلي، فإنّ زوجي لم يتركْ لي مَسكناً يملكُهُ، ولا نفقةً، قالتْ: فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : نعَمْ، قالتْ: فانصرفتُ حتّى إذا كنتُ في الحجْرةِ أو في المسجدِ ناداني أو أمرَ بي فنوديتُ لهُ، فقالَ: كيف قلتِ؟، قالتْ: فردَدْتُ عليهِ القصّةَ التي ذكرتُ لهُ من شأنِ زوجي، قال: " امْكُثي في بيتِكِ حتّى يبلغَ الكتابُ أجَلهُ، قالتْ: فاعتدَدْتُ فيهِ أربعةَ أشهرٍ وعَشْراً، قالتْ: فلما كانَ عثمانُ أرسلَ إليَّ، فسألني عن ذلكَ، فأخبرتُهُ، فاتَّبعَهُ وقَضى بهِ " (٢٧). ورواهُ أحمدُ، وأهلُ السّننِ: وهذا لفظُ الترمذيِّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ، وليسَ عند

стр. 602

النّسائي ذكرُ عثمانَ. ففيهِ: أنّ العدّةَ تجبُ في المنزلِ الذي وجبَتْ فيهِ، فأمّا دلالتُهُ على وجوبِ السّكنى على الميّت لتركته (٢٨)، ففيهِ نظرٌ. عن هشامِ بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ، قالَ: " لفدْ عابَتْ ذلكَ عائشةُ أشدَّ العيبِ يَعني - حديثَ فاطمةَ بنتِ قيس، وقالتْ: إنّ فاطمةَ كانتْ في مكانٍ وحشٍ، فخيفَ على ناحيتها، فلذلكَ أرخصَ لها النبيُّ ﷺ " (٢٩)، رواهُ أبو داود، وعلّقهُ البخاريُّ عن ابن أبي الزناد. ورَوى الشافعيُّ عن إبراهيمَ عن عمرِو بنِ مَيْمونَ عن أبيهِ عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، أنهُ قالَ: " فتَنَتْ فاطمةُ الناسَ، كانت للسانِها ذرابةٌ، فاستطالتْ على أحمائها، فأمرَها رسولُ اللهِ ﷺ أن تعتدَّ في بيتِ ابنِ أُمِّ مكتومٍ " (٣٠). وعن ابنِ عبّاسٍ، في قولِهِ: " ولا يَخْرُجْن إلا أنْ يأتينَ بفاحشةٍ مُبَيّنةٍ "، قالَ: " أنْ تبدوَ على أهلِ زوجِها، فإذا بذَتْ، فقدْ حلَّ إخراجُها " (٣١)، رواهُ الشافعيُّ. قال الشافعيُّ: فعائشةُ، ومرْوانُ، وسعيدُ بنُ المسيّبِ يعرفون أنّ حديثَ فاطمةَ في أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرها أن تَعْتدَّ عندَ ابنِ أمِّ مكتومٍ كما حدّثَتْ، ويذهبون إلى أنّ ذلكَ كانَ للشرِّ، ويزيدُ ابنُ المُسيّبِ حين استطالتها على أحمائها، ويكرهُ لها ابنُ المُسيَّب وغيرهُ أنها كتَمتْ في حديثِها السَّببَ خوفاً أن يسمعَ ذلكَ سامعٌ فيرى أنّ المبتوتةَ تعتدُّ حيثُ شاءَتْ. قلتُ: وسيأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى حديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ هذا على وجهِهِ في بابِ نفقةِ الزّوجاتِ.

стр. 603

قال الشافعيُّ: أخبرنا مالكٌ عن ابنِ شهابٍ عن ابنِ المُسيَّب، وسُليمانَ بنِ يَسارٍ: أنّ عمرَ قالَ: " أيّما امرأةٍ نكحَتْ في عدَّتِها، فإن كان زوجُها (٣٢) الذي تزوَّجها لمْ يدخلْ بِها، فُرّقَ بينَهما، ثمَّ اعتدَّتْ بقيّة عدّتِها من زوجِها الأوّلِ، وكانَ خاطباً من الخُطَّابِ، وإن كانَ دخَلَ بها فُرِّقَ بينَهما، ثمَّ اعتدّتْ بقيّةَ عدّتِها من زوجِها الأوّل، ثمَّ اعتدّتْ مِن الآخرِ، ثمّ لمْ ينكِحْها أبداً، قالَ سعيدٌ: ولها مَهْرُها بما اشتمل منها (٣٣)، هذا: إسنادٌ صحيحٌ عن عمرَ. وقولُهُ: " لمْ ينكِحْها أبداً "، قالَ البيهقيُّ: قد كانَ الشافعيُّ يقولُ بهِ في القديمِ، ثمَّ رجعَ عنهُ كما رواهُ الثّوريُّ عن أشعثَ عن الشَّعْبي عن مسروقٍ: " أنّ عمرَ رجعَ عن ذلكَ، وجعلَ لها مَهْرَها، وجعلَهما يجتمعان " (٣٤). ورَوي الشافعيُّ عن عليٍّ: مثلَ ذلكَ، وقالَ في الجديدِ: بقولِ عليٍّ نقولُ، يكونُ خاطباً من الخطّابِ.

стр. 604

١ - بابُ: الاسْتبراءِ عن أبي الدَّرْداءِ عن النبيِّ ﷺ : " أنه أتى على امرأةٍ مُجحٍ على بابِ فُسطاطٍ، فقالَ: لعلَّهُ يُريدُ أن يُلمَّ بها؟، قالوا: نعمْ، قالَ: لقدْ هممْتُ أنْ ألعنَهُ لعْنةً تدخلُ معَهُ قبرَهُ، كيفَ يُورِّثُهُ وهو لا يحلُّ لهُ، كيفَ يستخدمُهُ وهو لا يحلُّ لهُ " (١)، رواهُ مُسلمٌ. وعن رُوَيْفع بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " لا يحلُّ لامرئٍ يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر أن يسقيَ ماءَهُ زرعَ غيرهِ يعْني - إتيانَ الحُبالى، ولا يحلُّ لامرئٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن يقعَ على امرأةٍ من السَّبي حتّى يستبرئَها. . الحديث " (٢)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، بإسنادٍ صحيح. وللترمذيِّ من وجهٍ آخرَ أوّلهُ، قالَ: وهو: حديثٌ حسنٌ، وقد رُويَ من غير وجهٍ على رُويفعٍ، وفي البابِ عن أبي الدّرداءِ، وابنِ عباسٍ، والعرباضِ بنِ سارية، وأبي سعيدٍ الخُدْريِّ. وللإمامِ أحمدَ في لفظٍ: " ولا يَنكح ثيِّباً من السَّبي حتّى تحيضَ " (٣). ولأبي داودَ: " حتّى يستبْرِئها بحيضةٍ " (٤)، ثمَّ قالَ: وليستْ محفوظةً، وهي وهمٌ من أبي معاويةَ. ولأحمدَ أيضاً عن رُويْفع: " نهى رسولُ اللهِ ﷺ أن تُوطأ الأمةُ حتّى تحيضَ وعن الحُبالى حتّى يَضعنَ ما في بطونهنَّ " (٥).

стр. 605

عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ رفعهُ أنه قالَ في سَبايا أوطاسٍ: " لا تُوطأ حاملٌ حتى تضعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتّى تحيضَ حيضةً " (٦)، رواهُ أبو داودَ من حديثِ شَريك ابنِ عبدِ الله القاضي، وفيهِ: كلامٌ، إلا أنّ الشافعيَّ ذكرهُ مُعلّقاً، وقالَ: هذا الحديثُ أصلُ الاستبراءِ. قلتُ: في عمومهِ دلالةٌ على استبراءِ الأبكارِ، واللهُ أعلمُ. وعن العرباضِ بنِ ساريةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حرَّم وَطْءَ السَّبايا حتّى يضعنَ ما في بطونِهنَّ " (٧)، رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ. قلتُ: وقدْ يدُلُّ المفهومُ من هذهِ الأحاديثِ على جوازِ الاستمتاعِ قبلَ الاستبراءِ، بدونِ الجماعِ كما هو المرويُّ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄.

стр. 606

٢ - بابُ: الرّضاعِ قالَ اللهُ: " والوَالدَاتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلينِ كاملَيْنِ لمَنْ أرادَ أنْ يُتمَّ الرّضاعةَ "، إلى قولِه " فإنْ أرادَا فِصَالاً عن تراضٍ مِنْهمَا وتشاوُرٍ فلا جُناحَ عليْهِما ". عن جابرِ بنِ عبد الله عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " لا رضاعَ بعدَ فِصالٍ، ولا يُتم بعدَ احتلامٍ " (١)، رواهُ أبو داودَ الطّيالسيُّ في مُسْندِهِ. وعن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إنما الرّضاعةُ من المجاعةِ " (٢)، أخرجاهُ، فدلَّ على أنّ الرّضاعةَ ليستْ مُعتبرةً شرعاً إلا فيما دونَ الحولين، فلا تُحرّم بعدَهما، ويؤيّدُ ذلكَ: ما رواهُ الترمذيُّ عن أُمِّ سَلمةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يُحرّمُ من الرّضاعةِ إلا فَتقَ الأمعاءَ في الثَّديِ، وكانَ قبلَ الفِطامِ " (٣)، ثمّ قالَ: هذا حديثٌ: حسن صحيحٌ. وأصرحُ من ذلكَ كلّهِ: ما رواهُ الدارَقُطنيّ من حديثِ الهَيْثمِ بنِ جميلٍ عن سفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ عن عمْرو بنِ دينارٍ عن ابنِ عباسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا رضاعَ ما كانَ في الحَولين " (٤)، ثمَّ قالَ: ولمْ يُسندْهُ عن ابنِ عُيَيْنة غيرُ الهيثمِ بنِ جميلٍ، وهو ثقةٌ حافظٌ.

стр. 607

قلتُ: رواهُ مالكٌ في المُوَطَّأ عن ثورِ بنِ زيدٍ عن ابنِ عباسٍ موقوفاً، وهو أصحُّ، وكذا رواهُ غيرُ ثورٍ عن ابنِ عباسٍ. عن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تُحرّمُ المصَّةُ ولا المصَّتانِ " (٥)، رواهُ مسلمٌ، وعنها، قالت: " كانَ فيما نزلَ من القرآنِ عَشرُ رَضعاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمنَ، ثمّ نُسخْنَ لخمسٍ معلوماتٍ، فتوفّيَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وهنّ فيما يقرأ من القرآن "، رواهُ مسلمٌ. عن عائشةَ: " أنّ أفلحَ أخا أبي القُعَيْسِ استأذنَ عليَّ بعد ما نزلَ الحجابُ، فقلتُ: واللهِ لا آذنُ لهُ حتى استأمرَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فإنّ أخا أبي القُعيْسِ ليسَ هو أرضعني، ولكنْ أرضَعتْني امرأةُ أبي القعيْسِ، فدخلَ عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ: إنّ الرّجلَ ليسَ هو أرضعني، ولكنْ أرضعتْني امرأتُهُ، فقالَ: ائذني لهُ، فإنهُ عمُّكِ، تَرِبَت يَمينُكِ، قالَ عُرْوةُ: فبذلكَ كانتْ عائشةُ تقولُ: حَرِّموا من الرّضاعةِ ما يحرمُ من النّسبِ " (٦)، أخرجاهُ. وعنها، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إنّ الرّضاعةَ تُحرّمُ ما تحرّمُ الوِلادةُ " (٧)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ: " يحرمُ مِنَ الرّضاعةِ ما يحرمُ مِن النَّسبِ " (٨).

стр. 608

٨ - كتابُ النَّفَقاتِ ١ - بابُ: نَفقةِ الزَّوجاتِ قالَ اللهُ تعالى: " الرّجالُ قَوامونَ على النِّساءِ بمَا فضَّلَ اللهُ بَعْضَعمْ على بعْضٍ وبمَا أنْفقُوا مِنْ أموالِهمْ ". عن جابرٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ذكرَ في خُطبتهِ في حجِّةَ الوَداعِ: فاتَّقوا اللهِ في النِّساءِ، فإنكم أخذْتموهُنَّ بأمانةِ اللهِ، واسْتحللْتُم فُروجهُنَّ بكلمةِ اللهِ، ولكمْ عليهنَّ أن لا يُوطِئنَ فُرُشَكمْ أحداً تكرهونَهُ، فإنْ فعَلْنَ ذلكَ فاضربوهُنَّ ضَرباً غشرَ مُبَرِّحٍ، ولهُنَّ عليكُمْ رزقُهنَّ وكِسوتُهنَّ بالمعروفِ " (١)، رواهُ مسلمٌ. عن حَكيم بنِ مُعاويةَ بنِ حَيْدةَ عن أبيهِ، قالَ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما حقُّ زوجِ أحدِنا عليهِ؟، قالَ: تُطعمُها إذا أكلْتَ، وتكسوها إذا اكتسيْتَ، ولا تضربِ الوجهَ، ولا تُقَبِّحْ، ولا تَهجُرْ إلا في البيتِ " (٢)، رواهُ أحمدُ وأبو دوادَ، وهذا لفظُهُ، والنسائيُّ، وابنُ ماجَة. قالَ الشافعيّ: دفعَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المجامعِ في رمضانَ عرقاً فيه خسمةَ عشرَ صاعاً ليُطعِمَهُ ستّين مسكيناً، وذلكَ لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ، وأمرَ في فِدْيةِ الأذى لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وهو مُدّان، فدلَّ على أنّ أقلَّ العيشِ مُدٌّ، وأوسعُهُ مُدّان، والتوسُّطُ ما بينَهما.

стр. 609

قلتُ: تقدّمَ (٣) هذان الحديثان اللذان أشارَ إليهما الإمام. كلٌّ منهما في بابِهِ. وتقدّمَ حديثُ " المسلمونَ على شروطهم " (٤)، فيُؤخذُ منه: جوازُ أخذِها العوضَ إذا رضيا بهِ. عن عمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يجوزُ لأمرأةٍ تصَرّفٌ في مالِها بعدَ أن ملَك الزّوجُ عِصْمتَها " (٥)، رواهُ أبو داودَ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة من طرقٍ إلى عمْرٍو، فهو: صحيحٌ عنه، وحديثُهُ حجّةٌ عندَ كثيرٍ من الأئمّةِ. فيُؤخذُ منهُ: أنهُ لا يجوزُ تصرّفُ المرأةِ في ما أخذتْ من الكسْوةِ وغيرِها إلا بإذنِ زوجِها. عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ: " إنّ زوجَها طلَّقها البتّةَ فأرسلَ إليها وكيلهُ بشعيرٍ فسخِطتْهُ، فجاءتْ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: ليسَ لكِ عليهِ نفقةٌ " (٦)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ: " ولا سُكْنى " (٧). استدَلَّ الشافعيُّ بهذا الحديثِ على عدمِ النّفقةِ للمبتوتةِ، وأمّا نفْيُ السّكنى، فقدْ تقدّمَ كلامُهُ في ردِّهِ، بإنكارِ عائشةَ، ومَرْوانَ، وسعيدِ بنِ المسيَّبِ، وغيرهم، ذلكَ على فاطمةَ، وإنّها إنّما سقطَتْ سُكناها بسببٍ، وأخذَ الشافعيُّ ومَنْ وافقَهُ بظاهرِ الآيةِ: " أسْكِنوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضارّوهُنَّ لِتُضيِّقُوا عليْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْل فأنْفِقُوا عليْهنَّ حّتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ". وقد احتجَّ عمرُ بنُ الخطابِ بهذهِ الآيةِ على ردّ حديثِ فاطمةَ، وخبرُهُ في صحيحِ (٨) مسلمٍ.

стр. 610

عن جابرٍ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " ليسَ للحاملِ المُتَوفّى عنها زوجُها نفقةٌ " (٩)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، من حديثِ حَرْبِ بنِ أبي العاليةِ، وهو مختلفٌ فيهِ، فوَثّقهُ القَواريريُّ، وابنُ مَعينٍ في روايةٍ، وضعَّفَهُ ابنُ معينٍ في أُخرى، وكذا أحمدُ بنُ حَنْبلٍ، وقد أخرجَ لهُ مسلمٌ في صحيحِه، والنسائيّ في سُننِهِ، لكنْ قالَ الشافعيُّ: لا أعلمُ مخالفةً في أنهُ لا تجبُ النَّفقة للمتوفّى عنها زوجُها، وأنهُ لا تجبُ كِسوتُها، وأمّا السّكنى، فلهُ فيها قولان، أحدهما: لا تجبُ لأنّ مالَهُ صارَ إلى الوارثِ، والثاني: أنها لها السّكنى لحديثِ الفُرَيْعةِ بنتِ مالكٍ، وقد تقدّمَ، قالَ الشافعيُّ: وليسَ فيهِ دلالةٌ، لأنها ذكرتْ أنّ البيتَ ليسَ لزوجِها، وليسَ فيهِ أنّ ذلكَ كانَ في تركةِ زوجِها. عن عمر، أنه كتبَ إلى أُمراءِ الأجنادِ في رجال غابوا عن نسائهمْ، فأمَرهُمْ أن يأخذوهُمْ يأن يُنفِقوا، أو يُطَلِّقوا، فإن طلَّقوا بعثوا بنفقةِ ما حَبسوا " (١٠)، رواهُ الشافعيّ بإسنادٍ: جيّدٍ. فدلَّ على أنّ ما مَضى من النفقةِ يكونُ ديناً في ذمةِ الرّجلِ، وإنّها تُخَيَّرُ إذا لمْ يُنفِقْ وقد صححهُ أبو حاتم الرّازيُّ، وقالَ: نحنُ نأخذُ بهذا في نفقةِ ما مَضى. ويُؤيدُهُ حديثُ أبي هريرةَ، قالَ: قالَ ﵇: " أفضلُ الصّدقةِ، ما كانَ عن ظهرِ غنىً، واليدُ العليا خيرٌ من السُّفى، وابدأ بمنْ تعولُ، تقولُ المرأةُ إمّا أن تُطعمني، وإمّا أن تُطلِّقني، ويقولُ العبدُ: أطعمني واستعملْني، ويقولُ الابنُ: أطعمني، إلى مَنْ تدَعُني، قالوا: يا أبا هريرةَ، سمعتَ هذا من رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: لا، هذا، من كيسِ أبي هريرةَ " (١١)، رواهُ البخاريُّ. وقد وقعَ في مسندِ أحمدَ ما يدُلُّ على رفعِ ذلكَ، والصحيحُ روايةُ البخاريِّ. وقال الشافعيُّ: أخبرنا سفيانُ عن أبي الزنادِ، قالَ: سألتُ سعيدَ بنَ المسيَّب عن

стр. 611

الرّجلِ لا يجدُ ما يُنفقُ على امرأتِهِ، قالَ: " يُفرَّقُ بينَهما، قلتُ: سُنةٌ؟، قالَ: سُنّةٌ " (١٢)، قالَ الشافعيُّ: والذي يُشبهُ قولَ سعيدٍ: سنّةٌ، أنْ تكونَ سنّة رسولِ اللهِ ﷺ .

стр. 612

٢ - بابُ: نفقةِ الأقاربِ، والرَّقيقِ، والبهائمِ عن عائشةَ، قالَ ﵇: " إنّ أطيبَ ما أكلْتُم مِن كسبِكمْ، وإن أولادَكُمْ مِن كسْبِكُمْ " (١)، رواهُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ. ورواهُ البيهقيُّ موقوفاً عليها، وفي روايةِ حمّاد بنِ أبي سليمانَ عن إبراهيمَ عن الأسودِ عن عائشةَ مرفوعاً: فذكرَهُ، وزاد: " إذا احتجم "، قال الثوريُّ: وَهِمَ حمّادُ في هذهِ الزّيادةِ، وقالَ أبو داودَ: مُنكرةٌ. قلتُ: وقد رُويَ هذا الحديثُ من طُرقٍ أُخر مُتعدِّدةٍ. وعن قيسِ بنِ أبي حازمٍ: "جاءَ رجلٌ إلى أبي بكرٍ الصّديق فقالَ: إنّ أبي يريدُ أن يأخذَ مالي كلّهُ فيحتاجَهُ؟، فقالَ: يعني. . لأبيهِ: إنّما لكَ من مالهِ ما يكفيكَ، فقالَ: يا خليفةَ رسولِ اللهِ، أليسَ قدْ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أنتَ ومالُكَ لأبيكَ؟، فقال: ارضِ منهُ بما رضيَ اللهُ " (٢)، رواهُ الحاكمُ، والبيهقيُّ، وقالَ: المنذرُ بنُ زيادٍ ليسَ بقويٍّ، وقدْ رواهُ غيرُهُ فقالَ: " نعمْ، وإنّما يعني بذلك النّفقةَ ". قالَ اللهُ تعالى: " وعلى المولودِ لهُ رِزْقُهنَّ وكِسوتُهُنَّ بالمَعروفِ ". عن عائشةَ: " جاءتْ هندُ بنتُ عُتْبةَ إلى النبيِّ ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ لا يُعطيني من النَّفقةِ ما يكفيني ويكفي بَنيَّ، فهل عليَّ جُناحٌ إنْ أخذْتُ من مالِهِ بغيرِ إذنِهِ؟، فقالَ: خُذي من مالِهِ، ما يكفيكِ ويكفي بَنيكِ " (٣) (٤)، أخرجاه.

стр. 613

وعن حَكيم بن حِزامٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اليدُ العليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى، وابدأ بمنْ تَعولُ " (٥)، أخرجاهُ. عن أبي هريرةَ: " أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالصَّدقةِ، فقالَ رجلٌ: عندي دينارٌ، قالَ: أنفقْهُ على نفسِكَ، قالَ: عندي آخرُ؟، قال: أنفقه على ولدك، قال: عندي آخر؟، قال: أنفقه على خادمك، قال: عندي آخرُ، قالَ: أنفقْهُ على زوجِكَ، قالَ: عندي آخرُ؟ قالَ: أنتَ أبْصرُ " (٦)، رواهُ النسائيُّ، والحاكمُ كذلكَ، وقد رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ، وقدَّمَ الولدَ على الزّوجة. وعن أبي هريرةَ، " جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ من أحقُّ بحسنِ صحابتي؟، قالَ: أُمُّكَ، قالَ: ثمَّ منْ؟، قالَ: أُمُّكَ، قالَ: ثمَّ مَنْ؟، قالَ: أُمُّكض، قالَ: ثمّ مَنْ؟، قالَ: ثمَّ أبوكَ " (٧)، أخرجهُ، ولفظهُ للبخاريّ، وزادَهُ مسلمٌ: " ثمّ أدناكَ ثمّ أدناكَ " (٨). عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: " أنهُ قالَ لقَهْرمانٍ لهُ: هلْ أعطيتَ الرّقيقَ قوتَهم؟ قالَ: لا، قالَ: فانْطلِقْ فأعطِهمْ، فإنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: كفى بالمرءِ إثماً أن يَحبسَ عمّنْ يملكُ قوتَهم " (٩)، رواهُ مسلمٌ. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: " للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلَّف من العمل إلا ما يطيق " (١٠)، رواه مسلم. وعن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " إذا أتى أحدَكم خادمُهُ بطعامِهِ، فإنْ لمْ يُجلسْهُ معَهُ، فلْيناولْهُ لُقْمة أو لُقْمتين أو أكلة أو أكلتين، فإنهُ وَلي حرَّهُ وعلاجَهُ " (١١)، أخرجاهُ، ولفظهُ للبخاريِّ.

стр. 614

ولمسلمٍ: " فلْيُقعدْهُ معَهُ، فإنْ كانَ الطعامُ مشفوهاً قليلاً، فليضعْ في يدِهِ منهُ أكلةً أو أكلتين " (١٢). عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " همْ أخوانُكُم وخولكُمْ، جعلَهم الله تحتَ أيديكُمْ، فمنْ كانَ أخوهُ تحتَ يدهِ فلْيُطعِمْهُ ممّا يأكلُ، وليُلْبسْهُ ممّا يَلبسُ، ولا تُكلّفوهُمْ ما يغلبهُم، فإنْ كلّفتوهُم فأعينوهُمْ " (١٣)، أخرجاهُ. عن أبي هريرةَ، قالَ ﵇: " في كلِّ كَبدٍ رَطْبةٍ أجرٌ " (١٤)، أخرجاه. عن ابن عمرَ، قال ﵇: " عُذِّبتْ امرأةٌ في هرّةٍ سجنتْها حتّى ماتتْ، فدخلتْ فيها النّارَ، لا هيَ أطعَمتْها وسَقتْها، ولا هي تركتها تأكلُ من خشاشِ الأرضِ " (١٥)، أخرجاهُ. ولهما عن أبي هريرةَ (١٦): نحوهُ. وقالَ ﵇ للأنصاريِّ: " إنّ هذا الجمل يشكو إليَّ أنكَ تُجيعُهُ وتُدْئِبُه " (١٧)، وأصلُ الحديثِ في صحيح مسلمٍ. عن سَهْل بنِ معاذٍ عن أبيهِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لا تتّخذوا الدّوابَ كراسيَ لأحاديثكُمْ في الطرقِ، فرُبَّ مركوبةٍ خيرٌ من راكبِها، وأكثرُ ذكراً للهِ منهُ " (١٨)، رواهُ أحمدُ، وفي سندِهِ: ابن لهيعةَ، وشيخُهُ: زبّان بنُ فائدٍ، وهما: ضعيفان، ولكن الحديثَ لفظُهُ عليهِ طِلاوةٌ تشهدُ بصدقِهِ.

стр. 615

وقالَ المُسيَّبُ بنُ دارمٍ: رأيتُ عمرَ يضربُ حمّالاً، ويقولُ: لِمَ حملتَ على حملكَ ما لا يُطيقُ "، رواهُ الخَلاّلُ في الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المنكرِ. عن الأعمشِ عن يعقوبَ بنِ بحير رجلٍ من الحيِّ، قالَ: سمعتُ ضِرارَ بنَ الأزورِ قالَ: " أهدينا لرسولِ اللهِ ﷺ نعجة فحلَبْتُها، فلما أخذتُ لأُجهِدَها، قالَ: لا تفعلْ، دعْ داعيَ اللَّبنِ " (١٩)، رواهُ أحمدُ في مُسندِه من طرقٍ عن الأعمشِ.
следующие страницы →