Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وقال:
خلائق ما تنفك توقف حاسدًا ... له نفس في إثرها متراجع
ولن ينقل الحساد مجدك بعدما ... تمكن رضوى واطمأن متالع
وقال:
بفضيلة في النفس توجد عنده ... بفضائل الآباء والأجداد
ومحلة تعلو فتسقط دونها ... همم العدى ونفاسة الحساد
وقال:
هبل الحسود لقد تكلف خطة ... تبدي الخزاية في وجوه الحسد
لؤمت خلائقهم فكذب سعيهم ... عن سعي فرد في المكارم أوحد
وقال:
يئس الحاسدون منك وكانوا ... أسفاً ينظرون نحوك حولا
ورأوا أنهم إذا وصلوا تلـ ... ـك المساعي بالفكر ذابوا نحولا
فثنوا عنك أعيناً وقلوباً ... لم يردوا إلا خسيراً كليلا
وكفاني على الذي يوجد الفضـ ... ـل لديه بالحاسدين دليلا
стр. 1052
قد تصرفا في هذا الباب تصرفاً حسناً، غير أني أفضل أبا تمام لقوله:
«وإذا أراد الله نشر فضيلة»
لأنه معنى متناه في حسنه وحلاوة لفظه.
стр. 1053
* الجود والكرم:
هذا باب يعول عليه الشعراء في المديح، لأن الجود قد يكون في الملك والسوقة، والشريف والدون.
وأنا الآن أميز في هذا الكتاب أنواع الجود والكرم، وأنتزع من القصائد الأبيات المتجانسة، وأبوبها أبواباً، وأوازن بينها، ليصح القول، ويلوح التفضيل، فأبتديء بما قالاه:
في الرجاء والتأميل،
- وفي الوعد وإنجازه،
- وفي الابتداء بالعطاء،
- وفي البشر عند السؤال،
- وفي الإكثار من العطاء،
- والقصد والإسراف،
- وتعجيل العطاء،
- ومتابعة العطاء،
- وتشبيه جود الجواد بالسحاب والغيث والأنواء، وبالبحر،
стр. 1054
- وفي خبط الجواد بنائله من غير تمييز،
- وفي عذل الجواد على الجود،
- وفي تعجرف الجواد على ماله حتى يتلفه،
- ودفع جود الجواد وعطاياه لنوائب الدهر،
- وإعطاء الجواد حتى لا يجد من يعطيه،
- وفي التذاذ الجواد بالجود،
- وإغناء الجواد للسائلين حتى يكونوا مسئولين،
- واكتساب الشرف بعطاء الجواد،
- وفي اعتذار الجواد بعد العطاء والاعتذار له،
- وفي إخفاء الجواد لنائله،
- وفي شفاعة الجواد إلى غيره مع مايجود به،
- وفي ما استنه الكريم للناس من الكرم حتى اقتدوا به،
- وفي نوادر من باب الجود،
- وفي الاعتداد بنعم الممدوحين،
- وفي الشكر والثناء.
стр. 1055
* الرجاء والتأميل
قال أبو تمام:
رجاؤك للباغي الغنى عاجل الغنى ... وأول يوم من لقائك آجله
هذا بيت في غاية الحسن والحلاوة، يقول:
عاجل الغنى لمن يبتغيه عندك هو رجاوة إياك، وآجل الغنى هو أن يلقاك،
أي ليس يتأخر الغنى عنه بعد لقائك.
ونحو صدر هذا البيت قول البحتري:
ما فقدنا الإعدام حتى مددنا ... أملاً نحو سيبك الموجود
صدر بيت أبي تمام أجود وأبلغ وأجمع من بيت البحتري بأسره.
وقال أبو تمام:
رأيت رجائي فيك وحدك همة ... ولكنه في سائر الناس مطمع
стр. 1056
أخذه البحتري فقال:
ثنى أملي فاختاره عن معاشر ... يبيتون والآمال فيهم مطامع
وقال أبو تمام:
ملك إذا خاض المسامع ذكره ... خف الرجاء إليه وهو ركين
وقال:
أمل من الآمال أحكم فتله ... فكأنه مرس من الأمراس
وقال أبو تمام أيضًا:
ترد الظنون به على تصديقها ... ويحكم الآمال في الأموال
وقال البحتري:
غمر النوال إذا الآمال أكذبها ... مثال نيل من الأقوام ضحضاح
بيت أبي تمام ألطف معنى في تحكيمه الآمال في الأموال، وبيت البحتري اكثر ماء ورونقًا.
وقال أبو تمام:
إذا أخذته هزة المجد غيرت ... عطاياه أسماء الأماني الكواذب
стр. 1057
يرى أقبح الأشياء أوبة آمل ... كسته يد المأمول حلة خائب
وأحسن من نور يفتحه الندى ... بياض العطايا في سواد المطالب
«بياض العطايا في سواد المطالب»، إنما نقله من قول الأخطل:
رأين بياضًا في سواد كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب
/ ذكره ابن أبي طاهر في سرقاته، إلا أن قول أبي تمام:
«.... من نرر يفتحه الندى» في غاية الحلاوة.
وقوله: ...... غيرت ... عطاياه أسماء الأماني الكواذب
فالأماني هي الأكاذيب، أي أعطى أصحاب الأماني ما يتمنونه من الأباطيل فصارت حقائق وزال عنها اسم الأماني.
وقال البحتري:
جلا أوجه الآمال حتى أضاءها ... هلال عليه بهجة وقبول
وهذا في غاية الحسن.
وقال البحتري أيضًا في صحة الأمل:
حيث لا تتلى المعاذير ولا ... يطأ اليأس على عقب الأمل
стр. 1058
وهذا «نمط» من مشهور إحسانه.
وقال:
موسر من خلائق تتراءى ... من ضروب الربيع أو أشكاله
يتضرعن للرجاء دنو الـ ... ـغيم والودق خارج من خلاله
«يتصرعن للرجاء» أي: ينحططن إليه، ويدنون منه، وهذا تمثيل حسن جدًا، ومعنى غريب لطيف.
وقال أبو تمام:
رددت المنى خضرًا تثنى غصونها ... علينا وأطلقت الرجاء المكبلا
وهذا البيت في غاية الجودة لفظاً ومعنى، وإطلاقه للرجاء المكبل في غاية الحسن.
وقال أبو تمام:
أهببت لي ريح الرجاء فأقدمت ... هممي بها حتى استبحن همومي
فقوله: «أقدمت هممي» من الإقدام بها، أي: بريح الرجاء، أي: تجاسرت هممي بها، فأقدمت حتى استباحت همومي، وهذا بيت ليس بجيد السبك.
стр. 1059
وقال أبو تمام في ابن أبي دؤاد:
أنت جبت الظلام عن سبل الآ ... مال إذ ضل كل هاد وحاد
فكان المغذ فيها مقيم ... وكأن الساري عليهن غاد
وضياء الآمال أفسح في الطر ... ف وفي القلب من ضياء البلاد
وهذا جيد بالغ.
وقال البحتري:
وإني لأرجو والرجاء وسيلة ... على بن يحيى للتي هي أعظم
فأحسن في قوله: «والرجاء وسيلة» وألطف، وأظنه سمع قول أبي الشيص:
بحسب الذي يرجو نداك ذريعة ... إذا لم يكن إلا الرجاء له سبب
وقال أبو نواس في مثله:
رجوك في قصدهم وأملوا ... وللرجاء حرمة لا تجهل
وبيت البحتري أجود من هذين البيتين، وهذا باب الفضل فيه لأبي تمام على البحتري، لأنه تصرف في معاني الرجاء أكثر من تصرف البحتري وفي كل ذاك أحسن وأجاد.
стр. 1060
* ما قالاه في الوعد وإنجازه
وقال:
قوم إذا وعدوا أو أوعدوا غمروا ... صدقاً ذوائب ما قالوا بما فعلوا
قوله: «ذوائب ما قالوا»، فذوائب كل شيء أعلاه، يريد أن أفعالهم زادت على وعدهم ووعيدهم حتى غمرتها.
وقال:
فلويت بالموعود أعناق الورى ... وحطمت بالإنجاز ظهر الموعد
حطم ظهر الموعد استعارة قبيحة جدًا، والمعنى أيضًا رديء، لأن إنجاز
الوعد هو تصحيحه وتحقيقه، وبذلك جرت العادة، أن يقال: قد صح وعد فلان، وتحقق ما قال، فجعل أبو تمام في موضع صحة الوعد حطم ظهره، وهذا إنما يكون إذا أخلف الوعد وكذب، ألا ترى أنهم يقولون: قد مرض فلان وعده وعلله ووعد وعداً مريضًا، فإذا أخلف وعده فقد أماته، فالإخلاف هو الذي يحطم
стр. 1061
ظهر الوعد لا الإنجاز، فلا خفاء بفساد ما ذهب إليه، وكان ينبغي أن يقول: وحطمت بالإنجاز ظهر المال، لأن الوعد كان يصح ويسلم حينئذ، والمال يتلف.
وقال:
إذا وعد انهلت يداه فأهدتا ... لك النجح محمولاً على كاهل الوعد
وكاهل الوعد إذا حمل النجح فمن سبيله أن يكون صحيحًا مسلماً، لا أن
يكون محطومًا كما قال في البيت الأول، وهذه استعارة في البيت صحيحة، وإن كان كاهل الوعد قبيحًا.
ومثل ذلك في الفساد قوله:
إذا ما رحى دارت أدرت سماحة ... رحى كل انجاز على كل موعد
وهذا إتلاف الوعد وإبطاله، وإنما ذهب إلى أن الإنجاز إذا وقع بطل الوعد،
وليس الأمر كذلك، لأن الوعد ليس بضد للإنجاز، فإذا وقع بطل الوعد، وليس هذا بضد ذاك، بل الوعد الصادق طرف للإنجاز، وسبب من أسبابه، فإذا وقع الإنجاز فهو تمام الوعد، وتصحيح له، وتحقيق وتصديق، فهو بهذا غالط، والمعنى الصحيح قوله:
أبلهم ريقاً وكفاً لسائل ... وأنضرهم وعدًا إذا صوح الوعد
стр. 1062
فتصويح الوعد هو أن يخلفه الواعد، فيبطل، ولا يصح، و «صوح النبت» إذا جف.
ومثله في الصحة قوله:
تزكو مواعده إذا وعد امريء ... أنساك أحلام الكرى الأضغاثا
فهذا هو الصحيح، أن يكون الوعد يزكو، لا أن يبطل ويذهب، ولله در إبراهيم بن هرمة إذ يقول:
يسبق بالفعل ظن سائله ... ويقتل الريث عنده العجل
فهذه الاستعارة الصحيحة، أن يقتل العجل الإبطاء، لا أن يقتل الإنجاز الوعد، فأما قوله:
نؤم أبا الحسين وكان قدماً ... فتى أعمار موعده قصار
وقول البحتري:
وجعلت فعلك تلو قولك قاصراً ... عمر العدو به وعمر الموعد
فإنر عمر الموعد مدة وقته، فإذا أنجز صار مالاً، فنفاد وقته ليس بمبطل له، بل ذلك نقله من حال إلى حال أخرى.
стр. 1063
ألا ترى إلى البحتري كيف كشف عن المعنى، وجاءك بالأمر من فصه فقال:
يوليك صدر اليوم قاصية الغنى ... بمواهب قد كان أمس مواعدا
فبطلان الموعد هو بطلان للشيء الذي الموعد واقع عليه.
ثم أتبع هذا البيت بأن قال:
سوم السحائب ما بدأن بوارقاً ... في عارض إلا انثنين رواعدا
فالعارض: السحاب، وجعل البوارق مثالاً للمواعيد وجعل الرواعد التي هي البوارق على الحقيقة وحالهما واحدة، مثالاً للغيث، الذي هو العطايا فالرواعد ليست بمبطلة للبوارق، بل هي هي، لأن تلك نور يحدثه ازدحام السحاب واصطكاكه، والرعد صوت ذلك الازدحام، فالبرق يرى أولاً، والرعد يسمع ثانياً، وذلك لأن العين أسبق إلى الإبصار من الأذن إلى الاستماع، لأن العين ترى الشيء في موقعه، والأذن لا تسمع الصوت إلا إذا وصل إليها.
وقال البحتري:
والوعد كالورق النضير تأودت ... فيه الغصون ونجحه أن يثمرا
فشبهها بالمواعد التي تحول مواهب، وهذا أحسن ما يكون من التمثيل وأصحه، وأقام الرواعد مقام المواهب، لأنه قد يكون برق لا مطر فيه، ولا يكاد يكون رعد إلا ومعه الغيث، ثم إن التشبيه إنما صح بأن كان الرعد بعد البرق.
стр. 1064
وما أحسن ما قال خلف بن خليفة الأقطع:
مواعيدهم فعل إذا ما تكلموا ... بتلك التي إن سميت وجب الفعل
يعني قولهم «نعم» فجل الوعد هو الفهل نفسه لصحته وصدقه، وقد مثل البحتري المواعيد أيضاً، وكيف تحول العطاء تمثيلاً آخر حسناً، فقال:
وشكرت منك مواهباً مشكورة ... لو سرن في فلك لكن نجوما
ومواعداً لو كن شيئاً ظاهراً ... تفضي إليه العين كان غيوما
لأن الغيم يصير مطراً، كما أن الوعد يصير عطاء، فأبو تمام فيما ذهب إليه غالط، لأنه وضع الاستعارة في غير موضعها.
وقال:
لو كان في عاجل من آجل بدل ... لكان في وعده من رفده بدل
له رياض ندى لم يكد زهرتها ... خلف ولم تتبختر بينها العلل
وهذا غلط أيضاً؛ لأن العاجل أفضل من الآجل، فكيف لا يكون بدلاً منه، وقد قيل -وجرى مثلاً-:
«والنفس مولعة بحب العاجل»
стр. 1065
وكان ينبغي أن يقول:
«لو كان في عاجل قول بدل من آجل فعل»
وإلى هذا ذهب، غير أن الصواب لا يقبل إذا كان مطوياً في القلب، ومخبوءاً تحت الإضمار، حتى يخرج إلى الوجود.
ألا ترى إلى البحتري لما جاء بهذا المعنى كيف أورده على غاية الصحة والسلامة فقال:
لو قيل كفى امرأ من كثير ... لاكتفينا بقوله من فعاله
وحسبك بقوله:
«لم تتبختر بينها العلل»
قبحاً.
وقال أبو تمام:
تحن عداته إثر التقاضي ... وتنتنج مثلما نتج العشار
وهذا بيت رديء المعنى، لأنه جعل الممدوح ممن يقتضى، وأن عداته تحن، والحنين لا يكون إلا بعد حبس ومنع، وقال:
«وتنتج مثلما نتج العشار»
والعشار من الإبل: الحوامل، التي قد أتى لحملها عشرة أشهر، والواحدة عشراء، فلا يزال ذلك اسمها إلى أن تضع، وبعد ما تضع، فأراد أن عداته تنتج لا محالة، كما أن العشار تنتج لا محالة.
стр. 1066
وإنما خص العشار دون غيرها من الحوامل لعظم قدر الإبل عندهم، وأنها معولهم في الخصب والجدب، وعلى كل حال فقوله:
«وتنتج مثلما نتج العشار»
ليس بجيد ولا حسن، لأنه لم يدلل به على سرعة، بل هو إلى الدلالة على إبطائه أقرب.
والجيد له في هذا الباب قوله في أبي دلف:
يقول هو الذي ليس الوفاء له ... عزماً وينجز إنجاز الذي حلفا
وهذا في غاية الحسن.
وقال البحتري:
يجن إلى المعروف حتى ينيله ... كما حن إلف مستهام إلى إلف
ويقلق حتى ينجز الوعد مثل ما ... يجافي الذي يمشي على رمض الرضف
وهذا جيد حسن لطيف.
وقال:
مواهب أعداد الأماني وخلفها ... عدات يكاد العود منهن يورق
فذكر أنه إذا أعطى وعد، والوعد بعد العطية أحسن من الوعد قبل العطية، لأن تلك عطية واحدة وهذه عطيتان، وفرحتان، وذلك دليل على جود الجواد وربه لعطاياه، ومتابعته إياها.
стр. 1067
ومثل هذا قول أبي النضر جهم بن عبد الملك في الفضل بن يحيى:
يفعل الناس إذا ما وعدوا ... وإذا ما فعل الفضل وعد
وقال البحتري:
يمضي المنايا دراكاً ثم يتبعها ... بيض العطايا ولم يوعد ولم يعد
وقد مدح البحتري الوعد وفضل العطاء بعده على ما يأتي من غير وعد، وشبهه تشبيهاً يفوق كل حسن وصحة، فقال:
أحب انتظارات المواعيد والتي ... تجيء اختلاساً لا يدوم سرورها
وإن جمام الماء يزداد نفعها ... إذا صك أسماع العطاش خريرها
فسقط الآن الشك في أن البحتر -في هذا الباب- أشعر من أبي تمام.
стр. 1068
* وفي الابتداء بالعطاء من غير سؤال
قال أبو تمام:
يأخذ الزائرين قسراً ولو كف (م) دعاهم إليه واد خصيب وهذا معنى جيد بالغ,
وقال:
فأضحت عطاياه نوازع شرداً ... تسائل في الآفاق عن كل سائل
وهذا تضعيف للمعنى شديد، وكيف تكون عطاياه نوازع شرداً خالية من معطى، وهل هذا شيء يعقل، وتقوم في النفس صحته؟.
فإن قيل: فهذه استعارة ومبالغة، قيل: الاستعارة التي فيها بعض الغلو لا تنكر، ولكن لكل جنس من المعاني سبيل في الاستعارة، وقد عدهت وجرى بها
стр. 1069
الاستعمال، ولم تجر عادة الاستعارة في مال الجواد أن يقول المال: هل من طالب؟، هل من سائل، ثم أن يشرد في الآفاق يلتمس من يأخذه، وإنما العادة فيه أن يكون كارهاً لأن يبذل، خائفاً أن يمحق، لأنه يقال: فلان قد أتلف ماله، وقد محقه، فالاستعارة فيه أن يجعل المال شاكياً من التمحيق، وضاجاً من كثرة البذل، كما قال هو في باب من بعد:
قاسى المضير على التلاد كأنما ... يغدو على تفريق مال مذنب
وكما قال:
يلقى بها حر التلاد وعبده ... عند السؤال مصارعاً وحتوفا
وكما قال:
غادرت فيها ما ملكت قتيلا
وكما قال أبو نواس:
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح
فعيب بقوله: «بح» أنه إفراط في الاستعارة وغلو، وكذلك جرت العادة في غير المال أن يقال للرجل الكثير الاستعمال للماء: قد ضجت منك دجلة، والبحر على وجل، ونحو هذا مما هو على أفواه الناس، وذلك لأن كلما وقع الثلم والمحق لا تكون الاستعارة له إلا الخوف من ذلك، والكره له، كما أنه لو كان سبباً يعقل لما اختار أن يتلف ويستهلك.
стр. 1070
والاستعارة الصحيحة في هذا قوله:
تكاد مغانيه تهش عراصها ... فتركب من شوق إلى كل راكب
لأن مغانيه لو كانت تعقل لهشت لسؤاله، وعفاته، كاهتشاشه هو إذ في احتشادهم فيها جمال له ولها معه.
وأصلح معنى هذا البيت أيضاً وجوده قوله: «تكاد»، فإنما تمثل الجمادات أبداً بما يعقل، فتحمل الاستعارة على ما يجوز فيه، ويليق به، ألا ترى إلى قوله في وصف سحابة:
لو سمعت بقعة لإعظام نعمى ... لسعى نحوها المكان الجديب
وذلك لما له فيها من المصلحة، وكذلك قول البحتري:
ولو أن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر
وذلك لما له في أن يرقاه من الجمال.
فالمال ما وجه شهوته لأن يمحق ويتلف حتى يجعله شارداً في البلاد يلتمس من يأخذه؟ فإن قيل:
стр. 1071
فما الذي ينكر من الشاعر أن يغرب ويبدع، ويأتي بما لم يسبق إليه؟، قيل: ليس بمنكر أن يفعل ذلك إذا سلك الطرق المعهودة في ذلك المعنى، وأن يتفرع لها، ولا يخرج عنها، ويأتي فيها بكل ما يسنح له من المبالغة والإغراب، كما قال أبو نواس:
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصح
فلم يقتصر على المعهود في هذا، بأن يقول: قد شكا المال، وكم يشكوك المال، حتى يجعل له صوتاً قد بح من كثرة ما يصيح فعلى هذا الوجه يكون الإغراب والإبداع، ولو قال أبو نواس: قد بح صوت المال مما يصيح، ويلتمس من يأخذه، لقلنا له: قد هجوت ممدوحك -أصلحك الله- أقبح هجاء.
والسليم الصحيح قول البحتري:
أعطيت سائلك المحسد سؤله ... وطلبت بالمعروف غير الطالب
وأظن أبا تمام سمع قول أبي العتاهية:
وإنا إذا ما تركنا النوال ... فلم نبغه فيه يبتدينا
وإن نحن لم نبغ معروفه ... فمعروفه أبداً يبتغينا
وإنما أراد أبو العتاهية: أنه يبتغينا لمعروفه، لا أن المعروف بنفصل عنه، ويشرد في طلبنا والتماسنا، وقد أحسن أبو العتاهية.
стр. 1072
وقال ابن أذينة:
أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لم يعنيني
وإنما أراد يأتيني الله به، وعلى هذا الوجه قال دعبل:
والرزق أكثر لي مني له تطلبا
أي أن الله -جل وعز- يأتيني به، فكأنه يطلبني.
وقد حذا هو حذو قول ابن أذينة، فقال:
الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا
فهذه طريقة الاستعارة في هذا المعنى.
وقال أبو تمام أيضاً في الابتداء بالعطاء:
ورأيتني فسألت نفسك سيبها ... لي ثم جدت وما انتظرت سؤالي
كالغيث ليس له أريد غمامه ... أو لم يرد بد من التهطال
стр. 1073
وهذا معنى في غاية الجودة، إلا أنه كان ينبغي أن يجعل الغيث في موضع الغمام، والغمام في موضع الغيث، لأن الذي يراد ليس هو الغمام، وإنما هو الغيث، ولو قال:
كالغيم ليس له أردنا غيثه ... أم لم نرد بد من التهطال
أو «كالمزن» فإنهما لفظة أحسن من الغيم كان عندي أصح وأجود، وقوله:
ثم جدت وما انتظرت سؤالي
معنى قد ابتذلته الشعراء، وتقدمت فيه، ألا ترى إلى قول أبي العتاهية:
فلم نبغه فبه يبتدينا
وقال مسلم بن الوليد:
أخ لي يعطيني إذا ما سألته ... ولو لم أعرض بالسؤال ابتدانيا
وأجود من كل جيد في هذا قول سلم الخاسر:
أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال
وقال أبو تمام أيضاً:
أسائل نصر لا تسله فإنه ... أحن إلى الإرفاد منك إلى الرفد
وهذا جيد بالغ، وهو قريب من قول مروان بن أبي حفصة:
لمعن بما يعطي من الذي ... بما نال من معروفه يتمول
стр. 1074
وبيت أبي تمام أجود، وأجود منهما قول البحتري:
يحن إلى الإرفاد حتى ينيله ... كما حن إلف مستهام إلى إلف
وإنما أخذه من قول أبي تمام:
ما زال بالمعروف وهو متيم
وقال البحتري على الوجه الأول المبتذل:
جاد حتى أفنى السؤال فلما ... باد السؤال جاد ابتداء
ونحوه قوله:
حليف ندى إن سيل فاضت جمامه ... وذو كرم إن لم يسل يتبرع
وقال:
رطب الغمام إذا ما استمطرت يده ... جاءت مواهبه قبل المواعيد
وقال:
وثقت بنعماه ولم تجتمع بها ... يدي ورأيت النجح قبل سؤاله
стр. 1075
وقوله: «لم تجتمع بها يدي» أي: لم أضم عليها يدي بعد، ثم مثله أحسن تمثيل فقال:
وتعلم أن السيف يكفيك حده ... مكاثرة الأقران قبل استلاله
وقال:
كان ابتداؤك بالعطاء عطية ... أخرى وبذلك للجسيم جسيما
وأجود من هذا كله قول مسلم:
أعطى فما تنفك تنزع همة ... أملاً إليه من المحل الأبعد
سبقت مواهبه مني مرتادها ... واستحدثت همماً لمن لم يرتد
وقال البحتري في ابن بسطام:
وبديهة من طوله لم ترتقب ... وفاك مبتدئاً بها إنعامه
كالسيل أصبح في ذراك أتيه ... والجو مصح ما يحس غمامه
وهذا أيضاً تمثيل في غاية الحسن والصحة والحلاوة.
ومثله قول السمط بن مروان بن أبي حفصة:
لعمري لنعم الغيث غيث أصابنا ... ببغداد من أرض الجزيرة وابله
فكنا كحي صبح الغيث أهله ... ولم تنتجع أظعانه وحمائله
стр. 1076
ذكر ثعلب عن ابن سلام قال: قال أبو الغراف: سرق هذا المعنى من قول نهشل بن حري، وقد بعث إليه كثير بن الصلت الكندي -وهو قاضي عثمان على المدينة، ونهشل بالبصرة- بكسوة ومال، فقال نهشل:
جزى الله خيراً والجزاء بكفه ... بني الصلت إخوان السماحة والمجد
أتاني وأهلي بالعراق نداهم ... كما أرفض غيث من تهامة في نجد
فما يتغير من بلاد وأهلها ... فما غير الإسلام مجدكم بعدي
البحتري في هذا الباب عندي أشعر من أبي تمام لكثرة تصرفه فيه، ولما تضمنه من إساءة أبي تمام.
стр. 1077
* ما وصفا به البشر عند السؤال وحسن اللقاء
قال أبو تمام:
ومرحب بالزائرين وبشره ... يغنيك عن أهل لديه ومرحب
وقال:
إذا قال أهلاً مرحباً نبعت لهم ... مياه الندى من تحب أهل ومرحب
وقال:
وجدناك أندى من رجال أناملاً ... وأحسن في الحاجات وجهاً وأجملا
تضيء إذا اسود الزمان وبعضهم ... يرى الموت أن ينهل أو يتهللا
أي: يرى انهلال الموت أو يتهللا، أي: انصباب الموت أو أن يتهلل، يعني الطلاقة والبشر.
стр. 1078
وقال:
وإذا المواهب أظلمت ألبستها ... بشراً كبارقة الحسام المخذم
أعطيت ما لم تعطه ولو انقضى ... حسن اللقاء حرمت ما لم تحرم
فقوله: أعطيت ما لم تعطه، يعني: البشر، لأنه ليس بعطاء على الحقيقة، ولو لم تفعل لحرمت ما لم تحرم، أي: لحرمت منه ما لا يسمى حرماناً على الصحة، أو أن يكون أراد: ولو انقضى حسن اللقاء كنت قد حرمت العطاء الذي لم يحرمه أي: كنت كأنك لم تعطه لسوء لقائك.
وما ترك زهير في البشر إحساناً لقائل مع قوله:
تراه إذا ماجئته متهللاً ... كأنك معطيه الذي أنت سائله
وقد قدح فيه مالاً يضره، وهو أن قيل: إنه قد حط من همته، ووضع منه إذ جعله يفرح بعطية يعطاها، وكان أن يجعل الدنيا تصغر عنده أن لو سيقت إليه.
وما قاله زهير غير مانع أن يكون صاحبه بهذا الوصف، بل ما قاله يوجب لصاحبه هذا الوصف، أن يكون بشره وطلاقة وجهه في إعطاء ما يعطي، وأخذ ما يأخذ على حال واحدة، وقد أخذه الكميت فقال:
يلقى أبانا على عسر وميسرة ... كأن مستوهبيه المال هم وهبوا
стр. 1079
وقد تصرف البحتري في وصف البشر تصرفاً كثيراً حسناً، فقال:
أريحي إذا تهلل للجو ... د أضاءت طلاقة وقبول
وقال:
لو أن كفك لم تجد لمؤمل ... لكفاه عاجل وجهك المتهلل
ولو أن مجدك لم يكن متقادماً ... أغناك آخر سؤدد عن أول
وقال:
وتبسماتك للعطاء كأنها ... زهر الربيع خلال روض معشب
قوله: «تبسماتك»، جمع التبسم، هو مصدر، والمصادر لا تجمع كما لا يقال: تعجبت تعجبات، وتقدمت تقدمات، فكذلك لا يقال تبسمات.
وقال:
وأبيض وضاح إذا ما تغيمت ... يداه تجلى وجهه فتقشعا
ترى ولع السؤال يكسو جبينه ... إذا قطب المسئول بشراً مولعا
وهذا أحسن من قول مسلم بن الوليد:
لا يضحك الدهر إلا حين تسأله ... ولا يعبس إلا حين لا يسل
стр. 1080
وقال البحتري:
ووجه رق ماء الجود فيه ... على العرنين والخد الأسيل
يريك تألق المعروف فيه ... شعاع الشمس في السيف الصقيل
هذا من قول أبي تمام:
بشراً كبارقة الحسام المخذم
فوكده بذكر شعاع الشمس.
وقال:
مشرق للندى ومن حسب السيـ ... ـف لمستله ضياء حديده
ضحكات في إثرهن العطايا ... وبروق السحاب قبل رعوده
وهذا مثل ما تقدم من قوله:
سوم السحائب ما بدأن بوارقاً ... في عارض إلا انثنين رواعدا
قوله: «ما بدأن»: يريد السحائب، يقال: بدأت الشيء وأبدأته وذلك عن أكثر أهل اللغة غير الأصمعي، فإنه قال: لا يقال: بدأت الشيء، وإنما يقال: أبدأته.
وقال:
أزهر والروض لا يروقك أو ... يحكي مصابيح ليله زهره
стр. 1081
يخيل حتى ترى النجاح على ... ظاهر بشر متينة بشره
والغيم محبوكة طرائقه ... أحجى من الصحو يبتغي مطره
وما لا نهاية لحسنه قوله:
شيمة حرة وظاهر بشر ... راح من خلفه السماح يشف
وأعجب من هذا وألطف قوله:
يشرق بشراً وهو في مغرم ... لو مني البدر به ربده
ضوء لو أن الفلك ازداد في ... أنجمه فيه لما أنفده
وقال:
تنبي طلاقة وجهه عن جوده ... فتكاد تلقى النجح قبل لقائه
وضياء وجه لو تأمله امرؤ ... صادي الجوانح لارتوى من مائه
وهذا معنى حسن لطيف، والعطشان لا يرويه النظر إلى الماء، وإنما يرويه أن يكرع فيه، فأراد البحتري أن تأمل وجهه يروي العطشان، على المبالغة، من كلام الناس أن يقولوا: هذا وجه يشبع الجائع ويروي الظمآن، يريدون من حسنه.
وقال:
كانت بشاشتك الأولى التي ابتدأت ... بالبشر ثم اقتبلنا بعدها النعما
كالمزنة استؤنفت أولى مخيلتها ... ثم استهلت بغزر تابع الديما
стр. 1082
وهذا أيضاً تمثيل جيد بالغ مصيب.
وقال في إسماعيل بن بلبل:
مضيء ينوب البشر عن ضحكاته ... ولا ريب في أن العبوس هو العسر
ولو ضمن المعروف طي صحيفة ... يطان عليه كان عنوانها البشر
وهذا من باب فضل البحتري فيه على أبي تمام ظاهر لصحة تمثيلاته وكثرة افتنانه.
стр. 1083
* وفي الإكثار من العطاء
قال أبو تمام:
لهى تستثير القلب لولا اتصاله ... بحسن دفاع الله وسوس قائله
وقال:
كم نفحة لك لم فيحفظ تعجرفها ... لصامت المال لا إلا ولا ذمما
مواهب لو تولى عدها هرم ... لم يحصها هرم حتى يرى هرما
يعني هرم بن سنان المري، الذي مدحه زهير وكان من الأجواد، وقال أبو تمام:
إذا شئت أن تحصي فواضل كفه ... فكن كاتباً أو فاتخذ لك كاتبا
وهذا من معاني العوام، وضعفه المعلمين.
وقال في أبي الغريب يحيى بن عبد الله:
لولا تناهي كل مخلوق لقد ... خلنا نوالك ليس بالمتناهي
стр. 1084
وليس هذا الجنس من الإغراق جيداً ولا حسناً.
وقال أبو تمام:
ولله أنهار من الناس شقها ... ليشرع فيها كل مقو وواجد
المقوي: الذي قد فني زاده، والواجد: الغني.
ولا يقال: أنهار من الناس شقها إلا من لم يسمع بمدح المادح، ولا بكلام العرب قط، وإنما المستعمل في هذا أن يقال: كالبحر، وكالسيل، وكالفرات، فأما نهر مشقوق فمن أقبح لفظ وأوضعه.
وإنما قال كعب بن معدان الأشقري:
براك الله يوم براك بحراً ... ففجر منك أنهاراً غزارا
بنيك السابقين إلى المعالي ... إذا ما أعظم الناس الخطارا
لأنه جعل المهلب بحراً، وجعل بنيه أنهاراً مفجرة منه فحسن ذلك ولم يقبح.
وقال أبو تمام:
كأن أمواله والبذل يمحقها ... نهب تعسفه التبذير أو نفل
وهذا بيت جيد المعنى، وأجود منه قول البحتري:
стр. 1085
تحسب في وفره يداه يدي ... عدوه أو لغيره نشبه
مال إذا الحمد منه عيض غدا ... منهبه غانماً ومنتهبه
قوله:
تحسب في وفره بداه يدي ... عدوه .......................
يشبه قول أبي تمام:
وإن خفرت أموال قوم أكفهم ... من النيل والجدوى فكفاه مقطع
وهذا من قبيح المعاني:
وقال أبو تمام:
من رأى بارقاً سرى صامتياً ... جاد نجداً سهولها والحزوما
فسقى طيئاً وكلباً وذودا ... ن وقيساً ووائلاً وتميما
لن ينال العلى خصوصاً من الأقـ ... وام من لم يكن نداه عموما
وهذا جيد بالغ في العموم والكثرة.
وقال أيضاً في كثرة العطاء:
يقول الحاسدون إذا انصرفنا ... لقد قطعوا طريقاً أو أغاروا
стр. 1086
وحسبك بهذا قبحاً وركاكة، وكان يجب أن يتبعه ببيت آخر يذكر فيه أنهم هربوا لئلا يؤخذوا فيعاقبوا عقوبة قطاع الطرق!.
ومن هذا الباب قوله:
سخطت لهاه على جداه سخطة ... فاسترفدت أقصى رضى المسترفد
«فاللها» جمع «لهوة»، وهي: العطية، وأصلها ما تلقيه في فم الرحا من الحب، كأنك جعلته طعمة للرحى، فشبهت العطية به، والجدوى هي العطية أيضاً، فكيف يسخط عطاياه؟، هذا عين الخطأ، ولو قال: «سخطت يداه على جداه» كان قولاً حسناً مستقيماً.
وقد جاء بهذا المعنى في موضع آخر وأتى به على الصواب فقال:
ما التقى وفره ونائله مذ ... كان إلا ووفره المغلوب
قال: والوفر هو المال الكثير، والنائل: هو المال الذي يعطيه، وهو قطعة يقتطعها من وفره، وهو مذهب للوفر ومفنيه، كما قال زهير:
أخو ثقة، لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
وقد أحسن البحتري في هذا الباب كل الإحسان وذلك قوله في الكثرة والعموم:
وأنفق في العلياء حتى حسبته ... من الدهر يعطي أو من الدهر ينفق
стр. 1087
عطاء كضوء الشمس غمر فمغرب ... يكون سواء سناه ومشرق
وقال في قصيدة أخرى:
مواهب أعداد الأماني وخلفها ... عدات يكاد العود منهن يورق
قوله: «أعداد الأماني» في غاية الحسن والصحة.
وقال:
لم يحص عدة ما توليه من حسن ... وسيد النيل ما لم يحصه العدد
وقال:
مواهب ضربت في كل ذي عدم ... بثروة وأماحت كل ممتاح
وقال:
كلما جاءت الليالي بإحسا ... ن فبادي إحسانها إحسانه
جمل من لهى يشككن في القو ... م أهم مجتدوه أم خزانة؟
وقال في مثله:
أعطيتني حتى حسبت جزيل ما ... أعطيته وديعة لم توهب
стр. 1088
وإنما أخذ هذا المعنى من قول الفرزذق:
أعطاني المال حتى قلت يودعني ... أو قلت أودع مالاً قد رآه لنا
وبيت البحتري أجود من هذا لفظاً وسبكاً.
وقال:
تجاوز غايات العقول رغائب ... يكاد بها لولا العيان تكذب
وقال في أبي نهشل:
وعطاياك في الفضول عداد الر ... مل من عالج وكيف الحقوق
ظل فيها البعيد مثل القريب الـ ... ـمجتبى والعدو مثل الصديق
كحبي الغمام جاد فروي ... كل واد من البلاد ونيق
وهذه معان مختلفة، وكلها في غاية الجودة والصحة، ولا خفاء بفضل البحتري -في هذا الباب أيضاً- على أبي تمام.
стр. 1089
* في ذكر القصد والإسراف
قال أبو تمام:
قصد الخلائق إلا في ندى ووغى ... كلاهما سبة ما لم يكن سرفا
وكان ينبغي أن يقول: ما لم يكونا سرفا، وكأنه تأول ما لم يكن ذاك، أو حمله على قولهم «كلاهما فارس إذا ركب، وفارسان إذا ركبا» لأن كلا تصلح ها هنا للإفراد والتثنية.
وقال البحتري:
ولا إسراف غير الجود فيه ... وسائره لهدي واقتصاد
فذكر السرف في الجود وحده، وأبو تمام السرف في الندى والوغى
стр. 1090
جميعاً، وأراد بالسرف في الوغى القتل، فبيته أجمع للمعاني، وبيت البحتري أحسن سبكاً وأجود لفظاً.
وقال البحتري:
كرم دعتك به القبائل مسرفاً ... ما مسرف في المكرمات بمسرف
فأما قول أبي تمام:
له خلق نهى القرآن عنه ... وذاك عطاؤه السرف البدار
ولم يك ذاك إصراراً ولكن ... تمادت في سجيتها البحار
فمما لا يفي بجودته وحسنه شيء، ولكن جاء به بعد بيت لو خرس كان خيراً له من أن يأتي بمثله، وهو قوله:
يقول الحاسدون إذا انصرفنا ... لقد قطعوا طريقاً أو أغاروا
وقد مضى ذكره، وأبو تمام في هذا الباب أشعر.
следующие страницы →