← Адаб

Адаб · id 26102

الموشى = الظرف والظرفاء

الوشاء

Полный текст (254 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من اللواتي يقلن: لنْ، ونعم، ... وها، وحتى، وقد، وسوف، ولا والذي جاء في ذلك كثيرٌ يطول شرحه ويُعيي وصفه، وقد مضى من الفصل ما فيه لذوي العقل، وقد أفردنا كتاب القيان لذمّ عُظم القيان، فأغنى ما في ذلك الكتاب عن تكثير هذا الباب، فاعرفه إن شاء الله. بمن يحسن العشق واعلم أن الهوى، والحب، والبخل، والعشق، والغزل يحسن بأهل النعمة واليَسار، ويُزري بأهل الإملاق والإقتار، ولسنا نقول إنه محرَّمٌ على هؤلاء لإعسارهم، ولا محلل لأولئك ليسارهم، وليس بالغنى ما يُدخل أهل الجهالة في الوصف، ولا بالفقر ما يُخرج أهل الأجب من الظرف، وقد قال بعض الشعراء: قد يُدرك الشرف الفتى، ورداؤه ... خَلَقٌ، وجَيبُ قميصه مرقوعُ وليس أسباب الهوى مبيَّنة عن اليسار، والسعة، والغَناء، والبذل، والعطاء، والنفقات الغزيرة، والصلات الكثيرة، والهبات الهنيّة، والهدايا السرية، والمختلُّ المعدِمُ، والمقلّ المعسِر لا حيلة له في ذلك، فمن تعرّض للهوى، ومال إلى الصّبى، لم يحسن ذلك به لإفلاسه، وقلّة ذات يده وإقلاله، وما هلك امروٌّ عرف قدره، وأجهل الناس من عدا طوره، وقد قال بعض السخفاء بعيب بجهله على الظرفاء: ألم يُعلم أنه لا يكون لفقيرٍ، ولا يُرفع إليه طَرفٌ، ولا يقع عليه وصفٌ، والفقير مذمومٌ بكلّ لسانٍ، والغنيّ محبَّب إلى كل إنسانٍ، وأنشد قول عُروة بن الورد: ذريني للغنى أسعى، فإني ... رأيتُ الناس شرُّهُمُ الفقيرُ وأحقرهم، وأهونهم عليهم، ... وإن أمسى له كرمٌ وخير

стр. 142

يباعده الدنيُّ، وتزدريه ... حليلته، وينهره الصغيرُ وقد أخطأ العائب لهم في مقاله، وتكسع في حيرته وضلالته، لأن عُروة لم يذهب إلى ثلب الأدباء، ولا إلى تعنيف الظرفاء، وإنما عنف على طول الإهمال، وحثّ على تكسُّب الأموال، وهذا مثل قول الآخر: لعمرك! إن المال قد يجعل الفتى ... نسيباً، وإن الفقر بالحُرّ قد يُزري وما رفع النفس الدنيّة كالغنى، ... ولا وضع النفس الكريمة كالفقر ومثل ذلك قول الآخر: الفقر يُزري بأقوامٍ ذوي حسبٍ ... وقد يُسَوِّد غير السيد المالُ وكقول الآخر: أجلَّك قومٌ حين صرتَ إلى الغنى، ... وكل غنيٍّ في العيون جليلُ إذا مالت الدنيا إلى المرء حَوَلت ... إليه، ومال الناس حيث تميلُ فهؤلاء لو يذهبوا إلى تفنيد المتظرفين، ولا الطعن على المتفننين، وكيف، والتظرّف بهم أليق، وسمةُ الظرف عليهم أصدق. وهذا الباب قد ذكرته على جملته في كتاب " نظام التاج في صفة الأنْوِك المرزوق والظريف المحتاج " وجعلنا جملة ما مرّ في كتابنا نَصَفة بيننا وبين من زعم أن الأمر ليس كذلك. والذي زعم أنه لا يكون للفقير ظرفٌ قد تجاوز في الجَهالة والسُّخف؛ بلى إن الظرف بذي التقلل مليح، ولكن الهوى والعشق بهم قبيحٌ، وذلك أن الفقير إن طلب لم ينل، وإن رام بلوغاً لم يصل، وإن استوصل لم يوصل، فهو كمد القلب، عازب اللب، حزين النفس، ميت الحس، ذاهل العقل،

стр. 143

بعيد الوصل، فتركه التعرّض لما لا يقدر على بلوغ إتمامه أولى من تلبّسه بما يزيده في اغتمامه، وقد يجوز أن يكون ظريفاً بغير عشق، كما كان عاشقاً بغير فسق، لأنه لا تُهيأ له إقامة حدود العشق والظرف بلباقته، ونظافته، وتخلّفه، وتملّقه، ومداراته، ومساعدته، ولا يتهيأ له القيام بحدود العشق إذ لا مال له فيُعينه على هواه، ولا مقدرة له فتبلغه رضاه، وإن بلي بمن يستهديه ويستكسبه ويطلب بره، ويريد فضله، وهو لا يقدر على ذلك فهي الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى، والحسرة التي تبقى، والكمد الذي لا يفنى. فليتحرّز الأديب من الهوى قبل وقوعه في العَطَب، وليتحفّظ منه قبل طلبه التخلّص من شَركه، فلا يقدر على الهرب، وقلّ من رأيت وقع في هوىً فنجا من غُلّه، أو أمكنه التخلّص من حبله، ولن يقدر على التخلُّص من الهوى بعد الوقوع في درك البلا، إلا مالكٌ لقلبه، مانعٌ لغربه، حازمٌ في فعله، جامع لعقله، فإن الأديب إذا كان بهذه الصفة، ورأى آيات الملل، وعلامات الذُّلّ، وأمارات الغدر، ودلالات الهجر، بادر فريسته، وتخلّص مهجته، وزجر قلبه، وصرف حبّه، ولم يُقم على طول الجفاء، ولم يُعرّض نفسه لطول البلاء، ولم يستعبدها بالتذلل، والخشوع، والتضرّع، ولكنه يصرفها صرف مقتدرٍ عيوفٍ، ويمنعها منع مالكٍ عزوفٍ. وقد شرحت لك ما قيل في المُصارمة باباً لتقف عليه، يبين لك صحةً ما فيه، إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله.

стр. 144

ما جاء في مصارمة ذوي الغدر والمبادرة عند الملل والهجر اعلم أن صبر المحب على هجر الحبيب، وتجرّعه للغُضض والتعذيب، ومعالجة الزفير والنحيب، وتقلقل لفرق الوجيب، من الهجر الظاهر والموت الحاضر. والمبادرة بالانصراف بعد تغيُّر الأُلاّف من الحزم المكين، والرأي الرصين، وإن من أحسن ما قيل في المصارمة قول زهير ابن أبي سُلمى حيث يقول: ألا يالَ قومٍ للصِّبى إذا يقودني، ... وللوصل من أسماء إذ أنا طالبهْ فليتك قاليني، فلا وصل بيننا، ... كذلك من يستغنِ يُستغنَ صاحبه ومما يتعلق بهذا قول المتلمّس: فإن تُقبلي بالوُدّ نُقبلْ بمثله، ... وإلا فإنا نحن أنأى وأشمسُ ومثله قول نافع بن خليفة: بآية ما قالت: غنيت بغيرنا، ... ونحن سنغنى عنك مثلاً، ونَصدفُ وقال آخر: فإنْ تُقبلي بالوُدّ نُقبل بمثله، ... وإن تُدبري أُدبر إلى حال باليا ألمْ تعلمي أني قليلٌ لُبانتي، ... إذا لم يكن شيءٌ لشيءٍ مؤاتيا وقال آخر: فإن تُقبلي بالودّ نُقبل بمثله، ... وإن تؤذيننا بالصريمة نَصرِمِ

стр. 145

ومثله قول عمر بن أبي ربيعة: سلامٌ عليها ما أحبت سلامنا، ... فإن كرهته، فالسلام على أخرى ومثله قول الآخر: وكنتُ، إذا خليلٌ رامَ صَرمي، ... وجدتُ لديّ منفسَخاً عريضا وأجاد أبو ذؤيبٍ الهُذلي حيث يقول: فإنْ وصلت حبل الصفاء فدُم لها، ... وإن صرمَته، فانصرفْ عن تحاملِ ومثله قول إبراهيم بن العباس: بقلبي من هوى البيض انصراف، ... وتعجبني من البيض القِصافُ فإن أنصفن في ودّي، وإلا ... فليس عليّ من قلبي خلافُ وقد أحسن الذي يقول: كم من أخي قد كنتُ آمله، ... هبّت عليه رياح الغدر، فانتقضا أهملتُه، حين لم أملك صيانته، ... ثم انقبضتُ بودّي مثل ما انقبضا وقلت للنفس عُدّيه فتىً نوحَت ... به النوى أو من القَرض الذي انقرضا فما بكَيتُ عليه، حين فارقني، ... ولا وجدتُ له بين الحشا مَضضا وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: أميطي الهوى، إن شئتِ، عنّي فانقُضي ... عهود الهوى، واسترزقي الله في سيّرِ فلو كنتِ لي عيناً، إذاً لفقأتُها، ... ولو كنتِ لي أُذناً رميتُك بالوَقْرِ

стр. 146

ولو كنتِ لي كفّاً، إذاً لقطعتها، ... ولو كنتِ لي قلباً نزعتك من صدري سألتكِ هل للناقضِ العهد والذي ... يخونُ سوى الإعراض والصّدّ والهجر فإن شئتِ فاقْليني، وإن شئتِ فاعرضي، ... فوالله ما أمسيتِ مني على أمر ولقد أحسن الخليع حين يقول: هويتكمُ جَهدي وزدتُ على الجهد ... ولم أرَ فيكم من يُقيم على العهدِ فإن أُمسِ فيكم زاهداً بعد رغبةٍ، ... فبعد اختبار كان في وصلكم زُهدي لعمري، لقد أغضيتُ فيكم على التي ... تُجرّعني المكروه من غُصص الحقدِ تأنّيتُكم بُقيا الصديق لتقصدوا، ... وتأبَون إلا أن تَجوروا عن القصدِ تعزّوا بيأسٍ عن هواي، فإنني ... إذا انصرفَت نفسي، فهيهات من ردّي أبى القلب إلا نبوةً عن جميعكم، ... كنَبوتكم عني ففي السُّحق والبعد أرى الغدر ضدّاً للوفاء، وإنني ... لأعلم أن الضدّ ينبو عن الضّدّ إذا خُنتمُ بالغيب عهدي، فما لكم ... تدلّون إدلال المقيم على العهد صلوا، فافعلوا فعل المدلّ بوصله ... وإلا فصُدّوا، وافعلوا فعل ذي الصدّ فكم من نذيرٍ كان لي قبلُ فيكمُ، ... وها أنا ذا فيكم نذيرٌ لمن بعدي فوا أسفاً من صبوةٍ ضاع شكرها، ... مضت سلفاً في غير أجرٍ ولا حَمد وأنشدني بعض المحدّثين: هجرتُ حبيباً كنتُ أحسب أنني ... سأقضي حياتي، قبل هِجرانه، وَجدا

стр. 147

وذلك أني كنتُ صبّاً بحبه، ... أجاوز للإفراط في حبه الحدّا فقابلني من قلّة الحفظ للسوفا، ... بأن خانني ودّي، ولم يَرعَ لي عهدا فقلتُ لقلبي بالملامة فاصطبر، ... ورُمّ سلوةً تلقَى بسلوتك الرُّشدا فطاوعني قلبي، فبتُّ مسلَّماً، ... أفتّش عن ودّي فلا أجد الوُدّا وأنشد أبو الطيب لنفسه في مثل ذلك: عتبتُ عليكم مرةً بعد مرةٍ، ... وأفرطتُ في التعذال، واللوم، والزجرِ فلما رأيتُ القول ليس بنافعي، ... ولا النهيَ مقبولاً لديّ، ولا أمري زجرتُ فؤادي زجرة عن هواكمُ ... وقلتُ له سرّاً، فأصغَى إلى سرّي: أفقْ كم يكون الهجر ممن تحبُه، ... وهجرُ الذي تهوى أحرُّ من الجمر وصبرك لو تدري على الهجر ساعةً، ... وقد كنتَ ترجوه أحرّ من الجمرِ تَعزَّ، فإنّ الغدر منه سجينةٌ، ... ولا داء أدوى من معالجة الغدر تَعزَّ، فإن اليأس يذهب بالهوى ... ولا شيء أشفى للفؤاد من الهجرِ تَعزَّ وداوِ القلب منك بهجره، ... ففي الهجر، لو يأتي، شفا غُلّةِ الصدر فطاوعني قلبي، فبتُّ أرى الهوى، ... وما كنتُ فيه كالجنون، أوِ السحر وأصبح قلبي فارغاً من هواكمُ، ... كأنْ لم يكن عاناه في سالف الدهر وأضحى، وما فيه من الحب والهوى ... إذا قيس، مقدار العَشير من الذَّرِّ ولقد أحسن الذي يقول: وددتُك لمّا كان ودُّك خالصاً، ... وأعرضتُ لمّا صار نهباً مقسَّما

стр. 148

ولن يلبث الحوض الوثيق بناؤه، ... على كثرة الوُرّاد، أن يتهدّما وقال آخر: لا أشتهي رَنْقَ الحِياض، ولا التي ... تُخاض ويغشاها المطرَّحة الجُربُ ولا أشتهي إلا مشارب أُحرزَت ... عن الناس، حتى ليس في مائها عَبُّ وأنشدني أحمد بن يحيى: وإني لأستحيي من الله أن أرى ... رديف وصالٍ أو عليَّ رَديفُ وأشرب رَنْقاً منكِ بعد مودّةٍ، ... وأرضى بحبلٍ منك، وهو ضعيفُ وإني للماء المخالط للقَذى، ... إذا كثُرت وُرّاده، لعيوفُ ومثله قول الآخر: لقد زعمت ريّاكَ أنك غادرٌ، ... وأنك للشُّرب، الغَداة، عيوفُ لقد كذَبت، ما إن أعوجُ بمشربٍ ... أُجاجٍ، وما لي في الوِصال رديفُ وأخبرني أحمد بن يحيى عن الزُّبير بن بكّار قال: كان نُصيبٌ يأتي خُلّةً له بالأبواء، وكان إذا أتاها رحّبت به أمها، وأكرمته وفرشت له إلى جنب ابنتها، فجاء يوماً، وعندها فتىً أصفر كأنه مُحّةٌ، يتولّج عليهم بيتهم بغير إذنٍ، ويختلط بهم اختلاطاً يكرهه نُصَيب، فوثب إلى رحله، فشدّه على راحلته، فعلقت به الجارية وقالت: ألا تَبوء عندنا يا أبا مِحْجَن كعادتك؟ فقال: أراكِ طَموحَ العين، طارفةَ الهوى ... لهذا، وهذا منكِ وُدٌّ مؤالفُ

стр. 149

فإن تحملي رِدفين لا أكُ منهما، ... فجيئي بفردٍ إنني لا أُرادفُ وأنشدني إبراهيم بن محمد النحوي لنفسه: يا من توهّم أننا نَهواه، ... ونذوب شوقاً إن نأى مَثواهُ كذبتْكَ نفسك في بُعادكَ راحةٌ ... إن كنتَ ممن مُهجتي تَسلاهُ لا يجمع القلب القريح صَبابةً ... وتأذّياً منه بمن يهواه لكنْ، إذا حلّ الأذى صَرَفَ الهوى، ... فانزاح عن قلبِ المحبّ هواه ومثل ذلك قول أسماء بن خارجة الفَزاري: خذي العفوَ مني تستديمي مودّتي، ... ولا تَنطقي في سَورتي حين أغضبُ فإني رأيتُ الحبّ في القلب والأذى ... إذا اجتمعا، لم يلبثِ الحبُّ يذهبُ ومثله قول الآخر: وصلْتُك لما أن رأيتُك واصلاً، ... وباعدتُ حبل الوَصل لما بدا لكا توهّمتُ منكَ الحفظَ والرعي للهَوى ... يكون، فلمّا أن رأيتُ فِعالكا زَجَرتُ فؤادي، واجتنبتُكَ بعد ما ... رأيتُ، ونحّيتُ الهوى عن إنائِكا فإن قال قومٌ: إن في الناس عاشقاَ، ... سلا سرعةً يوماً، فإني ذالكا وأنشدني غيره أيضاً: منحتُكُمُ صفوَ المودّة والهوى ... وأفْرطتُ حتى جُزتُ في ذلك الحدّا وأعطيتكم مني القِياد، ولم أكُن ... لأعطيه من أهوى، ولو شَفَّني وجدا فقابلتموني ضدّ ما قد منحتُكُم، ... وما كان حقّي أن أقابله ضدّا

стр. 150

فقد نلتُ مما كان منّي من الهوى ... وآليتُ ألاّ أُخلِصَ الحبّ والودّا فإن شئتُمُ جُذّوا الوِصال من الهوى، ... وإن شئتُمُ خونوا القَطيعة والعهدا فإني بريٌّ لا ذكرتُ مودّةً، ... ولا عشتُ إلا سامريّاً كذا فَردا وأنشدني أيضاً لنفسه: من سلا عنكَ، فاسله، ... لك في الناس مثله لا تقولنَّ: لِمْ، وكم، ... وعسى، أو لعله فالعسى يعقِد الهوى، ... والتعزّي يحلّه كلُّ حبٍّ إذا انقضى ... بعضه، هان كُلُّهُ وأنشدني أبو عبد الله بن مُسرِف لنفسه: ادنُ من كلّ صاحبٍ يدنُ شِبراً ... منك بالوصل، والوِداد ذراعا وإذا ما نأى ذراعاً، فزِدْه ... أنت بالهجر والقطيعة باعا ثم لا تطعننّ يوماً عليه ... بعيوبٍ، وإن شَناك سماعا وهذا الباب على كثرته واتساع القول في صحّته يعزّ على الأديب فعله، ويمنعه من إتيانه شغله، لأنه لا يقدر أحد على التخلّص من الهوى بعد الوقوع في شَركه، وإشرافه على مَهول مَهْلكه، وإلا بعد همٍّ دَخيلٍ، وسُقم طويل، وفِكر قاتل، وشُغل شاغل، فتحرُّز ذوي النُّهى من الهوى بالنزوع، أولى من إعمال الحيلة في طلب التخلّص والرجوع. واعلم أنه لا يصلح العشق إلا لأربعةٍ: لذي مُرُوةٍ ظاهرةٍ، أو ذي طاهرةٍ، أو ذي مال وساع، أو ذي أدب بارع؛ ويقبُحُ ممن سواهم لأن

стр. 151

الفقير إذا تعدّى طوره، ورام أن يجاوز قدره، قبُح ذلك به، كما أنه يقبُح بذي الغنى ترم التعرّض لأسباب الهوى، وذلك لصغر نفسه الدنيّة، وسقوط همّته الردية، لا يمنعه من طلبه قلّة ذات يده، ولا تعذُّر الجدّ، بل فساد الطبع، وعدم الحاسّة، وموت الذات. وبعد فإن كنا في تقدّمنا في غرض خطابنا، وفصول كتابنا، بإباحة العشق والهوى، ودعونا إليه الأدباء، وحثثنا عليه الظرفاء، وملأنا بذلك كتابنا، فإنا نُفرد للنصيحة فيه باباً يميل إليه أهل التدبير، وأهل المعرفة والتبحّر، ويرغب فيه العاقل، ويزهد فيه الجاهل، لأني أم أُخْلِه من كلامٍ منثور، وشعرٍ مشهور، فقفْ على ما أصّلتُ، يَبِن لك ما فرّعتُ، إن شاء الله. النهي عن الهوى والتعرّض لأسباب الضنى اعلم أنه يقبُح بالرجل الأديب، والعاقل اللبيب، أن يستخذي في هواه، ويُملِّك قلبه سواه، ويكون خادم قلبه، وأسير حبّه، لا سيما مع تغيُّر الزمان، وغدر الأحباب والخلاّن، ما يجد فيهم خليلاً صادقاً، ولا يصاحب إلا ماذقاً. ثم إن أجهل الجَهالة، وأضلَّ الضلالة، صبْرُ الفتى الأديب، على غدر الحبيب، فإنّ الصبر على الخيانة والغدر، يضع من المُرُوّة والقدْر؛ وقد قال بعض الشعراء فأحسن: وإني، وإن حنّت إليكم ضمائري، ... فما قدرُ حيٍّ أن يذلّ له قَدري فلا ينبغي لأحد أن يذلّ لهواه، فيُشمتَ بنفسه أعداه، ولا يركُنَ إلى

стр. 152

واحدةٍ من النساء الحرائر والإماء، فكلّهن في الغدر سواء، وما لواحدة منهن عهد ولا وفاء؛ ولقد أحسن عُبيد الله بن عبد الله بن طاهر حيث يقول: ألا أيّها القومُ المحبّون ويحكُم، ... تعزّوا عن الأحباب، واحتسبوا الأجْرا فما واحدٌ منهم بوافٍ لواحدٍ، ... وصاحبتي تجزي وفائي لها غَدْرا فلو كنتُ من صخرٍ لما كنتُ صابراً، ... وما أنا من صخر، وما أترك الصبرا وقد بلغنا أن ببعض بلاد الهند قوماً لا يعشقون، ويَرونه من السحر والجنون، وذلك لمن فيهم الفلسفة، ولهم الحكمة والتجربة، وزعموا أن سبب العشق سبب النوى وفيه المذلّة والعَناء، ومنه يكون السقم والضنى، وأكثر من في النساء وفاء، أسرعهنّ خيانةً وجفاء، وأعطاهن حَلْفاً وإيماناً، أسرعهن خُبثاً وسُلواناً، فيا رحمتي للأدباء، وشفقتي على الظرفاء، فما أطول بلاءهم، وأكثر شقاءهم، وأسخن عيونهم، يُبتلى العزيز منهم بالذليلة، والكثير منهم بالقليلة، والشريف بالدَّنيّة، والنبيل بالزريّة، فيطول في عشقها سهره، ويكثُرُ في أمورها فكره، وتنهلّ عليها إذا نأت دموعه، ويطول لديها إذا قرُبت خضوعه، وهي تُظهر له المحبّة، وتُبدي له الرغبة، وتحلف بالأيمان المُحرِّجات، والعُهود الموكِّدات، أنه حظّها من الآدميين، وشغلها دون سائر العالمين، وتُريه الجزَع عند الفراق، والفرح عند التلاق، فتملأ قلبه همّاً، وتورثه ضنىً وسُقماً، وهي تكاتب سواه، ولا تعبأ بهواه، لها في كل زاوية رَبيط، وفي كل محلّةٍ خليط، لم يعدُها قول الشاعر:

стр. 153

فيا من ليس يُقنعها محبٌّ، ... ولا ألفا نحبٍّ كل عامِ أظنّكِ من بقيّة قومِ موسى، ... فهم لا يصبرون علة طعامِ أتيتُ فؤادها أشكو إليه، ... فلم أخلُص إليه من الزحامِ ولا قول الذي أنشدني قوله أيضاً: الخان يعجز عن قومٍ إذا كثُروا، ... لكنّ قلبك مثل الخان أضعافُ في كلّ يومٍ له خمسون يعشقهم، ... في كل شهرٍ له ألفٌ وآلافُ وحكى الهيثم بن عديّ أن رجلاً من العرب هوي جاريةً، فتمسك بودّها، وركَنَ إلى محبّتها، ثم اطّلع على أنها لا تردّ يد لامِس، فقطعها، وأنشأ يقول: ألا حَيِّ أطلالاً لواسعة الحبْلِ ... ألوفٍ تُسوّي صالح القوم بالرَّذْلِ فلو أن من أضحى بمنعرجِ اللِّوى ... إلى الرملة القُصوى بساقطة النَّعلِ جلوساً إلى أن يَقصرَ الظّلَّ عندها ... لراحوا، وكل القوم منها على وَصلِ ومن أكثر المحال، وأحمق المَقال، قناعة المرأة بصديقٍ، وصبرها على رفيق، أحسنُ من فيهن حالاً، وأقلهنّ أشغالاً، من لها صاحبٌ مشهورٌ، وخليل مستور، وربيطٌ تُراسله، وصديق تجامله، وإن كان ذلك لا لمالٍ، ولا لطمع وآمال، فقد كنا تقدّمنا في باب صفة القينات، وما طُبهن عليه من المكر والخيانات، أنهن يكتسبن بالهوى والعشق، ويُدارين بالتملّق والرفق، وليس بنات البيوت في الخُدور، وربّات الحِجال والقُصور، كذوات المَذْق من القينات، وكذوات التكسُّب من المتقيِّنات، فإن هؤلاء

стр. 154

معروفات بطلب الدراهم والأموال، منسوبات إلى التكسُّب بتعشّق الرجال، لا يُقدم عليهن إلا مغرورٌ، ولا يثق بهم إلا مسحورٌ، وإنما يذهب على أهل الألباب، وأهل التظرُّف والآداب، مكر البنات المخدَّرات، والغواني المحجَّبات، اللواتي لم ترهنَّ العيون، ولم تكثر فيهن القالة والظنون، اللواتي يبذلن نفيس الأموال لمن يتعشّقْنه، وينّين من راسلنه وكاتبنه، وتزعُم أنهن وراء الحجاب، ودون الأقفال والأبواب، وأنهن لا فرج لهن إلا في المكاتبة، ولا فرح إلا في المراسلة، ولا سرور إلا في النظر من بعيد، ولا يقدرن على اللقاء إلا في الخروج في كل عيد، وأولئك اللواتي تخفُّ أمورهن، وتُعنّى سرائرهنُ، ويطمع الجاهل فيهن، ويصبو النَّزِق إليهن، ويثق بحبّهن الأحداث والأطفال، ولا يتمسّك بمودّتهن إلا الجهّال، مع أن مكرهن أخفى من الخيال، وأعظم من راسيات الجبال، تنفذ حيلهن على الرجال، ويتمكّن كيدهنّ من الأبطال، وفيما خبر الله، جل ثناؤه، في بعض القرآن، من عظيم كيدهن، ولطف حيلهن، ما يُغني عن شرح كثير من سرهن، وإن في قصة زُليخا ويوسف ما يستغني به ذوو العقل والأفهام من مكرهن القوي، وكيدهن الخفي، ولن يحترز منهن إلا المجرّب، ويتّقي منهن إلا المدرّب، فإن ذا الحِنكة، إذا كان بهن عليماً، وكان في أمورهن حكيماً، أخذ من حبّهن عفوة، وشرب من هواهن صَفوه، ولن يعلَق بهن فؤاده، ولم يملكن قياده، وذلك الحسن الحال، الرَّخيّ البال، لم تؤرّقه الغُموم، ولم تُنضجه الهموم، لا كالذي غلب عليه الشقاء، وأُتيح له البلاء، فركن

стр. 155

إلى حبهن، ودعَته الرغبة إلى ودّهن، فتمكّن منه الهوى، وتفرّد به الضنى، وتلك لا تشعر بسهره، ولا تعبأ بفكره، وبالله أقسم صادقاً، لو حلفْتُ أنهن لا يعرفن شيئاً من الوفاء، ما حنثْتُ، ولو بحث المغرور بهن، المخدوع بحبهن، عن صحيح أخبارهن، وفحص عن مكنون أسرارهن، لوقَف على صورة غدرهن، ولَبان له جملةٌ من مكرهن، ولهنّ عليه بعد الكرامة، ولرجع على نفسه بالملامة، كما أنشدني بعض الأدباء لنفسه: أوَصْلَك أرجو، بعد أن رثّ حبله، ... لقد ضلّ سعيي، إذ رجونُ ملولا أتوب إليك اليوم من كل توبةٍ، ... فقد هُنتَ في عيني، وكنتَ جليلا إذا لم يجد إلفي عن الغدر مذهباً، ... وجدتُ إلى حسن العَزاء سبيلا فوالله لا أرضيتُ داعيةَ الهوى ... إليكَ، ولا أغضبتُ فيك عَذولا وأنشدني أيضاً: سأغدر، حتى تعجبوا من خيانتي، ... فما ليّ ذنبٌ غير حسن وفائي ولولا أمورٌ عارضتَ ما سبقتني ... إلى الغدر حقاّ، لو تُركتَ ورائي سأُنزف دمعي حَسرةً وتندُّماً، ... على ما مضى صَبوتي وعَنائي وأنشدني للحسين الخليع: تُراك على الأيام تنجو مسلَّماً، ... ولستَ ترى من غدرةٍ أبداً بُدّا ألستَ الذي آليتَ بالله جاهداً ... يميناً، وخُنتَ الله مَوثقَه عَمدا ألا في سبيل الله وُدٌّ بذلتُه ... لمن خانني وُدّي، ولم يَرْعَ لي عهدا عدمتُك من قلبٍ أقام لغادرٍ ... على العهد، حتى كاد يقتلني جِدّا

стр. 156

ومن ذلك قول الحَكَمي: ألا في سبيل الله ودٌّ بذلتٌه ... لمن لم يكن مني لمِعشاره أهلا سوى ما إذا فكَّرتُ فيه وحدتُني ... أفوز به أنى اكتسبتُ به عقلا وأنشدني بعض الأدباء لنفسه: توافيتَ لي، حتى حسبتُك مُغرماً، ... وأعرضتَ، حتى خلتُ نفسي مجرِما وما لك شيءٌ منهما غير أنني ... أراك ترى نقضَ المواثيق مغَنما وما كنتُ أدري كيف يصبر عاشقٌ، ... ولا كيف يَسلى بعد أن يتتيّما فأنقذتَني بالغدر من غمرة الهوى، ... وعلّمتَ قلبي الصبر، حتى تعلّما ولو لم تخلّصني بغدرك لم أجد ... إلى سلوةٍ، حتى القيامة، سُلَّما فلم تَرَ عيني، قبل شخصك، ظالماً، ... تعمد أن يجبي، فأصبح منعِما فجّوزيتَ عني بالذي أنت أهله، ... فكلّ امرئٍ يُجزى بما قد تيمّما سيندم إنسانٌ لعهد خليله، ... وقلّ لمن لم يًرْعَ أن يتندّما وأنشدني أيضاً: يا قلب قد بان كم كلفتَ به، ... فخلِّ عنك البُكاء من أثرهْ شغلُك بالفكر في تغيُّره ... أعظم مما لقيتَ من حَذَرهْ قد يسلم العاجز الضعيف، وقد ... تتْلَف روح القويّ من غيرهْ وقد يفوت القريبَ مطلبه، ... وقد يؤوب البعيد من سفرهْ فإن يُذقْكَ الوصال حسرته، ... فقد جنيتَ اللذيذ من ثمرهْ

стр. 157

فارحلْ، فمن لا يحلّ مورده ... يُفضِ به صفوَه إلى كَدَرِهْ ولقد أحسن الحكَمي حيث يقول: أيها المنتاب عن عُفُرِهْ، ... لستَ من ليلي، ولا سَمَرِهْ لا أذود الطير عن شجرٍ ... قد بَلَوتُ المُرَّ من ثمرِهْ وأنشدني محمد بن خلف أحد الفقهاء، وأحسن في قوله: إذا كنتُ لا أنفكُّ منك مروَّعاً ... بغدرٍ، فإنّ الهَجرَ ليس برائع إذا خانني من كنتُ أهوى وِصالَه، ... فلستُ بجنّات الخلود بقانعِ أبَتْ عَزَماتي أن يقود زِمامها ... إلى غادِرٍ بالعهد ذُلُّ المطامع فيا من به كانت حياتي حبيبةً ... إليّ، ومن لولاه قلّتْ روائعي تَعزَّ بيأسٍ عن تذكُّر ما مضى، ... فلستُ لمن لم يَرْعَ عهدي بتابعِ وإني، وإن يَرْقَ دمعي تأسُّفاً ... عليك، فما قلبي إليك براجعِ وأجود ما قيل في هذا الباب قول أبي ذؤيب الهُذَليّ: فإن تُعرضي عني، وإن تتبدّلي ... خليلاً، وإحداكنّ سوءٌ قُصارها

стр. 158

فإني، إذا ما خُلَّةٌ رثَّ حبلها، ... وجدْتُ لصُرمي، واستمرّ عِذارهُا وحالت كحول القوس طُلّتْ وعُطّلت ... ثلاثاً، فأعيا ردُّها وظُهارها فإني قَمينٌ أن أودّعَ عهدها ... بحمدٍ، ولم يُرفع إلينا شَنارها وأحسن محمد بن عبد الله بن طاهر حيث يقول: ألم ترَ أن المرء تَدوي يمينه ... فيقطعها عمداً، ليسلم سائرُهْ وكيف تُراه، بعد يُمناه، صانعاً ... بمن ليس منه حين تَدوى سرائرهْ فهكذا لعَمري ينبغي أن يفعل الأدباء، وبمثل هذا فليتّعِظ الظُّرفاء. وقد يجب على العاقل المتأدّب، وذي الحِنكة والتجارب، أن يجعل المرأة بمنزلة الريحانة، يتنعّم بنَضرتها، ويتمتّع بزهرتها، حتى إذا جاء أوان جَفافها، وحالت عن حالها في وقت قَطافها، نبذها من يده وألقاها، وباعدها من مجلسه وقَلاها، إذا لم يبق فيها بقيةٌ لمستمتع، ولا لذّةٌ لمتمتِّعٍ؛ ولله دَرُّ الذي يقول: تمتّع بها ما ساعفَتْكَ، ولا تكُن ... عليك شجاً في الحلق، حين تَبينُ وإن هي أعطتْكَ اللِّيانَ، فإنها ... لآخرَ من خُلاّنها ستلين وإن أقسمتْ لا ينقض النأيُ عهدها ... فليس لمخضوب البَنان يمينُ ومثل ذلك قول النَّمِر بن تَولَب: وكلّ خليلٍ علتْهُ الرِّعا ... ثُ والحُبُلاتُ كذوبٌ مَلِقْ

стр. 159

ومن جيّد ما قيل في هذا الباب، مما يجب قبوله على ذوي الألباب، قول الحكَم بن مَعْمَرٍ الخُضري أحدِ بني حِصن بن مُحارب: وبعض الهوى داءٌ وفي اليأس راحةٌ، ... إذا انبتّ وصلٌ أو نَبا بكَ منزلُ وذو العقل لا يأسى على وصل خُلّةٍ ... إذا لم يكن يوماً عليها مُعَوَّلُ فلا ترضَ بالأمر الذي ليس بالرضى، ... إذا كنتَ تعتام الأمورَ وتفصِلُ إذا المرءُ لم يحببك إلا تكرُّهاً، ... فدعه، ولا يعجز عليك التحوُّلُ وفي الأرض أكفاءٌ، وفيها مُراغَمٌ ... عريضٌ لمن خاف الهَوانَ ومَرحَلُ وأن يقطعَ الأمرَ االذي أنت قادرٌ ... على جَذِّه منه، أعفُّ وأجملُ والكلام في هذا الباب مطّرِد، والقول فيه منسَرِد، ولكن كرهتُ به إطالة الكتاب، واقتصرت على قليل من الخِطاب، وأبديتُ نصيحتي للأدباء، وأهل المعرفة والعقلاء، وأخبرت بما صحّ عندي، وبالغتَ في النصيحة جُهدي، فإن رغب فيها اغبٌ فغير مَلوم، وإن زهد فيها زاهد فغير مَذْموم. وأنا أعود إلى ذكر الظَّرف والهوى، فقد مضى من هذا الباب ما كفى. واعلم أن للعشق سُنّةً مَقصودةً، وللظرف شرائعَ محدودة، ورأينا أربابه

стр. 160

وأهله وطُلاّبه مُتّبعين لسُبلها، متمسّكين بحبلها، متى حالوا عنها سُمّوا بغير اسم الظرفاء عند أهل الظرف، ودُعوا إلى غير سُنّة العشّاق والأدباء، ولهم فيما استحسنوه من الزّيّ والطيب والثياب والهدايا والطعام والشراب حدٌّ محدودٌ مستحسنٌ معلومٌ، وزيُّ بين الطائفتين مقسوم، لا الرجال يتجاوزون ما حُدّ لهم إلى متظرفات النساء، ولا النساء يتجاوزن حَدّهن إلى حدّ الرجال الظرفاء، وأنا أصف لك زيَّ الفريقين من الظرفاء والمتظرفات، وأشرح لك ما عليه هؤلاء وهؤلاء من الزيّ والهيئات، إن شاء الله. ذكر زي الظرفاء في اللباس المستحسن عند سروات الناس اعلم أن من زيّ الرجال الظرفاء، وذوي المُروّة الأدباء، الغلائلَ الرقاق، والقُمُص السِّفاق، من جيّد ضُروب مَطارف السوسية، والكسية الفارسية، الكتّان، الناعمة النقيّة الألوان، مثل: الدَّبيقي، والجُنّابي، والمبطَّنات التاختَجِ، والخامات، ودراريع الدَّرْجَرَد والإسكندرانيّ، والمُلْحَم الخَزّي والخُراساني، ومُبطَّناتِ القوهيّ الرَّطب، وأُزُر الشَّرْب، والأردية المحشّاة العَدَنيّة، وطَيالسة

стр. 161

المُلحَم النيسابورية، والمُصمتة الدَّبيقيّة، والجِباب النيسابورية، والمصمتة الطرازية، والوشْي السعيدية، والحزوز الكوفية، والمطارف السوسية، والأكسية الفارسية، والطيالسة التومسية االزُّرق السلولية، وكل ما أشبه ذلك وقاربه، ودنا منه وصاحبه. وليس يُستحسن لُبسُ الثياب الشنعة الألوان، المصبوغة بالطيب والزعفران، مثل المُلحَم الأصفر، والدَّبيقي المعَنبَر، لأن ذلك من لُبس النساء، ولبس القَينات والإماء، وقد يلبسون في الفَصد، والعِلاجات، ووقت الشراب، والخَلَوات، الغلائل الممسَّكة، والقُمُص المُعنبرة، والأردية الملونة، والأُزُر المعصْفَرة، وربما استعملوها لفرشهم، لبسوها في وقت قصفهم، وتظرّفوا بها في مجالسهم، وتخفّفوا بها في منازلهم، والظهور فيها قبيحٌ بالسُّوقة والظرفاء، مستحسنٌ من أهل النعم وأبناء الخلفاء، وليس يُجيز أهل الظرف والأدب لُبس شيء من الثياب الدَّتسة مع غسيل، ولا غسيلاً مع جديد، ولا الكتّان مع المَروي، ولا البابياف مع القوهي أيضاً. وأحسن الزيِّ ما تَشاكل وانطبق، وتقارب واتفق. زي الظراف في التكك والنعال والخِفاف ومن زيّهم لُبس النعال الزيجية، والثِّخان الكَنْباتية، والمُشعَّرة اليمانية، والحَذْو اللطاف، والمُحتَّمة الخِفاف، ويُشرك أسودها بأحمرَ، وأصفرها بأسودَ. ويلبسون الخِفاف الهاشمية، والمكسورة الكُتّابية، زمن الأدَم الثخين، والأسود الرزين، بالجَوارب الخَزّ، والمِرعِزّي والقزّ، ويعيبون

стр. 162

لُبس الأحمر من الخِفاف، ولُبس الدارشية الخِفاف، ويتخذون التِّكَكَ الإبريسَمية، والتِّكَك الخَزّيّة، والمطارِف القُطنية، والمنقوشة الأرمنية. زيهم المخصوص في الخواتيم والفصوص التختم بالعَقيق الأحمر، والفيروزَج الأخضر، والفضّة المحرَقة، والياقوت الأسمانْجوني والبَجاذي الخراساني، والمغرانيّة الحمر، والياقوتية الصُّفر، واليَمانية السود، الحسنة القُدود المِهرانية، والمضروبة المتوكلّية، ولا يتختّمون بالذهب، وليس من زيّ ذوي الأدب، وإنما هو من لُبس النساء، ولُبْس الصبيان والإماء. زيهم في التعطر والطيب الذي من خالفه كان غير مُصيب ومن زيّهم في التعطّر والطيب بالمِسك المَسحول بماء الورد المحلول، واستعمال العَود المُعَتبر بماء القَرَنفُل المخمَّر، والنَّدّ السلطاني، والعَنبَر البَحْراني، والعبير، والذّرائر المفتوقة بالعبائر، وسوى ذلك من الطيب لا يقرَبونه، والكافور لعلّة برده لا يستعملونه إلا من حرارة ظاهرة، أو من غالبة، أو موضوعاً على الجَمر، مخلوطاً بعبير المِسك وزَعْفران الشعر، وهو بهذه الصفة أطيب البخور، وليس البَرمكية وما أشبهها عليهم بمحظورٍ، وإنّ الجيِّد من البَرمكية ومن البَخور الذكية، وإنما يكره استعمالها المتظرّفون

стр. 163

إذ هي مما يستعمله المتقلّلون. وكذلك اجتنبوا ماء الخَلوق لأنه من طيب النساء، والغالية إذ هي من طيب الصبيان والإماء. ولا يستعملون شيئاً من الطيب الذَّفِر مما يبدو له لونٌ ويبقى له أثرٌ؛ وفي ذلك حديث مأثورٌ عن النبي، ﷺ ، أنه قال: طيبُ الرجال ما ظهر رائحته. ومتى استعملوا شيئاً من الغالية، أو طيبِ النساء، كانت في أصول الشعر، بحيث يُشمّ ولا يُرى له أثر. في متظرّفات النساء .. في اللباس المخالف لزيّ الظرفاء لُبس الغَلائل الدُّخانية، والأردية الرشيدية، والشُّروب المُزَنَّرة، والأردية الطبَرية، والقصب الملوّن، والحرير المعيَّن، والمقانع النيسابورية، وأُزُر المُلْحَم الخُراسانية، والجُرُبّانات المخانِقية، والكِمام المفتوحة، والسَّراويلات البيض المذيَّلة، والمعاجِرِ السود المسَنْبَلة، ولا يَلبَسن شيئاً من التِّكَك، ولا شيئاً من المَرشوش والمطيب، ولا النقيّة الألوان، ولا من الثياب الكتّان، إلا ما كان ملوّناً في نفسه، أو مصبوغاً، من جنسه، أو مُغيَّراً بلونٍ من أجناس المُمَسَّكِ، والمُصَنْدَل وأجناس المعنبَر والمسنْبل، ليحول بالطيب عن تلك الحال، إذ لُبس البياض عندهم من زيّ الرجال،

стр. 164

ولا يلبسن أيضاً من الثياب الأصفر والأسود والأخضر والمورَّد والأحمر، إلا ما كان الصُّفرة، والتزْريقَ، والخُضرة، والتوريد، والحمرة مثل اللاذِ، والحرير، والقزّ، والديباج، والوَشْي، والخَزّ، لأن لُبس المورَّد والأحمر والسَّنيري الأخضر، إنما هو من لُبس النساء النَّبطيّات، ولُبس الإماء المتَقيِّنات. والبياض عندهم من لُبس المهجوات، والأزرق والحداد من لُبس الأرامل والمقرَّعات. وأحسنُ الذي عندهم ما ذكرناه، وليس يتجاوز حدّ ما رسمناه. زيهن المخالف لزي الرجال في لبس التِّكك والخِفاف والنعال لُبس النعال الكَنْباتية المُشعَّرة، والمدهونة المخضَّرة، والخِفاف الزَّنانية، والمكسورة، والرهاوية، والتِّكك الإبريسَمية، والرجال يَشركونهن في التّكك الإبريسَمية، ولا يَشركن الرجال في التِّكَك الديباج المنسوجة، وشَرّابات الإبريسَم المفتولة، والزنانير العِراض، ولا يَذهبن في ألوانها إلى البياض، ولا ما كان كمها كثيرَ الألوان والتخطيط، ويتطيّرن من الألوان، وقد يلبسن أيضاً التِّكك الخزّيّة والمُطْرفة القُطنية. ومن زيّهن أيضاً في الطيب الذي ليس للرجال فيه نصيب استعمال اللَّخالِخ والصّندل، والصَّيّاح والقَرَنفُل، والساهرية والأدقال، والمَعجونات، والزعفران، والخَلوق، وماء الخَلوق، والكافور، وماء الكافور، والمُثَلَّثة الخَزاشنيّة، والبرمكية السلطانية، وسائر صنوف الأدهان من البنفسج، والزنبق، والبان، إلا أنهن اجتنبن استعمال التُّرْشُتام. والرجال لا يستعملون

стр. 165

شيئاً من ذلك، والنساء يستعملن جميع طيب الظُّرفاء، والظرفاء لا يستعملون شيئاً من طيب النساء. ومن زيّهن المعلوم في لُبس الحَلْي المنظوم لُبس مخانق القَرَنفل المخمَّر، ومراسل الكافور والعنبر، والقلائد المفصَّلة، والمعاذات المُخرَّمة بشرّابات الذهب المشبَّكة، والإبريسَمية المسلسَلة، واتخاذ السَّبَح اللِّطاف من المخروطة الخِفاف، ومثل السَّبَج الحَلِك، والكَوهَر، والكَرك، والبُلُّور النقيُّ، وحَبُّ اللؤلؤ السَّريّ، والحبُّ الأحمر، والكارَبا الأصفرُ، وسائر صنوف الياقوت والجَوهر، وينظمن بالحبّ وصُنوف الجَوهر كرازنَهن، وينقُشن بالإبريسَم والذهب عَصائبهنّ، ويتخذن الخَواتيم المقرَّنة والمناقير المُطبَقة بفُصوص الياقوت الأحمر، والزُّمُرُّد الأخضر، والأسمانجونيّ، والأصفر، ولا يَحسُن بهن التختُّم بالمِينا والعَقيق والفضّة والحديد، والملوَّح والفِيروزَج، والبجاذيّ، والمَسانيح، وذلك من لُبس الرجال والإماء، وليس من لُبس متظرّفات النساء، ولا يتّخذن منها ما ضاق وعَسُر ما جَفا وكبُر، وقد تطيّر بعضُ الظرفاء من هديّة الخاتَم، وزعموا أنه يدعو إلى القَطيعة، وتهاداه آخرون، وأقاموه مَقام التذكِرة والوديعة؛ فأما الذين تطيّ؟ روا منه فيُنشدون: وما كان هذا الهجر من طول بغضةٍ، ... ولكن بعض المَزح للمَرء قاتلُ مَزَحتُ، لحَيني، مرّةً بخواتِمٍ، ... لآخذةٍ، حلّت عليّ النَوازلُ فصدّت، ولم تعلم عليّ خِيانةً، ... وطول صُدود الخلِّ للعقل ساملُ

стр. 166

وينشدون أيضاً: إني مَزَحْتُ، ولم أعلم بخاتَمه، ... فكان منه ابتداءُ الهَجر والغَضَبِ قد كنتُ ما قال أهلُ الظّرف أُنكره ... وكان قولُهُم عندي من اللعِبِ إن الخَواتيمَ فيها قطعُ مَصلكُمُ، ... فقلتُ: هذا لعَمْري غايةُ الكَذِبِ حتى ابتُليتُ، فكان الحقّ قولهُمُ، ... أخذُ الخَواتيمِ فيه أكثرُ العَطَبِ وأنشدني صديقٌ لي في ضدّ ذلك: يقول أناسٌ في الخواتيم إنها ... تُقطِّع أسبابَ الهوى؟ وأقولُ بأنّ خَواتيم المِلاح وَصولةٌ، ... وخاتَمُ من تَهوى المِلاحُ وَصولُ والعِلّة فيما كَرِهَه الظرفاء، وتطيّر منه الأدباء، من هديّة التِّكّة والخاتَمِ، حتى صار مستفيضاً في العالم أن هذين وحدهما من جميع اللباس إنْ يُستطرَفا فيُستلبا، ويُستحسنا فيُستَوهَبا، وأن الواحدَ إذا أهدى إلى خليله، وأرسل إلى حبيبه بخاتَمه، أو تِكّته، ففُقد ذلك من يده أو حَوزته، بعثه باعث من غَيرته على قَطيعته وهجرته، فأما من يَتَلقّى هدية إخائه بالقَبول، ويُنزلها منه بالمنزل الجليل، ويحفظّها كحفظه لبصره، ويُشفق عليها من الدهر وغيره، فهو آمنٌ من المُجانبة، مستريحٌ من المعاتبة، وقد رأيناهم ربما أهدّوا ذلك فيُهدونه على سبيل البيع، ويأخذون منهم الشيء الطفيف اليَسير، كالدرهم الصغير، والقِطعة من البَخور، فيُخرَجُ بهذا البيع عن حدّ الهديّة، ويأمنون ما فيه من مكْروه البليّة. وقد بلغني أن أبا نُواس دخل على خالد خَيْلَوَيه، فنظر في إصبعه إلى خاتَم، فقال: أرنيه، فدفعه إليه، وكان علامةً بينه وبين جاريةٍ يُحبّها، فانصرف،

стр. 167

فاستعمل واحداً على مِثاله، ثم بعث به إليها، فأنكرتِ الفَصَّ، فبعثت به إليه، ولن تأته، فدخل على حِياله، فلما رآه مَثلَ بين يديه، وأنشأ يقول: تفديك روحي، يا أبا جعفر، ... جاريةٌ كالقمر الأزهرِ تعلّقَتْني، وتعلّقتُها، ... طِفلين في المَهدِ إلى المَكْبَرِ كنتُ إليها نتهادى الهوى ... بخاتَمٍ لي غير مُستنكَرِ فأنكرَتْهُ إذ رأت فَصَّهُ، ... فأدركتها غَيْرةُ المُنكِرِ قالت: لقد كان له خاتَمٌ ... أحمرُ أهداه إلينا سَري فاليوم قد عُلّقَ غيري، فقد ... أهدى له الخاتَمَ، لا أمتري آمنتُ بالله وآياته ... إنْ أنا لم أهجُرْهُ، فليَصْبِرِ أو يأتِ بالحُجّة في تُهمتي ... إياه في خاتَمه الأحمر فاردُدْهُ تردُدْ وصلَها، إنها ... قُرّةُ عيني، يا أبا جعفرِ فأخرجه من إصبعه فدفعه إليه. فهذا دليل على إجازة تَهادي الخواتيم، وحفظها لأربابها، وشدة الغضَب والغَيرة عند ذهابها. فأما الطعام فعيوبه أشدّ الأشياء على الظُّرفاء ضَرراً، وهم من عيوبه أشدّ توقّياً وحذراً، لتكاثُف عيوبه، وكثرة مَعيبه، وأنا أبيّن لك زِيَّهم في ذلك، وما استحسنوه في ذلك واستعملوه، وما استقبحوه فاجتنبوه، إن شاء الله. ذكر زي الظرفاء في الطعام الذي بانوا به عن منزلة اللّئام اعلم أن أول ما استعملوه تصغير اللُّقَم، والتجالُل عن الشَّرَه والنهم،

стр. 168

وأكل أوساط الرِّقاق، والبَزْماورد الدِّقاق، وليس يأكلون العَصَبة والعضلة، ولا العِرق والكُلوة، ولا الكَرِش والقِبّة، ولا الطِّحال والرئة، ولا يأكلون القَديد؛ ولا يأكلون الثريد، ولا ما في القِدر من الورق، ولا يتحسّون المرَق، ولا يتّبعون مواضع الدسم، ولا يملأون أيديهم بالزَّهَم، ولا يُجلّلون الملح، وهو عندهم من أكبر القُبح، ولا يُكوكِبون في الخلّ، ولا يُمنعون في أكل البَقل، ولا يأكلون الطَّلع لشبه رائحته برائحة الماء الدافق، ولا يُمشِّشون من العظام كراديس قصَب الساق الغليظ، وإنما مُشاشهم ما لانَ وصَغُر، لا ما غلُظ وكبُر؛ ويأخذون ما ثقُل من المُشاش على ظهر الأصابع، ويطرحونه ناحيةً من الخِوان، ولا يُزَهِّمون ما بين أيديهم من الرُّغفان، ولا يتعدّون مواضعهم، ولا يَلطعون أصابعهم، ولا يملأون باللُّقَم أفواههم، ولا يُدسّمون بكُبرها شفاههم، ولا يُقطِّرون على أكفّهم، ولا يعجلون في مضغهم، ولا يأكلون بجانبي الشِّدقين، ولا يُزاوجون بين الاثنين، ولا يُجاوزون ما بين أيديهم شيئاً من الفُتات، ولا يأكلون قِدراً بائنةً، ولا قِدراً مسخّنةً، ولا يغمسون في مرقةٍ، ولا يضعون لُقمةً، ولا يأكلون شيئاً من الكُوريج والصِّحناة،

стр. 169

ولا الرُّبَيثاء والسُّميكات، ولا شيئاً من الكَواميخ والمالح، وأكل ذلك عندهم من الفضائح. إلا أن القَينات المُتظرِّفات، والنساء القَصريّات، ربما تظرّفن بأكل المالح والمملوح في منازل متعشّقيهن، وبيوت مرابطيهن، فيذهبن به مذهب طَرْح المؤونات، وخفّة النفقات. ولا يأكلون الجراد والإرْبيان، لعلة شبههما بالأشياء القبيحة من الحيوان، ولا يأكلون الحبوب التي تهيّج الأرياح وتُولِّد القَرْقَرة والانتفاخ؛ ولا يأكلون في النهار أكثر من أكلةٍ، ويُكثرون القيام في مجالسهم، ولا يُكثرون من الضحك والكلام عند حضور المائدة والطعام، ولا يتخلّلون على المائدة قبل أن تَفرُغ، ولا يتحفّزون لمجيئها قبل أن تُوضع، وإذا غسلوا أيديهم لم يطلبوا الغسل قبل طلب إيتائها من الوسخ والكَدر، ولم يقصدوا التقصير الذي يبقى منه رائحة الغَمَر، وكذلك أيضاً إذا تَمَندلوا فعلوا كفعلهم إذا غسلوا. فأما النُّفلُ فإنهم يُحضِرونه موائدهم، ويُطعِمونه ولائدهم، ولا يُكثرون من أكله، ولا يأتون على كُلّه، وإنما يعبثون منه بالشيء اليسير من النعنع، ويجتنبون من ذلك الهِندَبا والأُكشوث لبردهما، والفُجل والحُرف لنتهما، والكُرّاث والبصل لرائحتهما، والقَدّاح والحَنْدَقوقا لخشنهما،

стр. 170

ولأنهما أيضاً يُخضّران الأسنان والعُمور، ويُحدِثان الرائحة والتغيير، ولم يقع الثوم في قِدرٍ فيذوقونه، ولا البصل فيقرَبونه، ولا يلفظون باسم الطَّرخون لابتداء اسمه، وشناعة لفظه، فيَككنون عنه، فيُضيفونه إلى النعنع، وقد سماه آخرون كافور الفؤاد، وكلّ يقصد إلى معناه. والخسّ لا يقربونه لموضع تفقئته، والخيار لا يأكلونه لعلّة برده، والجُزر يتجلَلون عن مسّه، ولا يَرَون النظر إليه دون أكله؛ وكذلك القثّاء، والهِلْيَون؛ ولموضع النوى أيضاً رغبوا عن أكل الزيتون، ورغبوا عن أكل ما خالطه النوى من فاكهة الصيف والشتاء مثل القَسْبِ والبُسر والمُشقَّق أيضاً والتمر؛ وكذلك سائر الأرطاب والمِشمِش، والنَّبْق والعُنّاب؛ وكذلك في الخوخ، والشّاهلوج، والإجّاص، وهو عندهم من أكل العَوامّ، لا من أكل الخواصّ، ولا يَنفُقُ عندهم الرُّمّان والتين، وهذان عندهم والبطّيخ من التجين؛ خاصة إذا انشقّت الرّمّانة، وتصدّعت البطيخة، وإذا انكسرت جَوزةٌ ولوزةٌ، وتينة، وموزةٌ، ولا يدفع بعضهم إلى بعض وردةً واحدة، ولا نَبقةً واحدةً، ولا لوزة واحدة، للتسفيل، ولِما يقع فيه من التمثيل. ولا تقول متظرّفة لأخرى هذه وردتكِ، ولوزتكِ، ونبقتُكِ، وجوزتك، ورمانتك،

стр. 171

وتينتك، وذلك عندهم أجلّ العيوب، تشمئزّ منه القلوب، ويَجتنبونه أشدّ الاجتناب، ويكتئبون له أمرَّ اكتئابٍ. وكذلك لا تقول واحدةٌ لأخرى: ارفعي رجلكِ، ولا ذيلك، ولا اقعُدي عليه، ولا أدخليه وأخرجيه، ولا أصعديه، ولا صُبيّه، ولا انفُخيه، ولا سيّبي، ولا سرّحي، ولا شيلي، ولا انتحي، ولا اعملي، ولا قد عملتِ، ويَجتنبون ذلك وما أشبهه من الكلام، مما كثُر استعماله في خِطاب العوامّ، ولا يَكادون يلفظون به، ولا يُطيف بألسنتهم، ولا يُجيزونه في شيء من مُخاطبتهم، ويَحذرونه، ويتوقّون منه، ويَعيبون المتكلّم به، ويُعرضون عنه. ذكر زيهم في الشراب الذي يتخيّره ذوو الألباب أما ما عليه الظرفاء، وأهل المروّة والأدباء، فإنهم لا يشربون من الشراب أسوده، ولا يشربون إلا أجوده، مثل المشمّس، والزّبيبي، والمعسَّل، والمطبوخ، والطلاء، والمعدَّل، ولا يقربون ما لاءمه الخثَرُ، ولا ما خالطه الكَدَر؛ ولا يشربون إلا ما صفا من الشراب، ويتجاللون عن المسحوري الدوشاب، إذ هو من شراب العامّة والرَّعاع، وشُرب السوقة والأتباع؛ ولا يتنقّلون على شرابهم بالأشياء الزَّذْلة مثل الباقلي والبلّوط، والبُسر المقلوّ، والقَريثاء، والحنطة، والغُبيراء، والشاهْبَلوط، والخُرنوب الشامي، وما أشبه من الأنفال. وأكثر ما يتنقّل به المتظرّفون، ويعبث به المُتزيّكون، مملوح البُندق، ومقشَّر الفستق، والملح النِّفطي، والعود الهندي، والطين الخراساني، والملح

стр. 172

الصَّنعاني، والسَّفرجل البلخي، والتفّاح الشامي، ويتّخذون من كل شيء من الآنية أسراه، ومن الزجاج أجوده وأنقاه. وأما ما اجتنبوه من الهدايا، وتخوّفوا من هديته البَلايا، فأشياء يكثُرُ بها العَدد، ويطول بها الأمد؛ وأنا أذكر من يسيرها ما يُستدلّ به على كثيرها. ذكر الأشياء التي يتطير الظرفاء من إهدائها ويرغبون عنها لشناعة أسمائها فمن ذلك الأُترجّ، والسفرجل، والشقائق، والسوسن، والنَّمّام، وأطباق الخِلاف، والغَرَب، والبان. فأما الأُترجّ فإن باطنه خلاف ظاهره، وهو حسن الظاهر، حامض

стр. 173

البطن، طيّب الرائحة، مختلف الطعم، ولذلك يقول فيه الشاعر: أهدى له أحبابه أُترجّةً، ... فبكى، وأشفق من عِيافة زاجر خاف التلوّن، إذ أتته، لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر فَرِقَ المتيَّم من حموضة لبّها ... واللون زيّنها لعين الناظر وأما السفرجل فلأنّ فيه اسم السفر، وقد قال فيه الشاعر: مُتحفي بالسفرجل، ... لا أريد السفرجلا! اسمه، لو عرفتَهُ، ... سفرٌ جَلَّ، فاعتلى! وقال آخر: أهدت إليه سفرجلاً، فتطيّرا ... منه وظلّ مُتيَّماً، مستعبرا خاف الفِراق، لأن أول اسمه ... سفرٌ فحقّ له بأن يتطيّرا وأما الشقائق، فلشطْر اسمه، ولقول الشاعر فيه: لا تراني طَوال ده ... ري أهوى الشقائقا إن يكن يشبه الخدو ... د، فنصف اسمه شَقا وقال آخر: لا يحب الشقائقا ... كل من كان عاشقا إن نصف اسمه شقا ... ءٌ، إذا فُهتَ ناطقا وأما السوسن، فلأن اسمه السوء، وقال فيه الشاعر: سُوسنةٌ أعطيتنيها، وما ... كنتِ بإعطائكها محسنهْ شطر اسمها سوءٌ، فإن جئت بال ... آخر منها، فهو سوءٌ سَنَهْ

стр. 174

وأنتِ إن هاجرتني ساعةً، ... قلتُ: أتتُ من قبل السوسنهْ وقال آخر: يا ذا الذي أهدى لنا سوسنا، ... وما كنتَ في أهدائه محسنا أوله سوءٌ، فقد ساءني، ... يا ليت أني لم أر السوسنا وأما الياسمين فلمبدأِ اسمه تُطُيِّر منه، ولقول الشاعر: إني لأذكر بالريحان رائحةً ... منها، فَلِلْقَلب بالريحان إيناسُ وأمنح الياسمين البُغض من حذري ... لليأس، إذ كان في بعض اسمه ياسُ وقال آخر: أبصرتُه في المنام ناولني ... من كفّه الياسَمين والغَرَبا فكان يأسٌ في الياسمين، وفي الغ ... رب اغترابٌ، يا شؤم ما وهبا وقال آخر: أهدى حبيبي ياسميناً، فبي ... من شِرّةِ الطيرةِ وسواسُ أراد أن يوئِسَ من وصله، ... إذ كان في شَطر اسمه الياسُ وأما النمّام فلشناعة اسمه، وقول الشاعر فيه: حيّتُها بتحيّةٍ في مجلسٍ، ... بقضيب نمّام من الريحانِ فتطيّرت منه، وقالت: أقصّه! ... لا تقربَنّ مضيِّع الكِتمان وأما الآس، فقد تطيّر منه قومٌ، وزعموا أنه إياس، وتفاءل به آخرون، وزعموا أنه مؤاساةٌ وأساسٌ، قال الشاعر:

стр. 175

ما أحسن الآس في عيني وأطيبه، ... لولا اتصال حروف الآس بالياسِ ما ضرّ من كان أهدى الآس من يده ... لو قال: ريحانةٌ، يُعنى به الآسي لولا الذي أتّقي من طيرتي بهما، ... ما فارقا أبداً تاجاً على رأسي كذلك تطيّروا من الخلاف لموضع الخُلف؛ والغَرَب للاغتراب، والبان للتبايُن. ورُوي عن كُثيّر عزّه أنه بلغه أنها عليلةٌ، وأنها تتشوّقه، فخرج يُريدها، وهي بمصر، فرأى غُراباً ساقطاً على بانةٍ ينتف ريشه، ويُطايره على رأسه، فتطيّر من ذلك، وأتى عرّافاً من نهدٍ أخبره بما رأى فآيسه من حياتها، وأخبره بوفاتها. فلما وصل إلى مصر خُبّر بموتها، فأنشأ يقول: فما أعيف النهديّ، لا درّ دَرُّه، ... وأعلمه بالزجر، لا عَزّ ناصره رأيتُ غراباً ساقطاً فوق بانةٍ، ... يُنتِّف أعلى ريشه، ويُطايره فأما غرابٌ، فاغترابٌ من الهوى، ... وبانٌ فبينٌ من حبيبٍ تعاشره وقال أبو الشيص: أشاقَك، والليل ملقي الجِران، ... غُرابٌ ينوح على غُضن بان؟ أحصُّ الجناح، شديد الصياح، ... يُبَكّي بعينين ما تدمعانِ وفي نَعَبات الغراب اغترابٌ، ... وفي البان بَيْنٌ بعيد التداني

стр. 176

وقال بعض الأعراب: وكنتُ قدِ اندملتُ فهاج شوقي ... بكاء حمامتين تَجاوبانِ تجاوبتا بلحنٍ أعجمي، ... على غُصنين من غَرَبٍ وبانِ فقلتُ لصاحبيّ، وكنتُ أحرى ... بزجر الطير: ماذا تُخبرانِ فقالا: الدار جامعةٌ بسُعدى، ... فقلت: بَلَ أنتما متيمِّنانِ وكان البان أن بانت سُليمى، ... وفي الغَرَب اغترابٌ غير وانِ وقال نُصيب: ألا راعَ قلبي من سَلامة أنْ غدا ... غُرابٌ على غصنٍ من البان يَنعبُ فأزجرُ ذاك البان بيناً مُواشكاً، ... وغثربة دارٍ ما تَدانى فيصقُبُ وقد استحسنوا هدايا كثيرة، وتفاءلوا فيها بقول الشاعر، وإن كان بعضها مما ذكرناه أنهم لا يتهادَونه من طريق الظرف، واجتنبوه لعلة التسفيل، وأحبوه من حُسن التفوّل، فمن ذلك الرمان، وهو مما ذكرناه أنهم لا يتهادونه لما فيه من التسفيل وما يقع فيه من التمثيل، وكذلك الشاهَلوج، والنَّبَق، والورد، والبنفسج؛ فأما الرمان فقد قال فيه الشاعر: أهدت إليه بظَرفها رمّاناً، ... تُنبيه أنّ وِصالها قد آنا قال الفتى لمّا رآه تَفوُّلاً، ... وَصْلٌ يكون متمَّماً أحيانا رمَّ يَرُمّ تشعَثي بوِصالها، ... لقد التفوّل صادقاً قد كانا وأما الشاهَلُّوج، فهو مما فيه النوى، وقد تهاداه قومٌ لموضع تَفَوُّل الشاعر به إذ يقول:

стр. 177

أهدت إليه شاهَلُّوجا، ... تُبيه أنْ لو جاء كان وَلوجا فمضى على فأل الهدية جاسراً، ... عَمْداً، فصار مُداخِلاً خِرّيجا وأما النَّبقُ، فهو يُستقبَل، وقد قال فيه الشاعر: أيا أحسننا خُلقاً، ... ومن فات الوَرى سَبقا تفاءلْتَ بأنْ تبقى، ... فأهديتَ لنا النّبْقا فأبقاك إلهُ النا ... س ما سرّك أن تبقى وأشقى الله شانيك، ... وحاشى لك أن تَشْقى وأما البنفسج أيضاً، فقد قال فيه الشاعر: أهدتَ إليه بنفسجاً يُسليه، ... تُنبيهِ أنّ بنفسها تفديه فارتاح بعد صَبابةٍ وكآبةٍ، ... ورَجا لحُسن الظنّ أن تُدنيه وأما الخوخ، فقد أطنبوا في وصفه، وأكثروا من مدحه، وزعموا أنه أشبه شيءٍ بالخدود من التفّاح، وأقرب شبهاً بالوَجنات المِلاح، لأنه يُشاركها في البَياض والسُّمرة، والأدمة والصُّفرة، والتوريد والحمرة، والزَّغَب الليّن البَشَرة، وهو أطيب ملثَمٍ وأعذب مقبَّل، وأذكى مشمٍّ، وهو عند طائفةٍ من أهل الهوى أجلُّ مرتبةً من التُّفّاح لولا ما خالطه من النوى الذي يشمئزّ منه الظرفاء، ويَشناه الأدباء، وأنه مفقودٌ، والتفاح موجود، وأما الورد، فقد تفاءل به كثيرٌ من الظرفاء، وذكره كثير من الشعراء؛ أنشدني بعض الأدباء:

стр. 178

أهدى له وَرداً، فأخبر أنه ... في الواردين، ولم يكن وَرّادا فارتاح من فَرَح بطيب وفوده، ... وعدا له وَرْدُ الحياء، فزادا وليس عندهم في الروض شيءٌ يشبهه، ولا في عُروض الروض ما يُدرِكه، وقد ذكرتُ ذلك في بابٍ لطيفٍ لرغبتي في اقتصاد التأليف، فقِفْ عليه، واعرِفه. ما قيل في صفة الورد ومحلّه من قلوب ذوي الوجد اعلم أن أهل الظرف قد أكثروا من تفصيل الورد، ومدحَته الشعراء، وقد أطنبوا فيه، وأفرطوا في نعت حُسنه، واشتهوا رائحته، حتى شبّهوه بالوَجَنات الحمر، وقايَسوه إلى الخمر، ومثّلوه بالأشياء المِلاح، كفعلهم بالتفاح، وهما عندهم في مرتبة واحدة، قال العباس بن الأحنف: أُبغضُ الآسَ والخِلاف جميعاً، ... لمكان الخلاف واليأس منها وأحبّ التفّاح والوَرد حتى ... لو وَزَنتيه بالجبال وَزَنْها أشبها ريقها ونكهة فيها، ... فهما يُبئان بالطيب عنها وقال آخر: عشيّةَ حيّاني بوَردٍ، كأنه ... خدودٌ أضيفَت بعضهن إلى بعض وولّى، وفعل الخمر في حركاته، ... فِعال نسيم الريح بالغُصُنّ

стр. 179

وقال آخر: يضحك الوَردُ إلى ور ... دٍ بخَدَّيك مُقيمِ جَمعا شكلين وَفقي ... نِ لألحاظ النديمِ غير أنّ المِسك أولى ... بكِ في كلّ نسيمِ سيعلم الوردُ أني غير ذاكره، ... إذا الخُدود أعارت حُسنها بصري كم بينَ وردٍ مُقيمٍ في أماكنه، ... وبين وَرْدٍ قليل المَكْثِ في الشجرِ هذا جِنيٌّ مَصونٌ في مَنابته، ... وذاك مُمتهَنٌ في كل محتضَرِ وقال عبد الله بن عبد الله بن طاهر: مرّت، وفي كفّها وردٌ، فقلتُ لها ... حَيِّي محبَّك! قالت: عنه لي شُغُلُ فقلت: بُخلاً، فقالت: قد وهبتُ له ... وَرداً جَنيّاً، وذا بالكفّ يُبتذَلُ إنْ كان لم يَجنه منه أنامله، ... فقد جَنَته له الألحاظ والمُقَلُ وقال آخر: وَرْدُ خدّيك مقيمُ، ... أبداً، ليس يَريم أما منه في نعيمٍ، ... ما بدا منه نعيم وقال آخر: تمتّعْ من الورد القليل بقاؤه، ... فإنك لم يفجعكَ إلا فناؤه وودّعه بالتقبيل والشمّ والبُكا، ... وداعَ حبيبٍ بعد حولٍ لقاؤه

стр. 180

وقد تطيّر منه آخرون، وسمّوه الغدّار، وغضّوا دونه الأبصار، لقلّة لَبثه، ويسير مكثه، وسُرعة زواله، وتغيُّره، وانتقاله. وخُبِّرت أن قَينةً أهدت إلى ربيطٍ لها غصن أسٍ، فسُرَّ به، وأنشأ يقول: والآسُ يبقى، وإن طال الزمان به، ... والورد يفنى، ولا يبقى على الزمن وأهدت له ورداً تطيّر منه، وقال: أنتِ وردٌ وبقاءُ ال ... ورد شهرٌ لا شُهورُ يذهب الورد، ويَفنى، ... وإلى الآس نصيرُ فكتب إليه بعض إخوانه: سُرّ بالآس الذي أهدت له، ... ثم لما أهدَتِ الورد جَزِعْ ذاك أنّ الآسَ باقٍ دائمٌ، ... ولأن الورد حيناً يَنقطعْ وقال بعض الشعراء: وصلتْ، وكان الورد أول ما بدا، ... فلمّا تولّى الورد ولّت مع الوردِ فيا ليت أن الورد أسٌ فإنه ... يدوم على الحالين في الحرّ والبردِ وفضائل الورد أكثر من أن يُحصى عددها، أو يُبلَغ أمدها، وقد أفردتُ لذلك كتاباً بوّبته أبواباً، وترجمته بكتاب العِقد، وشحنتُه بفضل الورد، فأغنى ما في ذلك الكتاب عن إعادة ذكره في هذا الباب. والتفاح أعظم عندهم قدراً، واجلّ أمراً، وأعلى درجة، وأرفع رتبة لسلامته من البياض والتوريد، وقد ذكرتُ فضائل التفاح في كتاب التفاحة في غير باب، فأغنى عن إعادته في هذا الكتاب، غير أني أذكر في كتابنا هذا جملة مما وصفتُه به الأدباء ومدحته به الشعراء، ولست أذكر في عرض
следующие страницы →