Полный текст (254 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
إني لأخشى أن أموت، فتُنكَحي، ... ويُقدف في أيدي المراضع مَعمرُ
فحالت ستورٌ بعده ووليدةٌ، ... وأشغلهم عنه نحورٌ ومُجْمَرُ
قالت: ما كنتُ فاعلةً. قال الشيخ: فوالله ما انقضت عنها عِدّتها حتى تزوجت بشابّ من الحي، ورأيت كما مصف.
قال: وأنشدني بعض الشعراء:
إنّ من غَرّه النساء بشيءٍ، ... بعد هند لجاهلٌ مغرورُ
كل أنثى، وإن بدا لك منها ... غاية الحب، حبُّها خَيتَعورُ
وإن الوفاء فيهن عَزيز، وغير موجود، ووالله لئن كان كذاك وعُرفن بذاك، ففي الرجال من هو أكثر منهن غدراً، وأسرع منهن خَتراً، وأسمح منهن تنقّلاً، وأقبح منهن تبدُّلاً.
غدر الرجال
خُبِّرت عن الأصمعي قال: كان رجل من الأعراب يُظهر الوجدَ لامرأته، والحب لها. وكانت تُظهر له مثل ذلك، فتعاهدا ألاّ يتزوّج منهما الباقي بعد صاحبه، فاختُرمَت المرأة قبله، فخطب الرجل امرأةً من يومه ذلك، فقيل له: أتخطب بعد يمينك وعهدك؟ فقال:
خَطَبْتُ، كما لو كنتُ قد مُتُّ قبلها، ... لكانت، بلا شكٍّ، لأول خاطبِ
إذا غاب بعلٌ كان بعلٌ مكانه، ... ولا بدّ من آتٍ وأخرَ ذاهبِ
стр. 107
وخُبّرت أن بعض وُلاة العهود كانت له جاريةٌ، فكان يُظهر الميل إليها، والاستهتار بحبها. وكان يقول لها: إذا أفضتِ الخلافة إليه أن يفضّلها على نسائه، ويقدّمها في البِرّ والكرامة عليهنّ، فلما بلغ من ذلك أمله جفاها واطّرحها وقَلاها، فكتبت إليه:
أين ذاك الوُدُّ والقَبول، ... وأين ما كنتَ لنا تقول؟
فكتب إليها:
قد قال في أشعاره لَبيدُ: ... يا حبّذا الطارف والتليد
فعلمت أنه لا حاجة له فيها. فهذا في القُبح يتجاوز غدر النساء، ويعلو على كثير من جنايات الإماء، وإنهنّ، والله، على ما فيهن من الغدر والخيانة والشرّ، لربما عَشِقن فاشتهرن، ووفين فأحسنّ.
وفاء النساء
وإن من حُسن ما بلغ من وفائهن ما صنعتْه ابنة الفَرافِصة مع عثمان بن عفان، ﵁، وكان من قصّتها أن سعيد بن العاص تزوج هند ابنة الفَرافِصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحرث بن حصن بن ضمضم بن عدي بن جناب الكليبة، فبلغ ذلك عثمان بن عفان، فكتب إلى سعيد: أما بعد، فقد بلغني أنك تزوّجتَ امرأةً من كلب، فاكتب إليّ بنسبها وجمالها. فكتب إليه سعيد: أما بعد، أما نسبُها، فه ابنة الفَرافِصة بن الأحوص، وأما جمالها، فبيضاء، مَديدة، والسلام. فكتب إليه عثمان: إن كانت لها أختٌ فزوِّجْنيها. فبعث سعيد إلى أبيها، فخطب إليه إحدى بناته على عثمان، فقال الفَرافصة لابن له يُدعى ضبّاً، وكان قد أسلم، وأبوه نصراني: يا بُنيّ! زوّج
стр. 108
عثمان بن عفان أختك، فزوّجه. فلما أراد حملها قال لها أبوها: أي بُنيّة! إنك ستقدمين على نساء قريش، وهن أقدر على الطيب منك فاحفظي عني اثنتين: تكحّلي وتطيّبي بالماء، حتى تكون ريحك كريح الشباب التطهَّرين. فلما حُملت شقّ عليها الغُربة واشتاقت إلى أهلها، فقالت:
ألستَ ترى، يا ضَبّ بالله، أنني ... مصاحبةٌ نحو المدينة أركبا
إذا قطعوا خَرْقاً تخبّ رِكابها، ... كما زعزعت ريحٌ يراعاً مُقصَّبا
لقد كان في أبناء حِصن بن ضمضمٍ، ... لك الويل، ما يُغني الخِباء المُطنَّبا
قلما قدمت على عثمان بن عفان قعد على سرير، وألقى لها سريراً حياله، فجلست عليه، ورفع العِمامة عن رأسه، فبدا الصلع فقال: يا ابنة الفَرافصة، لا يهولنّك ما ترين من الصلع، فإن من ورائه ما تحبين. قالت: إني لمن نُسوةٍ أحب بعولتهنّ إليهنّ الكهول البيض، السادة. فقال: إما أن تقومي إليّ وإما أن أقوم إليك. فقالت: ما تجشّمتُ من كراهة جَنباتِ السماوة أبعد مما بيني وبينك. ثم قامت إليه، فجلست إلى جانبه، فمسح رأسها، ودعا بالبركة، وقال: اطرحي عنك خِمارك، فطرحته، ثم قال: اخلعي دِرعك، فخلعته، ثم قال: حُلّي إزارك، فقالت: ذاك إليك، فحلّه، فكانت من أحظى نسائه عنده. فلما كان يوم الدار أهوى رجلٌ إلى عثمان بالسيف، فألقت نفسها عليه، فضرب عَجيزتها، وكانت من أعظم النساء عَجيزةٌ، فقالت: أشهد أنك فاسقٌ لم تأت غضباً لله ولرسوله! فأهوى إليها بالسيف ليضربها، فاتّقته بيدها فقطع إصبعين من أصابعها، فلما قُتل عثمان قالت فيه ترثيه:
ألا إنّ خير الناس بعد نبيّه ... قتيل التَّجوبيّ الذي جاء من مِصرِ
стр. 109
وما لي لا أبكي، وتبكي قَرابتي، ... وقد ذهبَت عنا فُضول أبي عمرِو
فبعث معاوية بعد ذلك يخطبها، فنزعت ثنيّتها العليا وقالت: أذاتُ عروسٍ هذه. فهذا، والله، حسنٌ من وفاء النساء.
وقد تقدم ذكر جماعة من أهل الوفاء اللاتي قتلن أنفسهن في أثر متعشّقهيهنّ أغنى عن كثير من أخبارهنّ.
عبد الله بن علقمة وحُبيشة
وقد رُوي أيضاً عن أبي حَدْرَد الأسلمي قال: نشأ فينا غُلامٌ يقال له: عبد الله علقمة، فعلق جاريةً منا يقال لها حُبيشة لم تكن من فخذه، وكان يتحدّث إليها كثيراً. فخرج ذات يوم من عندها، فنظر إلى ظبيةٍ على رابية فالتفت إلى أمّه وهو يقول:
يا أُمّتي خبّريني غير كاذبةٍ، ... وما يُريد مَسولُ الخُبرِ بالكذبِ
حُبيشٌ أحسنُ أم ظبيُ برابيةٍ، ... لا بل حُبيشةُ من ظبيٍ ومن ذهبِ
ثم انصرف من عندها مرة أخرى فأصابته السماء، فأنشأ يقول:
وما أدري إذا أبصرتُ يوماً، ... أصوب القطر أحسن أم حُبيشُ
حُبيشة والذي خلق الهدايا، ... على أن ليس عند حُبيشَ عيشُ
فلما سمع بذلك قومه قالوا لأمه: هذا غلامٌ يتيمٌ لا مال عنده، وآل تلك يرغبون عنكم، فانظري له بعض نساء قومه، لعله يسْلى عنها، فزوّجته جاريةٌ ذات جمال وكمال، وزيّنتها بأحسن زينةٍ، وأقامتها بين يديه، فلما نظر إليها قال: مرعىً ولا كالسعدان! فذهبَت كلمتُه مثلاً، والسعدان نَبْتٌ يرعاه إبل الملوك؛ فعلموا أنه لا ينصرف عن هواها. فتواعدوا حُبيشة وقالوا: إذا جاء فأعرضي عنه، وتجهّميه بالكلام، رجاء أن ينصرف بعض الانصراف. فلما
стр. 110
رآها لم تستطع أن تفعل ما أُمرت به غير أنها جعلت تنظر إليه وتبكي، فعلم بقصّتها، فانصرف وهو يقول:
وما كان حبي عن نوالٍ بذلتُه، ... فليس بمُسليه التجهّن والهَجر
سوى أن دائي منك داءٌ مودةٍ، ... قديماً ولم يُمزَج كما مُزج الخمر
وما أنس ملأشياء لا أنسَ دمعها ... ونظرتها حتى يُغيّبني القبر
ثم مكثا على حالهما، وطول وحدهما، إلى أن وافتهما خيلٌ خالد بن الوليد يوم الغُميضاء، فأُخذا فيمن أُخذ من الأسرى فأُوثقا رباطاً.
وهذا حديثٌ مشتهر قد رواه محمد بن حميد الخُراساني عن سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، وحكاه المدائني عن يعقوب بن عُتبة بن المُغيرة الثقفي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أبي حَدْرَد الأسلمي عن أبيه قال: كنتُ يوم الغُميضاء، وهو يوم بني جذيمة، في خيل خالد بن الوليد المخزومي، حين وجهه رسول الله، ﷺ ، فقتل وأسر، فقال لي فتىً منهم، وقد جُمعت يداه إلى عُنُقه، ونُسوةٌ مجتمعاتٌ غير بعيدٍ منه: يا فتى! هل أنت آخذٌ بزمام ناقتي، فقائدي إلى هؤلاء النسوة، فأقضي إليهن حاجةً، ثم ترى بعد ذلك ما بدا لك؟ قلتُ: يسيرٌ ما سألتَ، فألحقته بهن، فوقف عليهن، فاقل: اسلمي حُبيش على نفاذ العيش! قالت: وأنت فاسلم سعيتَ سقاك ربي الغيث؛ ثم قالت: وأنت فحُيّيتُ عشراً وسبعاً وِتراً وثمانياً تترى، فقال الفتى:
أريتكِ إذ طالبتكم، فوجدتكم ... بحَليةَ، أو ألفيتكُم بالخوانقِِ
ألم يكُ حقّاً أن يُنوَّلَ عاشقٌ ... يُكلَّفُ إدلاج السُّرى والودائقِ
стр. 111
فلا ذنب لي، قد قلت إذ نحن جِيزةٌ: ... أثيبي بوُدٍّ قبل إحدى الصفائق
أثيبي بودٍّ قبل أن يشحط النوى، ... وينأى عدوٌّ بالمحب المفارق
فإني ما ضيّعتُ سر أمانةٍ، ... ولا راق عيني، بعد وجهك، رائقُ
على أن ما نال العشيرة شاغلٌ ... عن الودّ إلا أن يكون التَّوامقُ
ثم بكى وبكت، ثم أنشأ يقول:
فإن يقتلوني، يا حُبيشُ، فلم يدع ... هواكِ لهم مني سوى غُلّةِ الصدرِ
وأنتِ التي انحلت جِلدي على دمي، ... وعظمي، وأسبلت الدموع على النحر
ثم انصرفت به، فضربتُ عنقه، فنظرتْ إليه فأقبلت حتى أكبّت عليه.
عفراء وعروة
وقد فعلت أيضاً مثل ذلك عفراء بنت عِقال بعروة بن حزتم؛ لما بلغها موته استأذنت من زوجها في زيارة قبره، فخرجت في نُسوة لها، حتى وردت قبره، فلما رأته من بعيد صرخت ثم دنت فرمت بنفسها عن راحلتها، ثم جعلت تبكي ونشهق غلة أن خمد صوتها، فدنوا منها، فوجدوها ميتة، فدفنت إلى جانبه.
هاتف من القبر
وروى الأصمعي أيضاً قال: حرجتُ أريد بعض أحياء العرب، فجنّتي الليل، وبتّ في جَبّان، وتوسّدتُ قبراً، فسمعت في الليل من القبر قائلاً يقول:
أنعم الله بالخيالَين عيناً، ... وبمسراكِ، يا سُعاد، إلينا
وحشةً ما لقيتُ من خَلَل القب ... ر، عسى أن أراك، أو أن ترينا
فأرقتُ له ليلتي، فلما أصبحتُ دخلت الحيَّ، فإذا بجنازة قد أقبل بها،
стр. 112
فسألت عنها، فقيل: هذه سعاد كانت تحبّ ابن عمٍّ لها، وإنهما تعاقدا على الوفاء فهلك قبلها، فلم تزل تبكي عليه، فها هي قد لحقت به. فتبعتُهُم، حتى دُفنت إلى جانب القبر الذي بِتُّ عنده، وإذا هو قبر ابن همها، فخبّرتهم بما سمعتُ وانصرفت.
مالك الغساني وابنة عم النعمان بن بشير
ورُوي أن مالك بن عمرو الغساني تزوج ابنة عمّ للنعمان بن بشير الأنصاري، فأحب كل واحد منهما صاحبه، وكان شجاعاً بطلاً مقداماً، فعهدَتْ إليه أن لا يباشر حرباً، ثم إنه غدا، فلقي العدوّ، فطُعن، فقال وهو يجود بنفسه:
ألا ليت شعري عن غزالٍ تركتُهُ، ... إذا ما أتتهُ ميتتي كيف يصنع
أيلبس أثواب الحداد تفجّعاً، ... على مالكٍ أم فيه للبعل مَطمَعُ
فلو أنني كنتُ الموخَّر بعده، ... لما برححَت نفسي عليه تقطَّعُ
فلما أتاها خبره استمسك لسانها حولاً، فقال رهطها وعشيرتها: لو زوّجتموها غيره، لعلها تسلى، وتُفيق، فزوّجوها رجلاً من أبناء الملوكِ، فساق إليها هديةً عظيمة القدر، فلما كان ليلة بنائه بها أخذت بعضادتي الباب ثم أنشأت تقول:
يقول رجالٌ: زوَّجوها لعلّها ... تُفيق وترضى بعده بحليلِ
فأضمرتُ في النفس التي ليس بعده ... رجاءٌ لها، والصدق أفضل قيلِ
أبعد ابن عمرٍو سيّد القوم مالكٍ ... أزفّ إلى زوجٍ بعَضبٍ كليلِ
стр. 113
وخبّرني أصحابه أنّ مالكاً ... خفيفٌ على العلاّت غير ثقيل
وخبّرني أصحابه أن مالكاً ... ضَروبٌ بماضي الشَّفرتين صقيلِ
وخبّرني أصحابه أنّ مالكاً ... جوادٌ بما في الرحل غير بخيلِ
وخبّرني أصحابه أنّ مالكاً ... ثوى، وتنادى صحبُهُ برحيلِ
فما كان يشيني خليلي بخُلّةٍ، ... وما كنتُ أشري مالكاً بخليلِ
فقال لها بعلها: ارجعي إلى أهلك، ولك كل ما سُقتُ إليك، مثلك فليتزوّج الرجال.
العامرية ووفاؤها
ومن حُسن وفائهن أيضاً ما رواه الهيثم بن عَديّ، فإنه كان في بني عامر بن صعصعة امرأةٌ توفي عنها زوجها، ولها ابنا عمّ، فصارا إلى بعض شيوخهم، فقالا له: فلانة جاريةٌ شابةٌ، والقالة إلى مثلها سريعةٌ، فوجّه إليها فلتحضرْ، واعرِض عليها أيّنا أهوى إليها، حتى يتزوجها. فوجه الشيخ إليها، فأتته، فعرض عليها مقالتهما. فأطرقت مليّاً تنكُتُ الأرض، حتى حفرت فيها حفيرةً، وملأتها من دموعها. وكان زوجها دُفن بمقبرةٍ تدعى بحَوضى، فالتفتت إلى ابني عمها، وأنشأت تقول:
فإن تسألاني عن هواي، فإنه ... رهينٌ بحوضى، أيها الفتيانِ
وإني لأستحييه، والموت دوننا، ... كما كنتُ أستحييه حين يراني
أهابك إجلالاً، وإن كنتُ في الثرى ... لوجهك يوماً إن يسؤْكَ مكاني
стр. 114
وقامت فانصرفت. فقال: قد رأيتما وسمعتما. فانصرفا، وقد يئسا، ثم لقياها يوماً في المقابر وعليها مُصبَّغاتٌ وحلىً وحُللٌ، فقال أحدهما لصاحبه: ما ترى في أي زيّ خرجت، والله ما أراها إلا متعرّضةً للرجال، هلمّ فلننظر ما تصنع. فقربا منها، فأتت القبر فالتزمته، ثم أنشأت تقول:
يا صاحب القبر يا من كان يؤنسي ... وكان يُحسن في الدنيا مؤاتاتي
أزور قبرك في حَلْيٍ وفي حُلَلٍ، ... كأنني لست من أهل المصيبات
أتيتُ ما كنتَ من قُربي تحب، وما ... قد كان يلهيك في ألوان لذّاتي
ومن يراني يرى عَبرى مفجَّعةً، ... طويلة الحُزن في زُوّار أموات
ثم شهقت فماتت.
ومثل هذا وأشباهه من الوفاء قليل في النساء وهو من وفاتهن عجبٌ، والغدر عليهن أغلب، إذ على ذلك طبع خلقهنُ، وعليه جُعلت بنيتهنّ. وسأصف لك جملة من مكرهنّ لتقف به على غدرهن، إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله.
стр. 115
الجزء الثاني
стр. 116
" بسم الله الرحمن الرحيم " لا إله إلا الله وحده لا شريك له. الحمد لله رب العالمين وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، أما بعد: فإنه قد ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب أشياء من عيون فنون الأدب يرغب فيها ذوو الحِجى وينتهي إليها ذوو النُّهى، وقد مضى من الجدّ عدة أبوابٍ فيها مقنَعٌ لذوي الألباب، ولا بد من خلطها بشيء من الهَزل، إذا في ذلك ترويحٌ لقلوب ذوي العقل.
وآخر ما ذكرنا في الجزء الأول ذكر الوفيات من النساء، وأنا أُتبعه في هذا الجزء بباب ذكر ذوات الغدر من الإماء ثم أصله بما يتصل، وأفصله من حيث ينفصل، إن شاء الله وبه القوة.
صفة ذم القيان ونفوذ حيلتهن في الفتيان
اعلم أنه لم يُبتلَ أحدٌ من أهل المروءات والأدب، وأهل التظرُّف والأرَب، ولا امتُحن سَراة الفتيان ببليّة هي أعظم من هوى القيان، لأن حبهن جب كذوبٌ، وعشقهن عشق مشوب، وهواهنّ منسوبٌ إلى الملل، ليس بثابتٍ ولا متّصلٍ، وإنما هو لطمعٍ وعرَضٍ، وهنّ سريعات الغرض، يُستدلّ على ذلك بأفعالهن الردية، وأخلاقهن السيئة، وأنهن لن
стр. 117
يقصدن إلا أهل النشث، ويُصدُفن عن ذوي الحسب، وأن محبّتهن تظهر ما ظهرت علامات اليسار والمال، وتنتقل عند الإفلاس والإقلال. وليس إظهارهن للمحبة مما ينعقد عليه منهن ذوو الآداب، ولا بما ينخدع به لهن ذوو الألباب. وكل ذلك منهن غرورٌ، وخداع وزور، ولا مرجع له ولا محصول، وإنما أمرهنّ عند ذوي الجهالة مجهول. وما رأيت لكثيرٍ من الأدباء الذين سلكوا سبيل التشبيث بالنساء، رغبةً في تعشُّق الإماء، وقد أنشدني بعض الظرفاء:
ليس عشقُ الإماء من شكل مثلي، ... إنما يعشق الإماء العبيدُ
صِلْ، إذا ما وصلتَ، حُرّة قوم، ... قد حماها آباؤها والجدود
ومن أدلّ الأشياء على خُبث سرائر الإماء أن الواحدة منهن، إذا رأت في مجلس فتىً له غنىً وكثرة مال، ويسار وحسن حال، مالت إليه لتخدعه، وأقبلت عليه لتصرعه، ومنحته نظرها، وأبدته بصرها، وغمزتْه بطَرْفها، وأشارت إليه بكفها، وغنّت على كاساته، ومالت إلى مَرضاته، وشربت من فَضلة كأسه، وأومأت إلى تقبيل رأسه، حتى تُوقِع المسكين في حبالها، وترهقه باحتيالها، وتُعلّق قلبه بحبها، وتُطعمه من قربها، وتحويه بلطف تملُّقها، وتستبيه ببديع تقنُّعها، وبالمكر والخداع، وتطلُّبها للاجتماع، وتباكيها لفرقته، وتحازنها عند روحته، ثم ترسل بالرسل، وتُعاديه بالخَتل، وتخبره عن سهرها، وتُنبئه عن فكرها، وتشكو إليه القلق وتُخبره بالأرق،
стр. 118
وتبعث إليه بخاتمها، وفضلةٍ من شعرها، وقُلامةٍ من ظفرها، وشظيّة من مِضرابها، وقطعةٍ من مِسواكها، ولُبانٍ قد جعلته عوضاً من قُبلتها، ومُضغةٍ لتخبره عن نكهتها، وكتابٍ قد نمّقته بظَرفها، وطيّبته بكفها، وسَحته بوترٍ من عودها، ونقّطت عليه قطراتٍ من دمعها، وختمته بغاليةٍ قد عُدّل بالعنبر متنها، واستمسك تحت الخاتم عجنها، وطبعت عليه بفَصّ قد نقشت عليه مداعبتها، وتمثّلت عليه ببعض مَجانتها، وضمّنت الكتاب شكوى شوق مريضٍ، وصفة شوق ممرِّض، تسأله المؤاتاة على حبها، والإعانة على كربها، وأن يبعث يطلب زيارتها، لتقرّ بالنظر إليه عينها، وينفرج عنها حزنها، فيُطمع الغمز في قربها، ولا يشَّ في الكلام في إخلاص حبها، فيميل إليها بودّه، وتُصفيه بمكنون حبه، حتى إذا حوت عقله، وصارت شغله، واستمالت لبّه، وسلبت قلبه، واستمكنت من قربه، ووثقت بصحيح حبه، وعلمت أنه غريقٌ في بحر البلية، أخذت في طلب الهدايا السرية، وتشهّت الثياب العَدَنية، والأزر النيسابورية، والأشقاق الأنجاجية، والأردية الرشيدية، والعمائم السوسية، والشكك الإبريسمية، والخفاف الرُّنانية، والنعال الكَنباتية، والحلق المحشوية، والعصائب المرصّعة، والدَّستينجات المفصّلة، وخواتيم الياقوت المُثمِنة، وتمارضت من غير سقم، وشكت من غير ألم، وفُصدت من غير علة وداء، وتعالجت من غير حاجة منها إلى الدواء، لتجيشها هدايا ذوي الوَجد، في المرض والفصد، من القُمُص
стр. 119
المعنبَرة، والغلائل الممسَّكة، والأردية المرشوشة، واللخالخ المعجونة، ومخانق الكافور المنظومة، ومراسل القرنفل المخمّر، والمسك الأذفر، والعنبر الأشهب، والعود الهندي، والنَّدّ الخَزائني، والماورد الجوري، والحُملان الحَوْلية، والجداء الرُّضَّع، والبطّ الصيني، والفراريج الكسكرية، والدجاج الفائق، والفراخ المسمَّنة، والنبانيج المنضَّدة بأنواع الرياحين والفاكهة، يتبعها صنوفٌ من الشراب المعسَّل، والدوشاب المطبوخ والمشمَّس، ونبيذ السكر والقِشمِش، ثم الدنانير الجُدد الشهرية، والدراهم المسيَّفة الداريّة، في خرائط الديباج الإبريسَمية، ومناديل الوشي الأنجمية.
فلا تزال في هدايا متواترة وألطاف متتابعة، وفي خلال ذلك العيدان العَرْعر الموزونة، والمضار بالمدهونة، والأوتار الصينية، حتى إذا نفذ اليسار، وذهب الإكثار، وأُتلف المال، وجاء الإقلال، وأحست بالإفلاس، وتفريغ الأكياس، أظهرت الملل، وأعلنت البدل، وتبرّمت بكلامه، وضجرت بسلامه، وطلبت عليه العلل، وتفقدت من الزلل، وتتبّعت عليه سقطاته، وتيمّمت عثراته، وأخذت في الجَفاء والعِتاب، والقِلى، والإبعاد، وصرفت عنها هواه، ومالت إلى سواه، ونفرت بعد القرب، وأبغضته بعد الحب، فحينئذ يُدرك المغرور الندم، ويلحقه الأسف، حين لا تغني عنه الحيلة ولا يُجدي عليه اللهف، ويقع بيت ليت ولو وهيهات ولات حين مَناص، ولا يقدر على استئناف ما سلف من الأيام بعد الإشراف على ورود حياضِ الحِمام، وقد أنشدني بعض الأدباء لبعض المحدثين:
صحوتُ فأبصرت الغَواية من رُشدي، ... وأيقنتُ أني كنت جُرْتُ عن القَصدِ
стр. 120
فلا يعشقَنْ من كان يعشق قينةً، ... فما هو منها في سعيدٍ ولا سعدِ
تودُّك ما دامت هداياك جمّةً، ... وترفدك عِشقاً ما غَنيتَ أخا رفدِ
إذا ما رأت في مجلسٍ من تخاله ... غنيّاً، حَبَتْه بالتحية والودّ
وغَنّت على أقداحه كل ما اشتهى، ... وقالت له: ما تريد أنا أفدي
وتومي إليه اشربِ الرطلَ واسقني، ... فقد حُزتَ قلبي واشتملتَ على وُدّي
فيمتلئ المغرور، عند مَقالها، ... سروراً يرى أن المقال على جدّ
فإن جاء وقت الانصراف تحازنت ... لفُرقته، حتى يقوم على وعْدِ
ويغدو إليه في الفراش رسولها ... تُسائله: ما كان حالُك من بعدي
ويا ليت شعري كيف بتَّ فإنني ... رعيتُ نجوم الليل كفّي على خدّي
فلا يجد المغرور من دفعِ جُدْرها ... سروراً بتعجيل الزيارة من بُدّ
وتُسرع في إتيانه ليظنّها ... حَبَته بتعجيل المجيء على عَمدِ
فإن هي جاءت عانقته، وقبّلت ... يديه، وأبدت فرحةً قلّ ما تُجدي
وتخدمه عمداً، فإن قال: إنه ... ليحزُنُني أن تصنعي هكذا عندي
تقول له: ذا البيت بيتي، وإنما ... أُؤمِّل أنْ يبتاعني سيدي وحدي
فتصبيحَ عيني بالوِصال قريرةً ... وآمنَ من سَومِ التفرّق والبُعدِ
فذا دأبها، حتى يعود من الهوى ... سقيمَ فؤادٍ ما يُعيد ولا يُبدي
فتُفصد لا مِنْ حاجةٍ لفِصادها، ... ولكن لتكليف الهديّة في الفَصد
стр. 121
فمن بين خَلخالٍ يُصاغ وخاتمٍ، ... ومن دُمْلُج يُهدى على أثر العِقدِ
ومن ثوبٍ خزٍّ بعد وشيٍ ومُلْحَمٍ، ... ومن مُصْمتٍ يُشرى على أثر البُرد
ويا لك من مِسكِ ذكيٍّ وعَنبرٍ، ... وعودٍ، وكافورٍ نقيٍّ، ومن نَدّ
فذا فعلها، حتى إذا عاد مُفلساً ... تجنّت، وأبدت جانب الهجر والصَّدّ
فقولا لمن يخوى القيان تفهّموا ... مقالي، فإني قد نصحتُ لكم جَهدي
وأنشدني بعض المحدثين لنفسه:
يا صاح إن القِيان للغَمَر ال ... غِرّ شباكٌ يَصدنَ بالمَلَقِ
يهوين هذا، ويشتكين لذا ... وجداً ويرمقن ذاك بالحَدَقِ
حتى إذا ما اقتنصْن ذا حُمقٍ، ... مستهتراً واستمال للوَمَق
نفضْنه، واستلخْنَ جِلدته ... سلخاً بطيب الدلال والفَنَق
وصار كالآس في غَضارته ... صِفراً، بلا طارفٍ من الوَرَق
ناولنه المِسحَ ثم قُلن له: ... جئنا به في البياض كاليَقَقِ
وأنشدني بعض الكتّاب لفضل الشاعرة:
يا حَسَن الوجه، سيِّء الأدب، ... شِبتَ، وأنت الغلام باللعب
يا ويك إن القيان كالشَّرك ال ... منصوب بين الغُرور والعَطَب
стр. 122
لا يتصدّين للفقير، ولا ... يَرمقن إلا معادن الذهب
يلحظن هذا وذا وذاك وذا، ... لحظَ محبٍّ بطَرف مكتسِبِ
بينا تشكّى إليك، إذا خرجت ... من زَفَرات الشكوى إلى الطَّلَب
وأنشدني أحمد بن غزال لنفسه:
إذا تعرّضتَ للقيان، ... فمثّل الفقْرَ بالعِيان
واعزم على فلسةٍ أسافاً، ... امض من طعنة السنان
كم من تُراثٍ ومن تليدٍ ... وطارفٍ وادّخار تانِ
أتلفه مُتلِفٌ عليهم، ... بالجَذر والبذل والتواني
ما زال يصبو إلى خَلوبٍ، ... تغنى به فوق كل غانِ
اتخذَته عشيق مالٍ، ... أضحت تهاواه باللسان
حتى إذا اختلّ ثمّ حسّت ... بفقد فِعلاته الحِسان
غنّته صوتاً لها عتيداً، ... مُصرِّحاً ليس بالمعاني
قد نَفِذ الكيسُ، فاسلُ عني، ... واشتقْ، إذا اشتقتَ، بالأماني
وأنشدني أيضاً:
ومُسمِعةٍ غنّت، فمِلتُ بمهجتي ... إليها لألهو، والمُزاج بسيطُ
فقالت: على اسم الله ثِقْ بمودّتي ... وصافِ كما صافى الخليط خليط
فأعرضتُ عنها وانقبضتُ كأنما ... عَلَتني لديها نَعسةٌ وغَطيط
فقالت، وقد أخجلتها لتغرّني ... ورقة فهمي بالقيان محيط:
стр. 123
أراكَ نشيطاً للسماع تحبه، ... ولستَ إلى غير السماع نشيطُ
فقلت: تُراني، ويكَ، أعشق قينةً ... لها كل يومٍ صاحبٌ ورَبيطُ
إذا خرجَت من مجلسٍ، وتبدّلت ... سواه بديلاً أوّلون نَبيطُ
وإن ذُكروا قالت ومن كان حائكٌ، ... وأخر منكود المعاشِ يَخيطُ
لعمركِ ما تهوين إلا دراهماً، ... ومن دونها حَزْمٌ عليّ سَليطُ
وإني، ورب البيت، والله راحم، ... أفكّر فيه هل هواه قميط
بعيني لينجُ قبل يَنفُضَ ريشه، ... وقبل يراه الناس، وهو سقيطُ
هو أنا هوىً يزوي عن المرء نِعمةً، ... ويَترك ربَّ القوم وهو حَطيط
فيعشقنا من في يديه بضاعةٌ، ... سفيفٌ، إذا بان الرجا، وشَريطُ
وقال أيضاً في قصيدة له:
حتى إذا صارت ولّت الدراهم غنّت ... هـ وقد أزمعتْ على الانقطاع
أُسلُ عني، فلستُ أصلح للضي ... ق، ولا يَحسُنُ الهوى بالجِياعِ
عندنا يأكُلُ المفرِّط كفّي ... هـ ويأوي إلى أخسّ البِقاع
وأنشد للحَكَمي في مثل ذلك:
قولا لمن يعشقه قينةٌ ... يستفّ حُزناً قبل إفلاسه
فقد ثوى في كفّها نيّةٌ ... مُسرعةٌ في قَلع أضراسه
تواصلُ العاشقَ، حتى إذا ... ما أخذ العشق بأنفاسه
ولّت بغدرٍ، وقُرونُ الفتى ... تهتزّ بالكَشْخِ على رأسه
стр. 124
ومن أحسن ما قيل في ذلك قول الشاعر:
ما للأحبة في التخشُّع عارُ، ... فاخشع وإن حافوا عليك وجاروا
سقياً ورعياً للذين تحمّلوا، ... ونأوا، وما شُدّت لهم أكوار
لكنّهم غدروا بعهدك في الهوى، ... وأخو القَطيعة جائرٌ غدّارُ
ما إن يُلبوا إن جَفوكَ وعرَجوا ... نحو المدينة أوطنوا، أو ساروا
لا بل أشدهما عليك مصيبةً ... أنْ يفعلوا بك إذ هُمُ حُضّار
لا تعتبنّ على القيان، ولا على ... زهو القيان، فإنهن تجار
قدّمْ لهنّ مَلاهياً ومَضارباً، ... ومَلاوياً يحظى بها الزُّوّار
إن كنتَ صاحب لُطفةٍ وهديةٍ، ... فلك الهوى منهنّ والإيثار
أو كنت صاحب كيف أنت؟ ومرحباً! ... فارحل فعيشُك عندهنّ بَوار
لا بدّ من شيءٍ، وإلا لم يكن ... لك ثم إقبالٌ، ولا إدبار
لو كنتَ يوسُفَ في الجمال، فإنه ... ما مثله في حُسنه ديّارُ
ثم امتنعتَ من الهديّة أنكروا ... منك الذي لا يُنكر الأحرارُ
عندي من الفتيات خبُرٌ بَيّنٌ، ... ومن الهديّة مُسنَدٌ آثار
زار ابنُ أحمر ذات يومٍ قَينةً، ... في فتيةٍ لهمْ ندىً ووقار
حتى إذا غنّتهمُ وسقتْهُمُ، ... وتجاوبت في كفّها الأوتارُ
قالت لأولهم: أما لك ضيعةٌ؟ ... فأجابها: إني فتىً سمسارُ
قالت: فأهد لنا إزاراً معلَماً، ... فأبو فلانٍ ما عليه إزار
стр. 125
ثم انثنت لسؤال آخر منهمُ: ... أصدق! فقال مجيبها: عطّارُ
قالت: فليس يهمُّنا ما زرتنا ... أدهاننا والقِسط والأظفار
وإذا ابن أحمر قد أعدّ جوابها ... حذر السؤال كأنه قَسطار
ثم انثنت لسؤاله، فأجابها: ... لا سوق لي، لكنّني حفّار
فإذا هممْتَ بحفر قبرك، فابعثي ... بقُضيِّبٍ كي أعرف المقدار
فتلجلجَتَ خجلاً، وطاطت رأسها، ... وأصابها عند الجواب حصار
وكذا القيان، ولا أقول جماعةً، ... فالناس في أخلاقهم أطوار
ولابن أحمر أيضاً:
عذّبني ذو الجلال بالنار، ... إن هام قلبي بذات أُسوارِ
ولا تعشّقت قينةً أبداً، ... حتى تراني رهين أحجار
كم من غنيٍّ تركْنَ ذا عَدَمٍ ... أورثته الذلّ بعد إكثار
سلبن منه الفؤاد بالنظر ال ... رطب، وغنجٍ وغمزِ أبصار
وبالتشاجي أتْلَفن مهجته، ... وحُسنِ لحنٍ وقرع أوتارِ
حتى إذا ما مضت دراهمه ... وصار ذا فكرةٍ وتسهار
ناولنه المسح ثم قُلن له: ... بيِّضه بالنهر بشّارِ
فلا تغُرنّك قينةٌ أبداً، ... ودعْ وِصال القيان في التار
فليس في الغدر عندهنّ إذا ... هوين أو شئن ذاك من عارِ
стр. 126
وأحسن ابنُ الجهيم حيث يقول:
فأطلق يداً في بيته بتفضُّلِ، ... وعَدِّ عن المولى، وما شئت فافعلِ
أشِر بيدٍ واغمز بطرفٍ ولا تَخَفْ ... رقيباً، إذا ما كنت غير مبخَّلِ
وولّ عن المصباح، والحَ، وذمّهُ، ... فإن خمد المصباح، فادنُ وقبِّلِ
وسل غير ممنوعٍ وقلْ غير مسكَتٍ، ... ونم غير مذعورٍ وقُم غير معجَلِ
لك البيت ما دامت هداياك جمَّةً، ... وكنتَ مليّاً بالشراب المعسَّل
تُصان لك الأبصار عن كل نظرةٍ، ... ويُصغى إليكم بالحديث المقاقَلِ
واعلم أنه لا وفاء لهن، ولا حفاظ عندهن، ولا يدُ من على ودّ، ولا يفينَ لعاشقٍ بعهد، وهواهن مشتركٌ، وحبهن مقتسَمُ. وقد أنشدني بعض الأدباء:
استخبرا زينبَ عن قولها ... في رجلٍ يعبُدُ ربّيْنِ
أذاك منه حسنٌ جائزٌ، ... أم ليس يرضى الله دينين
حسبك يا زينبُ من هُجنةٍ، ... يُستزرق الدهر على اسمين
فلا تُريدي جمع هذا وذا، ... فالغمد لا يجمع سيفين
وأنشدي الأمر إلى واحدٍ، ... ولا تكوني ذات بعلين
لا يحمل المنبر ردفاً، ولا ... يصلح مِلكاً بين اثنين
وعادة السوء، إذا استحكمت ... على امرئٍ شرٌّ من الدين
لستُ، وإن كان الهوى غالبي، ... أقنعُ بالشين على الشين
стр. 127
يحلُبُ غيري، وأكون الذي ... يرضى من العَنز بقرنين
وأحسن أبو ذؤيب حيث يقول:
تريدين كيما تجمعيني وخالداً، ... وهل يُجمع السيفان ويحك في غمد
وكنتِ كرقراق السراب، إذا جرى ... بقومٍ، وقد بات المَطيُّ بهم تخذي
وقال آخر:
ألا يا عاشق القينات جهلاً، ... أردتَ بأنْ تكون أبا البُغولِ
أترضى للهوى من ليس يرضى، ... على ضيق الهوى، ألْفيْ خليلِ؟
ولي سهوى القيان بمحمودٍ عندي، ولا عند ذوي الأدب، وأهل النُّهى والأرَب، ولا لأكثرهم ميلٌ إليه، ولا حرصٌ عليه، وإن كان قد أنشدني صديقٌ لي قوله فيهن:
زعموا خلّة القِيان غُرورُ، ... كلُّ زعمٍ من المقالة زورُ
قسماً لَلْقيانُ بالعهد أوفى ... من جوارٍ تضُمّهنّ الخُدور
إنما زخرف المفاليس هذا ... حين قلّت صحاحُهمْ والكسور
أهل هذا الزمان أطرى من الآ ... س، وكلُّ مموَّهٌ، مستورُ
واحتجّ في ذلك بأنّ هوى القيان، على ما فيهن من العيوب، أسرع إلى النفوس، وأوقع في القلوب، وأعْلَقُ بالأرواح، وأخلقُ للنجاح، وهن أقرب أملاً، وأقلّ عللاً، والظفر بهنّ أسرع من الظفر بربّات الخدور، والمحتجبات وراء الستور، وأنهن مزوراتٌ، وأولئك معدومات،
стр. 128
وزعم من طلب القينة الجَدْوَ لمولاها من عشقها وكثرة مؤونتها عليه، وطلبها لِما لديه ومسألتها الهدايا، واللُّطَفَ، والبرّ، والتحف، إنما هو من رغبتها في هواه، وميلها إلى رضاه، ولأنها تؤثره على العالمين، وتشتهي قربه دون سائر المحبين، لأنه إذا وافى جدوها من عند عشيقها مع تتابع ألطافه، وكثرة برّه وإسلافه، رغب المولى في صفائه، وطمع في استصفائه، فأخْلاها معه الأيام الكثيرة، والليالي المتتابعة؛ فهذه جملةٌ من القيان لمن عشق، ورغبةٌ فيمن ومَقَ، وليس ذاك عندنا كذلك، وإنما هي حيلة ممن احتجّ لهنّ بالوفاء، وهم معروفاتٌ بالغدر والجفاء، ولو كان ذلك كما زعموا، لم تتغير له عند اختلاله ولا قلَتْه عند إقلاله، بل كان يكون منها عند ذلك الإسعاف على هواه، والمؤاساة في نفسها في الحياة، ولكن هو كما قال المؤمَّل بن أميل:
والغانيات كذاك هن غوادرٌ ... أبداً، حبالُ وصالهنّ تُجذَّمُ
يخلبن بالنظر الفتى، ويَعِدنه ... نيلاً، ودون عداتهنّ الأنجمُ
وكما قال بشار بن بُرد:
فوالله ما أدري، وكلٌّ مصيبةٌ، ... بأي مكيداتِ النساء أكاد
غُرور مواعيدٍ كأنّ جَداءها ... جَدى بارقاتٍ مُزْنُهنّ جَمادُ
ومع ذلك، فلا نفاق للشيوخ عندهن، ولا لذوي القبح والعُدْم مطمع لديهن، على أنهن يحتملن القبح والشيب مع اليَسار، ويكرهنهما مع الفقر والإقتار، فإذا اجتمع القبح والشيب مع الإفلاس في أي إنسان كان من الناس، فليس عندهن مطلب، ولا لديهن سببٌ، ولذلك قال العَطَوي:
стр. 129
تاهت عليّ بحُسنها وجمالها ... وتقول لي: يا شيخ أنت مخادِعُ
شيخٌ، وإفلاسٌ، وقُبحٌ ظاهرٌ، ... أطمعتَ فينا؟ أخْلفَتْكَ مطامعُ
فأجبتها: الإفلاس يُذهبه الغِنى ... والشيب يُذهبه الخِضاب الناصع
قالت: فقبحُ الوجه فيه حيلةٌ؟ ... والقُبح ليس له دواءٌ نافعُ
يا صِدقها ما كان أوضح حُجّتي، ... لو كان يَدفع قُبحَ وجهي دافعُ
وقال بعض الأعراب:
طويلاتُ أعناقٍ، سِباطٌ أكفُّها، ... رقيقاتُ أوساطٍ نِبال المآكمِ
تأزّرْنَ رَملاً، وارتدين بحُلّةٍ ... من الروض، ريّا زهرها جِدُّ ناعمِ
وتَصرِفُ وُدّي نحوهن صبابةٌ، ... ويصرِفن عنّي الوجه نحو الدراهم
ومثل ذلك ما رُوي عن نُصَيب أنه قال: لَقيتني بالطواف امرأةٌ دَحْداحة، مزّاحة، فقالت: أأنت نُصَيب؟ فقلت: نعم! قالت: ألستَ القائل:
إذا البيضُ لا يأتين في الحبّ رقةً، ... يُعابُ، ولا يأخُذنَ في الودّ درهما
وإذاْ هنّ يُدنين الكريم بوُدّه ... لهنّ، ويرفُضْن الدقيق الملَوَّما
قالت: لا أراك تكتب إلاّ درهمك فاغضض ببَظْر أمّك! من أين تمتشِط إحدانا إذن؟ وأنشدني بعض الأدباء:
стр. 130
وإذا قلتُ لها: جُودي لمن ... قد براه الحب، قالت لي: أجلْ
أنت صرّافٌ، فآتيك له، ... أم بكفّيك نقودٌ تُحتملْ
قلت: ما تهوين إلا موسِراً، ... ذا هِباتٍ وعطاءٍ وحُلَلْ
فأجابتني بصوت مسمَعٍ: ... كُفّ عنا! أنت، والله، مُقِلّ
أيها الناس! ألا أخبركم؟ ... ليس للحب مع الفقر عملْ
ولقد أحسن أبو الشيص حيث يقول:
حسَرَ المَشيبُ قِناعه عن رأسه ... فرمينه بالصدّ والإعراضِ
ثِنتانِ لا تصبو النساء إليهما: ... حَلْيُ المشيب وحُلّةُ الإنفاضِ
فوعودهنّ، إذا وعدنك، باطلٌ، ... وبُروقهنّ كَواذِبُ الإيماضِ
وروى عمر بن شبة عن موسى بن إسماعيل المِنقري قال: كان المُخَبَّل السعدي يعشق امرأةٌ من قومه، فأتلف عليها كلّ ما يملكه، حتى صار يبيع البَعر، فأتاها يوماً، فزبرته وطردته، فانصرف وأنشأ يقول:
إذا قلّ مالُ المرء قلّ صديقه، ... وأومَت إليه بالعيوب الأصابعُ
وقال الأصمعي: عشق رجلٌ امرأة، وأظهرت له مثل ذلك، فبعثت إليه يوماً تستهديه مالاً، فتعذّر عليه، ووجّه بنصف ما طلبت، فغضبت وهجرته، فكتب إليه:
يا أيها الغضبان أن سامني ... ما مثله ثِقلٌ على الموسِرِ
فجّدتُ بالنصف له كاملاً، ... فقال ليس الحب للمقتِرِ
стр. 131
هبني غريماً لك يا مُنيتي، ... ما يُقبل النص من المُعسِرِ
فكتبت إليه:
إن كنتَ في حالك ذا عُسرةٍ، ... فدع طِلاب الشادن الأحور
ما إن منحناك الذي نلته، ... دون ذوي البهجة من معْشَرِ
إلا لتقضي حاجتي كلّها ... في حال ذي العُسرة واليُسُرِ
وقال الأخطل يصف نفورهن عن المشيب، وغدرهن بالكهول والشيب:
وإذا دعونك عمّهُنّ، فإنه ... نَسَبٌ يزيدك عندهنّ خَبالا
وإذا وعدنك نائلاً أخلفْنَه، ... ووجدْتَ عند عِداتهمّ مِطالا
وقال القَطامي أيضاً:
وإذا دعونك عمّهنّ فلا تُجب، ... فهناك لا يجد الصفاء مكانا
وإذا رأين من الشباب لُدونةً، ... فعسى حبالك أن تكون مِتانا
وقال جرير:
رأت مرّ السنين أخذن مني، ... كما أخذ السِّرارُ من الهلال
فقالت: فيم أنت من التصابي، ... متى عهدُ التشوُّق والدلالِ
فما ترجو، وليس هوى الغواني ... لأصحاب التنحنح والسُّعال
وقال أيضاً:
стр. 132
وإذا الشيوخ تعرّضوا لمودّة، ... قلن: التراب لكلّ شيخٍ أدْرَدا
تلقى الفتاة من الشيوخ بليّةً، ... إن البليّة كلّ شيخٍ أرْمدا
وقال امرؤ القيس:
أراهنّ لا يُحببن من قلّ ماله، ... ولا مَن رأين الشيب فيه وقوّسا
وأنشدني بعض الكتّاب لأبي الشبل:
عذيري من جَواري الح ... يّ، إذ يرغبن عن وصلي
رأين الشيب قد ألب ... سني أبّهةَ الكهلِ
فأعرضن، وقد كنّ، ... إذا قيل: أبو الشبل
تساعين، فرقّعن ال ... كُوى بالأعين النُّجلِ
وأنشدتُ لغيره:
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي، ... فأعرضْن عني بالخدود النواضِرِ
وكنّ إذا أبصرتني أو سمعن بي ... سعين، فرقّعن الكُوى بالمَحاجِرِ
وهن على ما فيهن من سُرعة الملل، وما طُبعن عليه من البدل، متمكّناتٌ من القلوب، مُبَرَّآتٌ عند محبّتهن من العيوب.
وإن من محمود مذاهب الظرفاء الميل إلى مغازلة النساء ومداعبة القينات، وحبّ النساء عندهم من حسن الاختيار، وهو أشبه بمذاهب ذوي الأخطار، وليس هوى الغِلمان عندهم بمحمودٍ، ولا هو في سيرهم موجود، وإنما آثروا هوى النساء على الغلمان، ومدحوهن بكل لسان، لمليح براعتهنّ، وتكامُل مَلاحتهن،
стр. 133
وعجيب شكْلهن، وبديع دلّهنّ، وفيهنّ أيضاً خِصالٌ محمودةٌ، ومَلاحة موجودة، إن عُدمت من الجمال وُجدت في العقل، وإن عُدمت من العقل وُجدت في الدلال، وروائحهن أذكى، وهواهن للقلوب أنكى، والعشق بهن أليق، وهنّ للرجال أوفق، وقد قال بعض الشعراء في ذلك وملُح:
أحب النساء وذكْر النساء، ... ويُعجِبُ قلبي لذيذ الغناء
وهل لَذّة العيش إلا النساء، ... وحسن الغناء، وشُربُ الطلاء
وقال الفرزدق:
منع الحياة من الرجال وطيبها ... حَدَقٌ يُقلّبها النساء مِراضُ
وكأن أفئدة الرجال إذا رأوا ... حَدَقَ النساء لنَبلها أغراضُ
وقال دِعبِلُ بن علي الخُزاعي:
أَحَبُّ ذخيرةٍ، وأحبُّ عِلقٍ ... إليّ الغانيات، وإن غنينا
وكلّ بُكاء ربعٍ، أو مَشيبٍ ... نُبَكّيه، فهنّ به عُنينا
وقال بعض الأدباء:
فلو أني رأيتُ الناس يوماً، ... ووُليبتُ الحكومة والخِصاما
لقرّت عين من يهوى الجَواري، ... وعاقبتُ الذي يهوى الغُلاما
سألتمَ أيُّما أحلى حديثاً، ... وأطيب، حين تعشَقه التزاما
أجاريةٌ منعَّمةٌ رَداحٌ، ... تزيدك للغرام بها غراما
стр. 134
أو امردُ منتن الإبطين منه، ... له رمحٌ كرمحك حين قاما
يُريدك للدراهم لا لحبٍّ، ... وتلك تذوب من كلفٍ سَقاما
وأنشدني علي بن العباس الرومي لنفسه:
نيكك الغِلمان ما أم ... كنك النسوان أفْنُ
إنما يُمشَقُ في الظه ... ر، إذا ما أعوز بطنُ
وما رأينا أحداً من العرب المتقدّمين والشعراء المفضَّلين صمّدوا في أشعارهم إلى غير ذكر النساء ولا صدّروا قصائدهم إلا بالتشبيب بوصف النساء، هذا حسّان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول الله، ﷺ ، يقول:
يال قومٍ! هل يَقتل المرءَ مثلي، ... واهنُ البطش والعِظامِ، سؤومُ
همُّها العطر والفِراش، ويعلو ... ها لُجينٌ، ولؤلؤٌ منظوم
لو يدبّ الحوليُّ من ولد الذَّ ... رّ عليها لأندبتها الكُلوم
وقد كان النبي، ﷺ ، ينصب له مِنبراً في مسجده، ويدعو الناس إلى استماع شعره، وهو يشبّب في قصائده بهذا وما أشبهه من ذكر النساء، وهذا كعب بن زهير ينشد النبي، ﷺ ، في مسجده:
بانت سعاد، وقلبي اليوم مَتبولُ، ... مُتيَّمٌ عندها لا يُفدَ مغلولُ
стр. 135
أكرمْ بها خُلّةً لو أنها صدقت ... موعودها ولو أن النُّصح مقبول
ويمدح النبي، ﷺ ، في قصيدته هذه، فيقول فيها:
إن الرسول لَنورٌ يُستضاء به، ... وصارمٌ من سيوف الله مسلول
والنبي، ﷺ ، يومئ إلى الناس في مسجده أن اسمعوا شعره، ولو كان ذكر النساء في الشعر منكراً، لكان النبي، ﷺ ، أوّل من أنكره، ولو كان ذكر غير النساء أولى بالتقدمة في الشعر من ذكرهن لكان النبي، ﷺ ، أول من أمر بذلك واستقبحه، ولو كان أيضاً في الشعر ذكر النساء من الرفث والفُحش والخنى لكان ما قيل في رسول الله من المديح أحقّ بأن يُسقط منه ذكر القبيح كما أُسقط ذكر الذكورة ووصفُ نعشّقهم من هذه الأشعار ومن نظائرها، من مديح ذوي الأخطار، وما وجدت ذلك في شيء من أشعار المتقدّمين وإنما عُرف الآن في شعر المُحدَثين، وأين ظَرف النساء وحسنهن من غيرهنّ، وأين ملاحة سَلامهن، وحلاوة كلامهن، ومستحسن مداعبتهن، ومحبوب معاتبتهن، ومليح مراسلتهن، لا سيما إن شُبْن هواهن بالغَيرة على محبيهن، والتدلل على متعشقيهن، وصددن من غير زلل، وهجرن من غير ملل، وهنّ والله في كل أحوالهن القاتلات بأفعالهن، وصالهن خَتلٌ، وصدُّعن قتلٌ، وهن المالكات للقلوب، السالبات للعقول، إذا خلون موحْن، وإن ظهرْن نظرن، فقتلن بلحظ عيونهن، وصرعن بكسر جفونهن، وأحيين بقولهن الكاذب، ووعدهن الخائب، فلا شيء أحسن من مطْلهن، ولا ألذ من
стр. 136
خُلف وعدهن، وقد استحسنت الشعراء ذلك منهن، ومدحته في كثير من الأشعار فيهن.
أخبرني أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار عن سليمان بن عيّاش السعدي عن أبيه عن جده قال: حدثني السائب راوية كُثيّر قال: كان كُثيّر رجلاً مذنوباً، لا يستقرُّ في مكان، فقال لي ذات يوم: اذهب بنا إلى ابن أبي عتيق نتحدث عنده، فأتيناه، فاستنشد ابن أبي عتيق كُثيّراً فأنشده:
أبائنةٌ سُعدى؟ نعم ستبين، ... كما انبتَّ من حبل القرين قرينُ
أأن زُمّ أجمالٌ، وفارقَ جيرةٌ، ... وصاح غُراب البين أنت حزينُ
كأنك لم تسمعْ، ولن ترَ قبلها ... تفرُّق أُلاّفٍ لهن حنينُ
حنينٌ إلى أُلاّفهنّ، وقد بدا ... لهن من الشكّ الغداة يقينُ
حتى إذا بلغ إلى قوله:
فأخلفن ميعادي، وخُنّ أمانتي ... وليس لمن خان الأمانة جينُ
قال ابن أبي عتيق: أو على الدين صُحبتهن، يا ابن أبي جُمعة، ذلك أملح لهن، وأدعى للقلوب إليهن، عبيد الله بن قيس الرًّقيّات أشعر منك حي يقول:
حبذا الإدلال والغنُجُ، ... والتي في طرفها دَعَجُ
والتي إن حدّثت كذَبت، ... والتي في وصلها خَلَجُ
وترى في البيت صورتها، ... مثل ما في البيعة السُّرج
خبّروني: عل على رجلٍ ... عاشقٍ في قبلةٍ حرجُ
стр. 137
فقال: لا! إن شاء الله، وانصرف. وقال القطامي يستحسن ذلك من أفعالهن، ويصف مَلاحة اعتلالهنّ:
وأرى الغواني إنما هي جنّةٌ، ... شبه الرياح نلوِّن الألوانا
وإذا حلفن فهن أكذب حالفٍ ... حَلِفاً، وأملح كاذبٍ إيمانا
وقد أحسن محمود الورّاق حيث يقول:
اصطبح كأس شراب، ... واغتنبق كأس تَصابي
واجعل الأيام قَسماً ... بين عتبٍ وعِتاب
ووصالٍ، اهتجارٍ، ... وبُعادٍ، واقترابِ
واجتنابٍ في دُنوٍّ، ... ودنوٍّ في اجتناب
ورسولٍ بكتابٍ، ... وانتظار لجوابِ
وقُنوعٍ من حبيبٍ ... بالمواعيد الكِذاب
ليس في الحب ولا الصب ... وة حظّ للصوابِ
وقال بعض المحدثين:
ليس يُستحسن في حكم الهوى ... عاشقٌ يُحسِن تأليف الحججْ
بُني الحبّ على الجَور، فلو ... أنصف المعشوق فيه لسَمُجْ
وقال آخر وأحسن في قوله:
стр. 138
ألا إنني راضٍ بما حكمت جملُ، ... وإن كان لي فيه البليّة والقتلُ
فكرّوا عليّ العذل فيها، فإنني ... رأيتُ الهوى فيها يُجدّده العذلُ
وما جئتها يوماً لبذلٍ رجوته ... لديها، فأخشى أن يُعيّره البخلُ
ومن ذلك قول جميل بن معمر العُذري:
ولستُ على بذل الصفاء هويتها، ... ولكن سبتني بالدلال مع البخل
وقال أيضاً:
ويقلن: إنك يا بُشَين بخيلةٌ، ... نفسي فداؤك من ضنينٍ باخل
ويقلن: إنك قد رضيتَ بباطلٍ ... منها، فهل لك في اعتزال الباطل
ولَباطلٌ ممن ألذُّ وأشتهي، ... أدنى إليّ من البغيض الباذل
ودخلتْ عزّةُ على هشام بن عبد الملك بن مروان، فقال: يا عَزّة! أتعرفين قول كُثيّر:
وقد زعمت أني تغيّرتُ بعدها، ... ومن ذا الذي، يا عَزَّ، لا يتغيّرُ
تغيَّر جسمي، والخليفة كالذي ... عهدتِ، ولم يُخبر بسرّك مخبِرُ
فقالت: ما أعرف هذا ولكني أعرف قوله:
كأني أُناجي صخرةً، حين أعرضَت، ... من الصمّ لو يمشي بها العُصم زلّتِ
صَفوحٌ، فما تلقاك إلا بخيلةً، ... فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّتِ
وأنشدني أحمد بن عبيد لرِفاعة الفَقْعسي:
ألم تعلما أمْ لا، وكل بليّةٍ ... من الدهر يفنى بؤسها ونعيمها
ولم تجدا بلجاءَ إلا بخيلةً، ... وإن أيسرتْ واحتاج يوماً غريمها
وأنشدني محمد بن يزيد لكثيّر عزّة:
стр. 139
وكم من خليلِ قال لي: هل سألتها؟ ... فقلت: نعم! ليلى أضنّ خليلِ
وأبعده نيلاً، وأسرعه قلىً، ... وإن سُئلت نيلاً، فشرُّ منيلِ
وأنشدني أحمد بن يحيى لجميل بن معمر العُذري:
وهجرك من تيما بلاءٌ وشِقوةٌ ... عليك مع الشوق الذي لا يُفارق
ألا إنها ليست تجود لذي الهوى، ... بل البخل منها شيمةٌ وخَلائقُ
وأنشدني ابن أبي خَيشمة لعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود:
وزادك إغراءً بها طول بخلها ... عليك وأعرى لحم أعظُمك الهمُّ
ومثله قول الأحوص بن محمد الأنصاري:
وزادني كًلَفاً بالحب أن مَنَعت، ... أحبّ شيء إلى الإنسان ما مُنعا
كم من دنيٍّ لها قد كنت أتبعه، ... ولو صحا القلب عنها كان لي تبِعا
وقال جرير يذكر طول المَطل والخُلْف:
وإذا وعدنك نائلاً أخلفنه، ... وإذا طُلبن لوين كلّ غريمِ
يرمين من خَلَل الستور بأعينٍ ... فيها السقام وبرءُ كل سقيمِ
وقال أيضاً:
لعمْرُ الغواني ما جزين صبابتي ... بهنّ، ولا يُحببن نسج القصائدِ
رأيت الغواني مولعاتٍ بذي الهوى، ... بطول المنى، والخُلف عند المواعدِ
وقال أيضاً:
ألم ترني بذلتُ لهنّ وُدّي، ... وكذّبتُ الوُشاةَ، فما جَزينا
стр. 140
إذا ما قلت جاز لنا التقاضي ... بخلن بعاجلٍ، ومَطلن دَينا
وقال أيضاً:
يقلن إذا ما حلّ دينك عندنا، ... وخير الذي يُقضى من الدين عاجله
لك الخير لا نقضيك إلا نسيّةً ... من الدين، أو عَرْضاً، فهل أنت قابله
وقال أيضاً:
وإذا وعدنك نائلاً أخلفنه، ... وجعلن ذلك مثل برق الخُلَّبِ
إن الغواني قد قطعن مودّتي، ... بعد الصفا، ومنعن طِيبَ المَشربِ
وقال كعب بن زهير:
كانت مواعيد عُرقوبٍ لها مثلاً، ... وما مواعيدها إلاّ الأباطيلُ
فلا يغرّنْك ما منّتْ، وما وعدتْ، ... إن الأماني والأحلام تضليلُ
وقال نُصَيب:
أللبين، يل ليلى، جِمالك ترحل، ... ليقطع منا البينُ ما كان يوصلُ
تُعلّلنا بالوعد ليلى، وتنثني ... بموعودها، حتى يموت المعلَّلُ
وقال كثيرٌ:
وإني لأرضى من نوالك بالذي ... لو أبصره الواشي لقّت بلابلهْ
بلا وبأن لا أستطيع وبالمُنى، ... وبالوعد والتسويف قد ملّ آملهْ
وقال آخر:
يا ربّ خذ لي من الملاح فقد ... هجن لقلبي من الهوى خَبَلا
стр. 141
من اللواتي يقلن: لنْ، ونعم، ... وها، وحتى، وقد، وسوف، ولا
والذي جاء في ذلك كثيرٌ يطول شرحه ويُعيي وصفه، وقد مضى من الفصل ما فيه لذوي العقل، وقد أفردنا كتاب القيان لذمّ عُظم القيان، فأغنى ما في ذلك الكتاب عن تكثير هذا الباب، فاعرفه إن شاء الله.
بمن يحسن العشق
واعلم أن الهوى، والحب، والبخل، والعشق، والغزل يحسن بأهل النعمة واليَسار، ويُزري بأهل الإملاق والإقتار، ولسنا نقول إنه محرَّمٌ على هؤلاء لإعسارهم، ولا محلل لأولئك ليسارهم، وليس بالغنى ما يُدخل أهل الجهالة في الوصف، ولا بالفقر ما يُخرج أهل الأجب من الظرف، وقد قال بعض الشعراء:
قد يُدرك الشرف الفتى، ورداؤه ... خَلَقٌ، وجَيبُ قميصه مرقوعُ
وليس أسباب الهوى مبيَّنة عن اليسار، والسعة، والغَناء، والبذل، والعطاء، والنفقات الغزيرة، والصلات الكثيرة، والهبات الهنيّة، والهدايا السرية، والمختلُّ المعدِمُ، والمقلّ المعسِر لا حيلة له في ذلك، فمن تعرّض للهوى، ومال إلى الصّبى، لم يحسن ذلك به لإفلاسه، وقلّة ذات يده وإقلاله، وما هلك امروٌّ عرف قدره، وأجهل الناس من عدا طوره، وقد قال بعض السخفاء بعيب بجهله على الظرفاء: ألم يُعلم أنه لا يكون لفقيرٍ، ولا يُرفع إليه طَرفٌ، ولا يقع عليه وصفٌ، والفقير مذمومٌ بكلّ لسانٍ، والغنيّ محبَّب إلى كل إنسانٍ، وأنشد قول عُروة بن الورد:
ذريني للغنى أسعى، فإني ... رأيتُ الناس شرُّهُمُ الفقيرُ
وأحقرهم، وأهونهم عليهم، ... وإن أمسى له كرمٌ وخير
стр. 142
يباعده الدنيُّ، وتزدريه ... حليلته، وينهره الصغيرُ
وقد أخطأ العائب لهم في مقاله، وتكسع في حيرته وضلالته، لأن عُروة لم يذهب إلى ثلب الأدباء، ولا إلى تعنيف الظرفاء، وإنما عنف على طول الإهمال، وحثّ على تكسُّب الأموال، وهذا مثل قول الآخر:
لعمرك! إن المال قد يجعل الفتى ... نسيباً، وإن الفقر بالحُرّ قد يُزري
وما رفع النفس الدنيّة كالغنى، ... ولا وضع النفس الكريمة كالفقر
ومثل ذلك قول الآخر:
الفقر يُزري بأقوامٍ ذوي حسبٍ ... وقد يُسَوِّد غير السيد المالُ
وكقول الآخر:
أجلَّك قومٌ حين صرتَ إلى الغنى، ... وكل غنيٍّ في العيون جليلُ
إذا مالت الدنيا إلى المرء حَوَلت ... إليه، ومال الناس حيث تميلُ
فهؤلاء لو يذهبوا إلى تفنيد المتظرفين، ولا الطعن على المتفننين، وكيف، والتظرّف بهم أليق، وسمةُ الظرف عليهم أصدق.
وهذا الباب قد ذكرته على جملته في كتاب " نظام التاج في صفة الأنْوِك المرزوق والظريف المحتاج " وجعلنا جملة ما مرّ في كتابنا نَصَفة بيننا وبين من زعم أن الأمر ليس كذلك.
والذي زعم أنه لا يكون للفقير ظرفٌ قد تجاوز في الجَهالة والسُّخف؛ بلى إن الظرف بذي التقلل مليح، ولكن الهوى والعشق بهم قبيحٌ، وذلك أن الفقير إن طلب لم ينل، وإن رام بلوغاً لم يصل، وإن استوصل لم يوصل، فهو كمد القلب، عازب اللب، حزين النفس، ميت الحس، ذاهل العقل،
стр. 143
بعيد الوصل، فتركه التعرّض لما لا يقدر على بلوغ إتمامه أولى من تلبّسه بما يزيده في اغتمامه، وقد يجوز أن يكون ظريفاً بغير عشق، كما كان عاشقاً بغير فسق، لأنه لا تُهيأ له إقامة حدود العشق والظرف بلباقته، ونظافته، وتخلّفه، وتملّقه، ومداراته، ومساعدته، ولا يتهيأ له القيام بحدود العشق إذ لا مال له فيُعينه على هواه، ولا مقدرة له فتبلغه رضاه، وإن بلي بمن يستهديه ويستكسبه ويطلب بره، ويريد فضله، وهو لا يقدر على ذلك فهي الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى، والحسرة التي تبقى، والكمد الذي لا يفنى. فليتحرّز الأديب من الهوى قبل وقوعه في العَطَب، وليتحفّظ منه قبل طلبه التخلّص من شَركه، فلا يقدر على الهرب، وقلّ من رأيت وقع في هوىً فنجا من غُلّه، أو أمكنه التخلّص من حبله، ولن يقدر على التخلُّص من الهوى بعد الوقوع في درك البلا، إلا مالكٌ لقلبه، مانعٌ لغربه، حازمٌ في فعله، جامع لعقله، فإن الأديب إذا كان بهذه الصفة، ورأى آيات الملل، وعلامات الذُّلّ، وأمارات الغدر، ودلالات الهجر، بادر فريسته، وتخلّص مهجته، وزجر قلبه، وصرف حبّه، ولم يُقم على طول الجفاء، ولم يُعرّض نفسه لطول البلاء، ولم يستعبدها بالتذلل، والخشوع، والتضرّع، ولكنه يصرفها صرف مقتدرٍ عيوفٍ، ويمنعها منع مالكٍ عزوفٍ. وقد شرحت لك ما قيل في المُصارمة باباً لتقف عليه، يبين لك صحةً ما فيه، إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله.
стр. 144
ما جاء في مصارمة ذوي الغدر
والمبادرة عند الملل والهجر
اعلم أن صبر المحب على هجر الحبيب، وتجرّعه للغُضض والتعذيب، ومعالجة الزفير والنحيب، وتقلقل لفرق الوجيب، من الهجر الظاهر والموت الحاضر. والمبادرة بالانصراف بعد تغيُّر الأُلاّف من الحزم المكين، والرأي الرصين، وإن من أحسن ما قيل في المصارمة قول زهير ابن أبي سُلمى حيث يقول:
ألا يالَ قومٍ للصِّبى إذا يقودني، ... وللوصل من أسماء إذ أنا طالبهْ
فليتك قاليني، فلا وصل بيننا، ... كذلك من يستغنِ يُستغنَ صاحبه
ومما يتعلق بهذا قول المتلمّس:
فإن تُقبلي بالوُدّ نُقبلْ بمثله، ... وإلا فإنا نحن أنأى وأشمسُ
ومثله قول نافع بن خليفة:
بآية ما قالت: غنيت بغيرنا، ... ونحن سنغنى عنك مثلاً، ونَصدفُ
وقال آخر:
فإنْ تُقبلي بالوُدّ نُقبل بمثله، ... وإن تُدبري أُدبر إلى حال باليا
ألمْ تعلمي أني قليلٌ لُبانتي، ... إذا لم يكن شيءٌ لشيءٍ مؤاتيا
وقال آخر:
فإن تُقبلي بالودّ نُقبل بمثله، ... وإن تؤذيننا بالصريمة نَصرِمِ
стр. 145
ومثله قول عمر بن أبي ربيعة:
سلامٌ عليها ما أحبت سلامنا، ... فإن كرهته، فالسلام على أخرى
ومثله قول الآخر:
وكنتُ، إذا خليلٌ رامَ صَرمي، ... وجدتُ لديّ منفسَخاً عريضا
وأجاد أبو ذؤيبٍ الهُذلي حيث يقول:
فإنْ وصلت حبل الصفاء فدُم لها، ... وإن صرمَته، فانصرفْ عن تحاملِ
ومثله قول إبراهيم بن العباس:
بقلبي من هوى البيض انصراف، ... وتعجبني من البيض القِصافُ
فإن أنصفن في ودّي، وإلا ... فليس عليّ من قلبي خلافُ
وقد أحسن الذي يقول:
كم من أخي قد كنتُ آمله، ... هبّت عليه رياح الغدر، فانتقضا
أهملتُه، حين لم أملك صيانته، ... ثم انقبضتُ بودّي مثل ما انقبضا
وقلت للنفس عُدّيه فتىً نوحَت ... به النوى أو من القَرض الذي انقرضا
فما بكَيتُ عليه، حين فارقني، ... ولا وجدتُ له بين الحشا مَضضا
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
أميطي الهوى، إن شئتِ، عنّي فانقُضي ... عهود الهوى، واسترزقي الله في سيّرِ
فلو كنتِ لي عيناً، إذاً لفقأتُها، ... ولو كنتِ لي أُذناً رميتُك بالوَقْرِ
следующие страницы →