← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 646–685 · переход к 651.

стр. 646

عن عمرو بن شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّه: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى في العينِ العَوراءِ السّادةِ لمكانِها إذا طُمِستْ بثُلث ديتِها، وفي اليدِ الشّلاءِ إذا قُطِعتْ بثُلثِ ديتِها، وفي السّنِّ السَّوداءِ إذا نُزعتْ بثُلُث دِيتِها " (٣٤)، رواهُ النسائيُّ بتمامِهِ. ولأبي داودَ منهُ: " ذكرُ العينِ " (٣٥). فهذه حملهُ أصحابُنا على أنّ ذلكَ مقدارُ الحكومةِ. عن أبي جعفرٍ محمد بن عليٍّ، قالَ: " أقبلَ العبّاسُ بن عبد المطّلب، وعليهِ حُلّةٌ ولهُ ضَفيرتان، وهو أبيضُ يُضيءُ، فلما رآهُ رسولُ اللهِ ﷺ تبسَّمَ، فقالَ لهُ العبّاسُ: ما أضحككَ يا رسولَ اللهِ، أضحكَ اللهُ سِنَّكَ، قالَ: أعجبني جمالُكَ يا عمّ، فقالَ لهُ العباسُ: ما الجمالُ في الرّجلِ؟ قالَ: اللسانُ " (٣٦)، رواهُ الإمامُ أحمدُ عن موسى بنِ داودَ عن الحكمِ بنِ المُنذرِ عن عمرَ بن بشرٍ الخَثْعَميِّ عن أبي جعفرٍ، وهو: مُرْسَلٌ وغريبٌ ومعنى قولِهِ: اللسانُ أي: الفصاحةُ، فدلَّ على أنَّ الكلامَ من جمالِ الرّجلِ، ففيهِ الدّيةُ. واللهُ أعلمُ. عن عكرمةَ عن ابن عباسٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " الأسنانُ سواءٌ، الثَّنيَّةُ، والضّرسُ: سواءٌ " (٣٧)، رواهُ أبو داودَ، وابنُ ماجة. عن عمرو بنِ شُعيبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى في كلِّ أُصْبعٍ عشرٌ من الإبلِ، وفي كلِّ سنٍّ خَمْسٌ من الإبلِ، والأصابعُ: سواءٌ، والأسنانُ سواءٌ " (٣٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو دوادَ، وابن ماجة، والنسائيُّ.

стр. 647

عن ابنِ عبّاسٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " هذهِ وهذِهِ: سواءٌ، يعني - الخِنْصَرَ، والإبهامَ " (٣٩)، رواهُ البخاريُّ. وعن أبي موسى، قالَ: " قَضى رسولُ اللهِ ﷺ : أنّ الأصابعَ سَواءٌ، عَشراً، عشراً من الإبلِ " (٤٠)، رواهُ أحمد، وأبو داودَ، والنّسائيُّ، وهذا لفظُهُ. وعن عِكرمةَ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ ﵇: " في ديةِ الأصابعِ، اليدين، والرّجلين سواءٌ: عشرٌ من الإبلِ، لكلِّ أُصْبعٍ " (٤١)، رواهُ الترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. قالَ الشافعيُّ في العبدِ يُقْتلُ: قيمتُهُ بالغةً ما بلغَتْ، قالَ: وهذا يُروى عن عمرَ، وعليّ، ثمّ جعلَهُ قياساً على البعيرِ يُقْتلُ، والمَتاع يُستهلَك. ثمّ رَوى البيهقيُّ ذلكَ من حديثِ الحسنِ عن الأحنفِ بنِ قيسٍ عن عمرَ وعليٍّ: " في الحرِّ يَقْتلُ العبدَ، قالا: ثمنُهُ بالغاً ما بلَغَ " (٤٢). وهو قولُ سعيد بن المسيَّبِ، والحسنِ، والقاسمِ، وسالمٍ (٤٣). وغيرهم.

стр. 648

٧ - بابُ: العاقلةِ، وما تحملُهُ قال الشافعيُّ: لمْ أعلمْ مخالفاً: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى بالدّيةِ على العاقلةِ، وهو أكبرُ من حديثِ الخاصةِ. عن أبي هُريرةَ، قالَ: " اقتتلَتْ امرأتان من هُذيلٍ، فرمتْ إحداهُما الأخرى، بحجرٍ فقَتلتْها وما في بَطنِها، فاختصموا إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقضى أنّ ديةَ جنينها: غُرَّةُ عبدٍ، أو أمَةٍ، وقضى بديةِ المرأةِ على عاقِلتِها " (١)، أخرجاهُ. وهو ظاهرٌ في أنّ ديةَ عمدِ الخطأ على العاقلة. قالَ الزُّهريُّ: " مضَتِ السُّنةُ أنَّ العاقلةَ لا تحملُ شيئاً من دِيةِ العمْدِ، إلا أن يشاؤوا " (٢) رواهُ مالكٌ في المُوَطَّإ عنهُ. وعن الشَّعْبيِّ عن عمرَ، قالَ: " العمدُ، والعبدُ، والصُّلحُ، والاعترافُ، لا تعقلُهُ العاقِلةُ " (٣)، رواهُ الدارَقطنيُّ، وهو: منقطعٌ، ثمَّ فيهِ: عبد الملكِ بنُ حسينٍ - وهو ضعيفٌ، قالَ البيهقيُّ: وإنَّما المحفوظُ روايةُ أبي إدريس (٤) عن مُطرِّفٍ عن الشَّعْبيِّ قولهِ، ثمَّ رَوى عن ابنِ عبّاسٍ: مثلَ ذلكَ، وحكاهُ الإمامُ أحمد عنهُ. عن عبد الله بن عمر، قالَ: " بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ خالدَ بنَ الوليدِ إلى بني جُذَيْمةَ، فدعاهُم إلى الإسلامِ، فلمْ يُحسِنوا يقولونَ: أسلمنا، فجعلوا يقولونَ: صَبأْنا صَبأْنا،

стр. 649

فجعلَ خالدٌ يقتلهُمْ، فبلغَ ذلكَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فرفعَ يديْهِ، وقالَ: اللهُمَّ إني أبرأُ إليمَ ممّ صنعَ خالدٌ، وبعثَ علياً يُؤدي قَتْلاهُم، وما أتلفَ من أموالهم حتّى ميلغةِ الكلبِ " (٥)، رواهُ البخاريُّ بنحوهِ. يُستدَلُّ بهِ على أنّ ما يُتلفُهُ الإمامُ خطأ: أنهُ يكونُ في بيتِ المالِ، ويُحتَجُّ للقولِ الآخرِ بما رواهُ البيهقيُّ من حديثِ مَطَرِ الوَرَّاقِ عن الحسن البصْريِّ، قالَ: " أرسلَ عمرُ إلى امرأةٍ مغيبةٍ كان يُدخل عليها، فأنكرَ ذلكَ، فقيلَ لها: أجيبي عمرَ، قالتْ: يا وَيلها، ما لها ولعمرَ، فبينما هي في الطّريقِ ضربها الطَّلقُ، فدخلتْ داراً فألقتْ ولدَها، فصاحَ الصَّبيُّ صحتين وماتَ، فاستشار عمرُ الصَّحابة، فأشارَ عليهِ بعضُهم: أنْ ليسَ عليكَ شيءٌ، إنّما أنتَ والٍ ومُؤدِّبٌ، وقالَ: ما تقولُ يا عليُّ؟، فقالَ: إنْ كانوا قالوا برأيهمْ فقدْ أخطأُوا رأيَهُمْ، وإن كانوا قالوا في هَواكَ، فلمْ يَنْصَحوا إليكَ، أرى أنّ دِينَه عليكَ، لأنك أنتَ أفزعْتَها، وألقتْ ولدَها في سبيلِكَ، فأمرَ عليّاً أن يقسِمَ عقْلَهُ على قُريشٍ، فأخذ عقْلهُ من قريشٍ، لأنهُ أخطأ " (٦)، وهذا: منقطعٌ، لأنّ الحسنَ لمْ يُدركْ عمرَ بنَ الخطابِ. قال الربيعُ عن الشافعيِّ: أمّ الخطأُ فلا اختلافَ فيهِ لواحدٍ علمتهُ، في أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى فيهِ الدِّيةَ في ثلاث سنينَ، وذلكَ من يومِ موتِ القتيلِ ". هكذا أضافَ تأجيلَ الدِّية إلى النبيِّ ﷺ ، وقدْ أضافهُ في موضعٍ آخرَ من الرّسالةِ إلى قولِ العامّةِ، وكذا حَكى الإجماعَ على ذلكَ أبو عيسى الترمذيّ في جامعهِ. عن الشَّعبيِّ، قالَ: " جعلَ عمرُ بنُ الخطابِ الدِّيةَ في ثلاثِ سنينَ: وثُلُثي الدِّيةِ في سنتين، ونصفَ الدِّيةِ في سنتين، وثُلُثَ الدّيةِ في سنةٍ " (٧)، رواهُ البيهقيُّ، وهو منقطعٌ كما تقدّمَ.

стр. 650

ورُويَ موصولاً عن عمرَ من وجهٍ آخرَ، لكنْ فيه: الحسنُ بنُ عُمارة - وهو متروكٌ، ورُويَ من وجهٍ آخرَ منقطعٍ عن عليّ. عن أبي هريرةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى في جنينِ امرأةٍ من بني لحيان بغُرّة عبدٍ، أو أمةٍ، ثمَّ إنّ المرأة التي قضى عليها بالغُرةِ تُوفّيتْ، فقضى رسولُ اللهِ ﷺ أن ميراثها لبنيها وزوجها، وإنّ العقْلَ على عَصبتِها " (٨)، أخرجاهُ. وقدْ قاسَ أصحابُنا الأبَ على الابنِ بجامعِ ما يشتركان فيهِ، من أنّ كلَّ واحدٍ منهما غنيٌّ بمالِهِ، وإنما جُعِل تحمّلُ العاقلةِ للعَقْلِ تخفيفاً عن الجاني لئلا يذهبَ مالُهُ في الجنايةِ فوُزّعَ عليهم رفقاً بِه. عن جابرٍ، قالَ: " كتبَ رسولُ اللهِ ﷺ على كلِّ بطنٍ عقولَهُ " (٩)، رواهُ مسلمٌ. اسْتدلّوا بهِ على تقديمِ الأقربِ فالأقربِ من العصباتِ في القتلِ، وهو عامٌّ في العرب وغيرهم. تقدَّمَ حديثُ أبي رافعٍ: " موْلى القومِ من أنفسهم " (١٠)، فيُسْتدلُّ بهِ للوجهِ الذي حكاهُ المُصنِّفُ عن بعضِ الأصحابِ: أنَّ المولى من أسفلَ يعقلُ حيثُ جعلهُ من أنفسِ القومِ، فهو لعصَبتهِم، وهو: ضعيفٌ، لأنهُ لا يَلزمُ من كونِهِ من أنفسِهم أنْ يكونَ عصَبةً لهم، وقد قالَ ﵇: " ابنُ أختِ القومِ منهم " (١١)، وليسَ هو من العصبات بلا خلافٍ. قدْ تقدّمَ: أنَّ والدَ حُذيفةَ لما قُتِلَ يومَ أُحُدٍ ولمْ يعرفْ لهُ قاتلٌ أرادَ ﵇ أن يَدِيَهُ حتّى تصدّقَ حُذيفةُ بِديتهِ على المسلمين " (١٢)، ففيهِ دلالةٌ على أنهُ إذا لم تكنْ عاقلةٌ، إنهُ في بيتِ المالِ، وكذا حديثُ عبد اللهِ بن سَهْل لما قُتِلَ بخيبرَ، ولمْ يُعرَفْ

стр. 651

قاتلُهُ، فكرِهَ رسولُ اللهِ ﷺ أن يُطلَّ دمُهُ، فوداهُ بمائةٍ من إبلِ الصَّدقةِ " (١٣)، والحديثُ مبسوطٌ في الصّحيحين. عن عمرانَ بنِ حُصَيْنٍ: " أنّ غلاماً لأناسٍ فقراء قطعَ أُذُنَ غلامٍ لأناسٍ أغنياءَ، فأتى أهلُهُ النبيَّ ﷺ ، فقالو: يا رسولَ اللهِ: إنا أناسٌ فقراءُ، فلمْ يجعلْ عليهِ شيئاً " (١٤)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفْظُهُ، والنسائيُّ. استنبطَ أبو البركاتِ ابنُ تيميّة: أنّ ما تحملهُ العاقلةُ يسقطُ عنهم لفقرهم.

стр. 652

٨ - بابُ: كفارة القتل عن الغَريفِ بنِ الدَّيْلميِّ عن واثِلةَ بنِ الأسْقَعِ، قالَ: " أتينا رسولَ اللهِ ﷺ في صاحبٍ لنا أوجبَ يَعني - النارُ، بالقتلِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اعتقوا عنهُ، يَعتِق اللهُ بكلِّ عُضوٍ منهُ عُضواً منهُ من النّارِ " (١)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ. وعن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ عن عمرَ بنِ الخطابِ: " أنّ قيسَ بنَ عاصمٍ جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: إني وأدْتُ في الجاهليةِ ثمانيَ بناتٍ، فقالَ: اعتِقْ عن كلِّ واحدةٍ منهنّ نسمةٌ " (٢) رواهُ الحافظُ البيهقيُّ، وذلكَ ممّا اسْتُحسنَ الاستدلالُ بهِ على الكَفّارةِ عن قتلِ العَمْدِ. قالَ الشافعيُّ: وإذا وجبَتْ الكفَّارةُ في قتلِ الخطأ، فهي في العَمدِ بطريقِ الأولى. عن ليثٍ عن شَهْر بنِ حَوْشبٍ: " أنَّ عمرَ صاحَ بامرأةٍ فأسْقطتْ، فأعتقَ عمرُ غُرّةً " (٣)، رواهُ البيهقيُّ، وقالَ: هذا منقطعٌ، قلتُ: وضعيفٌ. عن مُجاهدٍ، قالَ: مَسَحتِ امرأةٌ بطنَ حاملٍ، فأسقطتْ جنيناً، فرُفع ذلكَ إلى عمرَ بنِ الخطابِ، فأمرها أنْ تُكفّرَ بعتقِ رَقبةٍ " (٤)، ذكرَهُ ابنُ حَزْمٍ في المُحَلى. قالَ اللهُ تعالى: " ومَنْ قَتلَ مُؤمناً خَطأً فتحريرُ رَقَبةٍ مُؤمنةٍ. . الآية "، ولمْ يُذكرْ فيها الإطعامُ، فلهذا ذهبَ الشافعيُّ في أحدِ قوليهِ إلى أنهُ ليسَ في كَفّارةِ القتلِ إطعامٌ،

стр. 653

ووجّهَ بعضُهم القولَ الآخرَ، بأنهُ وإنْ لمْ يُذكرْ في هذهِ الآية، فإنهُ مذكورٌ في آيةِ الظّهارِ، وكما حُمِلَ مطلَقُ تلكَ على مُقيّدِ هذهِ في إيمانِ الرّقبةِ، فكذا ينبغي أن يُحمَلَ ما يُبدلُ عنهُ في هذهِ على المذكورِ في تلكَ.

стр. 654

٩ - بابُ: قتالِ أهلِ البَغْي عن عَرْفجةَ بنِ شُريْحٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " إنهُ ستكونُ هناتٌ، وهناتٌ، فمنْ أرادَ أن يُفرِّقَ أمرَ هذه الأمّةِ وهي جميعٌ، فاضربوهُ بالسيفِ كائناً مَنْ كانَ " (١). وفي لفظٍ: " فاقتلوهُ " (٢)، وفي لفظٍ: " مَنْ أتاكُمْ وأمرُكُمْ جميعٌ على رجلٍ واحدٍ يريدُ أنْ يشقَّ عَصاكُمْ، أو يُفرِّقَ جَماعتكُمْ، فاقتلوهُ " (٣)، رواهُ مسلمٌ بهذهِ الألفاظِ. عن ابنِ عبّاسٍ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " مَنْ رأى من أميري شيئاً يكرهُهُ فلْيصبرْ عليهِ، فإنهُ منْ فارقَ الجماعةَ شِبْراً فماتَ، ماتَ مِيتةً جاهليةً " (٥)، رواهُ البخاريُّ، وهذا لفظهُ، ومسلمٌ. قد عُلمَ بالتواترِ الضّروريِّ: أنَّ عليّاً ومعاويةَ لما كثرتْ بينَهما الحروبُ عَدلا إلى التحكيمِ في الخلافةِ، فأيُّهما اجتمعَتْ عليهِ الأمّةُ فهو الأميرُ على المسلمين عامّةً، ففوَّضَ عليٌّ إلى أبي موسى الأشْعريِّ، ومعاويةُ إلى عمرِو بنِ العاصِ، وكانَ مِن أمرهما ما هوَ مسبوطٌ في الصِّحاحِ، والمَغازي، والسِّير والتواريخِ، فلما حَكَّما في الخلافةِ خرجتِ الخوارجُ من جيشِ عليٍّ، وكفّروهُ، وكفّروا معاوية، قالوا: حكّمتُما في دينِ اللهِ الرّجال، ولا حُكمَ إلا لله، ثمَّ لما تفاقَم أمرُهُمْ، واشتدّتْ شَوْكتُهم بعثَ إليهم عليٌّ عبدَاللهِ بنَ عبّاسٍ فناظَرهُم في ذلكَ، فرجعَ منهم نحوٌ مِن أربعةِ آلافٍ وفاؤوا إلى

стр. 655

أمرِ اللهِ، واستمرَّ بقيّتُهمْ على مذهبِهِم القبيحِ، فهادَنَهُمْ عليٌّ على أن لا يَقْطعوا السّبيلَ، ولا يُفسِدوا في الأرضِ، فلما نقضوا العهودَ، وأفسَدوا في الأرضِ، وقتلوا النفسَ المحرَّمةَ، قاتلهم عليٌّ، ووجدَ فيهم العلامةَ التي كان رسولُ اللهِ ﷺ ذكرَها، وهو رجلٌ مُخْدَجٌ لهُ يدٌ مثلُ ثَدْي النّساءِ عليها شَعَراتٌ شَبيهٌ بسبالِ السِّنَّورِ، فحمدَ اللهَ عليٌّ على ذلكَ، واستبشرَ بذلكَ وبشّرَ المسلمين، وكلُّ هذا مسبوط في أحاديثَ يطولُ ذكرُها، أخرجاه في الصحيحين عن عليٍّ (٦)، وسَهْلِ بنِ سَعْدٍ (٧)، وأبي سعيدٍ الخُدْريِّ (٨)، وعندَ البخاريّ عن ابنِ عمرَ (٩)، وعندَ مسلمٍ عن أبي ذَرٍّ الغفاريِّ (١٠)، ورافعِ بنِ عَمْرو الغِفاريِّ (١١)، وجابرِ بنِ عبد الله (١٢). ورواه ابنُ ماجة والترمذيُّ وصحّحه عن ابنِ مسعودٍ (١٣). والنّسائيُّ عن أبي بَرْزةَ الأسلميِّ (١٤)، وغيرهم. وقاتلَ أبو بكرٍ الصّدّيق مانعي الزَّكاةِ (١٥)، كما ثبتَ عنهُ في الصّحيحين عن أنسٍ، بلْ هو متواترٌ عنهُ. قالَ الشافعيُّ: وقتالُهم على منعِ الزّكاةِ فقط، لا على الإشراكِ والرّدّةِ، تبيّن في مراجعةِ عمرَ أبا بكرٍ، ومخاطَبتهم جيوشَ أبي بكرٍ، وأشعارِ مَنْ قالَ الشعرَ منهم،

стр. 656

ومُخاطبتهم التي من بعدِ الإسارِ، فقالَ شاعرُهُمْ: ألا يا أصحابنا قبلَ نائرةِ الفجر... لعلَّ منايانا قريبٌ ولا نَدري أطعنا رسولَ اللهِ ما كانَ بيننا... فيا عجباً ما بالُ مُلْكِ أبي بكر فإنّ الذي سألوكم فمنَعْتُمُ... لكَالتمرِ أو أحْلى إليهمْ مِن التمرِ سنمعنهم ما كان فينا بقية... كرامٌ على العزاء في ساعة العسر قالَ الشافعيُّ: وقالوا لأبي بكرٍ بعدَ الإسارِ: ما كفرْنا بعدَ إيمانِنا، ولكنْ شَحَحْنا على أموالِنا، ومرادُ الشافعيِّ: أنهُ قاتلَ بعضَ العربِ على منعِ الزّكاةِ، وقدْ قاتلَ أصحابَ مُسَيْلمةَ على الرّدّة. عن مَرْوانَ بنِ الحكم، قالَ: " صرخَ صارخٌ لعليٍّ يومَ الجملِ: لا يُقْتَل مُدْبرٌ، ولا يُدَفّفْ على جَريحٍ، ومنْ أغلقَ بابهُ فهوَ آمنٌ، ومنْ ألقى السّلاحَ فهو آمنٌ " (١٦)، رواهُ الشافعيُّ وسعيدُ بنُ منصورٍ. وقالَ أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ حدَّثنا حفصُ بنُ غياثٍ عن جعفرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ، قالَ: " أمرَ عليٌّ مناديهِ فنادى يومَ البصرةِ: لا يُتبعْ مُدْبرٌ، ولا يُدَفَّفْ على جريحٍ، ولا يُقْتَلْ أسيرٌ، ومَنْ أغلقَ بابهُ فهوَ آمنٌ، ومَنْ ألقى سلاحَهُ فهو آمِنٌ، ولمْ يأخذْ من متاعِهِم شيئاً " (١٧)، وهذا: منقطعٌ، وهو: حسنٌ. وعن أبي أُمامةَ، قالَ: " شهدتُ صِفّينَ، فكانوا لا يُجيزونَ على جَريحٍ، ولا يقتلونَ مُوَلّياً، ولا يَسلبون قتيلاً " (١٨)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. فأمّا الحديثُ الذي تفرّد بهِ كَوْثَرُ بنُ حَكيمٍ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " يا ابنَ أُمِّ عبدٍ، أتدري كيفَ حكمُ اللهِ فيمن بَغى من هذهِ الأمّةِ؟، قالَ: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: لا يُجهز على جريحِها، ولا يُقْتل أسيرُها، ولا يُطلَب

стр. 657

هاربُها، ولا يُقْسم فَيْئُها " (١٩)، رواه الحفّاظ: أبو أحمد بن عَدي، والحاكمُ، والبيهقيُّ، وقالَ: كَوْثر: ضعيفٌ، وأنكرهُ ابنُ عَدِيٍّ من حديثِهِ، وقالَ الإمامُ أحمدُ: حدَّث بأحاديثَ بَواطيلَ، وضعَّفهُ غَيْرُهُ من الأئِمةِ. أمّا كراهيةُ قتلِ الرّجلِ من أهلِ العدلِ مَحْرَماً لهُ، فسيأتي دليلُهُ في بابِ قتالِ المشركين. عن أبي فاخِتةَ: " أنّ علياً أُتي بأسيرٍ يومَ صِفّين، فقالَ: لا تقتلني صَبْراً، فقالَ: لا أقتلُكَ صَبْراً، إني أخافُ اللهَ ربَّ العالمين، فخلّى سبيلَهُ، ثمّ قالَ: أفيكَ خيرٌ، أتبايعُ " (٢٠)، رواهُ الشافعيُّ عن ابنِ عُيَيْنةَ عن عمرو عن أبي فاخِتةَ، فذكرهُ، واسم أبي فاخِتةَ: سعيدُ بنُ علاقةَ. قالَ الزُّهريُّ: " أدركتْ الفتنةُ الأُولى في أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وكانتْ فيها دماءٌ، وأموالٌ، فلمْ يُقتصَّ فيها من دمٍ ولا مالٍ، ولا فرجٍ أُصيبَ بوجهِ التأويلِ، إلا أنْ يوجَدَ مالُ رجلٍ بعينِهِ، فيُدفعَ إلى صاحبِهِ " (٢١)، رواهُ الشافعيُّ، وهو ثابتٌ عن الزُّهري. وهو عامٌّ في أهلِ العدْلِ، والبَغْي، إنّ واحداً مِن الفريقين لا يَضمنُ للآخرِ شيئاً ممّا أتلفَهُ ". وقد رُويَ عن عليٍّ شيءٌ صريحٌ في ذلكَ، وهو الذي صحَّحه المصنّفُ من القولين، فيما إذا أتلفَ أهلُ البغي على أهلِ العدلِ، ويُحتجُّ للقولِ الآخرِ بعمومِ قولِه ﵇: " إنّ دماءَكم وأموالكمْ وأعراضكُمْ عليكم حَرامٌ " (٢٢)، وبقصة ابن جناب لما قتلته (٢٣) الخوارجُ، فطالبَهم عليٌّ بدمِهِ، فقالوا: كيفَ نُقيدُكَ منهُ، وكلُّنا قَتلةٌ فقاتلهم عليٌّ كافّةً. وقد رُوِّينا عن الصّدّيقِ: " أنهُ ضمَّنَ مانعي الزّكاةِ ما أصابوا من المسلمينَ، ممّا

стр. 658

وُجدَ قائماً بعينِهِ، ولمْ يُضَمّنْ أصحابهُ لهُمْ شيئاً " (٢٤). عن أبي ذَرٍّ، قالَ: " أمَرني رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أسمعَ وأُطيعَ ولو لعبدٍ حَبشيٍّ مُجَدَّعِ الأطرافِ " (٢٥)، رواهُ مسلمٌ. واستدلَّ بهِ البيهقيُّ على أنّ الخوارجَ إذا أخذوا الزّكاةَ، وأقاموا الحدودَ، فإنها لا تُعادُ على أهلها. قلت: وكذا حكمُ الجزيةِ والخراجِ، فإنهُ يُعتدُّ بإخذِخم لها كما ذكرَ المصنِّفُ. عن أبي سعيدٍ، قالَ: " بينَما النبيُّ ﷺ يقسِمُ، جاء عبدُالله بن ذي الخويْصرةِ التَّميميُّ فقالَ: اعدلْ يا رسولَ اللهِ، فقالَ: ويلكَ، ومَن يعدلُ إذا لمْ أعدِلْ، قالَ عمرُ: دعْني أضربْ عُنقَهُ، قال: دعْهُ، فإنّ لهُ أصحاباً يَحقرُ أحدُكمْ صلاتَهُ معَ صلاتِهم، وصيامَهُ معَ صيامهم، يَمرُقون من الدّين كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرميَّةِ، ينظرُ إلى قُذَذِه فلا يوجدُ فيهِ شيءٌ، ثمّ ينظرُ إلى نصلِهِ فلا يوجدُ فيه شيءٌ، ثمَّ ينظرُ في رصافهِ فلا يوجدُ فيه شيءٌ، ثمّ ينظرُ في نَضِيِّهِ، فلا يوجدُ فيهِ شيءٌ، قد سبقَ الفَرْثَ والدَّمَ، آيتُهم رجلٌ إحدى يديهِ، أو قالَ: إحدى ثَدْيَييهِ مثلُ ثدْي المرأةِ، أو قالَ: مثلُ البضعةِ تَدَرْدَرُ، يخرجون على حين فرْقةٍ من الناسِ، قالَ أبو سعيدٍ: أشهدُ لسمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، وأشهدُ أنّ علياً قتلَهُمْ وأنا معَهُ، جيءَ بالرّجلِ على النَّعتِ الذي نعتَ النبيُّ ﷺ ، قالَ: فنزلتْ فيهم: " ومنْهُمْ مَنْ يَلمِزُكَ في الصَّدقاتِ " (٢٦)، أخرجاهُ، وهذا لفظُ البخاريِّ. ففيهِ دلالةٌ على أنهُ إذا أظهرَ قومٌ رأيَ الخوارجِ، ولمْ يُظهروا ذلكَ بقتالٍ، أنهُ لا يُتعرّضُ لهُم، وإنّهم إذا عَرَّضوا لسبِّ الإمامِ، ولمْ يُصرِّحوا لمْ يتعرَّضْ لهُمْ. وكذا رواه أبو القاسمِ البَغويُّ عن عليِّ بنِ الجَعْدِ عن شَريكٍ القاضي عن عِمرانَ ابنِ ظَبْيانَ عن أبي تحين، قالَ: " صلّى عليٌّ صلاةَ الفجرِ، فناداهُ رجلٌ مِن الخوارجِ:

стр. 659

(لئنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطنَّ عملُكَ ولتكُوننَّ مِن الخاسرينَ)، فأجابهُ عليٌّ في الصّلاةِ: (فاصْبرْ إنَّ وعْدَ اللهِ حقٌّ ولا يَستخِفَّنَّكَ الذينَ لا يُوقِنون) (٢٧). قالَ اللهُ: " وإنْ طائفتانِ مِنَ المؤمنينَ اقْتَتَلوا فأصْلِحوا بيْنَهمَا فإنْ بغَت إحْداهُما على الأخْرى فقَاتِلو الّتي تَبْغِي حتّى تفيءَ إلى أمرِ اللهِ. . الآية ". عن جُنْدبِ بنِ عبدِ الله البَجَليِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَن قُتِلَ تحتّ راية عميَّةٍ، يدعو إلى عَصَبيّةٍ، أو ينصرُ عصَبيّةً، فقِتْلتُهُ جاهليّةٌ " (٢٨)، رواهُ مُسلم. قالَ أبو داود حدثني موسى بن إسماعيل: حدثنا عِمران بنُ محمدِ بنِ سعيد بن المسَيَّب عن أبيهِ عن جدِّهِ، قالَ: " ضمَّنَ رسولُ اللهِ ﷺ كلَّ مُقْتِتلين اقتتَلا في قتالٍ حدَ بينهما إذا اعترقا، أو قامتْ البيِّنة " (٢٩)، هكذا: رواهُ في المراسيلِ، وعمرانُ هذا: وثّقةُ ابنُ حِبّان، وأبو محمدُ مشهودٌ، له غيرُ ما حديثٍ، ويُؤيِّدُ هذا المرْسَلَ حديثُ: " إنّ دماءكُم وأموالَكم، وأعراضَكم عليكم حرامٌ " (٣٠). عن ابنِ عمرَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " ما يمنعُ أحدَكم إذا جاءه من يريدُ قتلَهُ، أن يكونَ مثلَ ابني آدمَ، القاتلُ في النّارِ، والمقتولُ في الجنّةِ " (٣١)، رواهُ أحمدُ. وهذا في القتالِ في الفِتنةِ. كحديث أبي موسى: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ في الفتنة: " كَسِّروا فيها قِسيَّكُم، وقَطّعوا أوتارَكُمْ، واضرِبوا بسيوفكم الحجارةَ، فإنْ دخلَ على أحدِكُمْ بيته، فليكنْ كخيرِ ابني آدمَ " (٣٢)، رواهُ أحمدُ وأبو داودَ، والترمذيُّ، وابن ماجة.

стр. 660

عن ابنِ عمرو: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " مَنْ قُتِلَ دونَ مالهِ، فهو شهيدٌ " (٣٣)، أخرجاهُ. عن سعيدٍ بنِ زيدٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " مَنْ قُتِلَ دونَ دينهِ، فهو شهيدٌ، ومن قُتلَ دونَ دمِهِ، فهوَ شهبدٌ، ومنْ قُتلَ دونَ مالهِ فهو شهبدٌ، ومنْ قُتلَ دونَ أهلِهِ، فهو شهيدٌ " (٣٤)، رواهُ أبو داود، والترمذيُّ، وصحَّحهُ. وللشافعيّ منه: " مَنْ قُتِلَ دونَ مالِهِ، فهو شهيدٌ " (٣٥)، وإسنادُهُ صحيحٌ. عن أبي هريرةَ، قالَ: " جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: يا رسولَ اللهِ، إن جاءَ رجلٌ يريدُ أخذَ مالي؟، قالَ: فلا تُعطهِ مالَكَ، قالَ: إنْ قاتلني؟، قالَ: قاتلْهُ، قالَ: أرأيتَ إنْ قتلني؟، قالَ: أنتَ شهيدٌ، قالَ: أرأيتَ إنْ قتلْتُهُ؟، قالَ: هو في النّارِ " (٣٦)، رواهُ مسلمٌ. ورواهُ أحمدُ، ولفظُهُ: " قالَ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إنْ عَدَوا على مالي؟، قالَ: انشدِ اللهَ، قالَ: فإنْ أبوا عليَّ؟، قالَ: انشدِ اللهَ، قالَ: فإنْ أبوَا عليَّ؟، قالَ: قاتلْ، فإنْ قُتلتَ ففي الجنّةِ، وإنْ قتلتَ، ففي النَّارِ ". استدَلّوا به على: أنه لا يعدِلُ إلى أصعبِها. عن أبي هُريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لو أنَّ امرءاً اطّلَعَ عليكَ، بغيرِ إذنٍ، فحَذَفْتَهُ بحصَاةٍ ففقَأتَ عينَهُ، ما كانَ عليك جناحٌ " (٣٧)، أخرجاهُ. عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ: " أنَّ رجلاً عضَّ يدَ رجلٍ، فقالَ بيدِهِ هكذا، وانتزَعها من

стр. 661

فيهِ، فوقَعَتْ ثَنيّتاهُ، فاختصموا إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: يعضُّ أحدُكُمْ أخاهُ كما يعَضُّ الفَحلُ، لا ديةَ لكَ " (٣٨)، أخرجاهُ.

стр. 662

١٠ - بابُ: قتلِ المُرْتَدّ قالَ اللهُ: " منْ كفَرَ باللهِ مِنْ بعْدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكْرهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئنٌّ بالإيمانِ ولكِنْ مَنْ شَرَحَ بالكُفْرِ صدْراً فعلَيْهِمْ غضبٌ مِن اللهِ ولهُمْ عذابٌ عظيمٌ ". وقالَ تعالى: " إلاّ أنْ تَتَّقوا مِنْهُمْ تُقاةً "، وقالَ ابن جُرَيج: حدَّثني عطاءٌ عن ابنِ عبّاسٍ في هذهِ الآية، قالَ: التكلّمُ باللسانِ، والقلبُ مُطمئنٌّ بالإيمان " (١). عن أبي عُبيْدةَ بنِ محمدِ بنِ عَمّارِ بنِ ياسرٍ عن أبيهِ، قالَ: " أخذَ المشركون عمّارَ بنَ ياسرٍ، فلمْ يتركوهُ حتّى سبَّ النبيَّ ﷺ ، وذكرَ آلهتَهُمْ بخيرٍ، ثمّ تركوهُ، فلما أتى رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: ما وراءَكَ؟، قالَ: شرٌّ، يا رسولَ اللهِ، ما تُرِكتُ حتّى نلتُ منك، وذكرت آلهتهم بخيرٍ، قال: كيفَ تجدُ قلبكَ؟، قالَ: مُطمئناً بالإيمان، قالَ: إنْ عادو فعدْ " (٢)، رواهُ البيهقيُّ، بإسنادٍ صحيحٍ، وزادَ بعضهُم: وفي هذا أنزلتْ: " مَنْ كفَرَ باللهِ مِنْ بعْدِ إيمانِهِ. . الآية ". قالَ الشافعيُّ: أخبرنا سفيانُ - هو ابنُ عُيَيْنةَ، عن أيّوبَ عن عِكْرمةَ، قالَ: " أُتيَ عليٌّ بزنادقةٍ فأحرقَهُمْ، فبلغَ ذلكَ ابنَ عبّاسٍ، فقالَ: لو كنتُ أنا لمْ أُحرّقْهم لنهي رسولِ اللهِ ﷺ : لا تُعذّبوا بعذابِ الله، ولقَتلْتُهمْ، لقولِ رسولِ الله ﷺ : " مَنْ بدَّلَ دينَهُ فاقْتلوهُ " (٣)، رواهُ البخاريُّ عن عليِّ بنِ عبد الله (٤) عن سفيانَ: فذكرَهُ، واللفظُ لهُ.

стр. 663

عن أبي موسى: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعثَهُ إلى اليمنِ، ثمّ أتبعَهُ معاذَ بنَ جبلٍ، فلما قدمَ عليهِ ألقَة لهُ وسادةً، قالَ: انزلْ، وإذا رجلٌ عندهُ موثَقٌ، قالَ: ما هذا؟ قالَ: كانَ يهودياً فأسلمَ، ثمّ تهوَّدَ، قالَ: اجلسْ، قالَ: لا أجلسُ حتّى يُقْتلَ، قضاءُ اللهِ ورسولِهِ، ثلاثَ مراتٍ، فأمرَ بهِ فقُتِلَ، ثمّ تذاكرا قيامَ الليلِ. . الحديث " (٥)، أخرجاهُ. زادَ أبو داودَ بعدَ قولِهِ: " فقُتلَ، وكانَ قدْ اسْتُتيبَ قبلَ ذلكَ " (٦). وفي لفظٍ لهُ: " أنَّ أبا موسى كانَ قد استتابَهُ عشرين ليلةً ". قالَ الشافعيُّ: أخبرنا مالكٌ عن عبدِ الرّحمن بنِ محمدِ بنِ عبد الله بن عبدِ القاريِّ عن أبيهِ، قالَ: " قدمَ على عمر بنِ الخطابِ رجلٌ من قبلِ أبي موسى، فسألَهُ عن الناسِ، فأخبرَهُ، ثمَّ قالَ: هلْ فيكمْ مِن مُغَرِّبةِ خَبرٍ؟، قالَ: نعمْ، رجلٌ كفرَ بعدَ إسلامِهِ، قالَ: فما فعلْتُمْ بهِ؟، قالَ: قرَّبناهُ فضَربْنا عُنقَهُ، قالَ عمرُ: فهلاّ حبستموهُ ثلاثاً، وأطعمتموهُ كلَّ يومٍ رَغيفاً، واستتبتموهُ، لعلَّهُ يتوبُ أو يراجعَ أمرَ اللهِ، اللهمَّ: لمْ أحضرْ، ولمْ آمُرْ، ولمْ أرْضَ إذ بلغني " (٧). عن البَراءِ بن عازبٍ، قالَ: " لقيتُ خالي ومعَهُ الرايَةُ، فقلتُ: أينَ تريدُ؟، قالَ: بعثني رسولُ اللهِ ﷺ إلى رجلٍ تزوَّجَ امرأةَ أبيهِ من بعدِهِ، أنْ أضربَ عُنقَهُ، أو أقتلَهُ، وآخذَ مالهُ " (٨)، رواهُ أحمدُ، وهذا لفظُهُ، وأهلُ السّننِ، وقالَ الترمذيّ: حسنٌ غريبٌ. قلتُ: وقدْ ورَدَ هذا الحديثُ بألفاظٍ شَتّى، قدْ بسطْتُها في الأصلِ، والغرضُ منهُ: ما قالَ البيهقيُّ: أن الأصحابَ حَملوا ذلكَ أنهُ فعلَهُ مُسْتحِلاً، فارتدَّ بذلكَ. قالَ الشافعيُّ: " بعثَ معاويةُ إلى ابنِ عباسٍ، وزيدِ بن ثابتٍ يسألُهما عن ميراثِ

стр. 664

المُرتدِّ، فقالا: لبيتِ المالِ " (٩). قالَ الشافعيُّ: يعنيَان: أنهُ فيءٌ، قالَ الشافعيُّ: وقدْ كانت الردّةُ في زمانِ أبي بكرٍ، فلمْ يَبْلغْنا أنهُ خمَّس شيئاً من ذلكَ، واللهُ أعلمُ.

стр. 665

١١ - بابُ: قتال المشركين قالَ اللهُ: " وقَاتِلوهُمْ حتّى لا تكونَ فتْنَةٌ ويكونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله. . الآية ". وقالَ تعالى: " إنّ الذينَ تَوفَّاهُمْ المَلائِكَةُ ظَالمِي أنْفُسهِمْ قالُوا فيمَ كُنْتُمْ قالوا كُنَّا مُستضْعَفينَ في الأرضِ قالُوا ألمْ تَكنْ أرضُ اللهِ واسعَةً فتهاجِرُوا فيها فأولئكَ مأواهُمْ جَهَنّمُ وساءَتْ مَصيراً. إلا المستضعَفينَ مِنَ الرّجالِ والنّساءِ والوِلدانِ لا يستطيعونَ حيلةً ولا يَهتدونَ سبيلاً. فأُولئكَ عَسى اللهُ أنْ يَعفوَ عنهُمْ وكانَ اللهُ عفوَّاً غَفوراً ". عن جريرِ بنِ عبدِ الله: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " أنا بريءٌ من كلِّ مسلمٍ يُقيمُ بينَ أظهرِ المشركينَ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولمَ؟، قالَ: لا ترآى ناراهُما " (١)، رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. وعن سَمُرَةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ جامعَ المشركَ وسكنَ معَهُ، فهو مِثْلهُ " (٢)، رواهُ أبو داودَ. عن عبد الله بن السعدي: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لا تنقطع الهجرةُ ما قوتِلَ العَدُوُّ " (٣)، رواهُ أحمدُ، والنسائيُّ. عن عبّاسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لا هجرةَ بعد الفتحِ ولكنْ جهادٌ ونيّةٌ، وإذا استُنْفِرتُم فانْفِروا " (٤)، أخرجاهُ. وقالتْ عائشةُ: " لا هجرةَ اليومَ، كانَ المؤمنُ يفرُّ بدينِهِ إلى الله ورسولِهِ مخافةَ أن

стр. 666

يُفْتَنَ، أمّا اليومَ فقدْ أظهرَ اللهُ الإسلامَ، والمؤمنُ يعبدُ ربَّهُ حيثُ شاءَ " (٥)، رواه البخاريُّ. وعن أبي الدَّرداءِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ أقامَ الصلاةَ وآتى الزَّكاةَ، وماتَ لا يشركُ باللهِ شيئاً، كانَ حقاً على اللهِ أن يغفرَ لهُ، مُهاجراً أو ماتَ في مولدِهِ " (٦)، رواهُ النسائيُّ. ولأحمدَ عن مُعاذٍ (٧)، والترمذيِّ عن عُبادةَ (٨) مثلُهُ، وفي المسألةِ أحاديثُ كثيرةٌ وهذا القدرُ كافٍ، واللهُ أعلمُ. قالَ اللهُ تعالى: " كُتِبَ عَليْكُمْ القِتالُ وهوَ كُرْهٌ لكُمْ ". وقالَ: " وقَاتِلوا المشْركينَ كافّةً كَما يُقاتِلونكُم كافّةً ". عن أنسٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " جاهدوا المشركينَ بأموالكُمْ، وأنفسِكُمْ، وألسنتكمْ " (٩). وفي لفظٍ: " بألسنتِكُمْ، وأنفسِكُمْ، وأيديكُمْ " (١٠)، رواهُ أحمدُ، ولهُ اللَّفظانِ، وأبو داودَ، والنّسائيُّ. عن عِكْرمةَ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " إلا تَنْفِروا يُعَذّبْكمْ عذاباً أليماً " وَ " ما كان لأهلِ المدينةِ. . إلى قولهِ: يعملونَ "، نَسختْها الآيةُ التي تليها: " وما كانَ المؤمنونَ لِيَنْفِروا كافَّةً فلولا نفر من كلّ فرْقةٍ مِنْهمْ طائفةٌ. . الآية " (١١). كذا رواه أبو داود. وهذا يدلُّ على أنّ الجهادَ فرضُ كِفايةٍ.

стр. 667

قال تعالى: " يا أيّها الذينَ آمَنوا إذا لقيتُم الذينَ كفروا زَحفاً فلا تُولّوهم الأدبارَ. ومَنْ يُولّهمْ يومَئذٍ دُبُرهُ إلا مُتحرِّفاً لقتالٍ أو مُتَحيِّزاً إلى فئةٍ فقدْ باءَ بغضبٍ من اللهِ ومأواهُ جهنّمُ وبئسَ المصيرُ ". عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " اجتنبوا السبعَ الموبقاتِ، قالوا: وما هيَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: الشركُ باللهِ، والسحرُ، وقتلُ النفسِ التي حرّمَ اللهُ إلا بالحقِّ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والتّولّي يومَ الزّحفِ، وقذْفُ المحْصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ " (١٢) أخرجاهُ. فيه دلالةٌ على أنّ مَنْ حضر الصفَّ مِن أهل فرضِ الجهادِ أنهُ ينبغي عليه القتالُ. عن أبي ذَرٍّ، قالَ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟، قالَ: الإيمانُ باللهِ، والجهادُ في سبيلهِ " (١٣)، أخرجاهُ، في أحاديثَ كثيرةٍ في فضيلةِ الجهادِ، فَيُستحبُّ الإكثارُ منهُ تحصيلاً لثوابِهِ الجزيلِ، واقتداءاً برسولِهِ ﷺ فإنهُ كانَ كثير الغَزواتِ. روى مسلم في صحيحهِ عن بُريْدةَ بن الخصيبِ الأسْلميِّ، قالَ: " غزا رسولُ اللهِ ﷺ تسعَ عشرةَ غزْوةً، قاتل في ثمانٍ منهن " (١٤). وذكر محمدُ بن إسحاقَ بنِ يَاسرٍ المدنيُّ في كتابهِ السيرة: أن غزواتِهِ التي خرجَ فيها بنفسهِ كانتْ سَبْعاً وعشرين، وكانتْ بعوثُهُ وسراياه ثمانياً وثلاثين ". قلتُ: وكلُّ هذا في مدّة مقامِهِ بالمدينةِ، وهيَ عَشْرُ سنين، فإنّ الجهادَ لم يجبْ إلا بالمدينةِ، ولهذا كانَ أقل ما يجزي في السّنةِ مرّةً، ويُؤيّدُ ذلكَ أيضاً ما رواهُ أبو داودَ في المَراسيلِ بإسنادٍ صحيحٍ عن عبدِ الله بنِ كَعْبِ بنِ مالكٍ الأنصاريّ: " أنّ جيشاً من الأنصارِ كانوا بأرضِ فارسَ معَ أميرِهمْ، وكانَ عمرُ يعْقبُ الجيوشَ كلَّ عامٍ، فغفلَ عنهم عمرُ، فلما مرَّ الأجلُ قفَلَ أهلُ ذلكَ الثَّغرِ، فاشتدَّ عليهِ وأوعدهُمْ، وهمْ أصحابُ

стр. 668

رسولِ الله ﷺ ، فقالوا: يا عمر، إنّكَ شُغِلتَ عنّا وتركتَ فينا الذي أمر بهِ رسولُ اللهِ ﷺ من إعقابِ بعضِ الغزيّة بعضاً " (١٥): قالَ المصنف: وإن دعتِ الحاجةُ إلى تأخيرِهِ لضعفِ المسلمين أخَّرهُ، ودليلهُ ما يأتي: من حديثِ المُهادنةِ يومَ الحُديبيةِ، وتأخيرهم الحربَ عن قريشٍ عشرَ سنين. قالَ تعالى: " وقاتِلوا المُشركينَ كافَّةً كَمَا يُقاتِلونَكُمْ كافَّةً "، أي: قاتِلوا المشركين جميعكمْ على أصحِّ قولي المُفسّرين، خرجَ من ذلكَ المرأةُ إنْ قُلنا بدخولِها في جمعِ المذكّر لحديثِ عائشةَ، قالتْ: " استأذنتُ رسولَ اللهِ ﷺ في الجهادِ، فقالَ: جهادُكنّ الحجُّ " (١٦)، رواهُ البخاريّ. وأمّا العبدُ فإنهُ مستغرقٌ في خدمةِ مواليهِ، ولهذا لم يشهدْ سلمانُ الفارسيُّ شيئاً من الغزواتِ قبلَ الخندقِ، معَ تقدّمِ إسلامهِ عليه، لأنهُ شغَلهُ الرّقُّ، وأمّا الصبيُّ: فعن عبد الله بن عمر، قالَ: " عُرِضْتُ على النبيِّ ﷺ يومَ أُحدٍ، وأنا ابنُ أربعَ عشرةَ، فلمْ يُجزْني، وعُرِضتُ عليه يومَ الخندقِ وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ فأجازني " (١٧)، أخرجاه. وهكذا ردَّ رسولُ اللهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ جماعةً ممّن لمْ يحتلمْ، كأُسامةَ بنِ زيد، وأسيد ابن ظهير، والبراءِ بن عازبٍ، وزيد بن أرقمَ، وزيدِ بن ثابتٍ، وعبد الله بن عمرَ، وعرابةَ ابن أوْسٍ، وعمرو بن حَزْمٍ، ثمّ أجازهم يومَ الخندقِ. عن الربيِّعِ بنتِ مُعَوذٍ، قالتْ: " كنّا نغزو مع رسولِ اللهِ ﷺ فنسقي القومَ، ونخدمُهُمْ، ونردُّ الجَرحى والقتلى إلى المدينةِ " (١٨)، رواه البخاريُّ، فدلَّ على جواز حضورهن الحرب، وكذا الصبيان، فقد روى أبو داود عن جابر: " أنه شهدَ بدْراً " (١٩)،

стр. 669

ولهذا عدَّهُ البخاريُّ فيهم. " قيل لأنسٍ؟ أشهدتَ بدْراً؟ فقالَ: وأينَ أغيبُ؟، وشهدَ بعضُ العبيد خيبرَ، ورضَخ لهم من الغنيمةِ كما سيأتي. قالَ تعالى: " ليْسَ على الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرجِ حَرَجٌ ولا على المريضِ حَرَجٌ. . الآية ". وعن البراءِ، قالَ: " لما نزلت: " لا يسْتوي القاعِدون مِن المؤمنين "، دعا رسولُ اللهِ ﷺ زيد يعني ابن ثابتٍ فجاء بكتفٍ فكتبها، وشَكا ابنُ أمِّ مَكتومٍ، ضَرارَتَهُ، فنزلَتْ: " غيْرُ أُولي الضَّرَرِ " (٢٠)، أخرجاهُ، لفظُهُ للبخاري. قالَ تعالى: " ليْسَ على الضُّعفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الذينَ لا يجدونَ مَا يُنفقونَ حَرَجٌ إذا نَصَحوا لله ورَسولهِ ما عَلى المحسنينَ مِنْ سبيلٍ واللهُ غفورٌ رحيمٌ. ولا على الذينَ إذا ما أتوْكَ لِتَحملَهُمْ قلتَ لاأجدُ ما أحْمِلكُم عليْهِ تَوَلّوا وأعْيُنهمْ تَفيضُ مِنَ الدّمعِ حزناً ألا يجدوا ما يُنفقونَ ". ذكرَ أهلُ التفسيرِ والسّيرِ أنّ البكّائين كانو سبعةً، وهمْ: سالمُ بنُ عُميْرٍ، وعبدُالله ابنُ المغَفّل المُزَنيُّ، وأبو ليْلى: عبدُ الرحمنِ بنُ كعْبٍ، وعِرْباضُ بنُ ساريةَ، وعليةُ بن زيدٍ (٢١)، وعمرو بنُ الحمام، وهَرمي بنُ عبد الله ﵃. عن أنسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ في غَزاةٍ، فقالَ: إنّ أقواماً بالمدينةِ خلّفناهُمْ، ما سَلكنا شِعْباً ولا وادياً إلا وهمْ معنا حَبسَهُم العُذْرُ " (٢٢)، رواهُ البخاريُّ. ولمسلمٍ عن جابرٍ: مثلُهُ (٢٣)، وقالَ: " حَبسهُم المرضُ ".

стр. 670

عن عبد الله بن عَمْرو عن النبي ﷺ ، قالَ: " القتلُ في سبيلِ اللهِ، يُكَفِّرُ كلَّ شيءٍ إلا الديْن " (٢٤)، رواهُ مسلمٌ. ولهُ عن أبي قتادة (٢٥) نحوَهُ، وفي آخِرهِ: " كذاكَ قالَ جبريلُ ". ورواهُ أحمدُ عن أبي (٢٦) هريرةَ، ومحمدِ بنِ عبد الله (٢٧) بنِ جَحش، والترمذيُّ عن أنسٍ (٢٨). واستدلّوا بهِ على أنهُ لا يجاهدُ مَن عليهِ ديْنٌ إلا بإذنِ غريمِهِ. عن ابنِ مسعودٍ، قلتُ: " يا رسولَ اللهِ، أيُّ الأعمالِ أفضل؟، قالَ: الصلاةُ لوقتِها، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟، قالَ: بِرُّ الوالدين، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟، قالَ: الجهادُ في سبيلِ اللهِ " (٢٩)، أخرجاهُ. فقد قدّمَ برَّ الوالدين على الجهادِ، فلا يُجاهد إلا بإذْنِهما. وعن عبد اللهِ بنِ عَمْرٍو، قال: " جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ يسْتأذنُهُ في الجهادِ، قالَ: أحيٌّ والداك؟، قالَ: نعم، قالَ: ففيهما فجاهِدْ " (٣٠)، أخرجاهُ. عن أبي سعيدٍ: " أنّ رجلاً هاجرَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ من اليمنِ، فقالَ: هلْ لكَ أحدٌ باليمنِ؟، قالَ: أبوايَ، فقالَ: أذِنا لكَ؟، قالَ: لا، قالَ: ارجعْ إليهما فاستأذِنْهما، فإنْ أذِنا لكَ فجاهدْ، وإلا فبرَّهما " (٣١)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ حبّانَ في صحيحهِ والأحاديثُ في هذا كثيرةٌ.

стр. 671

قالَ تعالى: " وأطيعُوا الله وأطيعُوا الرسولَ وأُولي الأمْرِ مِنْكمْ. . الآية ". عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ ﵇: " مَنْ أطاعني فقدْ أطاعَ اللهَ، ومنْ يُطعِ الأميرَ فقدْ أطاعني، ومنْ يَعْصِ الأميرَ، فقد عصاني " (٣٢)، أخرجاهُ. عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " ما مِنْ أميرٍ يلي أُمورَ المسلمين، ثمّ لا يجتهدُ لهمْ إلا لمْ يدخلِ معهم الجنّة " (٣٣)، رواهُ مُسلمٌ فينبغي على الإمامِ أو نوّابِهِ من أُمراءِ الجيوشِ تعاهدُ الجندِ والرّجالِ قبلَ دخولِ بلادِ العدوِّ، فما لا يصلحُ منها للحربِ منعَ المسير معهُ، ولا يأذنُ في الحربِ لمُخذِّلٍ، ولا لمنْ يرجفُ بالمسلمين بالأخبار المكذوبةِ وإذاعةِ الأخبارِ التي يحصلُ بسماعِها وهْنٌ في قلوبِ الضّعفاءِ من الجندِ ونحوهِم، ولا يستعينُ في القتال بمشركٍ لما أخرجاهُ في الصّحيحين عن البراءِ بنِ عازبٍ، قالَ: " أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ مُقَنَّعٌ بالحديد، فقالَ: يا رسولَ الله: أقاتِلُ أمْ أُسلمُ؟، فقالَ: أسْلمْ ثُمّ قاتلْ، فأسلمَ ثمَّ قاتلَ، فقُتِلَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : عملَ عملاً قليلاً، وأُجرَ كثيراً " (٣٤)، ولفظُهُ للبخاريِّ. وعن عائشةَ، قالتْ: " خرجَ رسولُ اللهِ ﷺ قبلَ بدْرٍ، فلما كان بحرَّة الوَبرة أدركَهُ رجلٌ قد كانَ يُذكرُ منهُ جراءةٌ ونجدة، ففرحَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ جينَ رأوهُ، فلما أدركهُ قالَ لرسولِ الله: جئتُ لأتبعكَ وأصيب معك، فقالَ: تؤمنُ باللهِ ورسولِهِ؟، قالَ: لا، قالَ: فارجعْ، فلنْ أستعينَ بمشركٍ، وذكرتْ الحديثَ في ردّهِ لهُ ثلاثاً، فلما أسلمَ أذنَ لهُ " (٣٥)، رواهُ مسلمٌ. فأمّا إنْ كانَ في المسلمين قلّةٌ أو في حضورِ بعضِهم مصلحةٌ تعودُ عليه أو على المسلمين فيه بسببه، فلا بأس بذلكَ، لما رُويَ: أنهُ ﵇ استعانَ بنفرٍ من يهودِ بني قَيْنقاعٍ في بعضِ غزواتِهِ، وقد حضرَ يومَ حُنينٍ جماعةٌ من الطّلقاءِ من أهلِ مكةَ

стр. 672

ممّن لمْ يتمكّن الإيمانُ في قلوبِ بعضِهم، كما ذكرهُ موسى بنُ عُقْبة، وغيرُهُ، وشهدَها صفوانُ بنُ أُميّةَ وهو مشركٌ بعدُ، لكنّهُ كانَ حسن الرأيِ في المسلمين، لأنهُ لما قال أخوهُ لأمِّه كلدَةُ بن الحسلِ حينَ ولّى المسلمون مُدبرينَ: بطلَ السّحرُ اليومَ، قالَ لهُ صَفوانُ: اسكتْ، فواللهِ لئن يَرُبّني ملكٌ من قريشٍ أحبُّ إليَّ من أن يَرُبَّني ملكٌ من هوازن، ثمّ أسلمَ بعد ذلكَ، وحسُنَ إسلامُهُ. ويبدأُ بقتالِ مَنْ يليهِ من الكفّارِ، لقولِهِ تعالى: " قَاتِلوا الّذينَ يَلونَكُمْ مِنَ الكفَّارِ "، كما فعلَ الصّديقُ في قتالِ أهْلِ الرِّدّةِ، ومانعي الزّكاةِ، ثمّ يتصَدّى لقتال أهلِ الكتابِ والمجوسِ، والقِبْطِ، وغيرِهم من الأممِ. عن عبد اللهِ بنِ عوْنٍ، قالَ: كتبتُ إلى نافعٍ أسألُهُ عن الدّعاءِ قبلَ القتالِ، فكتبَ إليَّ: إنّما كانَ ذلكَ في أوّلِ الإسلامِ، قدْ أغارَ رسولُ اللهِ ﷺ على بني المُصْطلِق وهم غارّون، وأنعامُهم تُسقى على الماءِ، فقتلَ مُقاتلَهم وسبى سبْيهم، وأصابَ يومئذٍ جُوَيريةَ بنتَ الحارثِ، قالَ: وحدّثني عبدُالله بنُ عمرَ، وكان في ذلكَ الجيشِ " (٣٦)، أخرجاهُ. عن سُليمانَ بن بُريْدةَ عن أبيهِ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ ومنْ معهُ من المسلمين إذا أمَّر أميراً على جيشٍ أو سَريّةٍ، أوصاهُ في خاصّتهِ بتقوى اللهِ وبمنْ معهُ من المسلمين خيراً، ثمَّ قالَ: اغزوا بسمِ اللهِ في سبيلِ اللهِ، قاتلوا من كفرَ باللهِ، اغزوا ولا تغلّوا، ولا تغدِروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وَليداً، وإذا لقيتَ عدوَّكَ من المشركين، فادْعُهم إلى ثلاثِ خِصالٍ، أو خلالٍ، فأيّتهنَّ ما أجابوكَ، فاقبلْ منهم، وكفَّ عنهم، ثم ادعهُمْ إلى الإسلامِ، فإنْ أجابوكَ فاقبلْ منهم، وكفَّ عنهم، ثمّ ادعهم إلى التحوّلِ من دارِهم إلى دارِ المهاجرين، فإنْ أبوْا أن يتحوّلاو منها، فأخبرْهُم أنّهم إنْ فعلوا ذلكَ، فلهُم ما لِلمهاجرين، وعليْهم ما على المهاجرين، فإنْ أبوا أنْ يتحولوا منها، فأخبرْهُم: أنهم يكونون مثلَ أعرابِ المسلمين، يجري عليهم حكمُ اللهِ الذي يجري على المؤمنينَ،

стр. 673

ولا يكونُ لهم في الفيءِ إلا أن يُجاهدوا معَ المسلمين، فإنْ أبوْا فسلْهُم الجزيةَ، فإنْ هم أجابوكَ، فاقبلْ منهم وكفَّ عنهم، فإنْ أبوا فاستعِنْ باللهِ وقاتِلْهم، وإذا حاصرتَ أهلَ حِصْنٍ فأرادوكَ أنْ تجعلَ لهم ذمّةَ اللهِ وذمةَ نبيّهِ، فلا تجعلْ لهم ذمّةَ اللهِ ولا ذمةَ نبيّهِ، ولكنْ اجعلْ لهم ذمّتَكَ وذمّةَ أصحابِكَ، فإنكم إنْ تُخفروا ذمّتَكم وذممَ أصحابِكمْ أهونُ من أنْ تُخفِروا ذمَّةَ اللهِ وذمةَ رسولِهِ، وإذا حاصرتَ أهلَ حصْنٍ، فأرادوكَ أنْ تُنزِلهم على حكمِ اللهِ، فلا تُنزلهمْ على حكمِ اللهِ، ولكنْ أنزلهم على حكمِكَ، فإنّكَ لا تدري أتصيبُ حكمَ اللهِ لا " (٣٧)، رواهُ مسلمٌ. وفيهِ دلالةٌ على: أنهُ لا بدَّ من عرضِ الجزيةِ على أهلِ الكتابِ، وذلكَ لأنّ هؤلاءِ المذكورين في هذا الحديث، إنما همْ أهلُ كتابٍ، لأنّ آيةَ الجزيةِ إنما نزلتْ بعدَ انقضاءِ حربِ المشركين عبدَةِ الأوثانِ. عن الصعْبِ بنِ جَثّامَةَ: " سُئلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن أهلِ الدارِ من المشركين يُبيّتونَ فَيُصابُ مِنْ نسائِهم وذَراريهم، فقالَ: همْ منهم " (٣٨)، أخرجاهُ. عن ثَوْرِ بنِ يزيدَ عن مَكحولٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ نصبَ المجانيقَ على أهلِ الطائفِ " (٣٩)، رواهُ أبو داودَ في المَراسيلِ. وقد رواهُ الترمذيُّ مُرْسَلاً عن ثورٍ نفسهِ. ورواهُ أبو سعيدٍ بنُ الأعرابي من حديثِ أبي صادقٍ عن عليٍّ، ولمْ يُدركْهُ. ورواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ من حديث زيدِ بنِ أسْلمَ عن أبيهِ عن أبي عُبيدةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حاصرَ أهلَ الطائفِ، ونصبَ عليهم المنجنيق سبْعَة عشرَ يوماً ". وقد ذكر الشافعيُّ هذا الحديثَ مُعلّقاً.

стр. 674

عن ابنِ عمرَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قطعَ نخلَ بني النّضيرِ وحرَّقَ ولها يقولُ حسّان: وهانَ على سراةِ بني لُؤيٍّ... حريقٌ بالبُوَيْرةِ مستطيرٌ وفي ذلكَ نزلَتْ: " مَا قطعْتُمْ مِنْ لينةٍ أوْ تركْتُموها قائِمةً على أُصُولِهَا فبإذْنِ اللهِ ولِيُخْزِيَ الفاسقينَ " (٤٠)، أخرجاهُ. قالَ اللهُ: " وإنْ جَاهداكَ على أنْ تُشرِكَ بي مَا لَيْسَ لكَ بهِ عِلمٌ فلا تُطعْهُما وصَاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْروفاً ". وقدْ أمرَ الرّسولُ ﵇ بصلةِ الأرحامِ، فيُؤخذُ منهُ: أنّ الرجلَ يُكْرَهُ لهُ قتلُ أبيهِ أو ابنِهِ إذا كانَ معَ المشركين، ولكنْ يدعَهُ حتّى يليَ قتلَهُ غيرُهُ، ولهذا رَوى أهلُ السِّيرِ: أنهُ ﵇ زَجَر أبا حُذَيْفةَ يومَ بَدْر عن قتلِ أبيهِ؟ عبد الرحمن (٤١)، وزجَرَ أبا بكر يومَ أحُدٍ عن قتلِ ابنهِ عبد الرّحمن، فأمّا إنْ سمعَ منهُ مسبّاً لله أو رسولِه، فقد الجراحِ ينعتُ (٤٢) الآلهةَ لأبي عُبيْدةَ يومَ بدرٍ، وجعلَ أبو عُبيْدةَ يحيدُ عنهُ، فلما أكثرَ الجرّاحُ قصدَهُ أبو عُبيْدةَ فقتلَهُ، فأنزلَ اللهُ فيهِ هذهِ الآية: " لا تَجدُ قوماً يُؤمنون باللهِ واليوْمِ الآخرِ يُوادّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ ورَسولهُ ولَوْ كانوا آباءَهُمْ أوْ أبناءَهُمْ أوْ إخْوانَهُمْ أوْ عشيرَتهمْ أولئكَ كَتَبَ في قُلوبِهم الإيمانَ. . الآية " (٤٣)، وهذا: مُرْسلٌ على قولِ الأكثرين، فأمّا من زعمَ أنّ المرسلَ لا يكونُ إلا من التابعيِّ كما هو مذهبُ بعضِ المحَدّثين، فليسَ هو عندَهُ مُرْسلاً، لأنّ عبدَالله بنَ شَوْذب إنما يروي عن التابعين. وقالَ عبدُاللهِ بنُ المباركِ عن إسماعيلَ بنِ سميعٍ الحَنفيِّ عن مالكِ بنِ عُمَيْرٍ، وكانَ

стр. 675

قدْ أدركَ الجاهليةَ، قالَ: " جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالَ: إني لقيتُ العدوَّ ولقيتُ أبي فيهم، فسمعتُ لكَ منه مقالةً قبيحةً فلمْ أصبرْ حتّى طعنْتُهُ بالرمحِ أو حتّى قتلْتُهُ، فسكتَ عنهُ النبيُّ ﷺ ، ثمّ جاءَهُ آخرُ، فقالَ: إني لقيتُ أبي فتركْتُهُ، أحببتُ أنْ يليهِ غيري، فسكتَ عنهُ " (٤٤)، رواهُ البيهقيُّ من هذا الوجهِ، وقالَ: هذا مُرْسلٌ جيِّدٌ. وممّا يؤكدُ هذا المعنى: حديثُ أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " أما والذي نفسي بيدِهِ، لا يؤمنُ أحدُكمْ حتّى أكونَ أحبَّ إليهِ من والدِهِ وولدِهِ " (٤٥)، رواهُ البخاريُّ. وروى مسلمٌ عن أنسٍ: (٤٦) مثلهُ، وزادَ: " والناسِ أجمعين ". عن عبد اللهِ بنِ عمرَ: " نَهى رسولُ اللهِ ﷺ عن قتلِ النساءِ، والصِّبيانِ " (٤٧)، أخرجاهُ. وعن رَباح بن رَبيع: " أنّ النبيَّ ﷺ وقفَ على امرأةٍ مقتولةٍ، فقالَ: ما كانتْ هذهِ لتقاتلَ، ونَهى عن قتلِ الذّرّيةِ والعَسيفِ " (٤٨)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ ماجة. ولأحمدَ، وابنِ ماجة من حديثِ حَنْظلةَ بنِ الرّبيع الكاتبِ (٤٩)، وهو أخو الذي قبلَهُ: مثلُهُ. استدَلّوا بهذا الحديثِ على أنها إذا قاتلتْ فإنهُ يجوزُ قتلُها، وهو: حسنٌ. عن الحسنِ البَصْريِّ عن سَمُرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اقْتلوا شيوخَ المشركين، واسْتبقوا شَرْخَهم " (٥٠)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود، والترمذيُّ، وقال: حسنٌ

стр. 676

صحيحٌ غريبٌ. عن أنسٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " انْطلقوا بسم اللهِ، وباللهِ، وعلى ملّةِ رسولِ اللهِ، لا تقْتلوا شيخاً فانياً، ولا طِفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأةً، ولا تغُلّوا، وضُمّوا غنائمَكُمْ، وأحسنوا إنّ اللهَ يحبُّ المُحسنين " (٥١). عن ابن عباسٍ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا بعثَ جيوشَهُ، قالَ: " اخرجوا بسمِ اللهِ، وقاتلوا في سبيلِ اللهِ من كفرَ باللهِ، لا تَغْدروا، ولا تغُلوا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقْتلوا الوِلدانَ ولا أصحابَ الصّوامعِ " (٥٢)، رواهُ أحمدُ. عن عليٍّ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: " ذمّةُ المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهُمْ، وهمْ يدٌ على من سِواهُمْ، مَنْ أخفرَ مسلماً فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين، لا يقبلُ اللهُ منه يومَ القيامةِ عدْلاً ولا صَرفاً " (٥٣)، أخرجاهُ. وعن أُم هانئ بنتِ أبي طالبٍ: " أنها ذهبتْ إلى رسولِ اللهِ ﷺ يومَ الفتحِ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، زعمَ ابن أُمّي عليُّ بنُ أبي طالبٍ: أنهُ قاتلٌ رجلاً قدْ أجرتهُ، فلانَ بن هبيرةَ، فقالَ: قد أجرنا من أجرتِ يا أمّ هانئ " (٥٤)، أخرجاهُ. وعن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " إنّ المرأةَ لتأخذُ على القومِ، يعْني - تجيرُ على المسلمين " (٥٥)، رواهُ أحمدُ، والترمذيُّ، وهذا لفظُهُ، وقالَ: حسنٌ غريبٌ. وقد رُويَ هذا المعنى من حديثِ جماعةٍ من الصحابةِ من طرقٍ يشدُّ بعضُها بعضاً. فأمَّا أمانُ الصّبيِّ، ففي السيرةِ: أنَّ أبا سفيانَ بن حرْبٍ التمسَ من فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ أنْ تأمرَ ولدَها الحسنَ ليجيرَ بينَ الناسِ، وذلكَ حينَ نقضتْ قريشٌ صُلحَ

стр. 677

الحديبيةِ، فقالتْ لهُ: ما بلغَ بُنيّ ذلكَ، وما يُجير أحدٌ على رسولِ اللهِ ﷺ (٥٦). ثبتَ في صحيحِ البخاريِّ من حديثِ هشامِ بنِ عُرْوةَ: أنَّ أبا سفيان لما قدمَ بهِ العباسُ مُرْدفاً لهُ على بغلتِهِ ليلةَ الفتحِ، فعرضَ عليهِ رسولُ اللهِ ﷺ الإسلامَ، فتلَكَّأ قليلاً ثمَّ أسلمَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " منْ دخَل دارَ أبي سفيان فهو آمنٌ " (٥٧). فيُؤخذ منه أنّ منْ أمَّنهُ أسيرٌ قدْ أطلق باختيارِهِ، فهو آمنٌ، وإنَّ منْ أسلمَ من الكفّارِ في حصارٍ أو مضيقٍ، فإنهُ يحقِنُ دمَهُ، ومالَهُ، ويصونُ صغارَ أولادِهِ من السَّبي. عن عمرَ بن الخطابِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أُمرتُ أنْ أُقاتلَ الناسَ حتّى يقولوا: لا إله إلا اللهُ، فإذا قالوها عَصموا منّي دماءَهمْ وأموالهمْ إلا بحقِّها. . الحديث "، أخرجاهُ (٥٨). قالَ اللهُ تعالى: " وسَارِعوا إلى مغْفرَةٍ مِنْ ربِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلمُتّقينَ ". عن أنسٍ: " أنهُ ذكرَ قصَّةَ بدرٍ، قالَ: فدنا المشركونَ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " قوموا إلى جنّةٍ عَرْضُها السّماواتُ والأرضُ، قالَ: يقولُ عُميْرُ بنُ الحمامِ الأنصاريّ: يا رسولَ اللهِ، عَرْضُها السّماواتُ والأرضُ؟، فقالَ: نعمْ، فقالَ: بَخٍ بَخٍ، قالَ: ما يحملُكَ على قولِكَ بَخٍ بَخٍ، قالَ: لا واللهِ، يا رسولَ اللهِ، إلا رجاءَ أنْ أكونَ من أهلِها، قالَ: فإنكَ من أهلِها، قالَ: فأخرجَ تَمراتٍ من قرنِهِ فجعل يأكلُ منهن، ثمّ قالَ: لئنْ أنا حَييتُ حتّى آكلَ تَمراتي هذهِ، إنّها لحياةٌ طويلةٌ، قالَ: فرمى بما كان معَهُ من التمرِ، ثمَّ قاتلهمْ حتّى قُتِلَ " (٥٩)، رواهُ مسلمٌ. قالَ الشافعيُّ: قدْ بورزَ بينَ يدي رسولِ اللهِ ﷺ ، وحملَ رجلٌ من الأنصارِ (٦٠) على

стр. 678

جماعةٍ للمشركين يومَ بدرٍ بعدَ إعلامِ النبيِّ ﷺ إياه بما في ذلكَ من الخيرِ فقُتلَ. قلتُ: فأمّا قولُهُ تعالى: " وأنفِقُوا في سبيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بأيْديكُمْ إلى التَّهلكَةِ "، فإنّما نزَلتْ في النَّفقةِ في سبيلِ اللهِ كذا قاله ابن عباسٍ، كما رواهُ البخاريُّ عن حُذيفة (٦١). وقالَ أسلمُ أبو عِمْرانَ: " كنَّا بالقسطنطينية، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبةُ بنُ عامرٍ، وعلى أهلِ الشامِ رجلٌ، يريدُ: فضالةَ بنَ عُبيْدٍ، فخرجَ من المدينةِ صفٌّ عظيمٌ من الرّومِ فصَفَفْنا لهمْ، فحملَ رجلٌ من المسلمين على الرّومِ حتّى دخلَ فيهمْ ثمَّ خرجَ إلينا فصاحَ الناسُ إليهِ، فقالوا: سبحانَ اللهِ، ألقى بيدِهِ إلى التّهْلكةِ، فقالَ أبو أيوبَ: " يا أيّها الناسُ، إنكم تتأوَّلونَ هذهِ الآية على غيرِ التأويلِ، وإنما نزلتْ فينا مَعْشرَ الأنصارِ، إنا لما أعزَّ اللهُ دينَهُ وكثرَ ناصروهُ، قُلْنا في ما بينَنا: لو أقبلْنا على أموالِنا، فأصلَحْناها، فأنزلَ اللهُ هذهِ الآية ". رواهُ أبو داودَ (٦٢)، والنّسائيُّ، والترمذيُّ، بنحوهِ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. وعن ابنِ مسعودٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " عجبَ ربُّنا من رجلٍ غزا في سبيلِ اللهِ فانهزمَ أصحابُهُ، فعلمَ ما عليهِ فرجعَ حتّى أُهريقَ دمُهُ، يقولُ اللهُ لملائكتِهِ: انظروا إلى عَبْدي رجعَ رغبةً فيما عندي، وشفَقةً ممّا عندي، حتّى أهريقَ دمُهُ " (٦٣)، رواهُ أبو داودَ من حديثِ عطاءِ بنِ السّائبِ، ولا بأسَ بهِ، والأحاديثُ والآثارُ في هذا كثيرةٌ تدلُّ على جوازِ المبارزةِ لمن عرفَ من نفسِهِ بلاءً في الحربِ، وشدّةً وسَطوةً. عن جابرِ بنِ عتيك: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " إنّ مِن الغيرةِ ما يحبُّ اللهُ، ومن

стр. 679

الغيرةِ ما يُبغضُ اللهُ، وإنَّ من الخُيلاءِ ما يحبُّ الله، ومنها ما يُبغضُ اللهُ. . فذكرَ الحديثَ، وفيهِ: " والخُيلاءِ التي يحبُّ اللهُ، فاختيالُ الرجلِ بنفسِهِ عندَ القتالِ، واختيالُهُ عندَ الصّدقةِ، والخُيلاءُ التي يُبغضُ الله، فاختيال الرّجلِ في الفخرِ والبغي " (٦٤)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ. عن جابرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ يومَ الأحزابِ: مَنْ يأتيني بخبرِ القومِ؟، قالَ الزُّبيرُ: أنا، ثمَّ قالَ: مَنْ يأتيني بخبرِ القومِ؟، قالَ الزُّبيرُ: أنا، فقالَ النبيُّ ﷺ : إنّ لكلِّ نبيٍّ حَواريَّاً، وحَواريّي الزبيرُ " (٦٥)، أخرجاهُ. عن قيسِ بنِ عُبادٍ، قالَ: سمعتُ أبا ذرٍّ يُقسمُ قسَماً: أنّ هذهِ الآية: " هذانِ خصمانِ اختصَموا في رَبِّهمْ "، نزلتْ في الذين بَرزوا يومَ بدرٍ، حمزةَ وعليّ، وعُبيْدةَ، ﵃، وعُتْبةَ، وشَيْبةَ، والوليدِ بنِ عُتْبةَ لعَنهُم اللهُ " (٦٦)، أخرجاهُ. وللبخاريِّ عن عليٍّ: مثلهُ (٦٧). وفي صحيحِ مسلمٍ: " أنَّ مرحباً اليهوديَّ لما بارزَ يومَ خيبرَ، برزَ إليه عامرُ بنُ الأكوعِ، فذهبَ عامرٌ يسفلُ لهُ فرجعَ السيفُ في رُكبتِهِ فقتلهُ ﵀، ثمَّ انتدَب لمرحبٍ عليٌّ فقتلَ مَرْحباً لعنهُ اللهُ " (٦٨). وفي بعضِ المغازي: أنّ محمدَ بنَ مسْلمةَ هو الذي قتلَ مرْحباً، فاللهُ أعلمُ. وقد بارزَ عمْرو بن عبدِ ودٍّ يومَ الأحزابِ، فانتدب لهُ عليٌّ أيضاً حتّى قتلَهُ، فَيُستحَبُّ لمنْ عرفَ من نفسِهِ شجاعةً إذا بارزَ بطلٌ من أبطالِ المشركين أن يخرجَ إليه. عن عِكرمةَ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " لما نزَلتْ: " إنْ يكُنْ مِنْكُمْ عِشرونَ صابرُونَ

стр. 680

يَغْلبُوا مائَتين "، شقَّ ذلكَ على المسلمينَ حينَ فُرِضَ عليهم أنْ لا يَفرَّ واحدٌ من عَشَرةٍ، فجاءَ التَّخفيفُ، فقالَ: " الآن خفَّفَ اللهُ عنكُمْ وعَلِمَ أنَّ فيكُمْ ضَعْفاً فإنْ يكُنْ مِنْكُمْ مائةٌ صَابرةٌ يَغْلبوا مائتين "، قالَ: فلما خفَّفَ عنهم من العِدَّةِ نقصَ من الصّبرِ بقدرِ ما خُفِّفَ عنهُمْ " (٦٩)، رواهُ البخاريُّ. وقالَ الشافعيّ: أخبرنا سفيانُ بنُ عُييْنةَ عن ابنِ أبي نجيحٍ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " مَن فرَّ من ثلاثةٍ، فلمْ يفرّ، ومَن فرَّ من اثنينِ، فقدْ فرَّ " (٧٠)، ابنُ أبي نجيحٍ: لمْ يُدركْ ابنَ عباس (٧١). عن ابن عمرَ: " أنهُ كانَ في سَريّةٍ من سرايا رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: فحاصَ الناسُ حَيْصةً، وكنتُ فيمن حاصَ، فلما برزْنا قلنا كيفَ نصنعُ؟ وقدْ فرَرْنا من الزَّحفِ وبُؤنا بالغضبِ؟، فقلْنا: ندخلُ المدينةَ فنَتَثبّتُ فيها، فنذهبُ ولا يرانا أحدٌ، قالَ: فدخلْنا وقلْنا: لو عَرَضْنا أنفسَنا على رسولِ اللهِ ﷺ ، فإنْ كانتْ لنا توبةٌ أقمْنا، وإنْ كانَ غير ذلكَ ذهبْنا، قالَ: فجلسْنا لرسولِ اللهِ ﷺ قبلَ صلاةِ الفجرِ، فلما خرجَ قُمْنا إليهِ فقلْنا: نحنُ الفَرّارون، قال: لا، بلْ أنتُم العكارونَ، قالَ: فدنوْنا فقبَّلْنا يدَهُ، فقالَ: أنا فئة المسلمين " (٧٢)، رواهُ الشافعيُّ وأحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفظُهُ، والترمذيُّ، وقال: لا نعرفُهُ إلا من حديثِ يزيدَ بنِ أبي زيادٍ. حَاصَ، بالحاء والصّاد المهْملتينِ أي: حاروا، من قولِهِ: " ما لهم مِنْ مَحيصٍ "، أي مكانٍ يَحيصونَ إليهِ، وقد جاضَ الناسُ، بالجيمِ والضّادِ المُعْجمتَين، وكلاهما بمعنى واحدٍ، وهذهِ السّريةُ هي مُؤتةُ، كما جاءَ مُصرَّحاً بهِ في بعضِ الرّواياتِ، وقدْ كانَ العدوُّ كثيفاً جداً، كانوا قريباً من مائتي ألفٍ من الرّومِ، ونصارى العربِ، وكانَ

стр. 681

المسلمونَ نحواً من ثلاثةِ آلافٍ فقطْ، ولهذا لما انتهتْ الإمرةُ إلى خالدٍ وتقهقرَ بالجيشِ حتّى تخلّصَ منهم، سمّاهُ رسولُ اللهِ ﷺ فَتْحاً، فأخذوا منهُ استحبابَ الفِرارِ في مثلِ هذهِ الحالِ. عن أبي قتادةَ الحارثِ بنِ رِبْعي الأنصاريِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ قتلَ قَتيلاً لهُ عليهِ بيِّنةٌ، فلهُ سلبُهُ " (٧٣)، أخرجاهُ، وهو قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ. وعن أنسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " مَنْ تفرَّدَ بدمِ رجلٍ فقتلَهُ، فلَهُ سلبُهُ، قالَ: فجاءَ أبو طَلْحةَ بسلبِ أحَدٍ (٧٤) وعشرين رجلاً " (٧٥)، رواهُ أحمدُ، وهذا لفظُهُ، وأبو داودَ. عن عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، قالَ: " ابتدرَ معاذُ بنُ عمْرو بنِ الجموحِ، ومعاذُ بنُ عَفْراءَ أبا جهلٍ حتّى قَتلاهُ، ثمَّ انصرفا إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأخبراهُ، فقالَ: أيُّكما قَتَلهُ؟ قالَ كلُّ واحدٍ منهما: أنا قتَلْتُهُ، قالَ هلْ مَسَحْتُما سيفيكما؟، قالا: لا، فنظرَ في السَّيفينِ، فقالَ: كلاكُما قَتلَهُ، سَلَبُهُ لمعاذِ بنِ عَمْرِو بن الجموح " (٧٦)، أخرجاهُ. ولمْ يكونا أجهزا عليه، فإنّ عبدَاللهِ بنَ مسعودٍ هو الذي تمَّم عليهِ "، رواهُ البخاريُّ عنهُ (٧٧). فدلَّ أنّ مَنْ قتلَ قتيلاً، أو حبَسهُ عن القتالِ، أنهُ يستحقُّ السّلبَ، فأمّا إذا اشتركَ اثنان في قتلِهِ على السّواءِ، فقدْ رَوى الحسنُ عن سَمُرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ قتلَ، فلهُ السَّلبُ " (٧٨)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة. عن عوْفِ بنِ مالكٍ، قالَ: " خرجتُ معَ زيد بنِ حارثةَ في غزوةِ مؤتةَ، ورافقني

стр. 682

مَدَديٌّ من أهلِ اليمنِ، ليسَ معهُ غيرُ سيفِهِ، فنحر رجلٌ من المسلمين جزوراً، فسألهُ المدديُّ طائفةً من جلدِهِ، فأعطاهُ إيّاهُ فاتخذهُ كهيئةِ الدَّرقِ، ومضينا فلقينا جموعَ الرّومِ، وفيهم رجلٌ على فرسٍ لهُ أشقرُ عليهِ سَرجٌ مُذَهَّبٌ وسلاحٌ مذهّبٌ، فجعلَ الرّوميُّ يَغْري بالمسلمين، فقعدَ لهُ المدَديُّ خلفَ صخرةٍ، فمرَّ بهِ الرّوميُّ فعرقبَ فرسَهُ فخرَّ وعَلاهُ فقتلهُ، وحاز فرسَهُ وسلاحَهُ، فلما فتحَ اللهُ للمسلمين بعث إليه خالدُ بنُ الوليدِ فأخذ من السَّلب، قالَ عوْفٌ: فأتيْتُهُ فقلتُ: يا خالدُ، أما علمتَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى بالسَّلبِ للقاتلِ؟، قالَ: بلى، ولكنْ استكثرتُهُ، قلتُ: لترُدَّنه عليهِ أو لأعرفِّنكها عندَ قصّةِ المدَديِّ، وما فعلَ خالدٌ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ما حملَكَ على ما صَنَعْتَ؟، قالَ: يا رسول اللهِ استكثرتُهُ، فقالَ: رُدَّ عليهِ ما أخذتَ منهُ، قالَ عوف: فقلتُ: دونَكَ يا خالدُ، ألم أفِ لك؟، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : وما ذاكَ؟، فأخبرتُهُ، قالَ: فغضبَ، وقالَ: يا خالدُ، لا تردَّ عليهِ، هلْ أنتمْ تاركوا لي أُمرائي؟، لكُمْ صِفْوةُ أمرِهم، وعليهِم كَدَرُهُ " (٧٩)، كذا رواهُ أحمدُ، وهو في صحيحِ مسلمٍ بنحوِ هذا. وفيهِ دلالةٌ على أنّ الحُليّ والفرسَ ونحوَ ذلكَ من السَّلبِ، وهو الصحيحُ. ويؤيِّدُهُ أيضاً ما رواهُ البيهقيُّ: أنَّ عقيل بنَ أبي طالبٍ قتلَ رجلاً يومَ مُؤتةَ فأصابَ عليهِ خاتماً فيهِ فَصٌّ أحمر، فيهِ تمثالٌ، فأتى بهِ رسولَ اللهِ ﷺ فأخذهُ ونظرَ إليهِ، فقالَ: لو لمْ يكنْ فيهِ تمثالٌ، قالَ: فنفَّلهُ إياهُ، قال: فهو عندنا " (٨٠). وروى البيهقيُّ أيضاً: " أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ بارزَ هرمزَ ملكَ الفرسِ بكاظمةٍ، فقتلَهُ خالدٌ، فنفَّلَهُ أبو بكر سَلبهُ، وكانتْ قَلنْسوتُهُ بمائةِ ألفٍ " (٨١). عن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِه أو يُمجّسانِهِ. . الحديث " (٨٢)، أخرجاهُ.

стр. 683

استُدِلَّ بهِ على: أنهُ إذا أسرَ صغيراً ليسَ معهُ أحدٌ من أبويهِ، أنهُ يتبعُ السّابي في الإسلامِ. عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ: أنهمْ تحرّجوا من وطءِ سَبايا أوطاسٍ حتّى أنزلَ اللهُ: " والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ " (٨٣)، رواهُ مسلمٌ. قد عُلِمَ أنهُ ﵇ لما أسرَ يومَ بدرٍ من المشركين سبعينَ أسيراً قتلَ منهم صَبراً، عُقْبةَ بن أبي مُعَيْطٍ، والنّضر بنَ الحارثِ، وطُعَيْمةَ بنَ عَديّ، ومنَّ على أبي عَزَّةَ، فأطلقَهُ، وفادى بقيّةَ الأُسارى، بعدَ أن شاورَ أصحابَهُ فيهم، فأشارَ عمرُ بنُ الخطابِ بقتلِهم، وأشارَ الصّديقُ بمُفاداتِهمْ، فهوى رسولُ اللهِ ﷺ ما قالَهُ الصّديقُ كما رواهُ مسلمٌ (٨٤) عن ابنِ عبّاسٍ، فجعلَ فداءَ كلِّ إنسانٍ منهم أربعَ مائةٍ، أربعَ مائةٍ (٨٥)، الأسيرُ بأسيرٍ من المسلمين كما رواهُ مسلمٌ عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، قالَ: " كانتْ ثقيفُ حلفاءَ لبني عقيلٍ، فأسرَتْ ثقيفُ رجلين من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأسرَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ رجلاً من بَني عقيلٍ، فمرَّ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ ، وهو موثقٌ، قالَ: يا محمدُ، إني مسلمٌ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : لو قلتَها وأنتَ تملكُ أمرَكَ أفلحتَ كلَّ الفلاحِ، قالَ: فَفُدِيَ بالرّجلين " (٨٦). وفيهِ أيضاً دلالةٌ على: أنهُ إذا أسلمَ الأسيرُ يسقطُ قتلُهُ، ويبقى الخيارُ في الباقي، وهو المنُّ أو الفِداءُ بمال أو بمن أُسِرَ من المسلمين، وهو أحدُ القولين. عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: " لما كانَ يومُ بدرٍ، وجيءَ بالأسارى، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا ينفلتنَّ منهمْ أحدٌ إلا بفداءٍ أو ضربةِ عنُقٍ، قالَ ابنُ مسعودٍ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إلا سُهَيل بنَ بيضاءَ، فإني قدْ سمعتُهُ يذكُر الإسلامَ، قالَ: فسكتَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فما رأيْتُني في يومٍ أخوفَ أنْ تقعَ عليَّ حجارةٌ من السماءِ منّي في ذلكَ اليومِ، حتّى قالَ

стр. 684

رَسولُ اللهِ ﷺ : إلا سُهَيْلَ بنَ بيضاءَ " (٨٧)، رواهُ أحمدُ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ، وهو مأخذُ القولِ الآخرِ. عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قالَ: " نزلَ أهلُ قُرَيْظةَ على حكمِ سعدِ بنِ مُعاذٍ، فأرسلَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى سعدِ بنِ مُعاذٍ، فأتى على حمارٍ، فلما دنا من المسجدِ، قالَ للأنصارِ: قوموا إلى سيّدكم، أو قالَ: خيرِكمْ، فقالَ: هولاءِ نزلوا على حُكْمِكَ، فقالَ سعدٌ: تُقْتلُ مُقاتلتُهُمْ وتُسبَى ذرّيّتُهُمْ، فقالَ: قضيتَ بحكمِ اللهِ، وربَّما قالَ: بحكمِ الملكِ " (٨٨)، أخرجاهُ. ولهما (٨٩) عن عائشةَ: نحوهُ. وفي السِّيَر والمَغازي: " أنَّ ثابتَ بنَ قيسِ بنِ شماسٍ استطلقَ من رسولِ اللهِ ﷺ الزُّبيرَ بنَ باطا القُرَظيِّ، فأطلقَهُ لهُ وأهلَه ومالَهُ، ثمّ إنّ الخبيثَ أبى إلا أن يلحقَ بأصحابِهِ فقُتِلَ إلى لعْنةِ اللهِ " (٩٠). وفيهِ دلالةٌ على: أنهُ إذا حكمَ الحاكمُ بقتلِ الرّجالِ، ورأى الإمامُ أن يمنَّ عليهم جائزٌ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ سريّةً إلى نجدٍ فخرجتُ فيها، فبلَغَتْ سُهْمانُنا اثني عشرَ بعيراً، ونفَّلنا رسولُ اللهِ ﷺ بعيراً بعيراً " (٩١)، أخرجاهُ. عن مكحولِ عن زيادِ بنِ جاريةَ عن حَبيب بنِ مَسْلمةَ الفِهْريِّ، قالَ: " شهدتُ رسولَ اللهِ ﷺ نفّلَ في البداءةِ الرُّبُعَ، وفي الرَّجعةِ: الثُّلثَ " (٩٢)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ،

стр. 685

وهذا لفظُهُ، وابنُ ماجة. وفي لفظٍ لأحمد، وأبي داودَ: " نفَّلَ الرُّبُعَ بعدَ الخمسِ في بدايَتِهِ، ونفَّلَ الثُّلُثَ، بعدَ الخُمسِ في رَجعتِهِ " (٩٣). فاستدَلَّوا بهذا اللفظِ على أنّ النَّفْلَ يكونُ من خمسِ الخمُسِ، ويُؤيّدُهُ ما رواهُ البيهقيُّ من حديثِ عمْرو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، كانَ يُنَفِّل قبلَ أنْ تنزلَ فريضةُ الخُمسِ في المَغْنمِ، فلما نزلتْ الآيةُ: " وَاعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شيءٍ فإنَّ لله خُمُسَهُ "، تركَ النَّفلَ الذي كانَ يُنفِّلُ، وصارَ ذلكَ إلى خمُسِ الخُمسِ من سَهْم اللهِ، وسَهمِ النبيِّ ﷺ " (٩٤). عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ (٩٥) قالَ يومَ بدرٍ: " مَنْ فعلَ كذا وكذا فلهُ مِن النَّفلِ كذا وكذا " (٩٦)، رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ حِبّانَ في صحيحهِ. عن عَديِّ بنِ حاتمٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مُثِّلتْ ليَ الحيرةُ كأنيابِ الكلابِ، وإنكمْ ستفتحونَها، فقامَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ: هبْ لي ابنةَ بقيلةَ، قالَ: هيَ لكَ، فأعطوهُ إياها، فجاءَ أبوها، فقالَ: أتبيعنيها؟، قالَ: نعمْ، فقالَ: بكمْ، احكُمْ ما شئتَ، قالَ: ألفِ درهمٍ، قالَ: قد أخذتُها، فقالوا لهُ: لو قلتَ بثلاثينَ ألفاً لأخذَها، قالَ: هلْ عددٌ أكثرُ من ألفٍ " (٩٧)، رواهُ البيهقيُّ في سُننِهِ الكبرى بإسنادٍ: صحيحٍ. قد تقدَّمَ: " أنهُ ﵇ قطعَ نخلَ بني النَّضيرِ، وحرَّقَ "، قالَ الشيخُ: ولا يجوزُ قتلُ البهائمِ إلا إذا قاتَلوا عليها، ودَليلُهُ: ما رواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، والنسائيُّ من حديثِ صُهيْبٍ عن عبدِ الله بنِ عَمْرو
следующие страницы →