← История

История · id 26106

تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء

الصابئ، هلال بن المحسن

Полный текст (381 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الفتنة، وأضرموا نيرانها، وأظهروا أعلامها. وتفرد الحسين بن حمدان بأبي أحمد فقتله، وثنى بفاتك المعتضدي فأتلفه، وقصد المارقون دار الخلافة، ووصلوا إلى جدرانها، وحرقوا عدةً من أبوابها، ووفق الله الغلمان الحجرية والخدم والأولياء المصافية لمنازلتهم ومحاربتهم، فانصرفوا مفلولين. واجتمعوا إلى عبد الله فعاقدوه وبايعوه، وتسمى بالخلافة في ليلته، ووازره محمد بن داود بن الجراح على ضلالته، وصحبهم من غلمان أمير المؤمنين أدام الله تمكينه وخاصته وذوي البأس من رعيته من حسن دينه، وخلص يقينه، فتحصنوا بالإبعاد في الهرب لما خافوه من شدة الطلب، وأُسر جماعة من أصحاب عبد الله بن المعتز وكتابه، منهم: يمن الكبير ووصيف بن صوارتكين وخطارمش وعلى الليثي ومحمد الرقاص وسرخاب الخادم، وأبناء دميانة ومحمد بن عبدون وعلي بن عيسى بن داود ابن الجراح ومحمد بن سعيد الأزرق والمعروف بأبي المثنى، ومحمد بن يوسف المكني أبا عمر، وحملوا إلى دار أمير المؤمنين، وحصلوا في أعظم البؤس، وأضيق الحبوس. ولما خمدت النائرة، وسكنت الثائرة، استدعاني أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وأوصلني سائر دواوينه مع وزارته، وخلع علي خلعاً ألبسني بها جلالاً وقدراً، وجمالاً وفخراً، وعدت إلى داري مغموراً بإحسانه، مثقلاً بأياديه وامتنانه، وأسأل الله معونتي على طاعته، وتبليغي غاية رضاه وإرادته بمنه ورحمته. وقد أوبقت عبد الله

стр. 247

ابن المعتز ذنوبه، وأسلمته عيوبه، وحصل في قبضة صافي مولى أمير المؤمنين مأسوراً مقهوراً. وأوجبت الحال إطلاق صلة للأولياء وافرة المبلغ، وأنا بتجديد البيعة متشاغل وللخدمة مواصل، والأمور جارية على أجمل مجاريها، وأفضل المحاب فيها، والحمد لله رب العالمين. وعرفتك ما جرى لتعلمه أهل عملك وتزداد اجتهاداً إلى اجتهادك، وكفاية وغناء على كفايتك وغنائك، وتكتب بما يكون منك في ذلك إن شاء الله. وكان أبو الحسن بن الفرات خاطب محمد بن داود وهو يتولى عطاء الجيش فيما يطلقه بغير صك ولا حجة، وأخرج عليه مما أطاقه من بيت المال صكين مثبتين مكررين مائةً وعشرين ألف دينار، واقفه على ذلك بحضرة العباس مواقفة اعترف بها محمد بن داود، واعتذر بالسهو في فعله. وجدد ذلك أن أمر العباس صاحب بيت المال بألا يطلق شيئاً في إعطاء وإنفاق إلا ما عرفه أبو الحسن وأذن فيه، وثبتت علامته على الصكاك به، وكان مما قاله أبو الحسن لمحمد بن داود: أنا أجمع الأموال وأحصلها وأنتم تفرقونها وتفرطون فيها! فقال له محمد: التفريط والتضييع كان في أيامك يعني أيام نظره في ديوان الجيش فقال له أبو الحسن: قد كنت أحد كتابي إذ ذاك وفي بعض مجالس الإطلاق، فإن عرفت خيانة فاذكرها أو إضاعةً فاستدركها. وقال له العباس. حالك يا أبا الحسن في الضبط والاحتياط معروفة، وطريقتك في الاستيفاء والاستقصاء معلومة، وما بك إلى هذا القول حاجة. وكان أبو الحسن بن عيسى حضره بحضرة العباس بن الحسن لمناظرة أبي الحسن بن الفرات على ما كتب به إبراهيم بن عيسى ومحمد بن عيسى العرموم أخواه في ضيعة أبي الحسن بن الفرات بكورة كسكر، وضياعه بناحية الأجمتين وما غير

стр. 248

من معاملتها وخفف من مقاسمتها. فلما بدأ علي بن عيسى يذكر ما كتب به أخواه وأورده قال العباس بن الحسن لأبي الحسن بن الفرات: ما عندك يا أبا الحسن في ذلك؟ قال له. ما أعرف من أمر ضياعي شيئاً، لأن العمال قد أدخلوا أيديهم فيها منذ نيف وعشرين شهراً، وأخذوا الحقوق السلطانية فيها على ما أرادوه واقترحوه منها، وما تكلمت ولا تظلمت انصراف قلب عنها، ولكنه قد وجب على محمد بن عيسى من ثمن الأرز بالسيبين أكثر من ثمانية آلاف دينار لا عذر ولا حجة له في دفعها، ولما كاتبته بحملها والخروج منها كتب في أمر ضيعتي بما كتب، والأمر للوزير، وهو أعلى عيناً فيه. فأمر العباس عند سماعه ذلك بإنفاذ من يستحث محمد بن عيسى فيما أخرج عليه، ويطالبه بالخروج منه ثم صرفه من بعد، وتقدم إلى أبي الحسن بن الفرات بأن يعمل له عملاً يستقصي النظر فيه ويكشف أمره فيما تولاه وقام به. وقال له أبو الحسن: ومما أسأله صرف جعفر أخي عما يتقلده، فإن علي بن عيسى قد قصده وأنفذ إليه من المستحثين من ثقل به عليه، وإذا انقطعت المعاملة بينه وبينه زال بذلك تسوقه عليه وعلي به. فأجابه العباس إلى صرفه. وكتب أبو الحسن بن الفرات إلى عامل طريق خراسان مما تولاه بيده: قد اشتهرت بأحكام الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، رحمة الله عليهم أجمعين، في الخراج مذ افتتحت نواحيه، ووضعت الطسوق فيه، بالرسوم الجارية والسنن الباقية التي سنها أفضل سلف، وعمل بها أعدل خلف، ليس في شيء منها حكمان مختلفان ولا طسقان متفاوتان، في صقع واحد، لمسلم أو معاهد. وبطريق خراسان وكلوذاي ونهر بين معاملات محطوطة الوضائع، في الإستان والقطائع، لطائفة دون أخرى، سببها ما شرطه محمد بن جعفر في سني ضمانه. وأحق المشروط عند الفقهاء بالإبطال،

стр. 249

ما يجري على سبيل حيلة وإدغال، فانقض كل شرط ورسم يعودان على مال السلطان أعزه الله بنقض أو ثلم، واستوف خراج ذلك على أكمل طسوقه، وأفضل حقوقه، حتى تنحسم تلك الأطماع، ويتوفر على يدك الارتفاع إن شاء الله. وكتب للنصف من رجب سنة ست وتسعين ومائتين. ولما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة في أول مرة أجرى كلاً من حجابه وكتابه وأصحابه على رسمهم، وأقرهم على ما كانوا يتولونه من أمره، ولم يستبدل بهم، ولا استزاد فيهم، لإكتفائه بمن كان معه عن غيرهم. وكانت أخلاقه وهو وزير مثله وهو صاحب ديوان. ومن رسمه أن يغدو إليه الكتاب فيواقفهم على الأعمال، ويسلم إلى كل منهم ما يتعلق بديوانه، ويوصيه بما يريد وصاته به. ثم يروحون إليه بما يعلمونه من أعمالهم، فيوافقهم عليها، وعلى ما أخرجوه من الخروج، وأمضوه من الأمور، ويقيمون إلى بعض من الليل. وإذا خف العمل، وقد عرضت عليه في أثنائه الكتب بالنفقات والتسبيبات والإطلاقات والحسبانات، نهض من جلسه، وانصرفت الجماعة بعد قيامه. وكانت علامته تحت بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد لله رب العالمين. وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: ورفع إلى أبي الحسن بن الفرات أن جماعة الكتاب في ديوان الجيش المتولين للعطاء احتسبوا على الجند بما لم يعطوهم إياه، وأخذوه لنفوسهم، واقتطعوه من دونهم، فأنكر ذلك، وعظم في نفسه، وكشف عنه فوجده صحيحاً، ورأى الإقدام على مثله غليظاً. فقبض على القوم الذين فعلوه، فمنهم من ضربه وأدبه، ومنهم من ارتجع منه ما حصل في يده، ومنهم من صفح عن جرمه. وكان في الجماعة أبو القاسم الحسين بن علي بن كردي،

стр. 250

وقد اعتقل، فكتب إلى أبي عبد الله والدي يسأله خطاب الوزير في بابه والتلطف في إطلاقه. واتفق أن دعا الوزير أبا عبد الله إلى طعامة على رسمه، فلما حضر امتنع من الأكل، فقال له الوزير: ما سبب امتناعك؟ قال: أنني ما أطيب نفساً بأن آكل وابن كردي قريبي في الحبس يعرض للمكروه. وأتبع ذلك بالمسألة في أمره وهبة ما عليه له، فأجابه جواباً جميلاً، وتقدم بتخلية ابن كردي، وتسليمه إليه، والصفح له عما يطالب به. ثم قال له. تقدم الآن كل. قال أبو القاسم: ولم يكن بيننا وبين ابن كردي نسب ولا قربي. وإنما قال أبي ما قاله تأكيداً للخطاب في بابه. وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: استدعى أبو الحسن بن الفرات في بعض الأيام أبا علي بن مقلة وأبا عبد الله والدي في وقت العصر، على خلوة لم يحضرها غيرهما، وقال لأبي علي: استدع قرطاساً يكتب فيه. فأحضره صاحب الدواة تلث قرطاس، وقال له: وقع بأن يكتب إلى علي بن أحمد بن بسطام بوصول كتبه بما قرر عليه أمر المادرائيين، وأنني وجدته مخالفاً لما أمرته به. وما توجبه الجملة المحصلة عليهم وهي ثلاثة آلاف ألف وكذا دينار، وكذا منها من جهة كذا وكذا، ومن جهة كذا وكذا، حتى استوفى الإملاء بتفصيل الجملة المذكورة، وفيها أنصاف دينار وأثلاثه وأربعاه وما دون ذلك. ووصل القول بما ملأ به الثلث. واستدعى أبو على ثلثاً آخر، واستتم الأمر فيه وفيما أراد خطابه به في معانيه، فكان ذرع الثلثين اللذين كتب فيهما نحو ستين ذراعاً. ثم قال لأبي عبد الله أبي: اكتب إلى علي بن أحمد على موجب ذلك. فقال له: والله أيها الوزير ما يحتاج إملاؤك إلى أكثر من أنت تثبت في أوله وآخره الدعاء، فإنه قد أتى على كل غرض، وبلغ فيما يراد كل مبلغ. فقال: تأمله على كل حال وتفقده وقف معانيه. قال

стр. 251

أبو القاسم: ولقد حدثت بعض الرؤساء هذا الحديث في مجلس حافل قد صعن على ابن الفرات فيه بنزارة الكلام، فعجب منه، وقال لي: لولا أن ذكرته لما صدقته. وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: رسم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات في وزارته الثانية أن يدعي أبو الحسن موسى بن خلف وأبو علي محمد بن علي بن مقلة وأبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني وأبو عبد الله محمد بن صالح وأبو عبد الله والدي وأبو بشر عبد الله بن الفرخان النصراني وأبو الحسين سعيد بن إبراهيم التستري النصراني وأبو منصور عبد الله بن جبير النصراني وأبو عمرو سعيد بن الفرخان النصراني في كل يوم إلى طعامه فكانوا يحضرون مجلسه في وقته، ويقعدون من جانبيه وبين يديه، ويقدم إلى كل واحد منهم طبق فيه أصناف الفاكهة الموجودة في الوقت من خير شيء، ثم يجعل في الوسط طبق كبير يشتمل على جميع الأصناف وكل طبق فيه سكين يقطع بها صاحبه ما يحتاج إلى قطعة من سفرجل وخوج وكمثري، ومعه طست زجاج يرمي فيه التفل، فإذا بلغوا من ذلك حاجتهم واستوفروا كفايتهم، شيلت الأطباق وقدمت الطسوت والأباريق فغسلوا أيديهم، وأحضرت المائدة مغشاة بدبيقي فوق مكبة خيازر ومن تحتها سفرة أدم فاضلة عليها، وحواليها مناديل الغمر من الثياب المعصور فإذا وضعت رفعت المكبة والأغشية، وأخذ القوم في الأكل، وأبو الحسن بن الفرات

стр. 252

يحثهم ويباسطهم ويؤانسهم فلا يزال على ذلك، والألوان توضع وترفع أكثر من ساعتين، ثم ينهضون إلى مجلس في جانب المجلس الذي كانوا فيه، ويغسلون أيديهم، والفراشون قيام يصبون الماء عليهم، والخدم وقوف على أيديهم المناديل الدبقية، ورطليات ماء الورد لمسح أيديهم وصبه على وجوههم، فمن كانت له من الكتاب حاجة قام إليه وخاطبه فيها وسأله إياها، ومن أراد إطلاعه على سر يجب الانفراد معه فيه فعل مثل ذلك، ثم يخرج وظائف الكتاب وغلمانهم والخزان ومن دونهم وسائر من جرت عادته بالوظيفة، على طبقاتهم، وأتبع ذلك بتفرقة وظائف الثلج على أصحاب الدواوين والكتاب والمقيمين في الدار. وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: كثر الإرجاف بأبي الحسن بن الفرات في آخر وزارته الثانية، وكان كتابه إذا ركب في يوم الاثنين والخميس إلى دار السلطان استتروا، وإذا عاد إلى داره ظهروا وحضروا. فلما كان قبل القبض عليه بأيام كتب إليه المقتدر بالله يلتمس منه حمل مائتي ألف دينار من أموال الواحي. فخلا بأبي الحسن موسى بن خلف، وكان يثق به على سره، ويستشيره في أمره، وعرفه ما طلبه المقتدر بالله منه، فقال له. لا تفعل ومتى فعلت أطمعته في نفسك ومالك، وطالبك في كل وقت بما تعجز عنه قدرتك. ورجع أبو الحسن في ذلك إلى أبي بشر عبد الله بن الفرخان، فأشار عليه بمثل ما أشار به موسى بن خلف. وأعلم أبا عبد الله والدي ما جرى، واستعلم ما عنده في ذلك، فقال له: الأعمال في يديك، والأموال محمولة إليك، وما يتعذر هذا القدر عليك، إما تقدمةً من مالك، أو أخذاً له من جهابذتك

стр. 253

ومعامليك، ودفع الشيء أولى من تعجله، ومتى جرى وأعوذ بالله أمر أخذ أكثر مما وقع الالتماس له. فلم يدعه موسى ابن خلف، وأقام على ما أورد من رأيه. وأجاب أبو الحسن ابن الفرات المقتدر بالله بالاعتذار والاحتجاج وتكثير ما عليه من المؤن والنفقات والأعطيات الإطلاقات. واحتد الإرجاف بعقب هذه الحال احتداداً شديداً، وكتب إليه المقتدر بالله يعلمه رأيه الجميل فيه وإحماده الكثير له ومقامة على النية الصادقة في بابه، وحلف له بتربة المعتضد بالله على سلامة باطنه، وأنه لا يعتقد تغييراً لأمره، ولا استبدالاً بنظره. ووقف أبو الحسن على ذلك فسر به، وسكن ألى ما عرفه منه، وأطلع كتابه عليه، فاستبشرت الجماعة وزال عنها الشك والمخافة. ووجم والدي وأمسك، وتبين أبو الحسن منه ذلك، فأدناه إليه، وقال له: أراك ساكتاً وعن جملتنا في السكون خارجاً، فما الذي وقع لك؟ فقال له: أما أنا فقد زادتني هذه الرقعة استيحاشاً، وملأتني خوفاً وإشفاقاً، لأنه لم يتجدد ما يقتضيها ويوجب ابتداءنا بما فيها. فقال له: أنت يا أبا عبد الله بعيد للنظر سيء الظن، يحملك فرط الشفقة علي إلى تصور هذه الأسباب، وأرجو أن يكذب الله تقديرك، ويجري علي جميل العادة. وكان هذا يوم الثلاثاء، فلما كان يوم الخميس الثلاثين من جمادي الأولى سنة ست وثلاثمائة مضى على رسمه في أيام المواكب ألى المقتدر بالله، ووصل إلى حضرته، ووقف بين يديه، وخاطبه فيما احتاج فيه إلى خطابه، وانصرف ألى داره، وعرف كتابه خبره، فظهروا وحضروا، ونظروا في الأعمال، وأعطي كلاً منهم ما يتعلق بديوانه، ودعا بالطعام فأكل، ثم قام

стр. 254

إلى بيت منامه ونام، وانتبه وقت العصر، وجدد الوضوء، وصلى في الدار المعروفة بدار الصلاة، وجلس على مصلاة يسبح، وما عنده إلا ساكن صاحب دواته وغلامان من غلمانه. فبينما هو على ذلك إذ هجم أبو القاسم نصر القشوري الحاجب إلى موضعه، ومعه عدة كثيرة من الرجالة وقال: أمير المؤمنين أطال الله بقاءه يأمرك بالحضور. فقال: بثياب الموكب أم بدراعة؟ قال بدراعة. فقال له: حينئذ أوصيك يا أبا القاسم بالحرم خيراً. وأخذه وأنزله في الماء إلى دار السلطان، بعد أن وكل بجميع من في داره من الكتاب والأصحاب. وحدث أبو القاسم بن زنجي قال: كنت في دار حامد بن العباس، وهو وزير بباب خراسان المعروفة بدار حجرة، إذ أدخل الفراشون إلى حضرة حامد رجلاً مكوراً في كساء أسود، ثم سمعنا صوت صراخ ووقع الصفع، وحامد يقول للصافع: جود. والرجل المصفوع يقول: الله الله قد ذهبت والله عيني. وهو يقول له: إلى لعنة الله يا ابن كذا ويا زوج كذا. ويسرف في الشتم ويبالغ. ويقول له الرجل: لا تسن أيها الوزير هذه السنة على أولاد الوزراء. ويقول له: وأنت من أولاد الوزراء؟ ثم يزيده صفعاً وشتماً، فلما لم يبق فيه بقية أمر برده إلى حيث كان فيه، فأخذه الفراشون وحملوه، وجاء أحدهم إلى الموضع الذي كنت فيه، فأخبرنا أن الرجل المحسن بن أبي الحسن بن الفرات، وأنه مقيد بقيد ثقيل، وعليه جبة صوف قد غمست في النفط مزرورة في عنقه، وأنهم ردوه إلى الحجرة التي كان فيها وحبسوه في الكنيف منها ودلوا رأسه في بئره. وقال أبو القاسم: وقمت إلى أبي عبد الله والدي لأحدثه بذلك، وهو جالس مع بشر بن علي النصراني صاحب حامد وخليفته. فابتدأ وسألني عن الصياح الذي

стр. 255

سمعه، فأعلمته بالصورة، فانزعج، وأقبل على بشر بن علي يعجبه. فقال له بشر: هذا رجل محين، وهؤلاء القوم يلون عليه منذ ثلاثين سنة، ويقومون بأمره ويحسنون عونه، فلما ملك من أمرهم ما ملك عاملهم بهذه المعاملة، وما هذا إلا إدبار وسوء توفيق. ولم يزل حامد يردد المحسن في صنوف العذاب ويحمله على كل حال، إلى أن كلم المقتدر بالله في أمره، وبذل لأبي القاسم بن الحواري مال على إخراجه عن يده، فسعى في ذلك إلى أن تم نقله إلى دار السلطان، وأقام بها أياماً، ثم سلم ألى أبي القاسم بن الحواري وحصل في داره، وخاطب المقتدر بالله من بعد في إطلاقه إلى منزله فأذن فيه. وأقام يتعرف أخبار علي بن عيسى وحامد بن العباس وما يقررانه ويدبرانه ويصلح حواشي المقتدر بالله ويستميلهم، ويعمر ما بينه وبينهم. وانتشبت بينه وبين أبي نصر بشر بن عبد الله النصراني الأنباري كاتب مفلح الخادم مودة، وترددت مراسلة، ثم جمع بينهما أبو سهل نصر بن علي الطبيب النصراني كاتب المحسن في دار بين القصرين على شاطئ دجلة. وقال له المحسن، إنه يصحح للمقتدر بالله ثلاثة آلاف ألف دينار، وألفاً وخمسمائة دينار في كل يوم إذا أطلق أبا الحسن أباه واستوزره وسلم إليه حامد بن العباس وعلي بن عيسى ومكنه منهما ومن مناظرة المادرائيين واستيفاء ما عليهم. وكتب بذلك رقعةً سلمها إلى بشر بن عبد الله كاتب مفلح، وتفرقا، ومضى بشر إلى مفلح وعرفه ما جرى، وأن الذي بذله المحسن جملة كثيرة يرغب فيها المقتدر بالله، ومتى تم الأمر وصح المال بواسطته تضاعف جاهه وأحمده سلطانه، ولم يعدم من أبي الحسن والمحسن معرفة حقه وقضاء حوائجه.

стр. 256

وأشار عليه بالكلام في ذلك، وعرض الرقعة التي كتبها المحسن، فقبل وفعل، وعاونته القهرمانة زيدان، واجتمعت معه على إيراد ما يورده. فلما وقف المقتدر بالله على رقعة المحسن أنفذها إلى أبيه أبي الحسن وقال له: أنت قيم بهذا الضمان وملتزم له؟ فقال: نعم. واستدعاه من موضعه حتى سمع قوله، وعقد عليه الوفاء بما قاله. فلما كان يوم الخميس لسبع ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة حضر أبو الحسن علي بن عيسى دار السلطان، ومعه جماعة من القواد والغلمان على رسم الموكب، وجلس في المجلس الذي جرت العادة بجلوسه فيه، إلى أن يستأذن له. ثم خرج إليه من قبض عليه، وأنفذ إلى داره ودور إخوته وكتابه وأصحابه ووكل بها، واستظهر على ما فيها. واستدعى المقتدر أبا الحسن بن الفرات من حيث كان مقيماً فيه من داره، وحضر المحسن ابنه وكان قريباً من الدار، وخلع عليهما وحملهما على حملان بمراكب ذهب، وتقدم إلى الأمراء والقواد والغلمان والخدم وسائر الطبقات بالركوب معهما إلى دارهما. ومن فضائل أبي الحسن بن الفرات والمأثور من ذكائه أنه وقع تشاجر بين ولد المكتفي وعلي بن المقتدر بالله في أجمة هوثا من أعمال القصر، وادعى كل من الفريقين أنها له، وأوجبت الصورة أن وقع إلى عامل سوق المسك بالحظر على ثمن ما يرد من صيود هذه الأجمة إلى أن تبين صورتها. وكان المقتدر بالله يوقع في وقت لعلي ابنه وفي آخر لولد المكتفي بالله، فلما زاد وقوف هذا الأمر وتأخر فصله وظهور الحق فيه لمستحقه، أحضر أبو الحسن بن الفرات خادماً لولد المكتفي بالله، ووكيلاً لعلي بن المقتدر بالله يعرف بالحربي، للمناظرة والحكومة، وقال أبو الحسن للخادم: ممن ابتعتم هذه الأجمة؟ قال: من ولد بدر اللاني. فأمرهما بالخروج والجلوس في الدار

стр. 257

بقربه إلى أن يدعوهما، وأحضر ابناً لبدر اللاني كان من أحد خلفاء الحجاب، وسأله عما عنده من الحسبانات التي لوكلائهم بنواحي القصر. فذكر أن الأملاك والضياع لما خرجت عن أيديهم أقلوا المراعاة للحسبانات فذهبت وهلكت، ولم يبق منها باق. فقال له: امض إلى دارك وسل وفتش وأحضر ما تجده. فمضى وعاد بعد ساعة ومعه حساب ذكر أنه وجده لبعض وكلائهم، فأخذه منه وسلمه إلى أبي منصور عبد الله بن جبير وكان بين يديه، وقال له: تصفحه وانظر هذا الحق من الأجمة كيف أورد، وإلى أي شيء نسب. فقرأه أبو منصور ورده إليه وقال: ما لهذا الحق ذكر فيه. فقال: هذا محال، وأخذ الحساب وقرأه وتأمله تأملاً استوفاه ثم وضع يده وقد تصفح ثلثيه على موضع وقال: ها هنا يجب أن يكون ما تطلبه منسوباً إلى وجهه. ووقف ساعة ثم دعا بالخادم والوكيل وقال لهما: هذا الحد منسوب إلى الإلجاء لا إلى الملك. أفتعرفان في يد من كانت هذه الأجمة من قبل؟ قالا: لا. قال: كانت في يد فلان في سنة إحدى وأربعين ومائتين، ثم انتقلت في سنة ثلاث وخمسين إلى يد فلان، ثم انتقلت في سنة أربع وستين إلى إبراهيم بن فورعره، ثم انتقلت في سنة خمس وثمانين إلى فلان. ولم يزل يذكر حالها وقتاً بعد وقت إلى أن دخلتها يد بدر اللاني. قال المحدث بهذا الخبر: فقلت لإنسان كان إلى جانبي: كيف يذكر الوزير سنة إحدى وأربعين وفيها مولده؟ ورأى شفتي تتحركان بالقول، فقال لي: ما قلت؟ ودافعته فكرر سؤالي وقال لي: قل ما قلت. فصدقته عنه فقال: أحسنت بارك الله عليك فيما تأملت وتتبعت. إني لما دخلت الديوان في حال الحداثة كان أستاذي الذي أخدمه أسن من فيه، فكنت أذا مر بي رسم كان من

стр. 258

قبل سألته عنه وحفظت ما يقوله فيه، أو جرى شيء في أيامي حفظته، وكان هذا مما عرفنيه. وحكم بالملك لولد المكتفي بالله، وطالبه صاحبهم بتسليم ما اعتيق من ثمن الصيد، فوقع بذلك، وكتب إلى المقتدر بالله بما كشفه وحكم به. وحدث أبو عبد الله زنجي قال: توفي أبو عيسى أحمد بن محمد بن خالد المعروف بأخي أبي صخرة في يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من شعبان سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في وزارة أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات، وخلف أموالاً وأملاكاً كثيرة، ولم يخلف ولداً. فتعرض أصحاب المواريث لتركته، وبلغ أبا الحسن بن الفرات ذلك فأنكره، ومضى إلى المقتدر بالله وقال له: قد كان المعتضد بالله والمكتفي بالله رفعا المواريث وأزالاها وأنت أولى من أمضي فعلهما وأجرى سننهما. فأمره بفعل ذلك والتقدم به، وفعل وأزال التوكيل عن دار أبي عيسى أخي أبي صخرة والاعتراض عما خلفه، وسلم جميعه إلى الورثة، وأشهد عليهم بتسلمه. وأمر بأن يكتب إلى العمال في سائر النواحي برفع المواريث، فكتب أبو الحسن محمد بن جعفر بن ثوابة بما نسخته: أما بعد، فإن أمير المؤمنين يؤثر في الأمور كلها ما قربه من الله ﷻ ومن طاعته ما اجتلب له منه جزيل مثوبته، وحسنت به العائدة على كافة خليقته ورعيته، لما جعل الله عليه نيته من العطف عليها، وإيصال المنافع إليها،

стр. 259

وإزالة الإعنات عنها، وإبطال رسوم الجور التي كانت تعامل بها، وإحياء سنن الخير وإيثاره لها، جارياً مع الكتاب والسنة، عاملاً بالآثار عن الأفاضل من الأئمة، وعلى الله يتوكل أمير المؤمنين، وإليه يفوض وبه يستعين. وأنهى إلى أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن محمد ما يلحق كثيراً من الناس من الإعنات في مواريثهم، وما يتناول على سبيل الظلم من أموالهم، ويحكم فيه فخلاف ما جرت به السنة، وأنه قد كان عبيد الله بن سليمان أنهى إلى المعتضد بالله صلوات الله عليه حال المتقلدين لأعمال المواريث، وما يجري على الرعية من مطالبتهم إياهم بأحكام لم ينزل بها كتاب الله ولا جرت بها سنة رسول الله ﷺ ، ولا أجمع أئمة الهدى رحمة الله عليهم عليها، فكتب صلوات الله عليه إلى يوسف بن يعقوب وعبد الحميد بن عبد العزيز القاضيين كانا بمدينة اسلام وما يتصل بها من النواحي في أيامه يسألهما عن الحال عندهما في مواريث أهل الملة والذمة. فكتب عبد الحميد ﵁ كتاباً في مواريث أهل الملة، حكى فيه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم ومن اتبعهم من الأئمة الهادين رحمة الله عليهم رأوا أن يرد على أصحاب السهام من القرابة ما يفضل عن السهام المفترضة في كتاب الله ﵎ من المواريث إذا لم يكن للمتوفي عصبة يحوز باقي ميراثه، وجعلوا ﵃ تركة من يتوفى ولا عصبة له لذوي رحمة إن لم يكن له وارث سواهم، ممتثلين في ذلك أمر الله سبحانه إذ يقول: " وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى ببَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍّ عَلِيمٌ " وسنة رسول الله ﷺ في توريثه من لا فرض له في كتاب الله تعالى من الخال وابن

стр. 260

الأخت والجدة. وكتب يوسف بن يعقوب إليه كتاباً في مواريث أهل الذمة حكي فيه ما روي عن رسول الله ﷺ من أن المسلم لا يرث الكافر، وأن الكافر لا يرث المسلم وأنه لا يتوارث أهل ملتين. ووصف يوسف في كتابه أن السنة جرت بأن أهل كل ملة يورثون من هو منهم إذا لم يكن له وارث من ذي رحمه. وعرف أبو الحسن أمير المؤمنين أن ما قرر عليه حامد بن العباس الأمر من تتبع المواريث وتقليد جبايتها عمالاً يجرون مجرى عمال الخراج شيء لم يكن في خلافة من الخلافات إلى أن مضى صدر من خلافة المعتمد على الله ﵀ فإن يداً دخلت فيها في ذلك الوقت على سبيل تأول بما روي عن زيد بن ثابت ﵀ دون غيره، فأزالها المعتضد بالله صلوات الله عليه. ثم أعاد ذلك الرسم الجائر والأثر القبيح السائر حامد بن العباس بظلمه وتعديه وتهوره وتسطيه وتأول على الرعية بما لم يرض الله فيه. فأمر أمير المؤمنين بأن يرد على ذوي الأرحام ما أوجب الله ورسوله ﷺ وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن العباس وعبد الله بن مسعود سلام الله عليهم ومن إتبعهم من أئمة الهدى ﵃ رده من المواريث عليهم، وأن ترد تركة من مات من أهل الذمة ولم يخلف وارثاً على أهل ملته، وأن يصرف جميع عمال المواريث في سائر النواحي ويبطل أمرهم، ويرد النظر في أعمال المواريث إلى الحكام على ما لم يزل يجري عليه قبل أيام المعتمد على الله. ورأى أمير المؤمنين أن من الحق لله عليه فيما قلده من خلافته، وألبسه من جلباب كرامته، وألزمه من رعاية عباده في بلاده الدانية والقاصية، ونواحي سلطانه القريبة والبعيدة، أن يعم جميعهم بعدله وإنصافه، ويتناولهم بفضله وإحسانه، ويسن لهم سنة الخير في أيامه، ويزيل

стр. 261

عنهم البوائق والعوارض التي توجد بها السبيل إلى أن تنقص أموالهم ويتوصل فيها إلى ظلمهم وإعناتهم، وأن يجري الأمر في المواريث على ما كان جارياً عليه في أيام المعتضد بالله، وترك تبديله والحذر من إزالته وتغييره، وإذاعة ما أمر به إظهاره وقراءته على الناس في المسجدين الجامعين بمدينة السلام ليكون مشهوراً متعالماً، والخبر به إلى الأداني والأقاصي واصلاً. فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين وأمره واعمل عليه وبحسبه إن شاء الله والسلام عليك ورحمة الله، وكتب أبو الحسن يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة إحدى عشرة وثلاثمائة. ونسخة ما كتب به أبو خازم إلى بدر المعتضدي جواب كتابه إليه في أمر المواريث. وصل كتاب الأمير يذكر أنه احتيج إلى كتابي بالذي أراه واجباً من مال المواريث لبيت المال، وما لا أراه واجباً منه، وتلخيص ذلك وتبيينه، وأنا ذاكر للأمير الذي حضرني من الجواب في هذه المسألة والحجة فيما سأل نه ليقف على ذلك إن شاء الله. الناس مختلفون في توريث الأقارب، فروي عن زيد بن ثابت أنه جعل التركة إذا لم يكن للمتوفي من يرثه من عصبة وذي سهم لجماعة المسلمين وبيت مالهم، وكذلك يقول في الفضل بعد السهمان المسماة إذا لم تكن عصبة، ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة سوى زيد بن ثابت، وقد خالفه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وجعلوا ما يفضل من السهمان رداً على أصحاب السهام

стр. 262

من القرابة، وجعلوا المال لذي الرحم إذا لم يكن وارث سواه. والسنة تعاضد ما روي عنهم، وتخالف ما روي عن زيد بن ثابت. وتأويل القرآن يوجب ما ذهبوا إليه، وليس لأحد أن يقول، في خلاف السنة والتنزيل، بالرأي. قال الله تعالى: " وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍّ عَلِيمٌ " فصير القريب أولى من البعيد، وإلى هذا ذهب عمر وعلي وعبد الله ﵃ ومن تابعهم من الأئمة، وعليه اعتمدوا، وبه تمسكوا، والله أعلم. ولو كان في هذه المسألة ما لا يدل عليه شاهد من الكتاب والسنة لكان الواجب تقليد الأفضل والأكثر من السابقين الأولين، وترك قبول من سواهم ممن لا يلحق بدرجتهم بسابقته. وإذا رد أمر الناس إلى التخير من أقاويل السلف فهل يحيل أو يشكل على أحد أن زيداً لا يفي علمه بعلم عمر وعلي وعبد الله؟ وأذا فضلوا في السابقة والهجرة فمن أين وجب أن يؤخذ بما روي عن زيد بن ثابت واطراح ما روي عنهم؟ وقد استدلوا مع ذلك بالكتاب فيما ذهبوا إليه. وبالسنة فيما أفتوا به. والرواية ثابتة عن النبي ﷺ بتوريث من لا فرض له في الكتاب من القرابة، فمن ذلك ما ذكر لنا عن معاوية بن صالح، عن راشد ابن سعد، عن أبي عامر الهوزني عن المقدام بن معدي كرب عن النبي ﷺ أنه قال: الخال وارث من لا وارث له، يرث ماله ويعقل عنه. وكذلك بلغنا عن شريك بن عبد الله عن ليث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله. وعن ابن جريج عن عمرو بن مسلم عن طاوس عن عائشة أن النبي ﷺ قال مثل ذلك. وذكر عن عبادة ابن أبي عباد، عن محمد بن أسحاق عن يعقوب بن عتبة، عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال:

стр. 263

توفي ثابت بن الدحداح فقال النبي ﷺ لعاصم بن عدي: أله فيكم نسب؟ قال: لا. فدفع تركته إلى ابن أخته. فقد أوجب ﵇ بما نقلته عنه هذه الرواية توريث من لا سهم له من القرابة مع عدم أصحاب السهمان المبينة في الكتاب، وأعطى الجدة السدس من الميراث ولا فرض لها، وفي ذلك الاتفاق وفيما صير لها من السدس دليل على أن من لا سهم له من القرابة في معناها، إذا بطلت السهام، ولم يكن من أهلها، وأنه أولى بالميراث من الأجنبي. والمروي عن زيد بن ثابت انه جعل الفضل عن سهام الفرائض وكل المال إذا سقطت السهام بعد أهلها لجماعة المسلمين، فجعلهم كلهم وراثاً، وجعل ما يصير لهم من ذلك في خلاف مال الفيء المصروف ألى الشحنة وأرزاق المقاتلة وإلى المصالح إذا كان ذلك يكون، فيما روي عنه، للناس كافة، وعددهم لا يحصى، فغير ممكن أن يقسم ذلك فيهم وهم متفرقون في أقطار الأرض مشارقها ومغاربها. وإذا امتنع ذلك وخرج إلى ما ليس يمكن فسد، وثبت ما قلناه من قول أكابر الأئمة. وقد تأول بعض المتأولين قول الله تعالى: " وَأُولُوا الأَرْحَامَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب الله " فقال فيه: كان الناس يتوارثون بالحليف دون القرابة، فلما أوجب الله المواريث لأهلها من الأقارب منع الحليف بما فرض من السهمان، فغلطوا وصرفوا حكم الآية إلى الخصوص، فذلك غير واجب مع عدم الدليل، لأن مخرجها في السمع مخرج العموم. وبعد، فلو كان تأويلها ما ذهبوا إليه، وكانت السهام التي نسخت ما يرثه الحليف قبل نزول الفرائض، لوجب في بدء، وما قالوا: إذا كان لا وارث للميت من أصحاب السهام أن يكون الحليفان في التوارث على أول فرضهما وعلى المقدم من حكمهما، لأن الذي منعهما إذا ثبت هذا التأويل من له سهم دون من لا سهم له. فإذا ارتفع المانع رجع الحكم إلى بدئه. ولا اختلاف بين الفريقين أن الحليف لا يرث الحليف اليوم، وإن كان لا وارث سواه، وهذا يدل على فساد تأويلهم، وعلى أن المراد في الآية التي أوجبت الحق للأقارب غير الذي ذهبوا إليه، فإن الله سبحانه إنما أراد بمعناها اختصاص القريب بالإرث دون البعيد. وقد يلزم من ذهب إلى الرواية عن زيد وترك الرواية عن عمر وعلي وعبد الله ﵈ جانباً، وأسقط التعاقل بين الأجنبي والقريب أن يجعل ذا الرحم أولى، لأنه يفضل الأجنبي بالقرابة. وترتيب المواريث في الأصل يجري على تقدم من فضل غيره في المناسبة كالأخ للأب والأم، والأخ للأب، وابن العم للأب والأم وابن العم للأب، وأخصهما قرابة أولاهما بالميراث عند جمع الجميع. قال الله تعالى: " يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيين " وولد الولد من سفل منهم ومن ارتفع يعمهم هذا الاسم، إلا أن الأقرب منهم في معنى الآية أحق من الأبعد. فإذا كان ذلك كذلك كان القريب أولى من الأجنبي بالتركة للرحم التي يقرب بها دونه. وبعد، فإن العلماء نفر يسير لا يعرفون الصواب في هذه المسألة إلا فيما روي عن الخليفتين عمر وعلي صلوات الله عليهما وما روي عن ابن مسعود، ثم ل يقتصروا في المبالغة والدليل في توريث ذي الرحم إلا على ما روي عن عبد الله بن العباس جد أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وترجمان القرآن، وبحر العلم، ومن كان إذا تكلم سكت الناس، ومن دعا له النبي ﷺ فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. ودعوة النبي ﷺ مستجابة، ومن كان أعلم بتأويل القرآن فاتباعه فيه أوجب. وقد روي عن ابن عباس مثل ذلك من قول عمر وعلي وعبد الله والجماعة، وما زالت الخلفاء من أجداد أمير المؤمنين أعزه الله يستقضون الحكام فيقضون برد المواريث على الأقارب، ولا ينكرون ذلك على من قضى به من قضاتهم، ولا يرونه متجاوزاً للحق فيه، وما عرفت الجماعة بغير هذا الاسم إلا منذ نحو عشرين سنة. وأمير المؤمنين أولى من اتبع آثار السلف، واقتدى بخلفاء الله، ومال إلى أفضل المذهبين. وإلى الله الرغبة في عصمة الأمير وتسديده. والحمد لله رب العالمين. وحدث أبو الخصيب كاتب أحمد بن العباس قال: حدثني حامد قال: دخلت إلى عبيد الله بن سليمان وهو وزير المعتضد بالله ﵀ فوجدته خالياً، وعنده أبو العباس بن الفرات، وعبيد الله يعاتبه، فلم يحتشمني لعلمه بما بيني وبينه، فسمعته يقول لأبي العباس: ولكنك تميل إلى فلان وفلان وابن بسطام. فقال له: أما فلان أيها الوزير فميلي إليه لأنه أسعفني في وقت نكبتي وعند مصادرتي بخمسين ألف دينار، ومن عاونني بماله، وأشركني في حاله، فقد استحق مني أن أصفيه الود وأخلص العقد. وأما ابن بسطام فرجل كاتب له علي رئاسة، وحق الرئاسة لا ينسى ودينها لا يقضى. سلمين، فجعلهم كلهم وراثاً، وجعل ما يصير لهم من ذلك في خلاف مال الفيء المصروف ألى الشحنة وأرزاق المقاتلة وإلى المصالح إذا كان ذلك يكون، فيما روي عنه، للناس كافة، وعددهم لا يحصى، فغير ممكن أن يقسم ذلك فيهم وهم متفرقون في أقطار الأرض مشارقها ومغاربها. وإذا امتنع ذلك وخرج إلى ما ليس يمكن فسد، وثبت ما قلناه من قول أكابر الأئمة. وقد تأول بعض المتأولين قول الله تعالى: " وَأُولُوا الأَرْحَامَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب الله " فقال فيه: كان الناس يتوارثون بالحليف دون القرابة، فلما أوجب الله المواريث لأهلها من الأقارب منع الحليف بما فرض من السهمان، فغلطوا وصرفوا حكم الآية إلى الخصوص، فذلك غير واجب مع عدم الدليل، لأن مخرجها في السمع مخرج العموم. وبعد، فلو كان تأويلها ما ذهبوا إليه، وكانت السهام التي نسخت ما يرثه الحليف قبل نزول الفرائض، لوجب في بدء، وما قالوا: إذا كان لا وارث للميت من أصحاب السهام أن يكون الحليفان في التوارث على أول فرضهما وعلى المقدم من حكمهما، لأن الذي منعهما إذا ثبت

стр. 264

هذا التأويل من له سهم دون من لا سهم له. فإذا ارتفع المانع رجع الحكم إلى بدئه. ولا اختلاف بين الفريقين أن الحليف لا يرث الحليف اليوم، وإن كان لا وارث سواه، وهذا يدل على فساد تأويلهم، وعلى أن المراد في الآية التي أوجبت الحق للأقارب غير الذي ذهبوا إليه، فإن الله سبحانه إنما أراد بمعناها اختصاص القريب بالإرث دون البعيد. وقد يلزم من ذهب إلى الرواية عن زيد وترك الرواية عن عمر وعلي وعبد الله ﵈ جانباً، وأسقط التعاقل بين الأجنبي والقريب أن يجعل ذا الرحم أولى، لأنه يفضل الأجنبي بالقرابة. وترتيب المواريث في الأصل يجري على تقدم من فضل غيره في المناسبة كالأخ للأب والأم، والأخ للأب، وابن العم للأب والأم وابن العم للأب، وأخصهما قرابة أولاهما بالميراث عند جمع الجميع. قال الله تعالى: " يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثيين " وولد الولد من سفل منهم ومن ارتفع يعمهم هذا الاسم، إلا أن الأقرب منهم في معنى الآية أحق من الأبعد. فإذا كان ذلك كذلك كان القريب أولى من الأجنبي بالتركة للرحم التي يقرب بها دونه. وبعد، فإن العلماء نفر يسير لا يعرفون الصواب في هذه المسألة إلا فيما روي عن الخليفتين عمر وعلي صلوات الله عليهما وما روي عن ابن مسعود، ثم ل يقتصروا في المبالغة والدليل في توريث ذي الرحم إلا على ما روي عن عبد الله بن العباس جد

стр. 265

أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وترجمان القرآن، وبحر العلم، ومن كان إذا تكلم سكت الناس، ومن دعا له النبي ﷺ فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل. ودعوة النبي ﷺ مستجابة، ومن كان أعلم بتأويل القرآن فاتباعه فيه أوجب. وقد روي عن ابن عباس مثل ذلك من قول عمر وعلي وعبد الله والجماعة، وما زالت الخلفاء من أجداد أمير المؤمنين أعزه الله يستقضون الحكام فيقضون برد المواريث على الأقارب، ولا ينكرون ذلك على من قضى به من قضاتهم، ولا يرونه متجاوزاً للحق فيه، وما عرفت الجماعة بغير هذا الاسم إلا منذ نحو عشرين سنة. وأمير المؤمنين أولى من اتبع آثار السلف، واقتدى بخلفاء الله، ومال إلى أفضل المذهبين. وإلى الله الرغبة في عصمة الأمير وتسديده. والحمد لله رب العالمين. وحدث أبو الخصيب كاتب أحمد بن العباس قال: حدثني حامد قال: دخلت إلى عبيد الله بن سليمان وهو وزير المعتضد بالله ﵀ فوجدته خالياً، وعنده أبو العباس بن الفرات، وعبيد الله يعاتبه، فلم يحتشمني لعلمه بما بيني وبينه، فسمعته يقول لأبي العباس: ولكنك تميل إلى فلان وفلان وابن بسطام. فقال له: أما فلان أيها الوزير فميلي إليه لأنه أسعفني في وقت نكبتي وعند مصادرتي بخمسين ألف دينار، ومن عاونني بماله، وأشركني في حاله، فقد استحق مني أن أصفيه الود وأخلص العقد. وأما ابن بسطام فرجل كاتب له علي رئاسة، وحق الرئاسة لا ينسى ودينها لا يقضى.

стр. 266

حدث محدث قال: قلت لأبي العباس بن الفرات يوماً على شرب وقد رأيته يلعب بالخصوم وأرباب الظلامات لعباً، فتارة بالحجج الديوانية وتارة بالحجج الفقهية: يا سيدي هل قطعك أحد في مناظرة؟ فقال أما بالحجة فلا. بل كابرني رجل مرة فحرت في جوابه، وانقطعت في يده، وذلك أن محمد بن زكريا المعروف بوزير الإسكافي كان صنيعة لي، فتولى الضياع بواسط، وحضر من تكلم عليه وبذل مواقفته على ما فرقه، فرسم لي عبيد الله بن سليمان مكاتبته بالحضور، فقلت له: هذا أعز الله الوزير وقت العمارة، وإذا أخل العامل بها وقع التقصير فيها، واحتج علينا بأننا قطعناه بالاستدعاء عنها. قال: فأخره إلى أن يفرغ منها. فأخرته شهوراً، ثم عاود المتظلم منه القول فيما تكلم عليه به، وأمرني عبيد الله باستدعائه، فقلت: هذا وقت التقدير، وبه يحصر الارتفاع. قال: فأخره. فاخرته شهرين، ثم عاود المتظلم، وعاودني عبيد الله. فقلت: قد شبهت الغلات إلا بالحزر. فقال المتظلم: كيف تسمح نفس أبي العباس بإحضار من عمر ضياعه وأضاف إليها خواص السلطان وأملاكه ونقل إليها أكرة الوزير؟! فضياعه كالعرائس المجلوات، وضياع الوزير كضياع الأرامل والأيتام. قال أبو العباس: وعمل كلامه والله في عبيد الله. فابتدأت أحلف على كذبه واستحالة قوله، فمنعني وقال: حسبك الآن. وكتب منشوراً بخطه بإشخاصه، وأنفذ به مستحثاً، وحمل وزير، واعتقله وصادره.

стр. 267

وحدث محدث قال: رأيت أبا العباس بن الفرات يناظر شيخاً مزيناً ببادوريا قد احتال في تخفيف مقاسمة بيدره وقال له: في أية سنة قسم هذا البيدر على ما ادعيته في المعاملة؟ قال: السنة التي ملكت فيها أيدك الله البيدر الفلاني والبيدر الفلاني. حتى عد عشرة بيادر في عدة طساسيج من خواص السلطان التي استضافها إلى ضياعه. فورد عليه من قوله ما أدهشه وأسكته، وأمضى مقاسمة بيدره وصرفه. وحدث أبو عبد الله بن الماسح الكاتب قال: حدثني أبو الحسن علي بن عيسى، وقد جرى ذكر الجهبذة، وقال: ما أعجب ما جرى في أمرها بنواحي المغرب. وذلك أنها لما صحت في أيام المعتضد بالله؛ وكتبت لعبيد الله بن سليمان على الديوان، أمرني أن أعمل عملاً بارتفاع الموصل والزابات، فعلمته وعرضته عليه، فاعترضه أبو العباس بن الفرات على رسمه في مثل ذلك وما تقتضيه خلافته لعبيد الله، وقال لي: ما أرى لمال الجهبذة في هذا العمر ذكراً. فقلت له: هذا ما لا أعرفه في أصل ولا مضاف، فإن يكن من مال السلطان فهو بمنزلة ما يؤخذ من الذيل ويرقع به الجيب، أو يكن من مال الرعية فهو ظلم، وطريق للجهابذة إلى أخذ أموال المعاملين. وهذه نواح افتتحت قريباً، وسبيلها أن يعامل أهلها بالإنصاف، وتخفف عنها المؤن لتحلو لهم سياسة السلطان. فقال: هذا باب من أبواب الارتفاع، ولا يجوز أن يترك ويضاع، فيلحقنا من السلطان استبطاء وإنكار. وتقدير ما يجب في هذه النواحي من ذلك عشرة آلاف دينار، فما هو إلا أن سمع الوزير ذكر السلطان وعشرة آلاف دينار تزيد في الارتفاع حتى قال: سبيل

стр. 268

هذه النواحي سبيل غيرها من نواحي السواد. فأمسكت، واستمر بلاء الجهبذة على الناس إلى حين انتهينا. وحدث أبو الحسن بن ماني الكوفي الكاتب قال: حدثني على بن حسين الجهظ كاتب أبي العباس أحمد بن محمد بن ثوابة قال: جرت المناظرة يوماً بين أبي العباس بن ثوابة وأبي العباس بن الفرات في حساب باروسما الأعلى بحضرة عبيد الله بن سليمان. فأقام ابن ثوابة الشاهد على صحة ما رفعه، والبرهان على عامل ابن الفرات في تأويله. وأخذ ابن الفرات يباهت في نصرة قوله. فقال ابن ثوابة: كيف أنتصف منك يا أبا العباس وأنا أناظرك بالحجة، وأنت تعارضني بفضل القدرة، وتزعم أن هذا الوزير أسير في يديك؟ قال: فنظر عبيد الله إلى من حضر وقال: اشهدوا أنني أسير في يدي كل كاف. قال: يقول ابن ثوابة: قد علمنا. قال: وتظلم أهل السارية من أهل بادوريا إلى المعتضد بالله وحكوا أن أهل سقي الفرات واطئوا العمال والمهندسين على ظلمهم وكتمان ما عندهم في أمر أبواب قنطرة دمما، ووافقوهم على تضييقها ليتوفر الماء عليهم. فتقدم المعتضد بالله إلى بدر بالخروج مع القاسم بن عبيد الله ومن استنصحه القاسم من أصحاب الدواوين ومشايخ العمال والمهندسين وقضاة الحضرة وطائفة من الشهود وابن حبيب الذراع ومن يختاره من الذراع للوقوف على ما وقعت الظلامة منه، وكشف الصورة فيه. فخرجا وفي القوم علي وجعفر ابنا الفرات، ومحمد بن داود بن الجراح وعلي بن عيسى، وإسماعيل ابن إسحاق وأبو الخازم القاضيان، وإبراهيم بن عبد الله عامل بادوريا وجماعة من

стр. 269

تنائها وشيوخها، ووصلوا إلى الموضع واستدعوا الدهاقين بسقي الفرات، واستقر الأمر على أن ذرع الباب الكبير بذراع السواد، فكان ستة عشر ذراعاً، وذرعت الأربعة الأبواب الصغار، فكان كل واحد منها ثمانية أذرع، وكان مقام الماء على الصب الذي قسمت عليه الأبواب فوق الدكة أربعة أذرع ونصفاً في أيام الطنكاب وقلة الماء. وسئل أهل بادوريا عما عندهم، فأقاموا على أن عرض الباب الكبير خمسة وثلاثون ذراعاً، وقاربوا أهل سقي الفرات في الأبواب الصغار وقالوا: لولا أن سعة الباب ما ذكرنا لما أمكن انحدار زورق في الباب ولا طوف من طواف الزيت والخشب، وأنكر أهل الأعلى قولهم، وطالبوهم بالشاهد عليه، فلم يأتوا به، واختلفت الأقوال مع الإجماع على أنه فوق العشرين ذراع. فقال أبو الحسن بن الفرات للقاسم بن عبيد الله: قد كثر أيها الوزير الاختلاف والتلاحي والأقاويل والدعاوي، فليأمر بكتب ما يقوله كل فريق ليتحصل ويعلم، ولا يقع عنه رجوع من بعد. فأمر بذلك، وأخذت الخطوط به. ثم قال ابن الفرات: فيسألهم الوزير: هل كانت قراقير الرمان وأطواف الزيت والخشب تنحدر في الباب أم لا؟ قالوا: بلى. قال: فلينفذ الوزير ثقةً من ثقاته مع صاحب للقاضي حتى يذرع عرض قراقير الرمان التي ترد دجلة من هذا الباب. فذرعت عشرة قراقير، فكانت سعتها ما بين عشرين ذراعاً. وكتب بذلك إلى المعتضد بالله، وأقام القوم بمكانهم إلى أن ورد أمره بأن يجعل الباب الكبير

стр. 270

بالذراع السوداء اثنين وعشرين ذراعاً، والأبواب الصغار على رسمها. وحدث محمد قال: كان أبو الحسن بن الفرات يستظهر في نفقات المصالح. ويستكثر من إعداد الآلات على الأماكن التي تخاف الحوادث منها، فلما ولى علي ابن عيسى العباس بن منصور على المصالح أظهر العفة وقلل النفقة، ونسب ابن الفرات فيما كان يفعله ألى التفريط والإضاعة. وقدر للنفقة على بزند من بزندات نهر الرفيل ثلاثون ديناراً، فلم يطلقها، وقال: نفقة هذا البزند واجبة على صاحب الضيعة لأنها قطيعة. فأحدث فعله انفجار البثق المعروف بأبي الأسود في نهر الملك، فخرج إليه إبراهيم بن عيسى وأنفق عليه سبعمائة ألف درهم، وذهب من ارتفاع السلطان ببهرسير والرومقان وإيغار يقطين أضعاف ذلك، وكثرت البثوق والجبايات في نفقاتها والمضرة بحوادثها. وحدث أبو بكر بن ثوابة قال: سمعت أبا الحسن بن الفرات يقول: حدثني أبو العباس أخي قال: قال لي عبيد الله بن سليمان: قد ألح علي أمير المؤمنين بأن أجعل بالجانب الغربي بإزاء داره ميداناً يكون تكسيره مائتي جريب. فقلت: أعوذ بالله أيها الوزير من ذلك. قال: فإني لا أجترئ على مخالفته ومراجعته. قال له أبو العباس: فإذا عاود فاذكرني له لأعرفه ما في ذلك عليه. فعاود المعتضد بالله عبيد الله بن سليمان وضجر عليه من تأخيره ما أمره به. فقال: يا أمير المؤمنين، بالباب أحمد بن محمد بن الفرات، فإذا شرفه أمير المؤمنين بالوصول إلى حضرته ذكر ما عنده في ذلك. فأذن له، فحضر وسلم وخدم، فقال له المعتضد بالله: ما عندك؟ فقال: طساسيج السواد يا أمير المؤمنين أربعة وعشرون

стр. 271

طسوجاً، أجلها طسوج بادوريا وهو اثنا عشر رستاقاً، أجلها رستاق الكرخ وهو اثنتا عشرة قرية، وأجلها ما على دجلة، وكل جريب منه يساوي ألف دينار، ويغل ألف درهم، أفيرى أمير المؤمنين إضاعة مائتي ألف دينار يشيع خيرها فيما لا فائدة فيه؟ قال: لا والله، فاطلبوا لنا موضعاً آخر. قال: يكون ما بين الحلبة والرحبة. فتقدم بالعمل على ذلك. قال أبو بكر: وسمعت أبا الحسن بن الفرات يقول: أصل العمارة وزيادة الارتفاع حفظ البذور، ولن يتم ذلك إلا بالعدل. ويقول: الضمان يذهب بالارتفاع كما يذهب الساكن بالعقار. وسمعته يقول: سبيل العامل أن يؤدب على الزيادة في المساحة كما يؤدب على الاقتطاع منها. قال: ووقع يوماً بحضرتي إلى بعض العمال وقد رفع إليه صاحب الخبر أنه صفع واحداً من التناء لتقاعده بأداء الخراج: في الحبس للتناء مأدبة، فلا تعامل بعدها أحداً بهذه المعاملة فأُمكنه من الاقتصاص منك. قال: وسمعته يقول: أحسنت إلى بعض الأكرة والمزارعين في ناحية كحلة من طسوج الأنبار بنحو مائة درهم، فأخلف علينا ذلك عشرة آلاف دينار، وذلك أنه صار الرجل المسامح إلى بعض البلدان فذكر أنه أُحسن إليه في معاملته بمائة درهم، فرغب أهل البلد في الانتقال إلى قرى كحلة، فانتقلوا وعمروا، وارتفعت في تلك السنة بعشرة آلاف دينار، ووكيلنا فيها محمود بن صالح. قال أبو بكر: كتبت إلى أبي الحسن بن الفرات أسأله أن يرد إلي شيئاً أتولاه وأجعل جاريه لأبي علي أبي. فوقع لي بخطه: وصلت رقعتك جعلني الله فداك

стр. 272

ولأاعمال كثيرة، غير أنك تكره القضاء، والعمالة فلا تدخل فيها، والحسبة فلا تصلح لك، والمظالم فتجري مجرى الحكم والذي يصلح لك أن تعقد عليك الغلات في عدة طساسيج تختارها من السواد، فإن أردت جميع غلات السواد كان ذلك لك مبذولاً، فاعمل على ذلك فأنه أصلح لك وأعود عليك أن شاء الله. وذكر أنه كان بمدينة السلام رجل من أهل الأهواز يتحلى بالقضاء، وكانت له حال واسعة ونعمة ظاهرة، وعادته جارية بالحيلة على الناس وأخذ أموالهم بالتمويهات والتزويرات. فصار إليه رجل من أهل إسكاف بني الجنيد وسأله أن يسعى له في تقليده ناحيةً أسماها. فتركه أياماً، ثم دفع إليه كتاباً بتقليدها، وأعلمه مواقفته الوزير أبا الحسن علي بن الفرات على تقدمة خمسين ألف درهم. فأخذ الرجل الكتاب، وأقرض من بعض التجار المال وسلمه إليه ليحمله إلى الوزير، وواعده إلى البكور إليه في غد ذلك اليوم للقاء الوزير ووداعه، وفارقه. وغدا إليه على وعده فلم يره، وخاف أن ينتهي إلى الوزير خبره بالحضرة فينكره، فدخل إليه وتقدم فقبل يده واستأمره في الخروج. فقال له الوزير: إلى أين؟ قال إلى حيث قلدتني. قال ما قلدتك شيئاً فأخرج الكتب وعرضها عليه فلما قرأها الوزير عجب منها، وسأل عمن تنجزها له. فأسمى القاضي وأعلمه أنه أخذ منه خمسين ألف درهم باسمه، فأمر بطلبه فطلب فقيل إنه هرب. فقال الوزير. الحيلة علي تمت. ووقع في الكتب وأمضاها وكتب له بالعوض عن المال وأمره بالنفوذ. وحدث أبو الحسن علي بن جعفر الهمذاني الكاتب قال: لما تقلد أبو الحسن بن الفرات الوزارة حضره من عمال علي بن عيسى العباس

стр. 273

ابن موسى بن المثنى، وابن أمينة، وأحمد بن محمد بن سمعون وكان يخلف أبا ياسر على أعمال الأنبار، وأمر بأن يخرج إليه تقدير الغلات من النواحي التي كانوا يتقلدونها، وأُخرج. ونظر في تقديرات ابن المثنى، وكان يتولى كوثى ونهر درقيط، فوجده يعجز نحو ستة آلاف كر بالفالج، وقال له: من أنت؟ فقال. العباس بن موسى ابن المثنى من أهل همينيا. فقال ابن الفرات: كان المثنى بندارا ويحلف على الكذب أكثر مما يحلف على الصدق وقد حلقت نصف لحيته على اقتطاع اقتطعه. ونظر في تقدير أبي ياسر فوجده يعجز اثني عشر ألف كر، وقال لابن سمعون: من أين أنت؟ قال: من أهل جرجرايا. فقال. لم أعرف بجرجرايا هذا الاسم، ولكنك من قرية البرت، وكان أبوك هرك فلان. ونظر في تقدير ابن أمينة فوجده يعجز ثمانية آلاف كر. فقال: يا أبا الحسن علي بن عيسى، شغلت نفسك بأخلاق المملكة والنظر في علوفة البط، والحطيطة من أرزاق الناس وما يجري هذا المجري من الصغائر المستهجنات، لعمارة بيدر واحد أصلح للسلطان وأعود عليه من توفيرك ما تقربت به إليه. ثم تقدم بمحاسبة الجماعة.

стр. 274

محمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان أبو علي محمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان. كان أبو علي أكبر ولد أبيه، وتقلد بعد وفاته ديوان زمام الخراج والضياع السلطانية في وزارة الحسن بن مخلد فلما صرف الحسن وتقلد سليمان بن وهب قلده نفقات أبنية المعتمد على الله بالمعشوق في الجانب الغربي الذي من سر من رأى، ثم صرفه المعتمد فلازم بيته إلى أن تقلد أبو القاسم عبيد الله بن سليمان فرد إليه البريد بكورتي ما سبذان ومهرجا نقذف. وكان أبو القاسم عبد الله ابنه صحب أبا القاسم عبيد الله بن سليمان عند حصوله بالجبل مع بدر المعتضدي فضمه إلى أبي عبد الله محمد بن داود بن

стр. 275

الجراح، وأبو عبد الله يتقلد ديوان الإشراف، فرد إليه الإنشاء فيه، وولى أبو عبد الله محمد بن داود ديوان الجيش فنقله إليه، وأقام أبو علي على البريد وعبد الله ابنه في ديوان الجيش إلى أن تغيرت الأمور في فتنة عبد الله بن المعتز، وتقلد أبو الحسن ابن الفرات، فخافه أبو علي لشيء أنكره منه، واستتر عنه، وأقام على الاستتار والسعي على ابن الفرات، إلى أن قبض على ابن الفرات وتقررت الوزارة لأبي علي، وأنفذ إليه من دار السلطان، وظهر وحضر ومعه إبناه عبد الله وعبد الواحد وذلك في اليوم الرابع من ذي الحجة الذي وقع القبض فيه على ابن الفرات، ووصل إلى حضرة المقتدر بالله فقدمه وأكرمه وقلده وزارته وتدبير أموره، وانصرف وعاد من غد وخلع عليه وحمل على فرس بمركب ذهب، وركب ومعه الحجاب والغلمان والقواد، وأقطعه المقتدر بالله ما في

стр. 276

يد ابن الفرات من الضياع العباسية، وأجري له خمسة آلاف دينار في كل شهر على رسم ابن الفرات، ولعبد الله ألف دينار ولعبد الواحد خمسمائة دينار، ووهب له دار صاعد بن مخلد على دجلة، وأعطي ورثته شيئاً عنها، وأشهد عليهم بها وعمرها ونزلها. وقلد أبا القاسم عبد الله ابنه العرض على المقتدر بالله وكتابة الأمراء، وخلع علي عبد الواحد أخيه وعول علي أبي الحسن بن أبي البغل في مناظرة ابن الفرات ومطالبته فاستخرج منه صدراً كبيراً. ثم ورد أبو الهيثم العباس بن محمد بن ثوابة من الموصل، فولاه ذلك، فجد أبو الهيثم بأبي الحسن بن الفرات وكتابه وأسبابه وعسفهم، وزاد في الاستقصاء عليهم، وإيقاع المكروه بهم حتى حصل منه ومنهم الجملة التي ذكرناها في أخبار ابن الفرات. وتقدم أبو الهيثم عند الوزير أبي علي بهذا الفعل، فقلده ديوان الدار الكبير، وبسط يده حتى أمر ونهى، وعزل وولى، وغلب على أكثر الأعمال. وكانت فيه سطوة وخشونة جانب، فاستجاز لجزف واستعمل العسف، وقسط على أصحاب الدواوين والقضاة وأسباب السلطان مالاً على وجه القرض الذي يسبب لهم عوضه على النواحي، وصادر قوماً من الكتاب منهم المادرائيون، فلم تقع هذه الأسباب موقعاً فيما تدعو إليه الحاجة، ولا أثرت إلا القباحة والشناعة. وحول من بيت مال الخاصة إلى بيت مال العامة ألف ألف وستمائة ألف دينار في مدة نظر أبي علي الخاقاني على سبيل القرض، ولم يؤد من عوض ذلك سوى أربعين ألف دينار. وكان في أبي علي إهمال للأمور واطراح للأعمال وتلون في الأفعال، فكانت الكتب ترد عليه وتصدر جواباتها عنه من غير أن يقف عليها أو يأمر بشيء فيها، وإذا أُخرجت إليه جوامعها تركها أياماً فلم

стр. 277

يطالعها، وربما وردت رسائل بحمول، وكتب فيها سفاتج بمال فتبقى أياماً لا تفض، وإذا قلد عامل اتبع بمن يعزله قبل وصوله إلى عمله وأُتبع الصارف بمن يصرفه. فقيل إنه اجتمع في خان بحلوان سبعة انفس، وقد قلد كل واحد منهم ماء الكوفة في عشرين يوماً. وبالموصل خمسة قد قلدوا قردي وبزبدي، وأنهم اجتمعوا وتشاركوا ما دفعوا إليه، وخرج عن أيديهم من نفقاتهم وما بذلوه عن تقليدهم على أن ينالوا من مال العمل ما قدموه وأنفقوه، واستظهروا لنفوسهم به وخلوا العمل على آخر من ورد الناحية. وكان إذا سئل حاجة دق صدره بيده وقال: نعم وكرامة، حتى لقب دق صدره بذلك، وبسط يده وأيدي أولاده وكتابه بالتوقيعات بالصلات والإطلاقات، والإقطاعات والتسويغات وتخفيف الطسوق والمعاملات، وأخذ المرافق على إضاعة الحقوق وإسقاط الرسوم، فسخفت الوزارة وأخلقت الهيبة وزادت الحال، في إخلال الأعمال، ووقوف الأموال، وقصور المواد، وتضاعف الاستحقاقات، واشتداد المطالبات، وشغب الجند شغباً بعد شغب وتسحبوا على السلطان تسحباً بعد تسحب، وأخرج إليهم من بيت مال الخاصة الشيء بعد الشيء الذي بلغ تلك الجمله المذكورة. حتى إذا انحل النظام وبان الانتشار وتصور المقتدر بالله الصورة فيما تطرق من الوهن على المملكة، شاور مؤنساً الخادم فيمن يقلده الوزارة. وجاراه ذكر ابن الفرات، ورده فقال: لم يطل يا أمير المؤمنين العهد بعزله، وربما ظن الناس وأصحاب الأطراف أن عزله كان طمعاً في ماله. وأصحاب الدواوين الذين دبروا الأمور والأعمال منذ أيام المعتضد بالله هم إبنا الفرات ومحمد بن داود بن الجراح ومحمد بن عبدون وعلي بن عيسى بن داود بن الجراح، فأما إبنا الفرات فقد توفي منهما أبو العباس وتقلد الآخر الوزارة وجرب نظره وأثره. وأما محمد بن عبدون ومحمد بن داود فقد مضيا عقب فتنة ابن المعتز، ولم يبق من الجماعة من هو أسد تصرفاً، وأشد تعففاً وأظهر كفايةً، وأكثر أمانة، من علي بن عيسى. فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر باستقدامه واستخدامه، لم يعدم إحماد الرأي في بابه. فأمره بإنفاذ يلبق لإحضاره، ووقف الخاقاني على أمره ورسم له. استدعاؤه واستخلافه على الدواوين. فكتب إلى عج بن عاج بإنفاذه، ووجه مؤنس يلبق حاجبه ليلقاه، وتدافع الأمر إلى أن وصل يلبق إلى مكة، وشهد الموسم مع أبي الحسن علي بن عيسى، وقضيا حجهما وأقبلا. وعند أبي علي أنه يقدم على القاعدة التي تقررت معه في استخلافه على الدواوين، ولم يكن ذلك كذلك، وإنما أريد ليقام مقامه، حتى إذا انكشف له باطن السر في بابه، توصل إلى إصلاح خواص المقتدر بالله وبطانته، ونقض ما دبر في أمر علي بن عيسى وتسليمه إليه، ورتب على ما ظن أنه أخذ بالوثيقة فيه. وورد أبو الحسن علي بن عيسى ابن داود في سحرة اليوم العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة، ووصل إلى حضرة المقتدر بالله وقت صلاة الصبح. وبكر أبو علي الخاقاني ومعه إبناه إلى الدار على رسمه، وهو واثق بأن أبا الحسن علي بن عيسى يسلم إليه، وجلس في المجلس الذي جرت عادته بالجلوس فيه إلى أن يؤذن له في الوصول. وقلد أبو الحسن الوزارة وانصرف إلى داره، ووكل بأبي علي وابنتيه وابن سعد حاجبه وأبي الهيثم بن ثوابة وجماعةً من كتابه، فكانت مدة نظره سنة واحدة وشهراً وخمسة أيام. ة. حتى إذا انحل النظام وبان الانتشار وتصور المقتدر بالله الصورة فيما تطرق من الوهن على المملكة، شاور مؤنساً الخادم فيمن يقلده الوزارة. وجاراه ذكر ابن الفرات، ورده فقال: لم يطل يا أمير المؤمنين العهد بعزله، وربما ظن الناس وأصحاب الأطراف أن عزله كان طمعاً في ماله. وأصحاب الدواوين الذين دبروا الأمور والأعمال منذ أيام المعتضد بالله هم إبنا الفرات ومحمد بن داود بن الجراح ومحمد بن عبدون وعلي بن عيسى بن داود بن الجراح، فأما إبنا الفرات فقد توفي منهما أبو العباس وتقلد الآخر الوزارة وجرب نظره وأثره. وأما محمد بن عبدون ومحمد بن داود فقد مضيا عقب فتنة ابن المعتز، ولم يبق من الجماعة من هو أسد تصرفاً، وأشد تعففاً وأظهر كفايةً، وأكثر أمانة، من علي بن عيسى. فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر باستقدامه واستخدامه، لم يعدم إحماد الرأي في بابه. فأمره بإنفاذ يلبق لإحضاره، ووقف الخاقاني على أمره ورسم له. استدعاؤه واستخلافه على الدواوين. فكتب إلى عج بن عاج بإنفاذه، ووجه مؤنس يلبق حاجبه ليلقاه، وتدافع الأمر إلى أن وصل يلبق إلى مكة، وشهد الموسم مع أبي الحسن علي بن عيسى، وقضيا حجهما وأقبلا. وعند أبي علي أنه يقدم على القاعدة التي تقررت معه في استخلافه على الدواوين، ولم يكن ذلك كذلك، وإنما أريد ليقام مقامه، حتى إذا انكشف له باطن السر في بابه، توصل إلى إصلاح خواص المقتدر بالله وبطانته، ونقض ما دبر في أمر علي بن عيسى وتسليمه إليه، ورتب على ما ظن أنه أخذ بالوثيقة فيه. وورد أبو الحسن علي بن عيسى ابن داود في سحرة اليوم العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة، ووصل إلى حضرة المقتدر بالله وقت صلاة الصبح. وبكر أبو علي الخاقاني ومعه إبناه إلى الدار على رسمه، وهو واثق بأن أبا الحسن علي بن عيسى يسلم إليه، وجلس في المجلس الذي جرت عادته بالجلوس فيه إلى أن يؤذن له في الوصول. وقلد أبو الحسن الوزارة وانصرف إلى داره، ووكل بأبي علي وابنتيه وابن سعد حاجبه وأبي الهيثم بن ثوابة وجماعةً من كتابه، فكانت مدة نظره سنة واحدة وشهراً وخمسة أيام. وحكي أن السبب في تقليد الخاقاني الوزارة أن دستنبوية أم ولد المعتضد بالله

стр. 278

قامت بأمره مع المقتدر بالله، لأنه بذل لها مائة ألف دينار. وبلغ أبا الحسن ابن الفرات ما هو ساع فيه فهم أن يقبض عليه، فاستتر وجد ابن الفرات في طلبه، فنبه على أمره، وظن أن نفوره منه أفضل فيه عنده، وأشير عليه بأن يؤمنه ويوليه بعض الدواوين ليزول الخوض في بابه ويختلط بكتابه، فلم يفعل. فكان أبو علي ينمس على الخدم بالصلاة وإظهار التسنن، فإذا وافاه خادم برقعة أو رسالة تركه زمناً طويلاً إلى أن تتم صلاته، وكان يطيلها ثم يتبعها بالتسبيح، فيصفونه بالديانة، ويميلون إليه بهذه الوسيلة. أخبار أبي علي المنثور حدث أبو الحسن علي بن هشام قال: حدثني أبو عبد الله الحسن بن علي الباقطاني، وأبو الفضل بنان بن بنان وعلي بن عيسى الزنداني النصرانيان قالوا: حدثنا أبو علي محمد بن عبيد الله الخاقاني قال: لما تمادت الأيام بما وعدنيه المقتدر بالله من القبض علي أبي الحسن بن الفرات وتقليدي الوزارة استعظم الحال في نكبته وأشفق من حادث يحدث بذاك في دولته، وعلمت أنه لا ينفع في ذاك ألا إعمال الحيلة. وكنت أتتبع الأخبار في استتاري فجاءتني في بعض الأيام امرأة من عجائزنا وقالت: رأيت الساعة عماريةً على بغال، وجنداً وغلماناً يمضون إلى باب الكناس يريدون الكوفة، وربما كان ذاك لخارجي خرج وفتق حدث. فكتبت إلى أبي عيسى يحيى ابن إبراهيم المالكي أسأله عن هذا الأمر، وكان ظاهراً متبصرفاً، فأجابني بأن ملاحاة جرت بين هشام بن عبد الله وعبد الله بن جبير

стр. 279

كاتبي ابن الفرات فيما يحتاج إليه من الإبل والبقر والغنم للأضاحي في عيد النحر، ورسوم الأولياء والحواشي. قال أبو الحسن: وكان الرسم جارياً بأن يفرق على القواد والفرسان والغلمان الحجرية والرجالة والخدم والبوابين والفراشين وأصحاب الرسائل والفرانقيين ووجوه الكتاب وأصاغرهم وخزان الدواوين في كل عيد. من شاة إلى عدة بعران، وتنحر في المصلى سبعون ناقة ويلتزم على ذلك مال جليل، فأسقطه علي بن عيسى في وزارة حامد ابن العباس واستيلائه على الأمور. قال المالكي: فأشار ابن جبير على ابن الفرات مغايظةً لابن الدردي الذي ضمنه إقامة الأضاحي، وإظهاراً لتوفر فيها أن يقلد ذلك رجلاً أسماه، وكان من أولاد الكتاب متخلفاً منزقاً فقلده، وأمره بالخروج إلى الكوفة لتحصيل ما يراد من هذه الأضاحي في فسحة من الوقت، قال الخاقاني: فتجلف الرجل وخرج بهذا الزي والصفف وترك العمارية فارغة ليبعد عن البلد ثم يركبها وركب الدواب فتأتت لي الحيلة في الحال، وكتبت رقعة إلى أم موسى القهرمانة أقول فيها قد أحضر ابن الفرات رجلاً علوياً قريب النسب من صاحب الخال الذي قتله المكتفي بالله، وعزم على إجلاسه في الخلافة يوم عيد النحر، والجند والناس متشاغلون بصلاة العيد، وإن من الدليل على ذلك إنفاذه عاملاً من ثقاته إلى الكوفة ومعه عمارية خرجت فارغةً ظاهراً، لم يخف خبرها لركوب العلوي فيها متخفياً ليحصل بالقرب من بغداد قبل الوقت الذي يفعل فيه ما يفعل قال:

стр. 280

وعظمت القصة وقلت. إن لم يعالج ابن الفرات تمت الحيلة الموضوعة. ثم سألتها مطالعة الخليفة والسيدة بذلك، وكتمانه عن كل أحد بعدهما لئلا ينم الحديث إلى ابن الفرات فيبطل ما رتبه. ففعلت أم موسى، وأنفذ المقتدر بالله شفيعاً خادم السيدة إلى القصر على وجه التصيد حتى عرف خبر العمارية الفارغة، ورأى زي العامل الذي هو أكثر من عمله. فلم يشك المقتدر بالله في صحة ما ذكرته، واستظهر بأن شافه مؤنساً وغريباً الخال بذلك، وكانا عدوي ابن الفرات ومعي في التدبير عليه، فقالا: هو خبر مستفيض. وقوياه في نفسه، وقالا له: إن لم تعالجه امتنع من حضور الدار، واعتصم بمن يساعده من الجيش على كثرتهم. فقبض عليه في يوم الأربعاء الثالث من ذي الحجة من سنة تسع وتسعين ومائتين. قال أبو الحسن بن هشام: فحدثني أبو عبد الله بن عبد الأعلى الإسكافي كاتب نصر القشوري الحاجب قال: كنت بحضرة صاحبي في يوم للعرض على ابن الفرات، فرأيته قد خاف خوفاً شديداً، فقلت: ما الخبر أيها الأستاذ؟ قال: ويحك، جاءني الساعة خادم ممن أُعول عليه في مراعاة أخبار الخليفة، فعرفني أنه شاهده وقد جمع جماعةً من خواص خدمه، وأقامهم حواليه بالسلاح، وأسبل الستور والستائر في الدار التي هو وهم فيها، وهذا لأمر كبير ما أعلم ما هو. فما مضت ساعة حتى وافى أبو الحسن بن الفرات، وخرج نصر الحاجب فتلقاه على رسمه، ودخل إلى دار الوزارة المرسومة به، وأنفذ نصر يستأذن في وصوله. فخرجت رسالة الخليفة: بأني

стр. 281

في دار خلوة، فقل له يدخل وحده مع بعض الخدم، ولا يصحبه منكم أحد، واحبس أنت القواد واصرفهم، فليس هو يوم وصول. فدخل ابن الفرات مع الخدم، وقبض عليه نذير الحرمي وخدم السيدة في طريقه، وعدلوا به إلى حيث حبسوه فيه، وعرف نصر الحاجب الحال فأشفق من القبض عليه أو صرفه، ولم يزل مروعاً إلى أن تصرم النهار. فعلمت أن أولئك الخدم أقيموا لخوف المقتدر بالله ألا يتم له القبض عليه، وأن الجيش ربما هجموا فمنعوا منه. قال أبو الحسن: وكان الرسم إذا دخل الوزير على الخليفة وخدمه ألا يقبض عليه في ذلك اليوم، لا في داره ولا منصرفاً عن حضرته، إيجاباً لحق الوصول وحرمته، وإنما يقبض عليه في بعض الممرات عند دخوله من قبل أن تقع عينه عليه. وكان أيضاً من الرسم أن يكون للوزير دار مفردة في دار الخلافة يجلس فيها وينظر، منذ أيام صاعد وإلى أيام الخاقاني الأكبر، ويجلس الخواص والحواشي بين يديه. فلما ولي الخاقاني صارفاً لابن الفرات جلس في دار الحاجب متقرباً إليه ومدارياً له، وفعل علي بن عيسى بعده مثل فعله. فلما عاد أبو الحسن بن الفرات إلى الوزارة عاد إلى الدار الأولى المفردة، وشق ذاك على الحاشية، وتقلد حامد فجلس في دار الحجبة، ورجع ابن الفرات في الدفعة الثالثة فرجع إلى الدار القديمة، ثم بطل الجلوس فيها بعده. وحدث أبو عيسى أخو أبي صخرة قال: كان أبو علي الخاقاني يتهمني بمودة أبي الحسين بن أبي البغل. فلما استدعي وقرب من بغداد خرجت إليه وتلقيته، وثقل

стр. 282

ذاك على أبي علي، وأرجف الناس به، وبأنه أقيم بلغةً إلى أن يرد أبو الحسن. وكان أبو الحسن أخو أبي الحسين قد تقلد مناظرة أبي الحسن بن الفرات وأسبابه في دار السلطان، وإثارة ودائعهم، بعناية أم موسى وقيامها بأمره، سعت أم موسى وابن الحواري في تقليد أبي الحسين ابن أبي البغل. وقد كان ظهر من اختلال نظر الخاقاني وسوء تدبيره ووقوف الأمر على يده ما دعا إلى صرفه قبل تطاول المدة. وعرف الخاقاني ما يجري الخوض فيه، فتوصل إلى فسخه بحيلة عملها، وذاك أنه قال لأبي القاسم ابنه: ادع دعوةً اجمع فيها أصحاب الدواوين ووجوه القواد وإخوتك وكتابنا، فإن لذة الوزارة في ظهور الرئاسة، وإلا فما الفرق بين العمل والعطلة؟ فقال: السمع والطاعة. وعين له في ذلك على يوم سبت لأنه لا موكب فيه، ودعا الجماعة فلما حصلوا عند أبي القاسم ابنه وقد كتم رأيه فيما هو مدبره عنه وعن كل أحد مضى وقت العصر من ذلك اليوم إلى دار الخلافة وقال لنصر الحاجب: استأذن لي على أمير المؤمنين لأجاريه مهماً لا يحتمل تأخر وقوفه عليه، فذكر نصر ذلك للمقتدر بالله، فقلق وخاف من حدوث حادث عظيم، فأوصله. فلما دخل إليه ودنا منه قال: ها هنا مهم لا يجوز أن يحضره أحد، فانصرف نصر الحاجب وسائر من في المجلس حتى بقيا خاليين، ثم قال له الخاقاني: قد رفعتني يا أمير المؤمنين بعد ذلة وأغنيتني بعد قلة، وما قصرت في خدمتك، ولا قعدت عن ممكن في تمشية أمور دولتك، وفيما بان من اجتهادي أخذي من أموال ابن الفرات ما مبلغه ألفاً ألف دينار وكسر سوى الأمتعة الجليلة. وما أدفع أني لست كهوفي الكفاية لطول عطلتي ودربته، واعتزالي وتصرفه، ولكنني مأمون على أيامك، ومعتقد لامامتك

стр. 283

وهؤلاء الرافضة كلهم أعداؤك، ورأيهم مع الطالبيين لا معك ولا مع آبائك. وقد وفر الله عليك من ارتفاع ضياع ابن الفرات ما قدره ألف ألف دينار في السنة، وليس يبلغ أثر تقصيري في تدبيري على ما يقال لك هذا القدر، فكيف وليس الأمر على ما يدعي؟! وما استعنت إلا بالكفاة الذين كانوا يعملون مع عبيد الله بن سليمان والقاسم ابنه، وابن الفرات بعدهما، والأمور منتظمة بهم، وقد أمنت بذلك عدواً يسعى على أصول الدولة. ولعمري إن ولدي وحاشيتي قد مدوا أيديهم إلى قبول هدايا العمال ومرافقهم لأنهم كانوا فقراء، وعقيب محنة طويلة وعطلة متصلة، لكننا ما أخذنا حبةً واحدة من الأصول، وقد غنينا الآن بما حصل لنا وبل أحوالنا، وسأحلف آنفاً على استئناف الأمانة، واستعمال النزاهة، وأضبط أولادي وأصحابي عن أخذ درهم واحد. وابن أبي البغل أعظم عداوةً لمولانا من ابن الفرات، لأنه رجل ملحد، يبطل الإسلام والنبوة، ويلهو بالقرآن، ويدعي الخطأ فيه، وقد أخرج عيوبه وصنف فيه كتاباً، فكيف يوثق بمن هذه حاله عل الخدمة وقد ضافره جماعة من عمالي على أمره، وتربصوا بما قبلهم من الأموال توقعاً لأيامه. وقد بلغني اليوم أنه قال لثقاته: إن أمير المؤمنين قد أنفذ إليه على يد فرج النصرانية صاحبة أم موسى خاتمه، وجعله على ثقة من تقليده في يوم الموكب الأدنى فإن كان ذلك حقاً فقد حضرت دار أمير المؤمنين بعد أن جمعت عند ابني جميع أولادي وأقاربي وكتابي وأصحابي، ولم أطلعهم على أمري، فإن أراد مولانا وهم بالقبض عليهم فنحن في يده، فيأمر بإنفاذ من يتسلم الجماعة بعد أن تحرس نفوسنا بكوننا عنده. فقد يجوز أن نستخدم في كتابة السيدة والأمراء ولا نخرج عن الجملة. وأن يفضل مولانا بإتمام صنيعته، وتمكيني من هذا الملحد ابن أبي البغل الذي

стр. 284

أبعده الوزراء قبلي لشره، وطردوه من الحضرة لقبح فعله، وكانوا أعرف به مني أثرت من جهته وجهة أخيه مالاً كثيراً، أذ كان أخوه قد اقتطع من مال ابن الفرات الذي تولى إثارته صدراً كبيراً. وبكى ورقق المقتدر بالله، وأطمعه، فرق له ورحمه، وتوقف عن أمر ابن أبي البغل، وقال للخاقاني: ما أردت صرفك، ولو كنت أردته لزلت عنه الآن مع سماعي ما سمعته منك، وقد أطلقت يدك في ابن أبي البغل وأخيه، فاقبض عليهما وأبعدهما. فقال: يا أمير المؤمنين كانت أم موسى سعت لي في هذا الأمر، وقد تغيرت علي، وعدلت عني إلى السعي لابن أبي البغل والقيام بأمره، وأخاف أن يفسد قلب السيدة فتثنيك عن هذا الرأي فأهلك أنا. بأمره، وأخاف أن يفسد قلب السيدة فتثنيك عن هذا الرأي فأهلك أنا. فعاهده ألا يطلع السيدة ولا غيرها على ما جرى بينهما إلى أن يتم القبض عليه، فقال له الخاقاني: فيظهر أمير المؤمنين أني حضرت لأجل كذا وكذا، لحديث علمه من أمور الأطراف. وخرج الخاقاني فجلس في دار الحجبة، وكتب بخطه إلى أبي الحسن ابن أبي البغل: إن أمير المؤمنين قد طلب مني عملاً لما صح من أموال ابن الفرات وأسبابه فحضره الساعة، فإني مقيم في الدار أنتظرك. فما بعد أن وافي ابن أبي البغل، فقال له الخاقاني: قد جرى بيني وبين أمير المؤمنين في أمر أخيك ما لو توليته لما زدت علي فيه، وقررت معه تقليده أصول دواوين السواد والمشرق والمغرب، ليكون هو على الأصول، وأبو بكر محمد ابن علي المادرائي على الأزمة، وأتشاغل أنا بالخدمة، وتزول هذه الأراجيف الواقعة، ونكون يداً واحدة في إثارة الأموال وتسديد الأحوال. فشكره ابن أبي البغل على ذلك، وظن أنه شيء قرره الخليفة وأمر به ليجعله

стр. 285

طرفاً إلى ما اعتقده، وسبباً لسكون الخاقاني وألا يستوحش من الأقوال التي تقال في الإرجاف به، وأن الخاقاني أدعى من ذاك ما ادعاه لنفسه تجملاً وتمنناً عليه بما لا صنع له فيه. وأمره الخاقاني بمكاتبة أخيه بأن يسبقه إلى داره ليوقع له بما رسمه أمير المؤمنين ويتسلم الدواوين. وكتب ابن أبي البغل إلى أخيه بالصورة وبما حسبه فيها وقدره. فبادر دار الخاقاني وتأخر الخاقاني في دار الخلافة إلى وقت صلاة المغرب، ثم انصرف ليلاً، فساعة رأى ابن أبي البغل حاصلاً وقد صعد أخوه معه قبض عليهما، وأنزلهما في زورق مطبق، ووكل بهما ثقاته وحدرهما إلى واسط لينفيهما منها إلى حيث يتقرر رأيه عليه. وعرفت السيدة وأم موسى ما جرى، فقامت القيامة عليهما، وخاطبتا المقتدر بالله فيه فقال. أنا أمرت به، ولا يجوز فسخه مع وقوعه، فكانت غاية ما عندهما أن سألاه مراسلة الخاقاني بألا يصادرهما وأن يقلدهما بعض الأعمال لينفذ إليهما. ووجهت أم موسى بأخيها وابن الحواري إليه، فما برحا حتى قلد أبا الحسين أصبهان وأبا الحسن الصلح والمبارك وكتب بإطلاقهما وإنفاذهما إلى أعمالهما. وحدث أبو بكر الزهري الأصبهاني الكاتب قال: لما تقلد القاسم بن محمد الكرخي أصبهان، وقبض علي أبي الحسين بن أبي البغل، أقام في حبسه إلى أن تقلد الأهواز وحمله معه، ومات القاسم وتقلد أبو عبد الله ابنه موضعه. وكتب أبو الحسين بن أبي البغل من الحبس إلى أم موسى القهرمانة بالشروع له في الوزارة، وبذل البذول الكثيرة، فقامت أم موسى بأمره وقررته مع المقتدر بالله والسيدة، وكتبت إليه بذلك، وبأن الخليفة قد أمر بمكاتبتك بالإصعاد ليستوزرك. فلما قرأ كتابهما لم ينتظر ورود كتاب السلطان، وخرج من الحجرة التي كان معتقلاً فيها، فقال له الموكلون به: إلى أين؟ فانترهم وشتمهم، وأظهر الكتاب،
следующие страницы →