Полный текст (247 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وإن جاد يوماً بالرضى فهو مازجٌ ... على إثره شهدَ الرضى بالعلاقم
مسحتَ بها حُرَّ الجوى عن جوانحٍ ... حَوَتْ ضِعْفَ ما تحويه حَرَّةُ واقم
وقال أيضاً:
أنا صبٌّ وابن صبٍّ ... بالعوالي والمعالي
وبناني وجناني ... بهما قد المعالي
فهما إن فسح اللَّ ... هـ مدى العمر معا لي
وله أيضاً:
رأوا ممن يحبهمُ نحولاً ... فعابوه بجهلهمُ عليهِ
وأمضى ما يكونُ السَّيفُ قطعاً ... إذا أخذ الضنا من شفرتيهِ
стр. 177
ابن غياث
أبو عمرو محمد بن عبيد الله بن غيَّاث - بالغين المعجمة والياء المثناة من تحت المشددة وبعد الألف ثاء مثلثة - من أهل شريش، كان شاعراً مطبوعاً، توفي أول سنة تسع عشرة وستمائة، قال من أبيات:
وكَوْثَريّ الريقِ إلاَّ أنَّه ... فوق العقيق دُرَّه قد نَظَما
أسكرني ولم أذُقْ رحيقَهُ ... إلاَّ بثغرِ خاطري توهُّما
منها:
إن لم تكن معرفةٌ تقدّمت ... فودُّنا بالغيب قد تقدّما
يا وقفةً بالشَّوقِ فيما بيننا ... أتعَبَ منه البينُ شخصاً كرما
أهدَتْ لنا منه الرُّبى مع الصبا ... عَرْفاً تذكّرتُ به عهد الحِمى
وقال في الشَّيب وأجاد:
صبوتُ وهل عارٌ على الحُرِّ إن صبا ... وقيدَ بعشر الأربعين إلى الصِّبا
стр. 178
يرى أنَّ حبَّ الحُسن في الله قربةٌ ... لمن شاء بالأعمال أن يتقرَّبا
وقالوا مشيبٌ قلتُ واعجبا لكم ... أيُنكَر بدرٌ قد تجلَّلَ غيهبا
وليس بشيبٍ ما ترون وإنَّما ... كُمَيتُ الصِّبا مما جرى عاد أشهبا
وله:
نهنه دموعكَ إنَّ البينَ قد أزِفا ... واندبْ دياراً عليها الشَّوقُ قد عكفا
بانوا وغودِرَ نِضْوٌ لا تحسُّ به ... عينٌ ولو أنَّ في إنسانها قُذفا
فارقْ حبيباً وإن ساءَتْكَ فُرْقَتهُ ... فما سما الدرُّ حتَّى فارقَ الصدفا
وله:
هذي الجفونُ لأيِّ شيءٍ تذرفُ ... ولعلَّها دارَ الأحبَّةِ تعرفُ
من أين تعرفها وقد عَمِيتْ أسًى ... أقميصَهُ ألقى عليها يوسف
وله:
يا سارياً من خيامِ نجدٍ ... حُطَّ فضوءُ الصَّباحِ لاحا
لقد تحملتَ عَرْفَ طيبٍ ... ملأتَ من نَشْرِه البطاحا
لكنَّ من أجلِ ساكنيه ... رقَّ نسيمُ الصّبا وفاحا
إيهٍ ودون القبابِ قلبي ... يشكو إلى أهلها انتزاحا
غادره ركبهُمْ مقيماً ... فلم يُطِقْ بالهوَى براحا
ضاع فلا للمها ولا لي ... يا ليته مات فاستراحا
أوليتَها الوُرْقُ إذ بكتْهُ ... تعيره للسرى جناحا
لما شكا ما به إليهم ... أثخنه حُبُّهمْ جراحا
ولم يبحْ بالهوَى ولكنْ ... لسانُ ما يشتكيه باحا
стр. 179
رموا بأرماحهم وهزُّوا ... قدودهم نحوه رياحا
واستلأموها دروعَ ليلٍ ... قد نُقِّبوا تحتها الصَّباحا
وأعملوا البيضَ وانتضوها ... من غنج ألحاظهم صفاحا
يا صاحِ ما بالنا سكرنا ... وما شربنا في الحيّ راحا
стр. 180
ابن طملوس
أبو الحجاج يوسف بن محمد بن طملوس: من أهل جزيرة شقر من عمل بلنسية، كان أحد علمائها الأماثل، وآخر المتحققين بعلوم الأوائل. توفي سنة عشرين وستمائة. ومن شعره:
بسمتْ به الأيَّامُ بعد عبوسها ... وتهللتْ بشراً عيونُ النَّاسِ
وتمهدتْ أرجاؤهم لما رسا ... ما بينها جبلُ الملوكِ الراسي
هيهاتِ أين الصُّبحُ من لألائهِ ... أيُقاسُ نورُ الشَّمسِ بالنبراسِ
ملكٌ أبتْ همَّاته وهِباته ... من أن تجارى في النّدَى والباس
وقال أيضاً:
جاد على الجزع بوادي الحمى ... صوبُ الحيا سكباً على سكبِ
حيثُ الصّبا يُهدي نسيم الربى ... طيّبةَ المسرى إلى الغرب
تمرُّ بالركبِ سُحَيراً فيا ... موقعَ ريَّاها من الركب
وبالكثيب الفَرْدِ من لَعْلَع ... غُزَيِّلٌ ضلّ عن السرب
أفلتَ منِّي واغتدى قانصاً ... قلبي فيا ويحيَ من قلبي
стр. 181
فسرتُ أشتدُّ على إثره ... أنْشُدهُ في ذلك الشعب
يا هل رأتْ عيناك من ناشدٍ ... يسعى بلا قلبٍ ولا لب
أحببْ به من ملكٍ جائرٍ ... أحكامهُ تجري على الصب
يثنيه من خمرِ الصِّبا نشوةٌ ... لِعْبَ الصَّبا بالغُصُنِ الرطب
يا جائر اللحظِ على صبِّه ... سلّطتَ عينيك على قلبي
ومن قوله:
لعمرُكَ ما تلقى من النَّاس واحداً ... غدا قلبه مما ابتلينا به خِلْوا
كأنَّ الهوَى حتمٌ علينا مُقدَّرٌ ... فلا مهجةٌ إلاَّ تذوب له شَجْوا
ألا صاحبٌ يَلْحى على الغيِّ صاحباً ... لقد عُدِمَ العذَّالُ مذ عَمَّتِ الشَّكوى
стр. 182
أبو الرَّبيع العبدري
أبو الرَّبيع سليمان بن أحمد بن عليّ بن أبي غالب العبدري الكاتب، من أهل دانية وسكن مرّاكش بعد تجوله ببلاد الأندلس، وكان جدّه عليّ وأبوه أحمد وأخواه محمد ويحيى شعراء ولبيتهم نباهة. وولي أبو العباس منهم قضاء مالقة وامتحن في قصّة عليّ الجزيري الثائر حين اشتدّ الطلب عليه وقد خيب من كان يجلس إليه، وقيل إنَّه أطلق أخاه من السجن بمالقة بألف دينار رشوةً فأُسلم إلى صاحب الشرطة فضربه ألف سوط فهلك قبل استيفائها، وأُمر به فصُلب بإزاء جذع الجزيري، وذلك في سنة ستّ وثمانين وخمسمائة، فقال ابنه أبو الرَّبيع هذا يرثيه:
يا من رأى بَدْرَ الدُّجى لِتمامهِ ... عَبَثتْ بهِ أيْدي الزَّمان تصَرُّفا
ولَقدْ نظرتُ إليهِ يومَ أقلَّهُ ... كالرمْحِ عُرِّضَ من سنانٍ أُرْهَفا
стр. 183
جَهِدَ الترابُ به ليستُرَ شخصَهُ ... فإذا به قد كان منهُ ألْطَفا
وكأنَّه رام اللِّحاق بعالم ال ... عُلْوِ الَّذي هو منهمُ فاستوقِفا
وشجاه نَوحُ الباكياتِ لِفَقْده ... فثوى هنالك رقَّةً وتعطُّفا
وقال فيه أيضاً:
جهلاً لمثلك أن يبكي لما قدرا ... أو أن يقول أسًى يا ليته قبرا
لو لمْ تُقدَّرْ عليه ميتَةٌ سَبقتْ ... ورامها كلُّ أهْلِ الأرضِ ما قدرا
فاضَتْ جُفونُك أن قاموا بأعظُمهِ ... وقد تطايرَ عنها اللَّحْمُ وانْتَثرا
وأوْثَقوه إلى جِذْعٍ بِموثقَةٍ ... يُنكِّسُ الطَّرْفَ عنها كلُّ من نظرا
ضاقتْ به الأرضُ ممَّا كانَ حمَّلها ... من الأيادي فمجَّتْ شِلْوَهُ ضَجرا
وعَزَّ إذ ذاك أنْ يَحْظى بهِ كَفنٌ ... فما تَسَرْبلَ إلاَّ الشَّمسَ والقمرا
لم تَضْحَ أعْظُمهُ يوماً ولا ظَمِئتْ ... قلبي لهُنَّ ودمْعي مُزْنَةٌ وثَرى
منها:
وليلةٍ من خطيئاتِ الزَّمان مَضتْ ... حالفْتُ فيها الأسى والدَّمعَ والسَّهَرا
غنَّى بها الكَبْلُ إذ عنَّى فأسْمَعَني ... في رِجْل أحمدَ يحكي حيَّةً ذَكرا
يا أحمدَ بنَ عليٍّ هُبَّ من وَسنٍ ... فما عَهِدْتُك تَكْرى قبْلها سَحرا
تاقَ الدُّجى والمُصلَّى تحت غَيْهَبهِ ... إلى تِلاوتك الآياتِ والسُّوَرا
قدْ كنتَ فيه سِراجاً نستَضيءُ بهِ ... حتَّى إذا ما خَبَتْ أنوارُك اعْتَكرا
وقال وقد أنزل من عوده ودفنه:
خليلي لو ترى في حمصَ دَفْني ... أبي لَهَجرْتَ طُعْمَك والمناما
стр. 184
أُواريه بسَتْرٍ من ضريحٍ ... كأنِّي مُغمدٌ منهُ حُساما
كأنَّ مَحاجري ودَقَتْ لديهِ ... عشيّةَ قُمْتُ أدْفِنُه غَماما
وقال وقد توفّيت والدته:
طوى القَمرينِ التُّربُ عن أعين الورى ... بميْتِ عُلاً ماتت على إثْرِه العِرسُ
فأصْبَحتِ الغَبْراءُ خضراءَ منهُما ... بآيةِ ما قد حلَّها البدرُ والشَّمسُ
وقال يصف خيلاناً:
ولِلألبابِ من خَدَّيْ سُليْمى ... دواعٍ للجنونِ ولِلْفُتونِ
وما الخيلانُ أبْصرَ من رآها ... ألا رُدَّ الحديثَ إلى يقينِ
ولكنْ فوق صفحتِها صقالٌ ... تمثَّلُ فيه أحْداقُ الجُفونِ
وله في شكوى الزمن:
أخي عوفيتَ والبلوى ضروبٌ ... تعمُّ وتارة تأتي اختصاصا
تعالَ فخذْ بحظِّك من همومي ... ودعْ أطلال هندٍ والعِراصا
وباكِ أخاك دنيا قد تولَّتْ ... ودهراً ينهكُ العمرَ انتقاصا
وما أنهيتُ نفسي في المعالي ... ولا أدركتُ في ثأرٍ قصاصا
فليت العيشَ إذ لم يُقْضَ محضاً ... رُزِقْتُ إذا انقضى منه الخلاصا
وله يصف ناراً:
ولقد نعمتُ بنارِ فحمٍ أصبحتْ ... تختالُ بين معصفرٍ ومورّدِ
إلاَّ بقايا كالدُّجى مسودةً ... أو مثلِ أصداغ الجواري الخرَّدِ
فكأنما يبدو لعيني منهما ... حبرٌ أُريقَ على سبائكِ عسجدِ
стр. 185
ابن أصبغ
أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى بن محمد بن أصبغ الأزدي، من أهل قُرْطُبَة وفي بيوتاتها الأصيلة ويعرفون ببني المناصف، وولي أبو إسحاق هذا قضاء دانية، وصرف عنها أول الفتنة المنبعثة بالأندلس صدر سنة إحدى وعشرين وستمائة، وسكن بلنسية أشهراً وبها صَحِبتهُ. ثمَّ انتقل عنها وولي بعد ذلك قضاء سجلماسة إلى أن توفي بها سنة سبع وعشرين وستمائة. وله في ترتيب حروف " كتاب العين " للخليل، وهو أحسن ما قيل فيه على كثرته:
عَذَّبني حُلْوُ هوًى خُضْتهُ ... غوايةً قائدةً كربي
جالبةً شوقَ ضلوعٍ صَبَتْ ... ساحرةً زاجرةً طبي
دوسيّة تيّمني ظَبْيها ... ذوبُ ثناياه رضا لبي
ناولني فاهُ بلا مانعٍ ... واضحةً إحسانها يربي
ومن شعره:
وزائرٍ زارني وَهْناً فقلتُ له ... أنَّى اهتديتَ وسجفُ اللَّيل مسدولُ
стр. 186
فقال آنستُ ناراً من جوانحكم ... أضاء منها لدى السَّارين قنديلُ
فقلتُ نارُ الهوَى معنًى وليس لها ... نورٌ يبينُ فماذا منكَ مقبولُ
فقال نِسْبتنا من ذاك واحدةٌ ... أنا الخيالُ ونارُ الحبِّ تخييلُ
стр. 187
ابن يخلفتن
أبو زيد عبد الرحمن بن يَخْلَفْتن بن أحمد الفازازي: ولد بقُرْطُبَة ونشأ بها، وتجوّل ببلاد الأندلس والعُدوة، وكتب هو وأخوه أبو عبد الله كبيره لأمراء المغرب، وبلغا الرُّتبة العالية، وكانا من مفاخر وقتهما.
وأبو عبد الله مُقلٌّ من الشعر، وتوفي بقُرْطُبَة قاضياً سنة إحدى وعشرين وستمائة.
وأما أبو زيد فمُكثرٌ، وشعره مدوَّن. وكانت وفاته بمراكش سنة سبع وعشرين وستمائة.
ومما عُزي لي أنَّه من شعره في الحضّ على الحج والزيارة:
النَّاسُ قد رحلوا وأنت مُقيمُ ... ودُعوا وأنت مُحجَّبٌ محرومُ
صَدقوا العزيمةَ فاستقلَّتْ عيسُهم ... وهواك في نَيْل المُنى مَقْسوم
غَطَّتك من آذيِّ ذَنْبك مَوجةٌ ... فيها الهلاكُ وما أراك تقومُ
وتُلام في تركِ الحجاز فتَنْثني ... عن غير مَعْذرةٍ وأنت مَلومُ
أحسِنْ فقد فارقتَ كلَّ إساءة ... مهلاً فأنت بعِلْمه مَعْلومُ
لا أنت في السَّفْر الذين تقدَّموا ... نحو النبيِّ ولا أراك تقومُ
وإذا بدا لك دِرْهمٌ في جلَّق ... بادرتَ تقعدُ نحوه وتقومُ
стр. 188
وإذا أراد الله تبليغَ امرئٍ ... فالعُرْب خاضعةٌ له والرُّومُ
ما النَّاسُ إلاَّ الرَّاحلون لربِّهم ... والآخَرون بلابلٌ وهُمومُ
لا خَلْق ألأم من مُحاذرِ عَيْلةٍ ... في قَصْدِ ربِّ النَّاسِ وهو كريمُ
وذكر له:
يا نائمَ الطَّرف عن سُهدٍ وعن أرقِ ... وفارغَ القلب من وجدٍ ومن حُرَق
بكمالها، وهي من جيد كلامه في النسيب.
стр. 189
ابن حمادو
محمد بن علي بن حمادو - بالحاء المهملة وبعد الدال المهملة واو - الصنهاجي من أهل قلعة حماد، وكان بشرق الأندلس في أول هذه المائة السابعة، ثمَّ ولي قضاء الجزيرة الخضراء وقضاء سَلا بعد ذلك، وتوفي سنة سبع وعشرين وستمائة. ومن شعره:
أبا عبد الإله إليك أشكو ... لواعجَ بين جانحتيّ تذكو
بَعُدتُ عن الديار وساكنيها ... وفرَّق بيننا فَلكٌ وفُلْكُ
ولم يَعدِل لعمر الله عندي ... فراقَ أحبّةٍ مِلْكٌ ومُلْكُ
وقال يهنّئ باسترجاع بلاد إفريقية والظهور على يحيى بن إسحاق:
فتوحٌ لها في كلِّ يومٍ تلاحقُ ... كما استبقتْ يومَ الرهانِ السوابقُ
تجيءُ وما بينَ الزّمانَيْنِ مُهلةٌ ... كما نَسَقَ المعطوفَ بالواو ناسِقُ
بشائرُ تعلوها تباشيرُ مثلما ... تبلَّجَ صُبحٌ أو تألَّقَ بارقُ
وراقت بلادُ اللهِ فهي نضارةً ... خمائلُ يندى زهرها وحدائقُ
стр. 190
كذا فليكنْ فتحٌ وإلاَّ فإنَّما ... جميعُ فتوحِ العالمينَ مَغالقُ
إذا قرأ القرآنَ في غَسَقِ الدُّجى ... أُبَيُّ بن كعبٍ لم يغنِّ مُخارِقُ
стр. 191
غالب الأنصاري
أبو تمام غالب بن محمد بن إسماعيل الأنصاري، من أهل بلنسية، ومعدود في أدبائها، وكان يحترف بالتجارة وأحياناً بالوراقة، وصحب أبا الحسين ابن جبير وغيره من الأدباء، وسمع الحديث وكتب كثيراً مع فهم، وضرب في النظم بسهم، وقد قرأ عليه شيخنا أبو الرَّبيع ابن سالم بعضَ شعر ابن جبير، وتوفي في المحرم سنة تسع وعشرين وستمائة. أنشدني كثيراً وانتفعت بنقده وتمييزه، وأنشدني لنفسه يعاتب أحد إخوانه:
وأخٍ بذلتُ له مَصونَ مودَّتي ... ورعايتي والنفسَ حتَّى ملَّها
أجهدتُ نفسي في اتباع سبيلهِ ... نظراً له في النُّصْحِ لا نظراً لها
ورأيتُ أنِّي إن أسُسْهُ بطاعتي ... إياه كان على السويّةِ أو لها
أصغى إليَّ إذا نصحتُ تأسياً ... بي إذ أطعتُ له الأوامرَ كلَّها
فإذا به مستغرقٌ في وجده ... لاحتْ له طرقُ الهدى فاحتلها
يبغي قطيعةَ واصلٍ في صحبةٍ ... قد كان أنهلها الودادَ وعلَّها
فإذا تجيشُ النفسُ تبغي سلوةً ... غلبَ الوفاءُ على الإباء فسلَّها
إيهٍ أبا إسحاقَ دعوةَ مرشدٍ ... لنصيحةٍ والحرُّ يقبل مثلها
أعدِ التفاتاً وادّركها غلطةً ... فيمن ترومُ لدى القضية عدلها
стр. 192
ودعِ اللجاجَ بأن تحلَّ مخالفاً ... حَزْنَ البقاعِ ونحن نؤثر سهلها
والنفسُ إن طاوعتها أمَّارةٌ ... بالسوءِ فاحذرْ أن تطاوعَ جهلها
فلربَّما جذبتْ إلى حَسَراتهِ ... نفسُ التقيّ إذا تناسى ختلها
من لم تَزَعْهُ عن المكارم نفسهُ ... لم يَسْطعِ العذالُ يوماً عذلها
وإذا تولى المرء غاية شهوةٍ ... وليت فلم يقدر هنالك عزلها
ومتاعُ هذا الدَّهرِ أقصرُ مدَّةً ... من أن يقابحَ ذو المروءةِ أهلها
وكان أبو محمد ابن باديس يناظر عليه في ذلك التاريخ في " مستصفى الغزالي " فحكى أبو تمام ابن صاحب الأحكام أن أبا الحصين ابن أبي الفتح كان ممن يحضر ذلك التناظر، فغاب عنه يوماً فكتب إليه ابنُ باديس:
يا واحداً في المعالي ... به العُلا تستبدُّ
إن القراءة نادت ... مولاي ما منك بدّ
فراجعه أبو تمام بأبياتٍ أولها:
لبَّيكَ لبيكَ يا مَنْ ... علاؤه لا يُحَدُّ
ومن إذا حلَّ شكٌّ ... فقولهُ لا يُرَدُّ
стр. 193
ابن جهور
أبو بكر محمد بن محمد بن جهور الأزدي من أهل مُرسية، وأحد نبهائها وأدبائها، من شعره وقد رأى امرأة سافرةً فغطت وجهها بكفّها المخضوب:
فاجأتُها كالظبي في سِربهِ ... فاحتجَبَتْ بالكفِّ والمعصمِ
وقد بدا الوشيُ بأطرافها ... فأقصرتْ عن لومها لُوَّمي
قالوا وقد دلَّهَهُم حبّها ... من طوَّق البُلاّر بالعَندمِ
قلتُ جرت من مقلتي دمعةٌ ... فاختضبت أنملُها بالدمِ
ومن قوله وقد مرَّ وهو بجزيرة شُقر بأرضٍ حمراء لابن مرج الكُحل غير صالحة للعمارة فقال يداعبه:
يا مَرجَ كُحْلٍ ومن هذي المروجُ له ... ما كان أحوج هذي الأرض للكُحُلِ
ما حمرةُ الأرض عن طيبٍ وعن كرمٍ ... فلا تكنْ طمِعاً في رزقها العجلِ
لكنّ شيمتَها أخلاقُ صاحبها ... فما تفارقها كيفية الخجل
فجاوبه:
يا قائلاً إذ رأى مَرجي وحمرتَهُ ... ما كان أحوج هذي الأرضَ للكحل
стр. 194
تلك الدماءُ التي للروم قد سَفكت ... في الفتح بيضُ ظُبى أجداديَ الأُوَل
أحببتُها إذ حكت من قد كلفتُ به ... في حمرة الخدّ أو إخلافه أمَلي
стр. 195
ابن إدريس التجيبي
أبو عمرو إبراهيم بن إدريس القاضي التجيبي من أهل مرسية وهو أخو أبي بحر صفوان بن إدريس وولي قضاء بلده والخطبة بجامعه، وتوفي رحمه الله تعالى أول سنة ثلاثين وستمائة، ومن شعره:
قسماً بحُسن الطلّ في الزهرِ ... يبدو به شَنَباً على ثغرِ
أو بالنسيم إذا ثنى غُصُناً ... فأرى انثناء العطف كالكسرِ
أو بالغصون تكلَّلتْ زَهَراً ... فأتتْكَ بالأجيادِ والشذرِ
لقد استعنتُ على التألُّمِ في ... أمرِ الهوَى فقضى الهوَى أمري
ومطوَّقٍ طارحتُه شَجَني ... وعلى الدُّجى طوقٌ من الفجرِ
يشدو بعطفٍ مائسٍ ثملٍ ... شربَ النّدَى عوضاً عن الخمرِ
يهتزُّ من طربٍ له فإذا ... غنَّى رمى بدراهمِ الزهرِ
فحسبتُ عبد الحقّ يطرفه ... فيجود ما أنشدتُ من شعري
منها:
وإليكمُ راقتْ محاسنها ... والحسنُ في الأسلاكِ للنحرِ
أعملتُ فيها خاطري سَحَراً ... فاشتقّ منه فجاء بالسحرِ
وله من قصيدة يمدح فيها:
شِيَمُ الصوارمِ أن تُقرِّبَ ما نأى ... لكنْ على مَنْ عَزْمُه كظُباتها
أخلصتَ للرحمن نيّةَ عالمٍ ... أنَّ النُّفوسَ له على نيَّاتها
стр. 196
وجعلتَ تقوى اللهِ شِكَّتك التي ... نزلتْ قلوبُ الرُّوم رَهْنَ شكاتها
ومنها:
أوطأتَ أرضَ المُشركين كتائباً ... كادت تميدُ الأرضُ من وَطآتها
كالبحرِ يطفحُ موجهُ جَرْياً إذا ... هبَّتْ رياحُ النَّصرِ في راياتها
جاءت تَرومُ الشُّهبَ في أبراجها ... وتهابها الآسادُ في أجماتها
ومنها:
قد كان غَرَّ الرومَ صفحُكَ قادراً ... حتَّى وضعتَ السَّيفَ في صَفَحاتها
ظَنُّوكَ لا تسطيعُ دَفْعَ كُماتها ... إذ لم تُطِقْ بالجودِ ردَّ عُفاتها
تُزْهى بك الأيَّامُ وهيَ جديدةٌ ... مثلَ الجيادِ زَهَتْ بحُسْنِ شِياتِها
فاسْلمْ على مرِّ اللَّيالي إنَّها ... لتَحوطُ عِقْداً منك في لَبّاتها
стр. 197
أبو الرَّبيع ابن سالم
أبو الرَّبيع سليمان بن موسى بن سالم بن حسّان الحميري الكلاعي الخطيب من أهل بلنسية، علم الأعلام، واللعوب في جدّه بأطراف الكلام، الَّذي فاز بالجنّة يوم فاد، وأفاد علوم السنة في ما أفاد. ولد في شهر رمضان سنة خمس وستين وخمسمائة، واستشهد ﵀ مقبلاً غير مدبر في وقعة أنيشة على ثلاثة فراسخ من بلنسية ضحى يوم الخميس الموفي عشرين لذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكان بقيّة أعلام الحديث ببلنسيّة، عني أتمّ عناية بالتقييد والرواية، وكان إماماً في صناعة الحديث بصيراً به حافظاً حافلاً عارفاً بالجرح والتعديل، ذاكراً للمواليد والوفيات، يتقدّم أهل زمانه في ذلك وفي حفظ أسماء الرجال خصوصاً من تأخر من زمانه وعاصره. وكتب الكثير، وكان الخطّ الَّذي يكتبه لا نظير له في الإتقان والضبط، مع الاستبحار في الأدب والاشتهار بالبلاغة، فرداً في إنشاء الرسائل مجيداً في النظم. وكان هو المتكلّم عن الملوك في مجالسهم والمبين عنهم لما يريدونه في المحافل على المنبر. ولي خطابة بلنسيّة. وله تصانيف مفيدة في عدّة فنون: ألّف " الاكتفاء في مغازي رسول الله ﷺ والثلاثة الخلفاء " في أربعة
стр. 198
مجلّدات، وله كتاب حافل في معرفة الصحابة والتابعين لم يكمله، وكتاب " مصباح الظلم " يشبه " الشهاب " و " كتاب في أخبار البخاري وسيرته " و " كتاب الأربعين " سوى ما صنّف في الحديث والأدب والخطب. ومن شعره يرثي أبا بحر من كلمة:
أما وأبي بحرٍ لقد راع خاطري ... مُصابُ القوافي والعُلا بأبي بحرِ
ليبكِ عليه المجدُ ملءَ جفونهِ ... ويبكِ عليه رائقُ النظمِ والنثرِ
ويا دوحَ روضٍ كان زهرُ كِمامهِ ... عزاءك في الرَّوضِ الأنيقِ من الزهرِ
ومنها:
ويأسكَ عن رَوْحٍ من الطيبِ بعده ... سوى ما تؤدِّي الرِّيحُ عنه من الذكر
أحقاً أبا بحرٍ تجهزتَ غادياً ... إلى غايةٍ ناءٍ مداها على السَّفْرِ
فإن قصَّرَ المقدارُ عمرك إنَّ في ... نفائسِ ما خلَّدتَ عمراً إلى عمرِ
وله:
أشجاه ما فعل العِذارُ بخدِّه ... قلبي شجا وهواي فيه هيّجا
ما رابه والحسنُ يمزجُ وردَه ... آساً ويخلط بالشَّقيق بَنَفْسجا
ولقد علمتُ بأنَّ قلبي صائرٌ ... كُرَةً لصدغيه غَداةَ تَصَوْلجا
ومنه:
ولمّا تحلَّى خدُّه بِعِذاره ... تسلَّوا وقالوا ذَنبُه غيرُ مغفورِ
وهل تنكر العينُ اللجينَ مُنَيَّلاً ... أو المسك مذروراً على صحن كافورِ
وحسبيَ منه لو تغيَّرَ خدُّه ... تَمايلُ غُصْنٍ والتفاتةُ يعفورِ
стр. 199
ومنه:
قالوا اكتَسَتْ بالعِذارِ وجنتُه ... هل في الَّذي قلتموه من باسِ
أكْلَفُ بالورد وهو منفردٌ ... فكيف أسلو إذ شيبَ بالآسِ
ومنه:
قالوا التحى واشتكى عينيه قلتُ لهم ... نعم صدقتم وهل في ذاك من عارِ
بنفسجٌ عيضَ من وردٍ ونرجسةٌ ... تحَوَّلتْ وردةً زينت بأشفارِ
ما مرَّ من حسنه شيءٌ بلا عِوَضٍ ... حُسْنٌ بحسنٍ وأزهارٌ بأزهارِ
ومنه:
رياضٌ كالعروسِ إذا تجَلَّتْ ... وقَلَّ لها مُشابهةُ العَروسِ
فمن زهرٍ ضحوكِ السنِّ طَلْقٍ ... بجهمٍ من سحائِبه عبوسِ
وقضبٍ تحسبُ الأرواح سقَّتْ ... معاطفها سلافة خندريسِ
ونهرٍ مثل هنديٍّ صقيلٍ ... تجرَّدَ فوقَ مَوْشيٍّ نفيسِ
توَلَّت نَسجَه السُّحبُ الغوادي ... وحاكتْ وَشْيَه أيدي الشُّموسِ
ومنه وهو جناس:
بنفسَ من أخلاَّئي خليلٌ ... سريٌّ لا يرَى كالحمدِ مالا
متى يعدمْ مُمالأةَ اللَّيالي ... على ما يبتغي منهنَّ مالا
وأكثر ما يكونُ إليك ميلاً ... إذا الزمنُ المساعد عنك مالا
نَعَمْ وقفٌ عليه لسائليه ... كأنْ لم يدرِ في الألفاظ ما لا
وقال:
يا غزالاً غزْوَ أرض الرُّ ... وم يَبغي ويَرومُ
ما يَفي أجرُك بالغَز ... وِ بقتلي يا ظَلومُ
وقال:
أوصيكُمُ بالقلب خيراً فإنَّه ... أبَى يومَ بِنتُم أن يُصاحب جُثماني
стр. 200
فقلتُ له أين المُقام فقال لي ... بكفِّي أبيٌّ ذو حِفاظٍ وإحسانِ
أيحسنُ في شَرع الصَّبابة تركُ من ... تكنَّفني إحسانُهُ منذُ أزمانِ
أيحسُن أن أُصغي لداعية النَّوى ... إذاً فرماني الله منه بهجرانِ
فقلتُ له أُكرمتَ يا قلبُ فاغتبطْ ... ولو أن لي أمري لكنتُ لك الثاني
وله في طريقة أبي الفتح البُستي:
تعجَّبوا لفُؤادي الشَّهمِ أن آسى ... ما لي وقد جَدَّ جِدُّ العمرِ لا آسَى
لو لم تَعِظْنيَ نفسي لاتَّعظتُ بأنْ ... أرى مثالَ نعيمِ الدَّهرِ إبئاسا
هاتيك أربُعُ صَحبي بعد ساكنها ... لم تُبقِ فيها النَّوى نُؤياً ولا آسا
فارجعْ إلى الله يا قلباً عتا صَلَفاً ... فذو النَّدى في الورى إن يُستَعنْ آسَى
ولا يروقُكَ توريدُ الخدودِ فما ... تُبقي لياليك ورداً لا ولا آسا
تجرَّعِ الصابَ في الدُّنيا عساك تُرى ... معوَّضاً منه في دار الرِّضا آسا
وله ورسم على مشط فِضَّة:
تهوى محلِّي النجومُ ... يا بُعدَ ما قد ترومُ
كم لمَّةٍ لكَعابٍ ... بها النفوسُ تهيمُ
سرَيْتُ فيها شهاباً ... حَواه ليلٌ بهيمُ
ما صاغني من لُجَيْنٍ ... إلاَّ ظريفٌ كريمُ
مَشْطُ الحِسان بعَظْمٍ ... ظُلمٌ لعمري عظيمُ
وكتبتُ إليه معمّياً بأسماء الطير وكان يُعنى بذلك:
إنْ شئتَ يا دهرُ حارِبْ ... أو شئتَ يا دهرُ سالِمْ
فصارمي ومِجَنّي ... أبو الرَّبيع ابن سالمْ
стр. 201
فراجعني بعد أن فكَّها بقوله:
نعم فحارب وسالمْ ... وصلْ مُعاناً وصارمْ
أنا المِجَنُّ الَّذي لا ... تحيكُ فيه الصوارمْ
أنا الحُسامُ الَّذي لا ... يزالُ للضَّيْم حاسمْ
فاحكمْ بما شئتَ إنِّي ... بعَضْدِ صحبيَ حاكمْ
стр. 202
ابن محرز الزهري
أبو بكر محمد بن محمد بم مُحرز الزُّهري القاضي: من أهل بلنسية، من أهل الطلب البارع والنباهة في بلده.
فمن قوله من قصيدة يصف الإغارة على شَنْتَمَرِيَّة وفتح حصن شزالة، وذلك بعد غدر النصارى وإغارتهم على فَحْص المِيل من نواحي بلنسية:
كذا فليُغِرْ أو فليَغَرْ طالبَ الوِتْر ... وينهضْ إلى الجَبْر المسهَّدُ بالكسرِ
خرجتَ وللإسلامِ أنَّةُ موجعٍ ... تذوبُ لها الصُّمُّ القَواسي من الصَّخر
أملتَ لها أُذناً تُصيخُ لمثلها ... على حين صَمَّتْ كلّ أُذنٍ من الوَقْرِ
نفرتَ لها كالليثِ يطرُقُ غِيلَه ... ذئابٌ بها من ظُفرِهِ نُدَبُ العَقْرِ
فسرتَ على اسم الله تحدوك عزمةٌ ... لو استُكْفيَتْ نابتْ عن العسكرِ المَجْر
عليك ابتهاجُ الظافرين كأنَّما ... تَسيرُ على وعدٍ صحيحٍ من النَّصر
دَعتْك من الوامي ثكالَى ثُغورِهِ ... ففضتَ على أعطافه فَيضةَ البحرِ
وله في هذه القصيدة محاسن وأجاد فيها ما أراد.
стр. 203
وكتب إلى أبي الرَّبيع ابن سالم شيخنا، ﵀:
أبلغْ سلامي يضُوع رَنْدَهْ ... يا طرسُ أُبلغتَ ما تودُّهْ
إلى أخٍ طال منه كفِّي ... بصارمٍ لا يُحَدُّ حَدُّهْ
شَرُفتُ منه بمشرفيٍّ ... أُفردَ عن مُشْبهٍ فِرِنْدُهْ
أبُوه مِن شوقِهِ بقَلبي ... فهل أنا اليومَ منه جَدُّهْ
وقال:
سقى الله المُعَرَّسَ إذ سهرنا ... به والحادثاتُ بحالِ غمضِ
قطعنا ليلَهُ والحالُ رفعٌ ... يُقِرُّ العينَ منها عيشُ خفضِ
نضاجعُ من بناتِ الماءِ أو من ... نباتِ الماء فيها كلَّ غصنِ
يروقُكَ أو يروعك منه فاعجبْ ... سيوفٌ بعضها أغمادُ بعضِ
ومن قصيدة لأبي عبد الله ابن أبي البقاء وقد سمع أرجوزتي أبي بكر في ذلك، في شكل خباء الماء:
تُحاكُ أعاليه وأسفله وما ... يقومُ عليه أو به من سَدَى النَّهرِ
وإن حاولوا تطنيبَهُ فبأربعٍ ... تمزّق من أردانِ أثوابه الوُفْرِ
وأنشدني الأديب أبو عبد الله محمد بن أحمد الحضرمي صاحبنا لنفسه، وسئل وصف مثله والرِّيح تبدده، فقال وأحسن ما أراد:
ومطنّب للماءِ ما أوتادُهُ ... إلاَّ نتائجُ فكرِ طَبٍّ حاذقِ
عبثتْ بد أيدي الصَّبا فكأنَّها ... أيدي الصَّبابةِ بالفؤادِ العاشقِ
ولأبي بكر من كلمة:
إن الله مطلقين أسارى ... طلبوا القُرْبَ مهتدين حيارى
стр. 204
عثروا إذ تحيروا فرآهم ... فجزاهم بأن أقالَ العثارا
قُبِلتْ منهم الصلاة وهم لا ... يقربون الصلاةَ إلاَّ سكارى
стр. 205
ابن عميرة المخزومي
أبو المطرف أحمد بن عبد الله بن عَميرة المخزومي القاضي: من أهل جزيرة شُقر وسكن بلنسية. فائدة هذه المائة، والواحد يفي بالفئة، الَّذي اعترف بأمجاده الجميع، واتصف بالإبداع فماذا يوصف به البديع، ومعاذ الله أن أُحابيه بالتقديم، لما له من حق التعليم، كيف وسَبْقُهُ الأشهر، ونطقه الياقوت والجوهر، تحلَّت به الصحائف والمهارق، وما تخلَّت عنه المغارب والمشارق، فحسبي أن أجهد في أوصافه، ثمَّ أشهد بعدم إنصافه، هذا على تناول الخصوص والعموم لذكره، وتناوب المنثور والمنظوم على شكره.
فمن نسيب قصيدة مدح بها قوله:
يا والياً أمرَ الجمالِ بسيرةٍ ... قلَّ الحديث بمثلها عن والِ
حتَّى متى قلبي عليك متيّمٌ ... وإذا سألتُ يُقال قلبُكَ سالِ
أرضى رضاك عن الوشاة وأنت لا ... ترضيك موجدتي على العذالِ
وبيانُ حبّك لم أؤخره وفي ... جدواه عندكَ غايةُ الإجمالِ
стр. 206
قد حرت في حالٍ لديك ولستُ من ... أهلِ الكلام أحارُ في الأحوالِ
وأجلتُ فكري في وشاحك فانثنى ... شوقاً إليك يجول في جوَّالِ
أنصفْتَ غصنَ البانِ إذ لم تدعُهُ ... لَتأَوّدٍ مع عطفكَ الميَّالِ
ورحمْتَ دُرَّ العقدِ حين وضعته ... متوارياً عن ثغركَ المتلالي
كيف اللقاء وفِعلُ وعدكَ سينهُ ... أبداً تخلِّصهُ للاستقبالِ
وكُماةُ قومكَ نارهُمْ ووقودها ... للطَّارقينَ أسِنَّةٌ وعَوالِ
وقال من قصيدة أنشدنيها بإشبيلية، إثر نُزهة جمعتنا بخارجها، صدر سنة سبع عشرة وستمائة، وأنا اقترحت وصفها عليه، وأولها:
لو غيرُ طرفِكَ مَوْهِناً يأتيني ... ما كانَ في عَقب الصِّبا يُصبيني
وافَى وقد هجعَ الخليطُ فبات في ... ثَوب الدُّجى أُدْنيه أو يُدنيني
ومنها في الوصف المقترح:
يا حِمصُ إنك في البلاد فريدةٌ ... ببديعِ حسنٍ جلَّ عن تحسينِ
أحبِب بنهرِك حينَ يزخَر مدُّه ... فيروقُ منه تحرُّكٌ كسُكونِ
ويعودُهُ الجَزر الَّذي يُبقي على ... شطَّيه حِجراً دونه للطِّينِ
مثل الخريدةِ إن تقلَّص ثوبها ... خجِلت لشيءٍ تحته مَدْفونِ
فكأنَّما هو عاشقٌ ذو زَفْرة ... تعتاده في الحِين بعد الحينِ
أو مثل مُمتلئِ الجوانح والحشا ... غيظاً طواه الحلمُ بالتَّسكينِ
وتخالُ ما نثرتْ به أيدي الصَّبا ... حَلَقَ المُضاعفِ نسجُهُ المَوْضونِ
تجري به أسرابُ طيرٍ آثَروا ... فيها المجازَ فسُمِّيت بسَفينِ
يا حسنَها من ذاتِ أجنحةٍ لها ... عملٌ يَبَذُّ جناحَيِ الشَّاهينِ
تَثني الجَموحَ فلا يَريمُ مكانَه ... منها وتَرجعُ صوتَ كلِّ حَرونِ
من كُل دهماءِ الأديم ترى بها ... منها بنفسَجَةً على نَسْرينِ
عُطفتْ وأُرهفَ جسمُها فكأنَّها ... قمرٌ إذا ما عاد كالعُرْجونِ
стр. 207
جُلنا بها في النَّهرِ نَرتع للمُنى ... ما بين أصنافٍ لها وفُنونِ
ولربما رُعنا بنيه بغارةٍ ... تركتْ مَصونَ حِماه غيرَ مَصونِ
تَحكي إذا ما أبرزت حركاتِها ... فعلَ النَّزيف يَنوء دون مُعينِ
قد قَوَّستها مِيتةٌ لا كبرةٌ ... فانظُر إلى ألِفٍ تعودُ كنونِ
حتَّى بلغنا شَنْتبوس ويا له ... من مشهدٍ بهوَى النفوسِ قَمينِ
حيثُ القصورُ البيضُ يُرمقُ حُسنها ... فيكونُ قيدَ نواظرٍ وعُيونِ
بَهرتْ جمالاً في الدُّجى حتَّى ترى ... معها عمودَ الصُّبح غيرَ مُبينِ
فهي النجومُ بل البدورُ لأنَّها ... تزدادُ حُسناً في اللَّيالي الجُونِ
قد أُلِّفَتْ أجزاؤها فتناسبتْ ... كتناسبِ النَّغماتِ في التَّلحينِ
طابَ الزمانُ بها فما نيسانها ... أندَى ندًى من آبَ أو كانونِ
فسقَى العروسَ مع الخليج حيالَهُ ... صوبٌ بريّ رُبوعها يُرضيني
فلقد مضتْ لي ثَمَّ ساعةُ لذَّةٍ ... عن ذكر لذَّات الأُلى تُسليني
وجنيتُ من ثَمر المُنى ما شئتُه ... وأخذتُ منه فوق ما يكفيني
في فتيةٍ ظفرتْ يدايَ بقُرْبهم ... بأجلِّ عِلقٍ في الزَّمان ثَمين
ما منهمُ إلاَّ صَريحُ مَودَّةٍ ... أُصْفيه منها مثلَ ما يُصفيني
أخذُوا بأطرافِ الحديثِ فَشَعْشَعوا ... منها كُؤوساً حَثُّها يُحييني
وتذاكروا أخبارَ سيِّدنا فقُلْ ... جَلبوا فَتِيق المسكِ من دَارينِ
وقال يصف مثلها بنهر جزيرة شُقر، وأنشدنيه:
خذْ في حَديثك إنَّ وصفك يُطربُ ... عن يومِ أُنسٍ ذكرُهُ مُستعذبُ
واطلبْ إعادته منَ الأيَّامِ إنْ ... سمحتْ بذا وأظُنُّ ذلك يَصْعب
يومٌ أرانا الحسنَ في النَّهر الَّذي ... قد طاب منه موردٌ أو مَشْرب
стр. 208
يمشي ويُزجي موجَه فكأنَّه ... لما انتهبنا ما يُواري مُقصِب
وقد امتطينا زَوْرقاً فيه فقُلْ ... صُبحٌ تمشَّى في سناهُ غَيْهب
فتراه طَوْراً طائراً ولربما ... ضُمَّتْ جَناحاه إليه فيُجْنِب
ولنا شِباكٌ قد تجاذبَ غَزْلها ... ضدَّانِ يطفُو ذا وهذا يَرْسُب
نُسجتْ كنَسج الدِّرعِ لكنَّ الرَّدى ... لم يعدُ لابسَها إذا ما يُطْلَب
تُبدي لنا سَمَكاً أرادتْ أن يُرى ... حسَناً بها فلأجله تتقلَّبُ
فكأنَّها جَمدتْ من الماءِ الَّذي ... حصباؤُهُ من صَفْوه لا تُحجبُ
يا نهرَ شُقرٍ فيكَ أدركتُ المُنى ... فلأنتَ من نَهر إليَّ مُحبَّبُ
يَهنيك إذ حُزْتَ المحاسنَ كلَّها ... أنِّي سأشعرُ في حُلاك وأخطبُ
وله:
انظُرْ إلى الوادي غَدا كدراً ... وصفاؤُهُ قد عاد كالعَلَقِ
فكأنَّهُ لمَّا بدَا أُفقٌ ... سالتْ عليهِ حُمرةُ الشَّفقِ
وله ممَّا يُكتب على قوس:
ما انآد مُعتَقَلُ القَنا إلاَّ لأنْ ... يحكي تأطُّرَ قامتي العوجاءِ
تَحنو الضُّلوعُ على القلوبِ وإنَّني ... ضِلَعٌ توافيها بأعضلِ داءِ
وله وقد أهدى ورداً:
خذها إليكَ أبا عبد الإلهِ فقد ... جاءتكَ مثلَ خدودٍ زانها الخفرُ
أتتك تحكي سجايا منك قد عذبَتْ ... لكنْ تغيُّر هذا دونَهُ الغيرُ
إنْ شمتَ منها بروقَ الغيثِ لامعةً ... فسوفَ يأتيكَ من ماءٍ لها مطرُ
وكتب إليَّ مع تحفةٍ أهداها مكافئاً عن مثلها:
يا واحدَ الأدبِ الَّذي قدْ زانَهُ ... بمناقبٍ جعلتهُ فارسَ مِقْنِبهْ
стр. 209
بالفضلِ بالهبةِ ابتدأتَ فإنْ تُعِرْ ... طَرَفَ القبولِ لما وهبت ختمتَ بهْ
وله ارتجالاً من قصر الإمارة من بلنسية، وأنا حاضرٌ في صبيحة بعض الجمع، وقد حُجم صاحبٌ لنا من أهل النظم والنثر وأُحسن إلى الحجام المخصوص:
أرى منْ جاءَ بالموسى مواسى ... وراحةُ ذي القريضِ تعودُ صفرا
فهذا مخفقٌ إنْ قَصَّ شِعْراً ... وهذا مُنجحٌ إن قصَّ شَعرا
وله أيضاً:
هو ما علمتَ من الأميرِ فما الَّذي ... تزدادُ منهُ وفيهِ لا ترتابُ
لا يتَّقي الأجنادُ في أيَّامِهِ ... فقراً ولا يرجو الغنى الكتَّابُ
وله بعد انفصاله من بلنسية عن وحشةٍ في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وستمائة:
أسيرُ بأرجاءِ الرجاءِ وإنَّما ... حديثُ طريقي طارقُ الحدثانِ
وأُحضرُ نفسي إن تقدمتُ خيفةً ... لغضِّ عنانٍ أو لعضِّ زمانِ
أينزلُ حظِّي للحضيضِ وقد سرى ... لإمكانِهِ فوق الذُّرى جبلانِ
وأخبطُ في ليلِ الحوادثِ بعدما ... أضاءَ لعيني منهما القمرانِ
فيحيى لآمالي حياةً معادةً ... وإنَّ عزيزاً عِزَّةٌ لمكاني
وقالوا اقترح إنَّ الأمانيَّ منهما ... وإن كنَّ فوق النَّجم تحت ضمانِ
فقلت إذا ناجاهما بقَضيَّتي ... ضميريَ لم أحفلْ بشرح لساني
وله أيضاً:
سلب الكرى من مقلتيَّ فلم يجئ ... منه على نأيٍ خيالٌ يَطرقُ
стр. 210
أهفو ارتياحاً للنَّسيم إذا سرى ... إنَّ الغريقَ بما يرى يتعلَّقُ
وله يخاطب العراقيّ، وقد بعث إليه في جزء من كتاب " الجدل " يقتضيه، إثر ما ولي شغل الخزانة بمراكش:
تقلَّدتَ من شُغل الخزانةِ خُطّةً ... تقلُّدُها بالفضلِ والعلم لائقُ
وأرسلتَ عن جُزء كحرفٍ بمُهْرَقٍ ... وقد جُمعتْ في راحتيكَ المَهارقُ
فيا مَن له تسعٌ وتسعون نَعجةً ... أفي سَخلةٍ عَجفاءَ أنت تُضايقُ
ومن قصيدة أيضاً في تغلُّب الروم على بلنسية:
ما بال دمعك لا يني مدرارهُ ... أم ما لقلبك لا يقرُّ قرارهُ
أللوعةٍ بين الضلوع لظاعنٍ ... سارت ركائبهُ وشطَّتْ دارهُ
أم للشبابِ تقاذفَتْ أوطانهُ ... بعد الدنوّ وأخفقتْ أوطارهُ
أم للزمانِ أتى بخطبٍ فادحٍ ... من مثل حادثة خَلَتْ أعصاِرهُ
بحرٌ من الأحزانِ عبَّ عبابُهُ ... وارتجَّ ما بين الحشا زخَّارهُ
في كلِّ قلبٍ منه وجدٌ عنده ... أسفٌ طويلٌ ليس تخبو نارهُ
أمَّا بلَنْسيةٌ فمَثْوى كافرٍ ... حَفَّت به في عُقرها كُفَّارهُ
زرعٌ من المَكروهِ حلَّ حصادُهُ ... بيدِ العدوِّ غداةَ لجَّ حِصارهُ
وعزيمةٌ للشِّرك جَعْجَع بالهُدى ... أنصارُها إذ خانه أنصارهُ
قلْ كيف تثبتُ بعد تمزيق العِدا ... آثارُهُ أو كيف يُدرَك ثارهُ
ما كانَ ذاك المِصْر إلاَّ جنَّةً ... للحسنِ تَجري تحتها أنهارهُ
طابتْ بطِيبِ نهارِهِ آصالُهُ ... وتعطَّرتْ بنَسيمه أسحارهُ
وتألقتْ أوقاتُهُ وتفيَّحتْ ... أرجاؤُهُ وتفتَّحتْ أنوارهُ
أمَّا السّرار فقد عَراه وهل سوى ... قَمرِ السَّماء يَزول عنه سرارهُ
стр. 211
قد كانَ يُشرقُ بالهِداية ليلُهُ ... فالآن أظلم بالضَّلال نهارُهُ
ودَجا به ليلُ الخُطوبِ فصُبْحه ... أعيا على أبصارنا إسفارهُ
وقال:
نَكِّب عن الدُّنيا ولا تلْقَها ... إلاَّ بوُدٍّ مثلها زائلِ
إذا تحلَّيتَ بما زَخْرفتْ ... فأنت في التَّحقيق كالعاطلِ
حلَّتْ لمن أمَّلها بُرهةً ... لكنَّه لم يَحْلَ بالطَّائلِ
مَن مُنْصفي من زمنٍ جائرٍ ... يُغلَبُ فيه الحقُّ بالباطلِ
لو كانَ سَحبانٌ بهِ مُفْصِحاً ... لم يأمنِ الإسكاتَ من باقلِ
حسبكَ أنَّ الوغدَ يحتاجُهُ ... مَن ارتدَى بالخُلُقِ الفاضلِ
يَفتقرُ الضِّدّ إلى ضدِّه ... مثلَ افتقار الفِعل للفاعلِ
ومن رسالة له كتب بها معزِّياً إلى بَطَلْيَوْس:
ولم أرَ مثل الحقِّ أمَّا طريقُهُ ... فأَمْنٌ وأمَّا جارُهُ فعزيزُ
إذا ما امرؤٌ آوى إليه فحصنُهُ ... حصينٌ ومأواه المُباحُ حَريزُ
فكُن معه تظفرْ بما شئتَ من مُنًى ... مُصادفُها بالصالحاتِ يفوزُ
ومن خير ما حازَ الفتَى الصبرُ إنَّه ... أداةٌ لمَوْفور الثَّوابِ تَحوزُ
رأينا التُّقى كنزاً يدومُ الغِنى به ... إذا فنيتْ للمُوسرين كُنوزُ
وكائن رأينا من حوادثَ أقبلتْ ... فللخلقِ تصريحٌ بها ورموزُ
تُقابَل بالتَّسليمِ للهِ وحدَهُ ... فتَمضي ولم يُشعَرْ بها وتجوزُ
стр. 212
ابن شلبون
أبو الحسن عليّ بن لُب بن شلبُون المعافري، من أهل بلنسية، وكتب لوُلاتها، ثمَّ وزر لمحمد بن يوسف بن هود أول ثورته، سنة خمس وعشرين وستمائة، وكان من الأدباء النجباء، وتوفي بمراكش سنة تسع وثلاثين وستمائة.
له من قصيدة يمدح ويعتذر عند قدومه مع وفد بلنسية سنة اثنتين وعشرين وستمائة إلى إشبيلية:
حنانَيْك قد ثُبنا إليك وقد تُبْنا ... فجدِّد لنا الرُّحْمى وأكِّد لنا الأمْنا
هو القَدَر الجاري على النَّاسِ حُكمُهُ ... فلا غروَ أن جاءوا سراعاً وأبطأنا
إذا لم تكُن بالمُرتجين عنايةٌ ... سماويَّةٌ عادتْ عِياذتهم أَفْنا
مُلكنا فصُرِّفنا تصاريفَ نَجتني ... بها مرَّةً رِبحاً وآونةً غَبنا
وأمَّا وإغضاءُ الخليفةِ شاملٌ ... فبُشرى بما نِلْنا به الخيرَ والأمْنا
وله من قصيدة يمدح أيضاً أولها:
أَوجهُك والألحاظُ والقدُّ والرِّدْفُ ... أم البدرُ واليَعفورُ والغصنُ والحقْفُ
وريَّاك عمَّ الخافقين أريجُها ... أم المسكُ من دَارين نمَّ له عَرْفُ
والقصيدة طويلة.
وله من قصيدة يرثي شيخنا أبا الربيع:
خطبُ الخطوبِ دها العلاءَ مُصابُهُ ... فَارْبَأ بدمعكَ أن يقلَّ مَصابُهُ
стр. 213
ومنها:
واسكُب له حمرَ الدُّموع يُمِدُّها ... قلبٌ يسيلُ على الجفونِ مُذابُه
أودى سليمانٌ فشَرْعُ محمدٍ ... ثَكلانُ باديةٌ به أوصابُه
فُجعتْ به سِيرُ الرَّسول مُصنِّفاً ... كُتباً يُنَظِّم شذرَها إطنابُه
وأُصيبَ منه حديثُهُ بإمامه ... وحفيظهِ من حادثٍ يَنتابُه
العالِم العالي به مُترسِّلاً ... قمَمَ الكواكب علمُهُ ونِصابُه
فمَن المُجَلِّي عن طريق صَحيحه ... وسَقيمه مهما يَشُبْهُ تَشابُه
وبمَن يُعرِّج طالبُ العلم الَّذي ... ما أُعلمت إلاَّ إليه رِكابُه
أو مَن لِذرْوة مِنْبرٍ تُزهَى به ... أعوادُهُ ويهُزّها إسهابُه
ومنها:
أم من لصَدرِ المَحفِل المَشهود إنْ ... كثُرَ الكلامُ به وقلَّ صوابُه
الرَّوضُ آداباً تأرَّجَ زهرُهُ ... والبحرُ إدراكاً يَعُبُّ عُبابُه
وَلد الزّمانُ وما أتى بنَظيره ... ليس الزّمانُ بدائمٍ إنجابُه
غار الجمالُ فما يُتاحُ طلوعُهُ ... غابَ الكمالُ فيما يُباحُ إيابُه
خَطَّتْ رماحُ الخَطِّ فيه أسطُراً ... بيَمينه منها يكون كِتابُه
стр. 214
الغزَّال
أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن غالب أبو جعفر الحمْيري: من أهل مُرسية يُعرف بالغزَّال - مشدد الزاي بالغين المعجمة - وبالحمَّامي - مشدد الميم - وكان مجيداً مكثراً ووقع من شعره إليَّ قليل، توفي ببلده سنة إحدى وثلاثين وستمائة وكنتُ قد لقيته به في سنة ست وعشرين. له في رؤيا أبي بحر صفوان بن إدريس رحمه الله تعالى:
له الله ما أهداه في كلِّ مُشكلٍ ... لمعنًى وكلُّ القوم في دُجْنة عُمْيُ
فما هو إلاَّ بالبلاغة مُرْسَلٌ ... وآيتُه الرؤيا إذا انقطع الوحيُ
ظاهر هذا الكلام يقتضي أن أبا بحر رآها، والَّذي حُكي لي وهو الصحيح أن المنصور أبا يوسف رأى أباه في النوم يقول له: ببابك رجلٌ يُعرف بابن إدريس فاقضِ حاجته - أو ما هذا معناه - فلما أصبح، وذلك يوم الثامن عشر لذي الحجة عام تسعين وخمسمائة، أخبر بالرؤيا فوجَّه فيه قاضي الجماعة أبو القاسم ابن بقيّ والكاتب أبو الفضل ابن طاهر المعروف بابن محشوّة وبشَّراه، ويوم الاثنين بعده سئل عن مطالبه فقُضيت وزُوّد بأربعمائة دينار.
وذكر أبو المطرف أن إنساناً حدثه أن أبا المنصور رأى رسول الله ﷺ ، وأن أبا بحر كان عنده ظهيراً، ولولا هذا ما شفع فيه رسول الله
стр. 215
صلى الله عليه وسلّم. وذكروا أن المنصور لما سمع مدح أبي بحر ورثاءه للحسين أراد الإحسان إليه، وتسبب بالرؤيا لئلا يكثر عليه الشعراء، وادَّعى عندها محمد بن إدريس المعروف بابن مرج الكُحل أنَّه ذلك لتوافق اسمَيْ أبويهما، فقال أبو بحر يخاطبه:
يا سارقاً جاء في دعواه بالعجبِ ... سامحتُه في قريضي فادَّعى نسبي
يُنمى إلى العربِ العرباء مدَّعياً ... كذاك دَعوتُه للشعر والأدبِ
يا أيُّها المَرْج دَعْ للبحر لؤلؤه ... فالدُّرُّ للبحر ذي الأمواج والحدبِ
هبْ أنَّ شعرك شعري حين تسرقُهُ ... أنَّى أنا أنت أو أنَّى أبوك أبي
هذا النوع من الهجاء لا يسمح عند أكثر الأدباء، وتركتُ لأجل الهجاء من لم أجد له سواه ومنهم: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الفريّاني؛ وأبو بكر محمد بن عبد الله بن سدية؛ وأبو عبد الله محمد الواعظ الكفيف المعروف بالموروري، وسكن دانية ثمَّ بلنسية وكان مشهوراً أذاه؛ وأبو بكر محمد بن علي بن رفاعة الشريشي الطبيب؛ وأبو زكريا يحيى بن خالد الشريشي؛ وأبو سعيد ميمون بن علي المعروف بابن خبازة وتوفي برباط الفتح سنة سبع وثلاثين وستمائة؛ وأبو موسى عيسى بن عبد الله الدجي؛
следующие страницы →