← История

История · id 26106

تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء

الصابئ، هلال بن المحسن

Полный текст (381 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال: وسبق الخبر إلى الكتاب، وقد كان الرجل صاحب البيدر برهم بجملة حتى أثبتوه عندهم، فما منهم إلا من قطعه وأخرجه من شك الورق، ورمى به في المستراح، أو أعطاه غلامه حتى أخرجه من الديوان وخبأه في خفه أو تحت الأرض. ولما دار عليهم ابن يزيد أنكروا وجحدوا ما فيه من علاماتهم وخطوطهم فأخذ خطوطهم على ظهر الكتاب بما ذكروه، وجاء به إلى أبي العباس. ونحن في تلك الحال إذ جاءت إليه رقعة من متنصح يذكر فيها اسم الرجل الذي كتب الكتاب وموضع منزله، فدعا أبو العباس العباس الفرغاني حاجبه، وأمره بكبس الدار وطلب الرجل، فإن وجده أحضره وإن لم يجده أنهب كل ما فيها. فمضى ومعه ثلاثون راجلاً فكبس الدار، ولم يظفر بالرجل، فنهب الرجالة والأتباع ما كان فيها، وعرف الرجل الخبر فاستتر مدة، ثم خرج إلى الموصل هارباً، ولم يزل مقيماً بها إلى أن مات أبو العباس، فحمدت الله وشكرته على ما وفقني له، وخلصني منه، وعلمت أنه لا شيء أنفع من الصحة ولا أجل من الأمانة. قال أبو القاسم: وحدثني أبي قال: كان أبو العباس بن الفرات يميل إلى أبي خازم القاضي ويكرمه ويقبل عليه إذا حضر عنده، ويتحدث معه، وكان أبو خازم أديباً وحافظاً، فحضر يوماً عند أبي العباس، وجرى الحديث بينهما، إلى أن أنشده أبو خازم: أأنت الذي أخبرت أنك ظاعنٌ ... غداة غد أو رائح لهجير وقلت يسيرٌ نصف شهر أغيبه ... وما نصف يوم غيبةً بيسير قال له أبو العباس: أتحفظ في هذا الشعر غير ما أنشدته؟ قال: لا. قال: بلى

стр. 212

أنشدنا أبو محلم قال: أنشدنا الأصمعي لبعض العرب: وما أنس ملأشياء لا أنس موقفاً ... لنا ولها بالصفح سفح ثبير ولا قولها يوماً وقد بل جيبها ... سوابق دمع للفراق غزير أأنت الذي أخبرت أنك ظاعن ... غداة غد أو رائح لهجير وقلت يسير نصف شهر أغيبه ... وما نصف شهرٍ غيبة بيسير قال: فقلت له: ألا قال نصف لحظة، نصف ساعة. قال: إن العرب تتهالك في أشعارها أحياناً، وتترك أحياناً فيه نفساً. فعجب أبو حازم من حفظه وزيادته على ما كان عنده، وطلب الدواة وكتب الحكاية والزيادة عنه وقال له: ما جئناك بفائدة إلا وانصرفنا من عندك بفوائد. وحكى أبو القاسم عن أبيه قال: كان أبو العباس بن الفرات أذكر الناس وأحفظهم لما يمر به من قليل وكثير، فقال لي يوماً. ما اشتهيت أن أحفظ شيئاً قط إلا حفظته. وما آسي من عمري إلا على ثلاث سنين أفنيتها في علم إقليدس، فكيف لم أفنها في الفقه؟ قال: وكان أعلم الناس بالفقة على سائر المذاهب. وقال أبو القاسم: تأخرت أرزاق الكتاب في وزارة حامد بن العباس ونظر علي بن عيسى تأخراً طويلاً. فلما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة الثالثة، وعرف ذلك، أنكره، وعجب من استمراره، وأنفذ المستحثين إلى العمال للمطالبة به، فقبضوا في مدة عشرة أشهر جاري أربعة عشر شهراً، وكان شديد التعصب لهم، والعناية بأمرهم. ولقد سمعته يوماً وقد خاطبه مخاطب على أن يجعل جاري بعض الكتاب

стр. 213

لكاتب في ناحيته، وهو يقول: قطع الله رزقي يوم أقطع رزق كاتب. ووقع للذي سئل في أمره بجار مستأنف. وقال أبو القاسم: سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول في وزارته الثالثة، وقد ذكر حال السواد وجلالته: إن الإحسان إلى الرعية يزيد في ارتفاعه، ولولا خوفي من أن يجلس في هذا المجلس من لا يعرف غرضي فيما أفعل، ويجعله تسوقاً علي عند من لا يفهم، لنقصت المزارعين ثلاثة أقفزة في كل كر من مقاسمة الإستان التام، ثم كان ينظر بعد ذلك كم يزيد في الارتفاع بهذه المسامحة. وحكى أبو القاسم قال: كان أبو الحسن بن الفرات يطلق للشعراء في كل سنة من سني وزارته عشرين ألف درهم رسماً لهم سوى ما يصلهم به متفرقاً وعند مديحهم إياه. فلما كان في وزارته الأخيرة تذكر طلاب الحديث وقال: لعل الواحد منهم يبخل على نفسه بدانق ودونه، ويصرف ذلك في ثمن ورق وحبر، وأنا أحق بمراعاتهم ومعاونتهم على أمرهم. وأطلق لهم من خزانته عشرين ألف درهم. قال أبو القاسم: وكان في جهتي رجل يعرف بأبي بكر محمد بن إبراهيم البرني فأخذت له منها ثلاثمائة درهم، وأخذت لأبي سعيد الحسن بن علي العدوى خمسمائة درهم؛ وكان جاري وقد سمعت منه سماعاً كثيرة. وأخذت لأبي العباس أحمد بن عبد الله بن عمار لأنه كان يجيئني ويقيم عندي وسمعت منه أخبار المبيضة

стр. 214

ومقتل حجر وكتب صفين وكتاب الجمل وأخبار المقدمي وأخبار سليمان بن أبي شيخ وغير ذلك خمسمائة درهم. وتم لي أخذ هذه الدراهم لمن أخذتها له وهم محدثون لا من طلاب الحديث بفضل الجاه يومئذ. وقال أبو القاسم: كان أبو الحسن بن الفرات قد تقدم إلى والدي أبي عبد الله بأن يستأمره في كل توقيع يرد عليه، فكان يفعل ذلك، وحضره في بعض الأيام رجل بتوقيع في آخر رقعة قد كتبها يشكو فيها حاله، ويسأل إجمال النظر في أمره بإجراء خمسة عشر ديناراً في كل شهر وتسبيبها على بعض الجهات، فلما قرأه عرفه ما أمر به الوزير من استئذانه في كل توقيع يرد، وسأله عما يحبه في ترقيعة: من رده عليه لأنه كان قد استراب به أو عرضه والاستئمار فيه. فآثر الاستئمار، وأعلمه أنه يفعل ذلك في يومه، وأنه يجب أن يعود إليه في غده ليعرفه ما يكون منه فيه. وعرض والدي التوقيع على أبي الحسن، فلما قرأه أنكره وعرفه أنه مزور، وتقدم إليه بإحضار الرجل الذي أوصله إليه ليضربه بالسوط، ويشهره على جمل ويخلده الحبس، ويجعله أدباً وعظة لغيره ممن يحدث نفسه بمثل هذا الفعل، وأكد القول عليه. وحضر الرجل من غد متعرفاً لما جرى في أمر التوقيع، فأشار عليه والدي بالإنصراف والإمساك وألا يعيد قولاً في ذلك. فامتنع امتناعاً دعاه إلى أن شرح له الصورة، وأشعره بغلظ القصة وقال له: أنا أُخالف الوزير فيما أمرني به، وأعرفه متى سألني عنك أنك لم تعد إلي. فذكر أن توقيعه صحيح، وأنه لا يبالي بالحضور والوصول إلى حضرة الوزير، ولا يدع عند ذلك إقامة حجته وإبراء ساحته. فراجعه وحذره إشفاقاً عليه؛ وهو مقيم على أمره. ثم قال: فأتقدمك إلى الدار. قلت: الاختيار إليك. فانصرف. قال أبو عبد الله: وتشاغلت بالنظر في حوائج من كان عندي من أسباب

стр. 215

المقتدر بالله ﵀ وغيرهم. فلما فرغت ركبت، ووجدته قد سبقني، ودخلت إلى أبي الحسن بن الفرات فقال لي: أين الرجل صاحب التوقيع؟ فقلت: ها هو حاضر. فأمر بإيصاله إليه. فلما رآه انتهره وزبره وقال له: تقدم على التزوير؟ وتقدم بحمله إلى صاحب الشرطة ليعاقبه ويشهره، ثم سأله عن نسبه، فأعلمه أنه ابن عم العباس بن الحسن. فلما ذكر ذلك له سكن غضبه، وأقبل عليه فتعرف منه خبر واحد واحد من أهله، ووصف له حالهم. فقال له: ما الذي حملك على ما فعلته؟ فقال كتابك الذين بحضرتك، لأني قصدتهم وسألتهم إيصال رقعة لي إليك أستعطف بها رأيك، وأستدعي فيها إحسانك، فما منهم من فعل، وأحوجني فعلهم إلى أن جعلت هذا التوقيع سبباً للوصول إلى مجلسك، وشكوى حالي إليك. فأخذ التوقيع ووقع تحته بإمضائه، ورسم لي مراعاته فيه حتى يسبب له على حيث يروج منه. ثم دعا أبا العباس أحمد بن مروان وكيله في داره، وتقدم إليه بأن يطلق له عاجلاً ثلاثة آلاف درهم يصرفها في مؤونته، وأن يقيم له في كل شهر خمسة عشر ديناراً من ماله سوى الجاري السلطاني الذي أمرنا بإجرائه له. فلما خرج إلي قال لي: أيما كان أعرف الوزير، أنا أو أنت؟ وعجب الناس من كرم ابن الفرات ورعايته لأهل البيوتات وذوي النعم والأقدار. قال أبو القاسم: وحدثني أبي قال: كان أبو القاسم عبيد الله بن سليمان قد قلد أبا عبد الله جعفر بن محمد بن الفرات أعمال بهرسير والرومقان وإيغار يقطين وما يجري مع ذلك. وكان لأبي عبد الله محمد بن غالب الأصبهاني هناك مقاطعة، وتتبعها جعفر بن محمد فوجد فيها فضلاً كثيراً حمله على أن وكل بغلاتها إلى أن

стр. 216

يرد عليه الكتاب بالإفراج عنها أو غير ذلك. وشق ما كان منه على محمد ابن غالب، وكتب إلى عبيد الله بن سليمان رقعة في هذا المعنى، وأورد في آخرها أبيات شعر فيها: أيظلمني عامل البهرسير ... ويركب مني صعب الأمور ويبطل من سنتي ما جرى ... ويضغمني ضغم ذئبٍ عقور وأوصلها من يده إلى عبيد الله، وكان أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات حاضراً، فأعطاه عبيد الله الرقعة وقال لمحمد بن غالب: الأمر إلى أبي العباس في الإمضاء أو الفسخ. فقال أبو العباس: فإني قد أمضيت. وأخذ القلم من الدواة ووقع بإمضاء المقاطعة، والإفراج عن الغلة. فكان محمد بن غالب يشكره على ذلك بعد عيبه عليه مما جرى في أيام أبي الصقر إسماعيل بن بلبل. وحدث أبو القاسم قال: اجتمع كتاب أبي الحسن بن الفرات يوماً بحضرته، وذلك في وزارته الأخيرة، فذكر كل واحد منهم ما لحقه من الشدائد في استتاره، فحدثه أبو عمرو سعيد بن الفرخان النصراني انه كان في موضع وأراد الانتقال عنه، فخرج قبل طلوع الفجر، فلما توسط الطريق تبعه إنسان لا يعرفه. وأخذ في غير الوجه الذي أراده، وتبعه، وخرج منه إلى غيره، وهو يمشي معه. قال أبو عمرو: فلما كاد الصبح يسفر وقفت وقلت: أنا رجل خائف، وأريد أن أقصد موضعاً أستتر فيه، وقد قارب الوقت الذي قدرته أن يقرب باتباعك إياي. قال لي: قد عرفتك، وما قصدت فيما فعلته إلا الجميل معك، ولو أردت الاستتار لكانت معوضة، وهذا منزلي لك وبين يديك، وأسألك أن تعدل إليه وتعمل على المقام فيه. فنظرت فإذا الوقت قد أزف، ولا يمكنني الوصول إلى الموضع الذي أردت قصده إلا مع طلوع الشمس. فمضيت معه، وتقدمني واتبعته حتى وصل إلى منزله،

стр. 217

ودخل وأدخلني، فوجدت داراً طيبة، وفيها فرش نظيف، وأكرمني ومهد لي، وجلس دوني وقال لي: اعلم جعلني الله فداك أني رجل مزين، وأرجع إلى سعة حال ولي ثلاثون غلاماً، لكل واحد منهم منزل مثل منزلي، فتقيم عندي ما أحببت، فمتى ضاق صدرك وأحببت الانتقال نقلتك إلى منزل واحد واحد منهم، فأقمت فيه شهراً، ولعل المدة في فرج الله عنك وبلوغك محابك أن تكون أقصر من ذلك، وبالعاجل قد أفردت لك داراً، وأعددت فيها جميع ما تحتاج إليه، حتى لا تستعمل شيئاً مما نستعمله نحن، فربما لم تستنظفه. ونهض من عندي وغاب ساعة وقال: إذا شئت يا سيدي. فقمت وأدخلني إلى دار متصلة بداره، قد فرشت بفرش نظيف، وجعل فيها ما يحتاج إليه، من طست وإبريق وجرار وكيزان وقدور وغضائر وجامات وسكرجات وصواني وأطباق وقناني وأقداح، وإذا جارية سوداء واقفة. فقال: تكون هذه بين يديك متولية لخدمتك، وأنا صاحب خبرك، فإذا كان عشية انصرفت إليك بما أسمعه. فشكرته وجزيته الخير. ومضى وطبخ لي ما أردت، واحضرت من الشراب ما طلبت، وكان يجيئني في آخر كل نهار فيحدثني بما يعرفه فلم أزل على هذه الحال مدة أربعة اشهر لا أعدم شيئاً مما أريده. ثم ضاق صدري وأحببت الانتقال، فأشعرته بذلك، فاختار لي واحداً من أصحابه ذكر تقدمه عنده وثقته، فأشار بالنقلة إلى داره. فمضيت إليه معه، فكان منزله قريباً من منزل مولاه، وخدمني وما قصر في معرفة حقي والقيام بما أريده، وأقمت عنده شهراً،

стр. 218

وأردت الانتقال، فعرفت المزين ذلك، فأشار بالرجوع إلى منزله، فرجعت ولم تمض إلا أيام يسيرة حتى فرج الله عنا، وكشف وجوهنا بالوزير أدام الله تأييده. فقال له الوزير أبو الحسن بن الفرات: فأي شيء عملت في أمر هذا الرجل؟ وبأي مكافأة كافأته على جميل فعله؟ قال: لا والله أيها الوزير ما عملت معه قليلاً ولا كثيراً. فقال له: بئس ما فعلت. فإنك قد فضحت المستترين، وضيقت عليهم مذاهبتهم. والآن أنا أولى بقضاء الحق عنك منك. أنفذ إلى الرجل وجئني به. قال ابن الفرخان: فقلت لكاون غلامي: امض إلى المزين الذي كنا مستترين عنده فجيء به، وعرفه أن الوزير يريده. فمضى فلما بعد قال لي الوزير: أردده وتقدم إليه بأن يورد عليه رسالة جميلة يسكن إليها، وأن يحضره على وفق وإكرام قال: فرددته وأوصيته، ومضى الغلام، وتشاغل أبو الحسن بالنظر والعمل، وتشاغلنا بالتوقيع والكتب. ثم جاء الغلام وعرف أبا عمرو بن الفرخان حضور المزين، وعرف أبو عمرو الوزير ذلك. فقال: يدخل. وخرج الحاجب فأوصله إلى المجلس، فوقف على بعد، فاستدناه وامتنع، فألح عليه فدنا، وأمره بالجلوس فأبى أشد الإباء. ولم يزل به حتى جلس. ثم قال له: لم تتأخر مقابلة أبي عمرو لك عن جميل ما أوليته إياه إلا لأنه خرج على حال مختلة، وذات يد قصيرة، وأنا أتولى ذلك عنه، ولقد أحسنت بارك الله عليك وفعلت ما يفعله الأحرار. فقام وقال: قد وصلت أيها الوزير إلى أعظم الجزاء بوصولي إلى هذا المجلس، وسماعي لهذا الخطاب، وبلغت غاية أملي، ونهاية أمنيتي بذلك. وما بلغت ما كان في نفسي من قضاء حقه وأشار إلى أبي عمرو فأمر أبو الحسن بإحضار أبي العباس أحمد بن مروان وكيله، فحضر وأسر إليه شيئاً لم نعلم ما هو، فخرج وأخذ المزين معه، ثم عاد بعد ساعة وحدثه ما لم نسمعه، فأخرج رأسه من سراره وقال: أرأيتم مثل ما نحن فيه مع هذا

стр. 219

المزين؟ تقدمت إلى ابن مروان بأن يدفع إليه خمسة آلاف درهم، فعرفني أنه امتنع من قبولها؛ وذكر سعة حاله واستغناءه عنها. ورد إليه ابن مروان برسالة في هذا المعنى، فمضى وعاد فذكر إقامته على الامتناع، فأمر الوزير أبا عمرو بن الفرخان بأن يقوم إليه، ويلطف به ويرفق، ولا يدعه حتى يقبل ما أطلقه، وقال: لعله استقل الخمسة آلاف درهم، فلتجعل خمسمائة دينار. فأحضره وألزمه أخذها، وعرفه أنه إن امتنع من ذلك غضبت عليه وأنه يفسد ما قد حصل له في نفسي. فقام أبو عمرو ساعة ثم عاد وقال ما زلت معه في مراوضة وملاطفة حتس قبلها وانصرف شاكراً. فبقينا وبقي الناس زماناً يتعجبون من فعل المزين وكبر نفسه. وكرم ابن الفرات وكافأته عن كاتبه. قال أبو القاسم بن زنجي: كان أبو الحسن بن الفرات قد كاتب يوسف بن ديوداد ابن أبي الساج في أمر الري، وطالبه بحمل ما وجب من مالها على أنها ضمان في يده. فأجاب بأنه لم يضمن ضماناً يتعين عليه الخروج منه، ويسأل أبو الحسن عما عنده في ذلك يعني علي بن عيسى وكان إذ ذاك مصروفاً منكوباً في اعتقال أبي الحسن ابن الفرات فسأله عن ذلك، فذكر أنه ضمنه الأعمال، وأن وثيقة الضمان عند صاحب الديوان. وكان أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد يتقلد ديوان المشرق، وهذه الناحية جارية فيه، فطولب بذلك، وأحال على أبي الفتح الفضل بن جعفر بن محمد ابن الفرات وكان خليفته على الديوان. ورجع إليه فذكر أن الوثيقة حملت إليه، ووقف عليها، وردها بعد أن حملها إلى صاحب الديوان. واعتقل أبو الحسن بن الفرات الفضل ابن جعفر بهذا السبب، وجرت خطوب في هذا المعنى، وذلك في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة بعقب صرف حامد عن الوزارة وعلي بن عيسى عن خلافته،

стр. 220

وأوجبت الصورة طلب ذلك في الخزانة المنقولة من دار علي بن عيسى إلى دار أبي الحسن بن الفرات. قال أبو القاسم: فأمرني أبو الحسن بأن أدخل الخزانة، وأقلب ما فيها من الأعمال، وألتمس وثيقة الضمان، وفعلت، وكانت خزانة عظيمة في بيت يعرف بالدمشقي في داره المعروفة بسليمان بن وهب في المخرم، والأعمال تكاد تبلغ السقف. وكان يمر في عرض ما أفتش عنه نسخ ما كتبه علي بن عيسى إلى ذكا الأعور، المقيم كان بمصر، ثم إلى تكين الخاصة المتقلد لها بعده وإلى الحسين بن أحمد المادرائي ومحمد بن جعفر القرمطي ونجح وابن رسم وغير هؤلاء من الولاة، فأقرأها وأجدها في نهاية الحسن. وربما أخذت بعضها وأجد في خلال ذلك حزوراً وكيولاً وكتباً من المنفقين في العساكر بما توفر من أموال الرجال، وبما وقفوا عليه من حال البدلاء والدخلاء لم يخرج إلى الدواوين، وأجمع ذلك وأخرج ألى الوزير أبي الحسن إضبارةً منه في كل يوم. فكان يعجب من علي بن عيسى وتركه وإخراج هذه الأعمال إلى الدواوين ويطعن عليه بذلك ويقول: يا قوم، سمعتم من يؤخر إخراج تقدير الغلات وحزرها وكيلها وكتب المنفقين بما توفر من المال إلى الدواوين؟ لم لا يتناقل كبار الكتاب وأصاغرهم هذه الأعمال ويثبتونها في مجالسهم ويقابلوا عليه ما عندهم؟ وأية حجة تكون لنا على الأعمال والعمال أذا احتسبوا بمال الرجال على العبر من غير حطيطة؟ وكان فيما أخرجته في بعض الأيام إليه عمل عمله عثمان بن سعيد المعروف بابن الصيرفي صاحب ديوان الجيش لما يراد للجيش في مدة سنة، وقد أورد فيه حال المماليك لخمسة أشهر، فحين وقف عليه جزاني الخير على إخراجه إليه، وذكر أن

стр. 221

نصرا القشوري طالبني بحضرة المقتدر بالله بإطلاق مال المماليك لستة أشهر، وادعى أن على بن عيسى كان يطلق لهم على ذلك، وأن هذا العمل يبطل قوله سيما وهو بخط ابن الصيرفي كاتبه وصاحب ديوانه. فأخذه معه، وانحدر إلى المقتدر بالله، وواقف نصرا الحاجب عليه بحضرته، فوقع له بذلك من المقتدر أحسن موقع، ولنصر أقبح موقع. قال أبو القاسم: وكان في هذه الخزانة كتب إلى علي بن عيسى ممن كان يشخصه من القاسم بن دينار وأحمد بن محمد بن رستم وزيد بن إبراهيم والحسين ابن أحمد المعروف بأبي زنبور المادرائي وأبي بكر محمد بن علي المادرائي فيها، العجائب، ودفتر منسوب إلى الحلاج فيه آداب الوزارة، وغير ذلك من رقاع المقتدر بالله ووالدته إليه ونسخ أجوبتها. قال أبو القاسم: وكان أبو الحسن بن الفرات قد استظهر في أمر الموسم لسنة إحدى عشرة وثلاثمائة استظهاراً شديداً، لأنه أحب أن يجري أمره في أيامه على أفضل ما جرى عليه فيما قبلها، وأطلق لأبي الهيجاء بن حمدان في وقت واحد بإطلاق واحد مائة ألف دينار، وأخرج إلى أن نفذ في القافلة الثانية ما قدره أبو بكر عثمان بن سعيد صاحب ديوان الجيش، وكذلك لمن صدر في القافلة الثالثة، وكان أكثر من مائة ألف دينار. وأزاح العلة في ثمن جميع ما احتيج إلى ابتياعه من الحضرة، وابتيع ذلك وحمل، وانتظم أمر القوافل، وتوجهت بأجمعها

стр. 222

من الحضرة. واتصل بأبي الحسن بن الفرات أن القرامطة قد تحركوا للفساد وهموا باعتراض الجيش، فكتب إلى أبي الهيجاء كتاباً بخطي يعرفه ما بلغه، ويوصيه ويحذره، ويأمره بالتيقظ والتحفظ وإذكاء العيون في جميع الطرق، وأجابه من القصر جواباً أنفذ في درجه كتاباً في جلد يضمن فيه المال والدم، وقد أشهد فيه جماعة الشهود والوجوه والتناء في البلد. فلما قرأه أبو الحسن سرته قوة نفسه، وضاق صدره من هذا الفعل الذي هو جار في سبيل البغي. وحدث في تلك السنة ما حدث على الحاج مما زاد به القلق والانزعاج، وأنفذ نزار ابن محمد وغيره من القواد لتلقيهم، وأطلق صدراً كبيراً من المال ابتاع به من الحضرة القمص والسراويلات والعمائم والأردية والأرز ليدفع ذلك إلى من يحتاج إليه، وحمل مالاً واسعاً ففرق على الناس بحسب أحوالهم وما يتحملون به إلى منازلهم. وحدث أبو القاسم قال: كان أبو العباس وأبو الحسن إبنا الفرات ينزلان في أيام أبي الصقر إسماعيل بن بلبل في ربض حميد، وكان حد دارهما من الموضع الموازي لسكة الحوض إلى درب أبي سورة، وهو حد الدار المعروفة بالعروض. وعهدي بها وفيها بستان كبير كثير النخل والشجر، وبيت أحمر السقف والحيطان يعرف ببيت الدم. ثم قبضت وبيعت مع أن أصلها وقف، وابتاعها جماعة وتنقل الملك فيها من واحد إلى آخر. فمن ذلك الدار التي في الطرق وتوازي

стр. 223

سكة الحوض، فإنها حصلت لأبي الحسن محمد بن عبيد الله العلوي الكوفي، ثم انتقلت إلى ورثته. ومن ذلك دور وحجر وغرف كثيرة تلي هذه الدار صارت لجماعة من الناس، ومن ذلك دار كانت لعثمان بن الحسين ابن عبد العزيز الهاشمي، ويليها دار لعلي بن عبد الرحمن المعروف بابن هانيء الكوفي، ثم دار كبيرة واسعة ملكتها نزهة الملقمة. وهي تنتهي إلى آخر دور بني الفرات.. ولجعفر بن قدامة في أبي الحسن بن الفرات: يا بن الفرات ويا كري ... م الخيم محمود الفعال ضيعت بعدك واطرح ... ت وبان للناس اختلالى وتغيرت مذ غيرت ... أحوالك الأيام حالي لهفا أبا حسن على ... أيامك الغر الخوالي لهفا عليها إنها ... بليت بأحوال بوالي لا يجوز في لهفا التنوين لأن تفجع المرزئة لهفاه فحذفت الهاء في الوصل وبقيت الألف على سكونها. وله أيضاً فيه: لمّا خلوت من الفوا ... ئد والمنافع والصلات وعدمت في الأعياد ما ... عودت من كل الجهات وبقيت فيها حائراً ... كالسفر ضلوا في الفلاة ناديت يا سقيا ويا ... رعيا لعصر ابن الفرات

стр. 224

ملك أشم مسود ... رطب الأنامل بالهبات يعطي الرغيب ولا يمن ... ولا ينغص بالعدات وله فيه أيضاً: لما غدوت وفي الحشا ... نار مضرمة تشب والفكر والأحزان مش ... حون بها جسم وقلب أنشدت ما قال ابن جه ... مٍ وهو بالأشعار طب أملقت بعدك يا علي ... ونالني ما لا أحب وحدث أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان قال: كان الفضل بن الحسن الواسطي يتولى بيع غلات أبي العباس وأبي الحسن ابني الفرات، وكانت عظيمة لكثرة ضياعهما وزيادة ارتفاعهما. فاتفق أن مات، فأقاما مقامه عبد الوهاب بن أحمد بن ما شاء الله أحد غلمانه الرفاشين بين يديه، وقدماه ورفعا منه ونوها باسمه، وأكسباه مالاً جزيلاً، فتأثلت به حاله وصرف أبو الحسن عن وزارته الأولى. فخدم علي بن عيسى وباع غلاته. فلما عاد أبو الحسن بن الفرات إلى الوزارة ثانياً لم يؤاخذه بخدمة علي بن عيسى، وأجراه على رسمه في بيع غلاته، وخاطب أبا عمر القاضي في قبول شهادته وإظهار عدالته. وقبض علي بن الفرات، وتقلد الوزارة حامد بن العباس، وخلفه علي بن عيسى ورؤساء الناس، فلما صرف

стр. 225

حامد ووزر ابن الفرات الوزارة الثالثة قبض علي ابن ما شاء الله، فأنفذ مفلح الأسود خادم المقتدر بالله وله القدم المتمكنة، والمنزلة المتقدمة، والدالة القوية على ابن الفرات لقيامه بأمره عند عوده في هذا الوقت إى نظره يسأله في بابه، وحضر كاتبه برسالته في معناه. فقال ابن الفرات: الأستاذ هو الصاحب، وأمره الممتثل، وأنت أيها الرسول المأمون، لكنني أحضر ابن ما شاء الله، وأقفه بين يديك على ما تسمعه، فإن أردت بعد ذلك أن تتخذه سلمته إليك ولم أراجعك فيه. تم تقدم بإحضار ابن ما شاء الله، فحضر يرسف في قيوده، فأمر بنزع الحديد عنه، فنزع من ورقته، ثم قال له: اجلس، فامتنع، فكرر عليه القول فجلس. ثم أحلفه يميناً استوفاها عليه أن يسمع ما يقول له ويجيب بما عنده من غير تقية، ولا تورية ولا مواربة، ومتى ذكر له ما فيه تزيد رده أو تعنت دفعه، وناظره مناظرة النظير لنظيره من غير مراعاة لموضعه، ولا احتشام لمكانه. فلما فرغ من ذلك قال له: ألم يكن الفضل ابن الحسن الواسطي بيعي وبيع أبي العباس أخي، وله الحال والجاه والمنزلة والوجاهة بمعاملتنا وتولى غلاتنا وكنت رفاشاً بين يديه؟ قال: بلى. قال: فلما مات ألم نصطنعك ونقمك في خدمتنا مقامه ونرتبك الترتيب الذي شاع ذكرك فيه؟ ومال الناس إلى معاملتك به من أبي الحسن علي بن عيسى خصمنا وغيره من أصحاب السلطان حتى كثر مالك وتريشت حالك؟ قال: بلى. قال: فلما سخط السلطان علي وانصرفت عما كنت أخدمه فيه ألم تعدل إلى أبي الحسن علي بن عيسى وهو عدوى تعامله وتداخله؟ قال: بلى. قال: ثم عدت إلى خدمة السلطان فهل

стр. 226

واخذتك بذلك أو نقمته عليك أو عدلت في خدمتي عنك؟ قال: لا. قال: فهل استعنا بك في نكبة، أو حملناك من أمرنا كلفة، أو حملت إلينا قط مرعاة أو ملاطفة أو فعلت لك مع أحد من أسبابنا في وقت استغناء أو حاجة؟ قال: لا. قال: أفلم نرفع من قدرك وألزمنا أبا عمر القاضي قبول شهادتك حتى زدت على الأماثل من نظرائك؟ قال: بلى. ثم قال له المحسن ابنه وكان حاضراً: أما جئتك ليلة في سميرية ومعي خديجة بنت الفضل بن جعفر بن الفرات بنت عمي وزوجتي وثلاثون بدرة عيناً نقلتها على كتفي إلى المسجد المجاور لدارك بشارع الماذيان وعلى قريب من سوق الطعام، وأجلست المرأة تحفظ البدر، وطرقت بابك متخفياً، وعلي كنانة سوداء، وبيدي طبرزين، ودفعت الباب ففتحت لي جاريتك وهجمت عليك وأنت وحرمك في صفة دارك فارتعت وقلت: من أنت؟ فلما تبينت وجهي قلت: سيدنا الوزير؟ قلت: لست الوزير أنا سرور غلام خديجة بنت الفضل بن جعفر، اخرج معي وأبعد من معك عنك. فخرجت. ونقلنا البدر إلى دارك، ومعها زوجتي وقلت لك: هذه خديجة بنت عمي وزوجتي وهي طالق مني ثلاثاً بتاتاً إن كان هذا المال لي أو لأبي، بل هو ملكها وإرثها عن أبيها، وهو وديعة لها عندك، وأمانة في عنقك، لا تعط أحداً منه ديناراً فما فوقه سواها. فقلت: نعم. وتسلمت البدر؟ قال: نعم. قال: واعتذرت بما كان جرى فعذرتك وقلت لك: إنما اعتبرتك واختبرتك؟ قال: نعم. فقال له أبو الحسن بن الفرات: أفلم نحضر الشهود عند مصادرتنا وقد جمع الناس فحلفنا أنا والمحسن

стр. 227

ابني بالأيمان المغلظة السلطانية والمشتملة على العتاق والطلاق وصدقة المال أنه لم يبق لنا موجود ولا مذخور ولا مودوع، وأقسمنا بعد القسم بالله بحق رأس أمير المؤمنين على مثل ذلك، وأحللناه من دمنا إن كنا كاذبين؟ قال: نعم. قال: أفلم تسمع اليمين وأنت تعلم أننا صادقان فيها بخروج ما عندك عما نملكه مع ما قاله لك المحسن في أمره أنه لزوجته من دونه ودون غيره، وأنه مال ورثته عن أبيها، ما استفادته منا؟ قال: نعم. قال: أفلم تقم في ذلك المجلس مع علمك ما تعلم وقلت كذب، له عندي ثلاثون بدرة عيناً أودعنيها ابنه المحسن؟ ولو لم نبلغك ما بلغناك ونقدمك من منزلة الشهود إلى ما قدمناك لما حضرت مثلك ذلك المجلس. ويا ليتك لما فعلت ما فعلت صدقت عن باطن الأمر، فقد كان يسعك أن تعطي ما أعطيت وتسلم ما تسلمت بعد أن تذكر ما جرى بين المحسن وبينك. فلما سمع كاتب مفلح من قول ابن الفرات لابن ما شاء الله ما قال واعترافه له بجميع ذلك نهض وقال: أستودع الله الوزير. وانصرف، وأمر الوزير برد ابن ما شاء الله إلى محبسه ثم قتله. وقال الناس: إن كان دم لا يطالب الله به ابن الفرات فدم ابن ما شاء الله. وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو الحسن الأزرق التنوخي قال: حدثني بعض أصحابنا قال: حدثني أبو علي بن مقلة قال: هـ، وأنه مال ورثته عن أبيها، ما استفادته منا؟ قال: نعم. قال: أفلم تقم في ذلك المجلس مع علمك ما تعلم وقلت كذب، له عندي ثلاثون بدرة عيناً أودعنيها ابنه المحسن؟ ولو لم نبلغك ما بلغناك ونقدمك من منزلة الشهود إلى ما قدمناك لما حضرت مثلك ذلك المجلس. ويا ليتك لما فعلت ما فعلت صدقت عن باطن الأمر، فقد كان يسعك أن تعطي ما أعطيت وتسلم ما تسلمت بعد أن تذكر ما جرى بين المحسن وبينك. فلما سمع كاتب مفلح من قول ابن الفرات لابن ما شاء الله ما قال واعترافه له بجميع ذلك نهض وقال: أستودع الله الوزير. وانصرف، وأمر الوزير برد ابن ما شاء الله إلى محبسه ثم قتله. وقال الناس: إن كان دم لا يطالب الله به ابن الفرات فدم ابن ما شاء الله. وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: حدثني أبو الحسن الأزرق التنوخي قال: حدثني بعض أصحابنا قال: حدثني أبو علي بن مقلة قال: كنت أكتب بين يدي أبي الحسن بن الفرات قبل وزارته، فلما وزر قال لي في يوم نظره: أحضر ابن الأكموش وعشرة أنفار من التجار وبع عليهم ثلاثين ألف كر من غلات السواد، واستثن في كل كر بدينارين، وطالبهم بتعجيل مال الاستثناء في ثلاثة أيام. ففعلت ذلك، وكتبت لهم بالتسليم، وأنسيت مطالعة الوزير لشغل قطعني. ثم عرفته أياه. ثم استأذنته في تسليم المال إلى من يراه، فقال:

стр. 228

يا سبحان الله، أقدرت أنني استثنيت به لنفسي؟ لقد قبحت في هذا الظن، إنما أردت أن أصلح حالك به وأبين صحبتك بمكانه، فخذه واصرفه فيما تحتاج إليه، فقبلت يده ودعوت له، وانصرفت ألى منزلي وما أتمالك فرحاً، فطالبتني نفسي منذ حصل لي ما حصل من المال بمعالي الأمور وكبير المنازل. وحدث القاضي أبو علي قال: حدثني أبو جعفر طلحة بن عبد الله قال: حدثني أبو محمد الحسن بن محمد الصلحي قال: قال لنا أبو الحسن بن الفرات يوماً وقد جرى بحضرته أمر رجل قد أسرف في الظلم: الظلم إذا زاد رفع نفسه. وقال أحد مشايخ الكتاب: سمعت أبا الحسن بن الفرات يملي على كاتب بحضرته إلى وكيل في ضيعته: استكثر من غلة المقاسمة فإنها لنا دون الأكار، وتوسط في الشتوي فإنه لنا وللأكار، وقلل الصيفي فإنه للأكار دوننا. وحدث أبو الحسن محمد بن عبد الرحمن الروذباري قال: حدثني أبو بكر ابن فتح الوراق قال: وقف علي أبو الحسن بن جعفر بن حفص الكاتب، وكان جماعة للكتب قد قرأ وسمع، فقال لي: كنت يا أبا بكر في مجلس الوزير أبي القاسم يعني عبيد الله بن سليمان فجرى ذكر الفيروزج فوصف أبو العباس ابن الفرات أجناسه بأحسن وصف وأبلغ شرح، وخرج من ذلك إلى ذكر أصناف الأحجار ومعادنها وخواصها وفضائلها، حتى استغرق المجلس، واشتمل عليه دون من كان فيه من الرؤساء والعلماء، فمن أين علم ذلك؟ قلت: من كتاب هو عندك. قال: فما هو؟ قلت: كتاب الأحجار، ولكن حفظ أبو العباس وأنسيت أنت. قال لي: أحب أن تجيئني لنخرجه. وحدث أبو الحسن الروذباري قال: مر أبو العباس بن الفرات في طريق له

стр. 229

على أرجاء عبد الملك وقد عطش، فنظر إلى باب رحبة فيها دكان، عليه شيخ كبير اللحية، نظيف البزة، له رواء وهيئة، يعرف بالمرى، فقال لأحد غلمانه: استسق لنا من هذا الشيخ ماء. ففعل الغلام، وقام الشيخ مسرعاً، فجاء بثلجية نظيفة فيها ماء بارد، فشرب وانصرف أبو العباس إلى منزله، فلم ينزع خفه حتى أنفذ من سأل عن خبره، فتعرف اختلال حاله، فأمر بحمل مائتي دينار إليه، وأجري عليه في كل شهر عشرة دنانير برسم الكتاب، فما زال يقبضها حتى مات: وحدث أبو بشر بن فرجويه في وزارة أبي الحسن بن الفرات الثانية قال: بينما نحن في ليلة من الليالي الشتوية نعمل؛ إذ خرج إلينا من حضرة الوزير أبي الحسن توقيع بخطه مع خادم من خدمه، وقد مضى من الليل قطعة، يقول فيه: خرجت يا أبا بشر جعلت فداك لأهريق الماء، فوجدت ريحاً قد هب، فوقفت حتى عرفتها، وهي ريح إذا انشأت مرت على السكر الفلاني من أنهار الجامدة وأفسدته وقطعته، فاكتب الساعة إلى وكيلنا بهذه الناحية، وإلى ابن المشرف المهندس في المسير إلى الموضع ومراعاته، وإصلاح شيء إن كان اختل منه، وإعداد آلة عتيدة تكون عنده، ووكد القول في ذلك غاية التأكيد، ولا تعتمد على حامد بن العباس فيه، فإنه لا يهتم به. وقعد الخادم عندنا حتى كتبت الكتب. ومن طريق أحاديث أبي الحسن بن الفرات في معرفته بالأمور ما حدث به أبو علي الحسن بن حمدون، فإنه قال: كنت مع يوسف بن ديوداد بنواحي باب الأبواب، وهو السد الذي كان أنوشروان عمله بين الخزر وأرض فارس، وطول

стр. 230

السور مسيرة يوم، وله مروحة في البحر طولها ستمائة ذراع، تمنع مراكب الخزر من الدخول، والباب من حديد، والسور من حجارة مهندمة، في كل حجر ثقبان فيهما عمودان من حديد، قد صب عليهما الرصاص، والمروحة التي في البحر على هذا العمل. فاتفق أن سقطت هذه المروحة، ودفعت يوسف بن ديوداد الضرورة إلى أن قصد الموضوع، ونزل عليه لإصلاحه، وجمع المهندسين وذوي الخبرة بالأعمال، فقدروا له ستين ألف دينار تنفق على إعادة المروحة. وكتب إلى الوزير أبي الحسن ابن الفرات يعرفه الخبر، ويعتذر إليه من تأخير المال الذي واقفه عله بهذا الحادث الذي حدث في هذا الموضع، فوالله ما كان إلا مقدار مسافة الطريق حتى ورد علينا كتاب ابن الفرات يقول فيه: فهمت كتابك أطال الله بقاءك بما شرحته من حال المروحة الساقطة، وما قدر لها من المال للنفقة. وقد قرأنا في الأخبار أن أنوشروان لإشفاقه على هذا الموضع أعد له ما يكفيه، فأحضر مشايخ أهل البلد وذوي الأسنان العالية منهم، وسلهم هل سقطت المروحة قبل هذه الدفعة؟ فإن كانت سقطت فقد استعملت الآلة فيها، وإن كانت لم تسقط فاطلب الآلة وسل عنها فإنك تجدها، وعرفني ما يكون منك إن شاء الله. قال ابن حمدون: فلما ورد الكتاب على يوسف أحضر المشايخ وسألهم عن ذلك، فلم يجد أحداً يذكر أو يخبر أن هذه المروحة سقطت قبل هذه الدفعة، وسألهم عن الآلة وموضعها فلم يكن فيهم من يعرف حديثها إلا رجل منهم فإنه قال: سمعت مشايخي يتذاكرون خبرها، وأنها مدفونة على قرب من المروحة. فلم يزل يفتش عنها حتى وجدها وأخرجها، فكانت كاملة من حجارة منحوتة منقوبة، وأعمدة من حديد مفروع منها، ورصاص وسائر ما يحتاج إليه، فاستعملها، ولم يؤد من المال إلا قدر أجرة الصناع.

стр. 231

وحضر أحد العمال بحضرة أبي الحسن بن الفرات. فلما ناظره على ما أراده لم يذهب فيه ولم يجيء. فقال له: يا هذا، إن كنت تزوجت امرأتك على شرط أنك كاتب فقد بانت منك وحرمت عليك، لأنك خلو من الصناعة منسلخ منها. ولما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة قال أبو أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: ما افتقرت الوزارة إلى أحد قط مثل افتقارها إلى هذا الوزير المتقلد، على أنه لم يتجدد عليه منها إلا الاسم، فأما أعمالها فما زالت دائرة عليه وعلى أبي العباس أخيه. ولقد دخلت يوماً إلى أبي القاسم عبيد الله بن سليمان وهما بين يديه فرأيته يقف على الرقاع ثم يرمي بها إليهما، وينظر ما يقولان فيأمر به، حتى ذكرت قول القائل: خليفة مقتسم ... بين وصيف وبغا يقول ما قالا له ... كما يقول الببغا وقال خفيف السمرقندي: لما قام المعتضد بالله واستوزر عبيد الله بن سليمان قال له: قد دفعت إلي ملكاً مختلاً، ودنياً خراباً، وأريد أن أعرف ارتفاع النواحي لأجري النفقات والرواتب على موجب ذلك، فاعمل به عملاً مشروحاً، وأتني به وعجله. فخاطب عبيد الله كتابه وأصحاب دواوينه على ذلك فوعدوه واستنظروه. وكان أبو العباس وأبو الحسن ابنا الفرات محبوسين مصادرين، وعرفا ما التمسه المعتضد بالله فبذلا القيام به والفراغ منه في ثلاثة أيام، ووفيا بذاك وبلغا المراد منه. وعلم عبيد الله أن الخبر سيصل إلى المعتضد بالله فكلمه فيهما واستأذنه في استخدامهما والاستعانة بهما. وحكى أبو بكر الصولي قال: خاطب يحيى بن علي المنجم أبا الحسن بن الفرات في أبي حاتم محمد بن حاتم المزنوي، وأنه يريد الخروج إلى بلده، ويخاف التتبع

стр. 232

لأجل رزقه، وسأله أسقاط جاريه، والإذن له في الخروج الذي اعتزمه. فضحك وقال: ما أوجبت له في الرزق فأقطعه، ولو كنت موجباً له لما رآني الله وأنا أوقع بقطع رزق أحد، فإن شاء فليقم، وإن شاء فليخرج. ودفع أبو الحسن إسماعيل القاضي إلى أبي الحسن بن الفرات رقعةً ذكر فيها أن ضيعته الفلانية قطيعة، وقد تأول عامل الناحية عليه وادعى انها إستان. فلما وقف عليها قال: هذه الضيعة كانت في إقطاع زبيدة، وانتقلت إلى إسحاق بن إبراهيم المصعبي، وباعها ابنه محمد، فاشتراها ابن فلان السي وتوفي فصارت لورثته فقال له أبو الحسن: أنا اشتريتها من ابنه فلان. قال: فما فعلت حصة أخيه؟ قال: لولده، وهم شركائي فيها. فوقع إلى العامل: هذه الناحية من القطائع القديمة، فأمضها على رسمها ولا تعرض لها. فعجب الناس من حفظه ما حفظه. وحدث أبو الحسن أحمد بن العباس بن الحسن قال: كنت بحضرة الوزير أبي أحمد والدي وعنده كتابه، وهو يتصفح رقاعاً بين يديه، فرمى واحدة إلى محمد بن داود، وكانت من صاحب الخبر. فلما قرأها محمد اضطرب وقال: كذب كاتبها أيها الوزير. قال له وماذا يكون لو صدق؟ ثم رمى بأخرى إلى أبي الحسن علي بن عيسى تتضمن ذكر ماله من الغلات بسوق الطعام فتغير وجهه واربد لونه وقال: كذب كاتبها أيها الوزير والذي لي في الأحراز هناك دون المبلغ المذكور. ورمى إلى محمد بن عبدون بثالثة فقرأها وجحد ما فيها. ثم رمى رابعة إلى أبي الحسن بن الفرات فلما نظر فيها ضحك وقال له: أنا أذكر ما عندي في معناها. وجلس إلى أن

стр. 233

تقوض المجلس ولم يبق عند أبي غيري، ثم قال له: قد كذب صاحب الخبر أيد الله الوزير، فإن لي بسوق الطعام وعند الباعة أضعاف ما ذكره، فإن كان قوله في غيري مثل قوله في فقد حابى وصانع وكذب ولم يصدق، وأنا مستغن عن جميع ما أشرت إليه، ومستظهر على الزمان بأكثر منه، ولله الحمد والمنة. بلى، لي إلى الوزير حاجة أسأله الإنعام على بيها. قال: ما هي؟ قال: لا أقولها إلا بعد أن يشرط لي الإجابة إليها. قال قد شرطت وفعلت، قال: عندي خمسمائة ألف دينار أنا في غناء عنها، فليأذن لي الوزير في أن ابني بها داراً لأبي الحسن، وأبتاع له ما يحتاج إليه فيها واجعل ما يبقى من المال في خزانته، فإنه في دار الوزير، وموضعه ومكانه يقتضيان إفراده بدار وأثاث وتجمل وحال. فقال لي أبي: بل يزيدك الله يا أبا الحسن ويضاعف مالك وحالك ويريني لك في الشهر الواحد ضعف ذلك ويجريه على يدي في قضاء حقك. فقال له نقص الوزير شرطي، وأخلف وعدي، وما أقنع منه إلا بالوفاء. فجعل يشكره ويدافعه وأبو الحسن مقيم على أمره وملح في سؤاله، ثم قام على رجليه وأخذ يضرع إليه ويكرر القول عليه، حتى قال له: قد قبلتها فلتكن لي قبلك إلى أن أعرفك من بعد رأيي فيها. فعند ذلك أمسك وانصرف. وأقبل أبي يقول لي بعد خروجه: ما أعلم أن الله تعالى خلق مثل هذا الرجل في سعة نفسه، ولا مثل أولئك في ضيق نفوسهم وجحدهم القليل مما نسب إليهم، واعتراف هذا بأضعاف ما ذكر أنه له، ثم بذله اياه هذا البذل من نية خالصة صادقة. ثم أخذ أبي ينشد ويردد: عزمت على إقامة ذي طلوح ... لأمر ما يسوّد من يسود قال أبو الحسن: ودخل جدي ونحن في ذلك، فحدثه بما جرى، وقال له: قد

стр. 234

والله سرني ما شاهدته منه، وعلمت أنه ردء للملك ومفزع متى دعته إليه حاجة. قال: وكان أبي ربما يمازحه ويقول له: ما خبر تلك الجارية؟ فيقول: أكمل ما كانت، أفيأذن الوزير في حملها؟ فيقول لا بل تكون على حالها. وعرض عليه في وزارته الثانية وقد جلس للمظالم رجل عمري رقعة تتضمن شكوى حاله ورقتها، وأن عليه ديناً قد ضاق ذرعه به، وعلى ظهرها توقيع أحد الوزراء بأن يقضي دينه من مال الصدقات، فقال له: يا هذا، إن مال الصدقات لأقوام بأعيانهم لا يتجاوزهم، ولقد رأيت المهتدي بالله رحمة الله عليه وقد جلس للمظالم، وأمر في مال الصدقات بما جرى هذا المجرى، فقال له أهلها: ليس لك يا أمير المؤمنين ذلك! فإن حملتنا على أمرنا وإلا حاكمنا إلى قضاتك وفقهائك. فحاكمهم فخاصموه. وإن شئت أنت حاكمتك. فقال له العمري: لا حاجة لي إلى المخاصمة. قال: الآن نعم أواسيك وأقضي دينك. وفعل، وكان مبلغه خمسمائة دينار. وحدث محمد بن داود بن الجراح قال: قال ابن أبي بدر وغيره: أنشدنا أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن الفرات لنفسه: وعلمتني كيف الهوى فحملته ... وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي وأعلم مالي عندكم فيردني ... هواي إلى جهل فاقصر عن علم وله أيضاً: لا تلحني لست سامع الفند ... عدلت بي عن مناهج الرشد إن كنت لم تصطبر لحادثة ... فالصبر في الحادثات من عددي

стр. 235

وقال أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات في وزارته الثانية بحضرة أبي منصور ابن جبير: تأملت ما صار إلى السلطان من مالي فوجدته عشرة آلاف ألف دينار وما أخذت من الحسين بن عبد الله الجوهري فكان مثل ذلك. إلا أن فيما أخذ من الجوهري متاعاً وجوهراً. وللقاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول في أبي الحسن بن الفرات في وزارته الثالثة: قل لهذا الوزير قول محق ... بثه النصح أيما إبثاث قد تقلدتها مراراً ثلاثاً ... وطلاق البتات عند الثلاث ووقع بيدي ثبت أخرج من ديوان المغرب في أيام الراضي بالله بما أخذه المحسن ابن علي بن محمد بن الفرات من الخطوط ممن قبض عليه وصادره في أيام وزارته الثالثة، نسختها: أحمد بن محمد بن إبراهيم البسطامي عن النصف ممن بقي عليه من مصادرته في سنة ثلاثمائة، سبعة آلاف وثلثمائة دينار. علي بن الحسن الباذبيني الكاتب عما تولاه بالموصل أحد عشر ألف دينار. أبو الفضل محمد بن أحمد بن بسطام، خمسين ألف درهم. محمد بن عبد الله الشافعي عما تصرف فيه لعلي بن عيسى، ثلاثين ألف دينار. محمد بن علي بن مقلة عما تصرف فيه، ثمانين ألف دينار. محمد بن الحسن المعروف بأبي طاه. مائة ألف دينار. الحسن ابن أبي عيسى الناقد عما ذكر أنه وديعة لعلي بن عيسى، ثلاثة عشر ألف دينار.

стр. 236

ومن الحسن بن أبي عيسى صلحاً عن نفسه، أربعة آلاف دينار. إبراهيم بن أحمد المادرائي، عشرين ألف دينار. عبد الواحد بن عبيد الله بن عيسى عن بقية مصادرة والده، ستة وثلاثين ألفاً وثلاثمائة وثلاثين ديناراً. أحمد بن يحيى بن حاني الكاتب عن مصلحة وجبت، عشرة آلاف دينار. إبراهيم بن أحمد بن إدريس الجهبذ عن صلحه، ستة آلاف دينار. محمد بن عبد السلام بن سهل عما عنده من الوديعة لمحمد بن علي وإبراهيم بن أحمد المادرائي، أربعة آلاف دينار. عبد الوهاب بن أحمد بن ما شاء الله عن صلحة، أربعين ألف دينار. علي بن حسن الباذبيني صلحاً عما تصرف فيه بالموصل، وقتل، مائتي ألف درهم. محمد بن عبد الله بن الحارث عن صلحة، عشرة آلاف دينار. محمد بن أحمد بن حماد صلحاً عما تصرف فيه بأعمال الموصل وغيرها وقتل بعد أيام يسيرة، مائتين وخمسين ألف دينار. إبراهيم بن أحمد المادرائي عن الباقي عليه من جملة خمسين ألف دينار، خمسة عشر ألف دينار. أبو عمر محمد بن أحمد، بن الصباح الجرجرائي عن ضمانة الباقي من مصادرة أبي ياسر إسحاق بن أحمد، مائة ألف درهم. أبو عمر بن الصباح أيضاً عن الباقي علي أبي العباس أحمد بن علي الجرجرائي المعروف بقرقر، ثلاثة آلاف دينار. علي بن محمد الحواري، وقتل، سبعمائة ألف دينار

стр. 237

عبيد الله بن أحمد اليعقوبي، مائة ألف درهم هارون بن أحمد بن هارون الهمذاني، سبعة آلاف دينار. الحسن بن إبراهيم الخرائطي صلحاً عما اقتطعه من مال الرئيس، مائة ألف درهم الحسين بن علي بن نصير أخو نصير بن علي، مائة ألف درهم. عبد الله بن زيد بن إبراهيم، ألفين وخمسين ديناراً. ومن عبد الله بن زيد صلحاً عن نفسه، خمسة عشر ألف دينار. علي بن محمد بن أحمد بن السمان عن ورثة قرقر، ألفين وخمسمائة درهم. علي بن مأمون بن عبد الله الإسكافي كاتب ابن الحواري، وقتل، ستين ألف دينار. أبو بكر أحمد بن القاسم الأزرق الجرجاني عن ضياع علي بن عيسى، عشرة آلاف درهم. الحسين بن سعد القطربلي، مائةً وثلاثين ألف درهم. محمد بن أحمد بن ما سراد، ألف ألف وخمسمائة ألف درهم. أبو الحسن محمد بن أحمد بن بسطام، ثلاثة آلاف ألف درهم. أحمد بن محمد بن حامد بن العباس، خمسين ألف درهم. يحيى بن عبد الله بن إسحاق عما تصرف فيه مع حامد، سبعين ألف دينار حامد بن العباس، وقتل، ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار محمد بن محمد بن حمدون الواسطي، مائة وخمسين ألف دينار. أبو الحسن علي بن عيسى ثلاثمائة ألف واحداً وعشرين ألف دينار.

стр. 238

إبراهيم ين يوحنا جهبذ حامد بن العباس، مائة ألف دينار. أبو محمد الحسن بن أحمد المادرائي، ألف ألف ومائتي ألف دينار ومنه أيضاً بخط آخر، ألف ألف دينار. أبو بكر محمد بن علي المادرائي، ألف ألف دينار وألف دينار وبخط آخر أيضاً، عشرة آلاف دينار. سليمان بن الحسن بن مخلد، مائة وثلاثين ألف درهم. فذلك من العين سبعة آلاف ألف وخمسمائة ألف وخمسة وتسعين ألفاً وستمائة وثمانين ديناراً ومن الورق خمسة آلاف ألف وثلاثمائة ألف درهم. قيمة الورق عينا على التقريب ثلاثمائة وثمانين ألف دينار. ويكون الجميع من العين ثمانية آلاف ألف دينار وأربعين ألف دينار. وحدث أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات أن منجماً أخبره أنه لم ينزل زحل في برج السنبلة إلا حدثت حادثة، وقد جرت العادة بذلك على مضي الأوقات، ومن ذلك أنه نزل هذا البرج سنة ثمان للهجرة فكان في تلك السنة فتح خيبر ومكة، ونزل في سنة ثمان وثلاثين، فكانت حرب صفين بين علي ﵇ وبين معاوية، ونزل في سنة ثماين وستين وكان فيها حرب المختار وعبد الملك وقصة عبد الله بن الزبير، ونزل في سنة ثمان وتسعين فمات سليمان بن عبد الملك

стр. 239

وانتقل الأمر إلى عمر بن عبد العزيز، ونزل في سنة ثمان وعشرين ومائة فظهر أبو مسلم وجرت قصة مروان بن محمد. ونزل في سنة ثمان وخمسين ومائة فمات المنصور ونزل في سنة ثمان وثمانين ومائة فأوقع الرشيد بالبرامكة. ونزل في سنة ثمان عشرة ومائتين فتوفي المأمون. ونزل في سنة ثمان وأربعين ومائتين فتوفي المنتصر وقتل المتوكل. ونزل في سنة ثمان وسبعين ومائتين فوتفي الموفق. وحدث من الأمور ما حدث. وحدث أبو عبد الله زنجي قال: لما توفي أبو العباس أحمد بن محمد بن الفرات أحضر المكتفي بالله القاسم بن عبيد الله وسأله عنه، فعرفه وفاته وعزاه عنه، واستأذنه فيمن يقلده الديوان مكانه، فأعلمه ما كان يسمعه من المعتضد بالله أبيه في وصف بني الفرات وذكر كفايتهم، وأمر بإقرار أبي الحسن على دواوينه، وسمع خفيف السمرقندي ذلك فأنفذ إلى أبي الحسن سراً فطالعه وهو جالس للعزاء عن أبي العباس أخيه، وأعلمه أنه أمر يجب كتمانه إلى أن يظهر من غير جهته، وأنفذ إليه القاسم أبا علي وأبا جعفر ابنيه معزيين له ولأبي محمد الفضل وأبي الخطاب العباس وأبي جعفر محمد بني أبي العباس، وسار إليه وإليهم أبو أحمد العباس بن الحسن وأبو الحسين ابن فراس، معزيين، ولم يبق أحد من القواد والكتاب والقضاة وسائر الطبقات إلا فعل مثل ذلك. فحضر أبو الحسن بن الفرات بعد انقضاء أيام العزاء الديوان، ونظر في الأعمال، وأمضى ما كان تأخر إمضاؤه منها. وكان في نفس القاسم من أبي العباس وأبي الحسن ما لا يتمكن من إظهاره في حياة أبي العباس، فلما توفي عاود محمد بن عبدون الوقيعة في أبي الحسن، وأغرى القاسم به، وحمله مع علته على مطالبته بما كان أخرج عليه. فأمر بإحضار الأعمال التي كانت عملت له، وجلس للنظر فيها، ومواقفه عليها في يوم الثلاثاء قبل وفاته بثمانية أيام، وأقبل يناظر أبا الحسن

стр. 240

وهو وقيذ من علته ويشم الروائح الطيبة طلباً للتماسك في قوته. فلما زاد ما يجده أشار عليه إسحاق بالإمساك لئلا يزيد احتداد طبعه، ودعا بماء ورد فرشه على وجهه وانقضى المجلس. واشتغل القاسم بنفسه وتوفي في يوم الأربعاء لست ليال خلون من ذي القعدة سنة إحدى وتسعين ومائتين بعد أن كاتب المكتفي بالله، وعرفه اشتداد مرضه ويأسه من برئه، وأشار عليه بالتعويل في مكانه على العباس بن الحسن كاتبه، ووصفه بما رغبه فيه به. وكانت فارس الداية على عناية بأمره، لأن القاسم استكتبه لها فأحسن خدمتها، فأشارت على المكتفي بالله وكان كثير القبول منها بالتعويل عليه، والتفويض إليه، ففعل. وخرج المكتفي بالله إلى سر من رأي، ومعه العباس ابن الحسن، وهو معتقد للقبض علي أبي الحسن بن الفرات هناك. فذكر أبو عبد الله زنجي أنه خرج متبعاً لأبي الحسن بن الفرات، فلقيه أبو القاسم ميمون ابن إبراهيم المادرائي منصرفاً عن وداعه، وسأله عن مقصده، فعرفه أنه لاحق بأبي الحسن ابن الفرات ليكون معه: فأشار عليه بالعود إلى منزله وأوحى إليه بإشفاقه من حادث يحدث عليه. قال: فقلت: لا يحسن التأخر عنه، وكفاية الله من دون ما يشفق منه وسار المكتفي بالله والعباس بن الحسن وأبو الحسن بن الفرات، وأنا في الصحبة، ووصلنا إلى الأحمدي وليس مع أبي الحسن من كتابه غيري وغير أبي منصور بن جبير. فلما كان في بعض الأيام حضرت عنده على رسمي، وقدم الطعام، ودعاني إليه فامتنعت وقلت: إنني صائم. وسألني عن سبب ذلك وألح، فعرفته أنني رأيت

стр. 241

في المنام أبا العباس أخاه وهو يقوله له: قل لأبي الحسن أخي: لست تغتم بعد هذا اليوم. فسر بما حدثته به وقال: أنا أحق بالصوم. وأمر برفع المائدة وجلسنا، فنحن في ذلك حتى وافاه خادم أسود مسرع قد علا وجهه الغبار، فدنا منه وساره ثم انصرف. والتفت أبو الحسن إلي وقال: قد حقق الله رؤياك، هذا رسول خفيف السمرقندي يعلمني عن خفيف أن أمير المؤمنين المكتفي بالله ركب في هذا اليوم يتصيد ومعه العباس بن الحسن، وأنه قال له: إن جماعة من الكتاب قد غلبوا على ضياع للسلطان، وعليهم من حقوق بيت المال ما يحتاج معه إلى القبض عليهم وارتجاع ما حصل في أيديهم. وأذن له في تدبير أمرهم بما يراه، قال: فلما انصرف دنوت من أمير المؤمنين وقلت له: إنما أراد العباس بما قاله لك أبا الحسن بن الفرات، وأن المعتضد بالله كان يوثقه ويوثق أبا العباس أخاه، ويعول عليهما في تدبير الأعمال وحفظ الأموال. فقال لي: إذا كان الأمر على ذلك فبادر إلى العباس وتقدم إليه بألا يعرض لأبي الحسن بن الفرات ولا يغير شيئاً من أمره، ويعمل ما شاء في غيره. ففعلت وبادرت إليه بمن قال له هذا لئلا يعجل إلى أمر من الأمور. فسجد أبو الحسن بن الفرات شكراً لله تعالى وتصدق بصدقة كثيرة. وصحح يومئذ ثلاثين ألف دينار عند صاحب بيت المال وأخذ خطه بقبضها، وصار إلى العباس فأعلمه أن الكلام قد كثر والخوض قد طال في ذكره وذكر ما كان في يده من ضياعه وأملاكه وما خدم به وكلاؤه من حقوق بيت المال مما لا تعرف حقيقة الدعاوي فيه، وأنه صحح لبيت المال ثلاثين ألف دينار صلحاً عن هذه القروف المشتبهة، وحسما لمادة الأقوال المختلفة، وتخفيفاً عن قلب الوزير والإهتمام بأمره، وسلم إليه الخط بالقبض. فأظهر العباس إنكاراً لفعله وقال له: عجلت إلى ما وجب أن تتوقف عنه، وتعرفني ذلك وعزمك فيه. وأورد جميلاً كثيراً فيما خاطبه به. ولما لم يجد العباس طريقاً إلى ما هم به في أبي الحسن بن الفرات عدل إلى الإقبال عليه والتفويض إليه. وعاد المكتفي بالله من سفره بعد أن ضاقت صدور أصحابه وندمائه من طول مقامه وشدة البرد الذي يلاقونه والقشف الذي يقاسونه، وقال يحيي بن علي المنجم أحد جلسائه: قد كثر والخوض قد طال في ذكره وذكر ما كان في يده من ضياعه وأملاكه وما خدم به وكلاؤه من حقوق بيت المال مما لا تعرف حقيقة الدعاوي فيه، وأنه صحح لبيت المال ثلاثين ألف دينار صلحاً عن هذه القروف المشتبهة، وحسما لمادة الأقوال المختلفة، وتخفيفاً عن قلب

стр. 242

الوزير والإهتمام بأمره، وسلم إليه الخط بالقبض. فأظهر العباس إنكاراً لفعله وقال له: عجلت إلى ما وجب أن تتوقف عنه، وتعرفني ذلك وعزمك فيه. وأورد جميلاً كثيراً فيما خاطبه به. ولما لم يجد العباس طريقاً إلى ما هم به في أبي الحسن بن الفرات عدل إلى الإقبال عليه والتفويض إليه. وعاد المكتفي بالله من سفره بعد أن ضاقت صدور أصحابه وندمائه من طول مقامه وشدة البرد الذي يلاقونه والقشف الذي يقاسونه، وقال يحيي بن علي المنجم أحد جلسائه: قالوا لنا إن في القاطول مشتانا ... ونحن نأمل صنع الله مولانا والناس يأتمرون الرأي بينهم ... والله في كل يوم محدثٌ شانا وغني للمكتفي بذلك، فسأل عن قائله فقيل: يحيى بن علي المنجم. فأمر بالرحيل إلى بغداد وشكر الناس يحيى بن علي على شعره. ولما حصل العباس بن الحسن بالحضرة وعاود محمد بن داود ومحمد بن عبدون وعلي بن عيسى الوقيعة في أبي الحسن بن الفرات والاغراء به، والإطماع فيه، والكلام على حاله. قال أبو عبد الله زنجي: وحضرت مع أبي الحسن في دار العباس، فوجدناه جالساً مجلسه، والجماعة المذكورون بين يديه، إذ نهض وأقام الكتاب على انتظاره، وخرج كاتبه فاستدعى أبا الحسن، فدخل إليه، ولم يشك الحاضرون أنه يقبض عليه. وقال أبو عبد الله: واشتد إشفاقي، وزاد خوفي، وتأخر عنده طويلاً. والقوم متشوقون إلى علم ما جرى في أمره. ثم خرج العباس وأبو الحسن معه، وقعد

стр. 243

وأقعده عن يمينه، وأقبل عليه بوجهه، وزاد في تقريبه وبسطه، ونظر بعض الجماعة إلى بعض واجمين بما يشاهدونه، ومتعجبين من انعكاس ما كانوا يقدرونه. ثم نهض أبو الحسن منصرفاً إلى داره، وصحبته، ووصل فما استقر به مجلسه حتى سألته عن خبره، وما جرى عليه أمره مع العباس، فقال: دعاني ودخلت إلى حجرة ما دخلت إليها من قبل، فوجدته جالساً خالياً بنفسه وبعض حواشيع، فتقدم إلى الحاجب بإخراج كل من يقرب من موضعه، والجلوس على الباب، ومنع كل من رام الدخول، وانفردنا جميعاً وبدأ يذكر ما يعتقده في من الجميل، وما هو عليه من المحاماة عني، وأنه قد حمل في أمري على أشياء فوقف عنها مراعاة لحقي. ثم قال: إن كان في نفسك من هذا الأمر يعني الوزارة شيء سلمتها إليك وخليت عنها لك، على أن تحرسني في نفسي ومالي وحرمي وولدي. فأعلمته أنني أحسن حالاً منه مع الأثقال التي عليه، وأنني أرجع من المال والنعمة والأملاك والضيعة والجاه والقدرة إلى ما أستغني به عن زيادة. وراجعني مراجعة بعد مراجعة. فلما رآني مقيماً على على حال واحدة قال. فإذا كان ذلك كذلك فأنا أتصور أن الأمر من بعدي صائر إليك، وأوصيك بولدي وحرمي، فقلت: بل يبقيك الله ويطيل عمرك ولا يخلي مكانك منك، ولا يريني سوءاً ولا محذوراً فيك. فلم يقنع إلا بأن استحلفني ثم مد يده إلي وعانقني وقال: أمرنا الآن واحد، ويدنا واحدة، فلا تلتفت إلى هؤلاء الكتاب وأقوالهم، ولا تفكر في كلامهم وتشنيعاتهم، وثق بما لك عندي من مزية المراعاة وزيادة المحاماة. فشكرته ودعوت له وأعلمته قوة نفسي الآن به، وخرجنا. فكان ما رأيت من فعله. قال أبو عبد الله: فسررت كل سرور بما حدثنيه. ثم رد العباس بعقب ذلك إلى أبي الحسن الزمام على علي بن عيسى. وأعفاه من ديوان الجيش، وقد كان سأل القاسم ابن عبيد الله إعفاءه منه لم يفعل.

стр. 244

وقيل إن أبا الحسن تصدق عنه إعفائه بعشرة آلاف درهم. ولما قتل العباس بن الحسن ووزر أبو الحسن بن الفرات قبض على أولاد العباس في جملة من قبض عليه. وأدخلت اليد في جميع أملاكهم فحدث أبو عبد الله زنجي قال: التمس أبو الحسن بن العباس بن الحسن لقاء أبي الحسن بن الفرات فمنع منه، فألح في ذلك إلحاحاً طولع به أبو الحسن فأمر بإحضارهن فحضر وقال له: احفظ فينا أيها الوزير وصية أبينا لك وما أخذه لنا من عهدك. قال: ومتى كان ذلك؟ قال: في اليوم الذي خلوت فيه معه في الحجرة، وصرف كل من كان بين يديه وقريباً منه، وكان من حديثكما فيما تفاوضتماه كذا وكذا. قال له: ومن أين عرفت ذاك ولم يكن معنا ثالث؟ قال: كنت في الرواق خلف الباب، وسمعت ما جرى بينكما كله. قال: صدقت وقد كنت أُنسيت ذلك. ثم أمر بإطلاقه وإطلاق إخوته والإفراج عن أملاكهم التي تخصهم. ثم قلدهم بعد ذلك الدواوين. وحدث أبو عبد الله زنجي قال: حضرت مع أبي الحسن بن الفرات مجلس أبي أحمد العباس بن الحسن وهو وزير، وبين يديه الأعمال ينظر فيها، إذ مر به كتاب من الحسن بن محمد القصري المعروف بابن زياد وإليه الصدقات بقصر ابن هبيرة جواباً عما كوتب به من حمل ما اجتمع عنده من مالها. فلما نشره قرأ في العطف الذي وراءه: ضربت وجهك يا عباس فلا حول ولا قوة إلا بالله. فاستشاط غضباً واختلط غيظاً وقال: من ابن زياد الكلب حتى يلقاني بما لقي، ويستعمل من الجرأة واطراح المراقبة ما استعمل؟! ودفع الكتاب إلى أبي الحسن بن الفرات وقال له أنفذ إليه من يسحبه إلى الحضرة على وجهه، ويعامله من المكروه بما استدعاه لنفسه، وإذا ورد لم يبرح من الديوان إلا بعد الخروج مما عليه. وقام أبو الحسن ومضى إلى ديوانه وتصفح ما قدم إليه من الكتب، فقرأه، ولحظ في طي عنوانه

стр. 245

ضربت وجهك يا علي بن محمد بلا حول ولا قوة إلا بالله. فاغتاظ أبو الحسن مثل غيظ العباس وأكثر، وأمر بإنفاذ من يجره من القصر إلى الحضرة ثم قال: لا، ولكن التمسوا ثلاثة أنفس من المستحثين الغلاظ والفظاظ وأنفذوهم إليه وواقفوهم على ألا يفارقوه إلا بعد تصحيح ما عليه، وأوجبوا لكل واحد منهم في اليوم دينارين يأخذونها منه. قال أبو عبد الله بن زنجي: والتفت إلي وقال: اكتب لهم منشوراً ينفذون به، وندب من يخرج، وكتبت المنشور، وحمل إلى حضرته مع غيره مما كنت كتبته، فأول ما وقع بيده المنضور، فأخذه وقرأه وعزله إلى جانبه وأقبل يقرأ ما سواه إلى أن استغرق قراءة الجميع. ثم قال لي وأنا جالس بين يديه: قد والله يا أبا عبد الله ضرب ابن زياد وجهنا بشيء لا نقدر معه على أن نسيء به، خرق المنشور وأضرب عن إنفاذ المستحثين، واكتب إليه أن يعجل حمل ما عليه ولا يحوج إلى إنفاذ من يقيم عنده ويثقل عليه مؤونته. ففعلت ذلك، ومضى الأمر عليه، ولم يعد من العباس فيه قول. ووجدت نسخة ما كتب به أبو الحسن بن الفرات عن نفسه إلى ولاة البلاد عند تقلده الوزارة وزوال فتنة عبد الله بن المعتز فكانت: نعم الله عند أمير المؤمنين أطال الله بقاءه تتجدد في سائر أوقاته، وتتوكد في جميع حالاته، فليس يخلو منها قاهرة لأعدائه وناصرة لأوليائه، والله يعينه على أداء حقها والقيام بشكرها، إنه ذو فضل عظيم. وكان جماعة من جلة الكتاب والقواد ووجوه الغلمان والأجناد حسدوا أبا أحمد العباس ابن الحسن رحمة الله على محله ومنزلته، وما قام به لأمير المؤمنين أيده الله من عقد بيعته، فسعوا في إتلاف مهته، وإزالة نعمته، وتوصل إليهم عبد الله ابن المعتز بمكره وخديعته، فأوحشهم من أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وشيعته، وحسن لهم الخروج عن طاعته، فنكثوا ومرقوا، وغدروا وفسقوا، وشهروا سيوف

стр. 246

الفتنة، وأضرموا نيرانها، وأظهروا أعلامها. وتفرد الحسين بن حمدان بأبي أحمد فقتله، وثنى بفاتك المعتضدي فأتلفه، وقصد المارقون دار الخلافة، ووصلوا إلى جدرانها، وحرقوا عدةً من أبوابها، ووفق الله الغلمان الحجرية والخدم والأولياء المصافية لمنازلتهم ومحاربتهم، فانصرفوا مفلولين. واجتمعوا إلى عبد الله فعاقدوه وبايعوه، وتسمى بالخلافة في ليلته، ووازره محمد بن داود بن الجراح على ضلالته، وصحبهم من غلمان أمير المؤمنين أدام الله تمكينه وخاصته وذوي البأس من رعيته من حسن دينه، وخلص يقينه، فتحصنوا بالإبعاد في الهرب لما خافوه من شدة الطلب، وأُسر جماعة من أصحاب عبد الله بن المعتز وكتابه، منهم: يمن الكبير ووصيف بن صوارتكين وخطارمش وعلى الليثي ومحمد الرقاص وسرخاب الخادم، وأبناء دميانة ومحمد بن عبدون وعلي بن عيسى بن داود ابن الجراح ومحمد بن سعيد الأزرق والمعروف بأبي المثنى، ومحمد بن يوسف المكني أبا عمر، وحملوا إلى دار أمير المؤمنين، وحصلوا في أعظم البؤس، وأضيق الحبوس. ولما خمدت النائرة، وسكنت الثائرة، استدعاني أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وأوصلني سائر دواوينه مع وزارته، وخلع علي خلعاً ألبسني بها جلالاً وقدراً، وجمالاً وفخراً، وعدت إلى داري مغموراً بإحسانه، مثقلاً بأياديه وامتنانه، وأسأل الله معونتي على طاعته، وتبليغي غاية رضاه وإرادته بمنه ورحمته. وقد أوبقت عبد الله

стр. 247

ابن المعتز ذنوبه، وأسلمته عيوبه، وحصل في قبضة صافي مولى أمير المؤمنين مأسوراً مقهوراً. وأوجبت الحال إطلاق صلة للأولياء وافرة المبلغ، وأنا بتجديد البيعة متشاغل وللخدمة مواصل، والأمور جارية على أجمل مجاريها، وأفضل المحاب فيها، والحمد لله رب العالمين. وعرفتك ما جرى لتعلمه أهل عملك وتزداد اجتهاداً إلى اجتهادك، وكفاية وغناء على كفايتك وغنائك، وتكتب بما يكون منك في ذلك إن شاء الله. وكان أبو الحسن بن الفرات خاطب محمد بن داود وهو يتولى عطاء الجيش فيما يطلقه بغير صك ولا حجة، وأخرج عليه مما أطاقه من بيت المال صكين مثبتين مكررين مائةً وعشرين ألف دينار، واقفه على ذلك بحضرة العباس مواقفة اعترف بها محمد بن داود، واعتذر بالسهو في فعله. وجدد ذلك أن أمر العباس صاحب بيت المال بألا يطلق شيئاً في إعطاء وإنفاق إلا ما عرفه أبو الحسن وأذن فيه، وثبتت علامته على الصكاك به، وكان مما قاله أبو الحسن لمحمد بن داود: أنا أجمع الأموال وأحصلها وأنتم تفرقونها وتفرطون فيها! فقال له محمد: التفريط والتضييع كان في أيامك يعني أيام نظره في ديوان الجيش فقال له أبو الحسن: قد كنت أحد كتابي إذ ذاك وفي بعض مجالس الإطلاق، فإن عرفت خيانة فاذكرها أو إضاعةً فاستدركها. وقال له العباس. حالك يا أبا الحسن في الضبط والاحتياط معروفة، وطريقتك في الاستيفاء والاستقصاء معلومة، وما بك إلى هذا القول حاجة. وكان أبو الحسن بن عيسى حضره بحضرة العباس بن الحسن لمناظرة أبي الحسن بن الفرات على ما كتب به إبراهيم بن عيسى ومحمد بن عيسى العرموم أخواه في ضيعة أبي الحسن بن الفرات بكورة كسكر، وضياعه بناحية الأجمتين وما غير

стр. 248

من معاملتها وخفف من مقاسمتها. فلما بدأ علي بن عيسى يذكر ما كتب به أخواه وأورده قال العباس بن الحسن لأبي الحسن بن الفرات: ما عندك يا أبا الحسن في ذلك؟ قال له. ما أعرف من أمر ضياعي شيئاً، لأن العمال قد أدخلوا أيديهم فيها منذ نيف وعشرين شهراً، وأخذوا الحقوق السلطانية فيها على ما أرادوه واقترحوه منها، وما تكلمت ولا تظلمت انصراف قلب عنها، ولكنه قد وجب على محمد بن عيسى من ثمن الأرز بالسيبين أكثر من ثمانية آلاف دينار لا عذر ولا حجة له في دفعها، ولما كاتبته بحملها والخروج منها كتب في أمر ضيعتي بما كتب، والأمر للوزير، وهو أعلى عيناً فيه. فأمر العباس عند سماعه ذلك بإنفاذ من يستحث محمد بن عيسى فيما أخرج عليه، ويطالبه بالخروج منه ثم صرفه من بعد، وتقدم إلى أبي الحسن بن الفرات بأن يعمل له عملاً يستقصي النظر فيه ويكشف أمره فيما تولاه وقام به. وقال له أبو الحسن: ومما أسأله صرف جعفر أخي عما يتقلده، فإن علي بن عيسى قد قصده وأنفذ إليه من المستحثين من ثقل به عليه، وإذا انقطعت المعاملة بينه وبينه زال بذلك تسوقه عليه وعلي به. فأجابه العباس إلى صرفه. وكتب أبو الحسن بن الفرات إلى عامل طريق خراسان مما تولاه بيده: قد اشتهرت بأحكام الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، رحمة الله عليهم أجمعين، في الخراج مذ افتتحت نواحيه، ووضعت الطسوق فيه، بالرسوم الجارية والسنن الباقية التي سنها أفضل سلف، وعمل بها أعدل خلف، ليس في شيء منها حكمان مختلفان ولا طسقان متفاوتان، في صقع واحد، لمسلم أو معاهد. وبطريق خراسان وكلوذاي ونهر بين معاملات محطوطة الوضائع، في الإستان والقطائع، لطائفة دون أخرى، سببها ما شرطه محمد بن جعفر في سني ضمانه. وأحق المشروط عند الفقهاء بالإبطال،

стр. 249

ما يجري على سبيل حيلة وإدغال، فانقض كل شرط ورسم يعودان على مال السلطان أعزه الله بنقض أو ثلم، واستوف خراج ذلك على أكمل طسوقه، وأفضل حقوقه، حتى تنحسم تلك الأطماع، ويتوفر على يدك الارتفاع إن شاء الله. وكتب للنصف من رجب سنة ست وتسعين ومائتين. ولما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة في أول مرة أجرى كلاً من حجابه وكتابه وأصحابه على رسمهم، وأقرهم على ما كانوا يتولونه من أمره، ولم يستبدل بهم، ولا استزاد فيهم، لإكتفائه بمن كان معه عن غيرهم. وكانت أخلاقه وهو وزير مثله وهو صاحب ديوان. ومن رسمه أن يغدو إليه الكتاب فيواقفهم على الأعمال، ويسلم إلى كل منهم ما يتعلق بديوانه، ويوصيه بما يريد وصاته به. ثم يروحون إليه بما يعلمونه من أعمالهم، فيوافقهم عليها، وعلى ما أخرجوه من الخروج، وأمضوه من الأمور، ويقيمون إلى بعض من الليل. وإذا خف العمل، وقد عرضت عليه في أثنائه الكتب بالنفقات والتسبيبات والإطلاقات والحسبانات، نهض من جلسه، وانصرفت الجماعة بعد قيامه. وكانت علامته تحت بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين. وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: ورفع إلى أبي الحسن بن الفرات أن جماعة الكتاب في ديوان الجيش المتولين للعطاء احتسبوا على الجند بما لم يعطوهم إياه، وأخذوه لنفوسهم، واقتطعوه من دونهم، فأنكر ذلك، وعظم في نفسه، وكشف عنه فوجده صحيحاً، ورأى الإقدام على مثله غليظاً. فقبض على القوم الذين فعلوه، فمنهم من ضربه وأدبه، ومنهم من ارتجع منه ما حصل في يده، ومنهم من صفح عن جرمه. وكان في الجماعة أبو القاسم الحسين بن علي بن كردي،

стр. 250

وقد اعتقل، فكتب إلى أبي عبد الله والدي يسأله خطاب الوزير في بابه والتلطف في إطلاقه. واتفق أن دعا الوزير أبا عبد الله إلى طعامة على رسمه، فلما حضر امتنع من الأكل، فقال له الوزير: ما سبب امتناعك؟ قال: أنني ما أطيب نفساً بأن آكل وابن كردي قريبي في الحبس يعرض للمكروه. وأتبع ذلك بالمسألة في أمره وهبة ما عليه له، فأجابه جواباً جميلاً، وتقدم بتخلية ابن كردي، وتسليمه إليه، والصفح له عما يطالب به. ثم قال له. تقدم الآن كل. قال أبو القاسم: ولم يكن بيننا وبين ابن كردي نسب ولا قربي. وإنما قال أبي ما قاله تأكيداً للخطاب في بابه. وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: استدعى أبو الحسن بن الفرات في بعض الأيام أبا علي بن مقلة وأبا عبد الله والدي في وقت العصر، على خلوة لم يحضرها غيرهما، وقال لأبي علي: استدع قرطاساً يكتب فيه. فأحضره صاحب الدواة تلث قرطاس، وقال له: وقع بأن يكتب إلى علي بن أحمد بن بسطام بوصول كتبه بما قرر عليه أمر المادرائيين، وأنني وجدته مخالفاً لما أمرته به. وما توجبه الجملة المحصلة عليهم وهي ثلاثة آلاف ألف وكذا دينار، وكذا منها من جهة كذا وكذا، ومن جهة كذا وكذا، حتى استوفى الإملاء بتفصيل الجملة المذكورة، وفيها أنصاف دينار وأثلاثه وأربعاه وما دون ذلك. ووصل القول بما ملأ به الثلث. واستدعى أبو على ثلثاً آخر، واستتم الأمر فيه وفيما أراد خطابه به في معانيه، فكان ذرع الثلثين اللذين كتب فيهما نحو ستين ذراعاً. ثم قال لأبي عبد الله أبي: اكتب إلى علي بن أحمد على موجب ذلك. فقال له: والله أيها الوزير ما يحتاج إملاؤك إلى أكثر من أنت تثبت في أوله وآخره الدعاء، فإنه قد أتى على كل غرض، وبلغ فيما يراد كل مبلغ. فقال: تأمله على كل حال وتفقده وقف معانيه. قال
следующие страницы →