← Адаб

Адаб · id 26102

الموشى = الظرف والظرفاء

الوشاء

Полный текст (254 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقال بعض الأعراب: وكنتُ قدِ اندملتُ فهاج شوقي ... بكاء حمامتين تَجاوبانِ تجاوبتا بلحنٍ أعجمي، ... على غُصنين من غَرَبٍ وبانِ فقلتُ لصاحبيّ، وكنتُ أحرى ... بزجر الطير: ماذا تُخبرانِ فقالا: الدار جامعةٌ بسُعدى، ... فقلت: بَلَ أنتما متيمِّنانِ وكان البان أن بانت سُليمى، ... وفي الغَرَب اغترابٌ غير وانِ وقال نُصيب: ألا راعَ قلبي من سَلامة أنْ غدا ... غُرابٌ على غصنٍ من البان يَنعبُ فأزجرُ ذاك البان بيناً مُواشكاً، ... وغثربة دارٍ ما تَدانى فيصقُبُ وقد استحسنوا هدايا كثيرة، وتفاءلوا فيها بقول الشاعر، وإن كان بعضها مما ذكرناه أنهم لا يتهادَونه من طريق الظرف، واجتنبوه لعلة التسفيل، وأحبوه من حُسن التفوّل، فمن ذلك الرمان، وهو مما ذكرناه أنهم لا يتهادونه لما فيه من التسفيل وما يقع فيه من التمثيل، وكذلك الشاهَلوج، والنَّبَق، والورد، والبنفسج؛ فأما الرمان فقد قال فيه الشاعر: أهدت إليه بظَرفها رمّاناً، ... تُنبيه أنّ وِصالها قد آنا قال الفتى لمّا رآه تَفوُّلاً، ... وَصْلٌ يكون متمَّماً أحيانا رمَّ يَرُمّ تشعَثي بوِصالها، ... لقد التفوّل صادقاً قد كانا وأما الشاهَلُّوج، فهو مما فيه النوى، وقد تهاداه قومٌ لموضع تَفَوُّل الشاعر به إذ يقول:

стр. 177

أهدت إليه شاهَلُّوجا، ... تُبيه أنْ لو جاء كان وَلوجا فمضى على فأل الهدية جاسراً، ... عَمْداً، فصار مُداخِلاً خِرّيجا وأما النَّبقُ، فهو يُستقبَل، وقد قال فيه الشاعر: أيا أحسننا خُلقاً، ... ومن فات الوَرى سَبقا تفاءلْتَ بأنْ تبقى، ... فأهديتَ لنا النّبْقا فأبقاك إلهُ النا ... س ما سرّك أن تبقى وأشقى الله شانيك، ... وحاشى لك أن تَشْقى وأما البنفسج أيضاً، فقد قال فيه الشاعر: أهدتَ إليه بنفسجاً يُسليه، ... تُنبيهِ أنّ بنفسها تفديه فارتاح بعد صَبابةٍ وكآبةٍ، ... ورَجا لحُسن الظنّ أن تُدنيه وأما الخوخ، فقد أطنبوا في وصفه، وأكثروا من مدحه، وزعموا أنه أشبه شيءٍ بالخدود من التفّاح، وأقرب شبهاً بالوَجنات المِلاح، لأنه يُشاركها في البَياض والسُّمرة، والأدمة والصُّفرة، والتوريد والحمرة، والزَّغَب الليّن البَشَرة، وهو أطيب ملثَمٍ وأعذب مقبَّل، وأذكى مشمٍّ، وهو عند طائفةٍ من أهل الهوى أجلُّ مرتبةً من التُّفّاح لولا ما خالطه من النوى الذي يشمئزّ منه الظرفاء، ويَشناه الأدباء، وأنه مفقودٌ، والتفاح موجود، وأما الورد، فقد تفاءل به كثيرٌ من الظرفاء، وذكره كثير من الشعراء؛ أنشدني بعض الأدباء:

стр. 178

أهدى له وَرداً، فأخبر أنه ... في الواردين، ولم يكن وَرّادا فارتاح من فَرَح بطيب وفوده، ... وعدا له وَرْدُ الحياء، فزادا وليس عندهم في الروض شيءٌ يشبهه، ولا في عُروض الروض ما يُدرِكه، وقد ذكرتُ ذلك في بابٍ لطيفٍ لرغبتي في اقتصاد التأليف، فقِفْ عليه، واعرِفه. ما قيل في صفة الورد ومحلّه من قلوب ذوي الوجد اعلم أن أهل الظرف قد أكثروا من تفصيل الورد، ومدحَته الشعراء، وقد أطنبوا فيه، وأفرطوا في نعت حُسنه، واشتهوا رائحته، حتى شبّهوه بالوَجَنات الحمر، وقايَسوه إلى الخمر، ومثّلوه بالأشياء المِلاح، كفعلهم بالتفاح، وهما عندهم في مرتبة واحدة، قال العباس بن الأحنف: أُبغضُ الآسَ والخِلاف جميعاً، ... لمكان الخلاف واليأس منها وأحبّ التفّاح والوَرد حتى ... لو وَزَنتيه بالجبال وَزَنْها أشبها ريقها ونكهة فيها، ... فهما يُبئان بالطيب عنها وقال آخر: عشيّةَ حيّاني بوَردٍ، كأنه ... خدودٌ أضيفَت بعضهن إلى بعض وولّى، وفعل الخمر في حركاته، ... فِعال نسيم الريح بالغُصُنّ

стр. 179

وقال آخر: يضحك الوَردُ إلى ور ... دٍ بخَدَّيك مُقيمِ جَمعا شكلين وَفقي ... نِ لألحاظ النديمِ غير أنّ المِسك أولى ... بكِ في كلّ نسيمِ سيعلم الوردُ أني غير ذاكره، ... إذا الخُدود أعارت حُسنها بصري كم بينَ وردٍ مُقيمٍ في أماكنه، ... وبين وَرْدٍ قليل المَكْثِ في الشجرِ هذا جِنيٌّ مَصونٌ في مَنابته، ... وذاك مُمتهَنٌ في كل محتضَرِ وقال عبد الله بن عبد الله بن طاهر: مرّت، وفي كفّها وردٌ، فقلتُ لها ... حَيِّي محبَّك! قالت: عنه لي شُغُلُ فقلت: بُخلاً، فقالت: قد وهبتُ له ... وَرداً جَنيّاً، وذا بالكفّ يُبتذَلُ إنْ كان لم يَجنه منه أنامله، ... فقد جَنَته له الألحاظ والمُقَلُ وقال آخر: وَرْدُ خدّيك مقيمُ، ... أبداً، ليس يَريم أما منه في نعيمٍ، ... ما بدا منه نعيم وقال آخر: تمتّعْ من الورد القليل بقاؤه، ... فإنك لم يفجعكَ إلا فناؤه وودّعه بالتقبيل والشمّ والبُكا، ... وداعَ حبيبٍ بعد حولٍ لقاؤه

стр. 180

وقد تطيّر منه آخرون، وسمّوه الغدّار، وغضّوا دونه الأبصار، لقلّة لَبثه، ويسير مكثه، وسُرعة زواله، وتغيُّره، وانتقاله. وخُبِّرت أن قَينةً أهدت إلى ربيطٍ لها غصن أسٍ، فسُرَّ به، وأنشأ يقول: والآسُ يبقى، وإن طال الزمان به، ... والورد يفنى، ولا يبقى على الزمن وأهدت له ورداً تطيّر منه، وقال: أنتِ وردٌ وبقاءُ ال ... ورد شهرٌ لا شُهورُ يذهب الورد، ويَفنى، ... وإلى الآس نصيرُ فكتب إليه بعض إخوانه: سُرّ بالآس الذي أهدت له، ... ثم لما أهدَتِ الورد جَزِعْ ذاك أنّ الآسَ باقٍ دائمٌ، ... ولأن الورد حيناً يَنقطعْ وقال بعض الشعراء: وصلتْ، وكان الورد أول ما بدا، ... فلمّا تولّى الورد ولّت مع الوردِ فيا ليت أن الورد أسٌ فإنه ... يدوم على الحالين في الحرّ والبردِ وفضائل الورد أكثر من أن يُحصى عددها، أو يُبلَغ أمدها، وقد أفردتُ لذلك كتاباً بوّبته أبواباً، وترجمته بكتاب العِقد، وشحنتُه بفضل الورد، فأغنى ما في ذلك الكتاب عن إعادة ذكره في هذا الباب. والتفاح أعظم عندهم قدراً، واجلّ أمراً، وأعلى درجة، وأرفع رتبة لسلامته من البياض والتوريد، وقد ذكرتُ فضائل التفاح في كتاب التفاحة في غير باب، فأغنى عن إعادته في هذا الكتاب، غير أني أذكر في كتابنا هذا جملة مما وصفتُه به الأدباء ومدحته به الشعراء، ولست أذكر في عرض

стр. 181

هذا الكتاب شيئاً مما في ذلك الكتاب لئلا يبتلى بشي من المحن، فينسب إلى ضيق العَطَن، وبالله التوفيق. ذكر التفاح وما كره الأدباء من أكله اعلم أن التفاح عن ذوي الظرف والعشّاق، وذوي الاشتياق، لا يعدله شيء من الثمر، ولا النور والزَّهر. كيف وبه تهدأ أشجانهم، وبوروده تسكن أحزانهم، وعنده يضعون أسرارهم، وإليه يبدون أخبارهم، إذ كان عندهم بمنزلة الحبيب والأنيس، وبموضع الصاحب والجليس، وليس في هداياهم ما يُعادله، ولا في ألطافهم ما يُشاكله، لغلبة شَبَهه بالخدود المورَّدة، والوجنات المُضرَّجة، وهو عندهم رهينة أحبابهم، وتذكُّر أصحابهم، إلى وردته يتطرّبون، وبرؤيته يستبشرون، ولهم عند نظرهم إليه أنينٌ، وعند استنشاق رائحته حنين، حتى إن أحدهم، إذا غلب عليه القلق، وأزعجه الأرق، لم يكن له مُعوَّلٌ إلا عليه، ولا مُشتكىً إلا إليه. وأندشني بعض أهل الأدب: لمّا نأى عن مجلسي وجهه، ... ودارتِ الكأسُ بمجراها صيّرتُهُ تفاحةً بيننا، ... إذا ذكرناه شممناها واهاً لها تفاحةً أشبهَت ... خديه في بهجتها، واها وقال الحَكَمي: تفاحةٌ جاءت، وقد عُلّقتْ، ... ورُكّبَت بالورد والآس

стр. 182

أشرب من كأسي على ريحها، ... بالرغم من أهلي وجُلاّسي وقال آخر: تفاحةٌ أُهديت، ظَرفاً، معضَّضةً، ... وقد جرى ماءٌ ثغري في ضواحيها بيضاء في حمرةٍ عُلّت بغاليةٍ، ... كأنما جُنِيَت من خدّ مُهديها قد أتحفتني بها في النوم جاريةٌ، ... رُوحي من السوء والأسقام تفديها لو كنتُ ميتاً، ونادتني بنغمتها ... لخِلتُ للصوت من لَحْدي ألبّيها وقال آخر: حيّاه من يهوى بتفاحةٍ، ... قد عضّ أعلاها بأسنانه جاد، ولم يبخل بها، بعدما ... عذّبه دهراً بهِجرانه وقال آخر: تفاحةٌ تأكل تفاحةً، ... يا ليتني كنتُ الذي يوكَلُ فألثم الثغر لكي أشتفي ... بعلّة الأكل ولا أُوكَلُ وقال آخر: تفاحةٌ من عند تفاحةٍ ... قريبةُ العهد بكفّيها أحبِب بها تفاحةً أشبهَتْ ... حمرتها حُمرة خدّيها وقال آخر: تفاحةٌ حمراءُ منقوشةٌ ... ركّبتها في خُضرة الآسِ فلم تزل في كفّ ندماننا ... تدور من كأسٍ إلى كأسِ

стр. 183

وقال آخر: تفاحة من عند تفاحةٍ ... ضمّخها المهدي لها بالعبيرْ يا مُهديَ الحسرة يا قاتلي ... أهديتَ لي والله قَصمَ الظهورْ قد كنتُ في بحرين من حبّكم ... فصرتُ مذ أُهديتها في بُحورْ وقال آخر: فلو أني اشتكيتُ لأجل حُزني ... وما ألقاه في دار الخُلودِ وكان طعامنا فيها جَنيّاً ... من التفاح والورد النضيدِ لقلتُ دعوا لها حِصَصي فإني ... أشبّهها بألوان الخدودِ وقال آخر: حيّاه مَن يهوى بتفاحةٍ ... قد جُنيَت باللحظ من خدّهِ معضوضةٍ باللحظ محفوفةٍ ... بعسكر الآجال من صدّهِ لو شمّها الخلْق لماتوا معاً ... لعُسر ما يلقاه من جُهدهِ وقد مضى من هذا الباب مقنِعٌ، وهو كثير مُتّسعٌ، ولهم أشياء من زيّهم جليلةٌ، ونُتَفٌ من مناقبهم نبيلةٌ، أنا أصفها لك في موضعها، وأقطعها من مقاطعها، منها السِّواك الذي صيّروه كأحد الفُروض الواجبة والأمور الإرادية، وقد شرحتُ فيه باباً لتقف عليه، إن شاء الله.

стр. 184

ما جاء في السواك وما قيل في عود الأراك اعلم أن من زيّ الظرفاء، وأهل المروّة والأدباء، وأرباب الديانة والترفُّل، استعمال السِّواك والتسوُّك، فهو أنبل النظافة، وأحسن الطهارة، وأكمل المُروّة، ويرغب فيه أهل الظرف والفُتوّة، وله خِصالٌ مستحسنةٌ، وهو أيضاً من السُّنّة. وقد روي في الخبر المأثور عن النبي، ﷺ ، أنه قال: " طهِّروا أفواهك فإنها مسالكُ التسبيح ". وعن أبي بكر الصديق، ﵁، أنه قال: " السواك مَطْهرةٌ للفم مرضاةٌ للرب ". وحدّثنا أبي قال: حدّثنا ابن شَيبة عن عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمر عن عائشة قالت: " قال رسول الله، ﷺ ، السواك مَطْهرةٌ للفم مرضاةٌ للربّ ". وعن علي بن أبي طالب، ﵇: أن النبي، ﷺ ، كان إذا قام من الليل تسوّك. وعن أبي المَليح عن واثِلة بن الأسقَع قال: قال رسول الله، ﷺ : " لقد أمرتُ بالسواك، حتى حسبتُ أن يكون يُكتب عليّ ". وعن ابن أبي مُليكة قال: عائشة تقول: " مات رسول الله، ﷺ ، في بيتي، وليلتي، ويومي، وبين سَحْري ونحري، وخلطْتُ ريقه بريقي. فقلت: يا أمّ المؤمنين، وكيف خَلَطت ريقه بريقكِ؟ قالت: دخل عبد الرحمن

стр. 185

بن أبي بكر وبيده سواكٌ، فنظر إليه النبي، ﷺ ، فقلتُ: قد اشتهى السواك، فأخذتُ سِواكه فمضغته ثم أعطيته، فاستاك، ﵇، فلم يشغل النبي، ﷺ ، نزول الموت عن طلب السواك، إذ هو أظرف ما استُعمل، وأنبل ما استُحسن، لأنه يُبيّض الأسنان، ويُصفّي الأذهان، ويُطيّب النكهة، ويطفئ المِرّة، ويُنشّف البلغم، ويَشُدّ اللثّة، ويُقوّي العُمور، ويجلو البصر، ويُحدّ النظر، ويفتح السُّدَدَ، ويُشهّي الطعام. وقد استعملوا أمر المَساويك الأراك وقصب السكّر، وأصول السوس، وعود المَحلَب، وعُروق الإذخِرِ، وعُقَد العاقِرْقَرحا، وكلما أغربوا في اتخاذ ذلك كان أكمل لظَرفهم، وأبلغ في معاني وصفهم. وللمَساويك أوقاتٌ معلوماتٌ، ومواضع محدوداتٌ، لا تُستعمل في غير أوقاتها، ولا يُتجاوز بها عن ساعاتها، فجائزٌ استعمالها بالغَدَوات والعَشيّات، وأوقات الظهيرات، وقبل الغَداة، وبعد الصلاة، وعلى الريق، وعند النوم، وفي نهار الصوم. ولا يجوز السواك عندهم في موطن شتّى، منها: الخَلاء، والحمّام، وقارعة الطريق، ومَحفِل الناس؛ ولا يَستاك أحدهم وهو قائمٌ، ولا متّكئٌ، ولا نائمٌ، ولا حيث يراه أحدٌ، ولا يَستاك ويتكلّم. والسواك في الخَلاء والحَمّام من فِعل السِّفلة والعوامّ، وهو أيضاً يُرخي اللثّة، ويُغيّر النكهة، وليس ذلك عندهم من فِعل الأدباء، ولا من فعل ذوي المُروّة والظرفاء. وقد اتخذ أهل الظرف للمساويك طُسوتاً لِطافاً، وأباريق الشَّبَه

стр. 186

الخِفاف، وكراسي الأبنوس المصدَّفة، والخيزران المُشبّكة، والأحقاق المخروطة، والمِسواكْدَانات المدهونة، والسَّنونات المعمولة، ووقّتوا له الأوقات المعلومة، التي جعلوها كالفرائض المكتوبة، والسُّنن المفروضة، يتأهّبون لوقته. ولا يَستعملون رأس المسواك مدةً طويلة، وذلك عندهم من الأفعال الذليلة، ويتّخذون لها لفائف الحَزّ، وعصائب القَزّ، ليصونوها بذلك عن الدَّنس، ويوقّوها من الغُبار والنجَس، وقد تهادى أيضاً أهلُ الظرف المَساويك، وأقاموها مقام الرهينة، والتذكرة، والوَديعة، والقُبلة، كما فعلوا باللُّبان الممضوغ، والتفاح المَعضوض. وقال العبّاس بن الأحنف: طال ليلي بجانب المَيدان ... مع جَواري المهديّ والخيزرانِ أرسلَت باللُّبان قد مضغَته ... بين تفّاحتين في ريحانِ وبمسواكها الذي اختاره الل ... هـ لفيها من طيّب الأغصانِ فكأني وجدتُ ريحاً من الفِرْ ... دوس فاحَت من ريح ذاك اللُّبانِ وقال أيضاً: ولّما وهبتُم خاتماً فرددتُه ... لمعرفتي أنّ الخَواتيم تقْطَعُ فأهدي سِواكاً مسّ فاكِ فإنه ... يُسكِّن ناراً في جَوى القلب تلذَعُ وقال بشار بن برد العُقيلي يذكر ذلك أيضاً: تسوّكتْ لي بمسواكٍ لتُعلِمني ... ما طعم فيها وما همّت بإصلاحِ لما أتاني على المِسواك ريقتُها ... مَثلوجةً، كزُلال الماء بالراحِ

стр. 187

قبّلتُ ما مسّ فاها ثم قُلتُ له: ... يا ليتني كنتُ ذا المسواك يا صاحِ وقال أيضاً: يا أطيب الناس ريقاً غير مختَبَرٍ ... لولا شهادةُ أطراف المَساويكِ إن الذي راحَ مَغبوطاً بنعمته ... كفٌّ تَمَسُّكِ أو كفٌّ تُعاطيكِ ولو وهبتِ لنا يوماً نعيش به ... أحييتِ نفساً وكانت من مَساعيكِ يا رحمة الله حُلّي في منازلنا ... حسبي برائحة الفِردوس من فِيكِ وقال أيضاً: يطيبُ مِسواكُها من طيبِ نكهتها ... وإن ألمَّ بجِلدٍ جِلدّها طابا وقال آخر: وبرّاقةٍ تفترُّ عن مُتبسَّمٍ ... كنور الأقاحي طيّب المُتذَوَّقِ إذا مضغَت بعد امتناعٍ من الضُّحى ... أنابيب عيدان الأراكِ المُخلَّقِ سَقَتْ شُعَبَ المِسواك ماء غَمامةٍ ... فضيضاً بممزوج العُقار المُصفَّقِ وقال جرير: ما استوصفَ الناسُ من شيء يَرُوقُهُمُ ... إلا أرى أُمَّ نوحٍ فوق ما وصفوا كأنها مُزنةٌ غَرّاءُ رائحةٌ ... أو دُرّةٌ لا يُواري لونَها الصَّدفُ مكسورة الثدْي في لُبٍّ يُزيِّنها ... وفي المَناصِبِ من أنيابها عَجَفُ

стр. 188

تسقي غَمام ندى المِسواكِ ريقتَها ... كما تضمّن ماءَ المُزنةِ الرَّصَفُ وقال الفرزدق: دَعَونَ بقُضبان الأراكِ، التي جَنى ... لها الركب من نَعمان أيام عَرَّفوا فمُجْنَ به عَذْبَ الرُّضاب غُروبُهُ ... رِقاقٌ وأعلى حيث رُكِّبنَ أعجفُ وقال ذو الرُّمّة: جرى الإسْحِلُ الأحوى بطفلٍ مُطرَّفٍ ... على الغُرّ من أنيابها، فهْيَ نُصَّعُ وقال آخر: نَظَرَت بعَينَيْ شادنٍ وتبسَّمَتْ ... بظمياء عن غُرٍّ لهنّ غُروبُ جرى الإسحِلُ الأحوى عليهنّ أو جرى ... عليهنَّ من ماء الأراك قَضيبُ وقال جرير: يجري السواك على أغرَّ كأنه ... بَرَدٌ تحدّر من مُتون غَمامِ اقرأ السلام على سُعادَ وقُل لها ... يوماً تَرُدّ رسولنا بسلامِ

стр. 189

وقال أيضاً: إنّ الشقاء وإن ضَنَت بنائلها ... فرعُ البَشام الذي تجلو به البَرَدا ما في فؤادِكَ من داءٍ يُخامِره ... إلا التي لو رآها راهبٌ سجَدَا وقال جميل بن مَعْمر: بثغرٍ قد سقين المِسك منه ... مَساويك البَشام ومن غُروبِ ومن مجرى غوارب أُقحُوانٍ ... شَتيتِ النبتِ في عامٍ خَصيبِ وقال آخر: وغادين بالقُضبان كلَّ مُفّلَّجٍ ... به الظَّلْمُ لم يُفللْ لهنّ غُروبُ رُضاباً كطعم الشَّهد يجلو مُتونَه ... من الأيك أو غضِّ البَشام قضيبُ أولئك لولاهنّ ما سُقتُ نِضوةً ... ولا قابلتني في البلاد جَنوبُ وقال أيضاً: إذا الريح من نحو الشمال تنسَّمَت ... وَجَدتُ لريّاها على كَبدي بَرْدا تخيّرتُ من نعمان عودَ أراكةٍ ... لهندٍ ولكن من يُبلِّغه هِندا وأنشدني أبو علي الحسن بن عُليل الغنزيّ قال: أنشدني الزبير بن بكّار قال: أنشدني أبو مُسلم الكلابي لمهدي بن الملوَّح الكِلابي: تَبيتُ ليلى وقد كنا نُبَخِّلها، ... قالت: سقى الله ذاك المَرْبَعَ الجَدْبا يا حبّذا راكباً كنّا نَهَشّ له، ... يُهدي لنا من أراكِ الموسى القُضْبا

стр. 190

وقال القَطامي: منعَّمةٌ تَجلو بخَوطِ أراكةٍ ... ذرى بَرَدٍ عَذبٍ شَتيتِ المناصبِ كأنّ فضيضاً من غَريضِ غَمامةٍ ... على ظمأِ جادت به أمُّ غالبِ لمُستهلِكٍ قد كاد من شِدّة الهوى ... يموت ومن طول العِدات الكَواذبِ وقال بعض الأعراب، ويُروى للأُمَيلس: منعَّمةٌ هيفاءُ عَجزاءُ خَدْلَةٌ ... تمسُّ مَثاني شعرها قَصَباً جَزْلا وتجلو بمِسواك الأراكِ مُفلَّجاً ... عِذابَ الثنايا، لا قِصاراً ولا ثُعْلا وقال العَطَوي: عندكنّ الفؤاد والقلب رَهْنٌ ... في يدي ذاتِ دُمْلُجٍ ووِشاحِ وثَنايا رقيقةٌ كغديرٍ ... من مُدامِ وروضةٌ من أقاحِ فمساويكها بها كلَّ يومٍ ... في رياضٍ من اصطباحِ الراحِ

стр. 191

وقال عليّ بن الجَهم: حَجّوا مواليكِ يا بُرهانُ واعتمروا ... وقد أتتكِ الهدايا من مَواليكِ فأتحفيني مما أتحفوكِ به ... ولا تكن تحفتي غير المَساويكِ ولست أرضاه حتى ترسلين به ... مما جلا الثغر أو ما جال في فيكِ ولأبي الطيّب في ذلك: شهيدي على طيب اللِّثات وريقها ... أنابيبُ عيدان الأراك المُفرَّعِ كأنّ حَباب الريق حين تمُجُّهُ ... على شُعَبِ المِسواك غير ممزَّعِ رَشاشُ ذكيِّ المسك شيبَ بعَنبرٍ ... أو الراح من صَفوِ العُقارِ المُشعشَعِ وقال مروان بن أبي حَفصة: شِفاءُ الصدى ماءُ المساويك والذي اج ... تنى الريقَ من خَمْلٍ ينازلها طِفلُ فيا حبّذا ذاك السواك وحبّذا ... به البَرَد العَذبُ الغَريضُ الذي يجلو وأحسن محمد بن عبد الله بن طاهر حيث يقول: وإذا سألتُك بعض ريقكِ قلت لي ... أخشى عُقوبةَ مالكِ الأملاكِ أيجوز عندكِ أن يكون مُتَيَّمٌ ... يَهواكِ عندكِ دون عودِ أراكِ ماذا عليكِ، جُعلتُ قبلكِ في الثرى، ... من أن أكون خليفةَ المِسواكِ

стр. 192

وهذا باب تطَنَّبَ فيه الشعراء، ويتّسع لها القول في ذكره، وقد مضى من بعضه ما أغنى عن شرح كله، وأنا أصف لك جُملةً من جميل مناقبهم، وما يُؤثَر من حُسن مذاهبهم، إن شاء الله تعالى. صفة ذوي التظرف ومباينتهم لذوي التكلّف اعلم أن من كمال أدب الأدباء، وحُسن تظرُّف الظرفاء، صبرهم على ما تولّدت به المكارم، واجتنابهم لخسيس المآثم، وأخذهم بالشّيم السَّنيّة والأخلاق الرضيّة، وأنهم لا يُداخلون أحداً في حديثه، ولا يتطلّعون على قارٍ في كتابه، ولا يقطعون على متكلِّمٍ كلامه، ولا يستمعون على مُسِرّ سره، ولا يسألون عما وُرّي عنهم عِلمه، ولا يتكلمون فيما حُجب عنهم فهمه، يتسرّعون إلى الأمور الجليلة، ويتبطّؤون عند الأشياء الرذيلة، فهم أمراء مجالسهم، بهم يُفتح عَسِر الأغلاق، وبهم يتألّف مُتنافِر الأخلاق، تسمو إليهم الآماق، وتنثني عليهم الأعناق، ولا يطمع في عيبهم العائب، ولا يقدر على مَثالبهم الطالب، ألا ترى أنهم لا يتنخّعون، ولا يتبصّقون، ولا يتثاءبون، ولا يستنثرون، ولا يتجشّؤون، ولا ينمطّون، ولك عيبٌ عند الظرفاء، مكروه عند العلماء، وفيه حديثٌ مأثورٌ حدّثنيه عُبيد بن شريك قال: حدثنا ابن أبي مَرْيَم قال: أخبرني يحيى بن أيوب قال: أخبرني ابن عجلان عن سعيد المَقْبري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: إن الله يحبّ العُطاس، ويكره التثاؤب، وإن أحدكم إذا قال هاها، فإن ذلك الشيطان يضحك في جَوفه.

стр. 193

والظرفاء لا يتثاءبون، ولا يتمطّون، ولا يوقّعون أكفّهم، ولا يُشبّكون أصابعهم، ولا يمدّون أرجلهم، ولا يحكّون أجسادهم، ولا يمسّون آنافهم، خاصةً إذا كان أحدهم بين يدي خليله، أو ربيطه، أو حبيبه، أو من يحتشمه، ومن يُكرمه. ولا يدخل أحدهم الخلاء من حيث يراه أحدٌ، ولا يَبول بين يدي أحدٍ. وليس من زيّهم الإقعاء في الجِلسة، ولا السرعة في المِشية، ولا الالتفاف في طريقٍ قصدوه، ولا الرجوع في طريق سَلَكوه. ولا ينفضون الغُبار عن أرجلهم في المواضع المكنوسة، ولا يستريحون في الأماكن المرشوشة، ولا يجلسون في مجلس فينتقلون منه، ولا يقعدون بحيث يُقامون عنه، ولا يشربون ماء الأحباب، ولا الماء في دكاكين الشراب، ولا ماء المساجد والسبيل، وذلك مُشنّى عند ذوي العقول، ولا يدخلون دكّان هرّاس، ولا دكّان روّاس. ولا يجتازون بدُكّان مرّاق، ولا يأكلون شيئاً مما يُتخذ في الأسواق، ولا يأكلون على قارعة الطريق، ولا في مسجد، ولا في سوق، وفي ذلك حديثٌ مأثورٌ، وخَبرٌ مشهورٌ، حدّثنيه أحمد بن الهيثم المُعدَّل قال: حدّثني سهل بن نصر وإسحاق بن المنذر قالا: حدّثنا محمد بن الفُرات قال: حدثني سعيد بن لُقمان بن عبد الرحمن الأنصاري عن أبي هريرة عن رسول الله، ﷺ ، قال: " الأكل في السوق دَناءةٌ، والظريف لا يأخذ شَعْره في دُكّان حجّام، ولا يدخُل بغير مِئزرٍ إلى الحمّام ". وقد حدثني أحمد بن محمد بن غالب، صاحب الخليل قال: حدثني أحمد بن

стр. 194

عبد الله بن هَشيم عن مُغيرة عن إبراهيم قال: النظر في مرآة الحجّام دناءةٌ. وحدثنا أحمد بن محمد بن غالب قال: حدثنا إسماعيل بن محمد بن راشد بن سعيد عن عِكرمة عن ابن عباس قال: من قلّة مُرُوّة الرجل نظره في مرآة الحجّام، واطلاعه في بيت الحائك. وقد ينبغي للظريف أن يدخل الحمّام على خَلوةٍ، لئلا ينظر فيه إلى سَوءةٍ، ولا يمدّ عينه إلى أحد، ولا يُعلّق ثوبه على وتد، ولا يُدلّي رجله في البئر التي ينصبّ إليها الماء، فإن ذلك مما يفعله الأدنياء، ولا يَدلُك يديه بخرقةٍ، فإن ذلك مما يستعمله السخفاء، ولا يتمرّغ على حرارة أرض الحمّام، فإن ذلك مما يفعله سِفلة العوامّ، بل ينبغي له أن يَدخله مُتّزراً، ويقعد فيه معتزلاً، ولا يقعد مستوفزاً على رجله، فإن ذلك طَعْن على عقله، ولا يميل مضطجعاً، بل ينتصب متربعاً، حتى إذا نضب العرق من بدنه، وتحدّر على جسده، وكان عرقه بين الكثير والقليل، نشّفه عن بدنه بمنديلٍ، ثم دعا لرأسه بالغَسول، والأُشنان، فإن كان من أهل المُرُوّات والنعم، وأهل البُيُوتات والقدر ممن لا يُنسب في فعله إلى شيء ليس من شكله، فليبتدئ دخوله الحمّام بالإمساك عن الكلام، والتجرّع من الماء الحارّ ثلاث جُرعٍ، وليقعد للعرق فوق نِطْعِ، حتى إذا عرق بدنه، وجمع عرقه فوزنه، وهذا الفعل لا يُصلح إلا لذي نعمةٍ، أو شريفٍ، أم متأدّب فيلسوف، وأما سائر الناس من أهل الظرف، فإنهم يُنسَبون بهذا الفعل إلى السُّخف. ولا ينبغي لظريفٍ أن يمشي بلا سراويل، ولا يتّزر بمنديلٍ، ولا يمشي

стр. 195

محلول الإزار، ولا مسبل الإزار، ولا يماكس في الشِّرى، ولا يركب حمار الكِرى، ولا ينزل في خراب، ولا يقبض على كِتاب، ولا يُشارط صانعاً، ولا يُصاحب وضيعاً، ولا يُشاتم رفيقاً، ولا يغتاب أحداً، ولا يذكر بسوء أخاً، ولا ينُمّ بسريرةٍ، ولا يُظهر حَبيئة، ولا يخون عهداً، ولا يُخلف وعداً، ولا يُضرّب بين اثنين، ولا يُفسد بين خليلين، ولا يسعى إلى سلطانٍ، ولا يغمز بإنسان، ولا يَهتك حُرمةً، ولا يتعرّض لسرقة، ولا يتحلّى بالكذب، ولا يستهدف للريب، ولا يجاهر بالزنى، ولا ينطق بالخَنى، ولا يُفسد حُرمة الأخ الصديق، ولا حُرمة الجار اللزيق. وأجود ما في هذا المعنى قول الأحوص بن محمد الأنصاري: قالت وقلتُ: تحرَّجي وصلي ... حبل امرئٍ بوصالكم صَبِّ صاحبْ إذاً بُعلي! فقلتُ لها: ... الغدر مني ليس من شِعبي ثِنتان لا أدنو لوصلهما: ... عِرسُ الخليل وجارة الجَنبِ أما الخليل فلستُ مُخلفه ... والجارُ أوصاني به ربّي ومن تكامل ظَرف الظريف ظهور بزّته، وظهور طيب رائحته، ونقاء درنه، ونظافة بدنه، ولا يتّسخ له ثوبٌ، ولا يَدرَن له جيب، ولا ينفتق له ذيل، ولا يُرى في دخاريصه مَيل، ولا في سَراويله ثقب، ولا يطول

стр. 196

له ظَفْرٌ، ولا يَكثُر له شَعر، ولا يفوح لإبطه دَفَر، ولا لبدنه غَمَر، ولا يسيل له أنف، ولا يَسود له كفّ، ولا يظهر له شُقاق، ولا يَرشَّش له بصاق، ولا يقف في مأقِه رَمَد، ولا صِوارِه زَبَد. ومن زيّهم في مُصاحبة الأودّاء، ومعاشرة الأخلاّء، حفظ العهود، وإنجاز الوعود، والدوام على الوفاء، وقلّة الرغبة في الجفاء؛ وحسن المؤاتاة لأودّائهم، والمساعدة لأخلاّئهم، والبِشر بمن لَقوا، والتفقّد لمن فقدوا، والمساعفة بأبدانهم، والمعونة بأموالهم، وتخفيف المُؤن على إخوانهم، وكفّ الأذى عن جيرانهم، والصفح عن المسيء لهم عند إساءته، ومقابلة المحسن بإحسانه، والترحيب بالصغير، والتبجيل بالكبير. وقد حدّثني محمد بن يونس القيسي قال: حدثنا يزيد بن بيان قال: حدثنا أبو الرجال عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ : " ما من شابّ أكرم شيخاً عند سنّه إلا قيّض الله له من يُكرمه عند سنّه ". وقد يجب أيضاً على أهل المُرُوّة مثل الذي يجب على أهل الظرف، والفُتُوّة والأدب، لأنهما ليسا باللذاذة والقصف، ولا بالمفاخرة والحسب، وإنما هما بكمال المُرُوّة والأدب، ولن يعرف الفتى جميل مواهب الفُتُوّة، إلا بسُلوك طرائق المُرُوّة، وقد ذُكرت الفتوّة عند بعض العلماء فقال: إن الفتوة ليست بالفسق والفجور، ولكنها طعامٌ موضوعٌ، وأذىً مرفوع، ونائلٌ مبذولٌ، وبِشرٌ مقبول، وغَفافٌ معروفٌ، واجتنابٌ للقبيح، وأدبٌ ظاهرٌ، وخُلق طاهر، وتركُ مجالسة أهل الشرور، والسموُّ إلى معالي الأمور، والإحسان إلى من أساء، ومكافأة من أحسن، وقضاء حوائج الناس،

стр. 197

فهذه جملة من زيّهم في حُسن مناقبهم، ومستحسَن جميل مذاهبهم، ولهم أيضاً رقة الطبع، والتلطّف في كل الأمور، والمداراة، والتملّق، والتأنّي، والترفّق، ومن ذلك قولهم: من حَبّ طَبّ، أي رَفِق ودارى، ومن ذلك سُمّي الطبيبُ طبيباً لترفّقه ومداراته؛ والعرب تقول: هو طَبٌّ بالأمور، أي عالمٌ رفيقٌ؛ قال عمر بن أبي ربيعة: فأتتْها طَبّةٌ عالمةٌ ... تخلِط الجِدّ مِراراً باللعبْ ترفع الصوت إذا لانت لها ... وتراخى عند سَوراتِ الغضبْ ولهم حسن التأني فيما يُريدونه، ولطيف الحيَل فيما يحاولونه، وخفيُّ التلّطف لما يطالبونه؛ حوائجُهُم سريّةٌ، وسرائرهم مخفية، وأمورهم باطنةٌ، وحيلهم لطيفة، يُورِدون الأمور مواردها، ويُصدرونها مصادرها. ولهم فيما استحسنوا من الهدايا بينهم، والبرّ والمُلاطفة والمُكاتبة، والتُّحفة من غيرهم، ما يُستصغر؛ ومن ذلك أنهم ربما أهْدوا الأُتْرُجة الواحدة، والتفاحة الواحدة، والدَّسْتَبويَة اللطيفة، والشَّمَّامة اللطيفة، والغُصن من الريحان، والطاقة من النرجِس، والرطلَ من الشراب، والقطعة من العُود، والمَخْزَنة من الطيب، والشيء اليسير، والوَهْط الصغير، ونظير ذلك من الأشياء القليلة، الحقيرة والذليلة، التي لا قدر لها عند ذوي العقول، فيُستكثر ذلك منهم، ويُتلقّى بالقَبول، وتُستحسن هداياهم وتُستظرف، ويُفرَحُ بها وتُستظرف. ورغبة غيرهم من الناس في الأشياء الجليلة، والهدايا النبيلة، والطُّرف السريّة، والتُحف السنيّة، غير أهل الظرف، فإنهم اقتصروا على اللطف اللطيف، والبرّ الخفيف. ومن ذلك كُتُبُهم المِلاح، وألفاظهم الصحاح، التي يستعطفون بها القلوب،

стр. 198

ويسترون بها العيوب، ويستقيلون بها العثرات، ويستدركون بها الهفَوات، التي قد استخلصوها من بديع الحرير الصيني، ومليح المُلحَم النيسابوري، وصفيق الدَّبيقي الحَفي، ونقي التاختَج والقوهي. وتغلغلوا إلى الكتابة في ذلك بالذهب والمِسك والزعفران، والسُّكّ، واتّخذوا لها طَرائف المناديل الرِّقاق، وجِياد الزنانير الدقاق، وطيّبوها بالمِسك والذرائر، وعَنْونوها بمُتظرّفات الأمثال والنوادر، وخَتموها بالغالية المستمسِكة، وطبعوها بنُتَف الألفاظ المهلِكة؛ وقد ضُمّنَت من مَليح المُكاتبة، وطرائف المُعاتبة، وجميل المطالبة، وشكيل المداعبة، ما يُقرّبون به البعيد، ويُهوّنون بن الشديد. وقد بيّنت ذلك أحسن البيان، وشحتُه بأخصّ المعاني، ووصفتُ ما يتوصّلون به من الوسائل، وما يُضمّنونه كتبهم من الرسائل، في كتابٍ مفرَدٍ، وكلام مجرَّدٌ، ترجمته: كتاب فرح المُهَج، وجعلتُ ما فيه ذَريعةً إلى الفَرج، فأغنى عن تطويل هذا الباب، ما مرّ في ذلك الكتاب. وأنا أصف لك أيضاً في كتابنا هذا جُملة ما استحسنوه بينهم من المُكاتبة، وما استعملوه بينهم من المعاتبة، وأقصد في ذلك إلى مُداعبة الكُتّاب، ومعاتبة الأحباب، وما تعاتبوا به من الأبيات، واختاروه من المُقطّعات، وما ذكروا على العُنوانات من الكلام، وما ضَمّنوه في كتبهم من السلام، على غير نقصٍ مني لكل ما في ذلك من الأشعار، إذ كان قصدي في كلّ أبواب الكتاب إلى الاختصار. وبالله أستعين وأستكفي، وإياه أسترشد وأستهدي.

стр. 199

ما اختير من ألفاظ الأدباء في المكاتبات واستُحسن من الظرفاء من مَليح المعاتبات أخبرني الوضّاح بن ثابتٍ الكاتب قال: كنتُ عند بعض الكتّاب، إذ دخلَت عليه وصيفةٌ كأنها قمر، تتثنّى في مِشيتها كأنها جانٌّ، أو كأنها غُصن بانٍ ريّان، حتى وقفتْ بين يديه، فقالت: مولاتي تقرأ عليك السلام، وتقول لك: يا أخي! جَفَوتنا من غير استحقاق للجفاء، وملتَ إلى غير مذاهب الظرفاء، وإني لم أزل واثقةً بإخائك، راجيةً لحسن وفائك. وتحقيق ظنّ مؤمَّلِكَ، أولى بك من الوقوف على تجنّيك. فقال لها: اقرئي ﵍، وقولي لها: يا أختي! أنا من وُدّكِ على أحسن عهدك، ومن الأمل لكِ على أضعاف ما عندك ولقد استوحشنا من فقدِكِ، فاجعلي لنا حظّاً من أُنسك. فسألتُه عنها، فقال: جاريةُ عليّ بن الجَهم. وأخبرني محمد بن إبراهيم الهمداني قال: أخبرني مولىً لمحمد بن عبد الله بن طاهر قال: قرأتُ رُقعةً لمولاي إلى بعض إخوانه: يا أخي مدَدْتَ يداً إلى المودّة مبتدئاً فشكرناك، وشفعتَ ذلك بشيء من الجَفاء فعذرناك، والرجوع إلى محمود الوَداد أولى بكَ من المُقام على مَكروه الصدّ. وكتب بعض الظرفاء إلى صديق له: أيّدك الله بوفاء الأدب من النزع إلى الجَفاء، وجعل أخرَ سخطِك موصولاً بأوّل الرضاء. وكتب بعض الأدباء إلى صديق له يستعتبه على جَفاء كان منه: ليس من تدبير من شَمَلته أُبّهة الحِكَم، وسَمَت به معالي الهِمَم، أن يعطف على عهود صديقٍ بعُقوقٍ، ولا تَضمحلّ واجبات الحقوق، ولا تُغيّره

стр. 200

نوب أيامه عن رعاية ذِمامه، والسلام. وكتب آخر إلى صديق له: بدأتنا بمودّةٍ عن غير خبرةٍ، وهجَرتنا من غير سببٍ يُوجِب طول الهجرة، وقد أطمعنا أوّلُك في إخائكِ، وآيسنا أخرك من وفائك، فسبحان من لو شاء كشف باليقين من الرأي عن غير سِمة الشكوك في أمرنا، فأقَمنا على ائتلافٍ، أو افترقنا على اختلافٍ، والسلام. وكتب سعيد بن حُميد إلى بعض الكتّاب: بلغني حُسن محضرك، فغير بديعٍ من فضلك، ولا غريبٍ عندي من برّك، بل قليلٌ أتّصل بكثيرٍ، وصغيرٌ لحقَ بكبيرٍ، حتى اجتمع في قلبٍ قد وُطّن لمودّتك، وعُنُقٍ قد ذلّت لطاعتك، وليس أكبر سؤلها وأعظم أرَبِها، إلا طول عمر بقاء النعمة عليك، والسلام. وكتب بعض الكتّاب إلى صديقٍ له: ما زال ما أحمَدُ من عواقب رأيك، وأُشبّه من وفائك، حتى وثَّق في ضميري من مودّتك، ما استنجدني لطاعتك؛ واستوى عليّ من موافقتك ما سهل عليّ سبيل عَتْبك، فما أسلك بغَلبة الهوى طريقاً إلا إلى رضاك، ولا أستعين بهواك منك عليك إلا كان عوناً عليّ لكَ، ولنعم المستعبد لي أنت على المحامد، واكتساب سنا الفوائد، ولذلك أقول: عليّ رقيبٌ من هواكَ يقودني ... إليكَ على الحالات في السُّخط والرضى وليس هواي حيث لا يستحقّه ... ولكن هواي حيث كان لك الهوى لساني رهينٌ بالذي أنت فاعلٌ ... ورأيي موصولٌ بما كُنْهُه ترى

стр. 201

وما زِلتَ لي عوناً برأيٍ موفَّقٍ ... على صلة القُربى بهدْي أُولي النُّهى وكتب الحسن بن وهب إلى محمد بن عبد الملك: سُروري، أعارني الله حياتَك، إذا رأيتُك كوحشتي لك إذا لم أرك، وحفظي لك في مغيبك، كمودّتي لك في مشهدك، وإني لصافي الأديم غيرُ نَغلٍ ولا متغيِّرٍ، فامنحني من مودّتك، مُزنَ لذاذة مَشربك، وكن لي كأنا، فوالله ما عُجتُ عن ناحيتكَ، إلا وأنا محنيّ الضّلوع إليك، والسلام. فكتب إليه محمد: يا أخي ما زُلتُ عن مودّتك، ولا حُلّتُ عن أخوتِك، ولا استبطأتُ نفسي لك، ولا استزدتُها في محبّتك، وإنّ شخصَك لمائلٌ نُصب طَرفي، ولقلّ ما يخلو من ذِكرك قلبي، ولله ذرُّ الذي يقول: أما والذي لو شاء لم يَخلُق النوى ... لئن غِبتَ عن عيني لَما غِبتَ عن قلبي يُذكّرُنيكَ الشوق حتى كأنني ... أُناجيكَ من قُربٍ وإن لم تكن قُربي وكتب بعض الكتّاب إلى صديقٍ له تبيّن منه جَفوةٌ: سيدي! ألزمتني الخُضوع، وحرّمت علي الهُجوع، وأضرمتَ ناراً بين الضُّلوع، فتركتني فيك لائذاً بالعدوّ، وممنوعاً من السلوّ، منخفضاً من العُلوّ، بمنزلة من خان وُدّاً، أو نقض عهداً، أو أخلف وعداً، أو اظهر ضدّاً، أو جحَد يداً، أو كفَر عارفةً، أو غَمَط نِعمةً سالفةً. سيدي! لمّا اشتغلَت بن النفس القَلِقة، والعين الأرِقة، حُلتَ عن محمود الوفاء، وزُلتَ عن غير ذنبٍ عُقوبة المجترِم، وغير سببٍ يَقدح في

стр. 202

مودّة العبد المهتضَم، الذي توقعه جَريرته، وتوبقه خطيئته، وتحُلّ به إساءته، وتلزمه هفواته. سيدي! أوقعني يسير جَفائك، وإعراض لَحظاتك، في بحار هُمومٍ، غريقُها غريق صبابةٍ وغُمومٍ. أخاطبك بلسانٍ يعجز عن المخاطبة، وأكاتبك بيدٍ لا تجري إلى المكاتبة، وأُناجيك بضمير الهَيبة المشاهد لك في الغيبة، مناجاة مغرمٍ وصريع تجلُّدٍ، وحليف تلدُّدٍ. سيدي! كلّ عذابٍ ووجدٍ جديدٍ، وسَقام عتيدٍ، فهو في محبّتك، والدوام على مودّتك يسيرٌ، فأما السبيل إلى وجه السرور فمتعذّرةٌ، والخلاص في طُرق السلامة إلى الراحة فمستوعرةٌ، قد غلب الظمأ، وبَعُد المورِد، وقلّ العَزاء، وفُقد الصبر، وانحلّت العزيمة، وبطّل الرأي، وثَبَتَ الهوى، فتمكّن في الحشا، فلا مَحيص لعبدك عنك، ولا بدّ له في حالة السُّخط والرضى منك. سيدي! الرجوع إلى محمود الشيمة أشبه من العَود بالفضل، والتطوّل بالوَصل أولى بالمَولى من الوقوف على الصدّ الذي يَقدح في النيّة، ويُزيل عقد الطوِيّة، وشفيعي إليك، الذي أرجو نجاح الشفاعة، خُضوعي لك، واعتصامي بك، وانحطاطي في طاعتك، ووقوفي بين يديك مُستكيناً، متحيّراً، مُعترفاً، فإن ذلك أبلغ شفيعٍ، وأنت فيما تراه في أمري أكرمُ مولىً في كل حال، فإنه يتوقّع جَواب كِتابه بما يَسكن إليه، وتتجدّد به النعمة عليه، فحقِّقْ تأميله، وأكرِم صَفَده، وأقِم أوَدَه، وعُد في جَفائه، إلى دوام صَفائه، والسلام.

стр. 203

ما ضمنوه كتبهم من الأشعار وتكاتب به ذوو الظرف والأخطار أنشدني بعض الأدباء: هذا كتابُ متيَّمٍ ... خطّت إليك أناملهْ مزَج المِداد بدمعه ... فبكتْ عليه عَواذلُهْ أنت الطبيب فداوِهِ ... يا مُبتليهِ، وقاتلُهْ وقال آخر: هذا كتاب فتىً له هِممً ... عطفَت إليكَ رجاءه هِمَمُهْ غَلَّ الزمان يَدي عَزيمته ... ورمى به من حالقٍ قَدَمُهْ أفضى إليكَ بسرّه قلمٌ ... لو كان يَعقُلُهُ بكى قَلَمُهْ وقال آخر: هذا كتابي بدمعِ عيني ... أملاه قلبي على بَناني إلى غزالٍ كَنَيتُ عنه ... يَجِلّ عن اسمه لساني وقال آخر: هذا كتاب أخي هوىً وصبابةٍ ... لا يستطيع لِما به كِتمانا لاقَ الدّواة بعَبرةٍ مسفوحةٍ ... كانت لمُضمَر لاعجٍ عُنوانا قَرِحَ الفؤادُ تَعوده أشجانه ... لمّا به بَخِلَ الطبيب وخانا وقال آخر: هذا كتاب مُتَيَّمٍ ... يشكو الصَّبابة في كِتابهْ فاردد عليه جوابه ... كي يستريح إلى جَوابِهْ

стр. 204

لو كان ينطق ذا الكتا ... بُ شكا إليك عظيم ما بِهْ وقال آخر: هذا كتابُ فتىً شكا سَقَماً ... الِف السُّهاد فشفّه سَقَمُهْ يبكي عليه جلإون مُقلته ... عدد الحروف وقد بكى قَلَمُهْ لولا مُراقبةُ العدوّ ومن ... أضحى من الرُّقباء يتّهمُهْ لبكى علانيةً وقال لهم ... بَرِح الخَفاء وباح مُكتَتَمُهْ وقال آخر: هذا كتابي إليكَ أشكو ... إن لم تجُدْ لي فما احتيالي كتبتُ أشكو إليكَ ما بي ... ممّا أقاسي فما تُبالي يا حَسَن الوجه كُن شَفيعي ... إليكَ إنْ لم أبُح بحالي ما ذكر القلبُ منك شيئاً ... إلا تمثّلتَ لي حِيالي وقال آخر: هذا كتابي فتىً لغَيبِكَ حافظٍ ... صَبٍّ بذكرك مُستهامٍ مُدنَفِ إنْ غبتَ آنسَ طرفه بدموعه ... وإذا أصابك طرْفُهُ لم يَطرِفِ وقال آخر: هذا كتاب أهي هوىً مشتاقٍ ... قَرِحِ الجُفون بدمعه المُهراقِ أملى هواه على بَنان يمينه ... فأبان كيف مَصارع العُشّاق وكأنه يُنبي بما في نفسه ... من طول شَوقٍ واكتئابٍ باقِ

стр. 205

وقال آخر: هذا كتاب مُتيَّمٍ مشتاقٍ ... يشكو إلى مستظرَفٍ ذَوّاقِ أهدى له الهجران بعد تواصُلٍ ... وكذاك فعل الخائن المَذّاقِ ما هكذا فعلُ الكِرام فأجملي ... وتحرّجي أن تَنقضي ميثاقي وارْثي لصبٍّ هائم قد شفّه ... طول النحيب وشدّة الإقلاقِ وأنشدني إبراهيم بن محمد لنفسه: هذا كتاب متيَّمٍ في قلبه ... نارٌ تَضَرَّمُ بُكرةً وأصيلا فإذا قرأتَ كتابه فاجعل له ... بعد الصُّدود إلى الوِصال سبيلا فلقد تركتَ فؤاده في غَمرةٍ ... وتركتَ في الأحشاء منه غَليلا ولقد تبرّم بالحياة وطُولها ... وعسى مَداه أن يكون قليلا لا تُغرين به رَداهُ وحَينَهُ ... حاشاك أن تُردي يَداك قَتيلا حاشاك من قَلَقٍ أطارَ رُقاده ... فأبى الرُّقادَ فما يَلَذُّ مَقيلا وأنشدني أيضاً لنفسه: هذا كتابي إليكَ فاقرأ ... كتاب ذي صَبوةٍ عَميدِ أقلقه شوقه المُعنيّ ... وهدَّه لوعةُ الصُّدودِ لكنّه في الظلام يبكي ... بُكاءَ ذي الفَقدِ للفقيدِ إن كنتَ غضبان فارضَ عني ... رِضى الموالي عن العبيدِ ولأبي الطيّب في هذا المعنى: هذا كتابي إليكَ فاقرأ ... كتابَ من شفّه السَّقامُ

стр. 206

وارثِ لسُقمي وطول صبري ... فقد وَهَت منّي العِظامُ ولا تُرِد قتلتي وهجري ... فقتلُ حِلفِ الهوى حَرامُ وقال آخر: أثَرُ المَحو في سُطور كتابي ... شاهدٌ لي بعبرةٍ وانتحابِ وبكائي يدُلّ أني سقيمٌ ... خاضعٌ للهوى طويلُ العذابِ أنا بين الرجاء واليأس وقفٌ ... لستُ أدري بما يكون جوابي فإذا اشتقتُ أن أراك أنادي ... فرجَ الله لي من الحُجّابِ وقال آخر: غضِبَتْ لمَحوٍ في الكتاب كثير ... قالت أراد خِيانتي وغُروري كتب الكتاب على خلاف ضميره ... والمحوُ فيه لعلّة التغييرِ ما كان دمعي للغُرور وظنّكم ... كلاًّ ولا للسهو والتقصير كَتَبَتْ يميني والدموع هواطلٌ ... حَذَرَ الفِراق لما يُجَنّ ضميري فالمحوُ من قِبلِ الدموع وإنما ... تَجري دموع العاشقِ المهجورِ وقال آخر: ما زِلتُ أبكي وفي يدي قلمٌ ... حتى استهلّت مدامع القَلَمِ أكتُمُ وَجدي والدمع يُظهره ... بواكفٍ كالجُمان منسَجِمِ ما زلتُ خِلواً من الهوى فلقد ... عذّبني من هويتُ بالسَّقمِ يا سيّداً تاهَ ما يُكلّمني ... نِمتَ وعينُ الشجيّ لم تَنَمِ

стр. 207

أنا قتيلُ الهوى وميّتُهُ ... لا عَذّب الله قاتلي بدمي وقال آخر: إني رفعتُ إليكِ قصة عاشقٍ ... ورجوتُ عدلك فانظُري في قصتي ولقد كتبتُ ودمع عيني ساكبٌ ... فإذا قرأتِ فأحسني وتثبّتي إن الدموع تفجّرت فتحدّرتْ ... منها فنونٌ في صفات مودّاتي لا فَرَج الله الصبابة والهوى ... عني، ولا زالت عليكِ مضجَنّتي وقال آخر: أما الرسول فقد مضى بكتابي ... يا ليتَ شِعري ما يكون جَوابي؟ وتعجّلَت روحي الظنونَ وأُشربَتْ ... طمعَ الحريص ةخشيةَ المُرتابِ وقال آخر: أسأل الله خير هذا الكتاب ... قد أتاني برحمةٍ وعذابِ أشتهي فَكّهُ فأفرَقُ منهُ ... ففؤادي مفرَّقُ الأسبابِ وقال آخر: كتابُ صبٍّ بدمع عينٍ ... يُمِلُّهُ قلبه الكئيبُ يكتبه كفه بضعفٍ ... وما لها في الهوى نصيبُ وقال آخر: أما الكِتاب فقد مضى وأمامه ... خوفَ الرقيب وسَطوةُ الحُجّابِ طلبَ الجواب فأحسِنوا في وُدّكم ... لا تبخلوا عني بردّ جَوابِ هل تُنقذون متيَّماً ذا صبوةٍ ... أضحى أسير تذكُّرِ وتصابي؟ جودوا عليه برحمةٍ وتعطُّفٍ ... فلقد أطلتُم بالصُّدود عَذابي

стр. 208

أما الكِتاب فمن كئيبٍ عاشقٍ ... كَلِفِ الفؤاد مواصَلُ الأوصابِ لكنه غادٍ إلى ذي سَلوةٍ ... متعتِّبٍ في غير كُنهِ عِتابِ وقال آخر: لولا الكتابُ الذي جاء الرسول به ... من الحبيب لذاب القلب واحترقا جاء الرسول على يأسٍ بموعده ... وقد قضيتَ فأحيا لي به رَمَقا وقال آخر: صِليني بالكتاب وبالسلام ... وزوري زَورةً في كل عامِ وجودي بالكتاب وعنونيه: ... إلى الصبّ الكئيب المُستهامِ من الشمس المُنيرة يوم دجنٍ ... وبدرٍ لاح من بين الغَمامِ وناحلةٍ فديتُكِ يا مُنايَ ... أماناً للفؤاد من الغرامِ وقال آخر: كتبت إليّ يا روحي كتاباً ... فوافق مُنيتي وبُلوغَ سُولي ولولا العيب هِمتُ إليك لمّا ... تناولتُ الكتاب من الرسولِ مخافةَ نظرةٍ من عين واشٍ ... وتشنيعِ المَقالةِ بالخليلِ وقال آخر: لم يزِدني الكتابُ إلا اشتياقاً ... واشتعالاً من الهوى في ضميري بأبي أنتٍِ يا حبيبة قلبي ... ومُناي وغايتي وسُروري وأنشدني أبو عبد الله الواسطي لنفسه: كتبتَ إليّ تذكُرُ ما تُلافي ... من الشوق المبرِّح والفُراقِ

стр. 209

لعمرُك ما اتّهمتُك في ودادٍ ... ولكن لم تُلاقِ كما أُلاقي فؤادي هائمٌ والعينُ تذري ... دموعاً تستهلُّ في المآقي وقد ذقتُ الفِراق وكان مُرّاً ... كريهاً طعمه عند المَذاقِ على أني وإن أبديتُ صبراً ... على حدّ الصبابة غيرُ باقِ وقال آخر: قولا لمن كتب الكتاب بكفّه ... ارحَم فديتُك ذلّتي وخُضوعي ما زِلتُ أبكي مذ قرأتُ كِتابها ... حتى محوتُ سُطوره بدموعي وقال آخر: الدمع يمحو ويدي تكتُبُ ... عنِ الهوى وامتنعَ المَطلَبُ أمارَ خَدَّي قمرٍ زاهرٍ ... إليه من زهرته المذهَبُ لقد براني سَقَمٌ قاتلٌ ... وهدّ جِسمي دَنَفٌ مُنصِبُ وقال الحسن بن وهب: يا مُنايَ وسروري ... جُهدنا غيرُ يَسيرِ والذي نشكوه في الكت ... ب قليلٌ من كثيرِ لم تُطقْ ألسنُنا من ... وصفه عُشر عَشيرِ فثقي يا بأبي أن ... تِ بمكنون الضمير ثمّ قولي مطلعَ الجو ... زاء والشِّعرَى العَبور: حفظَ الله فتىً با ... ت لها خيرَ سَميرِ ولبعض المحدثين: من الوَهم من آثار قبرٍ مُسَنَّمِ ... وهامِ ثرى قبر القتيل المتيَّمِ

стр. 210

ومن طللٍ للشوق لم يعفه البِلى ... ونُؤْيِ وفاءٍ ليس بالمتهدِّمِ إلى زينة الدنيا ومُنية أهلها ... وأحسن من يزهو بطرفٍ وميسَمِ وأملحِ خلقِ الله قدّاً وصورةً ... ودَلاًّ وإدلالاً على حُبّ مُغرَمِ سلامٌ على من شَفّني وأذابني ... وأسكن قلبي كُلّ وجدٍ ومألمِ ووكّلني بالنجم أرعى أُفوله ... وأندبُهُ بالدمع طَوراً وبالدمِ وأحمدُ من أبلى شبابي بحبّكم ... على البؤس والسرّاء حين التننعُّمِ وبعد فقد والله يا سولَ عبدِها ... ومَولاتَه أنضجتِ أحشاي فاعلمي مما ضمنوه كتبهم من السلام وجعلوه تِلواً للشعر والنظام عليكِ سلامٌ لا سلامَ مودِّعٍ ... ولكن سلامٌ لم يكُن أخِرَ العهد سلام مُحبٍّ خانه حُسنُ صبره ... فأصبح في كَربٍ الحياة وفي جُهدِ آخر: عليكِ سلامُ الله ما هبّتِ الصَّبا ... وما قرقر القُمري في وَرَقِ السِّدرِ سلام سقيمٍ مُدنَفِ القلب مُقرَحٍ ... مَشومٍ عليلٍ مُشعّلِ القلب بالجمرِ آخر: عليكِ سلام الله ما لاحَ كوكبٌ ... بأُفقٍ لساري الليل واستوسَقَ البَدرُ سلام غريبٍ شَفّه الوجدُ والهوى ... وبلّ حَشاه الهمُّ والذِّكرُ والعُسرُ آخر: عليكِ سلام الله! هل أنا ميّتٌ ... بداء هوائيكِ الشقيّ المقَلقِلِ فعيشي بخيرٍ واسلمي ليس حبُّكُم ... ولا الوجدُ عني ما حَيِيتُ بمُنجَلي

стр. 211

آخر: عليكِ سلامُ الله أما قلوبُنا ... فمرضى وأما وُدّنا فصحيحُ نبيتُ بوُدٍّ خالصٍ وصَبابةٍ ... ونغدو بحُبٍّ صادقٍ ونروحُ آخر: عليكِ سلام الله قد شطّتِ النوى ... وقد كدتُ ألقى الله من كَمَدٍ جُهدا أموتُ بوَجدٍ مُضمَرٍ وصَبابةٍ ... وأزداد إن زدتم على نأيكم صدّا آخر: عليكِ سلام الله قد مُتُّ صَبوةً ... وما لي عَزاءٌ مذ نأيتِ ولا صبرُ أرى الصبرَ عنكم كاسمه مذ نأيتمُ ... فقد وجَلالِ الله ضاق به الصدرُ آخر: عليكِ سلام الله قلبي مُتَوَّقٌ ... وجسمي نحيلٌ والمدامع تذرف ومثلُ الهوى أضنى الحشا وبمثل ما ... بُليتُ به تُنكى القلوب وتُشعَفُ وقال آخر: عليكِ سلام الله قدْرَ صَبابتي ... إليكِ وشَوقي إنني مُدنَفُ القلبِ أبيتُ حليف الهمّ والوجدِ والأسى ... رهينَ يد الأحزان والشوق والكَرْبِ آخر: عليكِ سلام الله ما حنّ آلفٌ ... وما اشتاق ذو وجدِ وما طلع الفجرُ سلامُ مَشوقٍ نحوكم متطَلِّعٍ ... أخي حسَراتٍ خانه فيكمُ الصبرُ ما كتبوه على العنوانات وسلكوا به سبيل المداعبات إلى سِتّي ومالكتي وروحي ... من الجسد الطريح بغير روحِ آخر: إلى الشمس المنيرة حين تبدو ... غَداة الدَّجنِ من بين الغُيوم من الصبّ الكئيب أخي التصابي ... حليفِ الشوقِ محتَبَسِ الغُمومِ آخر: من الدَّنِفِ الذي يُضحي حزيناً ... وبين ضُلوعه قلبٌ مُصابُ

стр. 212

إلى الخود التي أبلَت شبابي ... فأضحى ما يَسيغُ ليّ الشرابُ آخر: منّي إلى قلبي ولم أرَ كاتباً ... يَخُطّ بأقلام إلى قلبه قَبلي أرى كل شيءٍ بالياً متغيِّراً ... وحبُّكِ لا يَبلى ولكنّه يُبلي آخر: مني إليكِ فإني هائمٌ دَنِفُ ... حِلفُ السَّقام براني الشوقُ والأسَفُ النفْس ذاهبةٌ والعقلُ مختَلَسٌ ... والقلب محتَبَسٌ والروح مُختَطَفُ آخر: مني إليكِ فما وَجدي بمُنصرِمٍ ... حتى الممات وما قلبي بمعذورِ ولو رأيتُكِ يوماً لا نقضَى حَزّني ... وعاد عيشي صَفواً بعد تكديرِ آخر: مني إليكِ فإني هائمٌ قلقٌ ... حليف همٍّ قرين العين بالسَّهَدِ الله يعلم ما بالقلب من قَلقٍ ... إذا نأيتِ وما ألقاه من كَمَدِ وقد مضى من هذا الباب ما فيه كفايةٌ، ولو ذهبتُ إلى تطويله لم يكن لآخره نهايةٌ، وقد أحييتُ أن أختم كتابنا بأشياء يستحسنها الظرفاء، ويميل إليها الأدباء، مما يُكتب على الأقلام من النُّتَفِ ومليح المُقطّعات والظُّرف. وأنا ذاكرٌ في ذلك بعض ما استحسنتُه، ومُلَحاً مما استرققتُه، إن شاء الله، قد جمعنا في هذا الفصل أشياء من مستظرَفات الأشعار، ومُستحسَن الأخبار، ومُتنَخَّلِ الأبيات، ومنتخَبُ المقطَّعات، ونوادر الأمثال، ومُلَح الكلام الذي يجوز كتابه على الفُصوص والتفّاح، والقناني والأقداح، وفي ذيول الأقمصة والأعلام، وطُرُز الأردية والكِمام، والقَلانس،

стр. 213

والكَرازن، والعصائب، والوقايات، وعلى المناديل والوسائد والمخادّ والمقاعد، والمَناص والحُلَل، والأسرّة والتِّكك، والرفارف ووجوه المستنظَرات، وفي المجالس والإيوانات، وصدور البيوت والقِباب، وعلى السُّتور والأبواب، والنعال السنديّة، والخِفاف الزَّنانيّة، وعلى الجِباه والطُّرر، وعلى الخدود بالغالية والعَنبر، وعلى الوَطأة والوشاح، وفي تفليج الأُترُج والتفّاح، ومما يُعْدَل به من تنضيد الورد والياسمين، ويُكتب على أواني الذهب، والفضّة، والسكاكين، وقُضبان الخيزران المدهونة، والمخادّ الصينية، والمراوح، والمَذابّ، والعيدان، والمضارب، والطبول، والمَعازف، والنايات، والأقلام، والدنانير، والدراهم، وجعلنا ذلك أبواباً مبوَّبةً، وحدوداً مبيَّنةً، لتقف على أصولها، وتتبيّن حُسن فصولها. ما يُكتب على الفصوص نقش بعض الظرفاء الصوفية على خاتمه: أنا لله، وبالله أنا، ... أنا، والله، مُقرٌّ بالفَنا آخر: قد فاز بالطاعة من نالها ... نعّمتِ الطاعةُ عُمّالها آخر: أعددتُ لذنبي ... حُسن ظني بربي آخر: ختمَ الله بخيرٍ عملي ... وتوفّاني على حُبّ علي آخر: حبُّ عليّ بن أبي طالبِ ... فرضٌ على الشاهد والغائبِ آخر: بحُبّ أل محمدٍ ... ألقى إله محمدِ آخر: أنا بالله قانعُ ... إنّ ربي لَصانعُ آخر: أنا بالله واثقُ ... إن ربي لرازقُ آخر: اترُكاني والمعاصي ... وعلى الله خَلاصي

стр. 214

آخر: ما علينا من جُناح ... في هوى البيض المِلاحِ آخر: أحبّ من يَهواني ... برُغم من ينهاني آخر: آفة عقلي بصري ... وله عقلي نظَري آخر: تحت ثيابي بدنٌ ناحلُ ... وفي فؤادي شُغُلٌ شاغلُ آخر: أمسيتُ عبداً لك لا أجحدُ ... أنا مُقِرٌّ، والهوى يشهدُ آخر: أنا مولىً لأهلِ هلْ ... من توالاهم عَقَلْ يعني: هل أتى على الإنسان لأنها نزلتْ في عليّ. ومما ينقشه أهل الحزم على خواتيمهم القناعة خيرٌ من الضّراعة. التقلّل خيرٌ من التذلّل. السلامة خيرٌ من الندامة. الأسف أهون من التكلّف. بادِر الفرصة قبل أن تكون الغُصّة. الهرب قبل الطال. الفِرار قبلَ الحِصار. الرجوع قبل الوُقوع. وفي ضرب آخر لكل حقٍّ، حقيقة ولكلّ زمان خليفةٌ. القصد أقرب من التعسّف. الكفّ أحرى من التكلّف.

стр. 215

الموت معتبَرٌ، والسبيل محتضَر. الحق يُنجي، والباطل يُردي. النصح ملامةٌ، والتصريح سلامةٌ. الأمل يَلوي، والشيطان يُغوي. لكل امرئ طريقةٌ، ولكل عاملٍ وثقيهٌ. بطول التجارب تكشَّفُ المآرب. طول الاعتبار من حُسن الاختيار. فوْتُ الأمل أشدّ من حضور الأجل. ومما ينقشه أهل الهوى على خواتيمهم من كثُرت لحظاته دامت حسراته. من تداوى بدائه لم يصل إلى شفائه. من قدّم هواه دام أساه. العقل عند الهوى أسيرٌ والشوق عليهما أميرٌ. إذا كثُر الجفاء قلّ الوفاء. إذا صحّ الظفَر وقعت الغِيَر. إذا صحت القلوب اغتُفرتِ الذنوب. قلّ من سَلا إلا استفزّه الهوى. من مُنِع من النظر اقتصر على الأثر. من مُنع من الوِصال قَنع بالخيال.
следующие страницы →