← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 26140

الحجة في القراءات السبع

ابن خالويه

Полный текст (378 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قوله تعالى: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا «١». يقرأ بالرفع. والنصب. فلمن رفع وجهان: أحدهما: بالخبر لقوله: (إنّما بغيكم) متاع الحياة. والآخر: أن يجعل تمام الكلام عند قوله: (على أنفسكم)، ثمّ يرفع ما بعده بإضمار (هو) كما قال: بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ «٢»، أي هي النار. والحجة لمن نصب: أنه أراد: الحال، ونوى بالإضافة الانفصال، أو القطع من تمام الكلام. قوله تعالى: قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً «٣». يقرأ بفتح الطاء. وإسكانها. فالحجة لمن فتحها: أنه أراد جمع قطعة على التكسير. والحجة لمن أسكنها: أنه أراد: ساعة من الليل. ودليله قوله: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ «٤». أو أراد الفتح، فأسكن تخفيفا. قوله تعالى: هُنالِكَ تَبْلُوا «٥». يقرأ بالباء والتاء. فالحجة لمن قرأه بالباء: أنه أراد تختبر. ودليله قوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ «٦». والحجة لمن قرأه بالتاء: أنه أراد به: التّلاوة من القراءة. ومعناه: (تقرؤه في صحيفتها). ودليله: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ «٧». قوله تعالى: حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ «٨». يقرأ بالتوحيد، والجمع. وإنما حمل من قرأه بالجمع على ذلك كتابته في السواد بالتاء. وقد ذكرت علله آنفا «٩». قوله تعالى: أَمَّنْ لا يَهِدِّي «١٠». يقرأ بفتح الياء وإسكان الهاء، وكسر الدال والتخفيف، وبفتح الهاء وكسر الدال والتشديد. وبكسر الياء والهاء والدال. وبفتح الياء وإسكان الهاء وتشديد الدّال فيهما. فالحجة لمن أسكن الهاء وخفف: أنه أخذه من هدى في الماضي بتخفيف الدال. والحجة لمن فتح الهاء. وشدّد: أنه أخذه من اهتدى في الماضي،

стр. 177

فأراد: يهتدى، ثم نقل فتحة التاء إلى الهاء، فبقيت التاء ساكنة فأدغمها في الدال للمقاربة فشدّد لذلك. والحجة لمن كسر الهاء والياء قبلها، وشدّد أنه أراد: ما ذكرناه في التاء إلّا أنه لم ينقل الحركة بل حذفها، وأسكن التاء فالتقى ساكنان فكسر الهاء لالتقائهما، وكسر الياء لمجاورة الهاء. والحجة لمن أسكن الهاء وشدد الدال فجمع بين ساكنين: أنه أراد نيّة الحركة في الهاء. ومثل هذا إنما يحسن فيما كان أحد الساكنين حرف مدّ أولين، لأن المدّ الذي فيه يقوم مقام الحركة. فأما ما رواه (اليزيدي) عن أبي عمرو: أنه كان يسكن الهاء ويشمّها شيئا من الفتح، فإنه وهم في الترجمة، لأن السكون ضد الحركة، ولا يجتمع الشيء وضده، ولكنه من إخفاء الفتحة، واختلاسها لا من الإسكان. قوله تعالى: هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ «١». يقرأ بالياء والتاء. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه ردّه على قوله: فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا «٢» فجاء بالياء على وجه واحد. والحجة لمن قرأه بالتاء: أنه أراد بها: مواجهة الخطاب للصحابة. واحتجّ بأنه قد قرئ (فلتفرحوا) بالتاء، وهو ضعيف في العربية، لأن العرب لم تستعمل الأمر باللام للحاضر إلّا فيما لم يسمّ فاعله كقولهم: لتعن بحاجتي. ومعنى: (فبذلك) إشارة إلى القرآن لقوله: قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ «٣» يعني به: القرآن لقوله: هو خير ممّا يجمع الكفرة. قوله تعالى: وَما يَعْزُبُ «٤». يقرأ بضم الزاي وكسرها ومعنى يعزب: يبعد ويغيب. ومنه قولهم: المال عازب في المرعى. وقد تقدّم القوم في الضمّ والكسر، فأغنى عن الإعادة «٥». قوله تعالى: وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ «٦». يقرءان بالنصب، والرفع. فالحجة لمن نصبهما: أنهما في موضع خفض بالرّدّ على قوله: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ. ولم يخفضا، لأنهما على وزن (أفعل) منك. وما كان على هذا الوزن لم ينصرف في معرفة

стр. 178

ولا نكرة. والحجة لمن قرأه بالرفع: أنه ردّه على قوله: «مثقال ذرة» قبل دخول (من) عليها، فردّ اللفظ على المعنى، لأن (من) هاهنا زائدة. قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ «١». يقرأ بقطع الألف ووصلها. فالحجة لمن قطع: أنه أخذه من قولهم: أجمعت على الأمر: إذا أحكمته، وعزمت عليه. وأنشد: يا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع «٢» والحجة لمن وصل: أنه أخذه من قولهم: جمعت. ودليله قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ «٣» فهنا من: جمعت، لا من أجمعت؟ قوله تعالى: ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ «٤». يقرأ بالاستفهام وبتركه. فالحجة لمن استفهم: أنه جعل «ما» فيه بمعنى: أي شيء جئتم به، السحر هو؟ دليله: قوله تعالى: أَسِحْرٌ هذا «٥» وهي ألف التوبيخ بلفظ الاستفهام، لأنهم قد علموا أنه سحر. والحجة لمن ترك الاستفهام: أنه جعل (ما) بمعنى الذي، يريد: الذي جئتم به السحر، ف «ما» مبتدأة، و (جئتم) صلة (ما) و (به) عائدها و (السحر) خبر الابتداء ف «ما» والذي هاهنا بمعنى) «٦». قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعانِّ «٧» يقرأ بإسكان التاء وتخفيفها. وبفتحها وتشديدها. فالحجة لمن خفّف: أنه أخذه من تبع يتبع. والحجة لمن شدّد: أنه أخذه من اتّبع يتّبع. وهما لغتان: معناهما واحد. والنون مشددة لتأكيد النهي. ودخولها على الفعل مخففة

стр. 179

ومشددة في أربعة مواضع: للتأكيد في الأمر، والنهي، والاستفهام، والجزاء. وتخرج «١» منه ولها أحكام. قوله تعالى: آمَنْتُ أَنَّهُ «٢». يقرأ بكسرة الهمزة وفتحها. فالحجة لمن كسر: أنه جعل تمام الكلام عند قوله تعالى: آمَنْتُ، ثم ابتدأ إنّ فكسرها. والحجة لمن فتح: أنه وصل آخر الكلام بأوله وهو يريد: آمنت بأنه، فلما أسقط الباء وصل الفعل إلى أن فعمل فيها. قوله تعالى: آلْآنَ «٣». يقرأ بإسكان اللام وتحقيق الهمزة بعدها. وبفتح اللام وتخفيف الهمزة الثانية. فالحجة لمن حقّق: أنه أتى بالكلام على أصل ما وجب له ووفّاه حقه. والحجة لمن خفف: أنه نقل حركة الهمزة إلى اللام الساكنة فحرّكها بحركتها، وأسقطها كما قرأ (قد افلح المؤمنون): قد افلح بفتح الدال وتخفيف الهمزة. فإن قيل: لم بني (الآن) وفيه الألف واللام؟ فقل: قال الفراء «٤»: أصله: أوان، فقلبوا الواو ألفا، فصار آان ثم دخلت اللام على مبنيّ فلم تغيّره عن بنائه «٥». واستشهد على ذلك بقول الشاعر:- فإني حبست اليوم والأمس قبله ... ببابك حتى كادت الشمس تغرب «٦» فأدخل الألف واللام على مبني، ولم يغيره عن بنائه. وقال سيبويه «٧»: (الآن) إشارة إلى وقت أنت فيه، بمنزلة (هذا)، والألف واللام تدخل لعهد قد تقدّم، فلما دخلت هاهنا لغير عهد ترك مبنيّا. وقال المبرد: إنما بني الآن مع الألف واللام، لأن معرفته وقعت قبل نكرته، وليس يشركه غيره في التسمية، فتكون الألف واللام معرّفة له، وإنما تعني به الوقت الذي أنت فيه.

стр. 180

من الزمان فلذلك بني، وخالف نظائره من الأسماء. قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ «١». يقرأ بالياء والنون، وعلّته قد أتى عليها فيما تقدم «٢». قوله تعالى: نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ «٣». يقرأ بالتخفيف والتشديد. والحجة لمن خفف: أنه أخذه من: أنجينا ننجي. ودليله قوله تعالى: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ «٤». والحجة لمن شدّد: أنه أخذه من: نجيّنا ننجّي. ودليله قوله تعالى: وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ «٥». والتشديد أولى، لإجماعهم عليه في الأولى «٦». قوله تعالى: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى «٧». يقرأ بالياء والنون. فالحجة لمن قرأ بالياء: أنه ردّه على قوله (إلّا بإذن الله) ويجعل. والحجة لمن قرأه بالنون: أنه ردّه على قوله: (فاليوم ننجّيك ببدنك)، ونجعل. قوله تعالى: أَنْ تَبَوَّءا «٨» وزنه: تفعّلا، يوقف عليه بالهمزة، وألف بعدها، وبترك الهمز، وبياء مكان الهمزة وألف بعدها. فالحجة لمن همز: أنه أتى به على أصله، فوقف عليه، كما وصله. والحجة لمن أسقطها: أنه قنع بالإشارة منها، لوقوعها طرفا فجرى على أصله. والحجة لمن قلبها ياء: أنّه ليّنها فصارت ألفا، والألف لا تقبل الحركة، فقلبها ياء، لأن الياء أخت الألف في المدّ واللّين، إلّا أنها تفضلها بقبول الحركة «٩».

стр. 181

قوله تعالى: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ «١». يقرأ بفتح الهمزة وكسرها. فالحجة لمن فتح. أنه أراد: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه بأني لكم، فلما حذف الباء وصل الفعل فعمل. والحجة لمن كسر: أنه جعل الكلام تامّا عند قوله: إلى قومه، ثم ابتدأ مستأنفا، فكسر. قوله تعالى: بادِيَ الرَّأْيِ «٢». يقرأ بياء مفتوحة، وبالهمز. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه أخذه من. بدأ يبدأ إذا أخذ في فعل الشيء، فإن وقف عليه واقف استوى المهموز فيه وغيره، فكان بياء ساكنة، لأن الهمزة تسكن في الوقف، وقبلها كسرة، فتقلب ياء، والهمزة عند الوقف جائزة لا تمتنع، لأنها حرف صحيح، وإنما تسقط في الوقف إذا كان قبلها ساكن. قوله تعالى: فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ «٣». يقرأ بضم العين والتشديد، وبفتحها والتخفيف. فالحجة لمن ضمّ وشدّد: أنه دلّ بذلك على بناء الفعل لما لم يسمّ فاعله. ودليله: أنها في حرف (عبد الله) «٤» و (أبي) «٥» (فعمّاها عليكم). والحجة لمن فتح وخفف: أنه جعل الفعل للرحمة «٦». ومعناهما قريب. يريد: فخفيت. قوله تعالى: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ «٧». يقرأ بالتنوين. والإضافة، هاهنا وفي سورة المؤمنين «٨». فالحجّة لمن نوّن: أنه أراد من كل جنس، ومن كل نوع: زوجين، فجعل التنوين دليلا على المراد. والحجة لمن أضاف: أنه أراد: أن يجعل الزوجين محمولين، وجمع بين سائر الأصناف. وعنى بقوله: زوجين: ذكرا وأنثى، لأن كل اثنين لا ينتفع بأحدهما إلّا أن يكون صاحبه معه، فكل واحد منهما زوج للآخر. وأكّد بقوله: (اثنين) كما قال: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ «٩» فأكّد من غير لبس.

стр. 182

قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها «١». يقرأ بضم الميم وفتحها، وبالإمالة والتفخيم. فالحجة لمن ضم: أنه أراد: المصدر من قولك: أجرى يجري مجرى. والحجة لمن فتح: أنه أراد المصدر من قولك: جرت مجرى. فأما ضمّ الميم في (مرساها) فإجماع. وفيه من الإمالة ما في قوله (مجراها). والحجة في ذلك مذكورة فيما سلف. قوله تعالى: يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا «٢». يقرأ بكسر الياء وفتحها. وبإدغام الباء في الميم وإظهارها. فالحجة لمن كسر الياء: أنه أضاف إلى نفسه، فاجتمع في الاسم ثلاث ياءات، ياء التصغير، وياء الأصل «٣»، وياء الإضافة، فحذفت ياء الإضافة اجتزاء بالكسرة التي قبلها لأن النداء مختص بالحذف، لكثرة استعماله. والحجة لمن فتح: أنه أراد: (يا بنياه) فأسقط الألف والهاء، وبقّى الياء على فتحها، ليدل بذلك على ما أسقط. والحجة لمن أدغم «٤»: مقاربة مخرج الحرفين، وبناء الباء على السكون للأمر، فحسن الإدغام لحسنه في قوله تعالى: وَدَّتْ طائِفَةٌ «٥». والحجة لمن أظهر: أنه أتى بالكلام على الأصل، لأن الأصل: الإظهار، والإدغام فرع عليه. قوله تعالى: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ «٦». يقرأ بالتنوين ورفع غير، وبالفتح ونصب غير. فالحجة لمن نوّن ورفع «غير»: أنه جعله اسما أخبر به عن إنّ ورفع «غير» اتباعا له على البدل. ومعناه: إن سؤالك إيّاي أن أنجي كافرا ليس من أهلك عمل غير صالح. والحجة لمن فتح: أنه جعله فعلا ماضيا وفاعله مستتر فيه، وغير منصوب لأنه وصف قام مقام الموصوف. ومعناه: أنه عمل عملا غير صالح. قوله تعالى: فَلا تَسْئَلْنِي «٧». يقرأ بإسكان اللام ونون وياء بعدها، وبفتح اللام ونون شديدة وياء بعدها. فالحجة لمن أسكن اللّام: أنه جعل السكون علامة للجزم بالنّهي، والنون والياء كناية عن اسم الله تعالى في محلّ نصب. والحجة لمن فتح اللّام وشدد النون أنه أراد: تأكيد النهي، فالتقى ساكنان: سكون اللام للجزم، وسكون النون المدغمة،

стр. 183

فحركت اللام لالتقاء الساكنين وبقيت النون على فتحها، وقرأه بعض القرّاء بكسر النون. والحجة له أنه: خزل ياء الإضافة واجتزأ بالكسرة منها. قوله تعالى: وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ «١». يقرأ وما شاكله في قوله: مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ «٢» ومِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ «٣» بالتنوين وفتح (يوم). وبترك التنوين وخفض يوم. وببناء (يوم) مع ترك التنوين. فالحجة لمن نوّن ونصب: أنه أراد بالنصب خلاف المضاف، لأن التنوين دليل، والإضافة دليل، ولا يجتمع دليلان في اسم واحد. والحجة لمن ترك التنوين وأضاف: أنه أتى به على قياس ما يجب للأسماء، ولمن بناه مع ترك التنوين وجهان: أحدهما أنه جعل «يوم» مع «إذ» بمنزلة اسمين جعلا اسما واحدا، فبناه على الفتح كما بني خمسة عشر. والثاني: أنه لما كانت «إذ» اسما للوقت الماضي، واليوم من أسماء الأوقات أضفتهما إضافة الأوقات إلى الجمل، كقولك: جئتك يوم قام زيد، فيكون كقولك: جئتك إذ قام زيد. فلمّا كانت «إذ» بهذه المثابة بني اليوم معها على الفتح لأنه غير متمكن من الظروف، وجعل تنوين (إذ) عوضا من الفعل المحذوف بعدها، لأن معناه: يوم إذ قدم الحاج وما شاكل ذلك. قوله تعالى: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ «٤». يقرأ وما شاكله من الأسماء الأعجمية مصروفا وغير مصروف. فلمن صرفه وجهان: أحدهما: أنه جعله اسم حيّ أو رئيس فصرفه، والآخر: أنه جعله «فعولا» من الثمد وهو: الماء القليل فصرفه. والحجة لمن لم يصرفه: أنه جعله اسما للقبيلة، فاجتمع فيه علتان فرعيتان منعتاه من الصرف: إحداهما: للتأنيث وهو فرع للتذكير، والأخرى: التعريف وهو فرع للتنكير. والقرّاء مختلفون في هذه الأسماء، وأكثرهم يتبع السّواد، فما كان فيه بألف أجراه «٥» وما كان بغير ألف منعه الإجراء.

стр. 184

فأما قوله: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ «١» فإنما ترك إجراؤه لاستقبال الألف واللام، فطرح تنوينه كما قرءوا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ «٢». قوله تعالى: قالُوا: سَلاماً قالَ: سَلامٌ «٣». يقرأ بإثبات الألف وفتح السين، وبكسرها وحذف الألف «٤». فالحجة لمن أثبت وفتح: أنه جعله من التحيّة والسلام، ومعناه: تسلّما منكم تسأّما. أو يريد: تركناكم تركا، فكأنه قال: قالوا: تركا. فردّ عليهم: ترك. ومنه قولهم: لا تكن من فلان إلّا سلاما تسلم. معناه: إلّا مباينا له متاركا. فالأول: منصوب على المصدر. والثاني: مرفوع بالابتداء. والحجة لمن حذف الألف، وكسر السين: أنه جعله من الصلح. والمسالمة يريد قالوا: نحن سلم. قوله تعالى: وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ «٥». يقرأ برفع الباء ونصبها. فالحجة لمن رفع: أنه أراد: الابتداء، وجعل الظرف خبرا مقدّما كما تقول: من ورائك زيد. والحجة لمن نصب: أنه ردّه بالواو على قوله: وبشّرناها. وجعل البشارة بمعنى الهبة فكأنه قال: ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوب. وكان بعض النحاة يقول: هو في موضع خفض، إلا أنه لا ينصرف. وهذا بعيد، لأنه عطفه على عاملين (الباء) «٦» و (من). قوله تعالى: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ «٧». يقرأ بقطع الألف ووصلها. فالحجة لمن قطع: أنه أخذه من: «أسرى». ودليله قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى «٨». والحجة لمن وصل: أنه أخذه من سرى، وهما لغتان أسرى وسرى. وبيت النابغة «٩» شاهد لهما.

стр. 185

سرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجى الشّمال عليه جامد البرد «١» ويروي أسرت عليه. وقيل معنى أسرى: سار من أول الليل، وسرى: سار من آخره. قوله تعالى: إِلَّا امْرَأَتَكَ «٢». يقرأ بالرفع والنصب. فالحجة لمن رفع: أنه استثناها من قوله: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ «٣». والحجة لمن نصب: أنه استثناها من قوله: فأسر بأهلك «٤». قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا «٥». يقرأ بفتح السين وضمّها. فالحجة لمن فتحها: أنه بنى الفعل لهم فرفعهم به. والحجة لمن ضمها: أنه بنى الفعل لما لم يسمّ فاعله و (سعد) يصلح أن يتعدّى إلى مفعول، وأن لا يتعدّى، كقولك: سعد زيد وسعده الله، وجبر زيد، وجبره الله، قال العجّاج «٦» فأتى باللغتين: قد جبر الدّين الإله فجبر ... وعوّر الرحمن من ولّى العور «٧» قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ «٨». يقرأ بتشديد إنّ وتخفيفها. فالحجة لمن شدّد: أنه أتى بالحرف على أصل ما بني عليه فنصب به الاسم. والحجة لمن خفف: أنه جعلها مخفّفة من المثقلة، فأعملها عمل المثقلة، لأنها مشبهة بالفعل. فلما كان الفعل يحذف منه،

стр. 186

فيعمل عمله تاما كقولك: سل «١» زيدا أو قل «٢» الحق كانت إنّ بهذه المثابة. ولو رفع ما بعدها في التخفيف لكان وجها. واحتج أنه لما كانت إنّ مشبهة بالفعل لفظا ومعنى، عملت عمله، والمشبه بالشيء أضعف من الشيء، فلما خفّفت عاد الاسم بعدها إلى الابتداء والخبر، لأنها عليه دخلت. قوله تعالى: لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ «٣» يقرأ بتشديد الميم، وتخفيفها. فالحجّة لمن خفف: أنه جعل اللام داخلة على خبر (إنّ). و (ليوفّينّهم) لام تحتها قسم مقدّر. و «ما» صفة عن ذات الآدميين كقولك: إنّ عندي لما غيره خير منه. والحجة لمن شدّد: إنه أراد: (لمن ما) فقلب لفظ النون ميما، ثم أدغمها في الميم بعد أن أسقط إحدى الميمات تخفيفا واختصارا، لأنهنّ ثلاث في الأصل. قوله تعالى: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ «٤». يقرأ بفتح الياء وكسر الجيم. وبضم الياء وفتح الجيم. فالحجة لمن ضم: أنه أراد: يردّ الأمر. والحجة لمن فتح: أنه أراد: يصير الأمر. ومعناهما قريب. قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ «٥» يقرأ بالياء والتاء. وقدمنا من ذكره في نظائره ما يغني عن إعادته إن شاء الله. ومن سورة يوسف قوله تعالى: يا أَبَتِ «٦». يقرأ بفتح التاء وكسرها. فالحجة لمن فتح: أنه أراد (يا أبة) بالهاء «٧» ثم رخّم الهاء فبقي (يا أب)، ثم أعاد إلى الاسم هاء السكت، وأدرج، فبقيت

стр. 187

الهاء على فتحها، كقولك: يا طلح في الترخيم، ثم تأتي بالهاء فتقول: يا طلحة أقبل. قال النابغة: «١» كليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب «٢» فهذه الهاء ليست التي كانت في الاسم، ولكنها المردودة بعد الحذف. والدليل على ذلك فتحها. والحجة لمن كسرها: أنه أراد: الإضافة إلى النفس فاجتزأ بالكسرة من الياء «٣» لكثرة الحذف في النداء. فأما الوقف على (يا أبت) فبالهاء، والتاء. والحجّة لمن وقف بالهاء أنه شبهها بالهاء التي في (عمة) و (خالة)، فإذا وقف على هذه أخلص لفظها هاء، وإنما الهاء هاهنا عوض عن ياء الإضافة، لأنهم كانوا يحذفونها كما يحذفون التنوين، فجاءوا بهذه الهاء في الأمّ توكيدا للتأنيث، وفي الأب إذ لم يكن له تأنيث من لفظه، لأنك تقول: أبوان لأم وأب، ولا تقول لهما: «أمان» فصار «أب» و «أبه» اسمين للأب معا، ولا يقع هذا في غير النداء. والحجة لمن وقف عليها بالتاء أن أصل كل هاء وقعت للتأنيث فرقا أن تردّ إلى التاء في الوقف والدّرج، لأن التاء الأصل. والدليل على ذلك قولك: قامت جاريتك، فالتاء الأصل، لأنه قد تدخل الهاء في أسماء المذكر وصفاته، فلذلك ردّت الهاء إلى التّاء. قوله تعالى: آياتٌ لِلسَّائِلِينَ «٤». يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحد: أنه جعل أمر يوسف ﵇ كله عبرة وآية. ودليله قوله: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ «٥»

стр. 188

يقل: (عبرا)، ويكون قد ناب بالواحد عن الجميع كقوله: أَوِ الطِّفْلِ «١». والحجة لمن جمع: أنه جعل كلّ فعل من أفعاله آية فجمع لذلك. وسهّله عليه كتبها في السواد بالتاء. ووزن آية عند الفراء «٢»: فعلة: (أيّة). وعند الكسائي (فاعلة) «٣» (آيية). وعند (سيبويه) «٤» (فعلة) (أيية). قوله تعالى: مُبِينٍ اقْتُلُوا «٥» يقرأ بضم التنوين وكسره. وقد ذكرت علّته في النساء «٦». قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ «٧». يقرأ بالتفخيم والإمالة. فالحجة لمن فخم: أنه أتى به على الأصل. والحجة لمن أمال: أنه دلّ بالإمالة على أن ألفها ألف تأنيث، لأنها راجعة إلى التاء لفظا. وروي عن الكسائي: أنه أمال هذه، وفتح قوله لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ «٨». فإن كان فعل ذلك ليفرّق بين النصب والخفض فقد وهم. وإن كان أراد الدلالة على جواز اللغتين فقد أصاب، لأن اللفظ بهما- للقصر الذي فيهما- واحد في جميع وجوه الإعراب. قوله تعالى: فِي غَيابَتِ الْجُبِّ «٩». يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجة لمن وحّد: أنه أراد: موضع وقوعه فيه، وما غيّبه منه، لأنه جسم واحد، شغل مكانا واحدا. والحجة لمن جمع: أنه أراد ظلم البئر ونواحيه، فجعل كل مكان في غيابة. قوله تعالى: يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ «١٠». يقرءان بالنون والياء، وبكسر العين وإسكانها. فالحجة لمن قرأهما بالنون: أنه أخبر بذلك عن جماعتهم. والحجة لمن قرأه بالياء: أنه أخبر بذلك عن يوسف دون إخوته. والحجة لمن أسكن العين: أنه أخذه من رتع يرتع:

стр. 189

إذا اتسع في الأرض مرحا ولهوا. ونلعب: نلهو ونسرّ. والحجة لمن كسرها: أنه أخذه من الرّعى. وأصله: إثبات الياء فيه فحذفها دلالة على الجزم، لأنه جواب للطلب في قولهم. أرسله معنا، فبقيت العين على الكسر الذي كانت عليه. فإن قيل كيف يلعبون وهم أنبياء؟ فقل: لم يكونوا إذ ذاك أنبياء. قوله تعالى: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ «١». يقرأ الذئب بإثبات الهمزة وتركها. فالحجة لمن همز: أنه أتى به على أصله، لأنه مأخوذ من تذؤب الريح: وهو «هبوبها» من كل وجه، فشبه بذلك لأنه، إذا حذر من وجه أتى من آخر. والحجة لمن ترك الهمزة: أنها ساكنة، فأراد بذلك: التخفيف. قوله تعالى: يا بُشْرى «٢». يقرأ بإثبات الألف وفتح الياء، وبطرحها وإسكان الياء. فالحجة لمن أثبتها: أنه أراد: الإضافة إلى نفسه كقوله: (يا حسرتي) و (يا ويلتي). والحجة لمن طرح: أنه جعله اسم غلام مأخوذ من البشارة، مبنيّ على وزن: (فعلى). فأما الإمالة فيه فلمكان الراء، وحقيقتها على الياء، فأشار بالكسر إلى الراء، ليقرب من لفظ الياء قوله تعالى: هَيْتَ لَكَ «٣». يقرأ بفتح الهاء وكسرها، وبضم التاء وفتحها. فالحجة لمن فتح الهاء، وضم التاء: أنه شبهه ب «حيث». ومن كسر الهاء وفتح التاء، فإنما كسرها لمكان الياء. والحجة لمن فتح الهاء والتاء: أنه جعلها مثل الهاء في (هلمّ) وفتح التاء، لأنها جاءت بعد الياء الساكنة كما قالوا: (أين) و (ليت) و (كيف). قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ «٤». يقرأ بفتح اللام وكسرها. فالحجة لمن فتح: أنه أراد: اسم المفعول به من قولك: أخلصهم الله فهم مخلصون. والحجة لمن كسر: أنه أراد اسم الفاعل من أخلص فهو مخلص. ومنه قوله تعالى في سورة مريم: إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً «٥».

стр. 190

قوله تعالى: حاشَ لِلَّهِ «١». يقرأ بإثبات الألف في آخره وصلا ووقفا، وبحذفها في الوجهين معا. فالحجة لمن أثبتها: أنه أخذه من قولك: حاشى يحاشي. والحجة لمن حذف أنه اكتفى بالفتحة من الألف فحذفها، واتّبع فيها خط السواد. ومعناها هاهنا: معاذ الله. وهي عند النحويين بمعنى: أستثني. واستشهدوا بقول النابغة: «٢» * وما أحاشي من الأقوام من أحد «٣» * قوله تعالى: دَأَباً «٤». يقرأ بإسكان الهمزة وفتحها. فالحجة لمن أسكن: أنه أراد المصدر. والحجة لمن فتح: أنه أراد الاسم. ويجوز أن يكون أصله الفتح، فأسكن تخفيفا. والعرب تستعمل ذلك فيما كان ثانيه حرفا من حروف الحلق مثل (النّهر) و (المعز). والدّأب معناه: المداومة على الشيء وملازمته، والعادة. قال الكميت: «٥» هل تبلغنيكم المذكّرة ال ... وجناء والسّير مني الدّأب «٦»

стр. 191

والاختيار: السكون لإجماعها عليه في قوله: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ «١». قوله تعالى: وَفِيهِ يَعْصِرُونَ «٢» يقرأ بالياء والتاء. فالحجة لمن قرأ بالياء: أنه ردّه على قوله: (فيه يغاث الناس). ومن قرأه بالتاء فحجته: أنه خصّهم بذلك دون الناس. قوله تعالى: حَيْثُ يَشاءُ «٣». يقرأ بالياء والنون. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه جعل الفعل ليوسف. والحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعل الإخبار بالفعل لله تعالى، لأن المشيئة له، لا ليوسف إلّا بعد مشيئته . قوله تعالى: وَقالَ لِفِتْيانِهِ «٤» يقرأ بالياء والتاء. وبالألف والنون. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه أراد: الجمع القليل: مثل (غلمة) و (صبية) والحجة لمن قرأه بالألف والنون: أنه أراد: الجمع الكثير مثل (غلمان) و (صبيان). فإن قيل: وزن (فتى) فعل، و (فعل) لا يجمع على: فعلة فقل: لما وافق (غلمانا) في الجمع الكثير «٥» جمعوا بينهما في القليل ليوافقوا بينهما. قوله تعالى: نَكْتَلْ «٦». يقرأ بالنون والباء. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه أراد: انفراد كل واحد منهم بكيله. والحجة لمن قرأه بالنون: أنه أخبر بذلك عن جماعتهم، وأدخل أخاهم في الكيل معهم. وأصله: (نفتعل) فاستثقلوا الكسرة على الياء «٧» فحذفت، فانقلبت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها فالتقى ساكنان فحذفت لالتقاء الساكنين.

стр. 192

قوله تعالى: فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ «١». يقرأ بتقديم الياء قبل الهمزة فيكون الياء فاء الفعل. وبتقديم الهمزة قبل الياء فيكون الياء عين الفعل. ومثله حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ «٢». فالحجة لمن جعل الياء فاء الفعل «٣»: أنه أخذه من قولهم: يئس، ييأس «٤» يأسا. والحجة لمن جعل الهمزة فاء الفعل: أنه أخذه من قولهم: أيس يأيس إياسا «٥». وقد قرئ بتخفيف الهمزة. فالحجة لمن خففها، وجعل الياء فاء الفعل «٦»: أنه يجعلها ياء مشددة، لأنه أدغم فاء الفعل، لسكونها في العين (وحركها «٧») بحركتها. والحجة لمن خففها، والهمزة فاء الفعل: أنه يجعلها ألفا خفيفة للفتحة قبلها «٨». قوله تعالى: خَيْرٌ حافِظاً «٩». يقرأ بإثبات الألف بعد الحاء، وبحذفها. والأصل فيهما: والله خيركم حفظا، وحافظا، فنصب قوله: (حفظا) على التمييز ونصب قوله: «حافظا» على الحال، ويحتمل التمييز. وإنما كان أصله الإضافة، فلما حذفها خلفها بالتنوين. فإن قيل: فما الفرق بين قولهم: زيد أفره عبد بالخفض، وزيد أفره عبد بالخفض، وزيد أفره عبدا بالنصب؟ فقل إذا خفضوا فالفاره هو: العبد، وإنما مدحته في ذاته، وإذا نصبوا فالعبد غير زيد، ومعناه: زيد أفرهكم عبدا أو أفره عبدا من غيره. فهذا فرقان بيّن.

стр. 193

قوله تعالى: إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ «١». يقرأ بالياء والنون، وفتح الحاء مع الياء ذكرها مع النون. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه جعله فعل ما لم يسم فاعله. والحجة لمن قرأه بالنون أنه جعله من إخبار الله تعالى عن نفسه بالنّون. قوله تعالى: أَإِنَّكَ «٢». يقرأ بهمزتين محققتين وبهمزة ومدة وياء بعدها، وبالإخبار من غير استفهام. فالحجة لمن حقّق: أنّ الأولى للاستفهام، والثانية همزة إنّ، فأتى بهما على أصلهما. والحجة لمن همزه ومدّ وأتى بالياء: أنه فرّق بين الهمزتين بمدّة، ثم ليّن الثانية فصارت ياء لانكسارها. والحجة لمن أخبر ولم يستفهم: أجابته لهم بقوله: (أنا يوسف). ولو كانوا مستفهمين لأجابهم بنعم، أولا، ولكنهم أنكروه فأجابهم محقّقا. قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ «٣». القراءة بكسر القاف وحذف الياء علامة للجزم بالشّرط إلا ما رواه (قنبل) «٤» عن (ابن كثير) «٥» بإثبات الياء. وله في إثباتها وجهان: أحدهما: أن من العرب من يجرى الفعل المعتل مجرى الصحيح فيقول: لم يأتي زيد، وأنشد: ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بني زياد «٦» والاختيار في مثل هذا حذف الياء للجازم، لأن دخول الجازم على الأفعال يحذف الحركات الدّالة على الرفع إذا وجدها. فإن عدمها لعلة حذفت الحروف التي تولّدت منها

стр. 194

الحركات، لأنها قامت مقامها، ودلّت على ما كانت الحركات تدلّ عليه. وإنما يجوز إثباتها مع الجازم في ضرورة الشاعر. والوجه الثاني: أنه أسقط الياء لدخول الجازم، ثم بقّى القاف على كسرتها، وأشبعها لفظا فحدثت الياء للإشباع كما قال الشاعر: أقول إذ خرّت على الكلكال ... يا ناقتي ما جلت من مجال «١» قوله تعالى: أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا «٢». يقرأ بتشديد الذّال وتخفيفها. فالحجة لمن شدّد: أنه جعل الظن «٣» للأنبياء بمعنى العلم. يريد: ولما علموا أنّ قومهم قد كذبوهم جاء الرسل نصرنا. والحجة لمن خفف: أنه جعل الظن للكفرة بمعنى الشك. وتقديره: وظن الكفرة أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من النّصر. قوله تعالى: فَنُجِّيَ «٤». يقرأ بجيم مشددة وفتح الياء، وبنونين وسكون الياء. فالحجة لمن قرأه بنون واحدة: أنه جعله فعلا ماضيا بني لما لم يسمّ فاعله، وسهل ذلك عليه كتابته في السواد بنون واحدة، لأنها خفيت للغنّة لفظا، فحذفت خطّا. والحجة لمن قرأه بنونين: أنه دلّ بالأولى على الاستقبال، وبالثانية على الأصل وأسكن الياء علما للرفع. ومن سورة الرّعد قوله تعالى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ «٥». يقرأ بالتشديد والتخفيف. وقد ذكرت علته في الأعراف «٦». قوله تعالى: وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ «٧». «٨» يقرأ ذلك كله بالرفع،

стр. 195

والخفض. فالحجة لمن رفع: أنه ردّه على قوله: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ، والحجة لمن خفض: أنه ردّه على قوله (من أعناب وزرع). فإن قيل: لم ظهرت الواو في صنوان وحقها الإدغام؟ «١» فقل عن ذلك جوابان: أحدهما: أنها لو أدغمت لأشبه فعلان: فعّالا. والآخر: أنّ سكون النون هاهنا وفي قوله: (بنيان) و (قنوان) عارض، لأنها قد تتحرك في الجمع والتصغير. فلمّا كان السكون فيها غير لازم كان الإدغام كذلك. قوله تعالى: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ «٢». يقرأ بالياء والتاء. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه أراد: يسقى المذكور. والحجة لمن قرأه بالتاء: أنه ردّه على لفظ (جنّات). ولفظها مؤنث. قوله تعالى: وَنُفَضِّلُ «٣» يقرأ بالياء والنون. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه جعله إخبارا عن الله تعالى من الرسول. والحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله تعالى عن نفسه. وقوله تعالى: أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا «٤». يقرءان بالاستفهام فيهما، وباستفهام الأول والإخبار في الثاني. وقد تقدم ذكر علله والاحتجاج لمن قرأ به «٥». قوله تعالى: الْمُتَعالِ «٦». يقرأ بإثبات الياء وصلا ووقفا، وبإثباتها وصلا، وحذفها وقفا، وبحذفها وصلا ووقفا. فالحجة لمن أثبتها وصلا ووقفا: أنه أتى بالكلمة على ما أوجبه القياس لها، لأن الياء إنما كانت تسقط لمقارنة التنوين في النكرة، فلمّا دخلت الألف واللام زال التنوين فعاد لزواله ما سقط لمقارنته. والحجة لمن أثبتها وصلا وحذفها وقفا: أنه اتبع خط السّواد في الوقف، وأخذ بالأصل في الوصل، فأتى بالوجهين معا. والحجة لمن

стр. 196

حذفها فيهما: أن النكرة قبل المعرفة، فلما سقطت فيها الياء ثم دخلت الألف واللام دخلتا على شيء محذوف، فلم يكن لهما سبيل إلى ردّه. وله أن يقول: إن العرب تجتزى بالكسرة من الياء، فلذلك سقطت الياء في السّواد. ووزن (متعال): متفاعل من العلوّ. لام الفعل منن واو، انقلبت ياء لوقوعها طرفا، وكسر «١» ما قبلها. والدليل على أن اللغة لا تقاس، وإنما تؤخذ سماعا قولهم: الله متعال من تعالى، ولا يقال متبارك من (تبارك). فأما قولهم: تعالى يا رجل فكان أصله: (ارتفع) ثم كثر استعماله حتى قيل لمن كان في أعلى الدار: تعال إلى أسفل. فإن قيل كيف تنهي من قولك: (تعال) لأن نقيض الأمر النهي؟ فقل: إن العرب إذا غيّرت كلمة عن جهتها، أو جمعت بين حرفين، أو أقامت لفظا مقام لفظ ألزمته طريقة واحدة كالأمثال التي لا تنقل عن لفظ من قيلت فيه أبدا كقولهم في الأمر: هلمّ وهات يا رجل، وصه ومه فأمرت بذلك، ولم تنه منه، لأنها حروف أفعال، وضعت معانيها للأمر فقط، فأجريت (مجرى) الأمثال اللازمة طريقة واحدة بلفظها. قوله تعالى: أَمْ هَلْ تَسْتَوِي «٢». يقرأ بالتّاء والياء. وقد مضى الجواب في علته آنفا «٣» ومثله وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ «٤» بالتاء والياء. قوله تعالى: وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ «٥». يقرأ بفتح الصاد وضمّها. فالحجة لمن قرأها بالفتح: أنه دلّ بذلك على بناء الفعل لفاعله. والحجة لمن قرأها بالضم: أنه دلّ بذلك على بناء الفعل لما لم يسمّ فاعله. قوله تعالى: وَيُثْبِتُ «٦». يقرأ بالتخفيف والتشديد. فالحجة لمن خفّف: أنه أخذه

стр. 197

من أثبت يثبت. والحجة لمن شدّد: أنه أخذه من ثبّت يثبّت. ومعناه: يبقيه ثابتا فلا يمحوه ومنه. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا «١». والنحويون يختارون التخفيف لموافقته للتفسير، لأن الله تعالى إذا عرضت أعمال عبده عليه أثبت ما شاء، ومحا ما شاء. فإن قيل: كيف يمحو ما قد أخبر نبيّه ﵇ بأنه قد فرغ منه؟ فقل: إنما فرغ منه علما، وعلمه لا يوجب ثوابا ولا عقابا إلّا بالعمل، فإذا كتب الملك ثم تاب العبد، فمحاه الله تعالى قبل ظهور العمل كان ذلك له، لأن علمه به قبل الظهور كعلمه به بعده. قوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ «٢». يقرأ بالتوحيد والجمع. فالحجّة لمن وحّد أنه أراد به: أبا جهل فقط. والحجة لمن جمع: أنه أراد كل الكفار. ودليله أنه في حرف (أبيّ) «٣» «وسيعلم الذين كفروا» وفي حرف (عبد الله) «٤» «وسيعلم الذين كفروا». وإنما وقع الخلف في هذا الحرف، لأنه في خطّ الإمام بغير ألف، وإنما هو الكفر. ومن سورة إبراهيم قوله تعالى: إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ «٥». يقرأ بالرفع والخفض. فالحجة لمن رفع: أنه جعل الكلام تاما عند قوله: «الحميد»، ثم ابتدأ قوله: (الله الذي) فرفعه بالابتداء، وإنما حسن ذلك، لأن الذي قبله رأس آية. والحجة لمن خفض: أنه جعله بدلا من قوله: (الحميد) أو نعتا له. والبصريون يفرقون بين البدل والنعت فما كان حلية للإنسان جاءت بعد اسمه، ليفرق بذلك بينه وبين غيره ممّن له هذا الاسم فهو: النعت، كقولك: مررت بزيد الظريف.

стр. 198

وما بدأت فيه بالحلية، ثم أتيت بعدها بالاسم فهو: البدل كقولك: مررت بالظريف زيد. فاعرف الفرق في ذلك. قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ «١». يقرأ بإثبات الألف وطرحها. فالحجة لمن أثبتها: أنه جعله اسما للفاعل ورفعه بخبر إنّ وأضافه إلى (السموات) فكان بالإضافة في معنى: ما قد مضى وثبت. والحجة لمن طرحها: أنه جعله فعلا ماضيا وعدّاه إلى (السموات) فنصبها، وإن كان النصب فيها كالخفض، لأن الكسرة في جمع المؤنث السالم كالياء في جمع المذكّر السالم. قوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ «٢». تقرأ بفتح الياء وكسرها. فالحجة لمن فتح: أنه يقول: الأصل بمصرخيني، فذهبت النون للإضافة، وأدغمت الياء في الياء، فالتقى ساكنان، ففتح الياء لالتقائهما «٣» كما تقول: عليّ، ومسلميّ، وعشريّ. والحجة لمن كسر: أنه جعل الكسرة بناء لا إعرابا. واحتج بأن العرب تكسر لالتقاء الساكنين كما تفتح، وإن كان الفتح عليهم أخف. وأنشد شاهدا لذلك: قال لها هل لك يا تافيّ ... قالت له ما أنت بالمرضيّ «٤» قوله تعالى: لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ «٥». يقرأ بفتح اللام الأولى ورفع الفعل، وبكسرها ونصب الفعل. فالحجة لمن فتح، أنه جعلها لام التأكيد، فلم تؤثر في الفعل ولم تزله عن أصل إعرابه. وهذه القراءة توجب زوال الجبال لشدّة مكرهم وعظمه. وقد جاء به التفسير. والحجة لمن كسر: أنه جعلها لام كي، وهي في الحقيقة لام الجحد (وإن)

стр. 199

هاهنا بمعنى «ما». ومثله قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ «١». ومعنى ذلك: أن مكرهم لأضعف من أن تزول منه الجبال. قوله تعالى: وَتَقَبَّلْ دُعاءِ «٢» ويقرأ بإثبات الياء وصلا ووقفا، وبطرحها وقفا وإثباتها وصلا، وبطرحها من الوجهين معا. وقد ذكرت علة ذلك فيما سلف «٣». ومن سورة الحجر قوله تعالى: رُبَما يَوَدُّ «٤». يقرأ بتخفيف الباء وتشديدها. فالحجّة لمن خفّف: أنّ الأصل عنده في التشديد باءان، أدغمت إحداهما في الأخرى، فأسقط واحدة تخفيفا. والحجة لمن شدّد: أنه أتى بلفظها على الأصل، وهو الاختيار قال الشاعر: يا ربّ سار بات لن يوسّدا ... تحت ذراع العنس أو كفّ اليدا «٥» اختلف النحويون في نصب «اليد» هاهنا فقال قوم: موضعها خفض، ولكن الشاعر أتى بها على الأصل. وأصلها يدي، ثم قلب من الياء ألفا فقال «اليدا» كما قالوا: «الرّحا» و «العصا». والعرب تقلب الألف عند الضرورة ياء. ذكر ذلك (سيبويه) «٦» وأنشد:

стр. 200

* قواطنا مكّة من ورق الحمى «١» * أراد الحمام فأسقط الميم الأخيرة، ثم قلب الألف ياء، فلمّا قلبوا هاهنا من الألف ياء قلبوا هناك الياء ألفا. وقال (الأصمعي) «٢»: معنى كفّ هاهنا: قبض. وهو فعل ماض (واليد) منصوبة بتعدّي الفعل إليها. فإن قيل: (ربّ) موضوعة للتقليل، كما وضعت (كم) للتكثير، فما وجه الإتيان بها هاهنا؟ «٣» فقل: إنّ العرب استعملت إحداهما في موضع الأخرى. ومنه قولهم: إذا أنكروا النّونات لم يحذفها، وإنما الحذف في المدغمات كقوله تعالى: تَأْمُرُونِّي «١» وأَ تُحاجُّونِّي «٢». والحجة لمن فتح النون وخففها: أنه أراد: نون الإعراب الدّالّة على الرفع ولم نضفها إلى نفسه. قوله تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ «٣». يقرأ بفتح النون وكسرها. فالحجّة لمن فتح النون: أن بنية الماضي عنده بكسرها كقولك: علم يعلم. والحجة لمن كسر النون: أن بنية الماضي عنده بفتحها كقولك: ضرب يضرب. وهذا قياس مطّرد في الأفعال. والاختيار فيه هاهنا كسر النون لإجماعهم على الفتح في ماضيه عند قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا «٤». قوله تعالى: إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ «٥». يقرأ بالتشديد والتخفيف، وقد تقدّم القول في علته آنفا «٦». وأصله: لمنجووهم بكسر الجيم وواوين بعدها. الأولى: لام الفعل، والثانية: واو الجمع، فانقلبت الأولى ياء لانكسار ما قبلها، كما انقلبت في (نجا) ألفا لانفتاح ما قبلها، فصار لمنجيوهم، فاستثقلت الضمّة على الياء، فحذفت عنها، فبقيت ساكنة، والواو ساكنة، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين، وضمّت الجيم لمجاورة الواو. قوله تعالى: إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا «٧». يقرأ بالتشديد والتخفيف على ما تقدّم القول في أمثاله. فأما «قدر» بالتخفيف فيكون من التقدير والتقتير كقوله في «التقدير»: فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ «٨» وكقوله في التقتير: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ «٩».

стр. 201

قوله تعالى: أَصْحابُ الْأَيْكَةِ «١». يقرأ بإسكان اللام وتحقيق الهمزة، وبفتح اللام وتشديدها، وطرح الهمزة هاهنا وفي الشُّعَراءُ «٢» ولَبِالْمِرْصادِ «٣» وبِالْأَحْقافِ «٤». فالحجة لمن أثبت الهمزة: أن الأصل عنده في النكرة (أيكة)، ثم أدخل عليها الألف واللام للتعريف فبقى الهمزة على أصل ما كانت عليه. والحجة لمن ترك الهمز: أن أصلها عنده: (ليكة) على وزن فعلة، ثم أدخل الألف واللام فالتقى لامان الأولى ساكنة فأدغم الساكنة في المتحركة فصارت لاما مشددة. وقد قرأها بعضهم على أصلها: (ليكة المرسلين)، وترك صرفها للتعريف والتأنيث، أو لأنها معدولة عن وجه التعريف الجاري بالألف واللام. وقد فرّق بعض القراء بين الهمز وتركه، فقال: الأيكة اسم البلد. وليكة: اسم القرية. وقيل: هي الغيضة. ومن سورة النحل قوله تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ «٥». يقرأ بالإمالة والتفخيم. فالحجة لمن أمال: أنه دلّ على الياء. والحجة لمن فخّم: أنه أجرى الكلام على أصله، و «أتى» هاهنا ماض في معنى مستقبل. ودليله قوله: (فلا تستعجلوه) يريد به «الساعة». قوله تعالى: فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ «٦». يقرأ بالياء والتاء. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه جعله مما أمر الله نبيّه ﵇ أن يخبر به. والحجة لمن قرأه بالتاء: أنه أراد: معنى الخطاب، وأتى به تنزيها لله تعالى من عنده، فأنزله الله تصديقا لقوله. والتسبيح: ينقسم في اللغة أربعة أقسام: تنزيها، صلاة، واستثناء، ونورا. فالتنزيه، كقوله: . والصلاة: كقوله: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ «٧».

стр. 202

والاستثناء: كقوله: لَوْلا تُسَبِّحُونَ «١». والنّور: كقول النبي ﷺ : «فلولا سبحات وجهه «٢» أي: نور وجهه». قوله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ «٣». يقرأ بالياء والتاء، وضمّهما، وبالتشديد والتخفيف. فالحجة لمن قرأه بالتاء والتشديد: أنه جعل الفعل لما لم يسمّ فاعله، ورفعهم بذلك. والحجة لمن قرأه بالياء مشدّدا أو مخففا: أنه جعل الفعل لله ، فأضمره فيه لتقدّم اسمه، ونصب (الملائكة) بتعدّي الفعل إليهم. وأخذ المشدّد من نزّل، والمخفّف من أنزل. قوله تعالى: يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ «٤». يقرأ بالياء والنون. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه أخبر به عن الله لتقدّم اسمه في أول الكلام. والحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله عن نفسه بنون الملكوت. وقد تقدّم لذلك من الاحتجاج ما فيه بلاغ. قوله تعالى: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ «٥». يقرأ كله بالنصب، وبالرفع، وبالنصب إلّا قوله وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ فإنه رفع. فالحجة لمن نصبه: أنه عطفه بالواو على أول الكلام فأتى به على وجه واحد. والحجة لمن رفعه: أنه جعل الواو حالا لا عاطفة كقولك: كلمت زيدا وعمرو قائم فترفع عمرا بالابتداء، وقائم خبره. وكذلك قوله: (والشمس والقمر والنجوم) مبتدآت و (مسخرات) خبر عنهنّ. والحجة لمن رفع قوله: (والنجوم مسخّرات): أنه لما عطف: (والشمس والقمر) على قوله: (وسخّر لكم) لم يستحسن أن يقول: وسخر النجوم مسخرات، فرفعها قاطعا لها مما قبلها. فإن قيل: فما حجة من نصبها؟ فقل: بفعل مقدّر معناه: وجعل النجوم مسخرات. فإن قيل: فما معنى قوله: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ «٦» فوحّدها هنا، وقد جمع في أول الكلام؟ فقل: إنّ الله جعل النجوم ثلاثة أصناف: منها رجوم الشياطين، ومنها ما تهتدى به كالجدي والفرقدين، ومنها مصابيح وزينة. فأمّا النجم الثّاقب فقيل: «الثريّا»

стр. 203

وقيل: المتوقّد نورا لقولهم: أثقب نارك. والنجم: القرآن لقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى «١». قيل: هو نزول جبريل به. والنّجم من النبات: ما لا يقوم على ساق. قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ، وَالَّذِينَ يَدْعُونَ «٢». يقرأن بالتاء والياء وقد تقدّم من القول في مثاله ما يغني عن إعادته «٣». قوله تعالى: تُشَاقُّونَ فِيهِمْ «٤». يقرأ بفتح النون، وكسرها. والقول فيه كالقول في قوله: فبم تبشّرون) «٥». قوله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ «٦» يقرأ بالياء والتاء. وقد أتينا على علّته في قوله: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ «٧». قوله تعالى: تَتَوَفَّاهُمُ «٨». يقرأ بالإمالة والتفخيم. فالحجة لمن أمال: أنه دلّ على أصل الياء. والحجة لمن فخم: أنه لما زالت (الياء) «٩» عن لفظها، لانفتاح ما قبلها زالت الإمالة بزوال اللفظ. قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ «١٠». يقرأ بالتاء والياء على ما قدمنا من القول في أمثاله «١١». قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ «١٢». يقرأ بضم الياء وفتح الدال، وبفتح الياء وكسر الدال. فالحجة لمن قرأ بضم الياء: أنه أراد: لا يهدى من يضلّه الله فاسم (الله) منصوب ب (إنّ) و (يهدى) الخبر، وهو: فعل ما لم يسم فاعله و (من) في محل رفع و (يضل) صلة (من) وقد حذفت الهاء منه، لأن الهاء عائدة على «من»: ولا بدل (من)

стр. 204

و (ما) و (الذي) و (التي) و (أيّ) من صلة وعائد ومعرب، لأنّهن أسماء نواقص. والحجة لمن فتح الياء: أنه أراد: فإن الله لا يهدي من يضلّه أحد إلّا هو «١» (فيهدي): فعل لله و (من) في موضع نصب، بتعدّي الفعل إليه. قوله تعالى: كُنْ فَيَكُونُ «٢». يقرأ بالرفع والنصب. فالحجة لمن رفع: أنه أراد: فإنه يكون. والحجة لمن نصب: أنه عطفه على قوله: (أن نقول له)، ومثلها التي في آخر (يس) «٣». قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ «٤»، أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ «٥»، أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ «٦». يقرأن بالتاء والياء. فالحجة لمن قرأهن بالتاء: أنه أراد: معنى مخاطبتهم وتقريرهم بآيات الله، وبدائع خلقه. والحجة لمن قرأهن بالياء: أنه جعل الألف للتوبيخ، فكأنه قال موبّخا لهم: ويحهم! كيف يكفرون بالله وينكرون البعث ويعرضون عن آياته وهم يرون الطير مسخرات، وما خلق الله من شجر ونباتا، وما بدأه من الخلق؟ أفليس من خلق شيئا من غير شيء، فأنشأه، وكوّنه، ثم أماته، فأفناه قادرا على إعادته بأن يقول له: عد إلى حالتك الأولى؟. قوله تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ «٧». يقرأ بالياء والتاء. فالحجة لمن قرأ بالتاء: أنه جمع (ظل)، وكلّ جمع خالف الآدميين، فهو مؤنث، وإن كان واحده مذكّرا. ودليله، قوله في الأصنام: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ «٨» فأنّث لمكان الجمع. والحجة لمن قرأه بالياء: أنه وإن كان جمعا فلفظه لفظ الواحد، كقولك جدار، وعذار، ولذلك ناسب جمع التكسير الواحد، لأنه معرب بالحركات مثله.

стр. 205

فإن قيل: (أجاز) «١» مثل ذلك في قوله أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ «٢»؟ فقل: هذا لا يلزم، وإن كانا جمعين، لأن علامة التأنيث في قوله: (الظلمات) موجودة وفي قوله: (ظلال) معدومة. قوله تعالى: إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ «٣». يقرأ بالياء وفتح الحاء وبالنون وكسر الحاء. وقد ذكر ذلك مع أمثاله «٤». قوله تعالى: وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ «٥». يقرأ بفتح الراء وكسرها. فالحجة لمن فتح: أنه جعلهم مفعولا بهم لما لم يسمّ فاعله. ومعناه: منسيون من الرحمة، وقيل: مقدمون إلى النار. والحجة لمن كسر: أنه جعل الفعل لهم. وأراد: أنهم فرّطوا في الكفر والعدوان، فهم مفرطون. والعرب تقول: أفرط فلان في الأمر: إذا قصّر وإذا جاوز الحد. قوله تعالى: نُسْقِيكُمْ «٦». يقرأ بضم النون وفتحها هاهنا وفي المؤمنين «٧». وهما لغتان بمعنى سقى وأسقى. وأنشد: سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال «٨» وقال قوم: سقيته ماء بغير ألف. ودليله قوله: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً «٩» وأسقيته بالألف: سألت الله أن يسقيه. وقال آخرون: ما كان مرّة واحدة فهو بغير ألف وما كان دائما فهو بالألف. قوله تعالى: يَوْمَ ظَعْنِكُمْ «١٠». يقرأ بتحريك العين وإسكانها. فالحجة لمن حرّك العين

стр. 206

فلأنها من حروف الحلق. والحجة لمن أسكن: أنه أراد المصدر. ومثله: طعنته بالرمح طعنا. قوله تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا «١». يقرأ بالياء والنون. فالحجة لمن قرأه بالياء: أنه ردّه على قوله: (ما عندكم ينفد، وما عند الله باق، ولنجزين). والحجة لمن قرأه بالنون: أنه أراد: أن يأتي بأول الكلام محمولا على آخره، فوافق بين قوله تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّ وقوله: فَلَنُحْيِيَنَّهُ «٢» وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ «٣». قوله تعالى: يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ «٤». يقرأ بضم الياء وفتحها. وقد ذكرت علته فيما سلف «٥». قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا «٦». يقرأ بفتح التاء، وبضم الفاء وكسر التاء. فالحجة لمن فتح: أنه جعل الفعل لهم. والحجة لمن ضم الفاء أنه دل بذلك على بناء ما لم يسم فاعله. ومعناه: أن (عمار بن ياسر) «٧» وجماعة من أهل مكة أرادهم كفار قريش على الكفر وأكرهوهم، فقالوا بألسنتهم، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان ثم هاجروا إلى المدينة فأخبر الله عنهم بما كان من إضمارهم ومن إظهارهم. والحجة لمن جعل الفعل لهم: أن ذلك كان منهم قبل الإسلام فمحا الإسلام ما قبله. قوله تعالى: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ «٨». يقرأ بفتح الضاد وكسرها. وقد ذكرت حجته آنفا «٩» وقلنا فيه: ما قاله أهل اللغة. والاختيار هاهنا: الفتح، لأن الضّيق بالكسر: في الموضع، والضّيق بالفتح: في المعيشة. والذي يراد به هاهنا: ضيق المعيشة، لا ضيق المنزل.

стр. 207

ومن سورة بني إسرائيل (الإسراء) قوله تعالى: أَلَّا تَتَّخِذُوا «١» يقرأ بالياء والتاء. فالحجّة لمن قرأه بالياء: أنه ردّه على بني إسرائيل. والحجة لمن قرأه بالتاء: أنه جعل النبيّ ﵇ مواجها لهم بالخطاب. قوله تعالى: لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ «٢». يقرأ بفتح الهمزة علامة للنصب. وبضمّها، وواو بعدها. وبالياء والنون. فالحجة لمن قرأ بفتح الهمزة: أنه جعله فعلا للوعد وللعذاب. والحجة لمن قرأه بالضم: أنه جعله فعلا للعباد في قوله: عِباداً لَنا «٣» ليسوءوا وجوهكم. ودليله قوله: وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ «٤»، وَلِيُتَبِّرُوا «٥». والقراءة بالياء في هذين الوجهين. فأمّا النون فإخبار عن الله ، أخبر به عن نفسه. وخصّ الوجوه، وهو يريد: الوجوه والأبدان. ودليله قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «٦». يريد: إلّا هو. والفعل في الإفراد والجمع منصوب بلام كي. قوله تعالى: كِتاباً يَلْقاهُ «٧». يقرأ بتخفيف القاف، وسكون اللام، وبتشديدها وفتح اللام «٨». فالحجة لمن خفف: أنه جعل الفعل للكتاب والهاء للإنسان «٩». والحجة لمن شدّد: أنه جعل الفعل لما لم يسمّ فاعله، واسمه مستتر فيه، والهاء للكتاب. قوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها «١٠». يقرأ بالتشديد والتخفيف. فالحجة لمن شدّد: أنّه أراد به: الإمارة، والولاية منها. والحجة لمن خفف: أنه أراد: أمرناهم بالطاعة، فخالفوا إلى العصيان. وأمّا قول العرب: أمّر بنو فلان، فمعناه: كثروا «١١» والله آمرهم أي: كثّرهم وبارك فيهم.

стр. 208

قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ «١». يقرأ بالكسر منوّنا وغير منوّن، وبالفتح من غير تنوين. فالحجة لمن نوّن: أنه أراد بذلك: الإخبار عن (نكر) «٢» معناه: فلا تقل لهما القبيح. والحجة لمن كسر ولم ينون: أنه أراد: إسكان الفاء فكسر لالتقاء الساكنين «٣». وفيها سبع لغات: الفتح والتنوين، والكسر والتنوين، والضم والتنوين، وأفّى على وزن فعلى. وزاد (ابن الأنباري) «٤»: «أف» بتخفيف الفاء وبإسكانها. وهي: كلمة تقال عند الضجر. ولو علم الله تعالى أوجز منها في ترك العقوق لأتى بها. ومعناها: كناية عن كل قبيح. فإن قيل فلم جاز إجراء الفاء في «أف» لجميع الحركات؟ فقل: لأن حركتها ليست بحركة إعراب إنما هي لالتقاء الساكنين، فأجروها مجرى ما انضم أوله من الأفعال عند الأمر بها، وإدغام آخرها كما قال: فغضّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا «٥» فالضاد تحرك بالضم اتّباعا للضم، وبالفتح لالتقاء الساكنين، وبالكسر على أصل ما يجب في تحريك الساكنين إذا التقيا. فإن قيل: أفيجوز مثل ذلك في (ربّ)، وثم؟ فقل: لا، لأن هذين حرفان وحقّ الحروف البناء على السكون، فلمّا التقى في أواخرها ساكنان حرّكت بأخفّ الحركات، واتسع في «أف» لأنها لمنهى عنه، كما وقعت (إيه) لمأمور به، كما اتسعوا في حركات أواخر الأفعال عند الأمر والنهي.

стр. 209

قوله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ «١». يقرأ بإثبات الألف بعد الغين، وبطرحها وبتشديد النون في الوجهين. فالحجة لمن أثبت الألف: أنه جعلها ضميرا للوالدين، وكناية عنهما لتقدّمهما، وأسقط النون التي هي علامة الإعراب لدخول حرف الشرط وأتى بنون التأكيد الشديدة، وبني الفعل معها، لأنها مانعة من الإعراب، وكسرت تشبيها بنون الاثنين. والحجة لمن طرح الألف: أنه صاغ الفعل لقوله: (أحدهما) ونصب الكبر بتعدّى الفعل إليه، وأتى بالنون الشديدة لدخول «إمّا» على الفعل لأنها قلّما تدخل على فعل إلا أتى فيه بالنون الشديدة للتأكيد. فإن قيل: فإذا رفعت (أحدهما) هاهنا بفعله فبم ترفعه مع الألف؟ فقل في ذلك غير وجه. أحدها: أنه يرتفع بدلا من الألف التي في الفعل. والثاني: أنه يرتفع بتجديد فعل مضمر، ينوب عنه الظاهر. والثالث: أنه يرتفع على إعادة سؤال وإجابة، كأنه قيل: من يبلغ الكبر؟ فقل: أحدهما أو كلاهما. وعلى هذا الوجه يحمل قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا «٢». فإن قيل: فلم خصّا بالبرّ عند الكبر؟ فقل إنما خصّا بذلك، وإن كان لهما واجبا في سائر الأوقات، لأنهما عند الكبر يثقل عليهما الاضطراب والخدمة، فخصّا بالبر فيه لذلك. وتقول العرب: (فلان أبرّ بوالديه من النّسر) لأن أباه إذا كبر، ولم ينهض للطيران لزم وكره وعاد الفرخ عليه فزقّه، «٣» كما كان أبوه يفعل به. قوله تعالى: كانَ خِطْأً «٤». يقرأ بكسر الخاء وإسكان الطاء والقصر، وبفتحهما والقصر، وبكسر الخاء وفتح الطاء والمدّ. فالحجة لمن كسر وأسكن وقصر: أنه جعله مصدرا لقولهم: خطئت خطأ. ومعناه: أثمت إثما. والحجة لمن فتحهما وقصر: أنه أراد الخطأ الذي هو ضدّ العمد. ودليله قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً «٥». وقال بعض أهل اللغة: هما لغتان بمعنى، كما قالوا قتب وقتب، وبدل وبدل.

стр. 210

والحجة لمن كسر الخاء وفتح الطاء ومدّ، فوزنه فعال من الخطيئة «١». وهو مصدر كالصيام والقيام. والعرب تقول: هذا مكان مخطوء فيه من خطئت، ومخطأ فيه من أخطأت، هذان بالهمز ومكان مخطو فيه من المشي بتشديد الواو من غير همز. قوله تعالى: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ «٢». يقرأ بالياء والتاء، فمن قرأه بالياء ردّه على الوليّ لأنه غير مقصود بمواجهة الخطاب. والحجة لمن قرأه بالتاء، فالمعنى للوليّ، والخطاب له وللحاضرين، أي: فلا تسرف يا وليّ ولا أنتم يا من حضر. ودليله قراءة (أبيّ) «٣»: «فلا تسرفوا في القتل». ومعنى الإسراف: أن تقتل عشرة بواحد، أو يقتل غير القاتل لشرفه في قومه وخمول القاتل فيهم. قوله تعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ «٤». يقرأ بكسر القاف وضمها. وهما لغتان فصيحتان والضم أكثر، لأنه لغة أهل الحجاز. ومعناه: الميزان وأصله: (روميّ). والعرب إذا عرّبت اسما من غير لغتها اتّسعت فيه كما قلنا: في إبراهيم وما شاكله «٥». قوله تعالى: كانَ سَيِّئُهُ «٦». يقرأ بفتح الهمزة وإعراب الهاء وتنوينها، وبرفع الهمزة وضمّ الهاء، لأنها هاء كناية. فالحجة لمن فتح الهمزة وأعرب الهاء: أنه جعلها واحدة من السّيئات. ودليله أن كل ما نهى الله عنه سيئ مكروه، ليس فيه مستحسن لقوله: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً «٧» فالسيئ: ضد الصالح. والحجة لمن قرأه بالإضافة قوله: (مكروها). ولو أراد السّيئة لقال مكروهة، لأنها أقرب من (ذلك) «٨». دليله أنه في قراءة (أبيّ): (كلّ ذلك كان سيئاته عند ربّك).

стр. 211

فإن قيل: لفظ «كل» يقتضي الجمع فلم لم يؤت بعده بجمع؟ فقل ما بعده بمعنى: الجمع، وإن أتى بلفظ الواحد. فمن أتى بعده بالجمع فعلى معناه، ومن أتى بعده بالواحد فعلى لفظه. قوله تعالى: لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ «١». يقرأ بالتشديد والتخفيف. وقد ذكر القول فيه آنفا «٢». قوله تعالى: عَمَّا يَقُولُونَ، و (عما تقولون) «٣»، تُسَبِّحُ لَهُ «٤» يقرأن بالتاء والياء. فالحجة لمن قرأه (يقولون) في الموضعين بالياء والتاء مذكورة فيما مضى «٥» والحجة لمن قرأ تسبح بالتاء قراءة (أبيّ): (سبّحت له السماوات). والحجّة لمن قرأه بالياء: أنه جمع قليل «٦»، والعرب تذكّره. ودليله قوله تعالى فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ «٧». وَقالَ نِسْوَةٌ «٨» والعلة في ذلك: أن الجمع القليل قبل الكثير، والتذكير قبل التأنيث، يحمل الأول «٩» على الأول. والحجة لمن قرأ بعضا بالتاء، وبعضا بالياء ما قدّمناه من العلّة في الجمع. قوله تعالى: أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا «١٠» مذكور في «الأعراف»، والعلل فيه «١١». قوله تعالى: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ «١٢». يقرأ بإثبات الياء وحذفها. فالحجة لمن أثبتها: أنه أتى به على الأصل. والحجة لمن حذفها: أنه اجتزأ بالكسرة منها. فإن قيل: (لئن) حرف شرط، وحروف الشرط لا يليها إلّا مستقبل، أو ماض في

стр. 212

معنى المستقبل، فقل: إنّ «اللّام» حرف تأكيد، يرفع بعده الفعل، «وإن» حرف شرط ينجزم بعده الفعل، فلما جمعوا بينهما لم يجز اجتماع الرفع والجزم في فعل واحد، فعدلوا عن المستقبل إلى فعل لا يتبيّن فيه رفع ولا جزم، فوجدوه الماضي، فأولوه (لئن) في جميع المواضع فاعرفه «١». قوله تعالى: بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ «٢». يقرأ بإسكان الجيم وكسرها. فالحجة لمن أسكن: أنه أتى بالجمع على حقّه، لأنه جمع (راجل). والحجة لمن كسر: فلمجاورة اللام، لأن اللام كسرت للخفض، وكسرت الجيم للقرب منها، كما قالوا: حجل. وأنشد: أرتني حجلا على ساقها ... فهشّ الفؤاد لذاك الحجل. «٣» قوله تعالى: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ «٤»، أو فَيُرْسِلَ «٥»، فَيُغْرِقَكُمْ «٦» يقرأ كله بالنون والياء. فالحجة لمن قرأه بالنون: أنه جعله من إخبار الله عن نفسه. والحجة لمن قرأه بالياء: أنه جعله من إخبار النبي صلى الله عليه عن ربّه. قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى «٧». يقرءان بالإمالة والتفخيم معا. وبإمالة الأول، وتفخيم الثاني. فالحجة لمن أمالهما: أنه دلّ بالإمالة على أنهما من ذوات الياء، لأنهم يميلون الربّاعي، وإن كان من ذوات الواو، فذوات الياء بذلك أولى. والحجة لمن فخّمها: أنه أتى بالكلام على أصله، لأنه قد انقلبت الياء ألفا لفتح ما قبلها، فاستعمال اللفظ أولى من استعمال المعنى. ومعنى ذلك: ومن كان فيما وصفنا من نعيم الدنيا أعمى فهو في نعيم الآخرة أعمى وأضل. والحجّة لمن أمال الأول، وفخّم الثاني: أنه جعل الأول صفة والثاني بمنزلة: أفعل منك، ومعناه: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى منه في الدنيا.

стр. 213

قوله تعالى: وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ «١». يقرأ بفتح الخاء وإسكان اللام وبكسر الخاء وألف بعد اللام. ومعناهما: بعدك. وهما لغتان، وليس من المخالفة، قال الشاعر: نؤي أقام خلاف الحيّ أو وتد «٢» قوله تعالى: وَنَأى بِجانِبِهِ «٣». يقرأ بفتح النون والهمزة، وبكسرها، وبفتح النون وكسر الهمزة، وإثبات الهمزة في ذلك كله، وبفتح النون وتأخير الهمزة وفتحة قبلها كالمدّة. فالحجة لمن قرأه بفتحهما: أنه أتى بالكلمة على أصلها، لأنها في حقيقة اللفظ نأي على وزن (فعل). والحجة لمن قرأه بكسرهما: أنه أمال الياء للدّلالة عليها، فكسر لها الهمزة ليقربها منها بالمجاورة، وكسر النون لمجاورة الهمزة كما قالوا: شعير وبعير. والحجة لمن فتح النون: أنه بقاها على أصلها، وكسر الهمزة لمجاورة الياء. ومعنى ذلك كله: «بعد» والاسم منه النّأي. والحجة لمن قرأه بتأخير الهمزة أنه أراد: معنى ناء ينوء: إذا نهض بثقل مطيقا لحمله. ودليله قوله تعالى: لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ «٤». وأصله نوأ فانقلبت الواو ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، ومدّها تمكينا للهمزة بعدها. قوله تعالى: حَتَّى تَفْجُرَ لَنا «٥» يقرأ بالتشديد والتخفيف، فالحجّة لمن شدّد: أنه أخذه من فجّر يفجّر. ودليله قوله: تَفْجِيراً «٦» كما قال: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً «٧». والحجة لمن خفّف: أنه أخذه من فجر يفجر: إذا شقّ الأنهار، وأجرى فيها الماء. قوله تعالى: كِسَفاً «٨» يقرأ بفتح السين وإسكانها. فالحجة لمن فتح: أنه أراد به جمع «كسفة» كقولك: قطعة وقطع. والحجة لمن أسكن: أنه شبّهه بالمصدر في قولهم «علم» و «حلم».

стр. 214

قوله تعالى: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي «١» يقرأ بإثبات ألف على الإخبار. وبطرحها على الأمر. فالحجة لمن أتى به على الإخبار: أنه أتى به على الحكاية عن الرسول ﵇، وهي بالألف في مصاحف أهل مكة والشام. والحجّة لمن قرأه على الأمر: أنه أراد: ما لفظ به جبريل ﵇ فكأنه قال: قل يا محمد: تنزيها لله ربّي من قولكم. قوله تعالى: لَقَدْ عَلِمْتَ «٢». يقرأ بفتح التاء وضمّها. فالحجة لمن فتح: أنه جعل التاء لفرعون دلالة على المخاطبة. والحجة لمن ضمّ: أنه جعل التاء لموسى دلالة على إخبار المتكلّم عن نفسه. فإن قيل: فما وجه الخلف في هذه الآية؟ فقل: الخلف في القرآن على ضربين: خلف المغايرة، وهو فيه معدوم، وخلف الألفاظ، وهو فيه موجود. ووجه الخلف في هذه الآية: أنّ موسى قال لفرعون لما كذّبه ونسب آياته إلى السّحر: لقد علمت أنها ليست بسحر، وأنها منزّلة فقال له فرعون: أنت أعلم، فأعاد عليه موسى: لقد علمت أنا أيضا أنّها من عند الله. قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا «٣». يقرأ بالضم والكسر. وقد ذكر في البقرة «٤». قوله تعالى: فَهُوَ الْمُهْتَدِي «٥». يقرأ بإثبات الياء وحذفها. وقد ذكر في الأعراف «٦». ومن سورة الكهف قوله تعالى: مِنْ لَدُنْهُ «٧». يقرأ بضم الدال وإسكان النون، وضم الهاء وإلحاق الضمة واوا. وباختلاس الضمة مع غير واو. وبالإشارة إلى ضمة الدال وكسر النون والهاء وإلحاق ياء بعد الهاء. فالحجة لمن أسكن النون وألحق ضمّة الهاء واوا: أنه أتى بالكلمة على أصلها، ووفّاها ما وجب لها ولهاء الكناية إذا جاءت بعد حرف ساكن، كقوله: (منهو) و (عنهو).

стр. 215

والحجة لمن اختلس حركة الهاء: أنه اكتفى بالضمّة من الواو لثقلها في أواخر الأسماء إذا انضم ما قبلها. والحجة لمن أشار إلى حركة الدال بالضمة، وكسر النون والهاء، وألحقها ياء: أنه استثقل الضمّة على الدّال، فأسكنها، وأشار بالضمة إليها دلالة عليها فالتقى ساكنان، فكسر النون، وأتبعها الهاء، وبيّن كسرتها بإلحاق الياء كما تقول: مررت بهي يا فتى. و (لدن) في جميع أحوالها بمعنى عند، لا يقع عليها إعراب، وهي: ظرف مكانيّ. فإن قيل: فإذا كانت بمعنى «عند» فيجب أن تخفضها ب «من» كما تقول: من عنده. فقل: وقع الاتساع في «عند» ما لم يقع في «لدن» لأنك تقول: المال عندي، وهو بحضرتك أو بعيد عنك، وتقول: القول عندي أي في تمييزي، وهذا لا يكون في «لدن». فأما عملهما فالخفض إلّا في قولهم: لدن غدوة فإنّهم خصوه بالنصب «١». قوله تعالى: تَتَزاوَرُ «٢» يقرأ بالتشديد والتخفيف. فالحجة لمن شدد: أنه أراد: تتزاور فأسكن التاء وأدغمها في الزّاي لأنها تفضلها بالصّفير. والحجة لمن خفف: أنه أراد: تتزاور أيضا ب «تاءين»، فثقل عليه اجتماعهما، فحذف إحداهما، واكتفى بما أبقى ممّا ألقى. قوله تعالى: وَلَمُلِئْتَ «٣». يقرأ بتشديد اللّام وتخفيفها، وبالهمز وتركه. فالحجة لمن شدد أنه أراد: تكرير الفعل والدوام عليه. والحجة لمن خفف: أنه أراد: مرة واحدة. فأما إثبات الهمز فيه فعلى الأصل، وأمّا تركه فتخفيف. فأما تملّيت العيش فبغير همز. قوله تعالى: بِوَرِقِكُمْ هذِهِ «٤» بكسر الراء وإسكانها. فالحجة لمن كسر: أنه أتى به على أصله. والحجة لمن أسكن: أنه استثقل توالي الكسرات في الراء، والقاف، للتكرير الذي فيهما.
следующие страницы →