← История

История · id 26106

تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء

الصابئ، هلال بن المحسن

Полный текст (381 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

في دار خلوة، فقل له يدخل وحده مع بعض الخدم، ولا يصحبه منكم أحد، واحبس أنت القواد واصرفهم، فليس هو يوم وصول. فدخل ابن الفرات مع الخدم، وقبض عليه نذير الحرمي وخدم السيدة في طريقه، وعدلوا به إلى حيث حبسوه فيه، وعرف نصر الحاجب الحال فأشفق من القبض عليه أو صرفه، ولم يزل مروعاً إلى أن تصرم النهار. فعلمت أن أولئك الخدم أقيموا لخوف المقتدر بالله ألا يتم له القبض عليه، وأن الجيش ربما هجموا فمنعوا منه. قال أبو الحسن: وكان الرسم إذا دخل الوزير على الخليفة وخدمه ألا يقبض عليه في ذلك اليوم، لا في داره ولا منصرفاً عن حضرته، إيجاباً لحق الوصول وحرمته، وإنما يقبض عليه في بعض الممرات عند دخوله من قبل أن تقع عينه عليه. وكان أيضاً من الرسم أن يكون للوزير دار مفردة في دار الخلافة يجلس فيها وينظر، منذ أيام صاعد وإلى أيام الخاقاني الأكبر، ويجلس الخواص والحواشي بين يديه. فلما ولي الخاقاني صارفاً لابن الفرات جلس في دار الحاجب متقرباً إليه ومدارياً له، وفعل علي بن عيسى بعده مثل فعله. فلما عاد أبو الحسن بن الفرات إلى الوزارة عاد إلى الدار الأولى المفردة، وشق ذاك على الحاشية، وتقلد حامد فجلس في دار الحجبة، ورجع ابن الفرات في الدفعة الثالثة فرجع إلى الدار القديمة، ثم بطل الجلوس فيها بعده. وحدث أبو عيسى أخو أبي صخرة قال: كان أبو علي الخاقاني يتهمني بمودة أبي الحسين بن أبي البغل. فلما استدعي وقرب من بغداد خرجت إليه وتلقيته، وثقل

стр. 282

ذاك على أبي علي، وأرجف الناس به، وبأنه أقيم بلغةً إلى أن يرد أبو الحسن. وكان أبو الحسن أخو أبي الحسين قد تقلد مناظرة أبي الحسن بن الفرات وأسبابه في دار السلطان، وإثارة ودائعهم، بعناية أم موسى وقيامها بأمره، سعت أم موسى وابن الحواري في تقليد أبي الحسين ابن أبي البغل. وقد كان ظهر من اختلال نظر الخاقاني وسوء تدبيره ووقوف الأمر على يده ما دعا إلى صرفه قبل تطاول المدة. وعرف الخاقاني ما يجري الخوض فيه، فتوصل إلى فسخه بحيلة عملها، وذاك أنه قال لأبي القاسم ابنه: ادع دعوةً اجمع فيها أصحاب الدواوين ووجوه القواد وإخوتك وكتابنا، فإن لذة الوزارة في ظهور الرئاسة، وإلا فما الفرق بين العمل والعطلة؟ فقال: السمع والطاعة. وعين له في ذلك على يوم سبت لأنه لا موكب فيه، ودعا الجماعة فلما حصلوا عند أبي القاسم ابنه وقد كتم رأيه فيما هو مدبره عنه وعن كل أحد مضى وقت العصر من ذلك اليوم إلى دار الخلافة وقال لنصر الحاجب: استأذن لي على أمير المؤمنين لأجاريه مهماً لا يحتمل تأخر وقوفه عليه، فذكر نصر ذلك للمقتدر بالله، فقلق وخاف من حدوث حادث عظيم، فأوصله. فلما دخل إليه ودنا منه قال: ها هنا مهم لا يجوز أن يحضره أحد، فانصرف نصر الحاجب وسائر من في المجلس حتى بقيا خاليين، ثم قال له الخاقاني: قد رفعتني يا أمير المؤمنين بعد ذلة وأغنيتني بعد قلة، وما قصرت في خدمتك، ولا قعدت عن ممكن في تمشية أمور دولتك، وفيما بان من اجتهادي أخذي من أموال ابن الفرات ما مبلغه ألفاً ألف دينار وكسر سوى الأمتعة الجليلة. وما أدفع أني لست كهوفي الكفاية لطول عطلتي ودربته، واعتزالي وتصرفه، ولكنني مأمون على أيامك، ومعتقد لامامتك

стр. 283

وهؤلاء الرافضة كلهم أعداؤك، ورأيهم مع الطالبيين لا معك ولا مع آبائك. وقد وفر الله عليك من ارتفاع ضياع ابن الفرات ما قدره ألف ألف دينار في السنة، وليس يبلغ أثر تقصيري في تدبيري على ما يقال لك هذا القدر، فكيف وليس الأمر على ما يدعي؟! وما استعنت إلا بالكفاة الذين كانوا يعملون مع عبيد الله بن سليمان والقاسم ابنه، وابن الفرات بعدهما، والأمور منتظمة بهم، وقد أمنت بذلك عدواً يسعى على أصول الدولة. ولعمري إن ولدي وحاشيتي قد مدوا أيديهم إلى قبول هدايا العمال ومرافقهم لأنهم كانوا فقراء، وعقيب محنة طويلة وعطلة متصلة، لكننا ما أخذنا حبةً واحدة من الأصول، وقد غنينا الآن بما حصل لنا وبل أحوالنا، وسأحلف آنفاً على استئناف الأمانة، واستعمال النزاهة، وأضبط أولادي وأصحابي عن أخذ درهم واحد. وابن أبي البغل أعظم عداوةً لمولانا من ابن الفرات، لأنه رجل ملحد، يبطل الإسلام والنبوة، ويلهو بالقرآن، ويدعي الخطأ فيه، وقد أخرج عيوبه وصنف فيه كتاباً، فكيف يوثق بمن هذه حاله عل الخدمة وقد ضافره جماعة من عمالي على أمره، وتربصوا بما قبلهم من الأموال توقعاً لأيامه. وقد بلغني اليوم أنه قال لثقاته: إن أمير المؤمنين قد أنفذ إليه على يد فرج النصرانية صاحبة أم موسى خاتمه، وجعله على ثقة من تقليده في يوم الموكب الأدنى فإن كان ذلك حقاً فقد حضرت دار أمير المؤمنين بعد أن جمعت عند ابني جميع أولادي وأقاربي وكتابي وأصحابي، ولم أطلعهم على أمري، فإن أراد مولانا وهم بالقبض عليهم فنحن في يده، فيأمر بإنفاذ من يتسلم الجماعة بعد أن تحرس نفوسنا بكوننا عنده. فقد يجوز أن نستخدم في كتابة السيدة والأمراء ولا نخرج عن الجملة. وأن يفضل مولانا بإتمام صنيعته، وتمكيني من هذا الملحد ابن أبي البغل الذي

стр. 284

أبعده الوزراء قبلي لشره، وطردوه من الحضرة لقبح فعله، وكانوا أعرف به مني أثرت من جهته وجهة أخيه مالاً كثيراً، أذ كان أخوه قد اقتطع من مال ابن الفرات الذي تولى إثارته صدراً كبيراً. وبكى ورقق المقتدر بالله، وأطمعه، فرق له ورحمه، وتوقف عن أمر ابن أبي البغل، وقال للخاقاني: ما أردت صرفك، ولو كنت أردته لزلت عنه الآن مع سماعي ما سمعته منك، وقد أطلقت يدك في ابن أبي البغل وأخيه، فاقبض عليهما وأبعدهما. فقال: يا أمير المؤمنين كانت أم موسى سعت لي في هذا الأمر، وقد تغيرت علي، وعدلت عني إلى السعي لابن أبي البغل والقيام بأمره، وأخاف أن يفسد قلب السيدة فتثنيك عن هذا الرأي فأهلك أنا. بأمره، وأخاف أن يفسد قلب السيدة فتثنيك عن هذا الرأي فأهلك أنا. فعاهده ألا يطلع السيدة ولا غيرها على ما جرى بينهما إلى أن يتم القبض عليه، فقال له الخاقاني: فيظهر أمير المؤمنين أني حضرت لأجل كذا وكذا، لحديث علمه من أمور الأطراف. وخرج الخاقاني فجلس في دار الحجبة، وكتب بخطه إلى أبي الحسن ابن أبي البغل: إن أمير المؤمنين قد طلب مني عملاً لما صح من أموال ابن الفرات وأسبابه فحضره الساعة، فإني مقيم في الدار أنتظرك. فما بعد أن وافي ابن أبي البغل، فقال له الخاقاني: قد جرى بيني وبين أمير المؤمنين في أمر أخيك ما لو توليته لما زدت علي فيه، وقررت معه تقليده أصول دواوين السواد والمشرق والمغرب، ليكون هو على الأصول، وأبو بكر محمد ابن علي المادرائي على الأزمة، وأتشاغل أنا بالخدمة، وتزول هذه الأراجيف الواقعة، ونكون يداً واحدة في إثارة الأموال وتسديد الأحوال. فشكره ابن أبي البغل على ذلك، وظن أنه شيء قرره الخليفة وأمر به ليجعله

стр. 285

طرفاً إلى ما اعتقده، وسبباً لسكون الخاقاني وألا يستوحش من الأقوال التي تقال في الإرجاف به، وأن الخاقاني أدعى من ذاك ما ادعاه لنفسه تجملاً وتمنناً عليه بما لا صنع له فيه. وأمره الخاقاني بمكاتبة أخيه بأن يسبقه إلى داره ليوقع له بما رسمه أمير المؤمنين ويتسلم الدواوين. وكتب ابن أبي البغل إلى أخيه بالصورة وبما حسبه فيها وقدره. فبادر دار الخاقاني وتأخر الخاقاني في دار الخلافة إلى وقت صلاة المغرب، ثم انصرف ليلاً، فساعة رأى ابن أبي البغل حاصلاً وقد صعد أخوه معه قبض عليهما، وأنزلهما في زورق مطبق، ووكل بهما ثقاته وحدرهما إلى واسط لينفيهما منها إلى حيث يتقرر رأيه عليه. وعرفت السيدة وأم موسى ما جرى، فقامت القيامة عليهما، وخاطبتا المقتدر بالله فيه فقال. أنا أمرت به، ولا يجوز فسخه مع وقوعه، فكانت غاية ما عندهما أن سألاه مراسلة الخاقاني بألا يصادرهما وأن يقلدهما بعض الأعمال لينفذ إليهما. ووجهت أم موسى بأخيها وابن الحواري إليه، فما برحا حتى قلد أبا الحسين أصبهان وأبا الحسن الصلح والمبارك وكتب بإطلاقهما وإنفاذهما إلى أعمالهما. وحدث أبو بكر الزهري الأصبهاني الكاتب قال: لما تقلد القاسم بن محمد الكرخي أصبهان، وقبض علي أبي الحسين بن أبي البغل، أقام في حبسه إلى أن تقلد الأهواز وحمله معه، ومات القاسم وتقلد أبو عبد الله ابنه موضعه. وكتب أبو الحسين بن أبي البغل من الحبس إلى أم موسى القهرمانة بالشروع له في الوزارة، وبذل البذول الكثيرة، فقامت أم موسى بأمره وقررته مع المقتدر بالله والسيدة، وكتبت إليه بذلك، وبأن الخليفة قد أمر بمكاتبتك بالإصعاد ليستوزرك. فلما قرأ كتابهما لم ينتظر ورود كتاب السلطان، وخرج من الحجرة التي كان معتقلاً فيها، فقال له الموكلون به: إلى أين؟ فانترهم وشتمهم، وأظهر الكتاب،

стр. 286

ورأى بغلاً مسرجاً لأبي عبد الله بن القاسم، فركبه يريد الدار التي فيها رجاله وغلمانه. وعرف أبو عبد الله خبره، فخرج حافياً حتى لحقه وقد وضع رجله في الركاب، فقال له: عرف الله الوزير البركة، وخار له فيه. فقبل ذلك منه، ثم قال أبو عبد الله: ما ورد عللي الكتاب بشيء من هذا. أفأكتب إلى بغداد بما فعله الوزير من خروجه عن محبسه، وركوبه من غير أمر ورد في بابه، واحتجاجه بكتاب القهرمانة؟ فقال له: اكتب ما شئت. فوافى إلى داره واستأجر سفناً، وسار من يومه عن الأهواز يريد الحضرة. وكتب أبو عبد الله إلى الوزير الخاقاني بالصورة، فركب إلى المقتدر بالله، ودخل إليه وحل سيفه ومنطقته بين يديه، وقبل الأرض وبكى، وأذكره بخدمته وحرمته، وحقوق أسلافه على أسلافه، بعد أن عرفه حال ابن أبي البغل، وما أظهره بالأهواز، وما فعله، وبذل له أن يقوم بكثير مما بذله ابن أبي البغل، واستحيا المقتدر بالله، ورق لقوله وبكائه، وغاظته عجلة أبي الحسين بن أبي البغل، ومبادرته إلى الإصعاد قبل ورود أمره عليه بذلك، فأمره برده من الطريق وترك الفسحة له في الورود. وعرفت أم موسى ما جرى، فقامت عليها القيامة منه، وراجعت الخليفة، وأذكرته بما قررته معه، فامتنع عليها من استيزاره، وأجابها إلى تعويضه من ذلك، وإخراجه، من النكبة، ورده إلى أصبهان، وكتب له بتقليد هذه الناحية، ورسم له الرجوع من حيث يلقاه الكتاب فيه، وألا يتمم إلى الحضرة. فاتفق أن وصل الكتاب إليه وقد حصل بجرجرايا، فعاد مغموماً وتوجه إلى أصبهان. بهان. قال أبو بكر الزهري: ولما وردها، نزل بظاهرها في بستان يسمى مابان، وخرج الناس لاستقباله، ودخلت إليه، وجلست عنده. فلما خلا قال أعطني ذلك التقويم،

стр. 287

وأومأ إلى تقويم في زواية المجلس، فجئته به. فكتب على ظهره بيتين لنفسه وأنشدنيهما، فسمعتهما منه وهما: ولي همةٌ تعلو السّماكين رفعةً ... وتسمو إلى الأمر الذي هو أشرف وجدّي عثورٌ كلما رمت نهضةً ... تقاعد بي يغتالني ليس ينصف وله في هذا المعنى لما انتقض أمره في الوزارة: أملٌ كان كضوء ال ... شمس في بعد المكان فإذا صار على قر ... بٍ بلمسٍ وعيان استردته يد الدّه ... ر فعدنا في الأماني ولأبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد الأصبهاني الكاتب إلى أبي الحسين ابن أبي البغل في هذا المعنى من قصيدة أولها يقول فيها: نضا شيبه من جدة اللهو ما نضا ... وعوضه ثوب النّهى فتعوضا أقول وقد شمت البروق فلم أجد ... كبرقٍ بدا من أصبهان فأومضا سقى الرائح الغادي بلاداً رفضتها ... ولم تك لولا أن نبت بي لترفضا وهل هي إلاّ موطن لي محبب ... إليّ أعادته الخطوب مبغّضا ولما تولاها الأغرّ محمدٌ ... حدا ذكره شوقي إليه فأومضا كأني بذاك الصقع قد حله أبو ال ... حسين فجادته يداه فروضا فأُلبس فيه الأمن من كان خائفاً ... وحكّم في الإثراء من كان منفضاً وأصلح ملتاثاً هناك بعزمه ... وقوّم معوجاً وذلل ريضاً

стр. 288

وجازى بإحسان مسيئاً ومحسناً ... وكل امريءٍ يقضي الذي حيث أقرضا وفيها يذكر الوزارة: ووالله ما أدري أرأيك تنتضي ... أم القدر الماضي إذا الخطب أجهضا ومعرضةٍ عن خاطبيها تبرجت ... إليك على قصد فألفتك معرضا رأت منكراً في الرأي أن رأب الثأي ... سواك امرؤٌ أو أن يمرّ فينقضا فجاءتك تخطو العز ممن تعرضوا ... لها، وهي لا تألوك منها تعرّضا تجوب إليك البر والبحر والورى ... يحثونها لما رأوك لها رضا فحاطك عنها الله علماً بأنها ... مدى غايةٍ إما انتهى فقد انقضى وردّك صونا للمكارم والعلى ... إلى منهجٍ لا نبتغي عنه مدحضا وليس بمغبوطٍ أخو الرتبة التي ... إذا زلّ عنها قيس شبر فقد قضى ولو كنت قد حمّلت أعباء ثقلها ... لحملت وزراً يترك الظهر منقضا أعيذك والراجون طراً من التي ... تكون بها للنائبات معرضا وهنئت أغباب الزمان بثابت ... من العز والسلطان لن يتقوضا فإنك لم تحبس لسوء ولم تضم ... ولم تلف في تلك المقامات مدحضا وما كان يدعي ذلك المجلس الذي ... تبوأته إلاّ عريناً ومربضا

стр. 289

وما كنت إلاّ السيف يرهب مغمداً ... وإن كان محصوراً ويقطع منتضى محمد يا حلف الندا يا بن أحمدٍ ... نداء امريءٍ أضحى إليك مفوضّا أترضى ببعدي عن ذراك فما أرى ... وراءك لي عيشاً وإن كان مرتضى فداؤك نفسي كم يدٍ بعدها يدٌ ... جبرت بها عظمي وكان مهيضا أيادٍ نمى طولاً وعرضا غراسها ... تحقّ لشكري أن يطول ويعرضا وله إليه في هذا المعنى من قصيدة: أرادوا له ما لم يرده لنفسه ... لكى يدركوا عزاً وفضل ثراء وأفضل من نيل الوزارة لامريءٍ ... بقاء يريه مصرع الوزراء ولا سيما من كان مستوجباً لها ... وإن عاقه عنها اعتلال قضاء ومن قد رأينا بالخلافة فاقةً ... إلى مثله من راشدي الخلفاء ومن هو معلوم بأنّ وفاءه ... بها لو يليها فوق كل وفاء أريد له طول البقاء وقلما ... رأيت وزيراً نال طول بقاء وذكر أبو الحسن ثابت بن سنان قال: لما ظهر من الاختلال في أيام الخاقاني ما ظهر، كتب أبو محمد الحسن بن روح إلى المقتدر بالله رقعة يضمن فيها الخاقاني وأسبابه بما يعجل منه خمسمائة ألف دينار ويقول: أنا أقتصر على الوزارة، وتكون الدواوين إلى علي بن عيسى، فتمشي الأمور، وتستقيم الأعمال. وسلم الرقعة إلى أم موسى القهرمانة لتوصلها، وتحرز الأمر في مضمونها.

стр. 290

فسلمتها أم موسى إلى الخاقاني، فأنفذ إلى منزل ابن روح وكبسه، وقبض عليه وحبسه، وصرفه عن ديوان ضياع الخاصة. وحكى أبو عبد الله أحمد بن محمد الكاتب قال: قلت للوزير أبي علي محمد ابن عبيد الله الخاقاني في كلام جرى: العادة طبيعة ثابتة. فقال لي: يا أبا عبد الله، هذا تصحيف، إنما هو: العادة طبيعة ثانية. وذكر أبو علي عبد الرحمن بن عيسى أن أبا علي كان لين العريكة، قليل البصيرة، لا يدفع عن شيء يخاطب فيه، ولا يتصور عواقب الأمور فيما يكون منه فانبسطت العامة عليه فضلاً عن الخاصة، ولقب بدق صدره، ووقع بكل سؤال وإنفاذ لكل محال. قال عبد الرحمن: فحدثني سبك المفلحي أن أحد القواد الأصاغر سأل أبا علي الخاقاني أمراً فقال: اكتب رقعة حتى أوقع لك فيها. فأحضر بياضاً وقال: يوقع الوزير في آخره بالإجابة إلى المسؤول لأكتب العرض بعد ذلك. فوقع له بذلك. وحكي عبد الرحمن أيضاً: أن نصر بن الفتح كاتب مؤنس الخادم تأخر عن أبي علي الخاقاني، وجاءه، فسأله عن سبب تأخره، فاعتذر إليه بعلة بنت له عزيزة عليه. فاتفق أن انصرف من عنده، وعرض عليه صك عليه لبعض الوجوه بمال اطلق له، فوقع إليه: أطلق أكرمك الله ذلك وعرفني خبر الصبية إن شاء الله. وذكر عبد الرحمن عن سبك المفلحي: أنه سأله إثبات راجل معه بأربعة دنانير في المشاهرة. فقال: أربعة دنانير! وكررها، وما زال يحسبها حتى

стр. 291

صارت ثمانية وأربعين ديناراً في السنة. ثم وقع بإجراء ثمانية وأربعين في المشاهرة. وحدث أبو الفرج السلمي الكاتب قال: حدثني أبو العباس ابن النفاط قال: حدثني أبو عبد الله بن أبي العلاء الكاتب قال: كنت بحضرة الخاقاني وقد عرض عليه كتاب كتب من الديوان إلى عامل النيل بحمل غلة كانت حاصلة قبله وأنكر عليه تأخيرها، فوقع إليه في الكتاب: احمل الغلة، وأزح العلة، ولا تجلس متودعاً في الكلة. قال: ثم التفت إلي وقال: يا أبا عبد الله، في النيل بق يحتاج إلي كلل؟ فقلت: إي والله وأي بق ومن أجله يلزم الناس الكلل نهاراً وليلاً. قال: فسر وقال: نحمد الله على حسن التوفيق. ونفعني ذلك عنده. ووقع في كتاب إلى بعض العمال وكان مستزيداً له: الزم وفقك الله المنهاج، واحمل ما أمكن من الدجاج، إن شاء الله. قال: فحمل العامل دجاجاً كثيراً على سبيل الهدية. فقال: هذا دجاج وفرته بركة السجع. وتقدم بأن يباع ويورد ثمنه في الحساب، فأورد منسوباً إلى ثمن دجاج السجع. قال: وسأله رجل كتاب شفاعة إلى أم موسى القهرمانة، فكتب له، وعنونه: لأبي موسى. قال: وكان لها أخ يجلس فيلقاه الناس وأصحاب الحوائج ليأخذ رقاعهم وقصصهم إليها. فلما دفع إليه ذلك المستشفع الكتاب نظر إلى عنوانه وضحك وقال له: احمله إلى صاحبه. قال: وأين منزله؟ قال: في مقابر الخيرزان. قال: أحمله إلى أهل

стр. 292

القبور؟ قال: فإذا كان ذلك إلى أهل القبور، تحمله إلى سكان الدور؟ وأخذ الكتاب منه وشاع خبره. ومن أحاديث الخاقاني المشهورة أن أبا الحسن علي بن عيسى جلس معه يوماً في طياره، وأراد الخاقاني أن يحييه بتفاحة كانت في يده، وهم أن يبصق في الماء، فبصق في وجه علي بن عيسى، ورمي بالتفاحة إلى الماء. وقال: إنا لله، غلطنا. فقال: علي ابن عيسى: إنا لله ثلطنا. ومن أحاديثه أيضاً أنه مر في طياره منصرفاً من دار السلطان عند صلاة المغرب، فرأى ملاحين يصلون في مسجد على دجلة بمشرعة القصب، فقدم وصعد وصلى معهم وكان صائماً. فأنفذت إليه بدعة الكبيرة ماء مثلوجاً ليفطر عليه، فرده وشرب ماءً حاراً من دجلة. وقيل: إنه كان يدخل إليه الرجل الذي قد عرفه طويلاً فيسلم عليه ويسأل عنه، فيقول أو يقال له: هذا فلان، أو إنه فلان. ثم يلقاه بعد يوم فتكون حاله معه مثل الحال الأولى. وحدث أبو الحسين علي بن هشام قال: سمعت أبي وأبا إسحاق وإبراهيم بن عيسى بن داود بن الجراح وأبا القاسم سليمان بن الحسن يحدثون، قالوا: لما تقلد أبو الحسن علي بن عيسى الوزارة صارفاً للخاقانى عنها، وجد في أيدي القواد والحاشية والرعية توقيعات كثيرة بخطه وخط عبد الله وعبد الواحد ابنيه، ومحمد وأحمد ابني سعيد حاجبه، وبنان بن بنان ويحيى بن إبراهيم المالكي وعلي بن عيسى الزنداني، كتابه، في فك وإثبات وتقرير وإيجاب ومظالم وتسويغات وإقطاعات

стр. 293

ومقاطعات مما مثله يأتي على ارتفاع المملكة. وقد كان الخاقاني أذن لهذه الجماعة في التوقيع عنه بكل ما رأوه، وكانوا على فاقة وضغطة وخروج من نكبة وعطلة، وغرضهم الارتفاق وأخذ ما لاح، وأغلظ الأمر وكثر الحرج. وتأمل علي بن عيسى هذه التوقيعات، فأسقطها، وكان منها ما ثبت في الدواوين وما لم يثبت، وعمل على إعلام المقتدر بالله ما على الملك وبيت المال من الوهن والنقص بإمضائها واستئذانه في ردها وإبطالها. قال هشام: وكنت متحققاً به إذ ذاك فقلت: لا تفعل فإن الخليفة على ما تعرفه من التدبر بآراء النساء، والقبول من الحاشية، وأكثر هذه التوقيعات لهم وللمتعلقين عليهم، وللملتجئين إليهم، فاعدل إلى أن تنظر ما قد أنشيء الكتاب به من ديوان الدار إلى أصحاب الدار فتمضيه، وما كان بخلاف ذلك أبطلته، فإنك تمضي القليل وتبطل الكثير، وتأمن عداوة الناس، ومتى استأذنت الخليفة لم تأمن أن يأمرك بإمضاء الكل فتقع في الطويل العريض. فلم يقبل، ومضى فطالع المقتدر بالله بالصورة، واستأمره في إسقاط التوقيعات، وقد كان الحواشي سبقوا إليه بالشكوى، فقال له: ارجع إلى الخاقاني وابنه فما عرفاك أنه بتوقيعهما أمضيته، وما كان بتوقيع أصحابهما رددته فأمر علي ابن عيسى أصحاب الدواوين بجمع الرقاع، فجمعت في أيام، وأنفذها إلى الخاقاني وابنه مع إبراهيم بن أيوب كاتب حضرته وابن الماسح ليعرضاها عليهما، ويسألاهما عنها. فلما دخلا على الخاقاني وابنه وجدا الخاقاني قائماً يصلي صلاة الضحى وكان يطيلها وابنه عنده جالساً فعدلا إليه، وأديا الرسالة، وأعطياه الرقاع على حكم ما كان عليه من الاستبداد بالأمور في خلافته لأبيه. فأخذ يتأملها ويميزها، ويفرد الأقل

стр. 294

ويطرح الأكثر، ولحظه أبوه، فخفف الصلاة ثم صاح عليه وقال له: أفسدت أمري في نظري، وتريد أن تفسده في حبسي! وأقبل على الرسولين وقال لهما: ما أحسنتما الفعل. فإنكما أنفذتما إلي فعدلتما إلى ولدي عني، وإنما كان خليفتي. فقاما إليه وعرفاه ما حضرا فيه. وأقرآه الرقاع. فجعل يتأمل التوقيعات خاصة، حتى إذا استوفى النظر فيها قال لهما: قولا للوزير أيده الله هذه التوقيعات صحيحة، وما وقع بها إلا بإذني، فإنه ما كان أحد من كتابي يقدم على أن يوقع عني بما لا أعلمه ولا أرسمه، والذي فعلته هو ما رأيته صلاحاً لنفسي وخدمةً للخليفة أطال الله بقاءه في استمالة قلوب حاشيته ورعيته، واستخلاص نيتهم في موالاته وطاعته، والأمر الآن إليك فافعل ما تراه. قال: فقاما وعادا إلى علي بن عيسى، وأعادا عليه قوله: فقامت قيامته منه، واضطر إلى إمضاء الأكثر، وإسقاط من استضعف صاحبه واستلان جانبه، ولم تكن له جهة تشفع في بابه. وعرف الحاشية ذلك، وشكروا الخاقاني وتعصبوا له، وقاموا بأمره مع المقتدر بالله حتى قررت مصادرته وأطلق بعد أربعة أشهر. وقال الخاقاني لابنه بعد انصراف ابن أيوب وابن الماسح: أردت يا بني أن تبعضنا إلى الناس بغير فائدة، ويكون أبو الحسن علي بن عيسى قد لقط الشوك بأيدينا! نحن قد صرفنا، لم لا نتحبب إلى الخاصة والعامة بإمضاء ما زوروه علينا؟ فإن أمضاه كان الحمد لنا والثقل عليه، وإن أبطله كان الحمد لنا والذم عليه. وقد كان الخاقاني متخلفاً عامياً إلا أنه كان خبيثاً داهياً، ولم يكن له إلا هذه الأفعال الثلاثة: في أمر ابن الفرات، وأمر ابن أبي البغل، وتلافي الحاشية بعد النكبة. وقد حفظ من سقطاته وحكاياته ما كان أعداؤه يشنعون عليه به. وقد أوردنا ما سمعناه وتأدى إلينا منه.

стр. 295

علي بن عيسى بن داود بن الجراح أبو الحسن علي بن عيسى بن داود بن الجراح وأبو الحسن من أهل ديرقني، ومولده يوم الجمعة لثمان خلون من جمادي الأولى سنة خمس وأربعين ومائتين، والطالع العقرب بد والرأس فيه ح د والقمر في القوس ط لح والمشتري راجع في الدلو كا، يد، والذنب في الثور ح د، والشمس في الأسد يوح، وزحل فيه بط لا، وعطارد في السنبلة ايه، والزهرة فيه كط والمريخ في الميزان دلح. وكتب في الدواوين، وتقلد كثيراً منها رئاسة. وقد مضى من ذكره في أخبار أبي الحسن بن الفرات ما لا حاجة بنا فيه إلى الإعادة. ولما أشار مؤنس باستدعائه من مكة، وتقليده الوزارة، وأنفذ يلبق الاستقدامه إلى الحضرة، ورد في اليوم العاشر من المحرم سنة إحدى وثلاثمائة. ووصل إلى حضرة المقتدر بالله، وخاطبه بما أراد خطابه به، وقلده وزارته وتدبير أمره. وخرج أبو الحسن ومؤنس معه وأبو علي الخاقاني جالس في المجلس الذي كان يجلس فيه قبل الوصول إلى الخليفة وقال للحجاب وخواص الغلمان: اتبعوا الوزير وامشوا بين يديه. فارتاع أبو علي وقال: من الوزير؟ فقال له مؤنس: أبو الحسن علي بن عيسى. فقال أبو علي: الله الله يا أبا الحسن في دمي، فإنني ما أردت الدخول في هذا الأمر، وإنما أُجبرت عيه. فأجابه جواباً سكته فيه، ونقل إلى الاعتقال في الموضع الذي أُعد له. ومضى أبو الحسن علي بن عيسى إلى داره، والناس في موكبه، وبكر إلى الدار

стр. 296

من غد وخلعت عليه الخلع السلطانية، وركب إلى الدار المعروفة بسليمان بن وهب، فجلس فيها، وركبت إليه الأمراء والقواد في النواحي، وكتب إليهم بإقرارهم في مواضعهم من ولاياتهم وأعمالهم، وحثهم على استخراج الأموال وحملها. وسلم إليه أبو علي الخاقاني وولداه، وأبو الهيثم بن ثوابة، وطالبهم مطالبةً رفيقه. وسئل في أمر عبد الواحد بن أبي علي، فأطلقه بعد مديدة في ليلة الخميس لتسع خلون من جمادي الآخرة، ثم أطلق أبا القاسم أخاه ليلة الجمعة مستهل شوال، وحمل أبا الهيثم بن ثوابة إلى الكوفة، وسلمه إلى إسحاق بن عمران صاحب المعونة، فكان عنده إلى أن توفي يوم الأحد لليلة بقيت من ذي الحجة. وأجرى المقتدر بالله لأبي الحسن علي بن عيسى خمسة آلاف دينار في كل شهر، وارتجع الضياع العباسية التي كانت جعلت لابن الفرات وأبي علي الخاقاني، ورتب أبو الحسن علي بن عيسى الأمور والدواوين على ما رأى فيه الصلاح والسداد، وكان رجلاً عاقلاً متديناً متصوناً ظلفاً متعففاً، عارفاً بالأعمال حافظاً للأموال، كثير الوقار والجد بعيداً من التبذل والهزل، على شح غالب في طباعه، وتجهم ظاهر في أخلاقه. وما كان يخل بصلاة الجماعة والجمعة في كل يوم جمعة، ولا يدع المناوبة في ذلك بين المساجد الجامعة، حتى قيل: إنه كان يستعمل الوضوء في أيام الجمعات التي يكون فيها محبوساً، ويستوفي طهوره، ويلبس ثيابه، ويقوم ليخرج من موضعه، فيرده الموكلون به ويمنعونه، فيرفع رأسه إلى السماء ويقول: اللهم اشهد. وعمد في نظره إلى تخفيف المؤن، وحذف الكلف، ونقص الخرج، والمضايقة في الجاري والرزق. ورد كثيراً مما وقع به أبو علي الخاقاني من الإثبات والزيادات، فأوحش بذلك خواص المقتدر بالله وعاداهم، وكثرت به السعاية عليه والوقيعة فيه

стр. 297

واستثقل أكثر الناس موضعه، وضاقت صدورهم بنظره، ووقع الشروع في إفساد أمره، وتغيير رأي المقتدر بالله فيه، ورد ابن الفرات. وعرف أبو الحسن علي بن عيسى ما يجري في ذلك، فبدأ بالاستعفاء والخطاب عليه، ومواصلة القول فيه. وتحدث في دار المقتدر بالله بأن ابن الفرات شديد العلة، واتفق أن مات هارون الشاري الذي كان محبوساً في دار السلطان، وكان التدبير في أمر الشراة أن يكتم موت من يؤخذ من أئمتهم، لأنهم لا يرون إقامة غيره وهو حي، فأظهر أنه ابن الفرات وكفن وأخرجت جنازته على أنها جنازة ابن الفرات. فصلى عليه علي بن عيسى، وانصرف موجعاً إلى داره وقال لخواصه: اليوم مات الكتابة. ومضت أيام ووقف علي بن عيسى على أنه حي وقد تم السعي له مع المقتدر بالله، فعجب ابن عيسى وقال: ما ينبغي لأحد أن يحدث بكل ما يسمع، ويصدق بجميع ما يخير. فلما طالب الجند عند أخذ الحسين بن حمدان بما طالبوا به من الزيادة، واستعملوا ما استعملوه من الشغب وخرق الهيبة، وبلغ لهم في ذلك ما بلغ من الإرادة وكثرت النفقات، وتضاعفت الاستحقاقات، ولحق الشوب غلات سنة أربع وثلاثمائة، وتأمل علي بن عيسى الأمر وخاف أن يطالب بما لا يكن له وجه، وأن يحدث من الفساد ما لا يقوم له به عذر. فوقف أملاكه، وأعتق عبيده، وشرع في الاستعفاء، وراسل في ذلك المقتدر بالله، فدفعه عنه دفعاً ووعده فيه بالمعونة على تمشية الأمور. وكان فيما وقع إلينا من رقاعه في ذلك رقعة إلى السيدة نسختها: ربع وثلاثمائة، وتأمل علي بن عيسى الأمر وخاف أن يطالب بما لا يكن له وجه، وأن يحدث من الفساد ما لا يقوم له به عذر. فوقف أملاكه، وأعتق عبيده، وشرع

стр. 298

في الاستعفاء، وراسل في ذلك المقتدر بالله، فدفعه عنه دفعاً ووعده فيه بالمعونة على تمشية الأمور. وكان فيما وقع إلينا من رقاعه في ذلك رقعة إلى السيدة نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم. أطال الله بقاء السيدة وأدام عزها وتأييدها، وكلاءتها وحراستها، وأسبغ نعمه عليها، وزاد في إحسانه إليها، ومواهبه الجميلة، وآلائه الجزيلة، وأقسامه الهنيئة وفوائده السنية عندها، وبلغها في سيدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وأدام له العز والتمكين، والنصر والتأييد غاية محبتها وأفضل أمنيتها، ووصل أيام سرورها بعافيته، واغتباطها برؤيته، ووقاها فيه وفي نفسها وفي الأمراء أستودعهم الله وأستوهبه إياهم كل سوء محذور ومخوف، بمنه ورأفته. وصلت الرقعة أعز الله السيدة وعرفت ما تضمنت. فأما الفتنة التي كانت ملتحمةً مع أعظم الأعداء مضرةً، وأقربهم محلةً، وأشدهم على المطالبة جرأة، فقد تكلفت الإنفاق عليها، وقمت بتدبيرها، حتى بلغ الله أمير المؤمنين والسيدة في جميعها المحبة، وانتظمت في صدور الأعداء شرقاً وغرباً الهيبة، وما أنفقت مع ذلك من بيت مال الخاصة بعد الذي رددته إليه نصف عشر ما أنفقه محمد ابن عبيد الله الخاقاني وابن الفرات قبله، وأنا عامل بعون الله على رد ذلك عن آخره. ومتى لم ينفق المعتضد بالله في أسفاره على مائدة أعدائه من بيت مال الخاصة أضعاف هذه النفقة؟! وقد أنفق المكتفي بالله وكان من النظر في القليل اليسير وعلى ما عرف به من بيت مال الخاصة جملةً بعد جملة، مع قلة النفقات في أيام المعتضد بالله. وما أقول قولاً يدفع، لأن الدواوين تشهد به وحسبانات بيوت الأموال تدل عليه، ومؤنس خازن بيت مال الخاصة منذ أيام المعتضد بالله وإلى هذه

стр. 299

الغاية يعلمه، وإن سئل عنه صدق. هذا مع رفقي بالرعية، وعمارتي النواحي المختلة، وإزالتي عنها كل ظلم ومؤونة، حتى صارت أيام أمير المؤمنين أطال الله بقاءه منذ خدمته أيام الخير، وفيها الآثار الموصوفة، وامتلأت قلوبها هيبةً بعد أن كانت تثب على الرؤساء، وترمي بالحجارة على ما قيل لي عند اجتيازهم في دجلة. وأما الاستحقاقات المتأخرة فلست أعرفها، وبباب أمير المؤمنين الكثير من الغلمان والحاشية والفرسان والرجالة، وما أحسب صنفاً من هذه الأصناف يقدر أن يقول: إنه قبض في وقت من الأوقات قبضاً متصلاً، وليس يقول أحد منهم إنه دفع عن استحقاق ولا تأخر له شيء من رزقه ونزله. وكذلك الفرسان والعساكر الخارجة مع مؤنس وغيره مستوفية، وأكثر من بالحضرة هذه سبيلهم به. وقد حضروا منذ مدة بباب العامة، وطالبوا، فأدخلت طائفةً منهم ونوظرت، فلم تكن لهم حجة في الاستحقاقات، وإنما التمسوا الزيادة والنظر والصلة، وهذا خارج عن الواجب، ولو منع بعضهم فلم يعط شيئاً لكان ذلك واجباً صالحاً. ومتى كان الجند يوفون حتى لا يكون لهم شيء متأخر؟ ما كان هذا في زمن من الأزمان وما تركت أن قلت لسيدنا أمير المؤمنين أعزه الله في ذلك ما يجب أن أقوله، وخاطبت أم موسى مرةً بعد مرة فيه، وأما ما قيل للسيدة أعزها الله في استعفائي فلم أستعف نصاً، ولو حملت الرماد على رأسي لما تكرهت ذلك ولا تأبيته، وإني لأُلزم نفسي الصبر على كل نائبةً في خدمة سيدنا أمير المؤمنين أيده الله وأرى ذلك ديانة، ولكني أعز الله السيدة أضجر كما يضجر الناس إذا خوطب بما لا يحب، وأنا أبلغ جهدي في النصيحة وتأدية الأمانة، فإن كان ذلك واقعاً موقعه فهو الذي أقصد، وإن كان يظن بي غير ما أنا عليه فهي المصيبة. وقد يحرم الإنسان ثمرة اجتهاده، ويقع ما يفعله على خلاف مذهبه واعتماده، وما يسعني ولا يحل لي أن أؤخر الصدق

стр. 300

في جميع الأحوال، قاضياً بذاك حق الله ، وحق سيدنا أمير المؤمنين أطال الله بقاءه وحق السيدة أعزها الله وأسأل الله أولاً وآخراً أن يصلح لهما أمورهما ظاهراً وباطناً، صغيرها وكبيرها، ويكفيهما المهم ويسهل الصلاح بهما وعلى أيديهما بمنه وقدرته وجوده وكرمه. وقرب عيد الأضحى واحتيج إلى ما جرت العادة بإطلاقه للحرم والحاشية، فجاءته أم موسى القهرمانة في آخر ذي القعدة سنة أربع وثلاثمائة مخاطبة على ذلك، ومقررة للأمر فيه، وكان محتجباً، فلم يقدم سلامة حاجبه إلى الاستئذان لها، واعتذر إليها عذراً لطيفاً، وصرفها صرفاً جميلاً، فغضبت وانصرفت. وأعلم علي بن عيسى خبرها في حضورها وانصرافها فأنفذ إليها واستعذرها فلم تعذر، وصارت إلى المقتدر بالله وإلى السيدة وأغرتهما به، وتكذبت عندهما عليه، وأدى ذلك إلى القبض عليه في غداة يوم الاثنين الثامن من ذي الحجة سنة أربع وثلاثمائة عند ركوبه إلى دار السلطان، واعتقاله عند زيدان، فكانت مدة وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوماً. وكان مما فعله في وزارته هذه أن أسقط المكس بمكة، والتكملة بفارس وسوق بحر بالأهواز وحصن مهدي، ونهر السدرة، وكان يعترض في هذه المواضع على ما يجهز إلى البحر ويرد منه، وتؤخذ الضرائب المسرفة عنه، وأزال جباية الجمهور بديار ربيعة. وأشار على المقتدر بالله بوقف المستغلات بمدينة السلام وغلتها نحو ثلاثة عشر ألف دينار والضياع الموروثة بالسواد الجارية في ديوان الخاصة وارتفاعها نيف وثمانون ألف دينار على الحرمين والثغور، فقبل رأيه وأشهد بذلك القضاة والشهود على نفسه، ونصب علي بن عيسى لهذه الوقوف ديواناً سماه ديوان البر، ورده إلى أبي شجاع ابن أخت أبي أيوب ولما كان بمكة وجد الماء ضيقاً على أهلها، وأصحاب السلطان يسخرون جمال الناس وحميرهم لنقله من جدة إليها، فابتاع عدداً كثيراً من الجمال والحمير ووقفها على حمل الماء، وأقام لها العلوفة الراتبة، ومنع من السخرة وحظرها، وحفر بئراً عظيمة في الحناطين، فخرجت عذبةً شروبا وسماها الجراحية. وابتاع عينا غزيرة بألف دينار، وفتحها ووسعها حتى كثر ماؤها، واتسع الماء بمكة، ووصل الرفق به إلى أهل الضعف والمسكنة. وكان فيما أقطعه علي بن عيسى من إقطاع الوزارة أربعة أحجار أرحاء بالعباسية تعرف بالعباسية، وتعرف باليوسفية، قيمتها عشرة آلاف دينار. فتظلم مجاوروها من أخذها الماء وقصوره عنهم، وإضرار ذلك بزروعهم ونقصه من ارتفاع ضياعهم، وتأذي أهل الشفة بهذه الحال أيضاً، فأمر بهدمها ونقضها وعمل مسجد في موضعها، وتوفر الماء على أهل الضياع والشفة. ي غداة يوم الاثنين الثامن من ذي الحجة سنة أربع وثلاثمائة عند ركوبه إلى دار السلطان، واعتقاله عند زيدان، فكانت مدة وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر وثمانية وعشرين يوماً. وكان مما فعله في وزارته هذه أن أسقط المكس بمكة، والتكملة بفارس وسوق بحر بالأهواز وحصن مهدي، ونهر السدرة، وكان يعترض في هذه المواضع على ما يجهز إلى البحر ويرد منه، وتؤخذ الضرائب المسرفة عنه، وأزال جباية الجمهور بديار ربيعة. وأشار على المقتدر بالله بوقف المستغلات بمدينة السلام وغلتها نحو ثلاثة عشر ألف دينار والضياع الموروثة بالسواد الجارية في ديوان

стр. 301

الخاصة وارتفاعها نيف وثمانون ألف دينار على الحرمين والثغور، فقبل رأيه وأشهد بذلك القضاة والشهود على نفسه، ونصب علي بن عيسى لهذه الوقوف ديواناً سماه ديوان البر، ورده إلى أبي شجاع ابن أخت أبي أيوب ولما كان بمكة وجد الماء ضيقاً على أهلها، وأصحاب السلطان يسخرون جمال الناس وحميرهم لنقله من جدة إليها، فابتاع عدداً كثيراً من الجمال والحمير ووقفها على حمل الماء، وأقام لها العلوفة الراتبة، ومنع من السخرة وحظرها، وحفر بئراً عظيمة في الحناطين، فخرجت عذبةً شروبا وسماها الجراحية. وابتاع عينا غزيرة بألف دينار، وفتحها ووسعها حتى كثر ماؤها، واتسع الماء بمكة، ووصل الرفق به إلى أهل الضعف والمسكنة. وكان فيما أقطعه علي بن عيسى من إقطاع الوزارة أربعة أحجار أرحاء بالعباسية تعرف بالعباسية، وتعرف باليوسفية، قيمتها عشرة آلاف دينار. فتظلم مجاوروها من أخذها الماء وقصوره عنهم، وإضرار ذلك بزروعهم ونقصه من ارتفاع ضياعهم، وتأذي أهل الشفة بهذه الحال أيضاً، فأمر بهدمها ونقضها وعمل مسجد في موضعها، وتوفر الماء على أهل الضياع والشفة. وحدث أبو علي عبد الرحمن بن عيسى قال: لما ابتاع أخي أبو الحسن علي بن عيسى من تركة نازوك ووالدة القاسم بن عبيد الله الثلث من حصتها في قصر القاسم في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وأضاف إليه حصصاً ابتاعها الزوجات وبعض الأولاد الأصاغر، وعمل ذلك داره المعروفة بباب البستان، وكانت مسناة القصر

стр. 302

القديمة بعيدةً من دجلة فأخرج أحمد بن بدر عم السيدة أم المقتدر بالله مسناةً لداره المجاورة له إلى الماء، وفعل عبيد الله بن القاسم مثل ذلك من الجانب الآخر، وبقيت دار أخي مستورة بينهما، فخاطبه أبو إسحاق إبراهيم أخونا في ذلك، وأعلمه ما في إخراج المسناة حتى توازنهما من الزيادة في قيمة العقار، وكانت الذراع على دجلة في المواضع الرذلة على ذلك العهد تباع بدينار عيناً. فقال له: قدر لها ولما يبنى عليها ما يحتاج إليه من النفقة. فقدر لذلك مائة ألف درهم، وصور البناء، وأحضره الصورة والتقدير. فأقام أبو إسحاق يحثه على إطلاق المال والابتداء بالعمل، والوزير يعده ويدفعه، حتى إذا اجتمع في خزانته ما جعله لذلك من ارتفاع ضيعته، تقدم إلى خازنه بإحضاره ودعا بعبد الوهاب بن أحمد بن ما شاء الله، فأعطاه إياه، وأمره بصرفه في ضعفاء آل رسول الله ﷺ وفي فقراء المسلمين ومساكينهم بعد أن أثبتهم في ديوانه، ففعل، وأخرج جميع المال وفرقه عليهم. وحضر أبو إسحاق، فذكره بالعمل والأمر بتقديمه قبل زيادة دجلة، فضحك إليه وقال لابن ما شاء الله: حدثه يا أبا القاسم بحديث العقار الذي ابتعنا، وتجاوزه في النفع هذا البناء الذي لا يزيد الله من حاوله إلا إثماً وبعداً. فحدثه، فحار أبو إسحاق، وما أمكنه الجواب، وعلم أنه كان من وعده على غرور. وبقي ماء داره محبوساً، وسمي الفضاء بين المسناتين الستيني. وكان أبو إسحاق إبراهيم بن هلال جدي ابتاع دار عبيد الله بن القاسم من أبي الحسن بن أبي عمرو الشرابي حاجب الخلافة بخمسة آلاف دينار، وكانت مسناتها طاعنةً في دجلة لا يفارقها الماء في سائر أوقات السنة.

стр. 303

خلافة علي بن عيسى ذكر خلافة أبي الحسن علي بن عيسى لحامد بن العباس وتفرده بالأمور من بعد ذلك قد أوردنا في أخبار حامد عند وزارته ما جرى أمر أبي الحسن بن الفرات معه وبعده، وما انتهى ذلك إليه من القبض عليه واعتقاله عند زيدان القهرمانة. وراسله المقتدر بالله بأن يصدق عن أمواله، فكتب رقعة يذكر فيها أنه لا يقدر على أكثر من ثلاثة آلاف دينار. واتفق من ورود القرامطة إلى البصرة، ودخولهم إليها واستيلائهم عليها ونقلهم ما وجدوه فيها ثم انصرافهم بعد أيام عنها، ما دعا إلى إخراج بني بن نفيس لقتالهم ودفعهم، ووصل وقد عادوا إلى بلدهم. فكتب إلى ابن الفرات بذلك، وبأنه أسر قوماً منهم، وحكي عنهم أنهم قالوا: إن علي بن عيسى كاتبهم بالمسير إلى هناك، وأنفذ إليهم في عدة أوقات هدايا من سلاح وآلات. فلما وافى هؤلاء الأسراء، وعرض ابن الفرات على المقتدر بالله كتاب بني بن نفيس فذكرهم وذكر ما حدثوا به على علي ابن عيسى، أمر بالجمع بينه وبين القوم ليواجهوه بما قالوا فيه، فأُخرج وجمع بينه وبينهم بحضرة ابن الفرات. فقال علي بن عيسى: من كانت صورته صورتي في سخط السلطان وانحراف الوزير عنه لقي بالحق والباطل. ثم عدل ابن الفرات إلى خطابه في أمر الأعمال فقال له: قد كان علي بن أحمد بن بسطام أخذ خطوط

стр. 304

المادرائيين في وزارتي الثانية بألف ألف وثلاثمائة ألف دينار صلحاً عن خراج ضياعهما بمصر والشام، وما أخذاه من المرافق عند تقلدهما الأعمال في أيامك الأولى. وبقي عليهما من المصادرة التي واقفهما أبو علي الخاقاني عليها، وأديا في أيامي نحو خمسمائة ألف دينار، وكانا على أداء تتمة المال، حتى صرفت ابن بسطام ساعة وليت عن الدواوين، وقلدت هذين العاملين الخائنين المجاهرين بأخذ أموال السلطان واقتطاعها، وكتبت عن أمير المؤمنين بإسقاط مال الصلح عنهما، وذكرت أنه أمر بذلك، وقد سألته فأنكر دعواك عليه ما أدعيته. فقال علي ابن عيسى: كنت في الوقت كاتباً لحامد، وخليفةً له على الأعمال، ومتصرفاً على أمره في كبير الأمور وصغيرها وهو ذكر لي عن أمير المؤمنين أنه أمر بإسقاط هذا المال، ووقع بذلك توقيعاً كتبت في آخره بامتثاله كما يفعل خليفة الوزير فيما يأمر به صاحبه. فقال له ابن الفرات: أنت كنت تعارض حامداً في كل أحواله، وتخاصمه في اليسير مما يخرج عليه من مال ضمانه، حتى تحدث الناس بكما، وعجبوا لما يجري بينكما، فلم تركت أن تستأذن السلطان في مثل هذا المال الجليل؟ فقال: كنت في أول الأمر كاتباً لحامد مدة سبعة أشهر حتى بان لأمير المؤمنين ما رأى معه التعويل علي في تدبير الأمور، وكان ما جرى من أمر المادرائيين في صدر أيام حامد. فقال له ابن الفرات: فلما اعتمد عليك أمير المؤمنين ألا صدقته عن غلط حام فيها غلط به وفرط فيه؟ فقال: إنما تركت ذلك

стр. 305

لأنني أخذت خط الحسين بن أحمد بحضرة أمير المؤمنين بألف ألف دينار عن مصر والشام خالصاً للحمل، بعد النفقات ومال الجند في تلك الأعمال، وكا ذاك غاية ما قررت عليه. فقال ابن الفرات: أنت يا أبا الحسن تعمل أعمال الدواوين منذ نشأت وقد وليت ديوان المغرب سنين كثيرة، وقد تقلدت الوزارة، فهل رأيت من يدع مالاً واجباً يؤدي معجلاً ويأخذ العوض عنه ضماناً مؤجلاً لا يدرى ما يجري فيه؟ وهبك على ما ذكرت من أنك رأيت ذلك صواباً وهو خطأ، فهل استوفيت مال الضمان من هذا الضامن بخمس سنين دبرت فيها المملكة؟. فقال: قد كان حمل من مال السنة الأولى صدراً ثم حدث من تغلب العلوي بإفريقية على أكثر تلك النواحي ما دعا إلى خروج مؤنس المظفر وانصراف المال في نفقاته وأعطيات الجند، وانكسر الباقي لأجل هذه الحادثة. فقال ابن الفرات: انهزم هذا العلوي منذ سنتين، فهل أدى مالهما كاملاً؟. فقال علي بن عيسى في جواب ذلك قولاً استوفاه لنفسه، وأخذ ابن الفرات خطه بالحجة عليه وله بأنه قد رضي بحكم أمير المؤمنين. ثم قال له ابن الفرات في آخر قوله: قد أمر أمير المؤمنين بأن تطالب بالأموال التي اقتطعتها وجمعتها، وينبغي أن تعطيها عفواً وتصون نفسك عن

стр. 306

المكروه. فقال: لست من ذوي الأموال، وما لي قدرة على أكثر من ثلاثة آلاف دينار. فقال له ابن الفرات: تقول هذا وقد وجد لك عند عيسى الناقد سبعة عشر ألف دينار وأُخذ خطه بها وديعةً كانت لك عنده؟ فقال. هذا رجل قلدته مال ضياع البر والجهبذة، وعنده أموال حاصلة، فإما أن يكون المال منها أو تكون قد أخذت ماله ونسبته إلي وأكرهته على أن كتب خطه بذلك. فقال له ابن الفرات قد أسقطت من أرزاق أولاد القرابة والحرم والحواشي والخدم والفرسان الذين كنت أُوفيهم أرزاقهم في أيامي الأولى والثانية مدة خمس سنين دبرت فيها المملكة، وأخذت من ارتفاع ضياع الملك والإقطاع بعدما افرد منها للأمراء ما يكون مبلغه مع ما كنت أحمله إلى أمير المؤمنين في وزارتي الثانية وهو في كل شهر خمسة وأربعون ألف دينار للمدة المذكورة الجملة الكبيرة، فإما أن تكون قد احتجنت ذلك لنفسك أو أضعته لتفريطك. فقال له علي بن عيسى: ما استغللته من الضياع ووفرته من أرزاق من يستغني عنه تممت به عجزاً أدخل في الخرج حتى اعتدلت الحال، ولم أمدد يدي إلى بيت مال الخاصة. وأما خمسة وأربعون ألف دينار التي كنت تحملها من المرافق فإنني لم أر ما رأيته أنت قط من المرافق للعمال، بل حظرتها عليهم علماً بأنها طريق إلى ضياع الحقوق وخراب البلاد وظلم الرعية، وأنت كنت توصي الحواشي بإخراب بيت المال، وتحول ما في بيت مال الخاصة إلى بيت مال العامة، ومن الدليل على ذلك أني كنت أتولى ضياع ديوان الخاصة، فلما تقلدت الوزارة بعد العباس بن الحسن انصرفت عنه فتركت في بيت مال الخاصة سبعة عشر ألف ألف دينار حاصلةً، فلما قلدني أمير المؤمنين وزارته في سنة إحدى وثلاثمائة لم أجد من ذلك المال شيئاً كبيراً. فقال له ابن الفرات: اكتب حظك بأنك خلفت في بيت مال الخاصة سبعة عشر ألف ألف دينار. أطلق العباس بن الحسن منها في البيعة لأمير المؤمنين ثلاثة آلاف ألف دينار. ووجدت أعمال فارس وكرمان خارجةً عن يد السلطان منذ أيام المعتضد لا يحمل منها المتغلبون عليها إلا النزر اليسير، فصدقت أمير المؤمنين عن صورتها وضمنت له فتحها ففتحتها. وقد كانت لي أموال جمعتها في خدمة أمير المؤمنين أنا وأخي وأسلافي مع أسلافه، وضياع وافرة الارتفاع، فلما رأى أمير المؤمنين أخذها كان أحق بها، فصح لي في بيوت الأموال في دفعتين أربعة آلاف ألف دينار. ثم أخذ ابن الفرات في مطالبته بالمال، فأقام على أنه لا مال عنده، وأعيد إلى محبسه. وكانت له بعد ذلك مناظرات، منها ما حدث به أبو محمد عبد الله بن علي المعروف بذكويه كاتب نصر القشوري الحاجب، وأبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني كاتب بني الفرات قالا: حضر أبو الحسن بن الفرات في وزارته الثالثة في يوم الخميس لخمس ليال بقين من جمادي الآخرة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في أيام المقتدر بالله، وجمع القواد والقضاة والكتاب، فأُحضر أبو الحسن علي بن عيسى من محبسه وجمع بينه وبين ابن فلحة رسوله كان إلى القرامطة في وزارته الأولى حتى واجهه بأنه أنفذه إلى القرامطة مبتدئاً، وكاتبوه يلتمسون منه المساحي والطلق وغير ذلك، فحمل جميعه إليهم، وأخرج أبو الحسن بن الفرات نسخة كتاب أنشأه ابن ثوابة عن علي بن عيسى إلى القرامطة جواباً عن كتاب ورد منهم إليه وفيه إصلاحات بخطه، ولم يقل فيها: إنكم خارجون عن ملة الإسلام لمخالفتكم الإجماع وعصيانكم على الإمام. بل قال: ولكنكم خارجون عن جملة أهل الرشاد والسداد. وداخلون مع أهل العناد والفساد. لي وأكرهته على أن كتب خطه بذلك. فقال له ابن الفرات قد أسقطت من أرزاق أولاد القرابة والحرم والحواشي والخدم والفرسان الذين كنت أُوفيهم أرزاقهم في أيامي الأولى والثانية مدة خمس سنين دبرت فيها المملكة، وأخذت من ارتفاع ضياع الملك والإقطاع بعدما افرد منها للأمراء ما يكون مبلغه مع ما كنت أحمله إلى أمير المؤمنين في وزارتي الثانية وهو في كل شهر خمسة وأربعون ألف دينار للمدة المذكورة الجملة الكبيرة، فإما أن تكون قد احتجنت ذلك لنفسك أو أضعته لتفريطك. فقال له علي بن عيسى: ما استغللته من الضياع ووفرته من أرزاق من يستغني عنه تممت به عجزاً أدخل في الخرج حتى اعتدلت الحال، ولم أمدد يدي إلى بيت مال الخاصة. وأما خمسة وأربعون ألف دينار التي كنت تحملها من المرافق فإنني لم أر ما رأيته أنت قط من المرافق للعمال، بل حظرتها عليهم علماً بأنها طريق إلى ضياع الحقوق وخراب البلاد وظلم الرعية، وأنت كنت توصي الحواشي بإخراب بيت المال، وتحول ما في بيت مال الخاصة إلى بيت مال العامة، ومن الدليل على ذلك أني كنت أتولى ضياع ديوان الخاصة، فلما تقلدت الوزارة بعد العباس بن الحسن انصرفت عنه فتركت في بيت مال الخاصة سبعة عشر ألف ألف دينار حاصلةً، فلما قلدني أمير المؤمنين

стр. 307

وزارته في سنة إحدى وثلاثمائة لم أجد من ذلك المال شيئاً كبيراً. فقال له ابن الفرات: اكتب حظك بأنك خلفت في بيت مال الخاصة سبعة عشر ألف ألف دينار. أطلق العباس بن الحسن منها في البيعة لأمير المؤمنين ثلاثة آلاف ألف دينار. ووجدت أعمال فارس وكرمان خارجةً عن يد السلطان منذ أيام المعتضد لا يحمل منها المتغلبون عليها إلا النزر اليسير، فصدقت أمير المؤمنين عن صورتها وضمنت له فتحها ففتحتها. وقد كانت لي أموال جمعتها في خدمة أمير المؤمنين أنا وأخي وأسلافي مع أسلافه، وضياع وافرة الارتفاع، فلما رأى أمير المؤمنين أخذها كان أحق بها، فصح لي في بيوت الأموال في دفعتين أربعة آلاف ألف دينار. ثم أخذ ابن الفرات في مطالبته بالمال، فأقام على أنه لا مال عنده، وأعيد إلى محبسه. وكانت له بعد ذلك مناظرات، منها ما حدث به أبو محمد عبد الله بن علي المعروف بذكويه كاتب نصر القشوري الحاجب، وأبو الطيب محمد بن أحمد الكلوذاني كاتب بني الفرات قالا: حضر أبو الحسن بن الفرات في وزارته الثالثة في يوم الخميس لخمس ليال بقين من جمادي الآخرة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في أيام المقتدر بالله، وجمع القواد والقضاة والكتاب، فأُحضر أبو الحسن علي بن عيسى من محبسه وجمع بينه وبين ابن فلحة رسوله كان إلى القرامطة في وزارته

стр. 308

الأولى حتى واجهه بأنه أنفذه إلى القرامطة مبتدئاً، وكاتبوه يلتمسون منه المساحي والطلق وغير ذلك، فحمل جميعه إليهم، وأخرج أبو الحسن بن الفرات نسخة كتاب أنشأه ابن ثوابة عن علي بن عيسى إلى القرامطة جواباً عن كتاب ورد منهم إليه وفيه إصلاحات بخطه، ولم يقل فيها: إنكم خارجون عن ملة الإسلام لمخالفتكم الإجماع وعصيانكم على الإمام. بل قال: ولكنكم خارجون عن جملة أهل الرشاد والسداد. وداخلون مع أهل العناد والفساد. وقال ابن الفرات لعلي بن عيسى موبخاً ومهجناً: تقول ويحك للقرامطة الذين قد أجمع الناس أنهم أهل ردة وضلالة قولاً تلحقهم فيه بأهل الملة وهم لا يصلون ولا يصومون ولا يدينون بما يدين به المسلمون، وتنفذ إليهم الطلق الذي إذا طلي به البدن أو غيره لم تعمل النار فيه؟ قال: إنما اعتمدت بذاك المصلحة، وأن أستعيدهم إلى الطاعة بالرفق والاستمالة. فقال ابن الفرات لأبي عمر القاضي: ما عندك في هذا يا أبا عمر؟ فتوقف عن جوابه، وأقبل على علي بن عيسى وقال له: قد أقررت يا هذا بما لو أقر إمام به لسقطت طاعته وتعطلت إمامته. قال: فنظر علي بن عيسى إليه نظر منكر لقوله، لعلمه بأن المقتدر بالله بحيث يسمع ما يجري ولا يرى. وطالب ابن الفرات أبا عمر بأن يكتب خطه بشيء من هذا المعنى، فلم يفعل وقال: قد غلط علي بن عيسى غلطاً كبيراً فأما جواب هذا القول فما عندي. فأخذ خطه بما سمعه من إقراره في أن الكتاب كتابه، وأن الإصلاح في النسخة بخطه. ثم أقبل ابن الفرات على أبي جعفر أحمد بن أسحاق بن البهلول القاضي فقال: ما عندك يا أبا جعفر في ذلك؟ فقال: إن أذن الوزير أن أقول ما عندي على بيان قلته. قال: أفعل. قال: صح عندي أن هذا الرجل وأومأ إلي علي ابن عيسى

стр. 309

استخلص بكتابين كتبهما إلى القرامطة في وزارته الأولى ابتداءً وجواباً ثلاثة آلاف رجل من المسلمين كانوا مستعبدين معهم ومسترقين بالاستحلال منهم، حتى رجعوا إلى أوطانهم وأولادهم ونعمهم وأموالهم. فإذا كتب الإنسان مثل هذه الكتب على وجه الصلاح والمغالطة للعدو لم يجب عليه حكم. قال: فما عندك فيما أقر به من أن القرامطة مسلمون؟ قال: إذا لم يثبت عنده كفرهم، وكاتبوه بذكر الله والصلاة على رسوله محمد ﷺ ، وانتسبوا إلى الإسلام، وكانوا إنما ينازعون في الإمامة، لم يطلق عليهم بالكفر. قال له: فما عندك بالطلق الذي أذا طليت به الأبدان لم تعمل النار فيها يحمل إلى أعداء الإمام ورفع صوته بذلك على أبي جعفر كالمنكر لما جرى من قوله فقال أبو جعفر لعلي بن عيسى: أنفذت الطلق الذي هذه صورته إلى القرامطة؟ قال: لا. فقال ابن الفرات: رسولك وثقتك ابن فلحة.. يقر عليك بذلك. فدهش علي بن عيسى وأمسك. فقال ابن الفرات لأبي جعفر بن البهلول: احفظ اعترافه بأن ابن فلحة رسوله وثقته، وقد أقر عليه بما أنكره. فقال. أيها الوزير، ليس هذا إقراراً. إنما هو دعوى. قال: فهو ثقته بإنفاذه إياه. قال: إنما وثقه في حمل كتاب، ولا يقبل قوله عليه في غيره. فقال ابن الفرات: أنت يا أبا جعفر وكيله لا حاكم. قال: ما أنا وكيل لكنني أقول الحق كما قلته في أمر الوزير أيده الله لما أراد حامد في وزارته الحيلة عليه بما هو أعظم من هذا. فعدل ابن الفرات إلى أن قال لعلي بن عيسى: يا قرمطي فقال: أنا أيها الوزير قرمطي؟ أنا قرمطي؟ وكررها تعريضاً به. قال: نعم، وكان عندي أنك عدو لأمير المؤمنين وبني العباس خاصةً أعز الله سلطانهم وإذا أنت عدو للمسلمين كافةً. فأمسك علي بن عيسى خوفاً

стр. 310

على نفسه. وأخذ نصر الحاجب والمحسن بن أبي الحسن بن الفرات بيده وأقاماه بعد أن استأذنا الوزير في الخلوة به، فأذن، فجلسا معه على انفراد. قال أبو الطيب في حديثه: فقمت معهما، وسمعت ما جرى بينهما وبينه وكان أن قالا له: إن رجعت إلى موضعك من محبسك ولم تقرر أمرك في صلحك خفنا عليك من استحلال السلطان دمك بعد ما سمعه عنك. ولم يزالا به إلى أن استجاب إلى ثلاثمائة ألف دينار يعجل منها الثلث في ثلاثين يوماً، ويؤدي الباقي على رسم المصادرات، وكتب خطه بذلك، وعادا إلى ابن الفرات وعرفاه ما جرى فأمضاه. واستدعي علي بن عيسى وجعل يواقفه على شرائط الخط، وكان إذا امتنع الوزير من شيء غمز أبو الحسن علي بن عيسى يده وقال: يتفضل الوزير. فيستحي ابن الفرات ويطرق ثم يفعل وإنما كان علي بن عيسى يفعل ذلك إذكاراً بعهد كان بينهما في أيام العباس بن الحسن ومعاقدة في أن يتعاضدا ويحرس كل واحد منهما صاحبه، ولا يسعى على نعمتة ولا نفسه حتى إذا انتهى القول إلى حق بيت المال في ضياع علي بن عيسى قال علي بن عيسى: وعما كثر به العمال عليه من حق بيت المال في ضياعه، ووجوبه به مدةً، وذكروه في تحيفه السلطان في ذلك! فقال له ابن الفرات: كل شيء أحتمله وأفعله إلا أن تعرضني لما يقدح في صناعتي، ويطرق عيباً علي في خدمة سلطاني، أرأيتك إن كتب العمال بأنه يجب عليك من هذه الجهة ثلاثمائة ألف دينار ألست أكون قد أخذت حظك بحق بيت المال في ملكك لا مصادرةً عن تصرفك؟ وقد ترددت في الوزارة والأعمال الجليلة مذ عشر سنين؛ ولكن خذ مبلغاً في استثنائك بما يستثني به لنفسك. فقال: عشرون ألف دينار. فأجابه إلى ذلك، وكتب على أنه: متى أوجب العمال عليه

стр. 311

بالعدل والإنصاف والموافقة التي لا يعترضها تحيف من حق بيت المال في سائر ضياعه ووقوفه منذ وقت ملكه لها وإلى هذا الوقت ما يكون مبلغه من ألف دينار إلى عشرين ألف دينار فقد دخل ذلك في مال المصادرة، وإن زاد على هذا المبلغ كانت الزيادة خارجةً عن الجملة، ولازمةً له بعدها. ولما تقررت النسخة وابتدأ علي بن عيسى يحررها بخطه كتب في التعجيل: بعد ثلاثين يوماً. فقال له ابن الفرات: ارفق بنا يا أبا الحسن ما صغرنا وكبرت، أفأدعك تسعةً وعشرين يوماً لا أُطالبك ولا تؤدي شيئاً؟ ولكن اكتب: أُصححه أولاً أولاً في مدة ثلاثين يوماً. فقال علي بن عيسى: على شرط من أن يكون ابتدائي بالأداء إذا خرجت من دار أمير المؤمنين إلى موضع يأمن الوزير أيده الله فيه على نفسي يومى ألا يسلم إلى المحسن أو من جرى مجراه في إشفاقه وخوفه إياه فتقرر الأمر على ذلك وأنفذ الخط إلى المقتدر بالله فأمضاه، ورد أبو الحسن علي ابن عيسى إلى محبسه. وقالت زيدان القهرمانة والسيدة للمقتدر بالله: إن سلم علي بن عيسى إلى ابن الفرات سلمه إلى ابنه المحسن، ولم يؤمن عليه منه، وهو رجل دين وقد خدمك وخدم أباك، وليس يفزع اليوم إلا منه، فلا تسلمه إليهم. وقدرتا بذلك أن تبطلا المال الذي قرره علي بن عيسى على نفسه. فقال وقد كان وقر في صدره ما سمعه من حديثه مع القرامطة وتشعث به رأيه فيه: إن أدى المال في داري لم أُسلمه، وإن تقاعد وألط مكنت المحسن في داري وغير داري منه وسلمته إليه. وأخذ المحسن في الإغراء بعلي بن عيسى، فاستدعاه إليه في دار الخلافة أياماً

стр. 312

من غير حضور الوزير أبيه، وطالبه وجد به، فأحال علي بن عيسى على خطه وما شرط فيه له وعليه. فقال له المحسن: هذا تقاعد، وتريد ألا تؤدي في دار أمير المؤمنين ولا تسلم إلي، وهذا أمر لا يتم. فإذا أديت بحيث أنت، وإلا أخذتك إلي. فقال علي بن عيسى: هذا نقض لما تقرر. واستدعى أحمد بن محمد بن جاني، وكان يتولى ضيعته، وإبراهيم بن أيوب النصراني، وكان يكتب بحضرته، فلما حضر أمرهما ببيع داره التي في سويقة أبي الورد المعروفة بدليل النصراني، وعقار له يجاورها فلم يرج من ثمن ذلك إلا ألفا دينار وكسر. واستعفى إبراهيم من العود فأعفي وواصل ابن جاني. وأراد المحسن أن يوحشه ليقف أمر علي بن عيسى فقال له: أنت كنت كاتبه على ضياعه، ورسوله إلى أصحاب ودائعه، ولا بد من أن تصدق عما تعرفه من صوره، وأوقع به مكروهاً غليظاً أغمي عليه فيه، وقيل: إنه تلف، ثم أفاق وتراجع، وجزع المحسن من ذلك فأطلقه، إلا أنه استتر، ووقف أمر علي ابن عيسى. وواصل المحسن القول في بابه عند المقتدر بالله، ونسبه إلى التقاعد في فعله، وحضر الوزير والمحسن في يوم الاثنين الثالث عشر من رجب بحضرة المقتدر بالله فجدد المحسن القول في أمر علي بن عيسى وسكت الوزير، وأقبل المقتدر بالله وقال له: أنت رجل خير، وتريد أن تتفضل على علي بن عيسى ليقول الناس: رعي حقه وعرف له حرمة ما كان بينه وبينه، وراعى ذمام الصناعة فيه. ويضيع مالي في الوسط، وما أصبر على ذاك. وهذا رجل قرمطي، ودمه وماله حلالان، وإذا وهبت له ماله فلا أقل من أن يستوفي مالي منه. ثم قال للمحسن: اخرج أنت واجلس في الدار، واستدع بعلي بن عيسى، وأرهبه، فإن أقر بودائعه وخرج مما قرره على نفسه وإلا قيده، فإن أذعن وإلا ألبسه مع القيد جبة صوف، فإن أقام على أمره أوقع المكروه به في جسمه بمحضر من القواد جزاءً له على ما فارق الطاعة. فخرج المحسن وجلس معه نصر القشوري الحاجب ونازوك والقواد، وأُحضر علي بن عيسى، فبدأه المحسن بالرفق، ثم نقله إلى الأغلظ فلم يستجب إلى أداء شيء في دار الخلافة، وقال: ما يمكنني الاحتيال وتصحيح المال إلا حيث أن أكون في موضع امن فيه على نفسي، ويمكن أن يجيئني من أريده من كتابي وأصحابي بحسب ما تقرر من شرائط خطى. فتقدم المحسن إلى نازوك بإحضار قيد فيه عشرون رطلاً وجبة صوف مدهونة بماء الأكارع، فأحضرهما، وجيء بحداد، وأمر بتقييده. فلما بدأ بذلك نهض نصر القشوري منصرفاً. فقال له المحسن: ما بمثل هذا عاملتني يا أبا القاسم لما أنفذ هذا عامله ابن حماد حتى قيدني بحضرتك، وأمر علي المكروه بمشاهدتك. فقال له نصر: والله يا سيدي ما ندري كيف نصنع إذا غضب مولانا على وزرائه وكتابة وأمر فيهم بأمر، إن حضرنا عادونا إذا عادوا إلى الخدمة وسعوا في قبيحنا، وإن امتنعنا من الحضور عادانا من إليه الأمر، فدلونا على ما نتخلص به منكم. د المحسن القول في أمر علي بن عيسى وسكت الوزير، وأقبل المقتدر بالله وقال له: أنت رجل خير، وتريد أن تتفضل على علي بن عيسى ليقول الناس: رعي حقه وعرف له حرمة ما كان بينه وبينه، وراعى ذمام الصناعة فيه. ويضيع مالي في الوسط، وما أصبر على ذاك. وهذا رجل قرمطي، ودمه وماله حلالان، وإذا وهبت له ماله فلا أقل من أن يستوفي مالي منه. ثم قال للمحسن: اخرج أنت واجلس في الدار، واستدع بعلي بن عيسى، وأرهبه، فإن أقر بودائعه وخرج مما قرره على نفسه وإلا قيده، فإن أذعن وإلا ألبسه مع القيد جبة صوف، فإن أقام

стр. 313

على أمره أوقع المكروه به في جسمه بمحضر من القواد جزاءً له على ما فارق الطاعة. فخرج المحسن وجلس معه نصر القشوري الحاجب ونازوك والقواد، وأُحضر علي بن عيسى، فبدأه المحسن بالرفق، ثم نقله إلى الأغلظ فلم يستجب إلى أداء شيء في دار الخلافة، وقال: ما يمكنني الاحتيال وتصحيح المال إلا حيث أن أكون في موضع امن فيه على نفسي، ويمكن أن يجيئني من أريده من كتابي وأصحابي بحسب ما تقرر من شرائط خطى. فتقدم المحسن إلى نازوك بإحضار قيد فيه عشرون رطلاً وجبة صوف مدهونة بماء الأكارع، فأحضرهما، وجيء بحداد، وأمر بتقييده. فلما بدأ بذلك نهض نصر القشوري منصرفاً. فقال له المحسن: ما بمثل هذا عاملتني يا أبا القاسم لما أنفذ هذا عامله ابن حماد حتى قيدني بحضرتك، وأمر علي المكروه بمشاهدتك. فقال له نصر: والله يا سيدي ما ندري كيف نصنع إذا غضب مولانا على وزرائه وكتابة وأمر فيهم بأمر، إن حضرنا عادونا إذا عادوا إلى الخدمة وسعوا في قبيحنا، وإن امتنعنا من الحضور عادانا من إليه الأمر، فدلونا على ما نتخلص به منكم. وتركه ومضى إلى حجرته المرسومة بالحجبة في دار الخلافة. وجعل القيد في رجل علي بن عيسى وضربه به الحداد بالمطرقة ليسمره، فأخطأ وأصاب كعبه، فقال علي بن عيسى: يا هذا، أي عداوة بيني وبينك حتى فعلت ما فعلت؟ فقال له: كيف لا أعادي وقد أسقطت من رزقي ديناراً؟ فوثب نازوك ليمضي. فقال له المحسن: أنت صاحب الشرطة وهذا أمر يلزمك القيام به، فإذا تركته وانصرفت لم يكن لجلوسي معنى، وإذا كنتم على هذه الحال من محبة علي بن عيسى ومراقبته، وقد سمعتم من أمير المؤمنين لي فيه ما سمعتموه، فألأ واجهتموني بالامتناع من الحضور

стр. 314

أولاً؟ فقال له نازوك: ما أستحسن أن أحضر مكروه رجل قبلت يده عشر سنين، وله عندي من الأيادي والفضل، ومع ذلك فهو شيخ يتدين ويصوم الدهر. فاغتاظ المحسن وقال للقواد الباقين: إن جلستم وإلا قمت، فلست صاحب شرطة، فقعدوا. وأخذ ياقوت وصالح من بينهم يستعطفانه لعلي بن عيسى، وسألاه ألا يلبسه الجبة الصوف ولا يجري عليه مكروهاً. فقال: لا أفعل إلا أن يكتب خطه بأداء ثلاثين ألف دينار في عشرين يوماً، إذ لا أقل من ذلك، فقال علي ابن عيسى: لا أكتب بما لا أفي به ولو قطعت يدي. فألبسوه الجبة حينئذ، وقال له: لم يبق إلا المكروه فإن استجبت وإلا امتثلت أمر أمير المؤمنين في إيقاعه بك، وكنت أنت الذي توقعه بنفسك. فقال: إذا كتبت بما لا أتمكن منه وقع المكروه بحجة، وإن وقع بي الآن كنت مظلوماً. فدعا المحسن بعشرة غلمان كان قد واقفهم على أن يشددوا المكروه به، وأمرهم بصفعه، فصفعه كل واحد صفعةً عظيمة، فصاح في ثلاث: أوه. وقال في الباقي: أستغفر الله من ذنب مكن مثلك من مثلي. وكان مفلح قد قام ودخل إلى حضرة المقتدر بالله قبل ما جرى على علي بن عيسى وكان قريباً من الموضع. فلما سمع المقتدر قوله واستغفاره باللفظ الذي وصله به رق له ورحمه وقال: ما أشك في أن علي بن عيسى خير عند الله من المحسن، وقد وقع السرف فيما عومل به وبلغ منه. فأخرج وحل بين المحسن ومكروهه. ورده إلى محبسه. وقامت القيامة على السيدة وزيدان بما جرى وقالتا: إنما صنا ابن الفرات ومنعنا أعداءه منه لما كان يصون الوزراء ويعرف حقوقهم، والآن فقط بسط هذا المجنون ابنه لما يخالف العادة ويورث القباحة والشناعة.

стр. 315

وانصرف المحسن إلى أبيه وعرفه ما جرى، وقد كان أخر طعامه انتظاراً لحضوره. فلما وقف من الصورة على ما أخبره به قلق من ذلك قلقاً شديداً وقال: كان يجب يا بني ألا تفعل ما فعلته وتقبل ما أُمرت به كله، وأنت حدث لم تجرب الأمور، ومغرور لم تتدرب، وقد أفسدت أمر علي بن عيسى علينا. ووالله لا سلم بعد هذا إلينا. ووجه من وقته إلى هشام بن عبد الله فاستحضره، وأعلمه ما كان من المحسن وجنايته في أمر علي بن عيسى، وقال له: ستعظم زيدان على الخليفة والسيدة ما جرى، وتجعل ذلك طريقاً إلى نزع جبته وفك قيده، وألا يسلم إلينا، فما الرأي عندك؟ قال: أن تكتب الساعة إلى الخليفة رقعة بخطك لا بخط كاتب من كتابك، وتذكر له ما انصرف به إليك أبو أحمد من خبر علي بن عيسى، وأن ذلك أقلقك وأزعجك، وشق عليك وبلغ منك، حتى دعاك إلى ترك الأكل، وتنسب المحسن إلى الحداثة وركوب الخطأ فيما فعله، وتقرظ علي بن عيسى، وتستعطف رأيه له، وتذكره ما سلف من حقوقه وحرماته، وتسأله الصفح عنه، والتجاوز عما أنكره منه، وترغب إليه في فك قيده ونزع الجبة عنه. لتوهمه بذلك إنكارك للقصة، وتشيع أن تنحية قيده وجبته بشفاعتك، وتمن على علي بن عيسى بما صدر عنك. فأما متى لم تفعل هذا فعل بغير مرادنا، وخسرنا الحمد والمنة، وحصلنا على القباحة والشناعة. فقال ابن الفرات: صدقت وأصبت الرأي. وكتب الرقعة وأنفذنا مع صافي الخادم، وكان يحمل رقاعه إلى المقتدر بالله، فأخذها مفلح منه، وأوصلها، وعاد الجواب

стр. 316

من وقته بخط نعمة الكاتبة، يتضمن شكر المحسن على ما كان منه، وذم علي ابن عيسى، واستصغار ما جرى عليه، وأن المحسن لو لم يمتثل ما أُمر به فيه لأفسد حاله عنده، وأنه مع ذلك قد شفع أبا الحسن بن الفرات في علي بن عيسى، ووهبه له وأمر بنزع الجبة والقيد عنه. ومضت عشرة أيام، وأُنفذ علي بن عيسى إلى ابن الفرات، وقيل له: قد حمل إليك لتطالبه بالمال المقرر عليه. وكان الباطن أن زيدان قالت لابن الفرات: لولا ما استعمله المحسن ابنك بعلي بن عيسى لسلم إليك إقامةً لجاهك لئلا يظهر من منعك عنه ما تضعف به يدك. وأشارت عليه بنقله إلى دار شفيع اللؤلؤي من وقته، وأن يظهر اختيار علي بن عيسى لذاك وسؤاله إياه. ووعدها ابن الفرات بالعمل على رأيها. وأُحضر علي بن عيسى دار ابن الفرات وهو في دار حرمه، فجلس في رواق بقرب من مجلس ابن الفرات، ومعه فائق وجه القصعة وفلفل، وكانا يشهدان عند القضاة. ولما رأى كتاب ابن الفرات علي بن عيسى قاموا إليه، وسلموا عليه، وأُذن بصلاة العصر، فقام علي بن عيسى وصلى بقوم اجتمعوا خلفه، ودخل هشام إلى ابن الفرات وقال له: أُهنئ الوزير أيده الله. فقال: بأي شيء؟ قال: تقلد علي بن عيسى في دارك، ونمس على الخدم والعامة بذلك. فقال ابن الفرات: ما أراد إلا التفاؤل بأن يقيم حقاً في هذه الدار ويأمر وينهي. ثم خرج ابن الفرات من دار حرمه إلى مجلسه، وقام إليه فائق وفلفل وأوصلا رقعة المقتدر بالله إليه بإنفاذه علي بن عيسى ليؤدي ما قرر عليه وكان فيها: إن علياً وإن كان قد أخطأ وأذنب فله خدمة وحرمة، وأريد أن تراعيه

стр. 317

في مطعمه ومشربه، وتتفقده أجمل تفقد وأحوطه، فقد ضمن الإسراع إلى أداء المال. فلما قرأ ابن الفرات الرقعة استدعي علي بن عيسى، وقربه حتى صارت ركبته مع مرفع الدواة، واجتمع الناس ينظرون، ووافى المحسن، فقام علي بن عيسى، وقد كان الأمراء والقواد وسائر الطبقات يقومون للمحسن في مجلس أبيه، فلم ينكر ابن الفرات قيام علي بن عيسى لابنه. وأعاد ابن الفرات قراءة الرقعة الواردة، ودفعها إلى المحسن حتى وقف عليها وردها بعد ذلك إلى أبيه. فأقبل ابن الفرات على الخادمين وقال: ما أقبح ما وصيت به من تفقد أبي الحسن في مطعمه ومشربه، فإن كان ذلك لتقصير يظن بي فيما هذه سبيله فما أبعدني عن مثله، وإن كان لكناية عن أمر آخر فأرجو ألا أكون في منزلة من يستجيزه أو يطلقه. وقد سلم حامد إلي مع تناهيه في العداوة لي واستعمال القبيح معي فعاملته بالجميل الذي عرف، ومعلوم فرق ما بينه وبين أبي الحسن عندي. وقد كان ابن الفرات قطع لحامد لما سلم إليه ثياباً بعشرة آلاف درهم، وأصلح له فرشاً وثيرة، وأجلسه في دار كبيرة، وأخدمه عدة غلمان وخدم، وكان يبخره في كل يوم دفعات، ويقدم إليه أحسن وأوسع طعام فاستخرج بذلك منه ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار لا يعلم بها أحد غير حامد، كان منها أربعمائة ألف وكسر من آبار بواسط ومائة ألف دينار وكسر من ودائع. وإنما جرى عليه المكروه من المحسن بغير إيثار ابن الفرات، ولأن المقتدر بالله أقام على أنه لا بد من تسليمه إلى المحسن، فإنه ضمنه منه بعد ما أخذه أبوه منه بخمسمائة ألف دينار. وخرج من المكروه إلى حد علم به أن الغرض نفسه لا ماله فأقام على التبلج ولم يؤد على يد المحسن درهماً واحداً. وجرى عليه بواسط ما أدى إلى هلاكه، وقيل:

стр. 318

إنه طلب في الطريق ما يأكله فأتوه ببيض مسموم فأكله، ولم يزل يقوم حتى مات في دار البزوفري. وكان قول ابن الفرات ما قاله قبل تسليم حامد إلى المحسن. ونرجع إلى استتمام حديث علي بن عيسى. وقال له ابن الفرات: والله لقد استأذنني حامد في الفصد عندي لوجع لحقه في ضرسه فخفت أن يجتمع عليه الفصد وعلو السن فيضعف ويتلف، فلم آذن له ومنعته. مالنا ولهذا إذا كنا نخاف على النفوس؟ فوالله لا أقام هذا الرجل في داري. وقع يا أبا عبد الله وأومأ إلى زنجي إلى شفيع الكبير يعني اللؤلؤي بالحضور، فوقع إليه، وقد كان شفيع عرف الخبر من دار السلطان فلما جاءه التوقيع أنفذ قيصراً خادمه فأجاب بالاعتذار وقال: قد انفذت ثقتي وهو يقوم مقامي، فما يراد مني؟ فرد إليه الوزير: بأن لا بد من حضورك. وحضر، فسلم إليه علي بن عيسى، ووصاه بحفظه ليؤدي المال المقرر عليه عنده. وقبل ذلك أعطي علي بن عيسى ابن الفرات تذكره له كان أولها: الكتاب إلى العمال بالإفراج عن وقوفي. فلما قرأ ذلك دعا بساكن صاحب دواته وقال: هات الكتب التي كتبت أمس من ديوان المقبوضات وأمرتك بحفظها. فأحضرها، وإذا هي بالإفراج لعلي ابن عيسى عن وقوفه وقال: قد فعلت ذلك قبل أن تسأله، وعملت فيه ضد

стр. 319

ما عاملتني به، لأن أمير المؤمنين أيده الله أمرك في نكبتي بالإفراج عن بعض وقوفي فرجعت ودافعت، حتى إذا ما لم تجد مدفعاً استخرجت ما فيها ورددتها فارغة وأنا قد أطلقتها لك بغلاتها وأموالها، وما استحللت إطلاق أيدي العمال في وقوف. فشكره علي بن عيسى وقال: أيها الوزير فني الحديث إلا هذا. ودخل المحسن في القول في الزيادة من توبيخ علي بن عيسى في فعله، فقال له قولاً لاطفه فيه وفي عرضه: أنا والله أستحليك فغلظت هذه اللفظة على المحسن وغاظته. فأجابه المحسن جواباً حشمه فسكته أبوه. ثم أقبل على علي بن عيسى فقال له: أبو أحمد كاتب أمير المؤمنين وصنيعته ووصف موضعه منه، وتفويضه إليه فاعتذر علي ابن عيسى من كلمته أشد اعتذار، ورجع أبو الحسن إلى قراءة التذكرة. وكان الباب الثاني منها: الإفراج عن دوري وعقاري ببغداد. فقال له ابن الفرات أما دورك وولدك فما عرض لهم. وأما عقارك فأنا أطلقه. ووقع بذلك. وكان الباب الثالث: كتب أمان لأولادي وأسبابي. فقال له ابن الفرات: أما أولادك فلا علقة عليهم، لأنك ما صرفتهم في أيامك ولا قلدتهم شيئاً من أعمالك، ولكني أستظهر لك ولهم بالأمان، وأما أسبابك فسم من تريد ممن لا تبعة عليه. فأسمي جماعةً. وكتب الأمان لهم ولأولاده.

стр. 320

وكان الباب الرابع: إطلاق غلة إن كانت بقيت في ضياعي. قال ابن الفرات: هذا لا يجوز لأنني لا أطلق الضياع ولا الغلة إلا بعد ان تؤدي مال التعجيل، ولكني أكتب إلى العمال بأن يحصلوا موجود الارتفاع ليحسب ذلك من مال التعجيل، فهو أعود. وكان الباب الخامس: إطلاق ضياعي بديار ربيعة والموصل والشام. فقال ابن الفرات: أما ما كان بديار ربيعة والموصل فأنا أطلقه بعد أن تؤدي ثلاثين ألف دينار، وأما ما بالشام فهو مختلط ولا أعرف ارتفاعه، ولكن عرفني مبلغه لأقفه عنك، فإنني أثق فيه بقولك: فقال: هو في هذه السنة ناقص العمارة ومقداره مائة ألف درهم، فقال: أنا أقف هذا القدر عنك. والباب السادس: إطلاق ضيعتي بالسود إذا أديت ثلاثين ألف دينار. فامتنع أبو الحسن من ذلك، ووقع في الأبواب الأول بما ذكرناه. وعرض فائق وفلفل عليه رقاعاً في حوائج لهما، فشغل بهما وبمن جرى مجراهما من أرباب المطالب. وأقبل المحسن على علي بن عيسى وقال له: ألست زعمت أن حامد بن العباس أسقط عن المادرائيين ألفي ألف ومائتي ألف دينار مصابرة، وكتب لهم مؤامرةً بذلك إلى الخليفة، وأخذ توقيع الخلافة فيها؟ وأنت وإن كنت إذ ذاك من قبله فقد جحد حامد هذا القول منك. فقال له علي بن عيسى: يجحد وهو الناظر الآمر! فقال له: فألا عارضته ومنعته؟ لأن الخليفة أقامك للاستظهار عليه. فقال: ما كنت في الوقت ألا من قبله، فلما ضمن اعتمد الخليفة علي في استيفاء ما استوفيته، ومع هذا فصناعتك ترتفع عن أن تلزمني في مثل ذلك دركاً لو كنت فعلته متعمداً، فإن المال يلزم من هو عليه.
следующие страницы →