Полный текст (381 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الوزير أبي أحمد. فلما قرأه الوزير أمر بمطالبة ابن أبي البغل بالمال، وكتب إليه فيه كتاباً طويلاً عمل في الديوان، فأجاب عنه بأن الارتفاع الذي ذكره في كتبه الوزير بالتقدير، ونسبه إلى العبرة لسنة اثنتين وتسعين ومائتين في الصدقة بأراضي العرب بالبصرة هو مع ارتفاع الشعبي والولدي، وأن الكاتب غلط في النقل ونسب جميع المال إلى الصدقة، وأنه إذا تؤمل ارتفاع الشعبي والولدي وجد ستة آلاف دينار وهو قدر الخلاف. وكتب إلى أصحابه المائلين إليه بنسخة جوابه ليعرفوا الصورة فيه ويعارضوا ابن الفرات في مجلس الوزير أبي أحمد بما أورده من حجته. وكان الوزير أبو أحمد أيضاً على عناية بابن أبي البغل شديدة. فلما وقف على الكتاب خاطب ابن الفرات في ذلك بحضرة الكتاب فقال: الآن وجب المال أيد الله الوزير ولزمه الخروج منه، لأنه اعترف بصحة ما أخرج، وادعى السهو الذي لا يقبل من العمال بعد نفوذ كتبهم بالارتفاع ورفعهم حسباناتهم به إلى الديوان. وضحك من المعارضين له ضحك متعجب منهم. وقال: ما ظننت أن أحداً يذهب عليه هذا الموضع أو يلحقه منه شك. فورد على القوم ما حيرهم وأدهشهم وقطعهم. وأمر الوزير حينئذ بإنفاذ الرنداق إلى ابن أبي البغل لمطالبته بالمال، وذلك بعد أن أحضر ابن الفرات الكتب والجماعات، وواقف الوزير والكتاب واعترفوا بكون الحق معه. وانحدر الرنداق إلى البصرة، وحمل ابن أبي البغل من داره إلى ديوان البلد وأقامه على ساق وعامله وخاطبه بما زاد فيه على ما أمر به، ولم يبرح حتى أخرج ابن أبي البغل المال إلى مجلس العطاء، وأطلق للجند وأورد جماعته سنة
стр. 177
ثلاث وتسعين ومائتين منسوباً إلى وجهه، وهو من العين ستة آلاف دينار وكسر.
وكان أبو الحسن بن الفرات في وزارته الأواى قلد نصر بن علي براز الروز والبند نيجين من أعمال طريق خراسان. فلما رفع الحسان بذلك إلى ديوان الخراج أخرج الكتاب عليه أنه احتسب في الجاري بربع العشر في الارتفاع وأوجبه عن ستمائة ألف درهم، ونظر في جماعته وما أورده فيها فوجد المال خمسمائة وسبعين ألف درهم. وأخرج عليه التفاوت بين المبلغين وهو ثلاثون ألف درهم. وأجمع الكتاب على مناظرته ومواقفته، فضج وقال: قد رضيت بحكم الوزير، طالعوه بالصورة، وأنقذوا إليه المؤامرة، وكان متخلياً في دار حرمه. فضحك وأمر بإيصال الجماعة إليه، وأصحاب المجالس يومئذ أبو القاسم عبيد الله بن محمد الكلوذاني، وأبو منصور عبد الله بن جبير، وأبو الحسين الصقر بن محمد، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن سهل، فدخلوا ومعهم نصر بن علي فقال له ابن الفرات: ويلك يا نصر، عملت لنفسك مؤامرة، من كان أخذك بذكر الارتفاع؟ ولم لم تقبض جاريك وتمسك عنه؟ قال: أخطأت أيها الوزير. فقال: خطاؤك يلزمك المال. ثم ألزمه ربع العشر في الثلاثين وأخذ خطه به. وكان من طريق ما أخرج على نصر أيضاً أنه كتب عند تقلد براز الروز والبندنيجين فذكر أنه وجد في بعض البيوت من غلة السنة الماضية نحو من مائة كر بالمعدل حنطةً وشعيراً. ثم أورد في حسابه ستين كراً، فأوجب عليه التتمة. فقال: إنما كتبت: بنحو مائة كر. ورضي بحكم الوزير أبي الحسن.
стр. 178
فأنفذ الكتاب الخرج بذلك إلى حضرته. فوقع بخطه: النحو: من واحد إلى تسعة، فإذا تجاوز للعشرة لم يجز أن يقال فيه: نحو. فلما وقفوا على ذلك وضعوا عنه عشرة أكرار، وألزموه ثلاثين كراً حنطة وشعيراً.
وكان أبو أحمد الحسن بن محمد الكرخي يتقلد المسرقان من أعمال الأهواز في وزارة أبي أحمد العباس بن الحسن، فعملت له مؤامرة عرضت على أبي الحسن ابن الفرات، فلم يكن فيها على ما ذكر باب واحد يظهر وجوبه، وأخرج في باب المرافق ما جرت العادة بالتأول فيه. فقال أبو الحسن: هذا لا يخرج مثله كتاب الحضرة إذ كان رجماً لا يقوم على مثله بينة. وحضره المظفر بن المبارك القمي بعد مديدة قريبة، وقد كانت له ضيعة بالأهواز قد باعها على أبي الحسن ابن الفرات، فاستدعى منه حساب وكيله فيها ليستدل منه على رسومها ومعاملاتها، وجاءه به في بعض العشايا، فقرأه. ووجده للسنة التي كان الحسن بن محمد الكرخي مقلداً فيها. وقد احتسب الوكيل فيه نحو خمسمائة دينار، ونسبها إلى الحسن بن محمد وعماله وخلفائه على سبيل المرفق: فأنفذ في الوقت من أحضر الحسن بن محمد الكرخي وأحمد بن محمد بن سهل والصقر بن محمد وعبيد الله بن محمد الكلوذاني، فحضروا، ووجدوه يتميز غيظاً، ودعا بالمؤامرة التي كانت عملت للكرخي فاطرحها، وأقل المبالاة بها، وأخذ في مناظرته على ما أخرج من المرافق، فاحتج بما يحتج به مثله في ذلك، وعرض عليه الكتاب حساب ابن المبارك القمي وقال له: يا عدو الله يا خائن، يا لص، تأخذ من ضيعة واحدة ورجل واحد خمسمائة دينار مرفقاً وتقديرها نصف ارتفاعه! فكم أخذت من أهل الكورة؟ وما أحتاج أن أنظر في غير هذا. فبهت الحسن وورد عليه ما لم يكن في حسابه:
стр. 179
ثم قال: قد أخطأت وأنا بين يديك. فأخذ خطه طائعاً بعد أن قبل يده مراراً بسبعة آلاف دينار، فأدى من ذلك خمسة آلاف دينار. ثم استشفع على ابن الفرات، وعرفه سوء حاله وقصور يده، فسامحه بالبقية، ورد خطه عليه، وقلده بابل وخطر نية.
وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: حدثني أبي قال: كان أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات يكرمان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ويعرفان حقه وقدمته. فبعث إليه أبو الحسن في بعض الأيام مع أبي عبد الله محمد بن عبد الله ابن رشيد الكاتب بجملة وافرة، وحمله رسالةً جميلة يعده فيها بما يتلو ذلك ويتبعه من مراعاته وتفقده. قال ابن رشيد: فأوصلت المحمول إليه، وأوردت القول معه عليه. فشكر ثم شكر ثم قال فيه أبلغ قول، وكتب إليه:
أياديك عندي معظماتٌ جلائل ... طوال المدى، شكري لهنّ قصير
لئن كنت عن شكري غنياً فإنني ... إلى شكر ما أوليتني لفقير
قال: فقلت له: هذا أعز الله الأمير حسن. قال: أحسن منه ما سرقته منه. فقلت له: إن رأيت أن تعرفنيه فافعل. قال: حديثان حدثنا بهما أبو الصلت الهروي بخراسان عن أبي الحسن الرضا عن آبائه ﵈ قال: قال النبي ﷺ : أسرع الذنوب عقوبةً كفران
стр. 180
النعمة وبهذا الإسناد عن رسول الله ﷺ أنه قال: يوتي بعبد فيوقف بين يدي الله تعالى فيأمر به إلى النار فيقول: يا رب، لم أمرت بي إلى النار؟ فيقول: لأنك لم تشكر نعمتي. فيقول: يا رب، أنعمت بكذا فشكرت بكذا. فلا يزال يحصي النعم ويعدد الشكر. فيقول الله : صدقت عبدي، إلا أنك لم تشكر من أنعمت عليك على يديه. وانصرف ابن رشيد بالخبر إلى أبي الحسن، وهو في مجلس أبي الباس أخيه، وعرفه ما جرى، فاستحسن أبو العباس الحكاية عن عبيد الله، وبعث إليه بصلة أوفر من صلة أخيه على يدي ابن رشيد. فحكي أنه لما أوصل ذلك إليه سر سروراً شديداً وكتب إلى أبي العباس:
شكري لك معقود بإيماني ... حكّم في سري وإعلاني
عقد ضميرٍ وفمٍ ناطقٍ ... وفعل أعضاءٍ وأركان
قال: فقلت: هذا أحسن من الأول. فقال: أحسن منه ما سرقته منه. قلت: وما هو؟ قال: حدثني أبو الصلت الهروي بخراسان عن أبي الحسن الرضا عن أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عن الصادق عن الباقر عن السجاد عن السبط عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليم السلام. قال: قال رسول الله ﷺ : الإيمان عقد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان.
стр. 181
وعدت إلى أبي العباس فعرفته ما ذكره عبيد الله فاستحسنه. واتفق أن حضر المجلس ابن راهويه الفقية وكان متهماً بالنصب فقال: ما هذا الإسناد؟ فقال له ابن رشيد: هذا سعوط الشيلثا الذي إذا سعط به المجنون برأ.
قال أبو القاسم بن زنجي: قال لي أبو جعفر محمد بن القاسم بن الكرخي: قال لي أبو القاسم بن محمد: ما حضرت مجلس رئيس قط إلا ووعدتني نفسي بالقيام بما يقوم به والزيادة عليه إلا أبا العباس بن الفرات، فإنني كنت أعلم من نفسي لقصور عما يقوم به، لبراعته في كل حال، واستقلاله بالعظيم من الأعمال. وحدث أبو عبد الله زنجي قال: كان عبد الله بن الحسن النرسي وإخوته يتقلدون عدة نواح من سقي الفرات، فاستقصى عليهم أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات في المعاملة استقصاءً غلظ عليهم، وتخوفوهما معه، وعدلوا إلى استخصامهما ومظاهرة أعدائهما ومساعدتهم عليهما، وأقبلوا يذكرونهما ويذكرون ما في أيديهم من الضياع، وما يتحصل لهما من الارتفاع. فتقدم أبو العباس إلى أبي الحسن أخيه أن يعمل لما يتقلدونه من الأعمال عملاً، ويخرج ما يلزمهم من مردود الجاري والاحتسابات الباطلة، ولا يحتسب لهم إلا بالواجب الصحيح، ويرجع إلى ما كتب به أصحاب البرد والأخبار فيما وصل إليهم من الأموال والاستثناء على مبتاعي الغلات. فعمل ذلك وجوده، وأحضره أبو العباس، فوجده يشتمل على ثلاثمائة ألف دينار، فاستحسنه ووافقه على أن يجعله في الديوان، فأي وقت أنكر أحد من النرسيين أمراً أظهره. ولم يمض إلا أيام يسيرة حتى بلغ أبا العباس اجتماعهم مع محمد بن داود ومحمد بن عبدون وإفاضتهم في ذكره وذكر أخيه أبي الحسن، وأنهم قد جمعوهما على مخاطبة أبي القاسم عبيد الله بن سليمان في بابهما، وأن يضمنا له عنهم مالاً وافراً من ضياعهما، ولم يزالا بهما إلى أن خاطبا عبيد الله في ذلك. وواجهوا أبا العباس
стр. 182
وأبا الحسن بذكر الضمان، فثبت أبو العباس وأقل الحفل بهم، وقال لعبيد الله: هذا كلام فارغ لا محصول له، وتشنيع باطل لا حقيقة لشيء منه، وإنما دعاهم إليه الاستقصاء في المعاملة، وعليهم أيها الوزير ما اقتطعوه من أصول الأموال، وسرقوه من الغلات، وزادوه في الاحتسابات، ثلاثمائة ألف دينار، أنا أُصححها عليهم بالشواهد الظاهرة والدلائل الواضحة. فلما سمع ذلك عبيد الله خاف أن يتصل خبر المجلس بالمعتضد بالله رحمة الله عليه فسلمهم إليه ومكنه منهم. ووجه أبو العباس من وقته إلى دورهم من كبسها، وحمل ما كان فيها من الأعمال والحسبانات والكتب والرقاع. ونقلهم إلى ديوانه، وأقبل يناظرهم على باب باب مما أخرج عليهم، حتى أخذ خطوطهم به، وأحضر عبيد الله بن سليمان ذلك، فاستحسنه، وطولبوا بالمال فأدوه. قال أبو عبد الله زنجي: وقد كان النرسي الأكبر عبد الله بن الحسن صار إلي في بعض الأيام مسلماً علي، ثم سألني إجمال خلافته بحضرة أبي العباس ابن الفرات، وحفظ غيبه ومراعاة ما يجري من ذكره، ووضع غلامه بين يدي صرة فيها ثلاثمائة دينار، وتختين فيهما ثياب، وسامني قبول ذلك فامتنعت، وقال: إني لا أُكلفك أن تكشف لي سراً لصاحبك ولكن تشعرني بما يجري من ذكرنا فقط. فقلت: مت ضمنت لك هذا لم أف به، ولكنني أحسن المناب عنك، وأقضي ما يعرض من حوائجك ولا أُعلمك ذلك ولا أمتن به عليك. وأما هذا المحمول فعلي وعلي، وحلفت يمنيناً غموساً إن قبلته على وجه وسبب. فنهض وتركه بين يدي، وتقدمت إلى بعض غلماني بأخذه إتباعه به، ورده عليه، وحذرته من أن
стр. 183
يرجع وهو معه، فأبطأ الغلام طويلاً، ثم عاد وعرفني أنه لحقه، وقد نزل في دار بعض الوجوه، ولم يزل يسأله ويلطف به إلى أن تقدم إلى غلامه بأخذه. فلما قبض ابنا الفرات على النرسيين، وأُخذ ما كان في منازلهم من الأعمال والكتب وحمل إلى دارهما، وميزاه، وجدا فيه ثبتاً بما بر به النرسيون أسبابهما. قال أبو عبد الله: وكنت جالساً قريباً من أبي العباس، ومعي أبو منصور وأبو نوح عبد الله وعيسى ابنا جبير وجماعة من الكتاب، فأنا أحدثهم بحديث قد شغلني عما سواه إذ وقع هذا الثبت في يد أبي العباس فأخذه وأنفذه إلى أبي الحسن أخيه، وهو قريب منه، وقال: انظر فيه هل ترى إسماً لصاحب الزاي يريد زنجي فقرأه وتأمله ثم رده عليه وقال: ما فيه ذكر له. فأعاده إليه ثانياً وقال: اردد نظرك فيه. فأعاد قراءته ورده وقال: ماله فيه ذكر. كل هذا ولا أعلم صاحب الزاي من هو، حتى قال لي أبو منصور بن جبير: أيها المشغول بالحديث قد افتضح اليوم الخلق غيرك، واسودت الوجوه وابيض وجهك. فقلت: بماذا؟ قال. وجد فيما أخذ من دور النرسيين
تبت بما رفعوه إلى واحد واحد من أسباب أستاذنا ولم يوجد لك فيه ذكر ولا اسم. فحمدت الله وشكرته على ما وفقني له. ولما فرغ أبو العباس دعاني إلى حجرة خلوته، فدخلت وهو جالس، ومعه أخوه أبا الحسن، فشكراني على خروجي من جملة من قبل بر النرسيين وجزياني خيراً عن حفظ الأمانة، واستقامة الطريقة، وخاطباني أجمل خطاب ووعداني أحسن وعد، وحلفا على أنني قد أصبحت لديهما كأحدهما. ولم تزل الحال تزيد معها وعندهما إلى آخر المدة. وكان النرسيون بفضل عدواتهم لهما قد توصلا إلى بر كتابهما وخزانهما
стр. 184
وغلمانها والفراشين والقهارمة في دورهما، ومن يتولى نفقات حرمهما، حتى لا يخفى عليهم شيء من أمورهما في خلواتهما ولا مجالس أعمالهما. بما رفعوه إلى واحد واحد من أسباب أستاذنا ولم يوجد لك فيه ذكر ولا اسم. فحمدت الله وشكرته على ما وفقني له. ولما فرغ أبو العباس دعاني إلى حجرة خلوته، فدخلت وهو جالس، ومعه أخوه أبا الحسن، فشكراني على خروجي من جملة من قبل بر النرسيين وجزياني خيراً عن حفظ الأمانة، واستقامة الطريقة، وخاطباني أجمل خطاب ووعداني أحسن وعد، وحلفا على أنني قد أصبحت لديهما كأحدهما. ولم تزل الحال تزيد معها وعندهما إلى آخر المدة. وكان النرسيون بفضل عدواتهم لهما قد توصلا إلى بر كتابهما وخزانهما وغلمانها والفراشين والقهارمة في دورهما، ومن يتولى نفقات حرمهما، حتى لا يخفى عليهم شيء من أمورهما في خلواتهما ولا مجالس أعمالهما.
وقال أبو القاسم بن زنجي: كان حامد بن العباس قد اعترف بأن له قبل جماعة من أهل واسط نحو ثلاثمائة ألف دينار، منهم علي بن إسحاق وأبو أحمد بن المنتاب وابن شاندة وابن جناح وإسحاق بن شاهين. وكتب إليهم كتباً بخطه بتسليم ذلك إلى محمد بن علي البزوفري العامل كان يومئذ على أكثر أعمال واسط وأنفذ الوزير أبو الحسن علي بن الفرات الكتب إلى محمد بن علي، وأمره بأخذ المال من القوم وحمله. فكتب محمد بن علي يقول: إنهم أنكروا ما ادعاه حامد عليهم وكتب بتسلمه منهم. ووقف الوزير على ذلك، فغاظه، وعظم عليه، وظن أن غرض حامد فيما كتب به المدافعة والتربص ومضي الأيام بنفوذ الكتاب ورجوع الإجابة. قال أبو القاسم: وكان ورود هذا الجواب في يوم الجمعة، وأنا جالس بحضرته، فأعطانيه ومعه الكتب المردودة، ورسم لي الدخول إلى حامد وأن أقفه على ما ورد، وأُتبع ذلك بما تقتضيه الصورة من التحريك والغلظة في المخاطبة. فقمت، ومشى بين يدي الغلام الموكل بالدار التي كان حامد فيها، فلما أراد فتح بابها وكان مقفلاً سمع حامد صوت فتح القفل، فارتاع، وتشوف ورآني، فسكن لأنني كنت أُكرمه وأعرف له حق رئاسته وجميل فعله بنا، وكان غيري ممن يدخل إليه يسيء عشرته، ويلقاه بالقبيح فيما يخاطبه به. فأقرأته كتاب البزوفري، وأريته الكتب المردودة، وعرفته ما وقع في نفس الوزير من أمرها، وقلت: الصواب أن تكون الحال معمورةً، والمواعيد صحيحة، لئلا يتمكن طاعن من طعن. فذكر أن المال قبل القوم على مبالغة التي كتب بها إلا ألف
стр. 185
دينار شك فيه. وذكر أنه قد كان كتب بدفعه إلى أحد غلمانه، فإن كان أُطلق وضع من الجملة. وبذل إعادة المكاتبة وتأكيد القول على القوم مما لا يكون بعد مراجعة. فقبلت ذلك منه، ووضع غلامي الدرج والدواة بين يديه، وكتب إلي القوم بما استوفى الخطاب فيه. وأخذت الكتب وعدت إلى الوزير، وابنه المحسن جالس على يساره وكذلك كان يجلس ووضعتها بحضرته، وعرفته أن حامداً أنكر مخالفة القوم وعظم عليه ردهم الكتب، وأعاد اليمين بحصول المال قبلهم، وأنه قد جدد مكاتبتهم بما لا يتأخر معه صحته من جهتهم: فقرأ الكتب، وتقدم بإجابة البزوفري عن كتابه، وأمره بإحضارهم، وقبض المال منهم، وحمله منفرداً عن مال الخراج. ووقع فيه توقيعاً طويلاً يلزمه فيه المبادرة بالمال وترك تأخيره أو قبول احتجاج في أمره، وأمرني بختمه وإنفاذه في خريطة محلقة. وأصلحه صاحب الدواة في الخريطة، وجاءني بها فعنونتها وحلقتها بإحدى عشرة حلقةً، وأنفذتها إلى أبي مروان عبد الملك بن محمد بن عبد الملك الزيات، وكان على ديوان البريد. فلما خلا مجلس الوزير تقدمت إليه وعرفته سراً أنني رأيت الشعر قد كثر على وجه حامد وذراعيه، ولم أستجز ستر ذلك عنه، فأحمدني على مطالعته بذلك، وأمر بإحضار الحسن المزين، وكان في الدار، وتقدم إلى بدر الخادم الحرمي بإحضار صينية المزين على مثل ما تقدم عليه إليه. وأمر بإدخال الحسن المزين والصينية إلى حامد، وتقدم عقيب هذا بإصلاح الحمام على أنه هو الداخل، ثم استحضر أبا زكريا
стр. 186
يحيى بن عبد الله الدقيقي قهرمانه، ورسم له بإحضار ثياب تاختج وقصب ودبيقي وعمائم ليختار منها لحامد ما يصلح لخلعتين. فقال له يحيى: ليس في الخزانة إلا متاع حمله التجار وما قطع ثمنه معهم. فقال: هاته. فليس يلزمنا لهم أكثر من أن نعطيهم الثمن على سومهم. فمضى وأحضر عدة تخوت اختير منها بحضرته ما يكفي لمبطنتين ودراعتين من تاختج وثوبان من دبيقي لسراويلين وثوبان من قصب لقميصين وعمامتان من تاختج، وأمره بإحضار الخياطين وألزمهم الفراغ عاجلاً من خلعة واحدة ليلبسها حامد عند الخروج من الحمام. فذكر ان من برسم الدار من الخياطين تأخروا لأنه يوم جمعة، فأنكر ذلك وقال: برسم الدار فوجان أفتأخروا جميعاً؟ والآن فاستدع من على الطريق من الخياطين حتى يفرغوا الساعة. وتفرق الرسل في طلب الخياطين إلى أن أحضروا جماعةً منهم، وسلمت إليهم الثياب، ولم يزل يراعيهم إلى أن قاربوا الفراغ من خلعة واحدة. وتقدم إلى بعض الغلمان بإنذار حامد بإصلاح الحمام. وأعلمه بذلك فدخله. وأمر الوزير بحمل الخلعة التي فرغ منها إليه ليلبسها عند خروجه، فلما خرج قدمت إليه فامتنع من لبسها. وعرف الوزير امتناعه فأنكره، وتقدم إلي بالمضي إليه والرفق به وإبلاغه
رسالةً عنه في هذا المعنى، ففعلت ولطفت به في لبس الثياب فأبى وقال: ثيابي غير محتاجة إلى تغيير. وعاودته فأقام على أمره. ووقع لي في هذا الوقت تخوفه من حيلة تتم عليه في أمر الثياب، فحلفت له على بعد الحال من ذلك وقلت: أنا أدخل الحمام وأُفيض علي الماء ثم أخرج وأتنشف وألبس الثياب ثم أنزعها لتلبسها بعدي. وقلت: إن نية الوزير قد صلحت، فلا تفسدها بما أنت عليه من هذا الامتناع. فلان في القول، وجددت اليمين فسكن ولبس الثياب، وعدت إلى الوزير فعرفته ذلك فسر به. ثم تقدم بأن يحمل إليه صينية الطيب وبخور كثير وماء ورد فأنفذت واستعمل منها ما أراد. وخف من أن يعيد الوزير على ابنه المحسن ما جرى فيقع عنده أقبح موقع فتقدمت إليه وسألته ستر ذلك عنه. فتبسم وجعلني على ثقة ألا يكون لي فيه ذكر. ثم عدت إلى موضعي من المجلس. فلما قعدت فيه سمعت أصوات الملاحين في طيار المحسن، ثم اتصل ذلك بصعوده فحمدت الله تعالى على ما وقع لي من مخاطبة أبيه بما خاطبته به قبل حضوره. ثم خفت أن يجري في عرض الحديث ذكر ذلك على غير عمد، فبينما أنا على هذه الجملة من الإشفاق إذ وافى أبو صالح مفلح الخادم الأسود برقعة من المقتدر بالله ﵀ ورسالة فاجتمعوا على السرار. وكتب الوزير أبو الحسن الجواب بخطه وعنونه وختمه، وسلمه إلى مفلح، وقد نودي بالصلاة وقت المغرب، وانصرف، وانصرف المجلس في أثره. ولما عدت إلى منزلنا حدثت أبي بما جرى، فاستصوب فعلي وقال لي: عرف الله تعالى نيتك فوقاك ما تخوفته. ً عنه في هذا المعنى، ففعلت ولطفت به في لبس الثياب فأبى وقال: ثيابي غير محتاجة إلى تغيير. وعاودته فأقام على أمره. ووقع لي في هذا الوقت تخوفه من حيلة تتم عليه في أمر الثياب، فحلفت له على بعد الحال من ذلك وقلت: أنا أدخل الحمام وأُفيض علي الماء ثم أخرج وأتنشف وألبس الثياب ثم أنزعها لتلبسها بعدي. وقلت: إن نية الوزير قد صلحت، فلا تفسدها بما أنت عليه من
стр. 187
هذا الامتناع. فلان في القول، وجددت اليمين فسكن ولبس الثياب، وعدت إلى الوزير فعرفته ذلك فسر به. ثم تقدم بأن يحمل إليه صينية الطيب وبخور كثير وماء ورد فأنفذت واستعمل منها ما أراد. وخف من أن يعيد الوزير على ابنه المحسن ما جرى فيقع عنده أقبح موقع فتقدمت إليه وسألته ستر ذلك عنه. فتبسم وجعلني على ثقة ألا يكون لي فيه ذكر. ثم عدت إلى موضعي من المجلس. فلما قعدت فيه سمعت أصوات الملاحين في طيار المحسن، ثم اتصل ذلك بصعوده فحمدت الله تعالى على ما وقع لي من مخاطبة أبيه بما خاطبته به قبل حضوره. ثم خفت أن يجري في عرض الحديث ذكر ذلك على غير عمد، فبينما أنا على هذه الجملة من الإشفاق إذ وافى أبو صالح مفلح الخادم الأسود برقعة من المقتدر بالله ﵀ ورسالة فاجتمعوا على السرار. وكتب الوزير أبو الحسن الجواب بخطه وعنونه وختمه، وسلمه إلى مفلح، وقد نودي بالصلاة وقت المغرب، وانصرف، وانصرف المجلس في أثره. ولما عدت إلى منزلنا حدثت أبي بما جرى، فاستصوب فعلي وقال لي: عرف الله تعالى نيتك فوقاك ما تخوفته.
وحدث أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الأنباري زنجي قال: لما تقلد أبو الحسن علي ابن محمد بن الفرات الوزارة الأولى واستدعاني واستدعى أبا علي محمد بن علي بن مقلة، وبدأ فدفع لي درجاً فيه ثبت الدواوين بالحضرة وأرزاقها، وقال لي: اختر من ذلك ما تحب أن أُقلدك إياه، فأخذته وقرأته إلى آخره، ثم أعدت نظري فيه لأنني كلما رأيت شيئاً تتبعته نفسي. فلما رأى ذلك قال: أنا أعرف منك بما تريده، وقد قلدتك ديوان الدار ومكاتبة العمال بالسواد والأهواز وكرمان وما يجري مع ذلك من أعمال
стр. 188
الحرمين وعمان وأذربيجان وأرمينية وأصحاب الأطراف والأعمال الجارية بحضرتي، وأجريت عليك في كل شهر خمسمائة دينار، فقدر ما تحتاج إليه لكتابك. فقدرت ذلك بتفصيل اشتملت جملته على خمسة وتسعين ديناراً، وتقدم إلى أبي علي بن مقلة بأن يوقع لي بذلك، فوقع. ثم دفع الدرج إلى أبي علي وقال له: اختر منه ما تريد. فأخذه أبو علي ودفعه إلي وقال لي: أحب أن تختار لي. فنظرت فلم أجد ما يصلح له أن يتقلده إلا ديواني الفض والخاتم، وجاريهما في كل شهر أربعمائة دينار، فعرفته ذلك. وسأل الوزير تقليده إياهما، فتقدم إلي بالتوقيع له بهما، فوقعت. ثم قال لنا: إن بني أخي وأهلي سيصيرون إلي ويسألونني أن أقلدهم بقية هذه الأعمال، فإن كان في نفوسكما أن تسألاني بقية شيء منها مضافاً إلى ما قلدتكما إياه فاذكراه لأوقع لكما به. فشكرناه وعرفناه أن لا حاجة بنا إلى زيادة عليه. وتقدم إلي بأن أسبب لنفسي وكتابي بجاري شهرين على عمال الأهواز، وأسبب لأبي علي بن مقلة بمثل ذلك، ففعلت، وعرضت الكتب عليه، فأمر بإخراج نسختها إلى الديوان، وضربها بالعالامات، وردها إليه بعد ذلك. وجرى الأمر على هذا، وأُعيدت إليه، فوقع فيها وأمر بختمها. وأحضر يوسف بن فنحاس الجهبذ اليهودي وكان جهبذ الأهواز، فقال له: إن هذه الحال وافت ولم يتأهب أصحابنا لها، وقد سببت أرزاقهم على مال الأهواز، ولا بد أن تقدم لهم مال شهرين. فذكر كثرة الأموال التي ألزم تعجيلها من معاملة الأهواز، وأنه لا يتمكن من غير ذلك، فلم يزل معه في مناظرة حتى استجاب إلى إطلاق جاري شهر معجلاً في ذلك اليوم. ثم أنفذت بشرى غلامي معه لقبض المال منه، وفعل أبو علي مثل فعلي، وانصرفنا، وفي منزل كل واحد منا ألوف دراهم كثيرة. فتعجبنا وتعجب الناس
стр. 189
من حسن رعايته، وأنه لم يبدأ بأحد قبلنا، ولا شغلته الحال التي دفع إلى معاناتها عن افتقاد أمورنا والعناية بمصالحنا. وقال أبو القاسم بن زنجي: سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول في وزارته الثالثة في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة أنه أنفق على الدار التي كان ينزلها في ذلك الوقت وفيها قبض عليه، وهي دار سليمان بن وهب وموقعها في المخرم، وفي يد الحاجب الكبير أبي منصور سبكتكين الآن شيء منها، وفي يد ابن لشكرون شيء آخر، وفي أيدي قوم من قواد الديلم الباقي ثلاثمائة ألف دينار. واشتهى في وزارته هذه أن يجمع حرمه وبنات إخوته وأصاغر ولده في الدار المعروفة بدار البستان، من هذه الدار المعروفة بدار سليمان بن وهب، فتقدم بإصلاحها وتنظيفها وإنفاق ما يحتاج إليه من تبييضها، فبلغت النفقة خمسين ألف دينار. وجلس وهم فيها يوماً واحداً، ولم يعد بعد ذلك إلى الجلوس فيها معهم.
ومن أحاديث أبي العباس أحمد بن محمد أخي أبي الحسن في فضائله ما لا بأس بإيراده في عرض أخباره. قال عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر: حدثني بعض الكتاب قال: سمعت محمد بن عبدون يحدث في مجلسه قال: جاء ابن سمعان صاحب بدر المعتضدي إلى أبي النجم بدر وقال له: أيها الأمير، أحمد بن محمد بن الفرات لا يزال يستخف بنا، ويستهين برسلنا، ويجبههم بالقبيح فيما يوصلونه إليه، ويعرضونه عليه من التوقيعات بإقطاعاتك، وهو عدو مكاشف لهذه الدولة، وصاحب إسماعيل بن بلبل.
стр. 190
فقال له بدر: خذ نحريراً وامض به إلى ديوانه وجئني به. فجاءه به، فلما رآه قال له: أمسيطر أنت على مولاي أم شريك له؟ يقطعني الإقطاعات فتمتنع منها وتعترض فيها! فقال له: اسمع أيها الأمير قولي، فإن ثبتت عندك حجة لي فخفض من لومي وإلا عملت بعدها ما رأيت. أنت تعلم أن قوام الملك بالمال، وأن الجند لا يسمعون ولا يطيعون إلا إن أعطاهم، وإن عدموا المال كان ذلك الداعية القوية إلى ذهاب الملك وسفك الدماء وانقطاع السبل وانتهاك المحارم. وجميع المال في عنقي وعلي فأذا خرجت الضياع من الإقطاع تبعها الخراج فتحيفت الحقوق، وأضيف إلى كل ناحية ما يجاورها، وكان في ذلك مالاً خفاء به مما أعوذ بالله منه. قال له: صدقت يا أبا العباس أيدك الله ارتفع فإن الحق في يدك. وإنما تحرس بهذا الفعل نعمة مولاي من أن تزول، ودماء الخاصة والعامة من أن تراق، وكل من يخاطبني فإنما يتبع هواي ولا ينظر في أعجاز الأمور. أحضروني خلعاً. فأُحضرها فمنحها أبا العباس، واحتسبه حتى أكل عنده وقدمه في مجلسه، ودعا بطيب طيبه به. فلما أُحضرت المجمرة قام أبو العباس ليتبخر خارج المجلس، كما كان أبو القاسم عبيد الله يفعل وهو كاتبه إذا أمر له بمثل هذا. فحلف بدر أنه لا يتبخر إلا بين يديه. فبخره وخرج، فأمر نحريراً وابن سمعان بالركوب معه إلى ديوانه على سبيل التكرمة وقال له: يا أبا العباس، لا ترى قط من إلا ما تحب بعد هذا اليوم ولا تجري مني إلا مجرى الأخ، ولست أُورد عليك توقيعاً بإقطاع ولا ضيعة بعد هذه الدفعة. قال: وسمعت أبا الحسن محمد بن عبدون يقول: سمعت بدراً يقول بعد خروج ابن الفرات: لا يزال السلطان بخير ما دام في كتابه مثل هذا الرجل لولا عجلة فيه.
стр. 191
قال أبو القاسم بن زنجي حدثني أبو عبد الله أبي قال: وافت رسالة أبي النجم بدر في ذلك اليوم إلى أبي العباس بن الفرات وأنا في الديوان بين يديه، فوجم لها كل من حضر سواه، فإنه بادر إلى لبس ثيابه، واستدعى دوابه، وركب من وقته وسار إلى بدر. فعدل به ابن سمعان إلى داره، فأجلسه فيها، وعرف أبو القاسم عبيد الله بن سليمان ذلك، فقامت عليه القيامة منه، وعظمت في نفسه الحال فيه، وبادر إلى بدر تخوفاً من أن يتصل بالمعتضد بالله فينكره على بدر ويجري ما يضيق صدراً به. ووصل عبيد الله إلى باب بدر وسأل عن ابن العباس، فعرف انصرافه مكرماً إلى ديوانه، فحين سمع ذلك أراد الرجوع قبل لقائه، فاستقبحه، ودخل إليه. فابتدأه بدر بالحديث، ونسب الأمر عنده إلى أجمل وجوهه، وأخذ عبيد الله في وصف ابن الفرات وتقريظه، وذكر كفايته وكتابته فصدقه بدر. وقال: ما ظننه على ما شاهدته منه. ولا يزال السلطان بخير وأمره مستقيماً، ما دام في أعوانه مثل هذا الرجل. ولما عرف بدر أن ابن سمعان أدخل أبا العباس إلى داره قبل أن يطالعه بخبره أنكر ذلك عليه أشد إنكار، وأغلظ عليه القول فيه أتم إغلاظ، وتقدم إليه بالإذن له والدخول إلى بين يديه، وكان فعل ابن سمعان ما فعله مما حل ما كان في نفس بدر وخففه.
وحدث أبو القاسم قال: حدثني أبو عبد الله أبي قال: كانت للمعتضد رحمة الله عليه جارية يتحظاها يقال لها فريدة، فأمر بإقطاعها ضياعاً بمال حده وبين مبلغه، فصار كاتبها إلى أبي القاسم عبيد الله بن سليمان بتوقيع المعتضد بالله بذلك، فقبله ووقع بامتثاله، واختار كاتبها ضياعاً وبساتين بأكناف مدينة السلام من الجانب الشرقي، وعرض على عبيد الله بن سليمان الثبت بذلك فوقع بتسليمه. وصار الكاتب إلى أبي العباس بن الفرات به فقبله، وطالب بتسليم ما في الثبت من
стр. 192
الضياع والبساتين فامتنع عليه وقال: هذه مواضع طرف أمير المؤمنين إذا ركب ولا يجوز أن يقطع لأحد. فأقام على المطالبة بتسليم ذلك إليه، وأقام أبو العباس على منعه إياه. ومضى الكاتب إلى فريدة، فأعاد عليها ما جرى شيئاً شيئاً وقال لها: مضيت إلى الوزير فعرضت عليه توقيع الخليفة بما أمر لك به والتسمية بما اخترته فقبل ووقع، وصرت إلى ابن الفرات كاتبه فدفعني وقال. إنه لا يسلم إليك الضياع والبساتين. وجرى علي من رده القبيح ما استحييت معه من كل من حضر عنده وهذا لا يشبه محلك من الخليفة وموضعك من جميل رأيه. وأتبع هذا القول بما يشاكله من الطعن على أبي العباس بن الفرات. فدخلت على المعتضد بالله وهي مقطبة كالسيف المرهف، وأعادت عليه قول الكاتب وقالت: وأي شيء ينفعني من عنايتك بي ومحلي منك إذا كان كاتبك يعارضك في أوامرك ولا يقبل توقيعك؟ وسألته أن يوقع لها توقيعاً مجرداً بإمضاء الإقطاع على ما سمي في الثبت، فقال لها: لست أتهم ابن الفرات في معرفته بحقك. ومن المحال أن يمنع كاتبك مما أراده إلا جحجة تقوم له بالعذر، فسليه بأي شيء أحتج عليه، ولأي سبب منعه، ليكون ما أوقع به بحسب ذلك. فاستعلمت الكاتب، فذكر أنه قال له: هذه مواضع طرف أمير المؤمنين إذا ركب، ولا يجوز أن يقع عليها إقطاع لأحد. فقال المعتضد بالله: وقد صدق ابن الفرات وأحسن فيما فعل، أرددي كاتبك إليه وسليه أن يختار لك بما لك ضياعاً يعود عليك منها ما وقعت به. فعاد الكاتب إليه برسالتها فاختار لها الضياع المعروفة بالفريديات من بزر جسابور، وكتب بتسليمها إليها.
قال أبو القاسم: وهذا قريب من حديث حدثني به عمي أبو الطيب أحمد ابن إسماعيل فإنه قال: إن المعتضد بالله ﵀ أقطع دريرة حظيته التي قال فيها
стр. 193
علي بن محمد بن بسام ما قال إقطاعاً، ووقع به توقيعاً تسلمه كاتبها وصار به إلى أبي القاسم عبيد الله بن سليمان، فوقع تحته بامتثاله. ثم جاء إلى أبي العباس ابن الفرات، فوقع بالعمل عليه، وأنشأ الكتاب من حضرته بتسليم الإقطاع والتمكين منه، عنايةً منه بأمرها، وإيثاراً لاجتلاب شكرها. وأمر المدير بإدارته في الدواوين، وإثباته، وأخذ علامات الكتاب على رأسه ورده إلى حضرته من وقته، ففرغ منه في نحو من ساعتين وسلمه أبو العباس إلى الكاتب وانصرف شاكراً. ومضى إلى أبي القاسم ميمون بن إبراهيم صاحب ديوان الزمام، فعرض عليه التوقيع والكتاب فقبل التوقيع وامتنع من إمضاء الكتاب، وذكر أنه يحتاج إلى أن يخرج إليه من ديوان الزمام عين الإقطاع ليكون بما يمضيه على معرفة وبينة. فالتمس منه توقيعاً إلى أبي أحمد ابن أخيه، وكان خليفته على الديوان، فوقع له بذلك، ودفع التوقيع إلى أبي أحمد. فماطله ودافعه، ولم يزل يتردد إليه وهو يعده ويخلفه، وعاد إلى أبي القاسم ميمون مستعدياً به على خليفته، وشاكياً من مطله ومدافعته، فقال له: لا يجوز إمضاء الكتاب إلا بعد الوقوف على العبرة من الديوان. وحمل الكاتب ما عرض بقلبه من الضجر بوقوف أمره على أن صار إلى دريرة وعرفها الصورة، وخاطبها بما بعثها فيه على مراجعة الخليفة، فدخلت إليه، وأعادت ما ذكره الكاتب عليه. ثم شكرت الوزير وذمت ميمون
стр. 194
ابن إبراهيم، واستدعت منه توقيعاً بإنكار ما كان منه، وإمضاء إقطاعها على ما أمر به وأمضاه وزيره وصاحب ديوانه. فقال لها: الخطأُ منك ومن كتابك، ولو كنت عملت ما يوجبه الحزم ويقتضيه الصواب لراج أمرك وعمل كتابك وتسلمت إقطاعك، ولكن كاتبك متخلف لا يحسن التأتي لأمره، ويريد ما يريده على شدة وصعوبة، فقالت: يا مولاي، وما كان الصواب؟ قال: أن تبعثي إليه بثياب وألطاف كما يفعل الناس، فإنك كنت تستغنين عن خطابي وخطاب وزيري، وكان ذلك أنفع لك وأعود في العاقبة عليك. قالت: يا مولاي، فأحتاج إلى هذا مع موضعي منك وموقعي من عنايتك؟! قال: إي والله إنك لمحتاجة إليه. فعدلت عما كانت عليه، وبعثت إلى أبي القاسم ميمون تخوتاً فيها ثياب فاخرة من قصب ودييقى، وطيباً كثيراً، وراسلته بإنكارها على الكاتب تقصيره في حقه وإغفاله ما وجب أن يقدمه من ملاطفته وبره، وسألته إمضاء الكتاب بإقطاعها. فقبل ما أنفذته، وأخذ الكتاب من يد الرسول، وعلم عليه، وسلم إليه خرجاً كان خليفته قد أخرجه، واشتمل على عبرة ثقيلة لا توجب إمضاء الإقطاع، وعرفه إغضاءه عن ذلك ومسامحته إياها بالفضل، واعتماده موافقتها بهذا الفعل. فأعادت على المعتضد بالله ما جرى، فاستصوب ما كان منها وقال لها: هذا أنفع لك من عنايتي في هذا الوقت وفيما بعده. وكان أبو القاسم ميمون يفتخر على الكتاب بأنه أخذ مصانعة بأمر الخليفة وأن ما فيهم من يجسر على مثل ذلك.
وحدث أبو القاسم بن زنجي قال حدثني أبو الطيب أحمد بن إسماعيل عمي قال: مضيت في يوم من الأيام على الرسم إلى الديوان بالثريا، فبينما أنا أسير
стр. 195
إذ لحقني فارس فسايرني، وأقبل يحدثني ويسألني عن اسمي وكنيتي ومنزلي وصناعتي، فلما ذكرت له مكاني مع أبي العباس بن الفرات قال: كيف مذهبه في العمل؟ قلت: أحسن مذهب، يستقصي حقوق سلطانه ويستوفي مناظرة عماله، ويجد في استخراج أمواله. قال لي: فكيف يجري أمر هذا الوزير؟ يعني عبيد الله بن سليمان فإنني ما رأيت أشد تخليطاً منه، ولا أفظ من حجابه، ولا أكثر إخلافاً للمواعيد منه، قلت له: وكيف ذلك؟ قال: لأني رجل من الفرسان قد أخر عني رزقي، وأحوجني إلى القدوم إلى الحضرة متظلماً منه، وأنا أجتهد في أن يطلق لي ما وجب من رزقي فليس يلتفت إلي، ولا يفكر في، وكلما رفعت إليه رقعةً رمى بها، ومتى وصلت إليه لم يخرج عليها توقيع، فقد احترقت وهلكت وذهبت نفسي وطالت على بابه مدتي، فكيف يمكن هذا الرجل وهو على ما وصفته لك أن يعمل أعمال الخليفة ويدبر أمر مملكته؟ قلت له: الذي نعرفه من مذهبه ومعرفته وكفايته غير ما ذكرته عنه، وما يدع شيئاً إلا نظر فيه، ولا مظلوماً إلا أنصفه. قال: الذي يبلغني عنه أنه قد اصطلم الدنيا، وأخذ الأموال لنفسه، فالجند يتظلمون، وحاشية الخليفة يشكون، والنواحي خراب. فقلت: ما أحد من الحاشية إلا وهو راض، والأموال كلها تحمل إلى الحضرة وقد حسب للعمال أرزاق الشحن. والعمارة زائدة، والأمور منتظمة. فقال: ما الآفة في جميع ما يجري إلا هذا الغلام الذي قد رفعه الخليفة، وأعطاه ما لا يستحقه وصير الناس عبيداً وخولاً له. قلت: ومن الغلام الذي تعنيه؟ قال: بدر. وأقبل يطعن عليه، ويتكلم فيه. قلت: ما وضعه الخليفة إلا موضعه، والرجال حامدون له راضون برئاسته. ثم حول وجهه فنظر إلى كوكبة عظيمة من الفرسان قد
стр. 196
أقبلت، فحرك دابته ومضى. فلم يبعد حتى أقبل العسكر، وجاء قوم يسألوني عن الخليفة هل رأيته، وأين أخذ. فقلت لهم: ما رأيت الخليفة. قالوا: فهل مر بك فارس على دابة من صفته كذا، وعليه من اللباس كذا وكذا؟ قلت: نعم. قالوا: فأين مضى؟ قلت: بين أيديكم، فمن هو؟ قالوا: المعتضد بالله. فوقعت فيما لا ينادي وليده؟ وأقبلت أتذكر ما خاطبني به وأجبته عنه، حذراً من أن يكون وقع خطأ منى أو طعن على إنسان ممن سألني عنه. وصرت إلى الديوان بالثريا، وأنا لا أعقل غماً. فأنا في تلك الحال إذ خرج عبيد الله بن سليمان من حضرة المعتضد بالله، وأحمد عنده ما كان منى في الإجابة عما سألني عنه، وجزاني الخير. وخرج أبو العباس فاستدعاني، وسألني عن حالي في طريقي فأعدت عيه خبر الفارس وجميع ما جرى بيني وبينه، فصدقني فيه. وقال: إن الوزير أعاد على ملثه. وأقبل يحمد الله على حسن توفيقه إياي فيما خاطبته به. ثم أوصاني بالتحفظ فيما أخاطب به من يسايرني. والاحتراس من زلل تقع فيه، فصرت بعد ذلك لا أمر في طريقي إلا ومعي جماعة، ومتى خاطبني إنسان تحرزت منه غاية التحرز.
وحدث أبو القاسم قال: حدثني أبو عبد الله والدي قال: كنت يوماً بحضرة أبي العباس بن الفرات في الديوات في دار السلطان إذ جاءه خادم برسالة من المعتضد بالله ﵀ يقول فيها: إنه قد زوج جارية في داره من أحد غلمانه،
стр. 197
وأنفذ إليه ألف دينار أمره أن يبتاع بها لهما جهازاً، وأن يفرغ من جميعه في بقية يومه. فأجابه بالسمع والطاعة. ثم أمرني بإثبات جميع ما يحتاج إليه، فأثبته، ونظر فيه وزاد فيما أراد. ثم أحضر محمد بن عبد الوهاب وجماعةً ممن يسكن إلى نهوضه وكفايته، فأفرد كل واحد منهم بصنف يبتاعه، ودفع إليه من المال بقدر حاجته، ووصاهم باختيار ما يبتاعونه، والاحتياط في ثمنه، والمبادرة به إلى حضرته في الدار ومضوا، ولم يزل يراعيهم إلى أن انصرفوا إليه بعد العصر بما ابتاعوه، فنظر إليه وارتضاه، وقابل به الثبت الذي عمله فوجده قد انتظم جميعه. ثم تذكر فقال: يحتاج أن يكون مع ذلك كبريت وحراق وأحجار النار وسرج. وتقدم بإحضار ذلك فأُحضر. وطلب الخادم، فخرج وسلم إليه المتاع وثبتاً به، وحمله الخادم ومن معه إلى حضرة المعتضد بالله. فلما عرض عليه شاهده شيئاً شيئاً وقابل به الثبت، فوافق أحمد المعتضد فعل أبي العباس فيما تفقده وقال: من راعى هذا الأمر هذه المراعاة حتى لم يخل بشيء مما تدعو إليه الحاجة لحقيق بتدبير المملكة، وموضع للإعتماد والتعويل. ووقع عنده ما كان منه ألطف موقع وأحسنه.
وحدث أبو القاسم قال: حدثني أبو عبد الله أبي قال: لما شخص أبو القاسم عبيد الله بن سليمان إلى الجبل مع بدر المعتضدي استخلف أبا الحسين القاسم ابنه على الوزارة وضاقت الأحوال على أبي الحسين، واشتدت المطالبة بالاستحقاقات، فدعته الضرورة إلى طلب مائتي ألف دينار من المعتضد بالله قرضاً إلى أن ترد الأموال فيرد عوضها. وخاطبه في ذلك، وسأله إسعافه. فأجابه إلى إطلاق ما استدعاه منه إن حضر أحمد بن محمد بن الفرات وضمن رده. فحملت القاسم الحاجة على أن سأل أبا العباش ضمان المال للمعتضد بالله، فاستعفاه من لقائه، وعرفه كراهية
стр. 198
الدخول إليه، وكان القاسم لذلك أكره، لكن الضرورة دعته إلى ما خالفه رأيه وإيثاره فيه، فأخذه معه، واستأذن له على المعتضد بالله، فأوصله. فلما مثل بين يديه استدناه وقربه، وأقبل يسأله عن نواحي السواد، وما يرتفع منها ومن عبرها القديمة في الوقت الذي اقتتحت فيه. ثم تجاوز ذلك إلى نواحي البصرة ونواحي الأهواز ثم فارس وكرمان وسبجستان وفرج بيت الذهب والقندهار والسند والهند والصين، ثم نواحي خراسان والجبل، ثم نواحي الموصل وديار ربيعة ومضر وأجناد الشام ومصر والإسكندرية وما وراء ذلك من البلدان. وهو يجيبه بارتفاع ناحية ناحية، وفي أيام من فتحت، ويشرح له أحوالها، فاستعظم المعتضد بالله ما شاهده وسمعه منه، وأعجبه إعجاباً شديداً، وأقبل عليه إقبالاً كثيراً شق على أبي الحسين القاسم، وندم معه على الجمع بينه وبينه. ثم سأل أبا العباس عما عنده في أمر المال الذي التمسه القاسم منه فعرفه صدق الحاجة إليه، وضمنه رده إلى بيت مال الخاصة، فضمن له ذلك عند افتتاح الخراج واتساع الارتفاع، فوقع إلى صاحب بيت المال بإطلاقه، ووقع إليه وإلى صاحب بيت مال العامة بألا يقبلا توقيعاً للقاسم في شيء من المال إلا بعد أن يكون فيه توقيع أحمد بن محمد بن الفرات، وأعلمه أن إعتماده في استيفاء الأموال وجمعها عليه لا يعرف فيها سواه. وانصرف القاسم كئيباً حزيناً بما جرى، ولم ينفذ له من بعد توقيع بإطلاق مال إلا ما يوقع فيه أبو العباس.
وكتب القاسم إلى أبيه بصورة المجلس، فكتب إلى أبي العباس يشكره على ما كان منه، وإلى القاسم يوبخه ويعنفه على فعله، وقال له في فصل من كتابه: كنت ظننت أن السن حنكتك، والأيام قد ثقفتك، حتى ورد كتابك بما ورد به.
стр. 199
ثم أتبع ذلك بالخطاب القبيح بما يشاكله، وأعلمه أنه قد أخطأ وأساء، وجنى على نفسه وعلى أبيه جناية لا يمكن تلافيها، وأنه كان يجب أن يستسلف المال من التجار ويلتزم في ماله ومال أبيه الربح فيه ولا يفعل ما فعله.
قال أبو القاسم: وسمعت جماعة من الكتاب يذكرون أن السواد لم يرتفع لأحد بعد عمر بن الخطاب ﵁ بمثل ما ارتفع له إلا المعتضد بالله فإن أبا العباس أحمد ابن محمد بن الفرات رفعه في أيامه ثلاثمائة ألف وأربعين ألف كر شعيراً مصرفاً بالفالج، وباع الكرين بالمعدل من الحنطة والشعير بتسعين ديناراً فكان ثمن الأكرار أربعة آلاف ألف وثمانين ألف دينار، وحصل من الخراج وأبواب المال أكثر من ألف ألف دينار، فإذا أضيف إلى ذلك فضل الشروط والمقاطعات والإيغارات، بلغت الجملة ما حصل لعمر بن الخطاب رضوان الله عليه.
قال أبو القاسم: وسمعت مشايخ الكتاب يقولون: إنه لم يجتمع في زمن من الأزمنة خليفة ووزير وصاحب ديوان وأمير جيش مثل المعتضد بالله. وأبي القاسم عبيد الله ابن سليمان وأبي العباس بن الفرات وبدر. فكان التدبير مع هؤلاء الأربعة مطرداً، والأمر منتظماً، والعمارة وافرة الأموال دارةً، حتى اجتمع في بيت المال بعد النفقات الراتبة والحادثة وإطلاق الجاري للأولياء في سائر النواحي وجميع المرتزقة بها وبالحضرة تسعة آلاف ألف دينار فاضلةً عن جميع
стр. 200
النفقات. وكان المعتضد بالله ﵀ قد اعتقد أن يتمها عشرة آلاف ألف دينار، ثم يسبكها ويجعلها نقرةً واحدة ويطرحها على باب العامة ليبلغ أصحاب الأطراف أن له عشرة آلاف ألف دينار، وهو مستغن عنها، فاخترمته المنية، قبل بلوغ الأمنية.
وحدث أبو القاسم قال: حدثني أبو عبد الله أبي قال: تأخرت عن أبي العباس ابن الفرات في يوم جمعة، وأقمت عند بعض أهلي بالجانب الغربي، وحضرتنا مغنيتان محسنتان فاندفعت إحداهما وغنت
قايست بين فعالها وجمالها ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي
والله لا كلمتها ولو أنها ... كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي
وضربت الأخرى وغنت:
يا ذا الذي حلف العشية جاهداً ... الا يكلمني فعال المسرف
قد جرت فيما كان منك وإنه ... ليزيد قبح الجور عند المنصف
قال: فاستحسنت أن أجابت الثانية الأولى بجواب في وزن الصوت وقافيته ومعناه. وصرت إلى أبي العباس بن الفرات من غد، وسألني عن سبب تأخري عنه، فأعلمته إياه، وحدثته حديث المغنيتين وما غنتا به، فعجب منه ومضى إلى أبي الحسين القاسم ابن عبيد الله فأخبره. فكانت سبيله فيه سبيله وقد كان أبو العباس سألني عن قائل الشعر. فقلت: هو لعبد الله بن المعتز، وحضر القاسم بحضرة المكتفى بالله، فأعاد عليه الحديث فقال له: لمن الشعر؟ فقال: لعبيد الله بن عبد الله
стр. 201
ابن طاهر. فقال: قد بلغني عنه خلة، فأحمل إليه ألف دينار، وأعلمه أنني لا أُخليه من مثله في كل مدة. وانصرف القاسم وعرف أبا العباس ما جرى، وما حمل إلى عبيد الله من الدنانير. قال أبو عبد الله: وأخبرني أبو العباس بما جرى فقلت: الشعر لعبد الله بن المعتز. فقال: قد أتاح الله لعبيد الله بن عبد الله الرزق من حيث لم يحتسب، وهذا ما لا حيلة للمخلوقين فيه. وحدث أبو القاسم عن أبيه أنه كان جالساً بحضرة أبي العباس بن الفرات في يوم سبت وقد ابتدأ المطر، وهو يريد المضي إلى دار أبي القاسم عبيد الله بن سليمان، إذ وردت عليه رقعة محمد بن إبراهيم بن الخصيب وفيها:
انعموا آل الفرات ... واشربوا بالبكرات
يوم سبتٍ ورذاذٍ ... وجوارٍ محسنات
ما قرى كسرى أنوشر ... وان هذا في الصفات
فعمل على القعود، وأضرب عن الركوب، وبعث إلى محمد بن إبراهيم في الحضور، واستدعى أبا الحسن أخاه، ومر لنا أطيب يوم. وكتب أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بخطه إلى أبي العباس أحمد ابن محمد بن الفرات:
يا وليّ الإمام هنّأك الله ... بدين الهدى وشهر الصيام
وبكل الأعياد في الدين فاسعد ... أمد الدهر عابر الأيام
عالياً غاية الذّرى كالئ الدين ... رئيساً أقصى مدى الإحرام
стр. 202
أنت قطب الدنيا تدور عليه ... ما اديرت وحافظ الإسلام
أنت بالدين في الزمان مهنّىً ... وله في يديك عقد الذمام
وتهنّي الدنيا وأعيادها من ... ك بطول البقاء والإحتكام
والمراقي في المجد والأمر والنّهي ... وأعلى الإعزاز والإكرام
واتّصال الإحسان منك إلى النا ... س وشفع الإيصال بالإنعام
أنت عنوان كلّ مجد وتاريخ ... المعالي وسيد الأقوام
حارس الإرث والخلافة والسلطان ... والدهر كله والأنام
علم الدهر فابق فيه تجاهاً ... علماً للمنار والأعلام
جمع الله كلّ خيرٍ ومأمو ... ل وسؤلٍ ونعمةٍ للهمام
جامعاً للوزير كل تمامٍ ... من أقاصي المنى بكل دوام
ذا دعائي وصلته بثنائي ... ومناي انتظمتها في نظام
مقسماً بالوفاء والشكر والإخ ... لاص والنّصح غاية الإقسام
وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات يقول: كثر القول في حفظ أبي جعفر أحمد بن إسرائيل الكاتب الأنباري، فأحب أخي أبو العباس أن يقف على صحة ذلك من بطلانه، فمضى إليه، وأخذني معه، ودخلنا داره، وقصدنا مجلسه، فوجدناه قد نهض منه يريد الركوب، فقال لي أخي: فاتنا كل ما قدرناه. وسلمنا عليه ومشينا معه. فبينما نحن في تلك الحال إذ جاءه خليفة لبعض العمال بكتاب ضخم من العامل الذي كان يخلفه، فدفعه إليه، وفضه، وأخذ الغلام طرفه، وأقبل بهذه عليه هذا سريعاً متصلاً حتى انتهى إلى آخره. ثم رمى به إلى الكاتب وقال له: وقع عليه بأن يجاب
стр. 203
بكذا وكذا. ومشى إلى الموضع الذي يركب منه وركب. فقال أخي: أُعطي الله عهداً إن كان قرأ الكتاب أو درى ما فيه، وإنما فعل ما فعله ليرينا أنه قد قرأه وفهمه. وتقدم إلى بعض غلمانه بطلب صاحب الدواة، وبذل شيء له على إخراج الكتاب إلينا لنقرأه ونرده من وقته، ففعل ذلك، وجاءنا بالكتاب فقرأناه، وقرأنا التوقيع عليه، فوجدناه قد انتظم بسائر معاني الكتاب. فعلمنا أن الذي تحدث به عنه حق لا تزيد فيه.
وحدث أبو القاسم عن عبد الله أبيه قال: كان أبو العباس بن الفرات يحتبسني عنده في أيام خلوته للأُنس، قال: فحضر عنده في بعض الأيام عدة مغنيات، وغنت إحداهن لأبي العتاهية:
أخلاّي بي شجوٌ وليس بكم شجو ... وكل فتى من شجو صاحبه خلو
رأيت الهوى جمر الغضا غير أنّه ... على حره في حلق ذائقه حلو
فقال أبو العباس: هذا خطأ، وإنما يجب أن يكون البارد ضد الحار والحلو ضد المر. فقلت له: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: كان يقول:
غدوت على شجو وراح بي الشجو ... وكل فتى من شجو صاحبه خلو
وباكرني العذّال يلحون في الهوى ... ومر الهوى في حلق ذائقه حلو
فلم يبق أحد ممن حضر إلا علم أن الذي قاله أحسن وأصوب.
وحدث أبو القاسم عن أبيه قال: تقدم أبو الصقر إسماعيل بن بلبل إلى أبي عبد الله محمد بن غالب الأصفهاني أن يكتب إلى العمال في النواحي كتباً يدعوهم فيها إلى الاستكثار من العمارة، ويأمرهم بمطالبة الرعية بها، فكتب
стр. 204
الكتب وأحضرها أبا الصقر، فاستحسنها وتركها بين يديه. وأقبل أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات، فدفعها أبو الصقر إليه وقال له: اقرأها وانظر ما أحسن ما أورده أبو عبد الله في هذا المعنى. فقرأها، ووجده قد افتتحها بأن قال: الحمد لله الذي استعمر عباده في أرضه ليخرج رزقهم منها وليكفتهم فيها. ثم قال بعد ذلك: ولو لم يكن من فضيلة الازدراع إلا قول الله في محكم كتابه: " كَزَرْعِ أَخْرَجَ شَطْأَهْ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ " فلما قرأها أدرجها، وأمسك عن إيراد شيء في معناها، فقال له أبو الصقر: ما عندك فيها؟ وأطنب في وصفها، فعارضه أبو العباس في ذلك. فقال له: ما الذي أنكرت؟ قال: ابتدأه بأن قال: الحمد الله الذي استعمر عباده في أرضه ليخرج رزقهم منها وليكفتهم فيها. فلم يدع لهم نفساً. ثم ثنى بأن جعل الآيات التي جعلها الله في نبيه وأصحابه ﵈ مثلاً للزرع، وهذا خلاف ما جاءت به الروايات، وفسره المفسرون. فعلم أبو الصقر أن الأمر على ما قال، وكلفه كتب الكتب من جهته، ودفع المكتوبة إليه. وكان أبو عبد الله محمد بن غالب يعتب على أبي العباس لما كان منه في ذلك. وحدث أبو القاسم عن أبيه قال: خلا أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات للشرب في وزارته الأولى، في الدار المعروفة بالدار الجديدة من دار سليمان بن وهب. وحضرت انا وجماعة من كتابه، وحضر من المغنيات بين يدي الستائر ومن ورائها ما لا يحصى كثرة، وأُحضرت من أواني الذهب والفضة ماله القيمة الوافرة.
стр. 205
ومر يوم حسن طيب إلى وقت العصر، وإذا العباس الفرغاني حاجبه قد دخل وقال: يا سيدنا، قد حضرت بدعة الكبيرة وهي في طيارها تستأذن للوصول. فأطرق مفكراً ثم رفع رأسه وقال: ارفعوا ما ها هنا من الأواني. فرفع إلا قليلاً، ونهضت المغنيات اللواتي كن قدام الستارة، وأمره بالإذن لها. فدخلت ووقفت بحضرته ثم تقدمت وقبلت يده وقالت: بلغني أن سيدي الوزير قد نشط للشرب فحضرت للخدمة. فأمرها بالجلوس، وجلست وطلبت العود، فجيء به، وغنت فجودت، واستحسن أبو الحسن ما أتت به، وطرب عليه وشرب. ثم أخذ ربع قرطاس كان في دواته، وكتب شيئاً وقطعه، ودفعه إلي وقرأته فكان:
إذا بدعةٌ جوّدت عودها ... تذلل في ضربها كل صعب
تغنّي فتجني ثمار القلوب ... وتهدي سروراً إلى كل قلب
فاستحسنت ذلك، وكانت بدعة بالقرب مني. فقلت لها: إسمعي إلى ما وصفك الوزير به. وأنشدتها البيتين، فسرت وفرحت، وقامت مسرعة فقبلت يده ثم الأرض وعادت إلى موضعها وقالت: بالله يا سيدي إلا أعدت الشعر علي حتى أحفظه، ففعلت وحفظته وأدارته في حلقها، وعملت له لحناً من وقتها، ثم ضربت وغنته، فجاء في نهاية الحسن. ونشط أبو الحسن، وتقدم برد المجلس ومن كان فيه إلى ما كان عليه. ولم يزل ذلك الصوت صوتنا عليها بقية ليلتنا. فقال أبو القاسم: فقلت لأبي عبد الله أبي: فلم كره حضور بدعة وهي من آلة الشرب وموصوفة بالحذق في ذلك الوقت؟ قال لأنه كان يتهمها بنقل أخباره إلى المقتدر بالله ﵀.
قال أبو القاسم: وكان لأبي الحسن بن الفرات مطبخان في داره. فأما مطبخ
стр. 206
الخاصة الذي يطبخ فيه فلا أحصى ما كان يدخله من الغنم والحيوان لكثرته. وأما مطبخ العامة المرسوم بما يقدم إلى خلفاء الحجاب المقيمين في الدار ويغرف منه للرجالة والبوابين وأصاغر الكتاب وغلمان أصحاب الدواوين فكان يستعمل فيه في كل يوم تسعون رأساً من الغنم وثلاثون جدياً ومائتا قطعة دجاجاً سماناً وفراريج مصدرة، ومائتا قطعة دراجاً، ومائتا قطعة فراخاً. وهناك خبازون يخبزون الخبز السميذ ليلاً ونهاراً، وقوم يعملون الحلواء عملاً متصلاً، ودار كبيرة للشراب. وفيها ماذيان يجعل فيه الماء المبرد ويطرح في الثلج كدراً، ويسقى منه جميع من يريد الشرب، الرجالة والفرسان والأعوان والخزان ومن يجري مجري هذه الطبقة من الأتباع والغلمان، ومزملات فيها الماء الشديد البرد. وبرسم خزانة الشراب خدم نظاف، عليهم الثياب الدبيقية السرية، وفي يد كل واحد منهم قدح فيه سكنجبين أو جلاب ومخوض وكوز ماء ومنديل من مناديل الشراب نظيف، فلا يتركون أحداً ممن يحضر الدار من القواد والخدم السلطانيين والكتاب والعمال إلا عرضوا ذلك عليه. وفي جانب الدار أدراج كثيرة لأصحاب الحوائج والمتظلمين حتى لا يلتزم أحد منهم مؤونةً لما يبتاعه من ذلك، وأنصاف قراطيس وأثلاث.
قال أبو القاسم: وحدثني أبي قال: كان أبو الفضل بن الحجام النحوي
стр. 207
يكثر الجلوس إلى جانبي في دار أبي العباس أحمد بن محمد بن الفرات يحادثني، فاتفق أن جلس يوماً على رسمه، واستمددت من الدواة فترشش من ذلك المداد على ثيابه، فأخذ قلماً من دواتي وقرطاساً من بين يدي وكتب إلى أبي العباس:
يا سيدي ومؤملي ... في كلّ حادثةٍ وريب
لك كاتب شاب الكتا ... بة بالبلاغة أيّ شوب
فإذا جلست بجنبه ... جعل اسمه صبغاً لثوبي
يعني زنجي فضحك أبو العباس مما كتب به، وأمر فحملت إليه عدة أثواب من دبيقي وقصب وغير ذلك.
قال أبو القاسم: حدثني عمي أبو الطيب أحمد بن إسماعيل قال: كان معنا في الديوان خازن شيخ قد خزن في الدواوين في سر من رأى، يعرف بجعفر الحرامي، فكان يقول كثيراً: ما استطعت ألا تبيت مغموماً فافعل فكنت أسمع هذا الكلام منه صفحاً. فلما كان بعد مدة، وأنا أكتب بين يدي أبي العباس أحمد ابن محمد بن الفرات وأخفف عنه. جاءني رجل من التناء بالسواد، ومعه توقيع بنقل مقاسمة بيدر له من رسم ثقيل إلى رسم خفيف، ذكر أن أبا القاسم عبيد الله بن سليمان وقع له به، وتوقيع أبي العباس ابن الفرات فيه بالعمل على موجبه. فاستربت بالتوقيع فشككت في صحته، وبذل لي مائة دينار على إمضائه، وكتب الكتاب بمقتضاه. ففعلت وأخذت المائة دينار وتسلم الكتاب فلما كان الليل وأويت إلى فراشي اجتهدت في النوم فامتنع علي، وذكرت ما عملته وتجوزت فيه؛ فضاق صدري، وساء ظني، وقلت: هذا الذي كان يحذرني منه جعفر الحرامي، وندمت على
стр. 208
ما كان مني، وتقلبت على الفراش من غير أن يدخل النوم عيني، وحدثت نفسي بالركوب وقصد الرجل. وقد كان ذكر لي فيما جرى بيننا من الحديث أن منزله في الجانب الغربي في سكة كذا من سكك المدينة، فلم يمكن ذلك لأنه كان أول الليل، ثم لم أزل على حالي في القلق طويلاً، حتى إذا زاد ما بي تقدمت إلى غلماني بأن يسرجوا لي وبالخروج إلى الشارع، والمسألة عمن بتلك الطريق، فخرجوا وعادوا يذكرون أنه ما مر أحد. ثم أمرتهم بأن يسرجوا لي على كل حال، وأسرجوا وحملوا بين يدي شمعة، وركبت وسرت، فإذا الشرائج ممدودة، وأبواب الدروب مغلقة، فما تهيأ لي فتح شيء منها إلا ببر الحراس. ولم أزل على ذلك حتى انتهينا إلى رأس الجسر من الجانب الشرقي، فكان الباب مقفلاً، فسأل الغلمان الموكل به فتحه، فأبى، وبذلوا له دراهم عن ذلك فلم يقبلها. ووقفت إلى أن وافى فرانق من قبل بدر غلام المعتضد بالله بكتاب منه إلى بعض أهل الدولة النازلين في الجانب الغربي، ففتح له الباب وجاز وجزت معه. ثم وصلت بعد اجتهاد إلى دار الرجل، وتقدم غلماني إلى بابه فدقوه، وطالعهم من السطح، وسألهم عما يريدونه، فأشعروه بحضوري، فأمهل قليلاً ثم فتح الباب، وأذن في الدخول، ورآني فأنكر مجيئي في مثل ذلك الوقت، وقال: لو كتبت إلي لجئتك! فما الذي تحب الآن؟ فقلت وقع على سهو في الكتاب الذي كتبته لك، وخفت أن يقع عليه من يتتبعني وتتطرق من قوله قباحة علي. فقال: هذا قول لا يجوز على مثلي، ومن المحال
стр. 209
أن يخرج عن يدك ما فيه لحن وخطأ، ولعلك فكرت في شيء آخر من أمر الكتاب نفسه، فقلت: لا بد من إحضاره، فقال: توقف قليلاً. ثم قام وغاب لحظة وجاء ومعه صرة فيها خمسون ديناراً، وقال: تلك مائة وهذه خمسون ديناراً، وليس في كل وقت يعرض مثل ذلك، وكم في الدواوين من توقيع يجري هذا المجرى ولا يؤبه له ولا يتنبه عليه؟ ورغبني فيها ترغيباً كدت معه أن آخذها. ثم ذكرت محلي من أبي العباس بن الفرات، وموضعي من خدمته، ومكان أخي منه، وأنني أقدر أن أفيد معه وفي جملته الفوائد الكثيرة، فتماسكت وامتنعت، وعاودته المطالبة بالكتاب، ووضع غلامي بين يديه المائة الأولى. فقال: أحب أن تتوقف قليلاً. وقام ثم رجع ومعه الكتاب وخمسون ديناراً أخرى، وقال: هذه مائتا دينار، وهذا الكتاب، فاختر ما تريده منهما وخده. وأعاد من تهوين القصة وتجديد القول الداعي إلى الرغبة ما كادت به يدي تمتد إلى الدنانير. ثم راجعت الفكر، وأشفقت من ظهور الأعداء على الأمر، وفساد الجاه، وأخذت الكتاب ومزقته، ونهضت وركبت. فلما توسطت الجسر رميته مخرقاً في الماء، وعدت إلى منزلي، وكنت أنزل بسوق العطش. وقد بقيت سدفة من الليل، فطرحت نفسي على الفراش، ونمت نوماً طيباً، وزال ما كنت عليه من سوء الفكر واستشعار الخوف، وأصبحت وسألت غلماني عما عندهم من الطعام، وأنفذت إلى جماعة كانوا يعاشرونني، فحضروا وأكلنا، وحضر النبيذ وشربنا، وجاءني غلامي وقال: غلام أبي العباس بن الفرات بالباب يستدعيك. فأدخلته وأجلسته معنا، فأكل وشرب، وقلت له: عرفه أنني عند بعض أهلي بالجانب الغربي. فمضى، ولم يبعد أن جاء غلام آخر يطلبني، ففعلت به كمثل فعلي بالأول.
стр. 210
فانصرف. وقلت في نفسي: لأن ألقي أبا العباس معتذراً من تأخر يوم عن خدمته أولى من أن ألقاه معتذراً من مثل ذلك الذنب الكبير. فأقمت على جملتي بقية يومي
وباكرته من غد، فسألني عن سبب تأخري فأعلمته كوني عند بعض أهلي بالجانب الغربي. ومضت أيام، وورد كتاب العامل الذي تلك الضيعة في عمله وفي درجه حزر الغلة وقد نسب كل بيدر إلى مقاسمته؛ وعلى مثل هذا كانت الحزور ترد. فقرأه أبو العباس على رسمه حرفاً حرفاً، ووجد قد حكي تحت اسم بيدر من البيادر: مما ورد الكتاب بنقله من مقاسمة كذا إلى مقاسمة كذا. فلما قرأة اختلط وأنكر ذلك وقال: ما أذكره، ومتى أمرنا بنقل المقاسمات الثقيلة إلى المقاسمات الخفيفة؟ واستدعى أبا عبد الله أخي، وتقدم إليه بأن يكتب إلى العامل بإنكاره ما وقف عليه من الحكاية التي حكاها في الحزر، ويرد الكتاب الذي وصل إليه في هذا المعنى بعينه. فكتب ذلك، ومضت أيام فلم أشعر وأنا بحضرته إلا بكتاب العامل قد ورد جواباً عما كوتب، وفي درجة الكتاب الذي طلب منه. وقرأه أبو العباس ابن الفرات، وأقبل يدفعه إلى واحد واحد من الكتاب الذين في مجلسه، ويسأله عن صاحب خطه. ثم دفعه ألي فلما قرأته ذكرت اسم البيدر، وقلت في نفسي: أي شيء كان أسوأ حالاً مني لو كان بخطي وقد ورد في مثل هذا المجلس الحافل؟ ولم يعرف أحد من الحاضرين الخط، وسلمه إلي أحمد بن يزيد المدير وقال له: إمض به إلى الديوان، وخذ خطوط أصحاب المجالس وخلفائهم بما عندهم من العلم به، وجئني بنسخته إذا وجدتها من مواضعها. كرته من غد، فسألني عن سبب تأخري فأعلمته كوني عند بعض أهلي بالجانب الغربي. ومضت أيام، وورد كتاب العامل الذي تلك الضيعة في عمله وفي درجه حزر الغلة وقد نسب كل بيدر إلى مقاسمته؛ وعلى مثل هذا كانت الحزور ترد. فقرأه أبو العباس على رسمه حرفاً حرفاً، ووجد قد حكي تحت اسم بيدر من البيادر: مما ورد الكتاب بنقله من مقاسمة كذا إلى مقاسمة كذا. فلما قرأة اختلط وأنكر ذلك وقال: ما أذكره، ومتى أمرنا بنقل المقاسمات الثقيلة إلى المقاسمات الخفيفة؟ واستدعى أبا عبد الله أخي، وتقدم إليه بأن يكتب إلى العامل بإنكاره ما وقف عليه من الحكاية التي حكاها في الحزر، ويرد الكتاب الذي وصل إليه في هذا المعنى بعينه. فكتب ذلك، ومضت أيام فلم أشعر وأنا بحضرته إلا بكتاب العامل قد ورد جواباً عما كوتب، وفي درجة الكتاب الذي طلب منه. وقرأه أبو العباس ابن الفرات، وأقبل يدفعه إلى واحد واحد من الكتاب الذين في مجلسه، ويسأله عن صاحب خطه. ثم دفعه ألي فلما قرأته ذكرت اسم البيدر، وقلت في نفسي: أي شيء كان أسوأ حالاً مني لو كان بخطي وقد ورد في مثل هذا المجلس الحافل؟ ولم يعرف أحد من الحاضرين الخط، وسلمه إلي أحمد بن يزيد المدير وقال له: إمض به إلى الديوان، وخذ خطوط أصحاب المجالس وخلفائهم بما عندهم من العلم به، وجئني بنسخته إذا وجدتها من مواضعها.
стр. 211
قال: وسبق الخبر إلى الكتاب، وقد كان الرجل صاحب البيدر برهم بجملة حتى أثبتوه عندهم، فما منهم إلا من قطعه وأخرجه من شك الورق، ورمى به في المستراح، أو أعطاه غلامه حتى أخرجه من الديوان وخبأه في خفه أو تحت الأرض. ولما دار عليهم ابن يزيد أنكروا وجحدوا ما فيه من علاماتهم وخطوطهم فأخذ خطوطهم على ظهر الكتاب بما ذكروه، وجاء به إلى أبي العباس. ونحن في تلك الحال إذ جاءت إليه رقعة من متنصح يذكر فيها اسم الرجل الذي كتب الكتاب وموضع منزله، فدعا أبو العباس العباس الفرغاني حاجبه، وأمره بكبس الدار وطلب الرجل، فإن وجده أحضره وإن لم يجده أنهب كل ما فيها. فمضى ومعه ثلاثون راجلاً فكبس الدار، ولم يظفر بالرجل، فنهب الرجالة والأتباع ما كان فيها، وعرف الرجل الخبر فاستتر مدة، ثم خرج إلى الموصل هارباً، ولم يزل مقيماً بها إلى أن مات أبو العباس، فحمدت الله وشكرته على ما وفقني له، وخلصني منه، وعلمت أنه لا شيء أنفع من الصحة ولا أجل من الأمانة.
قال أبو القاسم: وحدثني أبي قال: كان أبو العباس بن الفرات يميل إلى أبي خازم القاضي ويكرمه ويقبل عليه إذا حضر عنده، ويتحدث معه، وكان أبو خازم أديباً وحافظاً، فحضر يوماً عند أبي العباس، وجرى الحديث بينهما، إلى أن أنشده أبو خازم:
أأنت الذي أخبرت أنك ظاعنٌ ... غداة غد أو رائح لهجير
وقلت يسيرٌ نصف شهر أغيبه ... وما نصف يوم غيبةً بيسير
قال له أبو العباس: أتحفظ في هذا الشعر غير ما أنشدته؟ قال: لا. قال: بلى
стр. 212
أنشدنا أبو محلم قال: أنشدنا الأصمعي لبعض العرب:
وما أنس ملأشياء لا أنس موقفاً ... لنا ولها بالصفح سفح ثبير
ولا قولها يوماً وقد بل جيبها ... سوابق دمع للفراق غزير
أأنت الذي أخبرت أنك ظاعن ... غداة غد أو رائح لهجير
وقلت يسير نصف شهر أغيبه ... وما نصف شهرٍ غيبة بيسير
قال: فقلت له: ألا قال نصف لحظة، نصف ساعة. قال: إن العرب تتهالك في أشعارها أحياناً، وتترك أحياناً فيه نفساً. فعجب أبو حازم من حفظه وزيادته على ما كان عنده، وطلب الدواة وكتب الحكاية والزيادة عنه وقال له: ما جئناك بفائدة إلا وانصرفنا من عندك بفوائد.
وحكى أبو القاسم عن أبيه قال: كان أبو العباس بن الفرات أذكر الناس وأحفظهم لما يمر به من قليل وكثير، فقال لي يوماً. ما اشتهيت أن أحفظ شيئاً قط إلا حفظته. وما آسي من عمري إلا على ثلاث سنين أفنيتها في علم إقليدس، فكيف لم أفنها في الفقه؟ قال: وكان أعلم الناس بالفقة على سائر المذاهب. وقال أبو القاسم: تأخرت أرزاق الكتاب في وزارة حامد بن العباس ونظر علي بن عيسى تأخراً طويلاً. فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة، وعرف ذلك، أنكره، وعجب من استمراره، وأنفذ المستحثين إلى العمال للمطالبة به، فقبضوا في مدة عشرة أشهر جاري أربعة عشر شهراً، وكان شديد التعصب لهم، والعناية بأمرهم. ولقد سمعته يوماً وقد خاطبه مخاطب على أن يجعل جاري بعض الكتاب
стр. 213
لكاتب في ناحيته، وهو يقول: قطع الله رزقي يوم أقطع رزق كاتب. ووقع للذي سئل في أمره بجار مستأنف. وقال أبو القاسم: سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول في وزارته الثالثة، وقد ذكر حال السواد وجلالته: إن الإحسان إلى الرعية يزيد في ارتفاعه، ولولا خوفي من أن يجلس في هذا المجلس من لا يعرف غرضي فيما أفعل، ويجعله تسوقاً علي عند من لا يفهم، لنقصت المزارعين ثلاثة أقفزة في كل كر من مقاسمة الإستان التام، ثم كان ينظر بعد ذلك كم يزيد في الارتفاع بهذه المسامحة. وحكى أبو القاسم قال: كان أبو الحسن بن الفرات يطلق للشعراء في كل سنة من سني وزارته عشرين ألف درهم رسماً لهم سوى ما يصلهم به متفرقاً وعند مديحهم إياه. فلما كان في وزارته الأخيرة تذكر طلاب الحديث وقال: لعل الواحد منهم يبخل على نفسه بدانق ودونه، ويصرف ذلك في ثمن ورق وحبر، وأنا أحق بمراعاتهم ومعاونتهم على أمرهم. وأطلق لهم من خزانته عشرين ألف درهم. قال أبو القاسم: وكان في جهتي رجل يعرف بأبي بكر محمد بن إبراهيم البرني فأخذت له منها ثلاثمائة درهم، وأخذت لأبي سعيد الحسن بن علي العدوى خمسمائة درهم؛ وكان جاري وقد سمعت منه سماعاً كثيرة. وأخذت لأبي العباس أحمد بن عبد الله بن عمار لأنه كان يجيئني ويقيم عندي وسمعت منه أخبار المبيضة
стр. 214
ومقتل حجر وكتب صفين وكتاب الجمل وأخبار المقدمي وأخبار سليمان بن أبي شيخ وغير ذلك خمسمائة درهم. وتم لي أخذ هذه الدراهم لمن أخذتها له وهم محدثون لا من طلاب الحديث بفضل الجاه يومئذ.
وقال أبو القاسم: كان أبو الحسن بن الفرات قد تقدم إلى والدي أبي عبد الله بأن يستأمره في كل توقيع يرد عليه، فكان يفعل ذلك، وحضره في بعض الأيام رجل بتوقيع في آخر رقعة قد كتبها يشكو فيها حاله، ويسأل إجمال النظر في أمره بإجراء خمسة عشر ديناراً في كل شهر وتسبيبها على بعض الجهات، فلما قرأه عرفه ما أمر به الوزير من استئذانه في كل توقيع يرد، وسأله عما يحبه في ترقيعة: من رده عليه لأنه كان قد استراب به أو عرضه والاستئمار فيه. فآثر الاستئمار، وأعلمه أنه يفعل ذلك في يومه، وأنه يجب أن يعود إليه في غده ليعرفه ما يكون منه فيه. وعرض والدي التوقيع على أبي الحسن، فلما قرأه أنكره وعرفه أنه مزور، وتقدم إليه بإحضار الرجل الذي أوصله إليه ليضربه بالسوط، ويشهره على جمل ويخلده الحبس، ويجعله أدباً وعظة لغيره ممن يحدث نفسه بمثل هذا الفعل، وأكد القول عليه. وحضر الرجل من غد متعرفاً لما جرى في أمر التوقيع، فأشار عليه والدي بالإنصراف والإمساك وألا يعيد قولاً في ذلك. فامتنع امتناعاً دعاه إلى أن شرح له الصورة، وأشعره بغلظ القصة وقال له: أنا أُخالف الوزير فيما أمرني به، وأعرفه متى سألني عنك أنك لم تعد إلي. فذكر أن توقيعه صحيح، وأنه لا يبالي بالحضور والوصول إلى حضرة الوزير، ولا يدع عند ذلك إقامة حجته وإبراء ساحته. فراجعه وحذره إشفاقاً عليه؛ وهو مقيم على أمره. ثم قال: فأتقدمك إلى الدار. قلت: الاختيار إليك. فانصرف.
قال أبو عبد الله: وتشاغلت بالنظر في حوائج من كان عندي من أسباب
стр. 215
المقتدر بالله ﵀ وغيرهم. فلما فرغت ركبت، ووجدته قد سبقني، ودخلت إلى أبي الحسن بن الفرات فقال لي: أين الرجل صاحب التوقيع؟ فقلت: ها هو حاضر. فأمر بإيصاله إليه. فلما رآه انتهره وزبره وقال له: تقدم على التزوير؟ وتقدم بحمله إلى صاحب الشرطة ليعاقبه ويشهره، ثم سأله عن نسبه، فأعلمه أنه ابن عم العباس بن الحسن. فلما ذكر ذلك له سكن غضبه، وأقبل عليه فتعرف منه خبر واحد واحد من أهله، ووصف له حالهم. فقال له: ما الذي حملك على ما فعلته؟ فقال كتابك الذين بحضرتك، لأني قصدتهم وسألتهم إيصال رقعة لي إليك أستعطف بها رأيك، وأستدعي فيها إحسانك، فما منهم من فعل، وأحوجني فعلهم إلى أن جعلت هذا التوقيع سبباً للوصول إلى مجلسك، وشكوى حالي إليك. فأخذ التوقيع ووقع تحته بإمضائه، ورسم لي مراعاته فيه حتى يسبب له على حيث يروج منه. ثم دعا أبا العباس أحمد بن مروان وكيله في داره، وتقدم إليه بأن يطلق له عاجلاً ثلاثة آلاف درهم يصرفها في مؤونته، وأن يقيم له في كل شهر خمسة عشر ديناراً من ماله سوى الجاري السلطاني الذي أمرنا بإجرائه له. فلما خرج إلي قال لي: أيما كان أعرف الوزير، أنا أو أنت؟ وعجب الناس من كرم ابن الفرات ورعايته لأهل البيوتات وذوي النعم والأقدار.
قال أبو القاسم: وحدثني أبي قال: كان أبو القاسم عبيد الله بن سليمان قد قلد أبا عبد الله جعفر بن محمد بن الفرات أعمال بهرسير والرومقان وإيغار يقطين وما يجري مع ذلك. وكان لأبي عبد الله محمد بن غالب الأصبهاني هناك مقاطعة، وتتبعها جعفر بن محمد فوجد فيها فضلاً كثيراً حمله على أن وكل بغلاتها إلى أن
следующие страницы →