Полный текст (381 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الراذانين. وكاشف ابني الفرات فيما اقتطعاه واجتذباه من الضياع السلطانية، وحسن أثره عند القاسم بن عبيد الله، فنقله إلى الإشراف على أعمال واسط نقلاً كان من سببه أن كان القاسم سيء الرأي في أبي العباس بن الفرات. فقال لأبي الحسن علي بن عيسى: قد كثرت ضياع ابني الفرات بنواحي واسط، واستضافا إليها ضياعاً سلطانية، وصارا يأخذان لمصالحهما نحو عشرين ألف دينار في السنة، وأريد رجلاً حصيفاً أرد إليه الإشراف على هذه النواحي وأُعول عليه في كشف ضياع ابني الفرات، وإثارة الفضل الذي في أيديهما، وآمن عنده محاباةً لهما وخوفاً منهما، فهل في أهلنا من يصلح لذلك؟ فوصف له أبا إسحاق بالشهامة والاستقلال، واستحضره وقلده، وانحدر وجد في النظر والكشف، وواصل كتب الكتب بما وقف عليه وعرفه، وعمل الأعمال بما اثاره واستدركه، فكان من ذلك عمل ما يقبضه وكلاء ابن الفرات لمصالح ضياعهما بواسط، وهو زيادة على عشرين ألف دينار في السنة، وعمل آخر لما اقتطعاه من ضياع السلطان وأضافاه إلى أملاكهما، وهو نيف وثلاثون بيدراً، منها بيدر يعرف باليهودي، ارتفاعه نحو الخمسين ألف درهم. وعاد إلى الحضرة وعرض الأعمال على القاسم، فقال له: تواقف ابن الفرات على أعمالك هذه؟ فقال: ما عملتها لأسترها وأخاف المناظرة عليها. فأحضره وقد حضر أبو العباس بن الفرات، وواقفه في المجلس مواقفة ألزمه فيها مالاً كثيراً، فرأى القاسم من أبي إسحاق صرامةً عجيبةً، وتبين ابن الفرات من القاسم إنكاراً همته نفسه معه.
стр. 142
قال أبو علي عبد الرحمن، فحدثني بعض أصحابنا قال: لما انصرف أبو العباس ابن الفرات من هذا المجلس إلى منزله، وهو مثخن، وجد أخاه أبا الحسن يعمل. فقال له: يا أبا الحسن ما فارقتني حتى هتكتني ونكبتني، قرأ هذا العمل. ورمى إليه بعمل المصالح وقال له: إذا كانت نفقات مصالحنا عشرين ألف دينار فأي شيء نقول للسلطان والوزير والناس في الارتفاع والاستغلال؟! ثم أعطاه العمل بالضياع المستضافة. قال: هذه الطامة الكبرى والفضيحة العظمى. قال عبد الرحمن: وهم القاسم بن عبيد الله بالقبض عليهما والإيقاع بهما، فتدافع الأمر بظهور صاحب الخال والتشاغل بخطبه والخروج إلى المغرب في طلبه. فلما عادوا لم تطل المدة حتى توفي القاسم بن عبيد الله وأبو العباس بن الفرات في آخر سنة إحدى وتسعين ومائتين. ثم ولي أبو الحسن بن الفرات الوزارة فقصد أبا إسحاق ونفاه إلى الصافية، ووزر أبو الحسن علي بن عيسى بعد ذلك وصرف، وعاد ابن الفرات فنكب أبا إسحاق وصادره على خمسين ألف دينار استخرج منها ثلاثين ألف دينار. وأقام أبو إسحاق في منزله وامتنع من العمل بعد ما لحقه. فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة أعاد القبض عليه وطالبه ببقية المصادرة، ثم بمثلها فأداه ثم بمثلها دفعة ثالثة بعد مكروه عسفه به، وأخرجه بعده إلى البصرة، وسلمه إلى ابن الأصبغ عاملها، فيقال إنه سمه، ومضى لسبيله.
стр. 143
وحدث أبو علي عبد الرحمن قال: كان سبب العداوة بين أبي الحسن بن الفرات ومحمد بن عبدون أنه غلب علي العباس بن الحسن واختص به فسعى في صرف أبي الحسن بن الفرات ونكبته لقبيح قديم كان بينه وبينه، واستمال محمد بن عبدون أبا عبد الله محمد بن داود بن الجراح عمي فمال معه، وساماً أبا الحسن علي بن عيسى أخي الدخول معهما فامتنع، وجرت في ذلك خطوب طويلة باطنة وظاهرة. وتجرد محمد بن عبدون بفضل شر وحسد كانا فيه في مكروه ابن الفرات وطالب العباس بإطلاع المكتفي بالله على خياناته واقتطاعاته وما تأثل من حاله بذاك وعظم من نعمته، وساعده محمد بن داود على أمره. قال عبد الرحمن: فأذكر، وقد صار أبو الحسن بن الفرات في بعض الأيام إلى أخي أبي الحسن علي بن عيسى في داره، فقام إليه وأكرمه، وجعل ابن الفرات يشكو إليه ما يلاقيه من محمد بن عبدون، ويعرض بمحمد بن داود عمي، وأخي يسترجع ويقول له: يكفيك الله ثم قال له أخي: أما أنا فقد عرفت إخلاصي لك، وما يراني الله تعالى مساعداً فيما يسوءك، وأما عمي فالأمر معه قريب، وسأرده وأكفيك ما تخافه منه، ومع هذا فدبر أمرك تدبيراً يصلحه مع صاحبنا وصاحبك. فقال له: أشر علي يا سيدي. فقال: استعطف الوزير. قال: قد فعلت. قال: زد، وليس بكثير أن تغرم في هذه القصة خمسين ألف دينار، وإن احتجت إلى مالي في ذلك فهو بين يديك. فتكره وقال: أريد التوثقة منك. فقال له أخي: ما تجد عندي خلافاً عليك إلا أن اليمين غير مباركة وما بنا إليها حاجة، وفي الأقوال الصادقة والآراء الصافية غنىً وكفاية. وقام فانصرف.
قال عبد الرحمن: ووافي ابن عبدون في بعض الأيام إلى أبي الحسن أخي، فلما
стр. 144
جلس قال له: قد فرغنا من أمر الرجل إن كانت منك مساعدة. فقال:
اللهم غفراً. وقمنا، وخلوا وتحدثا. ثم نهض ابن عبدون، وعدت أنا وإبراهيم ابن أيوب الكاتب إليه، فوجدناه مقطباً واجماً. فقال لنا مبتدئاً: ما أعجب ما نحن فيه! نعوذ بالله من البغي وجوالبه. ثم قال: وافانا هذا الرجل يعني ابن عبدون يريد أن يلفتنا عن ديننا، وذكر أن الخليفة قد استجاب إلى صرف ابن الفرات إن توليت ديوانه، فقلت له: يا هذا، إن صرفت ابن الفرات ازددت بصرفه رزقاً وأجلاً، وإن لم أصرفه نقصني الله ما قرره لي؟ قال: لا. قلت: فإن تركتموني أُدبر هذا الأمر معكم وأقوم بما إلي منه، وإلا لزمت منزلي وأرحت نفسي. فانصرف متنكراً متسخطاً وقال: هذا الأمر يراد. ومضى ابن الفرات إلى العباس فأعطاه وأرضاه. وقد كان قال للمكتفي بالله: إن حال ابن الفرات قد عظمت، وأنا آخذ منه خمسين ألف دينار أردها في بيت مال الخاصة، وأُبقي عليه صدراً من نعمته. فقال له. نعمة ابن الفرات لي، ومتى أردتها أخذتها، وما يمكني إنشاء كاتب واصطناعه والرفع منه حتى يكون حاله الحال الذي يظن فيه. وكان ما قاله المكتفي بالله وفعله من أحسن ما روي وأُثر عن كل خليفة قبله. وقد كان خفيف السرمقندي الحاجب يقوم بأمر ابني الفرات ويعضدهما ويشد منهما، فقلما طمع في أبي الحسن وانبسطت الألسن فيه.
وحدث عبد الرحمن قال: لما عقد الأمر لأبي العباس عبد الله بن المعتز، ووزر له محمد ابن داود بن الجراح عمي تأخر أبو الحسن علي بن عيسى أخي عن الحضور، ووصلت مراسلة بالاستدعاء، وهو يأبى ويتوقف، حتى إذا زاد الإلحاح عليه وبلغه عن عبد الله بن المعتز أنه قال: علي بن عيسى متأخر عنا ليمضي إلى جعفر، فإن كانت
стр. 145
له خلص عمه، وإن كانت لنا خلصه عمه. وليس كذلك. فإنه لات حين مناص صار إلى القوم. فلما لم ير ابن الفرات قال لمحمد بن داود: ما فعل ابن الفرات؟ قال له: وأية فائدة في حضوره؟ قال: كل فائدة، وستعلم ما تكون عواقب تأخره وأنه لا يكون هلاك الجماعة إلا على يده. فكأن قوله وافق قدراً. ولما انتقض أمر ابن المعتز ووزر أبو الحسن بن الفرات وأُخذ علي بن عيسى ومحمد بن عبدون وحملا إلى دار بدر اللاني، كتباً رقعة إلى ابن الفرات ترجماها: لعبديه محمد بن عبدون وعلي بن عيسى. فعاد الجواب: فهمت هذه الرقعة يا أبا الحسن علي بن عيسى أطال الله بقاءك. وأدام عزك وسعادتك، وأنت تعلم ما يلزمني من حقك، وما أنا عليه لك، ولن أدع ممكناً في تخليصك واستنقاذك وردك إلى أفضل ما كنت عليه إلا أتيته وبلغته وقضيت حقك به. ولم يذكر محمد بن عبدون بشيء، فلما وقفا على ذلك لطم محمد بن عبدون على رأسه وقال: قتلني والله. وكان الأمر كما قال: ولم يدع ابن الفرات المنافسة في الرئاسة والغيرة على الوزارة حتى نفي علي بن عيسى إلى مكة. وحدث عبد الرحمن قال: لما ثقل علي أبي الحسن بن الفرات أمر سوسن وبلغه عنه عمله على الإيقاع به وشروعه لمحمد بن عبدون في الوزارة، خوف المقتدر
стр. 146
بالله منه، وأعلمه أنه على الوثوب به، وأنه كان على تقديم عزمه منه إلى أن سأله أنوش بن الحرهان كاتب سوسن أن يؤخر ذلك في هذا اليوم لعيد له، ووقع الاتفاق بيهم على الإيقاع بك وبي وبجماعة معنا في يوم الثلاثاء المقبل بعد يوم الموكب، وقرر ذلك في نفسه وحققه عنده، فلما كان يوم الاثنين لثمان بقين من رجب ركب المقتدر بالله إلى الميدان، ومعه تكين الخاصة ونازوك وغريب الجيلي ورائق وياقوت، وقد ضمن ابن الفرات لتكين أن يقلده مصر إن ساعده على أمر سوسن. وأحس سوسن بما يدبر عليه ويراد به، فتحرز في أمره ودخل الميدان ولم ينزل عن فرسه، ولعب مع الخليفة ساعة بالصولجان، ثم مضى إلى صافي الحرمي يعوده من شيء وجده، وتبعه مؤنس الخازن والغلمان، فلما نزل إلى صافي وكان في آخر الميدان قبض عليه تكين الخاصة.
قال عبد الرحمن: حدثني تكين الخاصة عند اجتماعنا بمصر، وقد جرى ذكر سوسن وتجبره وعتوه قال: فلما مضى إلى صافي بادرت كأني معه، ونزل فمددت يدي إلى منطقته كأنني أتوكأ عليها، فجذبتها، وأخرجت سكيناً معي فقطعتها، وحصلت مع السيف في يدي، وسلبه الغلمان ما كان عليه، ودفعناه حتى أدخلناه باب الميدان، فعند ذلك بكى، وحمل الخدم السلاح، ووكل بداره، واجتمع من كان خلفه وصار في حيزه من الغمان، فخرج إليهم خادم وقال: مولانا يقول لكم: أنتم غلماني وخاصتي، وهذا عبدي ومملوكي، وقد بلغني عنه ما أريد موافقته عليه، وأنا لكم بحيث تحبون. فدعوا وقالوا: الأمر لمولانا. وتفرقوا ولم يعد منهم قول بعد ذلك. وقرر ابن الفرات في نفس المقتدر بالله دخول محمد بن عبدون وعلي بن عيسى
стр. 147
مع سوسن فيما كان عمل عليه وهم به. فأما محمد بن عبدون فإنه أنفذ من حمله من الأهواز إلى الحضرة. قال عبد الرحمن: فحدثني من سمع ابن الفرات يقول له: والله لأقتلنك. وابن عبدون يقول: يكفي الله ويعفو الوزير. فقال: لا والله. ما فيها إلا التلف وحسبنا الله ونعم الوكيل. وحبس أياماً يسيرة وأخرج ميتاً وطرح في مشرعة الساج عند داره، ووجد عند غسله وقد أكل لحم ذراعية فما طالت الأيام حتى أصاب من ساعد ابن الفرات على أمره مثل ذلك. فأما أبو الحسن علي بن عيسى فكتب بحمله إلى الكوفة، وأقام بها إلى وقت الموسم، وخرج إلى مكة وقد وكل به حبشي بن إسحاق السجان.
وحدث أبو علي عبد الرحمن قال: وزر أبو الحسن بن الفرات، وارتفاع ضيعته وضيعة أخيه أبي العباس نحو مائتي ألف دينار، وصرف بعد أربعة وعشرين شهراً. وقد بلغ ثمانمائة ألف دينار وكسراً. وذلك بما استضافه واجتذبه من الأملاك والضياع. ووجد له أبو علي الخاقاني عند تقلده بعده في الدواوين والودائع نحو ثلاثة آلاف ألف دينار أكثرها محمول من بيت مال الخاصة الذي بنى له المعتضد بالله، وكان قلعة قد صب في أنقالها الرصاص. ومات وقد اجتمع فيه تسعة آلاف ألف دينار وكسر، وكان نذر عند بلوغ ذلك عشرة آلاف ألف دينار أن يترك عن أهل البلاد ثلث الخراج في سنة البلوغ، وأضاف المكتفي بالله إلى هذه الجملة في أيام خلافته سبعة آلاف ألف دينار حتى تكامل المبلغ ستة عشر ألف دينار وكسراً. ومات المكتفي بالله، وتفرق المال
стр. 148
وتمزق. وقيل: إنه وجد فيما وجد من ودائع ابن الفرات ما هو بختوم أبي خراسان فرغان الخادم خازن المعتضد على بيت مال القلعة. وذلك أن الأمر فيما كان يحول إلى حضرة المقتدر بالله ويخرج إلى مجلس العطاء زاد علي الحد. وخرج عن الضبط. قال عبد الرحمن: وقرأت توقيعاً لفاطمة القهرمانة خرج إلى ابن الفرات تقول فيه: أمر أمير المؤمنين بحمل أربعين بدرةً عيناً من بيت مال الخاصة إلى حضرته. وتوقيع ابن الفرات في آخره بامتثال المرسوم فيه، وكانت لهذا التوقيع نظائر كثيرة، وابن الفرات يحتال لنفسه في أمثال ذلك، حتى قيل إنه أخذ من بيت مال القلعة ألف ألف دينار. وأطلق منها لعبد الله بن جبير مائة ألف دينار، ولأصطفن بن يعقوب كاتب بيت مال الخاصة وخليفة دانيال بن عيسى كاتب مؤنس الخادم الملقب بالمظفر مائة ألف دينار. قال عبد الرحمن فحدثني أبو الحسن سعيد بن عمرون سنجلا أن رزق ابن جبير لما كان يكتب وهو بين يدي ابن الفرات في مجلس من مجالس ديوان الخراج خمسة وعشرون ديناراً. فلما تقلد ابن الفرات الوزارة بلغ به مائة دينار وأن رزق يعقوب بن اصطفن كان في أيام مؤنس وهو ينوب عن دانيال بن عيسى عشرة دنانير. ثم بلغ أربعين ديناراً في وزارة ابن الفرات الثانية، فظهر لهما من الحال ما قدر فيها ألف ألف دينار.
وحكى عبد الرحمن بن هشام بن عبد الله الملقب بأبي قيراط كاتب ابن الفرات على ديوان بيت المال أنه قال له في بعض الأيام سراً: قد وقفت على أنه قد اقتطع من بيت مال الخاصة ألف ألف دينار. وحمله ما حول منه. فعلم من قوله اطلاعه
стр. 149
على القصة، وقال له: لن تعدم نصيبك يا أبا القاسم. وأوصل إليه في أوقات مائة ألف دينار عظمت بها حاله، وابتاع منها ضياعاً جليلة بنواحي واسط، حتى كتب إلى القاهر بالله يخطب وزارته فدفع رقعته إلى أبي العباس الخصيبي وسأله عنه، فقال: هذا رجل جاهل أخذ من المال في أيام ابن الفرات كذا وكذا المبلغ الذي ذكرناه وأنا أستخرجه منه. وانصرف ووقع إليه: قد رسم تقليدك بعض الدواوين فاحضر. فقدر ان رقعته قد حركت أمره، وبادر فقبض عليه، وأخذ خطه بمائة ألف دينار، أدى بعضها وكتب على ضيعته بباقيها ونفاه إلى الموصل.
وحدث أبو علي عبد الرحمن قال: فلما حصل أبو الحسن أخي بمكة خرجت للحج وتجديد العهد به، ووصلت إليه واجتمعت معه، وورد عليه كتاب ابن الفرات بالإذن له في الحج، لأنه كان محبوساً في داره، ممنوعاً من التصرف على إيثاره، ووافى بعد أيام أبو الحسن عبيد الله بن عيسى أخي في الرفقة الأخيرة، فسأله أخي عن شخوصه من مدينة السلام ووقته. فقال: خرجت في آخر الناس لاحتباسي على لقاء ابن الفرات ووداعه. فقال عبد الرحمن: فلما كان يوم الأربعاء لست خلون من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين مضيت إلى المسجد الحرام ارتفاع النهار، وصليت وطفت وسعيت وعدت إلى المسجد، وجلست عند باب السهميين، فوافاني خادم لنا أسود شيخ يقال له مقبل غلام الجدة، واستنهضني فنهضت إلى جوار المسجد، وقال لي: اعلم أن سيما الفلاني من غلمان الحجر لقيني الساعة وهو صديقي وأعلمني سراً أن ابن الفرات قد قبض عليه. فورد علي من السرور ما لم أتمالك نفسي، وبادرت
стр. 150
إلى أبي الحسن أخي، وهو جالس يسبح. فعرفته ما عرفني. فقال: ويحك، من أين له هذا؟ قلت: قد أخبرتك بما خبرني به، وما عنده زيادة عليه. فقال: امض إلى أبي الحسين أخيك وسله عما عنده. فمضيت إليه وحدثته. فقال: ما خلق الله لذلك أصلاً وأنا آخر من ودعه وهو جالس للمظالم على أجل حال وأنفذ أمر. فقال أبو الحسن أخي: فاقصد ابن مجاشع المنفق وسله. ففعلت، وكان قولاً وقول أبي الحسين واحداً. وأمسكنا، وشاع ذلك بمكة، وكثرت به الأراجيف. فلا والله ما كان إلا عند وصولنا إلى الحاجر راجعين حتى وافى مؤنس الورقاني صاحب السرية ليلا لتلقي الحاج. فقال: أبشروا يا معاشر الحاج، قد قبض على ابن الفرات، واتفق أن كان قريباً مني، والليل يحجر بينه وبين معرفتي، فقلت له مبادراً: ومتى كان ذلك يا مبارك؟ فقال: يوم الأربعاء السادس من ذي الحجة. فورد علي من قوله وموافقه اليوم الذي سمعت فيه ما سمعته ما عجبت منه واستطرفته، ووجدت هذا الحديث مشاكلاً حديث الرشيد في موته بطوس وانتشار خبره بمدينة السلام في يومه. والحديث ماثور مشهور. وأنشدت لأبي الحسن ابن الفرات:
معذبتي هل لي إلى الوصل حيلةٌ ... وهل لي إلى استعطاف قلبك من وجه
فلا خير في الدنيا وأنت بخيلةٌ ... ولا خير في وصلٍ يكون على كره
وقال جعفر بن حفص: مضيت قاصداً حتى رأيت أبا العباس بن الفرات وأبا الحسن أخاه ينظران في الأعمال، فنظرت إلى حفظ لأمر الدنيا لم أر مثله، ولو رآهما من تقدم من الكتاب لعلموا أنهم لم يروا مثلهما.
стр. 151
وذكر أبو علي الصولي قال: خرجت يوماً مع أبي العباس النوفلي من دار أبي الحسن بن الفرات مع صلاة المغرب، فخرج معنا فراشان بشمعتين، فلما نزلنا إلى السميرية دفعا الشمعتين إلى غلماننا، فرددناهما وامتنعنا من أخذهما، فقالا: قد أمرنا بأن ندفع إلى كل من يخرج من الدار عند اصفرار الشمس شمعةً. فقلنا: قد قبلناهما ووهبناهما لكما. فقالا: تريدان أن نعاقب ونصرف؟ وتركاهما ومضيا.
وحدث أبو الفضل بن الوارث قال: لما قبض على أبي الحسن بن الفرات في وزارته الأولى نظرنا فإذا هو يجري على خمسة آلاف إنسان ما بين مائة دينار في الشهر إلى خمسة دراهم، ونصف قفيز دقيقاً إلى عشرة أقفزة. وحدث أبو العباس أحمد بن العباس النوفلي وكان جليساً لبني الفرات قال: سمعت الوزير أبا الحسن قبل الوزارة يقول: ما رأيت أحداً قط في داري أو على بابي ليس لي عنده إحسان إلا كنت أشد اهتماماً بإيصال ذلك إليه منه والاحتيال له. وحكي أن أبا الحسن بن الفرات ألس يوماً للمظالم في سنة ثمان وتسعين ومائتين. فتقدم إليه خصمان في دكاكين بالكرخ. وتأملهما فقال لأحدهما: أرفعت إلى قصة في سنة اثنتين وثمانين في هذه الدكاكين؟ ثم رجع فقال له: سنك تصغر عن هذا. فقال: ذاك أبي. فقال: نعم، قد كان رفع قصةً فوقعنا له فيها. ثم وقع بإخراج رفع القصص والتوقيعات في سنة اثنتين وثمانين من الديوان. وقال للخصمين: كونا ها هنا. قال بعض من حضر المجلس: فلما خرجت
стр. 152
من عند الوزير أبي الحسن سمعت أحدهما يدعو له. فقلت له: ما شأنك؟ قال: لما سمع خصمي بهذا فر وعلم أن التوقيع كان بتسليم الدكاكين إلى أبي.
وقال الحسين الخادم المعروف بالمخلدي: سمعت خفيفاً لسمرقندي الحاجب يقول للمكتفي بالله: الخليفة الماضي لم يستغن عن ابني الفرات ووزيره عبيد الله ابن سليمان، كيف تستغني أنت عنهما ووزيرك القاسم؟ قال القاضي أبو علي التنوخي: أنشدني أبو الحسين علي بن هشام لنفسه لما قتل أبو الحسن بن الفرات:
فرات غاض من آل الفرات ... ففاض عليه دمع المكرمات
سماءٌ غودرت في بطن أرضٍ ... وبحر غاض في بعض الفلاة
عسى الأيام آخذةً بثأرٍ ... فتأخذ لي بثأر المأثرات
وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو الحسين علي بن هشام قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات يتحدث في مجلسه قال: كنا بعد وفاة أبينا وقبل تصرفنا مع السلطان نقدم إلى بغداد من سر من رأى فنقيم بها المدة بعد المدة، ونتفرج ثم نعود، وننزل إذا وردنا شارع عمرون بن مسعدة بالجانب الغربي، فبكرنا يوماً نريد بستاناً، فإذا بخالد الكاتب والصبيان يولعون به، وقد اختلط وهو يرجم ويشتم، ففرقناهم عنه، ومنعناهم منه، ورفقنا به، وسألناه أن يصحبنا وأنزلنا أحد غلماننا من مركوبه وأركبناه، وحملناه إلى البستان. فلما أكل وسكن وجدناه متماسك العقل، بخلاف ما رأيناه عليه، وظنناه به، وسمعناه عنه، فقلنا له:
стр. 153
ما الذي يلحقك؟ فقال: أكثر آفتي هؤلاء الصبيان فإنهم يزيدون علي حتى أعدم بقية عقلي وأصير إلى ما شاهدتموه مني. وأخذ ينشدنا لنفسه، ويورد الحسن من شعره. وطاب لنا يومنا معه. وأحب أخي أن يمتحنه في قول الشعر، وهل هو على ما كان أم قد اختل، فقال له: أريد أن تعمل شيئاً في الفراق الساعة، فأخذ الدواة وفكر وقال:
عيني أكنت عليك مدّعياً ... أم حين أزمع بينهم خنت
إن كنت فيما قلت صادقةً ... فعلى فراقهم ألا بنت
وحدث محدث عمن حضر مجلس أبي الحسن بن الفرات في يوم من أيام نظره أن نسوةً رفعن إليه قصةً يشكون فيها رقة أحوالهن، وانتسبن إلى أنهن بنات ابن رستم، فقدر أنه ابن رستم كاتب كان بسر من رأى، ووقع بأن يجري عليهن دقيق ودراهم في كل شهر. فلما انصرفن قال له أحد الكتاب: ليس هؤلاء النسوة بنات ابن رستم الذي أشار الوزير إليه، وإنما هن بنات ابن رستم الذي كان مع بغا الشرابي. فقال: ليكن من كن فقد أخذن رزقهن، وإن حضر أولئك أجرينا لهن أيضاً وأحسنا إليهن.
وحدث أبو الحسين أحمد بن محمد بن ميمون قال: كنت بحضرة أبي الحسن ابن الفرات في بعض العشايا، فقط الفراش الشمعة التي كانت بين يديه قطاً استعجل فيه، فسقط منها شرار قرب منه، وخاف الفراش فمضى مبادراً، وتبعه خادم كان يرؤس على حواشيه لينكر عليه ويضربه، فصاح الوزير به وقال له: عد إلى مكانك، أتراه البائس تعمدني بما فعل واعتقد أن يحرقني؟ وإنما اتفق ما اتفق على سبيل الغلط.
стр. 154
وحدث أبو الحسين قال: عرض أبو أحمد المحسن على أبيه عملاً من أعمال المغرب الذي كان يتولى ديوانه، وقد أخطأ المحرر له فكتب سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وأراد سنة ثلاث وثلاثمائة. فقال الوزير أبو الحسن: هذا غلط وكان يجب أن يكون سنة ثلاث وثلاثمائة. فأظهر المحسن الغيظ على الكاتب، فقال له الوزير: كأني بك عند خروج وقد استدعيته ووبخته وعنفته. فبحياتي عليك إن فعلت وعامل كتابك وأصحابك بفضل الحلم وحسن العشرة ولطف القول فإن الناس لا يخلون من السهو. وكانت عادته جاريةً مع كتابه إذا وقف لهم على خطأ فيما يعملونه أن يواقف صاحبه عليه من غير إنكار ولا تهجين، ثم يسلم العلم إليه ليتولى إصلاحه، وإن طعن أحدهم على صاحبه في عمله أنكر قوله ورده وسهل على المطئ خطأه وأقام فيه عذره. وحدث محدث أن أحمد بن أيوب صاحب خبره رفع إليه يذكر أنه كان له في وزارته الأولى سبعة دنانير برسم النوبة. فلما تقلد الخاقاني قطعها وجعلها لرجل أسماه وسأله ردها عليه، فوقع على ظهر رقعته: أما إسقاط الرجل المثبت فلا أراه ولا أستجيزه، ولكن اطلب رسم رجل ساقط بأكثر من هذا الرزق لأوقع لك به، وقد بلغني أن هذا البائس قد التزم على ما أثبت باسمه جملةً. ثم وقع لأحمد بن أيوب بمثل ما كان له. وعرض عليه كتاب من صاحب ديوان الجيش أو صاحب الإعطاء يذكر فيه أنه قد توفر من جاري جماعة من المشايخ والزمني ومن يجري أمره هذا
стр. 155
المجري أسقطوا نحو خمسمائة دينار، فوقع على ظهره: إن كان هؤلاء أسنوا وأصيبوا في طاعة السلطان وخدمته فليمض أمرهم، أو كانوا بدلاء ودخلاء أقيموا مقام غيرهم فليصدق عن صورتهم. ثم أتبع ذلك بأن قال: أمض أمر جماعتهم، ولا تسقط أحداً منهم فإنني أكره أن أقطع معيشة إنسان.
وعمل قوم من الكتاب لأحمد بن العباس بن عيسى بن شيخ وكان رجلاً كبيراً مغفلاً توقيعاً بتضمينه آمد وجميع ما كان إلى عيسى بن شيخ وتقلد. ونقل غلمانه من برسم الأحرار إلى رسم المماليك، وزيادته في أرزاقه وأرزاق من معه، وضم جماعة من الرجال إليه، وصار الشيخ إلى ديوان المغرب، وتنجز الكتب وأخرجت له الخروج، وبينما هو في ذلك شك أبو أحمد المحسن في بعض ما عرض عليه، واستثبت أباه فيه، فأنكره واستعظم الإقدام عليه بمثله، وأمر بإحضار الشيخ. فلما حضر غلظ عليه في القول وقال له: ما حملك على هذا القول؟. فقال: خدمتك وأن أظهر كفايتي عندك، وأراك قد استكثرت لي هذا العمل، وهذا بلد لم نزل نتولاه، وقد تقلده أخي وابن أخي وما أنا بدونهما. وأقبل يخاطبه مخاطبة المحاج المناظر لا الجاني المحاذر. فضحك منه عندما سمعه من قوله. وعلم أنه استغفل واحتيل عليه. فقال له: عرفني من أخرج هذه التوقيعات لك، فأقر على جماعة من الكتاب، أحضر بعضهم وحبسوا أياماً ثم أطلقوا، ولم يعرض للشيخ ولا لحقه منه مكروه. وحدث محدث أن بنات محمد بن سعيد الأزرق الأنباري الكاتب الذي
стр. 156
كان يتقلد أمر الجيش وقبض عليه مع أصحاب عبد الله بن المعتز، ومات في حبس مؤنس رفعن إلى أبي الحسن بن الفرات أن وكيلاً كان لأبيهن غلبهن على ماله وأنكرهن إياه، وابتاع عقارات ومستغلات به. فنظر إليهن نظراً رق فيه لهن، ودمعت عيناه عطفاً عليهن ورأفة بهن، وتقدم بإحضار الوكيل. فلما حضر خاطبه على ما ادعينه عليه، فأنكر أن يكون محمد بن سعيد خلف في يده مالاً، وجحد ذلك جحداً شديداً. وأمر الوزير أحد أصحابه بالمسألة عن حال الرجل وما كان يتصرف فيه قبل أن يصحب محمد بن سعيد، وما تصرف فيه بعده، وإعلامه ذلك على صحة. فامتثل صاحبه ما رسمه له، وعاد وعرفه أن هذا الوكيل ما تصرف قبل محمد بن سعيد ولا معه ولا بعده تصرفاً يقتضي كسبه الذي في يده. فأعاد إحضاره، ولم يزل يراوضه إلى أن اعترف عنده ببعض ما ادعي عليه، وأشهد لبنات محمد بن سعيد بشيء من العقار الذي كان ابتاعه. فأحياهن بما استخلصه لهن، وسترهن بما أعاده إليهن.
وذكر أبو القاسم بن زنجي أن أبا الحسن بن الفرات خوطب في معنى أسماء بنت عيسى أخت أبي الحسن علي بن عيسى وزوجة علي بن محمد بن داود، وعرف رقة حالها واختلال أمرها، فرد عليها الضيعة المقبوضة عن محمد بن داود بكوثي ونهر درقيط، وأجرى عليها خمسمائة درهم في كل شهر من ماله. فلما تقلد أبو الحسن علي بن عيسى أخوها منعها ذلك. ووجدت ثبتاً بما كان أبو الحسن بن الفرات يخاطب به السيدة والأمراء وأولاد الخلفاء والولاة والكبراء وأصحاب الأطراف وعمال الأعمال وسائر الطبقات في كتبه توقيعاً به إليهم أيام وزراته الثالثة. وقد تغيرت الرسوم ووهت الأمور
стр. 157
ووقع التسمح منه فيما كان من قبل يضايق فيه، فأوردته متعجباً ومعجباً من التفاوت الشديد بين ما كان وبين ما نحن عليه الآن، فإننا اليوم في انخراق قد زاد وأسرف، وتمادى وما وقف، حتى أن الملوك ومن بعدهم من الوزراء قد أنفوا من ذكرهم بسيدنا، واستقلوا خطابهم بمولانا، فعدل الناس بأولئك إلى الحضرة الشريفة، والحضرة العالية والحضرة السامية، وبالوزراء إلى مثل ذلك. ثم كنوا عن الخلفاء بالموقف الأشرف المقدس، وذكروه بالمقام الأطهر النبوي، ونقلوا الملك إلى الأشرف والأعظم. وقالوا في الدعاء: نوره الله ونصره الله: إلى ما بعد ذلك من المغالاة والمبالغة، وانتهت هذه الحال إلى أن شاركهم فيها الأكابر من أصحاب الأطراف، ووقفوا بالوزارة على الحضرة السامية. ثم ألحقوا بها: المظفرة والمنصورة، مع النسبة إلى الألقاب كالوزيرية والعميدية والكمالية، وما أرى هذا المجرى، وداخلهم في ذلك من يتلوهم من خلفائهم، وأصحاب الجيوش وأمراء العرب والأكراد. واتسع هذا الباب، فدخل فيه كل من أراد من غير احتشام ولا ارتقاب. ولا أعرف معنى للموقف ولا الحضرة، لأنه إشارة إلى غير شخص متمثل، وعبارة عن غير محسوس متشكل، وما الذي يتعلق بالمخاطب من ذلك؟ أم أي موضع للدعاء إذا كان لما لاحظ له فيه، ولا عائدة عليه منه؟ ولقد استخير من هذا الأمر ما لا جمال فيه، ولا جلالة ولا عظم ولا فخامة. وإنما يشار إلى الحضرة والموقف كما يشار إلى الباب الذي يطرقه الزوار والوفود، والمجلس الذي يكون فيه المثول والقعود والمقام الذي يكون فيه الحضور والوقوف. فأما الخلفاء فذكرهم بالسادة وأمير المؤمنين التي لا يشاركون فيها، ولا يجاذبون عليها أولى وأعلى من هذه الفقاقيع التي لا تفيد معنى. وأما الملوك والوزراء فذكرهم بالسيادة والملك والوزارة وما هو جار ذلك المجرى
стр. 158
كان أحرى ولخلصوا من المشاركة الواقعة، وحصلت لهم منزلة الانفراد بهذه السمة الرائعة، وإنما تبين الرتب إذا تفاوتت، وتظهر المنازل إذا تباينت، وأما أن يبتدر الرئيس والمرؤوس بحالة واحدة، ويجروا في طريقة جامعة، فإن ذلك يدعو إلى التساوي ويخلط الأدون بالعالي، ولو أعيد الوقوف بالخلفاء على: سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، وأفراد الملوك بمولانا الملك، واقتصر بالوزراء على: سيدنا الوزير، واتبع في ذلك ما كان معهوداً من قبل، وطبق من بعدهم على حكم منازلهم، وقدر مواقعهم، لكان التمييز موجوداً، والاختلاط مفقوداً، على أنه لم يكن يعرف فيما مضى مولانا، ولا مولاي، ولا سيدين وإنما كان التكاتب والتخاطب بالدعاء فقط. ولقد بلغني أن بعض خواص المقتدر بالله رحمة الله عليه سأل أبا الحسن علي بن عيسى زيادة أحد العمال المتقدمين في خطابه، وكان يخاطبه: بأعزك الله، فامتنع عليه امتناعاً شديداً، وعاوده حتى وعده. وكتب إلى الرجل: بأعزك الله. ممدود ما بين العين والزاي فقال ألم يعدني الوزير بالزيادة؟ قال: قد فعلت. قال: في أي شيء؟. قال: كنت أجمع بين العين والزاي. وقد مددت بينهما مدةً وهي الزيادة. فكان القوم على هذه الصورة من المناقشة ليبين الترتيب فيها ويلوح التطبيق في مجاريها. فأما عصرنا هذا فقد اختلفت الرسوم وانقلبت الأعيان فيه، وقلت المراعاة لما كانت موكولة به، وصارت ملوكه المدبرون للأمر يخاطبون وزراءهم بمولاي الأجل وزير الوزراء أدام الله علوه.
стр. 159
ومن بعدهم من أصحاب الجيوش وأمراء العرب والأكراد، وخلفاء الوزراء ومن جرى مجراهم بالأجل. على الكناية. ويجمعون في الأجل بين وجوه الكتاب والأتراك والحواشي وحتى القضاة والشهود. فأما الألقاب فقد خرجت عما يحاط به ويوصف أو يأتي عليه حصر، وصار لقب الأصغر أعظم من لقب الأكبر. ومن أنموذج هذا الإفراط والاختلاط أنني كنت أشاهد الوزراء في آخر أيام عضد الدولة، وأيام صمصام الدولة يذكرون عنهما بأبي فلان فلان بن فلان أدام الله عزه. وأراهم وأرى خلفاءهم وأصحاب الدواوين ونطراءهم وزعماء الجيوش ومن يتلوهم من القواد وخواص الناس من سائر الأصناف ينزلون من دوابهم في الباب العام من دار المملكة في أماكن ما يقنع اليوم بما كان الوزراء إذ ذاك منها كاتب طائفة من الأتراك، وكان البوابون يدعون بدابة الوزير غلام الأستاذ، مطلقاً بغير كنية. ومن بعده بالكني الذين يفضلون في مراتب أربابها بإعلاء الصوت وخفضه. وبعد المدى وقربه، ويقتصرون في الأقل الأدنى على اللفظ المدغم الذي لا يرفع ولا يكاد يسمع، هذا فيمن يتميز أدنى تميز. فأما الجمهور الأكبر فلا يفعل معهم ذلك، وأوسط الكتاب والحواشي يدعى بدابته اليوم بغلام الرئيس الأجل، والأجل مع اللقب إن كان، مع غير تمييز ولا ترتيب. لا جرم أن الرتب قد نزلت لما تساوت، وسقطت لما توازت. ولم يبق لها طلاوة يشار إليها ولا حلاوة يحافظ عليها. حتى لقد بلغني عن مولانا الخليفة القائم بأمر الله أطال الله بقاءه أنه قال: لم تبق رتبة لمستحق.
стр. 160
ومن أطرف طريف أن السلطان أطال الله بقاءه يذكر القضاة والشهود بالأجل والجليل. وقاضي القضاة يوقع إليهم بما يقول فيه: أبو فلان فلان بن فلان أيده الله يفعل كذا. ومعلوم أن ذلك مما يتفاوت ويتباين ولا يتناسب، وعهد وأنا أوقع في قصص المتظلمين في أيام صمصام الدولة عن أبي إسحاق جدي في ديوان الانشاء إلى قضاة الحضرة الناظرين فيها: أبو فلان فلان بن فلان القاضي أعزه الله، والقاضي مؤخر، وربما تقدم لمن تميز. وإلى قضاة النواحي: فلان بن فلان الحاكم، بغير كنية ولا دعاء ولا ذكر قضاء. وأما المناشير فلم تجر العادة فيها بذكر أحد بكنية ولا دعاء. وقد فعل في زماننا ذلك على الزيادة والتناهي. والعلة في ألا يذكر الناس بالكنية والدعاء أن ذكر السلطان يكون فيها بألقابه خاصةً من دون الدعاء، فلا يجوز أن يقع التميز عنه. فظاهر قولنا: هذا كتاب من فلان لفلان، إخبار عن الكتاب ولذلك يقال في الكتب عن الخلفاء: من عبد الله أمير المؤمنين إلى فلان، إما بلقب ونية بغير لقب أو باسم دون الكنية واللقب. ولا يدعى للمكتوب عنه حتى إن استتم التصدير استوقف الدعاء بعد قولهم: أما بعد. فقيل: أما بعد، أطال الله بقاءك وأمتع بك. وما شاكل ذلك وما كان الأصل. فما تغير عن الرسوم الصحيحة واستوقف من هذه الفقاقيع الطريفة إلا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان. فإن القادر بالله صلوات الله عليه منعه
стр. 161
بعد فخر الملك أبي غالب من مخاطبة أحد من الوزراء بمولانا. فلما ورد أبو محمد بن سهلان إلى بغداد كتب إليه: بسيدنا. فأنكر أبو محمد ذلك، ورمى بالرقعة وقال: يزيدني وينقصني عما كان يخاطب به أبا غالب، لا أرضى بهذا ولا أقبله ولا أقرأ له رقعة به. ومضت مدة فكتب إليه: بالحضرة العالية الوزيرية على ما يكتب الآن فاستنكر ذلك وقال: هذا فرار من: مولانا. ولا أقنع به. فقيل له: هذا أجل وأعظم، وأعلى وأفخم، وما منعك من: مولانا. إلا لأن الخليفة حظر عليه خطاب أحد بمولانا سواه. فقبل هذا القول وتصور زيادةً به لا نقيصةً. فاقتفى الناس أثره فيه. ثم أخرج أبو الحسن في ذكر الخليفة: الحضرة المقدسة النبوية. اختراعاً جعله قربةً فصار سنةً، وأشرك به: السدة النبوية. ومضى من هذا الفن ما خرق به العرف والعادة، وأسقط معه القوانين القديمة المعهودة، وتجاوز هذه المنزلة إلى أن صارت كتابته عن الخليفة بالخدمة، وتصرف في ذلك حتى قال: قالت الخدمة، وفعلت الخدمة، وسئلت الخدمة. حتى رأيت بخط أبي الحسن بن أبي الشوارب القاضي في ترجمة رقعة: خادم الخدمة الشريفة فلان بن فلان. ومضى من يعرف الأصول، ونشأ من لم يعرف ولم يسمع إلا بهذه الفروع، فخالها الصحيح، وتعدى الأمر من حال إلى حال، في الباطل والانتقال، حتى أفضى هذا إلى الاختلال والانحلال.
стр. 162
المخاطبات عن أبي الحسن بن الفرات
أولاد المقتدر بالله: أطال الله بقاء الأمير. والدعاء عدة سطور. والترجمة: عبده، علي بن محمد، بغير كنية، السيدة أم المقتدر بالله: مثل ذلك، الخالة: أطال الله بقاء الخالة. والدعاء عدة سطور. والترجمة: للخالة أطال الله بقاءها. من علي بن محمد، أولاد المعتضد بالله والمكتفي بالله: أطال الله بقاءك يا سيدي. والدعاء عدة سطور والترجمة: لأبي فلان، بأجل دعاء، من علي بن محمد. ثمل وزيدان القهرمانتان: أطال الله بقاءك. ويتمه بثلاثة سطور دعاء. والعنوان: لثمل أو لزيدان القهرمانة، من أبي الحسن. ثم زاد زيدان خاصة: يا أختي. نصر بن أحمد صاحب خراسان، وثلاثة أسطر هي: أطال الله بقاءك، وأدام عزك وتأييدك، وسعادتك وكرامتك، وسلامتك وعافيتك، وأتم نعمته عليك، وزاد في إحسانه إليك، وفضله لديك، وجميل مواهبه عندك، وجزيل قسمه لك، وجعلني من كل سوء ومكروه فداك، وقدمني قبلك. والفصول: أدام الله عزك. وفي آخر الكتاب: فإن رأيت ... والعنوان: لأبي فلان، أطال الله بقاءه وأدام عزه وتأييده وسعادته وسلامته ونعمته. من علي بن محمد بلا كنية. مؤنس المظفر: أطال الله بقاءك، وأعزك وأكرمك، وأتم نعمته وإحسانه
стр. 163
إليك. العنوان: لأبي الحسن أطال الله بقاءه، من أبي الحسن. أبو القاسم نصر الحاجب وأبو القاسم يوسف بن داود ابن أبي الساج لما جمعت له أعمال أرمينية وأذربيجان والري وقزوين وزنجان وأبهر.
أطال الله بقاءك، وأدام عزك، وأكرمك، وأتم نعمته عليك وأدامها لك والعنوان: لأبي القاسم أدام الله عزه نصر الحاجب مولى أمير المؤمنين، من أبي الحسن.
شفيع اللؤلؤي وشفيع المقتدري وبشر الشرابي وبدر الحرمي ومفلح الأسود وهارون بن غريب الخال وأحمد بن بدر العم ونازوك وياقوت: أعزك الله وأطال بقاءك، وأكرمك وأتم نعمته عليك. العنوان: لأبي فلان أعزه الله. من أبي الحسن. فلان مولى أمير المؤمنين، أمير الشام وأجنادها، والمسمعي، ومن يتقلد فارس وكرمان، وصيف البكتمري وهو يتقلد جند قنسرين والعواصم وأنطاكية ونجح الطولوني. أمير أصبهان، ومن يتقلد الموصل وقردي وبزبدي وديار ربيعة: أعزك الله ومد في عمرك وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك. العنوان: لأبي فلان أدام الله كرامته. من يتقلد ديار ربيعة وديار مضر مفرداً، وأمراء الثغور الشامية، والثغور الجزرية، محمد بن أحمد بن بدر العم، وأمير واسط، محمد بن عبد الله الفارقي، أمير البصرة، وأحمد بن هلال صاحب عمان، أمير همذان وماه البصرة وماه الكوفة والإيغارين، غريب الجيلي، وغريب الكبير، وأبناء رائق وفريد إذا لم يكونوا ولاة:
стр. 164
مد الله في عمرك وأكرمك، وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك. العنوان: لأبي فلان أكرمه الله. أمير الرحبة وهيت وعاملها، وعمال المشرق، وأمير ماسبذان، ومهرجان نقذق، أمير الطيب وقرقوب وجوخي، المسمعي صاحب أيذج والبنيان وواسط والزموم: أكرمك الله وابقاك، وأتم نعمته عليك، وأدامها لك. العنوان: لأبي فلان أعزه الله. عبد الله بن حمدان، وجعفر بن ورقاء، ومن يجري مجراها إذا لم يكونوا ولاة: مد الله في عمرك، وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك. العنوان: لأبي فلان أدام الله كرامته. ولباقي القواد: أكرمه الله. صاحب اليمن والتيز ومكران، والمتقلد الكوفة وأعمالها: أكرمك الله ومد في عمرك، وأتم نعمته عليك وأدامها لك. العنوان: لأبي فلان أكرمه الله.
أبو أحمد المحسن ابن الوزير: أطال الله بقاءك. وتمام سطرين. العنوان: لأبي أحمد أطال الله بقاءه وأدام عزه وتأييده وسعادته. وباقي الولد بمثل ما يدعى لمؤنس إلا ابن دولة الأصغر فإنه كان يكتب على العنوان: لأبي علي أبقاه الله طويلاً في عافية وسلامة. وكذلك كان يكتب عبيد الله بن سليمان إلى القاسم ابنه إلى أن استخلفه على الوزارة.
стр. 165
أصحاب الدواوين
ثلاثة طبقات الطبقة الأولى: مثل شفيع المقتدري وطبقته.
الطبقة الثانية: مثل المسمعي وطبقته.
الطبقة الثالثة: مثل عامر ديار ربيعة.
العمال
عامل مصر مثل أميرها، عامل الشام مثل أميرها، عامل فارس مثل أميرها، عامل أصفهان مثل أميرها، عامل البصرة مثل أميرها، عامل الثغور مثل أميرها، عامل الأهواز إذا اجتمعت أعمالها مثل عامل فارس، عامل الري مثل عامل أصفهان.
فأما حامد بن العباس فكان يجري في الدعاء مجرى أمير الشام وعاملها، إلى أن أرفق ابن الحواري وأم موسى القهرمانة وأصحاب الدواوين مالاً جليلاً فألحق بصاحب مصر، ودعاؤه: أدام الله عزك وأطال بقاءك وأكرمك وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك. العنوان: لأبي محمد أطال الله عزه حامد بن العباس. من أبي الحسن
القضاة
أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول، وأبو عمر محمد بن يوسف: أعزك الله وأكرمك، وأتم نعمته عليك وأدامها لك. والعنوان: لأبي فلان أدام الله كرامته فلان بن فلان، من أبي الحسن.
стр. 166
أبو محمد الحسن بن عبد الله بن أبي الشوارب، وأبو عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي: مد الله في عمرك وأدام كرامتك، وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك. العنوان: لأبي فلان أدام الله كرامته فلان بن فلان. من أبي الحسن. أبو عبد الله بن أبي موسى وأبو الحسين عمر بن الحسن الأشناني وإليهما إذ ذاك القضاة في نواح جليلة وهما مقيمان بالحضرة وأبو طالب بن البهلول قاضي مصر إذا كان واحداً، والقاضي بفارس، والقاضي بالأهواز إذا اجتمعت له أعمالها، والقاضي بأصبهان والقاضي بالري: مد الله في عمرك وأكرمك وأتم نعمته عليك وأدامها لك. العنوان: لأبي فلان، أكرمه الله فلان بن فلان. من أبي الحسن. قاضي الجبل سوي الري وقاضي مهرجا نقذق وماسبذان وقاضي واسط ومن يجري مجراهم: أكرمك الله وأبقاك وأتم نعمته عليك وأدامها لك. العنوان: لأبي فلان أبقاه الله فلان بن فلان. فأما قضاة طساسيج السواد إذا فرقت طسوجاً طسوجاً: حفظك الله وأبقاك وأمتع بك. والعنوان: لأبي فلان حفظه الله. ومن الجانب الآخر: فلان بن فلان.
أصحاب المظالم والحسبة وأسواق الرقيق والعيار والمواريث على طبقتين. الطبقة الأولى: من يتولى مصر والأهواز أو فارس أو الري وأعمالهما وأصبهان، وخطابهم: أكرمك الله وابقاك، وأتم نعمته عليك وأدامها لك. والعنوان: لأبي فلان، أبقاه الله فلان بن فلان من أبي الحسن.
الطبقة الثانية: باقي المحتسبة والمطالبين: حفظك الله تعالى وأمتع بك.
عامل طساسيج السواد، وعامل المستغلات بالحضرة، وعامل الجوالي بها، وعامل سوق الغنم، وعامل دار البطيخ والقطن: مثل المحتسبة، إلا ابن بطحا محتسب الحضرة وسوق الرقيق خاصةً فإنه يجري مجرى الطبقة الأولى:
стр. 167
الذراع والمهندسون إذا اجتمع لواحد منهم أعمال كثيرة فخطابهم: حفظك الله وأبقاك، وأمتع بك. وإذا كانوا ذا عمل واحد: حفظك الله وعافاك. والعنوان: لأبي فلان أكرمه الله. ويبيض الجانب الآخر. المستحثون؛ يدعى لهم مثل ما يدعى للذراع الجليل. التجار المبتاعون للغلات: عافانا الله وإياك من السوء. والعنوان: إلى فلان ابن فلان، بغير كنيه. المنفقون في الإعطاء إذا جمعت للواحد منهم أعمال مصر أو أعمال الشام كلها أو الأهواز أو فارس أو الري أو الجبل أو أصفهان فخطابهم: أكرمك الله وأبقاك، وأتم نعمته عليك وأدامها لك. والعنوان: لأبي فلان أبقاه الله فلان بن فلان. من أبي الحسن. وإذا كان إليهم ما دون ذلك: فأبقاك الله وحفظك وأتم نعمته عليك. والعنوان: لأبي فلان حفظه الله، فلان بن فلان، من الجانب الآخر. يوسف بن فنحاس، وهارون بن عمران وزكريا بن يوحنا وجهابذة الحضرة، يوقع إليهم توقيع: أبقاك الله. وعلى رأسه: أبو فلان فلان بن فلان أبقاه الله.
صاحب ديوان البريد والخرائط، مثل الطبقة الثالثة من كتاب الدواوين، وإذا تقلد البريد على الوزير وأصحاب الدواوين قائد أو خادم، وانفرد بذلك دون غيره مما هو أجل منه، كوتب: أعزك الله وأطال بقاءك وأكرمك، وأتم نعمته عليك وإحسانه إليك.
стр. 168
فأما أبو مروان عبد الملك بن محمد بن عبد الملك الزيات الخرائطي فكان يتولى ديوان الخرائط المسمى ديوان البريد وحده ثلاثين سنة، وكان يكاتب: مد الله في عمرك، وأكرمك، وأتم نعمته عليك، وأدامها لك.
أصحاب البرد وسائر النواحي
الطبقة الأولى ممن يتقلد الأعمال الجليلة: أكرمك الله، ومد في عمرك، وأتم نعمته عليك وأدامها لك. والعنوان: لأبي فلان فلان بن فلان، أكرمه الله، من أبي الحسن. والطبقة الثانية منهم: أكرمك الله وأبقاك، وأتم نعمته عليك وأدامها لك. والطبقة الثالثة: حفظك الله وأبقاك وأمتع بك. وعلى مثل ذلك يكاتب أصحاب الخرائط في النواحي. وأصحاب الوزير الذين من قبله: أبقاك الله.
وحدث أبو علي بن هبنتي القنائي قال. كان بشر بن علي كاتب حامد صديقاً لي ولأبي يعقوب أخي. فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة في الدفعة الثالثة، واستعرت الدنيا ناراً بشر ابنه المحسن، وتسلطه وتبسطه، طلب بشراً وأبا محمد بن عينونة في جملة من طلبه، وتتبعه وكبس عليه واستقصى في أمره. فأما بشر فإنه أخذ لنفسه عند القبض على حامد صاحبه بأن استتر وأخفى نفسه وشخصه. وأما ابن غينونة فإنه حصل عندي حصولاً لم أعلم أخي به خوفاً من أن يحلف فيدل عليه. واتفق أن كتب أخي إلى بشر رقعةً ضمنها كل إرجاف وفضول وما اطلع
стр. 169
عليه من تقرر الأمر لأبي القاسم الخاقاني وقرب تقلده إياه، وأنه قد أحكم له ما يريد منه. وأجابه بشر في تضاعيفها بما شاكل الابتداء من غير تحفظ ولا تحرز، فاختلطت الرقعة بين يدي أخي بمكاتبات وحسبانات ضيعته وغير ذلك مما لا فكر فيه.
وكتب أبو أحمد عبيد الله بن محمد أخو أبي إبراهيم موسى بن محمد وكان يتولى نصيبين إلى المحسن بما قال فيه: إن أردت ابن عينونة وعبد الرحمن بن عيسى ابن داود فهما عند ابن القنائي. فما شعر أبي وأخي في يوم الأحد النحس إلا بمريب خادم المحسن قد كبسهما في جماعة من الرجالة، وفتش جميع الدور والحجر والبيوت، ولم يبق غايةً إلا بلغها في الاستقصاء والاحتياط. فلما لم ير أحداً عدل إلى ما كان بين أيديهما من رقاع وحساب، فجمعه وحمله إلى المحسن، وفي جملته رقعة بشر المشتملة على العجائب. ورأى أخي ذلك، فمات في جلده، ولم يقصد داري أحد اكتفاءً بما جرى على دار أبي وأخي، وعلم ابن عينونة، وكان في الوقت سكران لا فضل فيه لحركة.
فحدثني أبو منصور فرخانشاه صهرنا قال: كان خبر الرقعة عندي، وقد علمت أنها حصلت في جملة ما أخذه مريب من الرقاع التي بين يدي أبي يعقوب. فأنا على مثل النار للإشفاق عليه منها، ولم أزل أمشي خلف مريب وهو متأبط لما أخذه إذا انسلت الرقعة بعينها بتفضل الله جل وعز من بين سائر الكتب والرقاع، وسقطت إلى الأرض ولم يشعر مريب بها، وأخذتها أنا وبادرت إلى مستراح وطرحتها فيه، وهدأت نفسي عند ذلك. قال أبو علي بن هبنتي: ومضى أبي وأخي مع مريب إلى المحسن، ووقف على الكتب والرقاع وقرأها، فما وجد شيئاً أنكره وخاطبهما بالجميل والاعتذار، وعرفهما السبب الذي من أجله أنفذ إليهما. وكتب
стр. 170
الوزير أبو الحسن أبوه ينكر عليه ما فعل، وانصرفا مكرمين، وزالت البلية المخوفة بانسلال تلك الرقعة من بين الرقاع المأخوذة، ولله الحمد والمنة.
وحدث أبو علي قال: خرج إلي في يوم من أيام وزارة أبي الحسن علي بن الفرات الأخيرة وقد ابتدأ المحسن ابنه في مصادرة الناس وقتلهم، وقتل أحمد بن حماد الموصلي وغيره سعيد وعبد الله إبنا الفرخان، وأنا في ديوانهما فقالا لي: كنا الساعة مع الوزير في أمر طريف. قلت: فما هو؟ قالا: قال لنا: عمل أبو معشر مولدي، وحكم فيه بأشياء عظيمة صحت كلها وقال: إن علي في سنة سبعين من عمري نكبةً عظيمة يكون سببها بعض ولدي وأنا في السبعين. وقد دخل هذا الفتى أعني المحسن ولده من مكاره الناس فيما نسأل الله السلامة من عاقبته. قلت لهما: فأي شيء قلتما له؟ قالا: ما قلنا له شيئاً. قلت: قد غششتماه، فإنه كان يجب أن تشيرا عليه بقبض يده وصرفه، وأن يستعمل من الخير ما يقربه إلى الله وإلى الناس. قالا: لم نجسر على أن نواجهه بهذا الرأي، ولكن أباك متمكن منه، فقل له حتى يشير عليه به. فقلت: أبي لا ينكب بنكبته، وأنتما أولى بالاشفاق عليه، وعلى نفوسكما. قال أبو علي: وكنت قد حصلت طالع وقت نظره ومولده المحسن ابنه. فجلعت أنظر فيهما وأسير الكواكب منهما حتى عرفت من ذلك يوم نكبته، وصرت إلى أبي بشر بن فرجويه قبل ذلك بخمسة عشر يوماً فذكرته له ونبهته عليه، وحذرته من أن يقع كما وقع في الدفعة الوسطى. فقال لي: ما أصنع وأنا منوط بهذه الأعمال التي ترى. وبماذا أحتج على صاحبي؟ قلت: تعالل وتأخر. قال: لا يتم لي ذلك إلا بأمره. قلت: فالله الله أن تحكي له ما عرفتك إياه شيئاً؛ فإنه يقبح مواجهته به. ولكن اذكر ما عليه الناس من
стр. 171
الإرجاف، وما يتحدث به من كون الاختلاط، وما جرى عليك حين أخذت من المكروه الغليظ في جسمك، وأنك تخاف أن يلحقك مثله فتتلف وتستأذنه في التعالل والتأخر. فإني ألازم الديوان مع خليفتك أبي محمد المادرائي ولا أفارقه حتى يقضي الله بما هو قاض. قال: نعم. واجتمعنا من غد فخلا معي وقال لي: جاريت الوزير ما جرى بيننا على جهته فقال لي: من قال لك هذا؟ فإنه قد صدق فيه وأصاب، ونصح لك في الرأي، لأن أبا معشر حكم في مولدي بنكبة مريخية في سنة سبعين، وهذه سنة سبعين، وقد بقي من الأيام إلى الوقت الذي قاله أبو معشر كذا وكذا يوماً؛ قلت: فلان. قال: قد سرني أن كان في هذه المنزلة من الصناعة، فاقبل ما أشار به ولا تخالفه، فأنا ماض الآن لأستتر، فالزم أنت الديوان ولا تخل به، ومن سألك عني عرفه أنني عليل حتى ننظر ما يكون. قلت: استخر الله. ثم مضى واستتر أياماً، ثم لم أشعر به إلا وقد حضر الديوان، فسألته عن سبب حضوره مع قرب المدة. قال: أرجو ألا يكون لما حكمت به وحذرت منه أصل، ومتى تطاول انقطاعي عن صاحبي لم آمن من فساده علي. فما مضت شهد الله خمسة أيام حتى قبض على ابن الفرات، وكان تقديري له أن ينكب في يوم الاثنين، فنكب في يوم الثلاثاء بعد يوم التقدير، وحصل في الحبس، وأفلت أبو بشر. فحدثني الموكل كان بابن الفرات قال: مكث أياماً كاسف البال شديد الاشفاق، حتى إذا كان يوم ضربت فيه عنقه جزع جزعاً شديداً وقال لي: ويحك، جاء الوزير اليوم؟ قلت: لا. قال: أرجو الله وأتوكل عليه. فسألته عن قصته. قال: قد حكم لي أبو معشر في مولدي أنني متى سلمت
стр. 172
في هذا اليوم انحسرت المحنة عني، وزالت المخافة علي، وتجددت لي حال جميلة، فأنا قلق إلى أن يتصرم النهار. فما زال على هذه الصورة حتى سمع الحركة وأصوات الرجال والغلمان. فقال لي: ما الخبر؟ قلت. الأمير نازوك قد حضر. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت والله. ولم يكن بأسرع من أن دخل عليه فضربت عنقه. وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: تظلم إلى ابن الفرات في وزارته رجل من أهل السواد من بعض العمال. وذكر أن ضيعته قطيعة، ورسمها قديم، وأنه قد عومل فيها على معاملة الإستان، وسأل إنصافه وإزالة الظلم عنه، وحمله على رسمه، وكتب إليه رقعة في هذا المعنى، فوقع عليها بإخراج الحال. فأخرج من ديوان السواد خرج حكي فيه: أنه رجع إلى جماعة العامل للسنة الماضية فوجد في التخريج: قد أجرى فيها البيدر الذي تظلم لأجله على معاملة الإستان. فلما عرض ذلك على أبي الحسن عرفه وجوب الحجة عليه، وأن العامل لم يتحيفه فيما فعله. وأقام على الظلامة، وأن غلته لم تقسم في السنة الماضية إلا على مقاسمة
стр. 173
القطائع. وكان يكثر من الحضور في أيام جلوسه للمظالم
ويعاود التظلم، ويقف له في الطريق، ويسأله تأمل أمره والتقرب إلى الله تعالى بإنصافه. فلما ألح وألحف تقدم إلى أحمد بن يزيد المدير بأن يحضره جماعة العامل لينظر فيها بنفسه. فأحضره إياها، وتأملها وتتبعها، وحسب مبلغ ما يجيء من الغلة في سائر أعمال الناحية على أن تلك الغلة جارية في معاملة الاستان ومبلغ ما يجب فيها على رسم القطائع، ووجد الحيلة قد وقعت من بعض أعداء أصحاب الضيعة في حك موضع رسمها في القطائع وإثباته في الإستان. فاستدعى صاحبها وأعلمه بالصورة، وأن الذي أراد الإساءة به وإفساد معاملته لم يحسن التأتي لذلك، لأنه اقتصر على إصلاح موضع قسمة الغلة دون تتبع مواضع الحمل، وأن رسمه صحيح لا شبهة فيه. فشكره ودعا له، وسأله الكتاب إلى العامل بإجرائه على رسمه في القطائع. فتقدم به. ثم عرفه أنه يتخوف أن يثبت في ديوان الناحية ما حمل من غلتها على غير الرسم الصحيح، وسأله التوقيع بإطلاقه له ورده عليه. فوقع له بذلك، وكان الرجل يدعو لابن الفرات ويقول: أي وزير يتفرغ لي حتى يتتبع جمل الجماعة من أولها إلى آخرها، ويحصل ارتفاع الناحية بأسرها حتى يظهر له موضع الحيلة علي؟ وكان عبيد الله بن الحسن النرسي رفع جماعته لأعمال السيب الأعلى لسنة اثنتين وثمانين ومائتين إلى ديوان الخراج، فنظر فيها أحمد بن محمد الهرلج الكاتب، وعمل لها معاملة تحصيل، فوجد بقايا المعاملة شديدة الاضطراب، فقابل بها الجماعة لم يجد فيها خطأً، فقال: لا بد أن يكون لهذا الاضطراب سبب، وتتبع مواضع الجمل التي تقتضيها معاملة التحصيل، فكان قد عقد جملة النفقات في المعاملة بألوف دنانير، وأرج النفقات التي عقد منها تلك الجملة، فعجزت ألفا وثلاثمائة دينار. وأخرج الباب إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، وكانت إليه خلافة أبي العباس أحمد بن محمد أخيه على ديوان الخراج، فأحضر أحمد بن إبراهيم بن أفلح العكبري كاتب النرسي، ووقفه على ذلك، فلم تكن له حجة فيه، وعرف النرسي ما جرى، فلام كاتبه وقال له: لا بد من أن تقف على دستور الجماعة وأقابلك عليه. وكان النرسي عاملاً كاتباً فهماً بالحساب، وتقابلا، فوجد النرسي أحمد بن إبراهيم كاتبة قد أغفل عند التحرير الاحتساب بألف وثلاثمائة دينار انصرفت في النفقة على بثق بالسيب الأعلى. فصار إلى أبي الحسن بن الفرات ووقفه على موضع السهو من الكاتب، وأعطاه رفع الداريج بالنفقة، فلم يقبل أبو الحسن ذلك منه. ثم استظهر بالرجوع إلى ما رفع من هذه الجملة إلى مجالس الأصل والجماعة والسودان، فكانت النسخة واحدةً، وقد أغفل إيراد هذه النفقة في كل منها، فألزمه المال كملاً، ولم يلتفت إلى ما أحضره إياه من رفع الداريج. وهذا حق في حكم الكتابة لا يدفع. د التظلم، ويقف له في الطريق، ويسأله تأمل أمره والتقرب إلى الله تعالى بإنصافه. فلما ألح وألحف تقدم إلى أحمد بن يزيد المدير بأن يحضره جماعة العامل لينظر فيها بنفسه. فأحضره إياها، وتأملها وتتبعها، وحسب مبلغ ما يجيء من الغلة في سائر أعمال الناحية على أن تلك الغلة جارية في معاملة الاستان ومبلغ ما يجب فيها على رسم القطائع، ووجد الحيلة قد وقعت من بعض أعداء أصحاب الضيعة في حك موضع رسمها في القطائع وإثباته في الإستان. فاستدعى صاحبها وأعلمه بالصورة، وأن الذي أراد الإساءة به وإفساد معاملته لم يحسن التأتي لذلك، لأنه اقتصر على إصلاح موضع قسمة الغلة دون تتبع مواضع الحمل، وأن رسمه صحيح لا شبهة فيه. فشكره ودعا له، وسأله الكتاب إلى العامل بإجرائه على رسمه في القطائع. فتقدم به. ثم عرفه أنه يتخوف أن يثبت في ديوان الناحية ما حمل من غلتها على غير الرسم الصحيح، وسأله التوقيع بإطلاقه له ورده عليه. فوقع له بذلك، وكان الرجل يدعو لابن الفرات ويقول: أي وزير يتفرغ لي حتى يتتبع جمل الجماعة من أولها إلى آخرها، ويحصل ارتفاع الناحية بأسرها حتى يظهر له موضع الحيلة علي؟ وكان عبيد الله بن الحسن النرسي رفع جماعته لأعمال السيب الأعلى لسنة اثنتين
стр. 174
وثمانين ومائتين إلى ديوان الخراج، فنظر فيها أحمد بن محمد الهرلج الكاتب، وعمل لها معاملة تحصيل، فوجد بقايا المعاملة شديدة الاضطراب، فقابل بها الجماعة لم يجد فيها خطأً، فقال: لا بد أن يكون لهذا الاضطراب سبب، وتتبع مواضع الجمل التي تقتضيها معاملة التحصيل، فكان قد عقد جملة النفقات في المعاملة بألوف دنانير، وأرج النفقات التي عقد منها تلك الجملة، فعجزت ألفا وثلاثمائة دينار. وأخرج الباب إلى أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، وكانت إليه خلافة أبي العباس أحمد بن محمد أخيه على ديوان الخراج، فأحضر أحمد بن إبراهيم بن أفلح العكبري كاتب النرسي، ووقفه على ذلك، فلم تكن له حجة فيه، وعرف النرسي ما جرى، فلام كاتبه وقال له: لا بد من أن تقف على دستور الجماعة وأقابلك عليه. وكان النرسي عاملاً كاتباً فهماً بالحساب، وتقابلا، فوجد النرسي أحمد بن إبراهيم كاتبة قد أغفل عند التحرير الاحتساب بألف وثلاثمائة دينار انصرفت في النفقة على بثق بالسيب الأعلى. فصار إلى أبي الحسن بن الفرات ووقفه على موضع السهو من الكاتب، وأعطاه رفع الداريج بالنفقة، فلم يقبل أبو الحسن ذلك منه. ثم استظهر بالرجوع إلى ما رفع من هذه الجملة إلى مجالس الأصل والجماعة والسودان، فكانت النسخة واحدةً، وقد أغفل إيراد هذه النفقة في كل منها، فألزمه المال كملاً، ولم يلتفت إلى ما أحضره إياه من رفع الداريج. وهذا حق في حكم الكتابة لا يدفع.
стр. 175
وكان أبو الحسن علي بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل كتب إلى الوزير أبي أحمد العباس بن الحسن وهو يتولى له أعمال البصرة كتاباً عدد فيه آثاره، وذكر أنه قد عقد صدقات أراضي العرب بالبصرة لسنة ثلاث وتسعين ومائتين بمائة ألف وعشرة آلاف دينار، وأن غيره عقد ذلك لسنة اثنتين وتسعين ومائتين ستةً وتسعين ألف دينار. وأخرج الكتاب إلى ديوان الخراج، فنظر بعض كتاب المجالس فيه، ورجع إلى مواقفة أبي الحسن بن أبي البغل لسنة اثنتين وتسعين ومائتين، فوجدها مرفوعة لعشرة أشهر من هذه السنة، وقد أورد فيها من مال الصدقات نيفاً وثمانين ألف دينار. ثم كتب بعد ذلك بما ارتفع إلى وقت انقطاع العرب، فكان تتمة تسعين ألف دينار ونيف. ونظر في جماعته لسنة اثنتين وتسعين ومائتين، فكان ما عقده من ارتفاع مال الصدقة في أرض العرب مثل ذلك، واتفق ما أوجبته المواقفة وتضمنته الكتب الواردة. وأخرج في ذلك خرجاً إلى ابن الفرات. وكان ابن الفرات يقصد ابن أبي البغل، ويتبع عثراته، ويبدي مساويه، لميله كان إلى أبي الحسن علي بن عيسى وعمه أبي عبد الله محمود بن داود، ومحمد بن عبدون، وانحرافه عن ابني الفرات. فلما وقف أبو الحسن بن الفرات على ما أخرجه الكاتب. دعا بالجماعة والكتاب، وقابل على ما ذكر في الباب، فوجده صحيحاً لا شبهة فيه. والتمس من ابن عمر خازن الديوان كتاب ابن أبي البغل بالتقدير لسنة ثلاث وتسعين ومائتين وكل كتاب له يتضمن التقدير. فحمل إليه ثلاثة كتب في ذلك قد، أورد فيها آثاره، وزيادة تقدير مال الصدقة لسنة ثلاث وتسعين ومائتين على عبرتها لسنة اثنتين وتسعين ومائتين. فلما قرأ ابن الفرات الكتب أمره بتحرير الخراج وإنقاذه إلى
стр. 176
الوزير أبي أحمد. فلما قرأه الوزير أمر بمطالبة ابن أبي البغل بالمال، وكتب إليه فيه كتاباً طويلاً عمل في الديوان، فأجاب عنه بأن الارتفاع الذي ذكره في كتبه الوزير بالتقدير، ونسبه إلى العبرة لسنة اثنتين وتسعين ومائتين في الصدقة بأراضي العرب بالبصرة هو مع ارتفاع الشعبي والولدي، وأن الكاتب غلط في النقل ونسب جميع المال إلى الصدقة، وأنه إذا تؤمل ارتفاع الشعبي والولدي وجد ستة آلاف دينار وهو قدر الخلاف. وكتب إلى أصحابه المائلين إليه بنسخة جوابه ليعرفوا الصورة فيه ويعارضوا ابن الفرات في مجلس الوزير أبي أحمد بما أورده من حجته. وكان الوزير أبو أحمد أيضاً على عناية بابن أبي البغل شديدة. فلما وقف على الكتاب خاطب ابن الفرات في ذلك بحضرة الكتاب فقال: الآن وجب المال أيد الله الوزير ولزمه الخروج منه، لأنه اعترف بصحة ما أخرج، وادعى السهو الذي لا يقبل من العمال بعد نفوذ كتبهم بالارتفاع ورفعهم حسباناتهم به إلى الديوان. وضحك من المعارضين له ضحك متعجب منهم. وقال: ما ظننت أن أحداً يذهب عليه هذا الموضع أو يلحقه منه شك. فورد على القوم ما حيرهم وأدهشهم وقطعهم. وأمر الوزير حينئذ بإنفاذ الرنداق إلى ابن أبي البغل لمطالبته بالمال، وذلك بعد أن أحضر ابن الفرات الكتب والجماعات، وواقف الوزير والكتاب واعترفوا بكون الحق معه. وانحدر الرنداق إلى البصرة، وحمل ابن أبي البغل من داره إلى ديوان البلد وأقامه على ساق وعامله وخاطبه بما زاد فيه على ما أمر به، ولم يبرح حتى أخرج ابن أبي البغل المال إلى مجلس العطاء، وأطلق للجند وأورد جماعته سنة
стр. 177
ثلاث وتسعين ومائتين منسوباً إلى وجهه، وهو من العين ستة آلاف دينار وكسر.
وكان أبو الحسن بن الفرات في وزارته الأواى قلد نصر بن علي براز الروز والبند نيجين من أعمال طريق خراسان. فلما رفع الحسان بذلك إلى ديوان الخراج أخرج الكتاب عليه أنه احتسب في الجاري بربع العشر في الارتفاع وأوجبه عن ستمائة ألف درهم، ونظر في جماعته وما أورده فيها فوجد المال خمسمائة وسبعين ألف درهم. وأخرج عليه التفاوت بين المبلغين وهو ثلاثون ألف درهم. وأجمع الكتاب على مناظرته ومواقفته، فضج وقال: قد رضيت بحكم الوزير، طالعوه بالصورة، وأنقذوا إليه المؤامرة، وكان متخلياً في دار حرمه. فضحك وأمر بإيصال الجماعة إليه، وأصحاب المجالس يومئذ أبو القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني، وأبو منصور عبد الله بن جبير، وأبو الحسين الصقر بن محمد، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن سهل، فدخلوا ومعهم نصر بن علي فقال له ابن الفرات: ويلك يا نصر، عملت لنفسك مؤامرة، من كان أخذك بذكر الارتفاع؟ ولم لم تقبض جاريك وتمسك عنه؟ قال: أخطأت أيها الوزير. فقال: خطاؤك يلزمك المال. ثم ألزمه ربع العشر في الثلاثين وأخذ خطه به. وكان من طريق ما أخرج على نصر أيضاً أنه كتب عند تقلد براز الروز والبندنيجين فذكر أنه وجد في بعض البيوت من غلة السنة الماضية نحو من مائة كر بالمعدل حنطةً وشعيراً. ثم أورد في حسابه ستين كراً، فأوجب عليه التتمة. فقال: إنما كتبت: بنحو مائة كر. ورضي بحكم الوزير أبي الحسن.
стр. 178
فأنفذ الكتاب الخرج بذلك إلى حضرته. فوقع بخطه: النحو: من واحد إلى تسعة، فإذا تجاوز للعشرة لم يجز أن يقال فيه: نحو. فلما وقفوا على ذلك وضعوا عنه عشرة أكرار، وألزموه ثلاثين كراً حنطة وشعيراً.
وكان أبو أحمد الحسن بن محمد الكرخي يتقلد المسرقان من أعمال الأهواز في وزارة أبي أحمد العباس بن الحسن، فعملت له مؤامرة عرضت على أبي الحسن ابن الفرات، فلم يكن فيها على ما ذكر باب واحد يظهر وجوبه، وأخرج في باب المرافق ما جرت العادة بالتأول فيه. فقال أبو الحسن: هذا لا يخرج مثله كتاب الحضرة إذ كان رجماً لا يقوم على مثله بينة. وحضره المظفر بن المبارك القمي بعد مديدة قريبة، وقد كانت له ضيعة بالأهواز قد باعها على أبي الحسن ابن الفرات، فاستدعى منه حساب وكيله فيها ليستدل منه على رسومها ومعاملاتها، وجاءه به في بعض العشايا، فقرأه. ووجده للسنة التي كان الحسن بن محمد الكرخي مقلداً فيها. وقد احتسب الوكيل فيه نحو خمسمائة دينار، ونسبها إلى الحسن بن محمد وعماله وخلفائه على سبيل المرفق: فأنفذ في الوقت من أحضر الحسن بن محمد الكرخي وأحمد بن محمد بن سهل والصقر بن محمد وعبيد الله بن محمد الكلوذاني، فحضروا، ووجدوه يتميز غيظاً، ودعا بالمؤامرة التي كانت عملت للكرخي فاطرحها، وأقل المبالاة بها، وأخذ في مناظرته على ما أخرج من المرافق، فاحتج بما يحتج به مثله في ذلك، وعرض عليه الكتاب حساب ابن المبارك القمي وقال له: يا عدو الله يا خائن، يا لص، تأخذ من ضيعة واحدة ورجل واحد خمسمائة دينار مرفقاً وتقديرها نصف ارتفاعه! فكم أخذت من أهل الكورة؟ وما أحتاج أن أنظر في غير هذا. فبهت الحسن وورد عليه ما لم يكن في حسابه:
стр. 179
ثم قال: قد أخطأت وأنا بين يديك. فأخذ خطه طائعاً بعد أن قبل يده مراراً بسبعة آلاف دينار، فأدى من ذلك خمسة آلاف دينار. ثم استشفع على ابن الفرات، وعرفه سوء حاله وقصور يده، فسامحه بالبقية، ورد خطه عليه، وقلده بابل وخطر نية.
وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: حدثني أبي قال: كان أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات يكرمان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ويعرفان حقه وقدمته. فبعث إليه أبو الحسن في بعض الأيام مع أبي عبد الله محمد بن عبد الله ابن رشيد الكاتب بجملة وافرة، وحمله رسالةً جميلة يعده فيها بما يتلو ذلك ويتبعه من مراعاته وتفقده. قال ابن رشيد: فأوصلت المحمول إليه، وأوردت القول معه عليه. فشكر ثم شكر ثم قال فيه أبلغ قول، وكتب إليه:
أياديك عندي معظماتٌ جلائل ... طوال المدى، شكري لهنّ قصير
لئن كنت عن شكري غنياً فإنني ... إلى شكر ما أوليتني لفقير
قال: فقلت له: هذا أعز الله الأمير حسن. قال: أحسن منه ما سرقته منه. فقلت له: إن رأيت أن تعرفنيه فافعل. قال: حديثان حدثنا بهما أبو الصلت الهروي بخراسان عن أبي الحسن الرضا عن آبائه ﵈ قال: قال النبي ﷺ : أسرع الذنوب عقوبةً كفران
стр. 180
النعمة وبهذا الإسناد عن رسول الله ﷺ أنه قال: يوتي بعبد فيوقف بين يدي الله تعالى فيأمر به إلى النار فيقول: يا رب، لم أمرت بي إلى النار؟ فيقول: لأنك لم تشكر نعمتي. فيقول: يا رب، أنعمت بكذا فشكرت بكذا. فلا يزال يحصي النعم ويعدد الشكر. فيقول الله : صدقت عبدي، إلا أنك لم تشكر من أنعمت عليك على يديه. وانصرف ابن رشيد بالخبر إلى أبي الحسن، وهو في مجلس أبي الباس أخيه، وعرفه ما جرى، فاستحسن أبو العباس الحكاية عن عبيد الله، وبعث إليه بصلة أوفر من صلة أخيه على يدي ابن رشيد. فحكي أنه لما أوصل ذلك إليه سر سروراً شديداً وكتب إلى أبي العباس:
شكري لك معقود بإيماني ... حكّم في سري وإعلاني
عقد ضميرٍ وفمٍ ناطقٍ ... وفعل أعضاءٍ وأركان
قال: فقلت: هذا أحسن من الأول. فقال: أحسن منه ما سرقته منه. قلت: وما هو؟ قال: حدثني أبو الصلت الهروي بخراسان عن أبي الحسن الرضا عن أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عن الصادق عن الباقر عن السجاد عن السبط عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليم السلام. قال: قال رسول الله ﷺ : الإيمان عقد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان.
следующие страницы →