Полный текст (247 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
ابن رضا
أبو عمرو رضيّ بن رضا الكاتب من أهل مالقة، أنشد لبعضهم هذه القطعة وهي:
أرادوا بعادي فأدنيتهمْ ... فقالوا عجيبٌ عجيبٌ عجيبْ
فأهملتُ دمعي على وجنتي ... فقالوا مريبٌ مريب مريبْ
فناديتُ في الحيِّ يا غربتي ... فقالوا غريبٌ غريب غريبْ
فقلتُ متى الوصلُ يا سادتي ... فقالوا قريبٌ قريب قريبْ
فسلَّمتُ تسليمَ صبٍّ بهم ... فقالوا حبيبٌ حبيب حبيبْ
واستغربت بمالقة، فصنع في ذلك مقامة تدلُّ على مكانه من الأدب، وقال يعارضها:
نسبتُ بها في الهوَى مُعْلناً ... بذكري فقالوا نسيبٌ نسيبْ
وأغربتُ في حبِّها طالباً ... رضاها فقالوا غريبٌ غريبْ
أهابَ التصابي فلبيتهُ ... وهبتُ فقالوا مهيبٌ مهيبْ
وكم قد كُذبت فلم أنخدعْ ... لقيلٍ فقالت كذيب كذيبْ
أرابوا وإنِّي لذو إربةٍ ... وإربٍ فقالت أريب أريبْ
عسى وطن سمعت منشداً ... يقول فقالتْ حبيبٌ حبيبْ
وله أيضاً:
ولما التقينا نسيتُ النسيبَ ... فقالت نسيبٌ نسي بي النسيبا
стр. 107
وحققت أنيَ مغرًى بها ... فقالت غريبٌ غري بي غريبا
كَنَتْ عن محبٍّ بغير اسمهِ ... فقالت منيبٌ مُني بي منيبا
ومن شعره قوله:
بكيتُ بدمع كَذَوْبِ العقيق ... غراماً وشوقاً لوادي العقيقْ
وبيتٍ عتيقٍ ثوى تُرْبَهُ ... محمدٌ المصطفى أو عتيق
فللهِ تربٌ كمسكٍ سحيقٍ ... عدانيَ عنه مكانٌ سحيق
بودِّيَ لو سرتُ سيرَ الفنيق ... أجوب إلى البيت نيقاً فنيق
فأبغي لأعلى رفيقٍ خلاصاً ... عسى الرَّبُّ الأعلى يرى بي رفيق
وحدَّثني أبو الحسين عبد الله بن محمد بن الموصلي بثغر بطليوس أن أبا عمرو هذا استشهد بدانية من نواحيها، وهو إذ ذاك يتولَّى الكتابةَ لواليها بعد التسعين وخمسمائة.
стр. 108
ابن البراق
أبو القاسم محمد بن علي الهَمْداني - بالميم الساكنة والدال المهملة - المعروف بابن البرَّاق من أهل وادي آش، وخرج منها في الفتنة فسكن مُرسية وبلنسية وكتب بها الحديث وسمع من شيوخها ثمَّ انصرف إلى بلده قبل التسعين وخمسمائة وبعد موت ابن سعد وتوفي هناك سنة ست وتسعين وخمسمائة. ومن قوله:
للفجر من خَللِ السَّحاب تشوُّفُ ... وعلى المَذاكي عزّةٌ وتشرُّفُ
فكأنَّ مَوشيّ الدَّرانِكِ سُندسٌ ... وكأنَّ منضود الأرائكِ رَفْرَفُ
ولربَّما سَجَعَتْ هناكَ حمائمٌ ... فحسبتُ أنَّ بها قياناً تعزِفُ
وقوله في لابس ثوبٍ أصفر فوق أحمر:
برَّحَ بي ذو محاسنٍ صَرفتْ ... لواحظَ الخلقِ عن سنا الفلقِ
стр. 109
تشتاقهُ أضلُعي وإن رَشقتْ ... أحناءها منه أسهمُ الحدقِ
يَعطفهُ التيهُ في مصبَّغةٍ ... بَثَّتْ هناك الشعاع في الأفقِ
كالشَّمس عند الأصيل قد لبستْ ... صفرتَها تحت حمرةِ الشفقِ
ومن قوله في مليح يلبس أطماراً، قاله ارتجالاً:
عاينتُه بين أطمارٍ يُزانُ بها ... ما بين مستترٍ منها ومنكشفِ
كأنَّهُ قمرٌ دارتْ به سُحبٌ ... فالبعضُ منكشفٌ والبعضُ في سَدَفِ
وقوله:
قالوا التحى وستسلو عنه قلتُ لهم ... لا يحسنُ الرَّوضُ ما لم ينبتِ الزَّهَرُ
هل التحى طرفهُ السَّاجي فأهجرَهُ ... أو هل تزحزحَ عن أجفانهِ الحَوَرُ
стр. 110
ابن الفرس
أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم بن أحمد الخزرجي القاضي المعروف بابن الفرس المالكي، من أهل غرناطة وبيوتاتها الأصيلة؛ وحكى ابن الصيرفي أن جده أبا القاسم سمع بغرناطة أول الدولة المرابطية على القاضي أبي الأصبغ ابن سهل. وحكى أيضاً أن أبا بكر ابن جعفر القليعي ولاه قضاء المنكب فتقبله كارهاً، وكان فقيهاً حافظاً مبرزاً وإليه كانت الرحلة في وقته؛ وذكر أنَّه من أهل بيت علم وجلالة بغرناطة قلت: غاب عن الصيرفي من كان منهم بشارقة الأشراف من عمل بلنسية.
سمع أبو محمد أباه وجدَّه أبا القاسم وتفقه في كتب أصول الدين
стр. 111
والفقه وبرع وألف كتاباً في أحكام القرآن من أحسن ما وضع في ذلك، واضطرب في روايته قبل موته بقليل، وكسر النَّاس نعشه لما مات، رابع جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
ومن شعره:
بعثوا برأسِ العلج عنه مُخْبراً ... يا منْ رأى مَيْتاً يقولُ ويخبرُ
فسما به مَتْنُ القناةِ كواعظٍ ... يسمو به بين المعاشرِ منبرُ
وكأنه قد أثمرته قناتهُ ... يا من رأى غصناً برأسٍ يثمرُ
ومنه قوله أيضاً:
انظر إلى رأسٍ نأى عن جسمه ... ولرب نأيٍ ليس فيه تلاقِ
أضحى له سورُ المدينةِ جُثَّةً ... من غير رِجْلٍ ظاهرٍ أو ساقِ
وكأنَّ ذاك السُّورَ مقعدُ نزهةٍ ... وكأنه متشوفٌ من طاقِ
ومن شعره ويروى لغيره:
أأدعو فلا تُلْوي وأنت قريبُ ... وأشكو فلا تُشْكي وأنت طبيبُ
فهل شيبَ من تلك المصافاةِ مَشْرَعٌ ... وهيلَ على ذاك الإخاءِ كثيبُ
ومنه في صدر رسالة:
ما بالنا متهماً ودُّنا ... ونحن في ودكمُ نقتتلْ
كأنكم مثلُ فقيهٍ رأى ... أن يتركَ الظاهرَ للمحتملْ
стр. 112
ومنه في خسوف القمر:
تطَلَّعَ البدرُ لم يشعرْ بناظرهِ ... حتَّى استوى ورأى النظّارَ فاحتجبا
كالخودِ ألقتْ رواقَ الخدرِ ناظرةً ... ثمَّ استردَّت حياءً فوقها الطنبا
ولي في ذلك:
ألم تر للخسوف وكيف أودى ... ببدر التمِّ لماع الضياء
كمرآةٍ جلاها الصقلُ حتَّى ... أنارت ثمَّ رُدَّتْ في غشاء
ولي فيه أيضاً بعكس المعنى وإبقاء التشبيه:
تناولتِ المرآةَ وهي صقيلةٌ ... تأمَّلُ وجهاً دونه ذلك الصَّقْلُ
فلما تناهت أوْدَعَتْها غشاءَها ... وقد حدَّثَ القرطاسُ واستمع الحجلُ
فشبهتها بدراً علاهُ خسوفهُ ... فأظلم منه ما أنار له قبلُ
ومن شعره ابن الفرس في تفاحة:
وتفاحةٍ يُهدي إليك نسيمها ... فما شئت من طيبٍ ينمُّ لناشقِ
تروقُكَ منها حمرةٌ فوق صفرةٍ ... كوجنةِ معشوقٍ على خدٍّ عاشقِ
ومن شعره في نارنجة وسط النَّهر:
ونارنجةٍ في النَّهرِ تحسبُ أنَّها ... شرارةُ جمرٍ في الرمادِ تلوحُ
وما هو إلاَّ الرَّوضُ أبدى شقيقَهُ ... يهدِّبها غُصْنٌ هناك مَروحُ
أو الدرع تضفو فوق أعطافِ فارسٍ ... غدا في رحى الهيجاء وهو جريحُ
تغيب وتبدو مرَّةً فكأنَّها ... عقيقةُ برقٍ في الحبيِّ تلوح
كأنَّ حبابَ الماءِ يكتمُ سرَّها ... وقد جعلت تفشو به وتبوح
وقال ابن الفرس هذه الأبيات بجزيرة شقر، وفي نهرها أبصر تلك
стр. 113
النارنجة، وجاراه فيها جماعة منهم أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن فتحون المخزومي فقال:
ولقد رميتُ مع العشيِّ بنظرةٍ ... في منظرٍ غضِّ البشاشةِ يبهجُ
نهرٌ صقيلٌ كالحسام كأنَّه ... روضٌ لنا نفحاتُهُ تتأرج
تثني معاطفَهُ الصَّبا في بُردَةٍ ... موشيَّةٍ بيدِ الغمامة تُنسجُ
والماءُ فوق صفائِهِ نارنجةٌ ... تطفو به وعبابُهُ يتموجُ
حمراءُ قانيةُ الأديم كأنَّها ... وَسْطَ المجرَّةِ كوكبٌ يتوهجُ
وقال أبو المطرف ابن أبي بكر ابن سفيان المخزومي في ذلك:
ومنظرٍ قد راقني حُسنُهُ ... من أزرقٍ ينسابُ كالأرْقَمِ
أبصرتُهُ يحملُ نارنجةٍ ... طافيةً حمراءَ كالعندمِ
ودرَّجَتْ ريحُ الصَّبا مَتْنهُ ... لما انبرت وهيَ بها ترتمي
فخلته مهنداً مُصلَتاً ... هُزَّ وفيه قطرةٌ من دمِ
وقال محمد بن إدريس المعروف بابن مرج كحل:
وعشيةٍ كانت قنيصةَ فتيةٍ ... ألفوا من الأدب الصريح شيوخا
وكأنَّها العنقاءُ قد نصبوا لها ... منَ الانحناء إلى الوقوعِ فخوخا
شملتهمُ آدابهم فتجاذبوا ... سرَّ السّرور محدِّثاً ومصيخا
والورْقُ تقرأ سُورةَ الطربِ التي ... يُنسيكَ منها ناسخٌ منسوخا
والنَّهرُ قد طَفَحَتْ به نارنجةٌ ... فتيممت من كانَ فيه منيخا
فتخالهم خَلَلَ السَّماء كواكباً ... قد فارقت بسعودها المريخا
خرق العوائدَ في السُّرورِ نهارُهُمْ ... فجعلتُ أبياتي له تاريخا
стр. 114
وقال عبد المنعم ابن الفرس أيضاً:
ونارنجةٍ تحمرُّ في النَّهرِ مثلما ... توقَّدَ نجمٌ في المجرَّةِ سابحُ
تحملها صدرُ الغديرِ كأنَّها ... سريرةُ حبٍّ قد طوتها جوانحُ
ومن شعره:
انظر إلى خضرةٍ في الزرع قارنها ... مبيضُّ نَوْرٍ ومصفرٌّ وأحمرُهُ
كثوبِ وشيٍ أجادَتْهُ صوانعه ... والرِّيحُ تطويه طوراً ثمَّ تنشرُهُ
ومنه أيضاً:
أخاماتُ زرعٍ أم بحورٌ تلاعبتْ ... بأمواجها أيدي الرياح النواسمِ
تراها أمام الرِّيح وهي تسوقها ... كجيشِ زنوجٍ فرَّ قدَّامَ هازمِ
وأنشدنا أبو الربيع ابن سالم قال: أنشدنا أبو عبد الله ابن زرقون، أنشدنا أبو الفضل عياض لنفسه ارتجالاً، وقد نظر إلى زرع تتخلل الشقر خضرته:
انظر إلى الزرع وخاماتِهِ ... تحكي وقد وَلَّتْ أمامَ الرياحْ
كتيبةً خضراءَ مهزومةً ... شقائقُ النعمانِ فيها جراحْ
стр. 115
ابن إدريس
أبو بحر صفوان بن إدريس التُّجيبي، من أهل مرسية وفي نبيهات البيوتات بها. وهو ممن جمع تجويد الشعر إلى تحبير النثر، مع سداد المقصد وسلامة المعتقد. ومن تصانيفه كتاب " بداهة المُتحفز وعجالة المستوفز " يشتمل على رسائله وأشعاره، وما خوطب به وراجع عنه، و " زاد المسافر " - وهو الَّذي عارضته بهذا المجموع - وتأليف في أدباء الأندلس لم يُكمله، ومن أصحابنا من عثر على بعضه فحدَّث بكثرة ما حُشر فيه من الفوائد.
وتوفي مُعتبطاً لم يبلغ الأربعين سنة، وثكله أبوه الخطيب أبو يحيى، وهو تولَّى الصلاة عليه عند وفاته في شوال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
أنشدني الأديب أبو محمد عبد الله بن علي الغافقي المرسي، قال: أنشدني أبو البحر لنفسه:
أَحمى الهوَى قلبه وأوْقَدْ ... فَهْو على أنْ يموت أو قَدْ
وقال عنه العذولُ سالٍ ... قلَّده اللهُ ما تقلَّد
стр. 116
وباللِّوى شادنٌ عليه ... جيدُ غزالٍ ووجهُ فَرْقد
علّله ريقُه بخَمر ... حين انتشى طرفُه فَعَرْبد
لا تَعجبوا لانهزام صَبري ... فَجيش أَجفانه مُؤيَّد
أنا له كالَّذي تمنَّى ... عبدٌ نعم عبدُه وأَزيد
له عليَّ امتثالُ أمرٍ ... ولي عليه الجفاءُ والصَّدّْ
إن بَسْملت عينُه لقَتْلي ... صلَّى فُؤادي على محمَّدْ
وأنشدنا الحافظ أبو الربيع ابن سالم قال: أنشدنا صاحبنا الأديب الكاتب أبو بحر لنفسه يتغزَّل ويصف ليلة أنس:
يا حُسنه والحسنُ بعضُ صفاتِهِ ... والسِّحر مقصورٌ على حركاتِهِ
بدراً لوَ انَّ البدرَ قيل له اقترحْ ... أملاً لقال أكونُ مِن هالاتهِ
يُعطي ارتياحَ الحسن غصنٌ أملد ... حَمَل الصَّباح فكان من زَهَراتهِ
والخالُ ينقُط في صَحيفة خدِّه ... ما خطَّ مسك الصُّدغ من نُوناتهِ
وإذا هلالُ الأُفق قابلَ وجهه ... أبصرتَه كالشَّخص في مرآتهِ
عَبثت بقلبِ عَمِيده لحظاتُهُ ... يا ربِّ لا تَعْتب على لَحظاته
رَكب المآثم في انتهاب نُفوسنا ... فالله يَجعلهنَّ من حَسناتهِ
ما زلتُ أخطُب للزمانِ وِصالَه ... حتَّى دنا والبعدُ من عاداتهِ
فغفرتُ ذنبَ الدَّهر فيه لليلةٍ ... سَترت على ما كانَ من زَلاَّتهِ
غَفل الزَّمان فنِلْت منه نظرةً ... يا ليته لو دام في غَفَلاتهِ
стр. 117
ضاجعتُه واللَّيلُ يُذكي تحته ... نارَيْن من نفسي ومن وَجناتهِ
بِتنا نُشعشع والعفافُ نديمُنا ... خمرَيْن من غَزَلي ومن كلماتهِ
فضممتُه ضمَّ البَخيل لمالِهِ ... أحنُو عليه من جَميع جهاتهِ
أوثقتُه في ساعديَّ لأنه ... ظبيٌ خَشيتُ عليه من فَلتاتهِ
والقلبُ يدعو أن يُصيَّر ساعداً ... ليفوز بالآمال في ضمَّاتهِ
حتَّى إذا هامَ الكرَى بجفونِهِ ... وامتدَّ في عَضُديَّ طَوْعَ سِناته
عَزم الغرامُ عليَّ في تَقبيله ... فنفضتُ أيدي الطَّوْعِ من عَزماته
وأبى عفافي أن أقبِّلَ ثَغره ... والقلبُ مَطويٌّ على جَمَراتهِ
فاعجبْ لمُلْتَهِب الجوانح غُلَّةً ... يشكو الظَّما والماءُ في لَهَواتهِ
وسبقه بهذا أبو بكر يحيى بن أحمد بن بَقي الإشبيلي، في القصيدة المشهورة إذ يقول:
بأَبي غزالٌ غازلتْهُ مُقلتي ... بين العُذيبِ وبين شَطَّي بارقِ
وله:
أَعِذاره رفْقاً عليه فقد ... صَدر الصِّبا غضبانَ عنك أسِفْ
كيف انبريتَ لنُون وَجنته ... فمحوتَها وكتبت لامَ ألِفْ
فكأنَّها نهيٌ لعاشقه ... لا تلتفتْ بدرٌ جَنى فكُسِفْ
وله في وسيم أثَّرت الشَّمس في وجنته:
ومُعَنْدم الوَجنات تَحسب أنَّه ... صُبغتْ بُرود الوَرد في وَجناتِهِ
مَثلَ الجمالُ بخدِّه مُتنبِّئاً ... فشهِدْت أنَّ الخالَ من آياتِهِ
نظرتْ إليه أختُهُ شمسُ الضُّحى ... وإياتُها في النُّور دون إياتِهِ
فتوقَّدت أحشاؤها من زَفرة ... فبدا شعاعُ النَّار في مرآتِهِ
стр. 118
وله في وسيم يلعب بسيفٍ ويخوِّف به:
قُلنا وقد شامَ الحُسامَ مُخوِّفاً ... رشأٌ بعاديةِ الضَّراغم عابثُ
هل سيفُهُ من طَرفه أم طَرفُه ... من سَيفِهِ أم ذاك طرفٌ ثالثُ
وله في آخر يرمي نارَنْجاً في ماء:
وشادنٍ ذي غَنَجٍ دلُّه ... يروقنا طوراً وطوراً يَروعْ
يَقذف بالنَّارنج في بِركةٍ ... كلاطخٍ بالدَّم سَرْدَ الدُّروعْ
كأنَّها أكبادُ عُشَّاقِهِ ... يُتلفها في لُجّ بحرِ الدُّموعْ
وله في نارنجة:
رُبَّ نارنجةٍ تأمَّلتُ منها ... منظراً رائعاً ونَشْأً غريبا
نشأتْ في القَضيب وهي رَمادٌ ... فغذَاها الحيا فعادت لهيبا
وله في باكورة:
حيّتك ضاحكةً بُنيَّةُ أيكةٍ ... تهفُو تحيتها بعِطْفِ النَّادي
لمَّا درتْ أنْ سوف تَثكل أُمَّها ... لبست بحُكم الفَقد ثوبَ حدادِ
تنشقُّ عن لُمَع البياضِ كأنَّها ... قَلبي تبسَّمَ عن ثُغور وِدادي
وله في أَكُول:
وصاحبٍ ليَ لا كانتْ طبائعُهُ ... كأنَّها سحبٌ بالسَّرْط مُنهمرَهْ
إذا أحسَّ بمأكولٍ تُقدِّمه ... يكاد يسبقُ فيه حلقُهُ بصرَهْ
كأنَّ فاه عصا مُوسى إذا انقلبتْ ... وما تُقدّمه إفكٌ من السَّحرَهْ
وله من مفردات الأبيات:
بَيني وبين أبي جَمرةٍ ... عداوةُ الماء مع النَّارِ
وله:
لو أنَّه كانَ جُزءَ فِقْهٍ ... لما عدا جامع العُيوب
стр. 119
وله:
حَلَّيتمُ زمناً لولا اعتدالكُمُ ... في حكمكمْ لم يكنْ في الحكم يعتدلُ
فإنَّما أنتمُ في أنفه شَمَمٌ ... وإنَّما أنتمُ في طرفِهِ كَحَلُ
ومنها:
يرى اعتناقَ العوالي في الوغى غزلاً ... لأن خرصانها من فوقها مُقَلُ
وله:
سرُّ النَّوى في ضمير كتماني ... إن لم تنافقْ عليَّ أجفاني
أبلى لقلبي وليس في بدني ... ربَّ طليقٍ يشقَى به العاني
وله:
والسرحةُ الغناءُ قد قبضتْ بها ... كفُّ النسيم على لواءٍ أخضرِ
وكأنَّ شكلَ الغيم مُنْخُلُ فضَّةٍ ... يرمي على الآفاقِ رَطْبَ الجوهرِ
وله:
وكأنَّما أغصانها أجيادها ... قد قُلِّدتْ بلآلئِ الأنْوارِ
ما جاءها نَفَسُ الصّبا مستجدياً ... إلاَّ رَمَتْ بدراهمِ الأزهارِ
وله:
أُولعَ من طرفه بحتفي ... هل يعجبُ السَّيفُ للقتيلِ
تهيبوا بالحسامِ قتلي ... فاخترعوا دعوةَ الرحيلِ
стр. 120
ابن مسعدة
أبو بكر عبد الرحمن بن علي بن مَسعدة العامريّ الكاتب: من أهل غرناطة، وولي الخطبة بجامع قَصبتها، وكان من مشاهير الكتاب، وتوفي عن سن عالية، ودُفن مستهل جمادى الآخرة سنة ستمائة؛ فمن قوله ممَّا كتب عنه إلى يزيد بن صِقلاب:
أبا بكرٍ ودادكَ من ضَميري ... كرَقْم يُحابر أَعيا الصَّناعا
وأنسى ابنَ الرّقاع وأُمَّ سلمى ... فما لي لا أُضمِّنه الرِّقاعا
وأكتُمُ لوعتي حِفظاً لشيبٍ ... لَحا في الحبِّ مَن كشفَ القناعا
وخُلةَ واصلٍ بالذاتِ تَبغي ... وبالإعراض لا تألو انقِطاعا
وإن يكُ طيفُك السَّاري سُهيلاً ... قَنعتُ به على البُعد اطلاعا
وحَسبي نفثةٌ في عِقد سِحرٍ ... لخَمسك تَلأم النَّفسَ الشَّعاعا
بقيتَ تُناكفُ القمرَيْنِ حُسناً ... وتعتقلُ الذَّوابلَ واليَراعا
ولابن صِقلاب مراجعة له على هذا.
стр. 121
ابن الشوّاش
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الجُميمي - بالجيم والميمين - من أهل بلنسية ويعرف بابن الشوّاش - بالشينين المعجمتين والواو المشددة - لم أقف على تاريخ وفاته وقيل إنَّها قبل هذا المائة السابعة.
أنشدني أبو بكر محمد بن الحاج أبي عامر محمد بن حسن الفهري، قال: أنشدني خالي لنفسه، وكان يقول إنَّه شهر بالنسبة إلى خاله ابن الشوّاش المشهور ببراعة الخط:
وردُ خدَّيكَ قد ذَبلْ ... بعذارٍ به اشتملْ
خالَهُ الحسنُ أرقماً ... جاءَ يُتْوِيه فاحتملْ
بلَّغَ الحاسدَ المنى ... وأرى الشَّامتَ الأَمل
وله بديهة في باكورة ورد، وأنشدنيها أبو بكر:
تمَّ السُّرورُ بوردٍ زان مجلسنا ... فنابَ عن خدِّ من أهْوى ونفحتِهِ
فاشربْ شبيهَتَهُ وانعمْ بمشبهه ... لعلَّ زورةَ ذا بُشرَى بزورتِهِ
وله أيضاً:
فَتى حازَ في شرخ الشَّبيبة غايةً ... من المجد تكبو الرِّيحُ فيها وتطلَحُ
يصرّف بين النَّاسِ والجودِ راحةً ... هي الدَّهر ذو الحالَين تسطو وتمنَحُ
стр. 122
ابن نصير
أبو القاسم أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن نُصَير من أهل شَوْذَر عمل جيّان، وسكن قُرْطُبَة وتوفي بمالقة رابع المحرم سنة اثنتين وستمائة، وكان من رجالات الأندلس.
قال يخاطب الكتَّاب بمراكش وهو عامل إشبيلية:
سلامٌ على النَّادي الَّذي ما له نِدٌّ ... ومن نَظْم أشتاتِ المعالي به عقدُ
سَجايا تمشَّى الحكمُ في جنباتها ... وقامَ صقيلاً دون حوزتها الحدُّ
إذا خطبوا أو خوطبوا حُفظتْ لهم ... بدائعُ عنها يصدر الحلُّ والعَقدُ
وإن لُبس الأمجادُ بُرداً لزينةٍ ... فليس لهم من غير مكرمةٍ بُردُ
حَوَتْ منهمُ دارُ الخلافةِ أنجُماً ... هي النيّرات الزُّهر أطلعها السعدُ
يدلّ على عليائهم طيبُ ذكرِهم ... وطيبَ نسيم الوردِ يُنبئني الوردُ
ظفرتُ بعهدٍ منهمُ أحرز المُنى ... فلا ذُخْرَ إلاَّ فوقه ذلك العهدُ
فراجعه عنهم الحكيم أبو بكر بن يحيى بن إبراهيم الأصبحي المعروف بالخدوج.
وقال ابن نصير يرثي الخطيب أبا علي الحسن بن حجاج:
стр. 123
نعى المكارمَ لمَّا أن نعى ناعِ ... مَن كانَ جامِعَها طرّاً بإجماعِ
مضَى وخلّد عمراً لا نفاذَ له ... من نشر ذِكْرٍ ذكيِّ العَرْفِ ضوَّاعِ
إذا تنازَعَهُ النَّادي وردَّدَهُ ... أتتْ رواياتُهُ منه بأنواعِ
وله:
أيا هَضْبَتَيْ مجدٍ ويا كَوكَبَيْ سعدِ ... ويا رافدَيْ رفدٍ ويا صارمَيْ حدِّ
غياثاً فقد أودى الحطيمُ ومُكِّنتْ ... من الدَّهرِ في حَوْبائِهِ يدُ ذي حقدِ
وكيف وأنَّى وهو يُسندُ منكما ... إلى منعةٍ تُرْبي على الأبلق الفردِ
فإن يدعُ يا عثمانُ أفرخَ روعُهُ ... وإن يدعُ عبد الحقِّ أيقنَ بالعضدِ
ينام رضيَّ البالِ ملءَ جفونه ... ولو بات ما بين الأساوِد والأُسدِ
стр. 124
الجلياني
أبو الفضل عبد المنعم بن عمر الغساني، يعرف بالجلياني، وجليانة - بالجيم واللام والياء آخر الحروف وبعد الألف نون وهاء - من عمل وادي آش. كان أديباً فاضلاً طبيباً حاذقاً رحل من الأندلس إلى المشرق ومدح الملك أبا المظفر صلاح الدين بن أيوب، وتوفي سنة اثنتين وستمائة بدمشق. ومن شعره:
فأبخسُ شيءٍ حكمةٌ عند جاهلٍ ... وأهونُ شخص فاضلٌ عند ظالمِ
فلو زُفَّتِ الحسناءُ للذئب لم يكنْ ... يرى قربها إلاَّ لأكلِ المعاصمِ
стр. 125
ومنه:
عجباً من أحبابنا وانقيادي ... طوعَهم إن شَفَوْا وإن أمرضوني
ما رضاهم إلاَّ لسخطِ سواهم ... في هواهم وحبَّذا إن رضوني
وله:
أؤمل لقياكم وإن شطَّتِ النَّوى ... وأزجر قرباً في مرور السوانح
ويذكي اشتياقي زَنْدُ تذكارِ عهدكم ... وما الشوقُ إلاَّ بعض نار الجوانح
ومنه:
قالوا نرى نفراً عند الملوكِ سَمَوْا ... وما لهم همةٌ تسمو ولا ورعُ
وأنت ذو همَّةٍ في الفضلِ عاليةٍ ... فلم ظميتَ وهم في الجاهِ قد كرعوا
فقلتُ باعوا نفوساً واشتروا ثمناً ... وصنتُ نفسي فم أَخضع كما خضعوا
قد يكرَمُ القردُ إعجاباً بخسَّتِهِ ... وقد يُهانُ لفرطِ النخوةِ السبعُ
ومنه:
بذلتُ وقتاً للطبِّ كي لا ... ألقى بني الملك بالسؤالِ
وكان وجهُ الصوابِ في أن ... أصونَ نفسي بلا ابتذالِ
لا بدَّ للجسمِ من قوامٍ ... فخذه من جانبِ اعتدالِ
واقربْ من العزّ في اتّضاعٍ ... واهربْ من الذلِّ في المعالي
стр. 126
ابن كِسرى المالقيُّ
أبو علي الحسن بن محمد بن عليّ الأنصاري، من أهل مالقة ويعرف بابن كِسرى، وتوفي سنة ثلاث أو أربع وستمائة. ومن قوله:
إلهيَ أنت الله رُكني وملجأي ... وما لي إلى خلقٍ سواكَ ركونُ
رأيتُ بني الأيَّام عُقبَى سكونهم ... حراكٌ ومن بعد الحراكِ سكونُ
رضًى بالَّذي قدَّرتَ تسليمَ عالمٍ ... فإنَّ الَّذي لا بدَّ منه يكونُ
وقال في طِفل قبَّله فاحمرَّت وجنتُه:
وَا بأبي رائقُ الشبابِ رَنا ... بهجةُ خدَّيه ما أُمَيْلحَهَا
كأنَّني كلَّما أُقبِّلُهُ ... أنفخُ في وردةٍ لأفْتَحها
وقال:
وخالقْ بنقصانٍ جميعَ الورَى تَسُدْ ... فيا سُوءَ ما تلقاه إن كنتَ فاضِلا
стр. 127
ألم ترَ أن البدرَ يُرقبُ ناقصاً ... ويُترَك منسيّاً إذا كانَ كامِلا
وقال:
يا شاعراً يتسامَى ... وجَدُّه خَلدُونُ
لم يكفِ أنَّك خَلٌّ ... إلاَّ بأنَّك دُونُ
وأنشدنا أبو الحسين ابن سراج قال: أنشدنا أبو علي ابن كِسرى في راقصة اسمها " نُزْهَة " وتُعرف بيخُطّ الشَّوق:
تخطُّ يخُطُّ الشَّوقَ في القلبِ شخصُها ... ففي كلِّ ما تأتيه حُسنٌ وتحْسينُ
وليست تطيق الشِّينَ في كل نطقها ... فمن أجل بُعد الشِّين باعَدَها الشَّيْنُ
إذا رقصتْ أبصرتَ كلَّ بديعة ... تُرى ألِفاً حيناً وحيناً هي النُّونُ
فيا نُزهةَ الأبصار سُمِّيتِ نُزهةً ... لكي يُوضح المعنى بَيانٌ وتبيينُ
والبيت الثالث مأخوذ من قول عُبادة بن ماء السَّماء:
يُعجبني أن تقوم قُدَّامَا ... تفتل قبلَ الجُفون أكمامَا
كأنَّها في اعتدالها ألِفٌ ... ترجعُ عند انعطافها لامَا
стр. 128
أبو عمران الميرتلي
أبو عِمران موسى بن حسين بن عمران الزاهد، يعرف بالمِيرتُلي، وأصله من ثغر مِيرتلة، وسكن إشبيلية، وكان لا يُعدلُ به أحدٌ من أهل عصره صلاحاً وعبادة مع تصرفه في فنون الأدب، وشعره في الزهديات مجموع. روى عنه ابن حوط الله. ولما احتضر ما زال يكرر:) إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات (، إلى أن قبض. توفي ليلة السبت مستهل جمادى الأولى سنة أربع وستمائة.
أنشدني أبو سليمان ابن حوط الله، قال: أنشدني لنفسه من أبيات:
إلى كم أقولُ ولا أفعلُ ... وكم ذا أحومُ ولا أنزلُ
وأزجرُ نَفْسي فلا تَرْعوي ... وأنصح نَفسي فلا تقبلُ
وكم ذا تعلل لي ويحها ... بعلّ وسوف وكم تمطل
وكم ذا أؤمِّل طولَ البقاءُ ... وأغفُلُ والموتُ لا يغفلُ
وفي كلِّ يوم ينادي بنا ... منادي الرَّحيل ألا فارحلوا
стр. 129
أمن بعد سبعين أرجو البقا ... وسبع أتت بعدها تعجلُ
كأنْ بي وشيكاً إلى مصرعي ... يساق بنعشي ولا أمهلُ
فيا ليتَ شعريَ بعد السّؤال ... وطول المقام لما أنقلُ
ومن شعره:
ما حالُ من أبلتُ الأيَّامُ جِدَّتَهُ ... وخانه ثقتاه السمعُ والبصرُ
حالٌ يجاوبُ عنها من يسائلها ... عينٌ فحسبُكَ مرأى العينِ لا الخبرُ
إن أخلقت جدّتي أو أذهبتْ جدّتي ... أو مسَّني ضرّها فالله لي وَزَر
ما لي سوى الله من مولًى أؤمِّلُهُ ... هو الرجاءُ وإن أودى بيَ الضررُ
وقوله:
وللنفوسِ وإن كانت على وَجَلٍ ... من المنيَّة آمالٌ تقوّيها
فالمرءُ يبسطها والدَّهرُ يقبضها ... والنفسُ تنشرها والموتُ يطويها
وقوله:
إلمامُ كلِّ ثقيلٍ قد أضرَّ بنا ... يزيدُ بعضهمُ والشيءُ يزدادُ
ومن يَخِفُّ علينا لا يلمُّ بنا ... وللثقيل مع السَّاعاتِ تردادُ
ووجد مكتوباً هذا البيت:
فلا تعتبنَّ علينا الصّبا ... فنحن إذا ما خلونا صبونا
فنظم قوله عفا الله عنه:
فقد نستجمُّ بلغوِ الكلام ... لكيما يكونَ على الحقِّ عونا
ونحن أولو الجِدِّ في المبتدا ... وأهلُ الفكاهة مهما خلونا
ونستغفر الله في إِثر ذا ... ونسأله العفوَ عما لغونا
стр. 130
ابن محفوظ
أبو المعالي ماجد بن محفوظ بن مرعي، الشريف من أهل بلنسية ومن ولد طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. ومن شعره:
ما القلبُ عن حبِّ ذاتِ الخالِ بالخالِ ... أَطعتُ إلاَّ على لمياءَ عذالي
أهيمُ منها على شَحْطٍ بجاريةٍ ... حوراءَ تعطو بجيدٍ غيرِ معطالِ
كالصُّبح في بَلَجٍ والرَّوض في أَرَجٍ ... والرقصِ في مائسِ الأعطاف ميالِ
ومنها:
غادية من غوادي المُزْنِ سائلةٌ ... بكلِّ وبلٍ كريمِ الودقِ هَطَّال
تُفَجّر الغيلَ في بيداءَ مَجْهَلَةٍ ... وتنبتُ الغيلَ في خبراءَ ممحال
حتَّى تغادرَ أغفالَ التلاعِ بها ... من واصبٍ مُعْلماتٍ غير أغفال
ومن قوله:
رِدِ المجرَّةَ نهراً إن ظمئتَ ولا ... تقنع بِبَرْضٍ من الآمال أو ثَمَدِ
ولا تقلْ ليس لي ذاتٌ أسودُ بها ... فإنَّ هذا قياسٌ غيرُ مطّرد
هذا الفلانيّ مستقضًى بشاطبةٍ ... وليس من خُطَّةٍ الأحكام في صدد
لا غروَ أن يسموَ الرذلُ الخيارَ كما ... يسمو على الماءِ ما يطفو من الزبد
لا يرتضي خطّة نيطتْ به أحدٌ ... والصقر ليس بصيَّادٍ مع الصُّرَدِ
ما ضرَّه وهو قاضٍ أن يلامَ وأن ... ليس القضاء بمحبوبٍ إلى أحدِ
حُطُّوه عن رتبةٍ قدمتموه لها ... من الحضيضِ وردُّوا العَيْرَ للوتدِ
стр. 131
ابن عبد ربه
أبو عمرو محمد بن عبد ربه الكاتب، سكن مالقة وكتب لواليها حينئذ المعروف بالمنتظر، ثمَّ ولي عمالة جيّان سنة أربع وستمائة، وكناه أبو بكر ابن صِقلاب في بعض ما خاطبه به أبا عبد الله؛ وهو القائل:
تقضَّى زماني بينَ عتبٍ وإعتاب ... وجفَّتْ دموعي بين سَحٍّ وتَسكابِ
وطال بعيني أن ترى غيرَ غادر ... فأوْلَى بعيني أن تكفَّ وأَولى بي
ألا ليت شعري هل أرى مثلَ فتيةٍ ... ذوي همم في المعلُواتِ وأحسابِ
إذا شئتَ أن تلقى فتًى ليس دونهم ... فيممْ أبا بكرٍ يزيدَ بن صِقلاب
ومن شعره ويروى لبعض الأمراء:
بين الرياض وبين الجو مُعترَكٌ ... بيضٌ من البرق أو سمرٌ من السَّمُرِ
إن أوترَتْ قوسَها كفُّ السَّماء رمتْ ... نبلاً من المُزن في صافٍ من الغُدُرِ
فاعجبْ لحرب سِجال لم تُثِرْ ضرراً ... نفعُ المحارب فيها غاية الظَّفَرِ
فتحُ الشقائق جَرْحاها ومغنمُها ... وَشْيُ الربيع وقَتلاها من الثمرِ
стр. 132
لأجل هذا إذا هبَّتْ طلائعها ... تدرَّعَ النَّهرُ واهتزَّت قنا الشجرِ
هذا يشبه قول ابن عبادة القزَّاز الأندلسي وقيل لغيره:
ألؤلؤٌ دمعُ هذا الغيثِ أم نُقَطُ ... ما كانَ أحسنَهُ لو كانَ يُلتقطُ
بين السَّحابِ وبين البرقِ مَلحمةٌ ... قَعاقِعٌ وظُبًى في الجوِّ تُخترطُ
والرِّيحُ تحملُ أنفاساً مصعَّدةً ... مثلَ العبير بماء الورد يختلطُ
والرَّوضُ ينشرُ من ألوانه زَهَراً ... كما تنشَّرُ بعد الطيّة البُسُطُ
كتب إليه ابن صقلاب مع نثر:
أما والهوَى العُذْرِيّ وهو يمينُ ... عليه من الطرف الكحيل أمينُ
لقد خُضتُ مقداماً حشا كلِّ فَيلقٍ ... ولمَّا تَرُعْني الحربُ وَهْي زَبونُ
وقد حاد عن لُقيا كتابِكَ خاطري ... كما حاد منخوبُ الفؤادِ طعينُ
أفي كلِّ صدرٍ منكَ صدرُ كتيبةٍ ... وفي كلِّ حرفٍ غارةٌ وكمينُ
عجبتُ لفظٍ منك ذاب نحافةً ... ومعناه ضخمٌ ما أردتَ سمينُ
وأعجبُ من هذين أن بيانَهُ ... حياةٌ لأربابِ الهوَى ومَنونُ
زحمتَ به في غُنجها مُقَلَ الدُّمى ... وعلَّمتَ سِحْرَ النفث كيف يكونُ
فأجاب ابن عبد ربّه:
أيا راكباً إنَّ الطَّريق يمينُ ... وحيثُ ترى حيّاً ففيه كمينُ
وإنِّي وإن أفلتُّ منهم فإنما ... نَجَوْتُ وقلبي باللّحاظ طعينُ
стр. 133
عيونٌ حياةُ النفس بين لحاظها ... وإن كانَ في تلك اللّحاظ مَنونُ
وأعلَقُ منها بالنفوس وقد جرى ... حديثك يوماً والحديثُ شجونُ
سطورٌ كهاتيك اللّحاظ بعينها ... تقولُ لنفسِ السحر كُن فيكونُ
وما كنتُ أدري قبل فنٍّ نهجتَه ... بأن بلاغاتِ الرِّجالِ فنونُ
стр. 134
ابن شطريه
أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن المعروف بابن شَطْرِيَه - بفتح الشين المعجمة وسكون الطاء المهملة وكسر الراء وفتح الياء آخر الحروف وبعدها هاء - هكذا وجدته مقيداً في نسخة موثوق بها. من أهل قُرْطُبَة وأحد تلاميذ الأستاذ أبي جعفر ابن يحيى الحميري، وتوفي في حياته مُختضراً بمرسى قُرْطُبَة عند وصوله إليها من مراكش، قاله لي أبو العباس أحمد بن علي القرطبي القاضي صاحبنا، وأنشدني له:
لقد ظَلَمَتْ يومَ الوداعِ ظَلومُ ... أما عَلِمتْ أنَّ الفراقَ أليمُ
وغادرتِ المشتاقَ لهفانَ شَجْوُهُ ... صحيحٌ ولكنَّ العزاءَ سقيمُ
هِلالُ سماءٍ أو غزالُ سَماوةٍ ... إلى خلدي يسمو وفيه يُسيمُ
ولم يكن عنده عنه غير هذه الأبيات وحكى عنه أنَّه كان شاعراً مجيداً.
стр. 135
ابن طالب
أبو عبد الله محمد بن طالب الكاتب من أهل مالقة، وكتب لواليها أبي عامر ابن حَسُّون، صادف جمعاً من العرب في بعض متوجّهاته فقتلوه، ﵀. له من قصيدة يرثي أبا القاسم ابن نُصير:
أنَصبرُ أم عن سماحٍ وجُودِ ... نصيرُ إلى عدمٍ من وُجودِ
لقد عدل الموتُ بين الورى ... فأودى بسيّدهم والمَسُودِ
ففيمَ العويل وعمَّ السلوُّ ... وما للهَديلِ وما للنَّشيدِ
وأين الغواني وأين الصَّريعُ ... وما شأنُ صَخرٍ وبنت الشَّريدِ
وكيف يُسيغُ لذيذ الورود ... مَن الموتُ منه كحبلِ الوريدِ
منها:
لبيتِ العُلى كانَ حرفُ الرويِّ ... ومِن كلِمِ الفخرِ بيتُ القصيدِ
دعا نعيُه بشتاتِ النظام ... وشَوبِ الصفاء وشَيبِ الوليدِ
فيا أرضُ صُونيهِ شحّاً به ... فما القصدُ إفرادُ ذاك الفريدِ
ولولا الأمانةَ ما أُودِعَتْ ... سريرةُ معنى العُلى في الصعيدِ
طواه الضميرُ كطيِّ السجلِّ ... ونشَّرهُ الدَّمعُ نشرَ البُرودِ
عشيَّةَ طُفنا به راكعين ... نقبِّل منه مكانَ السجودِ
стр. 136
ابن شكيل الصدفي
أبو العباس أحمد بن يعيش بن علي بن شَكيل - بفتح الشين المعجمة وكسر الكاف وسكون الياء آخر الحروف وبعدها لام - الصَّدفي من أهل شريش. أحد شعرائها الفحول، مع نزاهة ومروءة سابغة الذيول، وله ديوان شعر وقفت عليه، وتخيرت منه ما نسبته إليه، وتوفي معتَبطاً سنة خمس وستمائة. وله في مقتل أبي قصبة الخارج في جُزولة سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وفيها افتتحت جزيرة مَنورقَة - بالنون - من قصيدة أولها:
الله أطفأ ما أذكى أبو قَصَبَهْ ... من حربهِ وأزالَ السِّحرَ بالغَلَبهْ
أمرُ الخليفةِ وافاهُ على عجلٍ ... يدعوه للحقِّ لما اغتره كذبهْ
فمن أراد سؤالاً عن قضيَّته ... فجملةُ الأمرِ أنَّ الحقَّ قد غلبهْ
لقد شفى النفسَ أنْ وافى بهامته ... صدرَ القناةِ مكانَ الصدرِ والرقبهْ
لما استمرَّ جماحاً في ضلالته ... عادت عليه لجاماً تلكم القصبهْ
كانت عصاهُ التي غرَّ الأنامَ بها ... لما يقرِّبُ من نارِ الوغى
حطبهْ
стр. 137
يا خجلةَ القلمِ المحمود إذ ذكروا ... أنَّ البراعةَ للأقلامِ منتسبهْ
أطلَّ يعثرُ في أذيالِ مِشيتِهِ ... من الحياءِ ويلحى قومَه الخلبهْ
قد أحزنته شماتاتُ السُّيوفِ به ... لمَّا وَلينَ وأضحى حائنَ العصبهْ
كم من حسامٍ لدى الهيجاءِ منصلتٍ ... لا يردعُ الدِّرعُ حَدَّيه ولا اليَلَبهْ
ينهلُّ قطرُ المنايا من مضاربِهِ ... كأن مزناً بأعلى مزنه سكبه
كأنه الجدول السيال يجذبه ... كفُّ النسيم إذا ما ميَّلوا شُطبهْ
وقال من قصيدة:
ألبَسْتَنا العدلَ أبراداً مفوَّفةً ... ونحن بالحمدِ والذكرى نوشِّعُها
ذُمَّ الزّمانُ فأبداكم لنحمده ... وتلك حجَّةُ صدقٍ ليس يدفعها
وشقَّ حُجْبَ خفاياه فلحتَ كما ... ينشقُّ عن جبهةِ الغراء بُرْقعها
وقال في حمَّام:
تُلهي العيونَ رقومُهُ فكأنَّها ... قد أُلبستْ ساحاتهُ ديباجا
مجموعةٌ أضداده فترى بها ... نارَ الغَضا والوابلَ الثجّاجا
حرَّان منسكب الدُّموعِ كأنَّما ... يحكي بذاك العاشقَ المهتاجا
دُحِيَتْ بسيطةُ أرضه من مرمرٍ ... فجرى الزجاجُ به وثار عجاجا
وجلتْ سماوَتُه السَّماءَ وإنَّما ... جَعلَتْ مكانَ النَّيِّرات زجاجا
قامت على عُمُدٍ جُلينَ عرائساً ... فترى لها السّمْكَ المكلَّل تاجا
وقال في سوسنة أُودعت شقيقةً:
سوسنةٌ بيضاءُ قد أُودعتْ ... شقيقةً قانيةَ البُردِ
أبيضُها ينشقُّ عن أحمرٍ ... كالبرقعِ انشقَّ عن الخدِّ
وقال أيضاً:
مفتتِنٍ في نفسه فاتنٌ ... لغيره ليس له كُنْهُ
стр. 138
جالَ على مرآتِهِ لحظهُ ... فانعكسَ السحرُ بهِ عنهُ
أبرزه الحمّام في حليةٍ ... من عَرَقٍ لؤلؤها منهُ
يحيا به الوجدُ وذاك اسمه ... فلا يسَلْني أحدٌ مَن هُو
قد قلتُ للبدرِ امتحاناً له ... كنْ مثله يا بدرُ أو كُنْهُ
وله:
النَّاسُ في السّلمِ والعشَّاقُ بينهم ... في أعظم الحرب من أَخبار من عشقوا
كم موقفٍ للوغى صعبٍ سلمتُ به ... حتَّى شهدتُ وغًى أنصارها الحدقُ
стр. 139
ابن مطرف
أبو الحسن مطرف بن مطرف، من أهل غرناطة. من شعره:
ومهمهٍ كمدى الآمالِ مُتَّسعٍ ... أمسيتُ فيه حليفَ الأُسدِ والأجَمِ
فخضتُ بحرَ ظلامٍ كاد يكتمني ... كأنَّني خبرٌ في سرِّ مكتتم
منها في المديح:
في حصن ينبول للإسلام أيّ يدٍ ... بيضاءَ قد قعدتْ للسَّفْرِ لم تقم
أنحى على البيد محزوم المشلِّ بدا ... تدبير منتصرٍ لله منتقم
حلَّ الثغورَ فلم ينهج على ظمأ ... من الثغورِ بمعسولٍ ولا شبم
هذا من قول أبي تمام:
عداك حرّ الثغور المستطابة عن ... برد الثغور وعن سلسالها الحَصبِ
رجع:
وبات واللَّيل يدعو فرقَهُ فِرَقاً ... من رميةٍ بفؤاد الشركِ لم ترم
ومهَّدَ الأرض حتَّى كاد قاطبها ... يميلُ من جهة النعمى إلى الشَّام
شدُّوا بأضلعها الأفخاذَ والتصقت ... على السروج فأغنتهم عن الحزم
стр. 140
هذا من قول أبي الطيب:
أو ركبوا الخيلَ غيرَ مسرجةٍ ... فإن أفخاذهم لها حُزُمُ
رجع:
حيث المنايا شهودٌ تقتضي علناً ... من النفوس بمفلولٍ ومنحطم
والهامُ تقرع بأساً في معاقدها ... بكلِّ باكٍ دماً في كفِّ مبتسم
ومن شعره أيضاً:
يا للهوى إن له آيةً ... محكمةً في كلِّ ما يصنعُ
إن شبّها في طَرَفٍ لوعةً ... بكى لها من طَرَفٍ أدمع
فهو لقلبي شررٌ محرقٌ ... وهو بجفني ديمةٌ تَهْمَعُ
من قول أبي الحسين ابن سراج:
كأنَّ فؤادي وجفني معاً ... هما طرفا غُصُنٍ أخضر
إذا اضطرم النَّارُ في جانبٍ ... تقطَّر من جانبٍ آخر
وله:
وكم محببةٍ هام الفؤادُ بها ... قدماً وصورتها من أحسن الصور
كأنَّها البدر في تدويرها فإذا ... شقت على النصف كانت شقة القمر
وقال في سهل بن مالك:
стр. 141
وصفوا سهلاً فقالوا ... حاطبٌ واللَّيلُ ليلُ
إنَّما العلمُ الثريا ... والفتَى سهلٌ سهيلُ
فقال سهل رادّاً عليه:
حسدوا سهلاً فقلنا ... أيْ لعمري حسدوهُ
صغَّروا الاسمَ افتراءً ... وكبيراً وجدوه
ورد عليه ابن مرج الكحل:
إن دعوني بسهيلٍ ... فأنا حقّاً سهيلُ
قد دهاكم من طلوعي ... يا بني الزَّنْيةِ ويلُ
أشار إلى قول أبي الطيب:
وتنكرُ موتهم وأنا سهيلٌ ... طلعتُ بموتِ أولاد الزناء
ومن شعر مطرف وهي من غُرره:
سنَّةٌ سنَّها جميلٌ قديماً ... وأتى المحدثون مثلي فزادوا
стр. 142
ابن عذرة
أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر بن عذرة الأنصاري القاضي: من أهل الجزيرة الخضراء، صدرٌ في نُبهائها، وكان خطيباً مُفوَّهاً، توفي سنة ست وستمائة.
حدثني ابن أخيه أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي الحكم الكاتب أنَّه وقف على قبر أبيه أبي حفص، ومعه أخواه: أبو بكر وأبو الحكم عبد الرحيم، فقال أبو القاسم:
يا أيُّها الواقفُ استغفر لمُودَعِهِ ... ربَّ العبادِ وربَّ الجُودِ والكَرمِ
وقال أبو بكر:
واحذر هُجومَ المنايا واستعدَّ لها ... وعُدَّ نفسكَ إحدى هذه الرِّممِ
وقال أبو الحكم:
ولا تغُرَّنَّكَ الدُّنيا وزينَتُها ... فكم أبادتْ وكم أفنتْ من الأُممِ
وهي طويلة ومنها:
واعلم بأنَّك مسؤول ومُرتهنٌ ... بما عَمِلْتَ فخففْ من مَوقفِ النَّدم
стр. 143
ابن سفر
أبو الحسين أو أبو عبد الله محمد بن سَفَر الأديب منسوب إلى جدّه، وأصحابنا يكتبونه بالصاد، وكان بإشبيلية وهو من ناحية المريّة، قال في المدّ والجزر بوادي إشبيلية وأبدع في ما اخترع:
شقَّ النسيمُ عليه جيبَ قميصه ... فانسابَ من شطَّيْه يطلب ثارَهُ
وتضاحكتْ وُرْقُ الحمام بأيكها ... هُزْءاً فضمَّ من الحياء إزارَهُ
وقال أيضاً:
لو شاهدتْ عيناك زورَقَ فتيةٍ ... أبدى بهم نهجُ السُّرور مَراحَهُ
وقد استداروا تحت ظلّ شِراعه ... كلٌّ يمدّ لكأس راحٍ راحَهُ
لحسِبتَه خوفَ العواصف طائراً ... مدَّ الحنانَ على بنيه جناحَهُ
стр. 144
النجاري
أبو زيد عبد الرحمن المعروف بالنجاري.
له:
قد صرتُ أرجو الله مِن بعدما ... قد كنتُ أرجوك مع اللهِ
يا لاهياً يلهُو بكلِّ الورى ... ما يَغفلُ الله عن اللاَّهي
وأنشدني أبو الحجاج ابن إبراهيم بتونس قال: أنشدني أبو زيد هذا ببَيَّاسة، وحكى أنَّه خرج مع أبي بحر صفوان بمُرسية يطوفان على ضفة نهرها، فوقفا على الدولاب الملاصق للقصر، فقال النجاري:
وباكيةٍ تَبكي فيُسْلي بكاؤها ... وما كلُّ من يَبكي إذا ما بكى يُسلي
فقال أبو بحر:
كأنَّ بُكاها من سرورٍ فدمعُها ... يُثير سُروراً في جوانح ذي خَبْلِ
فقال النجاري:
فيا عجبا ينهلُّ واكفُ دَمعها ... سريعاً وإن كانت تَدور على رِسْل
فقال أبو بحر:
كذاك السَّحابُ الغُرُّ تُرسلُ دمعَها ... سريعاً وتَمشي في السَّماءِ على مَهْلِ
стр. 145
فقال النجاري:
تَسلسلَ منها الماءُ من كلِّ جانبٍ ... فخيّلتها من عَبرة الصَّبِّ تَسْتملي
فقال أبو بحر:
كأنَّ السَّحابَ الغُرَّ ألقتْ بسرِّها ... إليها فلم تكتُم وضاقتْ عن الحملِ
следующие страницы →