← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 681–720 · переход к 686.

стр. 681

المسلمونَ نحواً من ثلاثةِ آلافٍ فقطْ، ولهذا لما انتهتْ الإمرةُ إلى خالدٍ وتقهقرَ بالجيشِ حتّى تخلّصَ منهم، سمّاهُ رسولُ اللهِ ﷺ فَتْحاً، فأخذوا منهُ استحبابَ الفِرارِ في مثلِ هذهِ الحالِ. عن أبي قتادةَ الحارثِ بنِ رِبْعي الأنصاريِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ قتلَ قَتيلاً لهُ عليهِ بيِّنةٌ، فلهُ سلبُهُ " (٧٣)، أخرجاهُ، وهو قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ. وعن أنسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " مَنْ تفرَّدَ بدمِ رجلٍ فقتلَهُ، فلَهُ سلبُهُ، قالَ: فجاءَ أبو طَلْحةَ بسلبِ أحَدٍ (٧٤) وعشرين رجلاً " (٧٥)، رواهُ أحمدُ، وهذا لفظُهُ، وأبو داودَ. عن عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ، قالَ: " ابتدرَ معاذُ بنُ عمْرو بنِ الجموحِ، ومعاذُ بنُ عَفْراءَ أبا جهلٍ حتّى قَتلاهُ، ثمَّ انصرفا إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فأخبراهُ، فقالَ: أيُّكما قَتَلهُ؟ قالَ كلُّ واحدٍ منهما: أنا قتَلْتُهُ، قالَ هلْ مَسَحْتُما سيفيكما؟، قالا: لا، فنظرَ في السَّيفينِ، فقالَ: كلاكُما قَتلَهُ، سَلَبُهُ لمعاذِ بنِ عَمْرِو بن الجموح " (٧٦)، أخرجاهُ. ولمْ يكونا أجهزا عليه، فإنّ عبدَاللهِ بنَ مسعودٍ هو الذي تمَّم عليهِ "، رواهُ البخاريُّ عنهُ (٧٧). فدلَّ أنّ مَنْ قتلَ قتيلاً، أو حبَسهُ عن القتالِ، أنهُ يستحقُّ السّلبَ، فأمّا إذا اشتركَ اثنان في قتلِهِ على السّواءِ، فقدْ رَوى الحسنُ عن سَمُرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ قتلَ، فلهُ السَّلبُ " (٧٨)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة. عن عوْفِ بنِ مالكٍ، قالَ: " خرجتُ معَ زيد بنِ حارثةَ في غزوةِ مؤتةَ، ورافقني

стр. 682

مَدَديٌّ من أهلِ اليمنِ، ليسَ معهُ غيرُ سيفِهِ، فنحر رجلٌ من المسلمين جزوراً، فسألهُ المدديُّ طائفةً من جلدِهِ، فأعطاهُ إيّاهُ فاتخذهُ كهيئةِ الدَّرقِ، ومضينا فلقينا جموعَ الرّومِ، وفيهم رجلٌ على فرسٍ لهُ أشقرُ عليهِ سَرجٌ مُذَهَّبٌ وسلاحٌ مذهّبٌ، فجعلَ الرّوميُّ يَغْري بالمسلمين، فقعدَ لهُ المدَديُّ خلفَ صخرةٍ، فمرَّ بهِ الرّوميُّ فعرقبَ فرسَهُ فخرَّ وعَلاهُ فقتلهُ، وحاز فرسَهُ وسلاحَهُ، فلما فتحَ اللهُ للمسلمين بعث إليه خالدُ بنُ الوليدِ فأخذ من السَّلب، قالَ عوْفٌ: فأتيْتُهُ فقلتُ: يا خالدُ، أما علمتَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى بالسَّلبِ للقاتلِ؟، قالَ: بلى، ولكنْ استكثرتُهُ، قلتُ: لترُدَّنه عليهِ أو لأعرفِّنكها عندَ قصّةِ المدَديِّ، وما فعلَ خالدٌ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ما حملَكَ على ما صَنَعْتَ؟، قالَ: يا رسول اللهِ استكثرتُهُ، فقالَ: رُدَّ عليهِ ما أخذتَ منهُ، قالَ عوف: فقلتُ: دونَكَ يا خالدُ، ألم أفِ لك؟، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : وما ذاكَ؟، فأخبرتُهُ، قالَ: فغضبَ، وقالَ: يا خالدُ، لا تردَّ عليهِ، هلْ أنتمْ تاركوا لي أُمرائي؟، لكُمْ صِفْوةُ أمرِهم، وعليهِم كَدَرُهُ " (٧٩)، كذا رواهُ أحمدُ، وهو في صحيحِ مسلمٍ بنحوِ هذا. وفيهِ دلالةٌ على أنّ الحُليّ والفرسَ ونحوَ ذلكَ من السَّلبِ، وهو الصحيحُ. ويؤيِّدُهُ أيضاً ما رواهُ البيهقيُّ: أنَّ عقيل بنَ أبي طالبٍ قتلَ رجلاً يومَ مُؤتةَ فأصابَ عليهِ خاتماً فيهِ فَصٌّ أحمر، فيهِ تمثالٌ، فأتى بهِ رسولَ اللهِ ﷺ فأخذهُ ونظرَ إليهِ، فقالَ: لو لمْ يكنْ فيهِ تمثالٌ، قالَ: فنفَّلهُ إياهُ، قال: فهو عندنا " (٨٠). وروى البيهقيُّ أيضاً: " أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ بارزَ هرمزَ ملكَ الفرسِ بكاظمةٍ، فقتلَهُ خالدٌ، فنفَّلَهُ أبو بكر سَلبهُ، وكانتْ قَلنْسوتُهُ بمائةِ ألفٍ " (٨١). عن أبي هريرة، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " كلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فأبواهُ يُهوِّدانِهِ أو يُنصِّرانِه أو يُمجّسانِهِ. . الحديث " (٨٢)، أخرجاهُ.

стр. 683

استُدِلَّ بهِ على: أنهُ إذا أسرَ صغيراً ليسَ معهُ أحدٌ من أبويهِ، أنهُ يتبعُ السّابي في الإسلامِ. عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ: أنهمْ تحرّجوا من وطءِ سَبايا أوطاسٍ حتّى أنزلَ اللهُ: " والمُحْصَناتُ مِنَ النّساءِ " (٨٣)، رواهُ مسلمٌ. قد عُلِمَ أنهُ ﵇ لما أسرَ يومَ بدرٍ من المشركين سبعينَ أسيراً قتلَ منهم صَبراً، عُقْبةَ بن أبي مُعَيْطٍ، والنّضر بنَ الحارثِ، وطُعَيْمةَ بنَ عَديّ، ومنَّ على أبي عَزَّةَ، فأطلقَهُ، وفادى بقيّةَ الأُسارى، بعدَ أن شاورَ أصحابَهُ فيهم، فأشارَ عمرُ بنُ الخطابِ بقتلِهم، وأشارَ الصّديقُ بمُفاداتِهمْ، فهوى رسولُ اللهِ ﷺ ما قالَهُ الصّديقُ كما رواهُ مسلمٌ (٨٤) عن ابنِ عبّاسٍ، فجعلَ فداءَ كلِّ إنسانٍ منهم أربعَ مائةٍ، أربعَ مائةٍ (٨٥)، الأسيرُ بأسيرٍ من المسلمين كما رواهُ مسلمٌ عن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، قالَ: " كانتْ ثقيفُ حلفاءَ لبني عقيلٍ، فأسرَتْ ثقيفُ رجلين من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأسرَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ رجلاً من بَني عقيلٍ، فمرَّ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ ، وهو موثقٌ، قالَ: يا محمدُ، إني مسلمٌ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : لو قلتَها وأنتَ تملكُ أمرَكَ أفلحتَ كلَّ الفلاحِ، قالَ: فَفُدِيَ بالرّجلين " (٨٦). وفيهِ أيضاً دلالةٌ على: أنهُ إذا أسلمَ الأسيرُ يسقطُ قتلُهُ، ويبقى الخيارُ في الباقي، وهو المنُّ أو الفِداءُ بمال أو بمن أُسِرَ من المسلمين، وهو أحدُ القولين. عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: " لما كانَ يومُ بدرٍ، وجيءَ بالأسارى، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا ينفلتنَّ منهمْ أحدٌ إلا بفداءٍ أو ضربةِ عنُقٍ، قالَ ابنُ مسعودٍ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إلا سُهَيل بنَ بيضاءَ، فإني قدْ سمعتُهُ يذكُر الإسلامَ، قالَ: فسكتَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فما رأيْتُني في يومٍ أخوفَ أنْ تقعَ عليَّ حجارةٌ من السماءِ منّي في ذلكَ اليومِ، حتّى قالَ

стр. 684

رَسولُ اللهِ ﷺ : إلا سُهَيْلَ بنَ بيضاءَ " (٨٧)، رواهُ أحمدُ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ، وهو مأخذُ القولِ الآخرِ. عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قالَ: " نزلَ أهلُ قُرَيْظةَ على حكمِ سعدِ بنِ مُعاذٍ، فأرسلَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى سعدِ بنِ مُعاذٍ، فأتى على حمارٍ، فلما دنا من المسجدِ، قالَ للأنصارِ: قوموا إلى سيّدكم، أو قالَ: خيرِكمْ، فقالَ: هولاءِ نزلوا على حُكْمِكَ، فقالَ سعدٌ: تُقْتلُ مُقاتلتُهُمْ وتُسبَى ذرّيّتُهُمْ، فقالَ: قضيتَ بحكمِ اللهِ، وربَّما قالَ: بحكمِ الملكِ " (٨٨)، أخرجاهُ. ولهما (٨٩) عن عائشةَ: نحوهُ. وفي السِّيَر والمَغازي: " أنَّ ثابتَ بنَ قيسِ بنِ شماسٍ استطلقَ من رسولِ اللهِ ﷺ الزُّبيرَ بنَ باطا القُرَظيِّ، فأطلقَهُ لهُ وأهلَه ومالَهُ، ثمّ إنّ الخبيثَ أبى إلا أن يلحقَ بأصحابِهِ فقُتِلَ إلى لعْنةِ اللهِ " (٩٠). وفيهِ دلالةٌ على: أنهُ إذا حكمَ الحاكمُ بقتلِ الرّجالِ، ورأى الإمامُ أن يمنَّ عليهم جائزٌ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ سريّةً إلى نجدٍ فخرجتُ فيها، فبلَغَتْ سُهْمانُنا اثني عشرَ بعيراً، ونفَّلنا رسولُ اللهِ ﷺ بعيراً بعيراً " (٩١)، أخرجاهُ. عن مكحولِ عن زيادِ بنِ جاريةَ عن حَبيب بنِ مَسْلمةَ الفِهْريِّ، قالَ: " شهدتُ رسولَ اللهِ ﷺ نفّلَ في البداءةِ الرُّبُعَ، وفي الرَّجعةِ: الثُّلثَ " (٩٢)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ،

стр. 685

وهذا لفظُهُ، وابنُ ماجة. وفي لفظٍ لأحمد، وأبي داودَ: " نفَّلَ الرُّبُعَ بعدَ الخمسِ في بدايَتِهِ، ونفَّلَ الثُّلُثَ، بعدَ الخُمسِ في رَجعتِهِ " (٩٣). فاستدَلَّوا بهذا اللفظِ على أنّ النَّفْلَ يكونُ من خمسِ الخمُسِ، ويُؤيّدُهُ ما رواهُ البيهقيُّ من حديثِ عمْرو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، كانَ يُنَفِّل قبلَ أنْ تنزلَ فريضةُ الخُمسِ في المَغْنمِ، فلما نزلتْ الآيةُ: " وَاعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شيءٍ فإنَّ لله خُمُسَهُ "، تركَ النَّفلَ الذي كانَ يُنفِّلُ، وصارَ ذلكَ إلى خمُسِ الخُمسِ من سَهْم اللهِ، وسَهمِ النبيِّ ﷺ " (٩٤). عن ابنِ عباسٍ، قالَ: " إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ (٩٥) قالَ يومَ بدرٍ: " مَنْ فعلَ كذا وكذا فلهُ مِن النَّفلِ كذا وكذا " (٩٦)، رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ حِبّانَ في صحيحهِ. عن عَديِّ بنِ حاتمٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مُثِّلتْ ليَ الحيرةُ كأنيابِ الكلابِ، وإنكمْ ستفتحونَها، فقامَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ: هبْ لي ابنةَ بقيلةَ، قالَ: هيَ لكَ، فأعطوهُ إياها، فجاءَ أبوها، فقالَ: أتبيعنيها؟، قالَ: نعمْ، فقالَ: بكمْ، احكُمْ ما شئتَ، قالَ: ألفِ درهمٍ، قالَ: قد أخذتُها، فقالوا لهُ: لو قلتَ بثلاثينَ ألفاً لأخذَها، قالَ: هلْ عددٌ أكثرُ من ألفٍ " (٩٧)، رواهُ البيهقيُّ في سُننِهِ الكبرى بإسنادٍ: صحيحٍ. قد تقدَّمَ: " أنهُ ﵇ قطعَ نخلَ بني النَّضيرِ، وحرَّقَ "، قالَ الشيخُ: ولا يجوزُ قتلُ البهائمِ إلا إذا قاتَلوا عليها، ودَليلُهُ: ما رواهُ الشافعيُّ، وأحمدُ، والنسائيُّ من حديثِ صُهيْبٍ عن عبدِ الله بنِ عَمْرو

стр. 686

يرفعُهُ، قالَ: " مَنْ فتلَ عصفوراً فما فوقَها بغيرِ حقِّها سألهُ اللهُ عنها يومَ القيامةِ، قيلَ: يا رسولَ اللهِ، وما حقُّها؟، قالَ: أن تذبحهُ فتأكلَهُ، لا تقطعَ رأسَهُ فترميَ بهِ " (٩٨). وقالَ الشافعيُّ: قد عقرَ حَنْظلةُ بنُ الرّاهبِ يومَ أُحُدٍ بأبي سفيانَ فرسَهُ وبرَكَ عليهِ ليقتلَه، فجاءَ ابن شعوبٍ فاستنقذَ أبا سفيان وقتلَ حَنْظلةَ. وهذا الذي ذكرَهُ الشافعيُّ مذكورٌ في السيرةِ وغيرِها، ولمْ يزلْ ذلكَ معمولاً بهِ في الحروبِ، كما روى مسلمٌ عن سَلمةَ بنِ الأكوعِ أنّ الأخرمَ عقرَ بعبدِ الرّحمن بنِ عُييْنةَ ابنِ بدرٍ فرسَهُ، وقتلَهُ عبدُ الرّحمن، وذلك يومَ ذب قَرَدٍ. . الحديث بطولِهِ " (٩٩)، وتقدَّمَ أنّ المدَديّ عقرَ بذلكَ الرّوميَّ فرسَهُ. فأمَّا الحديثُ الذي رواهُ أبو داودَ من حديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ، قالَ: حدَّثني يحيى بنُ عبّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ عن أبيهِ، قالَ: " حدَّثني أبي الذي أرضعني وكانَ أحد بَني مُرّة بنِ عَوفٍ، قالَ: والله لكأني أنظرُ إلى جعفرِ بنِ أبي طالبٍ يومَ مُؤتةَ حينَ اقتحَمَ عن فرسٍ لهُ شقراء فعقرها، ثمّ قاتلَ حتَّى قُتِلَ " (١٠٠)، فإنّ سندَهُ جيّدٌ، لكنْ قالَ أبو داود: هذا الحديثُ ليسَ بذاكَ القويِّ، وقد جاءَ فيهِ نهيٌ كثيرٌ عن الصّحابةِ. وقالَ الشافعيُّ: إنْ قالَ قائلٌ: فقد رُويَ أنّ جعفراً عقرَ عندَ الحربِ، فلا أحفظُ ذلكَ من وجهٍ يثبتُ عندَ الانفرادِ، ولا أعلمُهُ مشهوراً عندَ عوامِ أهلِ العلمِ بالمَغازي، وقالَ البيهقيُّ: الحفّاظُ يتَوقّونَ ما ينفردُ بهِ ابنُ إسحاقَ، وإنْ صحَّ فلعلَّ جعفراً لمْ يبلغْهُ النَّهيُ. قلتُ: المحْذورُ (١٠١) من ابن إسحاق تدليسُهُ، وقد صرَّح هنا بالسّماعِ، فزالَ، واللهُ أعلمُ. وقدْ يحتملُ هذا من جعفر رضيَ الله على أنهُ خشيَ أنْ يُقتلَ فيأخذَ العدوُّ

стр. 687

فرسَهُ، فيتَقوَّوا بها على قتالِ المسلمين. وبهذا يقولُ أبو حنيفة. عن أبي هريرة عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: " يوشكُ أنْ ينزلَ فيكم ابنُ مَريمَ حكماً مُقْسطاً، فيقتلَ الخِنزيرَ، ويكسِرَ الصَّليبَ، ويضَعَ الجزيةَ، ويفيضَ المالُ حتى لا يقْبلَهُ أحدٌ " (١٠٢)، أخرجاهُ. عن ابنِ مسعودٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ دخلَ مكّة يومَ الفتحِ، وحولَ البيتِ ثلثمائة وستّون نُصُباً، فجعلَ يطعنُها بعودٍ في يدهِ، ويقولُ: " جاءَ الحقُّ ومَا يُبْدئُ الباطلُ ومَا يُعيدُ "، " جاءَ الحقُّ وزَهقَ الباطِل إنَّ الباطِل كانَ زَهُوقاً "، أخرجاه (١٠٣). عن يحيى بن سعيد: " أنَّ أبا بكرٍ لمّا بعثَ جيوشاً إلى الشّامِ، فخرجَ يمشي مع يزيدَ بنِ أبي سُفْيانَ، وكانَ يزيدُ أميرَ ربعٍ من تلك الأرباعِ، فقالَ: إني موصيكَ بعشرِ خلالٍ: " لا تَقْتلوا امرأةً، ولا صَبيّاً، ولا كبيراً هَرِماً، ولا تَقْطعوا شجراً مُثمراً، لا تُخربُنّ عامراً، ولا تعْقرنَّ شاةً ولا بعيراً إلا لمَأْكَلةٍ، ولا تُغرقنَّ نَخلاً ولا تُحرقنَّهُ، ولا تغْلُلْ ولا تَجبُنْ " (١٠٤). وقد رُويَ هذا عن أبي بكرٍ الصّديقِ من وجوهٍ كثيرةٍ، وقدْ أنكرهُ الإمامُ أحمدُ، فقالَ: ما أظنُّ من هذا شيء، إنّما هذا كلامُ أهلِ الشامِ. وقالَ الشافعيُّ: إنّما نهاهُمْ أبو بكرٍ عن قطعِ الأشجارِ معَ علمِهِ بما فَعَلهُ رسولُ اللهِ ﷺ في نخلِ بَني النَّضيرِ، لأنهُ كانَ قدْ سمعَ من رسولِ اللهِ ﷺ البشارةَ بفتحِ الشَّامِ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " كنّا نُصيبُ في مَغازينا العَسلَ والعنبَ فنأكلُهُ ولا نرفعُهُ " (١٠٥)، رواهُ البخاريُّ.

стр. 688

وعنهُ: " أنَّ جيشاً غَنموا في زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ طعاماً وعَسلاً، فلمْ يُؤخَذْ منهم الخُمسُ " (١٠٦)، رواهُ أبو داودَ. ولهُ من حديثِ محمدِ (١٠٧) بن مجاهدٍ، قالَ: " قلتُ لعبدِ الله بنِ أبي أوفى: هلْ كُنتمْ تخمّسون - يعني - الطّعامَ - في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟، فقالَ: أصبْنا طعاماً يومَ خيبرَ، فكانَ الرّجلُ يجيءُ فيأخذُ مِقدارَ ما يكفيهِ ثمَّ ينصرفُ " (١٠٨). ولهُ أيضاً عن القاسمِ مَوْلى عبدِ الرحمن عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: " كنّا نأكلُ الجُزرَ في الغزوِ، حتّى إنْ كنّا نرجعُ إلى رحالِنا، وإنَّ أخرجتَنا منهُ مملوءةٌ " (١٠٩). عن ثوبانَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " من قتلَ صغيراً أو كبيراً، أو حرّقَ نحلاً، أو قطعَ شجرةً مُثمرةً، أو ذبحَ شاةً لإهابها، لم يرجعْ بالكَفافِ " (١١٠)، رواهُ أحمدُ، وفي إسنادِهِ: ابنُ لهيعةَ إلا أنَّ فيه دلالةً للمذهبِ: أنهُ يجوزُ ذبحُ ما يُؤكلُ من غيرِ ضمانٍ، لقولِهِ " لإهابِها " فدلَّ على جوازِهِ للأكلِ، قدْ يَستدِلُّ مَن ذهبَ إلى الضَّمان من الأصحابِ بحديثِ رافع بنِ خديجٍ، قالَ: " كنّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ بذي الحُلَيْفةِ من تِهامةَ، فأصابَ الناسَ جوعٌ، وأصابوا إبلاً وغنماً، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ في أُخريات القومِ، فتعجَّلوا وذبحوا، ونصبوا القدورَ، فأمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالقدورِ فأُكْفِئتْ، ثمَّ قسمَ فعدلَ عشرةً من الغنمِ ببعيرٍ - الحديث " (١١١)، أخرجاهُ في الصّحيحين.

стр. 689

ويُوجِّهُهُ منهُ أنهُ زجرَهُم عن الذَّبحِ قبلَ القسمِ، فدلَّ على ما قلنا، واللهُ أعلمُ. عن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ، قالَ: " أصبتُ جِراباً من شَحمٍ يومَ خيبرَ، فالتزمْتُهُ، وقلتُ: لا أُعطي أحداً من هذا شيئاً، فإذا رسولُ اللهِ ﷺ مُتبسّماً " (١١٢)، رواهُ مسلمٌ. يُستدَلُّ بهِ لأحدِ القولين: أنهُ لا يجبُ ردُّ ما فضَلَ من الطّعامِ، وإنْ خرجوا بهِ إلى دارِ الإسلامِ، لأنّ الغالبَ أنّ الجرابَ لا ينفذُ مدّةَ مقامِهمْ على خيبرَ، واللهُ أعلم. ودليلُ القولِ الآخرِ حديثُ ابن أبي أوْفى، قالَ: " أصبنا طعاماً يومَ خيبرَ، وكانَ الرجلُ يجيءُ فيأخذُ مقدارَ ما يكفيهِ، ثمّ ينصرفُ كفافاً " (١١٣). فأمّا ما سِوى ذلكَ، فيجبُ ردُّهُ. قالَ تعالى: " ومَا كانَ لنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَنْ يَغْلُلُ يأتِ بِمَا غَلَّ يومَ القيامةِ ". عن أبي هريرةَ، قالَ: " خرجْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ يومَ خيبرَ، فلمْ نغنمْ ذهباً، ولا فِضّةً إلا الأموالَ، والثيابَ، والمتاعَ، فأهدى رجلٌ من بَني الضبَيْبِ يُقالُ لهُ: رِفاعةُ بنُ زيدٍ لرسولِ اللهِ ﷺ غُلاماً يُقالُ لهُ: مِدْعَمٌ، فتوجّه رسولُ اللهِ ﷺ إلى وادي القُرى، حتّى إذا كانوا بوادي القرى، بينَما مِدْعمٌ يحُطُّ رَحْلاً لرسولِ اللهِ ﷺ ، إذْ أتاهُ سهمٌ عائدٌ، فقتلَهُ، فقالَ الناسُ هنيئاً لهُ الجنّةُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : كلاَّ، والذي نفسي بيدِهِ، إنّ الشَّملةَ التي أخذَها من المَغانمِ يومَ خيبرَ لمْ تُصبْها المَقاسِمُ لتشعل عليه ناراً، فلما سمعَ ذلكَ الناسُ، جاءَ رجلٌ بشراكٍ أو شراكين إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: شراكٌ من نارٍ، أو شراكانِ من نارٍ " (١١٤)، أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاري. وعن عبدِ الله بنِ عَمْرو، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا أصابَ غنيمةً أمرَ بلالاً فنادى في الناسِ، فيجيئون بغنائِمهمْ فَيُخمسهُ ويقسمُهُ، فجاءَ رجلٌ بعدَ ذلكَ بزمامٍ من شعرٍ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هذا فيما كنّا أصبْنا من الغنيمةِ، فقالَ: أسمعتَ بلالاً يُنادي

стр. 690

ثلاثاً؟، قالَ: نعمْ، قالَ: فما منعَكَ أن تجيءَ بهِ؟ فاعتذَرَ، فقالَ: كنْ أنتَ تجيءُ بهِ يوم القيامةِ، ولن أقبلَهُ عنكَ " (١١٥)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، قالَ البخاريُّ: ولمْ يذكرْ فيهِ: أنهُ حرّقَ متاعَهُ، وهذا أصحُّ من حديثِ أبي واقدٍ اللَّيْثي. قلتُ: أشارَ البخاريُّ إلى ما رواهُ أبو داود، واللفظُ لهُ من حديثِ صالح ومحمد (١١٦) ابن زائدةَ أبي واقدٍ اللَّيْثيِّ الصّغير عن سالمٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرَ بتحريقِ مَتاعِ الغالِّ " (١١٧). قالَ الإمامُ أحمدُ: أبو واقدٍ، هذا: ما أرى بهِ بأساً، وقالَ يحيى بنُ مَعين: ضعيفٌ، وقالَ البخاريُّ: مُنكرُ الحديثِ. وعن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عم جدِّهِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، وأبا بكر، وعمرَ حرَّقوا متاعَ الغالِّ، وضربوهُ، ومنعوهُ سَهْمَهُ " (١١٨). رواهُ أبو داودَ، فإنْ صحَّ هذا، فيُحملُ على أنهم فعلوا ذلكَ تعزيراً لهُ وعقوبةً مالية. وقد ذهبَ الشافعيُّ في القديمِ إلى جوازِ ذلكَ في غالِّ الزّكاةِ، أنها تُؤخّذُ منهُ، ونصفَ مالهِ تعزيراً، واللهُ أعلمُ. قالَ المصنِّفُ: ولهُ قولٌ آخرُ: أنهُ إذا قالَ الأميرُ: من أخذَ شيئاً، فهو لهُ، وصحَّ فمن أخذ شيئاً ملَكَهُ، والأولُ: أصحُّ. قالَ الشافعيُّ: قالَ بعضُ أهلِ العلمِ: إذا بعثَ الإمامُ سريةً أو جيشاً، فقالَ لهم قبلَ اللقاءِ: من غنمَ شيئاً، فهو لهُ بعدَ الخُمسِ، فذلك لهم على ما شَرطوا، لأنهمْ على ذلكَ غزوا، وبهِ رضوا، وذهبوا في هذا: إلى: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ يومَ بدر:

стр. 691

" من أخذَ شيئاً، فهو لهُ "، وذلكَ قبلَ نزولِ الخمسِ، واللهُ أعلمُ، ولمْ أعلمْ شيئاً يثبتُ عندنا عن رسولِ اللهِ ﷺ بهذا، وقالَ في الأُمِّ: ذهبَ بعضُ الناسِ في جوازِهِ، ولا أرى شيئاً من الأثرِ يدلُّ عليهِ، ولو ذهبَ إليهِ ذاهبٌ كان لهُ تأويلٌ. قالَ ابنُ الصّبّاغ: فقدْ أومأ إلى قولين، أحدُهما: يجوزُ، وهو قولُ أبي حنيفة، ووجَّههُ بالحديث المذكورِ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ يومَ بدرٍ: " مَنْ أخذَ شيئاً، فهو لهُ ". قلتُ: وهذا الحديثُ ليسَ بمعروفٍ، وقدْ اعترفَ الحافظُ البيهقيُّ بأنهُ لا يعرفُهُ أيضاً، وإنما المعروفُ حديثُ ابنِ عباسٍ المتقدّمِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ يومَ بدرٍ: " من فعلَ كذا، وكذا، فلهُ من النَّفلِ: كذا وكذا "، قالَ: والثاني: لا يجوزُ، لأنَّ فيهِ تفويتَ حقِّ أهلِ الخمسِ كما لو شُرِطتْ الغنيمةُ لغيرِ الغانمين، قالَ: والخبرُ إن صحَّ فمنسوخٌ بالخمسِ، ولهذا أسهم لجماعةٍ ممّنْ لمْ يشهدْ بدراً من الغنيمةِ، واللهُ أعلمُ. عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ: " أنَّ عمرو بنَ العاصِ، وشُرَحبيلَ بنَ حسنةٍ بعثاهُ بَريداً إلى بكرٍ الصّدّيقِ ﵁ برأسِ نياقٍ بطريقِ الشامِ، فلما قدمَ على أبي بكر، أنكرَ ذلكَ، فقال له عقبةُ: يا خليفةَ رسولِ اللهِ، إنّهم يصنعونَ ذلكَ بنا، قالَ: أفيَسْتنّانِ بفارسَ والرّومِ؟، لا يُحملُ إليَّ رأسٌ، إنّما يَكفي الكتابُ والخبر " (١١٩)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. وعن الزُّهريِّ، قالَ: " لمْ يُحمَلْ إلى رسولِ اللهِ ﷺ رأسٌ إلى المدينةِ قط، ولا يومَ بدرٍ، وحُملَ إلى بكرٍ رأسٌ، فكرهَ ذلكَ، وأوّلُ من حُمِلتْ إليه الرؤوسُ عبدُ اللهِ ابنُ الزُّبيرِ " (١٢٠)، رواهُ البيهقيُّ أيضاً. عن عِمْرانَ بنِ حُصيْنٍ، قالَ: " أُسِرت امرأةٌ من الأنصارِ، وأُصيبتِ العَضْباءُ، وكانتِ المرأةُ في الوثاقِ، وكانَ القومُ يُريحون نعمهُمْ بين يَدي بيوتهم، فانفلتَتْ ذاتَ ليلةٍ من الوثاقِ، فأتتْ الإبلَ فجعلَتْ إذا دنَتْ من البعيرِ رَغا فتتركُهُ، حتّى تَنتهيَ إلى العَضباءِ

стр. 692

فلمْ ترغُ وهي ناقةٌ مُنَوقةٌ، وفي لفظٍ: " مُدربةٌ "، وفي روايةٍ: فأتتْ على ناقةٍ ذلولٍ مُجَرَّسَةٍ فقعدَتْ في عَجزِها، ثمَّ زجَرتْها فانطلقَتْ ونذَروا بها فطلبوها، فأعْجزَتْهم، قالَ: ونذرَتْ لله إنْ نجّاها اللهُ عليها لتنحَرنَّها، فلما قدمتِ المدينةَ رآها الناسُ، فقالوا: العَضْباءُ، ناقةُ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالتْ: إنّها نذرَتْ إنْ نجّاها اللهُ عليها لتنْحرنَّها، فأتوا رسولَ اللهِ ﷺ ، فذكروا ذلكَ لهُ، فقالَ: سبحانَ اللهِ، بئسَ ما جَزتْها، نذَرتْ للهِ إنْ نجّاها عليها لتَنْحرَنَّها، لا وفاءَ لنَذْرٍ في معْصيةِ اللهِ، ولا فيما لا يمْلكُ العبدُ " (١٢١)، يعني: إنّها ما مَلكتْها، وإنّها ناقتُهُ، على مُلكِهِ، واللهُ أعلمُ. عن ابنِ عمرَ: " أنَّ غلاماً لهُ أبقَ إلى العدوِّ وظهرَ عليه المسلمون، فردَّهُ رسولُ اللهِ ﷺ إلى ابنِ عمرَ، ولمْ يُقْسَمْ " (١٢٢)، كذا رواهُ أبو داود، وعلّقَ البخاريُّ عنهُ، قالَ: " ذهبَ فرسٌ لهُ، فأخذهُ العدوُّ، فظهرَ عليهم المسلمون، فرُدَّ عليهِ في زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأبقَ عبدٌ لهُ فلحقَ بالرّومِ، فظهر عليهم المسلمون، فردَّهُ عليهِ خالدُ بنُ الوليد، بعدَ النبيِّ ﷺ . وأسندَ البخاريُّ عنهُ: " أنهُ كانَ على فرسٍ يوم لقي المسلمون، وأميرُ المسلمين يومئذٍ خالدُ بن الوليدِ، بعثهُ أبو بكر، فأخذهُ العدوُّ، فلما هُزمَ العدوُّ ردَّ خالدٌ فرسَهُ " (١٢٣). ولهُ عن نافعٍ: " أنَّ عبداً لابن عمرَ أبقَ فلحقَ بالرّومِ، فظهرَ عليه خالدُ بنُ الوليدِ، فردَّهُ على عبد الله، وأنَّ فرساً لابنِ عمرَ (١٢٤) عارَ، فلحقَ بالرّومِ فظهرَ عليه فردُّوهُ على عبد الله " (١٢٥)، هذا أصحُّ، وفيهِ دلالةٌ على كلِّ حال على أنه إذا استُرْجعت الأموالُ التي استولى عليها المشركون أنهُ يجبُ ردُّها إلى أصحابِها.

стр. 693

وقد رَوى الدارَقُطنيُّ والبيهقيُّ عن عبد الله بن عمرَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " مَنْ وجدَ مالَهُ في الفيء قبلَ أن يُقْسَمَ، فهو لهُ، وإنْ وجدَهُ بعدَ ما قُسِمَ، فليسَ لهُ شيءٌ " (١٢٦)، ولكنْ في إسنادِهِ: إسحاقُ بنُ أبي فَرْوةَ عن ياسين بنِ مُعاذ الزّيّاتِ، وهما: ضَعيفان. عن الحسنِ بنِ عُمارةَ عن عبد الملكِ بنِ مَيْسرةَ الزّرادِ عن طاوسٍ عن ابن عباسٍ، مرفوعاً، قال: " فيما أحرز العدوُّ، فاسْتنقذَهُ المسلمون منهم إنْ وجدَهُ صاحبهُ قبلَ أنْ يُقسمَ، فهو أحقُّ يهِ، وإنْ وجدَهُ قدْ قُسمَ، فإنْ شاءَ أخذَهُ بالثّمنِ " (١٢٧)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ أيضاً، والحسنُ بنُ عُمارةَ: متروكٌ. وقد رُويَ عن عمرَ (١٢٨)، وابنِ عباسٍ من قولِهما، وفي إسنادِ كلٍّ منهما نظرٌ واللهُ أعلمُ.

стр. 694

١٢ - بابُ: قَسْمِ الفيءِ والغَنيمةِ قالَ اللهُ: " واعْلَموا أنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شيءٍ فأنَّ للهِ خُمُسهُ. . الآية ". عن أبي موسى، قالَ: " قَدِمْنا معَ جعفرِ بنِ أبي طالبٍ على رسولِ اللهِ ﷺ حينَ افتتحَ خيبرَ، فأسهمَ لنا، أو قالَ: فأعطانا منها، وما قَسَم لأحدٍ غابَ عن فتح خيبرَ منها شيئاً إلا لمنْ شهدَ معهُ، إلا أصحاب سفينتنا معَ جعفرٍ وأصحابِهِ، قسمَ لهُمْ معهُمْ " (١)، أخرجاهُ. يُستدَلُّ بهِ على أنّ الغنيمةَ تُمْلَكُ بانقضاءِ الحربِ فقَطْ، وهو أحدُ القولين. تقدَّمَ بيانُ أنّ السّلبَ للقاتل. عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ لوفدِ عبدِ القيسِ: " وأنْ تُؤدّوا الخُمُسَ مِمّا غَنِمْتُمْ " (٢)، والحديثُ بطولهِ في الصّحيحين. وعن عَمْرو بنِ عَبَسةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ صلّى بهم إلى بعيرٍ من المغنمِ، فلما سلَّم أخذَ وبَرةً من ذلكَ البعيرِ، ثم قالَ: ولا يحل لي مِن غنائمكُمْ مثلُ هذا إلا الخُمسُ، والخُمسُ مردودٌ فيكم " (٣)، رواهُ أبو داودَ، والنّسائيُّ. ولهما مع أحمدَ من حديثِ عمْرو بن شُعيْب عن أبيهِ عن جدِّهِ: مثلهُ سواء (٤). ولأحمد عن عُبادةَ بنِ الصّامتِ (٥): مثلُهُ أيضاً.

стр. 695

تقدَّمَ حديثُ جُبيْرِ بنِ مُطْعمٍ (٦) في الزّكاةِ منْ أنّ بني هاشمٍ وبَني المُطَّلبِ همْ ذَوو القُرْبى. عن عبد الله بن شَقيقٍ عن رجلٍ من بلْقين، قالَ: " أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، وهو بوادي القُرى، وهو يعرضُ فرساً، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما تقولُ في الغنيمةِ؟ فقالَ: لله خُمُسها، وأربعةُ أخماسٍ للجيش، قلتُ: فما أحدٌ أولى بهِ من أحدٍ؟، قالَ: لا، ولا السَّهمُ تستخرجُهُ من جنبِكَ، ليس أنت أحقُّ بهِ من أخيكَ المسلمِ (٧)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ، ولا تضرُّ جهالةُ الصّحابي. عن ابنِ عمرَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ جعل للفرسِ يعني - سهْمين، ولصاحبهِ سَهْماً " (٨) أخرجاهُ، واللفظان للبخاريِّ. ولأحمدَ، وأبي داودَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أسهمَ للرّجلِ ولفرسِهِ ثلاثةَ أسْهمٍ، سَهْماً لهُ، وسَهْمين لفرسِهِ " (٩). عن ابنِ عمرَ: " أنَّ الزُّبيرَ حَضرَ خيبرَ، ومعَهُ أفراسٌ، فلمْ يُسهمِ النبيُّ ﷺ إلا لواحدٍ "، قالَ الشافعيُّ: ذكرهُ عبدُالوهّابِ الخفافُ عن العمريِّ عن أخيه " (١٠). عن عُميْرٍ مَوْلى أبي اللَّحمِ، قالَ: " شهدتُ خيبرَ معَ سادتي، فكلّموا فيَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، فأمرَ بي فقُلِّدتُ سيفاً، فإذ أنا أجرّهُ، فأُخبرَ أني مملوكٌ، فأمرَ لي من خُرثي المَتاعِ " (١١) رواهُ أحمد وأبو داودَ، وهذا لفظهُ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ.

стр. 696

عن ابنِ عبّاسٍ: " أنهُ كتبَ إلى نَجْدةَ الحَروريِّ " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يغزو بالنّساءِ، فيداوينَ الجرحى، ويُحْذَيْنَ من الغَنيمةِ، وأمّا بسهم فلمْ يُضرَبْ لهنّ " (١٢)، رواهُ في حديثٍ طويلٍ. عن عُرْوةَ بنِ أبي الجَعْدِ البارقيِّ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ، الأجرُ، والغنيمةُ " (١٣)، أخرجاهُ، وهو عامٌّ في الفرسِ الضّعيفِ، والأعجفِ، والبرذونِ، ومفهومُهُ ينفي سهامَ البغلِ والحمارِ، والإبلِ، واللهُ أعلمُ. قالَ الأوزاعيُّ: " أسهمَ رسولُ اللهِ ﷺ للصّبيانِ وللنساءِ بخيبر، وأخذ بذلك المسلمونَ بعدَهُ " (١٤)، رواهُ الترمذيُّ. وكذا رواه البيهقيُّ عن مكحولٍ، وخالدِ بنِ مَعْدانَ مُرْسَلاً. ومعنى الإسهامِ عندَ جمهورِ العلماءِ هاهُنا: الرَّضْخُ إلا عندَ هؤلاءِ الثلاثةِ. قالَ الشافعيُّ: قالَ أبو يوسفَ: أخبرنا الحسنُ بنُ عمارةَ عن الحكمِ عن مِقْسمٍ عن ابنِ عبّاسٍ: أنهُ قالَ: " استعانَ رسولُ اللهِ ﷺ بيهودِ قَيْنُقاعٍ فرضَخَ لهُم، ولمْ يُسْهمْ لهُمْ " (١٥). قالَ البيهقيُّ: تفرَّدَ بهِ الحسنُ بنُ عُمارةَ، وهو: متروكٌ، ولمْ يبْلُغْنا في هذا حديثٌ صحيحٌ. قلتُ: وقد روى أبو داودَ، والترمذيُّ من حديثِ الزُّهريِّ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أسهمَ لقومٍ من اليهودِ قاتلوا معَهُ " (١٦)، وهذا محمولٌ إنْ قبلناهُ محمولٌ على الرَّضخِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 697

عن سلَمةَ بنِ الأكْوعِ: " أنهُ قالَ: كنتُ تبيعاً لطلحةَ بنِ عُبَيْدِ الله، أسْقي فرسَهُ، وأحسه وآكلُ من طعامِهِ، وذكرَ حديثَ يومِ ذي قَرَدٍ بطولِهِ، إلى أنْ قالَ: فأعطاني رسولُ اللهِ ﷺ سَهْمين، سهمَ الفارسِ، وسهمَ الرّاجلِ، فجمعهما لي جَمْعاً " (١٧)، رواهُ مسلمٌ والبخاريُّ. وهو دليلٌ على: أنهُ يُسْهمُ للأجيرِ المُحتَسبِ سَهْماً لهُ للأجرِ، فأمَّا إذا لمْ يكنْ مُحْتسباً، فعن يَعلى بنِ أميّةَ، قالَ: " أَذّنَ رسولُ اللهِ ﷺ بالغزوِ وأنا شيخٌ كبيرٌ ليسَ لي خادمٌ، فالتمستُ أجيراً يكفيني وأُجري لهُ سَهمَهُ، فوجدتُ رجلاً، فلما دنا الرّحيلُ أتاني، فقالَ: ما أدري ما السَّهمانِ، وما يبلغُ سَهْمي؟، فسمِّ لي شيئاً كانَ السّهمُ أو لمْ يكنْ، فسمَّيْتُ لهُ ثلاثةَ دنانيرَ، فلما حضرتُ غنيمتُهُ أردتُ أنْ أُجريَ لهُ سَهْمهُ، فذكرتُ الدّنانيرَ، فجئتُ النبيَّ ﷺ فذكرتُ لهُ أمرَهُ، فقالَ: ما أجدُ لهُ في غزوتِهِ، هذهِ في الدّنيا والآخرةِ إلا دنانيرَهُ التي سَمّى " (١٨)، رواهُ أبو داودَ. وهكذا الكلامُ في تُجّارِ العسكرِ سواءٌ، لقولِهِ ﵇: " إنّما الأعمالُ بالنّياتِ " (١٩). وقد رَوى ابنُ ماجة عن خارجةَ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ، قالَ: " رأيتُ رجلاً يسألُ أبي عن الرّجلِ يَغزو فيشتري ويبيعُ ويتّجرُ في غزوهِ، قالَ أبي: " كنّا معَ رسولِ اللهِ ﷺ نشتري ونبيعُ، وهو يرانا ولا يَنهانا " (٢٠). واسْتأنسُوا في الإسهامِ للتّجارِ ومَنْ جَرى مَجْراهمْ بما رواهُ البيهقيُّ وغيرُهُ بإسنادٍ

стр. 698

صحيحٍ عن أمير المؤمنين عمرَ بنِ الخطابِ: " أنهُ كتب: أنَّ الغنيمةَ لمنْ شهدَ الوَقْعةَ " (٢١). وذكره صاحب الشامل مرفوعاً. ورواهُ الشافعيُّ عن أبي بكرٍ الصّديقِ أيضاً، ثمَّ قالَ: ورُوِيَ عن النبيّ ﷺ شيءٌ يثبتُ في معنى هذا، لا يحضرني حفظُهُ. قالَ البيهقيُّ: أرادَ - واللهُ أعلمُ - حديثَ أبي هريرةَ في قصّةِ أبانَ بن سعيدِ بنِ العاص حينَ قدمَ مع أصحابهِ على النبيِّ ﷺ بخيبرَ بعد أنْ قسمَها، فلمْ يَقْسمْ لهم " (٢٢). قلتُ: وهذا الحديثُ رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ صحيحٍ، وعلَّقهُ البخاريُّ بصيغةِ التمريضِ، واللهُ أعلمُ. عن ابنِ عمرَ، قالَ: " بعثَ النبيّ ﷺ سريّةً قبلَ نجدٍ، فأصبنا نعماً كثيراً فنفّلَنا أميرُنا بعيراً بعيراً، كلَّ إنسانٍ، ثمّ قدمنا على رسولِ اللهِ ﷺ ، فقسمَ بينَنا غَنيمتَنا، فأصابَ كلَّ رجلٍ منّا اثنا عشرَ بعيراً بعدَ الخُمسِ، وما حاسَبَنا بالذي أعطانا صاحبُنا، ولا عابَ عليهِ ما صنعَ " (٢٣)، هكذا رواهُ أبو داودَ، وهوَ في الصّحيحين كما تقدّمَ. فيُؤخذُ منهُ: أنّ الرَّضخَ من أصلِ الغَنيمةِ، واللهُ أعلمُ. وعنهُ، قالَ: " كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُنَفِّلُ بعضَ من يبعثُ من السَّرايا، ولا يقسمُ (٢٤) خاصّةً سِوى قِسْمِ عامةِ الجيشِ، والخمُسُ في ذلكَ كلّهِ واجبٌ " (٢٥)، أخرجاهُ. استُدِلَّ بهِ على: أنّ الرّضخَ من أربعةِ أخماسِ الغنيمةِ.

стр. 699

وقالَ مالكٌ عن أبي الزنادِ: " أنه سمعَ سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ: " كانَ الناسُ يُعطون النَّفلَ من الخُمسِ " (٢٦). عن عَمْرو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " المسلمون تتكافأُ دماؤهُمْ، يسعى بذمِّتِهِمْ أدناهُمْ، ويُجيرُ عليهم أقصاهُمْ، وهمْ يدٌ على مَنْ سِواهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ على مُضْعِفِهم، ومُشَرِّيهم على قاعدِهمْ " (٢٧)، رواهُ أبو داودَ. وقالَ أبو طالبٍ عن الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبلٍ، قالَ النبيُّ ﷺ : " السَّريّةُ تردُّ على العَسْكرِ، والعَسْكرُ يرُدُّ على السَّريّةِ ". قالَ اللهُ: " ومَا أفاءَ اللهُ على رَسولِهِ مِنْهُمْ فما أوْجَفْتُمْ عليْهِ مِن خَيْلٍ ولا ركابٍ. . الآية "، والتي تليها. عن عمر بن الخطابِ، قالَ: " كانتْ أموالُ بني النَّضيرِ ممّا أفاءَ اللهُ على رسولِهِ، ممّا لمْ يُوجفِ المسلمونَ عليهِ بخيل ولا رِكابٍ، فكانَتْ لرسولِ اللهِ ﷺ خاصّةً، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يعزلُ نفقةِ أهلهِ سنةً، ثم يجعلُ ما بقيَ في الكُراعِ والسّلاحِ عدّةً في سبيلِ اللهِ " (٢٨)، أخرجاهُ. تقدّمَ في حديثِ البَراءِ في قتلِ المرتدِّ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرَ خالَهُ أنْ يقتلَ الذي تزوّجَ امرأةَ أبيهِ من بعدِهِ، ويُخَمِّسُ مالَهُ " (٢٩)، فدلَّ على تخميسِ الفَيءِ. عن جابرٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " أُعطيتُ خَمساً لمْ يُعطَهُنَّ أحدٌ من الأنبياءِ قَبْلي: نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسيرةَ شهر. . الحديث " (٣٠)، أخرجاهُ.

стр. 700

أخذوا منهُ: أنَّ أربعة أخماسِ الفيءِ الذي كانَ مُختصاً بهِ ﵇ يكونُ بعدَهُ لجيشِ الإسلامِ، لأنهمْ همُ الذينَ يُرعَبُ منهم الكفّارُ، كما كان يحصلُ لهمْ الرُّعبُ بهِ ﵇، وهذا أحدُ القولينِ، والقولُ الآخرُ: أنهُ يكونُ للمصالحِ بعدَهُ، والجيشُ أهمُّها، فيُعطَوْن من ذلكَ قدرَ كفايَتِهم، لِما رواهُ أبو داودَ عن عوف بنِ مالكٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا جاءَهُ فيءٌ قسمه من يومِه، فأعطى الأهلَ، حَظّينِ، وأعطى العزَبَ حظّاً، ويبدأُ بالمهاجرين ثمَّ الأنصارِ، كما رتّبهم اللهُ في كتابِهِ حيثُ (٣١) " للفقراءِ المهاجرينَ الّذينَ أُخْرِجوا مِنْ دِيارِهِمْ. . " الآية، والتي تليها (٣٢). وقالَ عمرُ في وصِيِّتِهِ: " وأُوصي الخليفة بَعدي بالمهاجرين الأوّلين أن يَعرفَ لهمْ حقَّهمْ، ويحفظَ لهم حُرْمَتهُمْ، وأوصيهِ بالأنصارِ خيراً الذين تبوّءوا الدارَ والإيمانَ من بعدِهِم، أن يقبلَ من مُحسنهم وأن يعفوَ عن مُسيئهم، وأوصيهِ بأهلِ الأمصارِ خيراً، فهمْ ردْءُ الإسلامِ، وجُباةُ المالِ، وغَيظُ العدوِّ، وأن لا يُؤخذَ منهم إلا فضلُهمْ، عن رضاهُمْ، وأُوصيهِ بالأعرابِ خيراً، فإنّهمْ أصلُ العربِ، ومادةُ الإسلامِ أن يُؤخذُ من حَواشي أموالهم ويُرَدَّ على فُقرائِهم " (٣٣). عن أنسٍ، أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " أُوصيكمْ بالأنصارِ، فإنهمْ كَرِشي، وعَيْبتي، وقدْ قضوا الذي عليهمْ، وبقيَ الذي لهمْ، فاقْبَلوا من مُحسنِهمْ، وتجاوزوا عن مُسيئهم " (٣٤)، رواهُ البخاريُّ. عن أبي أُسَيْدٍ الأنصاريِّ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " خيرُ دورِ الأنصارِ: بنو النّجارِ، ثمّ بنو عبدِ الأشْهلِ، ثمّ بنو الحارثِ بنِ الخَزْرجِ، وبنو ساعِدَةَ، وفي كلِّ دورِ الأنصارِ خيرٌ. . الحديث " (٣٥)، أخرجاهُ.

стр. 701

عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " مَنْ تركَ مالاً فلِوَرَثتِهِ، ومنْ تركَ كَلاًّ فإلينا " (٣٦)، أخرجاهُ. عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ: " أنَّ عمرَ كانَ يفرضُ للصّبيِّ إذا اسْتهلَّ " (٣٧)، رواهُ ابنُ أبي شَيبةَ. ورَوى البيهقيُّ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، وابنِهِ الحسن (٣٨): مثلهُ. تقدّمَ حديثُ: ابنِ عمرَ: " أنهُ عُرضَ على رسولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ، وهو ابنُ أربع عَشرةَ، فلمْ يُجِزْهُ، وعُرضَ عليهِ يومَ الخنْدقِ، فأجازَهُ " (٣٩)، أخرجاهُ. وعندَهما: " أنَّ عمرَ بنَ عبد العزيز (٤٠): إنّ هذا الحدَّ بينَ الصّغير والكبيرِ، ثمّ كتبَ إلى عُمّالِهِ أنْ يَفرِضوا لمنْ بلغَ خمسَ عشرةَ، وما كانَ دونَ ذلكَ، أن يجعلوهُ في العِيالِ " (٤١). قالَ مالكٌ: عن زيدِ بنِ أسْلَمَ عن أبيهِ عن عمرَ، قالَ: " لولا آخرُ المسلمين ما فتحتُ قريةً إلا قَسمْتُها، كما قسَم رسولُ اللهِ ﷺ خيبرَ " (٤٢)، رواهُ البخاريُّ من حديثِ مالكٍ. عن أبي هُريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " أيّما قريةٍ افْتَتحَها اللهُ ورسولُهُ، فهيَ لل ورسولِهِ، وأيُّما قريةٍ افْتَتحها المسلمونَ عَنْوةً فخُمُسها للهِ ورسولِهِ، وبقيّتُها لمنْ قاتلَ عليها " (٤٣)، هكذا رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ جيّدٍ قويٍّ.

стр. 702

١٣ - بابُ: عقدِ الذِّمةِ، وضربِ الجزْيةِ قالَ اللهُ تعالى: " قَاتِلُوا الّذينَ لا يُؤمنونَ بالله ولا باليومِ الآخرِ ولا يُحرِّمونَ مَا حَرَّمَ اللهُ ورسولُهُ ولا يدينُونَ دينَ الحقِّ منَ الذينَ أوتُوا الكِتابَ حتّى يُعطُوا الجِزْيةَ عنْ يدٍ وهُمْ صَاغِرونَ ". وقالَ تعالى: " فإذا انسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرمُ فاقْتُلوا المُشركينَ حيْثُ وجَدْتُموهُمْ. . الآية "، قالَ عليّ: إنّ أهلَ الكتابِ مخصوصون من بينِ المشركين بأخذِ الجزيةِ، فلا تُؤخذُ إلا منهمْ "، كذا قرّرَهُ الإمامُ الشافعيُّ ﵀. عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " مَرضَ أبو طالبٍ فأتتْهُ قريشٌ، وأتاهُ رسولُ اللهِ ﷺ يعودُهُ، وعندَ رأسِهِ مقعدُ رجلٍ، فقامَ أبو جهلٍ فقعدَ فيهِ، فقالوا: " إنَّ ابنَ أخيكَ يقعُ في آلهتِنا، قالَ: ما شأنُ قومِكَ يشكونَكَ؟، قالَ: يا عمُّ، أُريدُهمْ على كلمةٍ واحدٍ، تدينُ لهم العربُ، وتُؤدّي العجمُ إليهم الجزيةَ، قالوا: ما هيَ؟، قالَ: لا إله إلا اللهُ، فقاموا، وقالوا: أجعلَ الآلهةَ إلهاً واحداً، قالَ: فنزلتْ: " ص والقُرآنِ ذي الذِّكرِ "، فقرأ حَتّى بلغَ: " إنَّ هذا لشيءٌ عُجابٌ " (١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وهذا لفظُهُ، والنسائيُّ والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ، وصحّحهُ ابنُ حِبانَ البُسْتيُّ، وهو بإسنادٍ صحيحٍ. عن المُغيرةِ بنِ شُعْبةَ: " أنهُ قالَ لعاملِ كسرى: أمرَنا نبيُّنا رسولُ ربِّنا أنْ نُقاتلَكُمْ حتّى تعبدوا الله، أو تُودّوا الجزيةَ " (٢). وعن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أخذَ الجزيةَ مِنْ مجوسِ هَجَرَ " (٣)

стр. 703

رواهُما البخاريُّ. وقالَ مالكٌ عن جعفرِ بنِ محمد عن أبيهِ: " أنّ عمرَ ذكرَ المجوسَ، فقالَ: ما أدري كيفَ أصنعُ في أمرهم؟، فقالَ عبد الرحمن بنُ عوْفٍ: أشهدُ لَسمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " سُنّوا بهمْ سُنّةَ أهلِ الكتابِ " (٤)، هذا: منقطعٌ. وقد رُويَ مُرْسَلاً من وجهٍ آخرَ، وهذا ممّا يدلُّ على أنهم ليسوا بأهلِ كتابٍ، وإنّما لهمْ شبهُ كتابٍ. ويؤيّدُهُ ما رواهُ أبو داودَ عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " إنّ أهلَ فارس لما ماتَ نبيُّهم، كتبَ لهمْ إبليسُ المجوسيّةَ " (٥). ورواهُ الشافعيُّ عن علي بن أبي طالب أيضاً. عن أبي ذَرٍّ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، كم الأنبياءُ؟، قالَ: مائةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرونَ ألفاً، قالَ: قلتُ: كم الرّسلُ مِن ذلكَ؟، قالَ: ثلاثُمائةٍ وثلاثةَ عشرَ، جمٌّ غفيرٌ، قلتُ: كثيرٌ طيّبٌ، قلتُ: من كانَ أوّلهمْ؟، قالَ: آدمُ، قلتُ: أنبيٌّ مُرسلٌ؟، قالَ: نعمْ، خلقَهُ بيدِهِ، ونفخَ فيهِ من روحِهِ، وسوّاهُ قُبُلاً، ثمَّ قالَ: يا أبا ذَرٍّ، أربعةٌ من العربِ: هودٌ، وشُعَيْبٌ، وصالحٌ، ونبيُّكَ، يا أبا ذرٍّ، وأوّلُ الأنبياءِ بني إسرائيل: موسى، وآخرهم عيسى، وأوّلُ الرّسلِ: آدمُ، وآخرهم: محمدٌ، قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، كمْ كتاب أنزلَهُ اللهُ؟، قالَ: مائة وأربعة كتُبٍ، أنزلَ على شيث خمسينَ صحيفةً، وعلى خنوخَ ثلاثين صحيفةً، وعلى إبراهيم عشر صحائفَ، وأنزلَ على موسى قبلَ التوراةِ عشرَ صحائفَ، وأُنزلت التوراةُ والإنجيلُ، والزّبورُ، والفُرقانُ، وذكر الحديثَ بطولهِ " (٦)، وهو حديثٌ غريبٌ جداً، وأخرجهُ ابنُ حِبّانَ في صحيحه، وهو من روايةِ

стр. 704

إبراهيمَ بنِ هشام بن يحيى بنِ يحيى الغَسّاني، وقد كذّبَهُ أبو زُرْعةَ، وضعَّفهُ غيرُ واحدٍ، ووثّقهُ ابنُ حِبّان والطَّبرانيُّ. ورواهُ البيهقيُّ من وجهٍ آخر عن أبي ذرٍّ بإسنادٍ لا بأسَ بهِ. ووقعَ في مسندِ الإمامِ أحمدَ، لهُ شواهدُ، فاللهُ أعلمُ. والغرضُ من إيرادِ هذا الحديثِ تقْويةُ قولِ من يعقدُ الذّمّةَ لمنْ تمسَّكَ بدينِ إبراهيمَ، وشيث، وغيرهما من الأنبياء. عن مُعاذِ بنِ جبلٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرهُ أنْ يأخذَ من كلِّ حالمٍ، يعني - محتلمٍ - ديناراً، أو عِدْلَهُ من المَعافرِ، ثيابٍ تكونُ باليمن " (٧)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وحسَّنهُ الترمذيُّ، وفي إسنادِهِ: اختلافٌ قدْ بُسطَ في الأصلِ، والأظهرُ: أنهُ كما قالَ الترمذيُّ، قالَ: وقالَ ابنُ عُيَيْنةَ: عن ابنِ أبي نجيحٍ، قلتُ لمُجاهدٍ: ما شأنُ أهلِ الشامِ عليهم أربعةُ دنانيرَ، وأهلُ اليمنِ عليهم دينارٌ؟، قالَ: جُعِلَ ذلكَ من قِبَل اليَسار ". عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: " صالحَ رسولُ اللهِ ﷺ أهلَ نجرانَ على ألفي حُلّةٍ، النصفُ في صَفر، والبقيةُ في رجبٍ يُؤدّونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين دِرْعاً، وثلاثين فرساً، وثلاثين بعيراً، وثلاثين من كلّ صِنفٍ من أصنافِ السلاحِ، يَغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتّى يَردّوها عليهم، إنْ كانَ باليمن كيدٌ، أو غدرَةٌ، على أنْ لا تُهدَمَ لهمْ بيعةٌ، ولا يُخرجَ لهم قَسٌّ، ولا يُفْتَنوا عن دينهم، ما لمْ يُحدثوا حَدَثاً، أو يأكلوا الرِّبا " (٨)، رواهُ أبو داودَ. واستدَلَّ بهِ الشافعيُّ على جوازِ المُصالحةِ على أكثر من دينارٍ. عن رجلٍ من بني تغلبَ: أنهُ سمعَ النبيَّ ﷺ يقولُ: " ليسَ على المسلمين عُشورٌ،

стр. 705

إنّما العُشورُ على اليهودِ، والنّصارى " (٩)، رواهُ أحمدُ، وأبو داود. قالَ الشافعيُّ: عن إبراهيم بنِ أبي يحيى عن أبي الحُويْرثِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ صالحَ أُكيْدِرَ دُومة عن نصارى أيْلةَ على ثلثمائةِ دينارٍ، وكانوا ثلثمائةَ رجلٍ، وأن يُضَيِّفوا من مرَّ بهم من المسلمين " (١٠)، وهذا: مُرْسلٌ. عن عُقْبةَ بنِ عامرٍ، قالَ: قلتُ: يا رسول اللهِ، إنكَ تَبعثُنا فننزلُ بقومٍ لا يُقْرونا، فقالَ لنا: إنْ نزلتُمْ بقومٍ فأمروا لكمْ بما يَنبغي، فاقْبلوا، وإنْ لمْ يَفْعلوا، فخذُوا منهم حقَّ الضيفِ الذي ينبغي لهم " (١١)، أخرجاهُ. وقالَ مالكٌ: عن نافعٍ عن أسْلمَ: " أنّ عمرَ ضربَ الجزيةَ على أهلِ الذّهبِ أربعةَ دنانيرَ، وعلى أهلِ الورقِ أربعين دِرْهماً، ومعَ ذلكَ أرزاقُ المسلمين وضيافةُ ثلاثةِ أيامٍ " (١٢). عن أبي شُريْحٍ: أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " منْ كانَ يُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، فليكرمْ ضيفَهُ جَائزتَهُ، قالوا: وما جائزتُهُ يا رسولَ اللهِ؟، قالَ: يومُ وليلةٌ، والضّيافةُ: ثلاثةُ أيامٍ، فما كانَ وراءَ ذلكَ، فهو صدقةٌ، ولا يحلُّ لهُ أن يَثويَ عندَهُ حتّى يُحرجَهُ " (١٣)، أخرجاهُ. عن عُبَيْدِ اللهِ الثَّقفي (١٤)، قالَ: " وضعَ عمرُ بنُ الخطابِ الجزيةَ على رؤوسِ الرّجالِ، على الغنيِّ ثمانيةً وأربعين درهماً، وعلى المُتوسّطِ أربعةً وعشرين درهماً، وعلى الفقيرِ اثنا عشرَ درهماً " (١٥)، رواهُ أبو بكر بنُ أبي شَيْبةَ.

стр. 706

ورُويَ من وجهٍ آخرَ عن عمرَ. وعن أسْلمَ مولى عمرَ: " أنّ عمرَ كتبَ إلى عُمّالِهِ: أنْ لا يضربوا الجزيةَ على النّساءِ، والصّبيانِ، ولا يَضربوها إلا على من جَرتْ عليه المواسي، ويختم في أعناقِهم، ويجعلَ جزيتَهم على رُؤوسهم، على أهلِ الوَرقِ أربعين درهماً، ومعَ ذلكَ أرزاقُ المسلمين، وعلى أهلِ الذّهبِ أربعةَ دنانيرَ، وعلى أهلِ الشامِ منهم مُدّي حنطةٍ، وثلاثةَ أقساطِ زيتٍ، وعلى أهل مصرَ أردبَ حنطةٍ، وكسوةَ وعسلَ - الحديث " (١٦)، رواهُ ابن أبي شيبةَ أيضاً بإسنادٍ صحيحٍ. عن ابنِ عباسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تصلحُ قبلتانِ في أرضٍ، وليسَ على مسلمٍ جزيةٌ " (١٧)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ وقالَ: رُويَ مُرْسلاً. سيأتي في بابِ اليمين في الدّعاوى: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ لما قُتلَ عبد الله (١٨) طلبَ من أهلِها ديَتهُ " (١٩). وهذا دليلٌ على تضمينهم الأموالَ، والنفوسَ، وهو ممّا لا نزاعَ فيه. عن ابنِ عمرَ: " أنَّ اليهودَ جاؤوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ في امرأةٍ منهم ورجلٍ زَنيا، فقالَ لهم: ما تجدونَ في التوراةِ في شأنِ الرّجمِ؟، فقالوا: نفضحُهُمْ ويُجْلدون، فقال عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ: كَذَبْتُم، إنَّ فيها الرجمَ، فأتوا بالتوارةِ ونشروها، فوضع أحدهُمْ يدَهُ على آيةِ الرّجمِ، فقرأ ما قبلَها وما بعدَها، فقالَ لهُ عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ: ارفعْ يدَكَ، فرفعَ يدَهُ، فإذا فيها آيةُ الرجمِ، فقالَ: صدقَ يا محمدُ، فأمر بهما رسولُ اللهِ ﷺ ، فرُجما، فرأيتُ الرّجلَ يَحني على المرأةِ يَقيها الحجارةَ " (٢٠)، أخرجاهُ.

стр. 707

عن عبد الرحمن بنِ غَنْمٍ، قالَ: " كتبتُ لعمرَ بنَ الخطابِ حينَ صالحَ نصارى من أهل الشامِ: " بسْم الله الرحمن الرحيم "، هذا كتابٌ لعبدِ الله: عمرَ أميرِ المؤمنين من نصارى مدينةِ كذا وكذا، " إنكم لما قدِمتمْ علينا سألناكُمْ الأمانَ لأنفسِنا وذَرارينا وأموالِنا، وأهلِ ملّتنا، وشرَطْنا لكمْ على أنفسِنا: أنْ لا نُحدِثَ في مدينتنا، ولا فيما حولها ديْراً، ولا كنيسةً، ولا قلايةً، ولا صومعة راهبٍ، ولا نُجدِّدَ ما خُربَ منها ما كانَ في خططِ المسلمين، وأنْ لا نمنعَ كنائسَنا أن ينزلَها أحدٌ من المسلمين في ليلٍ ولا نهارٍ، وأنْ نوسعَ (٢١) أبوابها للمارّةِ، وابنِ السبيلِ، وأنْ نُنزِلَ من مرَّ بنا مِن المسلمينَ ثلاثة أيامٍ نُطعمهمْ، ولا نُؤويَ في كَنائِسنا ولا منازِلنا جاسوساً، ولا نكتمَ غشاً للمسلمينَ، ولا نُعلِّمَ أولادَنا القرآن، ولا نُظهرَ شِرْكاً، ولا ندعوَ إليه أحداً، ولا نمنعَ أحداً من ذَوي قرابتنا الدّخولَ في الإسلامِ إنْ أرادوهُ، وأن نُوقّرَ المسلمين، وأنْ نقومَ لهمْ من مجالسنا إنْ أرادوا الجلوسَ، ولا نتشبهَ بهمْ في شيءٍ من ملابسهمْ في قَلَنْسوةٍ، ولا عمامةٍ، ولا نَعلينِ، ولا فرقِ شعرٍ، ولا نتكلمَ بكلامهمْ، ولا نكتني بكناهُمْ، ولا نركبَ السّروجَ، ولا نتقلّدَ السيوفَ، ولا نتخذَ شياً من السّلاحِ، ولا نحملهُ معنا، ولا نَنْقُشَ خواتيمَنا بالعربيّةِ، ولا نبيعَ الخمورَ، وأنْ نجزَّ مقاديمَ رؤوسِنا، وأنْ نلزمَ زيَّنا ديناً (٢٢) حيثُ ما كانَ، وأنْ نشدَّ الزّنانيرَ على أوساطِنا، وأنْ لا نظهرَ الصَّليبَ على كنائسِنا، وأنْ لا نُظهرَ كُتبَنا في شيءٍ من طرقِ المسلمين، ولا أسواقِهمْ، ولا نضربَ نواقيسَنا في كنائِسنا إلا ضرباً خفيّاً، وأنْ لا نرفعَ أصواتَنا بالقراءةِ في كنائِسنا في شيءٍ من حضرةِ المسلمينَ، ولا نخرجَ سعانينا، ولا باعونا، ولا نرفعَ أصواتَنا معَ موتانا، ولا نُظهرَ النيرانَ معهمْ في شيءٍ من طرقِ المسلمينَ، ولا أسواقِهمْ، ولا نجاورَهمْ موتانا، ولا نتخذ من الرّقيق ما جرى عليهِ سهامُ المسلمين، ولا نطّلعَ عليهم في منازِلهم، فلما أتيتُ عمرَ بالكتابِ، زادَ فيه: " ولا نضربُ أحداً من المسلمين، شرْطنا لكمْ ذلكَ على أنفسِنا، وأهلِ ملّتنا، وقَبلْنا عليهِ الأمانَ، فإنْ نحنُ خالفْنا في شيءٍ مما شرَطْناهُ لكمْ وضمّناه على أنفسِنا،

стр. 708

فلا ذمّةَ لنا قد حلّ لكمْ منّا ما يحلُّ من أهلِ المعاندةِ والشّقاقِ " (٢٣)، رواهُ إسحاقُ ابنُ راهَويه، والقاضي أبو محمدٍ بنُ زَبرٍ، والبيهقيُّ، وغيرُ واحدٍ من الأئمةِ، ولهُ طرقٌ جيّدةٌ، إلى عبدِ الرحمن بنِ غَنْمٍ، وقد استقصاها أبو محمد بنُ زبرٍ في جزءٍ، جمعَهُ في ذلكَ، أجادَ فيه، وقدْ حرَّرْتها في جزءٍ أيضاً، وقد اعتمدَ أئمةُ الإسلامِ هذهِ الشّروط، وعملَ بها الخلفاءُ الراشدونَ، والأئمةُ المهديّونَ الذين قضوا بالحقِّ، وبهِ كانوا يعدِلون. وقالَ أبو عُبيْدٍ القاسمُ بنُ سَلامٍ في كتابِ الأموالِ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمن - يعني - ابن مَهْدي عن عُبيد الله بن عمرَ عن نافعٍ عن أسْلَمَ: " أنَّ عمرَ بن الخطّابِ أمرَ بأهلِ الذمّةِ أن تُجَزَّ نواصيهم، وأنْ يَرْكبوا على الأكفّ، وأنْ يَركبو عَرْضاً، ولا يَركبونَ كما يَركبُ المسلمون، وأن يُوثِّقوا المناطق " (٢٤)، قال أبو عُبيْدٍ: يعني: الزَّنانيرَ، ثمّ روى عن عبدِ العزيز (٢٥) مثلهُ. عن أبي هريرةَ: أنّ النبيَّ ﷺ ، قالَ: " لا تَبدأوا اليهودَ (٢٦) والنَّصارى بالسّلامِ، وإذا لقيتمْ أحدَهم في طريقٍ، فاضطرّوه إلى أضيقِهِ (٢٧)، رواه مُسلم. عن ابن عمرَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " إذا سلّمَ عليكمْ اليهودُ، فإنما يقولُ أحدُهمْ: السّامُ عليكَ، فقلْ: وعليكَ " (٢٨)، أخرجاه. عن ابنِ عبّاسٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " أخْرجوا المشركينَ من جزيرةِ العربِ " (٢٩)، أخرجاهُ.

стр. 709

وعن ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لأُخرِجنَّ اليهودَ، والنّصارى من جزيرة العربِ، حتّى لا أدعَ فيها إلا مسلماً " (٣٠)، رواهُ مُسلمٌ. وعن أبي عُبيْدةَ بنِ الجرّاحِ ﵁، قالَ: " آخرُ ما تكلَّمَ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ يقولُ: أخْرجوا يهودَ أهل الحجازِ، وأهلَ نجرانَ من جزيرةِ العربِ " (٣١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ. قال الشافعيّ: والحجازُ: مكّةُ، والمدينةُ، واليَمامةُ، ومخالفيها، ولمْ أعلمْ أحداً أجلى أهلَ الذّمةِ من اليمنِ. وقال الواقديُّ: ما وراءَ وادي القُرى إلى المدينةِ حجازٌ، وما وراءَهُ من الشامِ. وقالَ البخاريُّ في الصّحيحِ: وقال يعقوبُ بنُ محمدٍ: سألتُ المغيرةَ بنَ عيدِ الرّحمنِ عن جزيرةِ العربِ، فقالَ: مكّةُ، والمدينةُ، واليمامةُ، واليمنُ. قالَ مالكٌ عن نافعٍ عن أسْلَمَ: " أنَّ عمرَ ضربَ لليهودِ، والنصَارى، والمجوس، بالمدينةِ إقامة ثلاثِ ليالٍ يسَّوَّقون بها، ويقضونَ حوائجهمْ، ولا يُقيم أحدٌ منهم فوقَ ثلاثِ ليالٍ " (٣٢)، هذا إسنادٌ صحيحٌ. فأمّا الحرمُ، ولا يُمكَّنُ أحدٌ منهم من دخولِهِ، لقولِهِ تعالى: " يا أيّها الّذينَ آمَنُوا إنّما المُشْرِكونَ نجسٌ فَلا يقْرَبُوا المَسْجدَ الحَرامَ بعْدَ عامِهِمْ هَذا. . الآية "، وهذه الآية نزلتْ في سنةِ تسعٍ، وقدْ بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ أبا بكرٍ الصّدّيقَ على الحجّ عامَئذٍ، ثمّ أدرفَهُ بعليٍّ، يُنادي في رحاب مِنى نداءَهُ (٣٣): وأنْ لا يَحُجَّ بعدَ العامِ مشركٌ، ولا يَطوفَ بالبيتِ عُرْيانُ (٣٤)، والحديثُ ثابتٌ في الصّحيحن عن أبي هريرةَ.

стр. 710

فأمّا دخولُهمْ بقيّةَ المساجدِ: فعن أبي موسى الأشْعريِّ: " أنَّ عمرَ ﵁ أمرَهُ أنْ يرفعَ إليهِ ما أخذَ، وما أعطى في أديمٍ واحدٍ، وكانَ لأبي موسى كاتبٌ نصرانيٌّ، فرفعَ إليهِ ذلكَ، فعجبَ عمرُ، وقالَ: إنّ هذا لحافظٌ، وقالَ: إنّ لنا كتاباً في المسجدِ، وكانَ جاءَ من الشامِ، فادْعهُ، فلْيقرأهُ، قالَ أبو موسى: إنهُ لا يستطيعُ أنْ يدخلَ المسجدَ، فقالَ عمرُ: أجنُبٌ هوَ؟، قالَ: لا، بلْ نَصرانيٌّ، قالَ: فانتهَرني وضربَ فخِذي، وقالَ: أخرجْهُ وقرأ: " يا أيُّها الذينَ آمَنوا لا تَتّخذوا اليَهودَ والنّصارَى أوْلياءَ بَعْضُهُمْ أوْلياءُ بَعْضٍ ومَنْ يَتولّهُمْ مِنْكُمْ إنَّ اللهَ لا يهْدِي القومَ الظَّالمينَ " (٣٥)، رواهُ البيهقيُّ. وقدْ رَوى الشافعيُّ عن إبراهيمَ بنِ محمدٍ عن عُثمانَ (٣٦) بنِ أبي سُليمانَ: " أنّ مُشركي قريشٍ حينَ أتَوا المدينةَ في فداءِ أسْراهم، كانوا يبيتونَ في المسجدِ، منهم جُبَيْرُ ابنُ مُطْعمٍ، قالَ حينَ كنتُ أسمعُ قراءةَ النبيِّ ﷺ " (٣٧)، هذا: مُرْسَلٌ. فيُؤخذُ منهُ: أنهمْ يدخلونَ بالإذْنِ، واللهُ أعلمُ. عن العِرْباضِ بن ساريةَ ﵁: " أنّ صاحبَ خيبرَ جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فشَكَا إليهِ بعضَ ما يلقونَ، فأمرَ الناسَ فاجتمعوا، وخطبَهُمْ، فذكرَ الحديثَ، إلى أنْ قالَ: فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : وإن الله لمْ يُحلَّ لكمْ أنْ تدخُلوا بيوتَ أهلِ الكتابِ إلا بإذنٍ، ولا ضربَ نسائهِمْ، ولا أكلَ ثمارِهمْ إذا أعطوْكمْ الذي عليْهمْ " (٣٨)، رواهُ أبو دوادَ. وهذا: مختصرٌ منهُ، وإسنادُهُ صالحٌ، وهو دليلٌ على: أنهُ يجبُ على الإمامِ أن يدفعَ عن الذمّةِ أذيّةً من جهةِ المسلمين.

стр. 711

وقالَ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ في وصيّتِهِ: " وأُوصي الخليفةَ بَعدي بذمّةِ اللهِ، وذمّةِ رسولِهِ، أن يُوفي لهمْ بعهدِهمْ، وأن يُقاتل مِن وَرائهم، ولا يُكلَّفوا إلا طاقتهم " (٣٩)، رواهُ البخاريُّ. قال تعالى: " فَإنْ جَاؤوكَ فاحْكُمْ بينَهمْ أوْ أعْرضْ عَنْهُمْ وإنْ تُعْرِضْ عنْهُمْ فلنْ يَضُرّوكَ شيْئاً وإنْ حَكمْتَ فاحْكُمْ بيْنَهمْ بالقِسْطِ إنَّ اللهَ يُحبُّ المُقْسِطينَ "، إلى قوله: " وأَنِ احْكُمْ بَيْنهُمْ بِمَا أنْزلَ اللهُ. . "، الآية، وهذهِ الآيةُ نزلَتْ في قصّةِ الرّجلِ والمرأةِ اللذين زنَيا، من اليهودِ، وقدْ تقدّمَ حديثُها من روايةِ ابنِ عمرَ ﵄. عن أنس ﵁، قالَ: " كانَ غلامٌ يهوديٌّ يخدمُ النبيَّ ﷺ ، فمرضَ فأتاهُ النبيُّ ﷺ يعودُهُ، وقعدَ عندَ رأسِهِ، فقالَ لهُ: أسلمْ، فنظرَ إلى أبيهِ وهو عندَهُ، فقالَ: أطعْ أبا القاسمِ، فأسلمَ، فخرجَ النبيُّ ﷺ وهو يقولُ: " الحمدُ للهِ الذي أنقذَهُ من النّارِ " (٤٠)، رواهُ البخاريُّ، والغلامُ ما دونَ البلوغِ عندَ أهلِ اللغةِ، يدلُّ على صحّةِ إسلامِ الصبيّ، واللهُ أعلمُ. ويُؤكّدُهُ ما روَياهُ في الصّحيحين عن ابنِ عمرَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لابنِ صيّادٍ، وقد قاربَ الحُلُم، أتشهدُ أني رسولُ اللهِ. . الحديث " (٤١). وقدْ أسلمَ عليٌّ ﵁، وهو دونَ البلوغِ بلا خلافٍ. عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلةَ: " أنّ يهوديّاً جاءَ إلى عمرَ بنِ الخطابِ وهو بالشامِ يَسْتعدي على عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجعيّ: أنهُ ضربَهُ وشجَّهُ، فسألَ عَوْفاً عن ذلكَ، فقالَ: يا أميرَ المُؤمنينَ، رأيتُهُ يسوقُ بامرأةٍ مسلمةٍ، فنخَسَ الحمارَ ليصرعَها فلمْ تُصرَعْ، ثمّ دفَعَها فخرّتْ عن الحمارِ فغشيها، ففعلتُ ما ترى (٤٢)، فذهبَ إليها عوفٌ فأخبرَها بما قالَ

стр. 712

لعمرَ، فذهبتْ لتجيءَ معهُ، فانطلَقَ أبوها وزوجُها، فأخبرا عمرَ بذلكَ، فقالَ عمرُ لليهوديّ: واللهِ ما عَلى هذا عاهدْناكُمْ، فأمرَ به فصُلِبَ، ثمَّ قالَ: يا أيّها الناسُ: فُوا بذمّةِ محمدٍ، فمنْ فعلَ منهمْ هذا، فلا ذمّةَ لهُ، قالَ سُويْدٌ: فإنهُ لأوّلُ مَصْلوبٍ رأيتُهُ " (٤٣)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. وفيهِ: أنَّ من زنا منهم بمسلمةٍ انتقضَ عهدُهُ، وإنْ لم يُشترَطْ، تقدم ذكرُهُ في الشروطِ العمريّةِ. عن الشَّعْبيِّ عن عليّ: " أنّ يهوديّةً كانتْ تتهم النبيَّ ﷺ ، فخنَقَها رجلٌ حتّى ماتتْ، فأبطلَ رسولُ اللهِ ﷺ دَمَها " (٤٤)، رواهُ أبو دوادَ، وعن ابنِ عبّاسٍ " أنّ رجلاً أعمى كانتْ لهُ أمُّ ولدٍ تشتمُ النبيَّ ﷺ ، وتقعُ فيهِ، فينهاها، فلا تنتهي، ويزجرُها فلا تنزَجرُ، فقتلها بمغْوَلٍ، فبلغَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقالَ: ألا أشهدوا أنّ دمَها هَدَرٌ " (٤٥)، رواهُ أبو دوادَ، والنّسائيُّ. وعن أبي بَرْزَةَ، قالَ: " كنتُ عندَ أبي بكرٍ، فتغيَّظَ على رجلٍ، فاشتدَّ عليهِ، فقلتُ: ائذن لي يا خليفةَ رسولِ اللهِ ﷺ أضربْ عنقهُ، فقالَ: فأذْهبتْ كلمتي غيظَهُ، فقامَ ودخلَ، فأرسلَ إليَّ، فقالَ: أكنتَ فاعلاً لوْ أمرْتُكَ؟، قلتُ: نعمْ، قالَ: لا، واللهِ، ما كانتْ لبشرٍ بعدَ محمدٍ ﷺ " (٤٦)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو دوداَ، والنّسائيُّ. عن غُرْفةَ بنِ الحارثِ الكِنْديّ ﵁: " أنهُ مرَّ بهِ نصرانيٌّ، فدعاهُ إلى الإسلامِ، فتناولَ النبيَّ ﷺ وذكرَهُ، فرفعَ غُرْفةُ يدهُ فدقَّ أنفهُ، فرفعَ إلى عمرو بنِ العاصِ، فقالَ عَمْرو: أعطيناهم العهدَ، فقالَ غرفةُ: معاذَ اللهِ، أنْ نكونَ أعطيناهم على أن يُظهروا شتمَ النبيِّ ﷺ ، إنما أعطيناهمْ على أن نُخلّيَ بينَهم وبينَ كنائسِهمْ يقولون فيها ما بَدا لهمْ، وأنْ لا نُحمّلَهمْ ما لا يُطيقون، وإن أرادهمْ عدوٌّ قاتلناهُمْ من ورائِهمْ،

стр. 713

ونُخلّي بينَهم وبينَ أحكامِهمْ، إلا أنْ يأتونا راضينَ بأحكامِنا، فنحكمَ بينهمْ بحكمِ اللهِ وحكمِ رسولِهِ، وإنْ غيَّبوا عنّا لمْ نَعْرضْ لهمْ، فقالَ لهُ عمْرو: صدقتَ، وكانَ غرْفةُ لهُ صحبةٌ " (٤٧)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. وهو من حديثِ ابنِ المباركِ عن حَرْملةَ بنِ عمرانَ، حدَّثني كعْبُ بنُ عَلْقَمةَ عن غُرْفةَ: فذكرَهُ. ورُوِّيناهُ من وجهٍ آخرَ من هذهِ الطريقِ، وفيهِ: " أنّ غُرفةَ لما دعاهُ إلى الإسلامِ، غضبَ وسبَّ النبيَّ ﷺ ، فقتلَهُ غرفةُ، فقال له عمرو: إنّما يطنأون (٤٨) إلينا بالعهدِ، فقالَ غرفةُ: ما صالحناهمْ أنهم يُؤذونا في اللهِ، وفي رسولِهِ ". تقدَّمَ: " أنَّ عمرَ ﵁ لما ذكرَ عوفُ بنُ مالكٍ عن ذلكَ اليهوديِّ: أنهُ فجرَ بالمسلمةِ، قتلهُ بالصّلبِ في الحالِ " (٤٩)، فدلَّ على أنهُ إذا انتقضَ عهدُ أحدِهمْ يُقتلُ في الحال، وهو أحدُ القولين في المسألةِ، واللهُ سبحانهُ أعلمُ.

стр. 714

١٤ - بابُ: عقْدِ الهُدْنةِ قالَ اللهُ: " براءةٌ مِنَ اللهِ وَرَسولِهِ إلى الّذينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْركينَ فسيحُوا في الأرضِ أرْبعةَ أشْهرٍ ". وهذهِ نزلتْ بعدَ فتحِ مكّةَ، وبعثَ بها رسولُ اللهِ ﷺ علياً معَ أبي بكرٍ سنةَ تِسْعٍ على الحجيج، يُنادي بها في مِنى كما هو في الصّحيحين (١)، فدلَّ على جوازِ مُهادنةِ المشركين أربعةَ أشهرٍ مع القدرةِ عليْهمْ، فأمّا إنْ خيفَ مَعرَّةُ العدوِّ، أو كانَ في المسلمين ضعفٌ عن مُناجزتِهم أو خيفَ من فِتنةٍ أكبرَ من القتالِ، فقدْ: روى البخاريُّ عن عُرْوة بنِ الزُّبيرِ عن المِسْورِ بنِ مَخْرمةَ ومرْوانَ بنِ الحكمِ في حديثِ صلحِ الحُديْبيةِ الطويلِ: أنّ بُديْلَ بن ورْقاءَ الخُزاعيِّ جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وقدْ نزلَ على أدنى مياهِ الحديبيةِ فقال: إني تركت بني كعب بن لؤي، وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذُ المطافيلُ، وهُمْ مقاتلوكَ وصادّوكَ عن البيتِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إنّا لمْ نجئْ لقتالِ أحدٍ، ولكنّا جئنا مُعْتمرين، وإنْ قريشاً قدْ نَهكَتْهمْ الحربُ وأضرَّتْ بهمْ، فإنْ شاؤوا مادَدْتُهمْ مدّةً، ويُخَلّوا بيني وبين الناس، فإنْ أظهرْ، إن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخلَ فيه الناسُ فعلوا، وإلا فقدْ جمّوا، وإلا فوالذي نفسي بيدِهِ لأقاتلنَّهمْ على أمري هذا حتّى تنفرِدَ سالفتي وليُنْفِذَنَّ اللهُ أمرَهُ، وذكرَ الحديثَ، إلى أنْ قالَ: فجاءَ سُهَيلُ بنُ عمْرو، فقاضاهُ على أنْ يرجعَ عنهم عامهُ هذا، وأنْ يَعْتمرَ من قابلٍ، وأنْ توضعَ الحربُ بينَهمْ مدّةً يأمن فيها الناسُ بعضهم بعضاً " (٢).

стр. 715

وفي مُسندِ الإمامِ أحمدَ: " هذا ما اصطلحَ عليهِ محمدُ بنُ عبدِ الله، وسُهَيلُ بنُ عَمْرو على وضعِ الحربِ عشرَ سنين، وإنَّ بينَنا عَيْبةً مَكفوفةً، وإنهُ لا إسْلالَ ولا إغلالَ " (٣). عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قالَ: " لما فدعَ أهلُ خيبرَ عبدَاللهِ بنَ عمرَ، قامَ عمرُ ﵁ خطيباً فقالَ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان عاملَ أهلِ خيبرَ على أموالهمْ، وقالَ: نقركُمْ ما أقرَّكُمْ اللهُ، وذكر بقيَّة الحديثِ " (٤)، رواهُ البخاريُّ. وفي لفظٍ، لهُ تعليقاً عن ابنِ عمرَ في حديثٍ طويلٍ، قالَ فيه: " فأرادَ يعني رسولَ اللهِ ﷺ أن يُجليَهمْ منها، فقالوا: يا محمدُ، دَعْنا نكونُ في هذهِ نُصلحُها، ونقومُ عليها، ولمْ يكنْ لرسولِ اللهِ ﷺ ، ولا لأصحابهِ غلمانٌ يقومون عليها، ولا يفرُغونَ أنْ يقوموا، فأعطاهُمْ خيبرَ على أنَّ لهمْ الشَّطر من كلِّ زرعٍ، وشيءٍ، ما بدا لرسولِ اللهِ ﷺ . . الحديث " (٥). ففيه من الفقهِ: أنهُ إنْ هادنَ على أنّ الخيارَ إليهِ في الفسخِ متى شاءَ، جاز واللهُ أعلمُ. قدْ تقدّمَ اشتراطُهمْ، وإنَّ بيننا عيبةً مكفوفةً، وإنهُ لا إسلالَ ولا إغلالَ، وحاصلُهُ كفُّ الشّرِّ ودفعُ الأذى من بينهم، فيُؤخذُ منهُ: أنهُ يجبُ على الإمامِ أن يدفعَ عنهم الأذيّةَ من جهةِ المسلمين. وأمّا ردُّ الرّجالِ، فقد روى البخاريُّ: " أنهُ ﵇ شرَطَ لهمْ ردَّ من جاءَ منهم حيثُ قالوا: وعلى أنهُ لا يأتيكَ منّا أحدٌ، وإنْ كانَ على دينِكَ إلا رددْتَهُ علينا - الحديث " (٦).

стр. 716

فقيلَ: إنهُ عامٌّ في الرّجالِ والنّساءِ، فتكون الآيةُ في سورةِ الممتحنةِ مُخصّصةً لهذا الحديثِ، حيثُ أخرجتْ ردّ النّساءِ منهُ، وهذا من غريب ما يقعُ، وقيلَ: بلْ كانَ المرادُ الرّجالَ، فقطْ، ويُؤيّدُهُ الرّوايةُ الأخرى للبخاريّ: " وعلى أنهُ لا يأتيكَ منّا رجلٌ، وإن كانَ على دينِكَ، إلا رَددْتَهُ علينا، وخلّيتَ بينَنا وبينَهُ " (٧)، وأبى سُهَيْلُ بنُ عمرو إلا ذلكَ، فقاضاهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، وردَّ أبا جَنْدل بنَ سُهَيْلٍ إلى أبيهِ سُهَيْلٍ، ولمْ يأتِ رسولَ اللهِ ﷺ أحدٌ من الرّجالِ إلا ردّهُ في تلكَ المدّةِ، وإنْ كانَ مُسلماً، وجاءتِ المسلماتُ مُهاجراتٍ، فكانت أمُّ كلثوم بنتُ عُقْبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ ممّنْ خرجَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهي عاتقٌ، فجاءَ أهلُها يسألون رسولَ اللهِ ﷺ أن يُرجعها إليهمْ، حتّى أنزلَ اللهُ في المؤمناتِ ما أنزلَ، قالَ تعالى: " وإمَّا تخافنَّ مِنْ قومٍ خيانةً فانْبذْ إليْهمْ على سَواء إنَّ اللهَ لا يُحبُّ الخَائنينَ ". عن سُليْم بنِ عامرٍ، قالَ: " كانَ بينَ معاويةَ وقومٍ من الرّومِ عهدٌ، فجعلَ معاويةُ يسيرُ في أرضهمْ حتّى ينقضيَ فيغيرَ عليهمْ، وإذا رجلٌ على دابّةٍ أو برذونٍ، وهو يقولُ: اللهُ أكبرُ، وفاءٌ، لا غدرٌ، فإذا هو: عمرو بنُ عَبسةَ، فسألهُ مُعاويةُ عن ذلكَ، فقالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " مَنْ كانَ بينَهُ وبين قومٍ عهدٌ، فلا يَحلّنَّ عُقْدةً ولا يَشدُّها حتّى ينقضيَ أمدُهُ، أو يَنبذَ إليهم على سَواءٍ، قالَ: فرجعَ معاويةُ بالناسِ " (٨)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ. عن عبدِ الرّحمنِ بنِ أبْزَى، وعبدِ الله بنِ أبي أوْفى، قالا: " كنّا نصيبُ المغانمَ معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وكانَ يأتينا أنباطٌ من أنباطِ الشامِ فُنسلِفُهمْ في الحنطةِ والشّعيرِ إلى أجلٍ مُسمّىً، قيلَ: أو كانَ لهم زرعٌ أو لمْ يكنْ؟، فقالا: ما كُنّا نسألُهمْ عن ذلكَ " (٩)، رواهُ البخاريُّ.

стр. 717

والغرضُ من إيرادِ هذا الحديثِ هاهُنا معَ أنهُ قد تقدّمَ في بابِ السَّلَمِ، أنهُ يجوزُ للإمامِ أنْ يأذنَ للحربيِّ في دخولِ دارِ الإسلامِ للتجارةِ ينتفعُ بها المسلمون، لأنّ الشامَ كانتْ أيامَ رسولِ اللهِ ﷺ دارَ حربٍ. قالَ مالكٌ: عن ابنِ شهابٍ عن سالمٍ عن أبيهِ: " أنّ عمرَ بنَ الخطابِ كانَ يأخذُ من النبطِ من الحنطةِ والزّيتِ نصفَ العُشْرِ، يريدُ بذلكَ أن يكثر مأخذ الحمل إلى المدينةِ، ويأخذُ من القطنيةِ العُشر " (١٠). عن نُعَيْمِ بنِ مسعودٍ الأشْجعيِّ ﵁، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقولُ: " حينَ قرأ كتابَ مُسَيْلمةَ الكذّابِ، قالَ للرسولين: ما تقولانِ أنتما؟، قالا: نقولُ كما قالَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لولا أنَّ الرّسلَ لا تُقْتلُ، لضربتُ أعناقكما " (١١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو دوادَ. قلتُ: وهذان الرّجلان هما: حجرُ بن أثالٍ، وعبدُ اللهِ بنُ النّواحةِ الذي ضربَ عبد اللهِ بن مسعودٍ عنقهُ فيما بعدُ، كذا جاءَ مصرَّحاً باسمهما في مسندِ الإمامِ أحمد بنِ حَنْبلٍ، وهذا الحديثُ دليلٌ على أنهُ يجوزُ دخولُهم بإذنِ الإمامِ لإداءِ الرّسالةِ.

стр. 718

١٥ - بابُ: خراج السَّواد قالَ الرّبيعُ: قالَ الشافعيُّ: أخبرَنَا الثقةُ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ عن جريرِ بنِ عبد اللهِ، قالَ: " كانتْ بجيلةُ رُبعَ الناسِ، فقُسِمَ لهمْ رُبعُ السّوادِ، فاستغلّوهُ ثلاثاً أو أربعَ سنين. أنا شككتُ، ثمّ قدمتُ على عمرَ، فقالَ: لولا أني قاسمٌ مسؤولٌ لتُرِكْتمْ على ما قُسمَ لكمْ، ولكنْ أرى أن تَرُدّوا على الناسِ، قالَ الشافعيُّ: وكان في حديثِهِ: " وعاضَني من حقّي فيه نَيْفاً وثمانين ديناراً " (١). وهكذا رَواهُ عبدُالله بنُ المباركِ، وسفيانُ بنُ عيَيْنةَ، وهُشَيْمٌ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ بنحوهِ. عن الشَّعبيِّ، قالَ: " اشترى عُتْبةُ بنُ فرْقَدٍ أرضاً من أرضِ الخراجِ، ثمّ أتى عمرَ، فأخبرَهُ، فقالَ: ممّن اشتريْتَها؟، قالَ: من أهلِها، قالَ: فهؤلاءِ أهلُها المسلمون، أبعتموهُ شيئاً؟، قالوا: لا، قالَ: اذهبْ، فاطلبْ مالكَ " (٢)، رواهُ البيهقيُّ. وفي روايةٍ عن الشعبي عن عُتْبةَ، قالَ: " اشتريتُ عشرةَ أجْربةٍ من أرضِ السَّوادِ على شاطئِ الفراتِ لقضبِ دوابّي، فذكرتُ ذلكَ لعمرَ: فذكرَ نحوهُ " (٣). فهذا يدلُّ على أنّ أرضَ السّوادِ وقفَها عمرُ ﵁. وقد رُويَ نحو هذا عنهُ من وجوهٍ عديدةٍ، واللهُ أعلمُ.

стр. 719

عن سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنَعتِ العراقُ درهمَها وقفيزَها، ومنعتِ الشامُ مُدْيَها ودينارَها، ومنَعتْ مِصْرُ إرْدَبَّها ودينارَها، وعُدتمْ من حيثُ بدَأتُمْ، وعُدْتمْ من حيثُ بدأتم، وعُدْتمْ من حيثُ بدأتُمْ، ثمَّ شهدَ على ذلكَ لحمُ أبي هريرةَ ودمهُ " (٤)، رواهُ مسلمٌ. قالَ يحيى بنُ آدمَ: ذكرَ الدَّرهمَ والقفزَ قبلَ أن يضعهُ عمرُ على الأرضِ. عن قتادَةَ عن أبي مِجْلزٍ لاحقِ بنِ حُميْدٍ، قالَ: " بعثَ عمرُ بنُ الخطابِ عمّاراً، وابنَ مسعودٍ، وعثمانَ بنَ حُنيْفٍ إلى الكوفةِ، فعمّارُ على الجيوشِ، وابنُ مسعودٍ على القضاءِ وعلى بيتِ المالِ، وعثمانُ بنُ حُنَيْفٍ على مساحةِ الأرضِ، قالَ: فوضعَ عثمانُ ابنُ حُنيفٍ على جَريب الكرم عَشرةَ دراهمَ، وعلى جريبِ النّخلِ ثمانيةَ دراهمَ، وعلى جريبِ القصبِ ستّةَ دراهمَ، وعلى جريبِ البُرِّ أربعَة دراهمَ، وعلى جريبِ الشّعيرِ درهمين " (٥)، رواهُ البيهقيُّ. ورُويَ من حديثِ وَكيعٍ عن ابنِ أبي ليْلى عن الحَكَمِ بنِ عُتَيْبة: " أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ بعثَ عثمانَ بنَ حُنَيْفٍ، فمسحَ السّوادَ، فوضعَ على كلّ جريبٍ عامرٍ أو غامر ينالهُ الماءُ قفيزاً ودرهماً، قالَ وكيعٌ: يعني - الحنطةَ والشّعير، ووضع على كلِّ جريبٍ من الكرمِ عشرةَ دراهمَ، وعلى كل جَريبِ الرّطابِ خمسةَ دراهمَ " (٦). وهذا: مُنقطعٌ، فإنَّ الحكمَ لمْ يُدركْ عمرَ.

стр. 720

١٠ - كتابُ الحدودِ ١ - بابُ: حَدِّ الزِّنا قال اللهُ: " ولا تقْربُوا الزِّنَا إنَّهُ كانَ فَاحِشةً وساءَ سَبيلاً ". وقالَ تعالى: " والَّذينَ هُمْ لِفُرُوجهِمْ حافِظونَ إلاَّ على أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلكَتْ أيْمانُهُمْ فإنَّهُمْ غَيْرُ مَلومينَ ". عن أبي هُريرةَ قالَ: " أتى رسولَ اللهِ ﷺ رجلٌ من المسلمينَ، وهو في المسجدِ، فناداهُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ: إنّي زنيتُ - يريدُ نفسَه -، فأعرضَ عنهُ، فتنَحّى لشقِّ وجهِهِ الذي أعرضَ قبلَهُ، فلما شهدَ على نفسِهِ أربعَ شهاداتٍ، دعاهُ النبيُّ ﷺ ، فقالَ: أبكَ جنونٌ؟، قالَ: لا، يا رسولَ اللهِ، قالَ: أحصنتَ؟، قالَ: نعَمْ، يا رسولَ اللهِ، قالَ: اذهبوا بهِ فأرجموهُ، قالَ ابنُ شهابٍ: فأخبرني مَنْ سمعَ جابراً: فكنتُ فيمنْ رجَمَهُ، فرجمناهُ بالمُصَلّى، فلما أذْلقْتهُ الحجارةُ جمزَ حتّى أدركناهُ بالحرَّةِ، فرجمناه " (١)، أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاريِّ. وتقدّم حديثُ: " رُفعَ عن أمّتي الخطأ، والنّسيانُ، وما اسْتُكرِهوا عليهِ " (٢). ورَوى الإمامُ أحمدُ عن الشَّعْبيِّ: أنّ علياً قالَ لشراحةَ: لعلّكَ رأيتِ في منامِك، لعلّكِ استُكْرِهتِ، لعلّ زوجَكِ أتاكِ، لعلّكِ لَعلَّكِ، فكلُّ ذلكَ تقولُ: لا، وذكرَ الحديث " (٣).
следующие страницы →