← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وحسبك بهذا قبحاً وركاكة، وكان يجب أن يتبعه ببيت آخر يذكر فيه أنهم هربوا لئلا يؤخذوا فيعاقبوا عقوبة قطاع الطرق!. ومن هذا الباب قوله: سخطت لهاه على جداه سخطة ... فاسترفدت أقصى رضى المسترفد «فاللها» جمع «لهوة»، وهي: العطية، وأصلها ما تلقيه في فم الرحا من الحب، كأنك جعلته طعمة للرحى، فشبهت العطية به، والجدوى هي العطية أيضاً، فكيف يسخط عطاياه؟، هذا عين الخطأ، ولو قال: «سخطت يداه على جداه» كان قولاً حسناً مستقيماً. وقد جاء بهذا المعنى في موضع آخر وأتى به على الصواب فقال: ما التقى وفره ونائله مذ ... كان إلا ووفره المغلوب قال: والوفر هو المال الكثير، والنائل: هو المال الذي يعطيه، وهو قطعة يقتطعها من وفره، وهو مذهب للوفر ومفنيه، كما قال زهير: أخو ثقة، لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله وقد أحسن البحتري في هذا الباب كل الإحسان وذلك قوله في الكثرة والعموم: وأنفق في العلياء حتى حسبته ... من الدهر يعطي أو من الدهر ينفق

стр. 1087

عطاء كضوء الشمس غمر فمغرب ... يكون سواء سناه ومشرق وقال في قصيدة أخرى: مواهب أعداد الأماني وخلفها ... عدات يكاد العود منهن يورق قوله: «أعداد الأماني» في غاية الحسن والصحة. وقال: لم يحص عدة ما توليه من حسن ... وسيد النيل ما لم يحصه العدد وقال: مواهب ضربت في كل ذي عدم ... بثروة وأماحت كل ممتاح وقال: كلما جاءت الليالي بإحسا ... ن فبادي إحسانها إحسانه جمل من لهى يشككن في القو ... م أهم مجتدوه أم خزانة؟ وقال في مثله: أعطيتني حتى حسبت جزيل ما ... أعطيته وديعة لم توهب

стр. 1088

وإنما أخذ هذا المعنى من قول الفرزذق: أعطاني المال حتى قلت يودعني ... أو قلت أودع مالاً قد رآه لنا وبيت البحتري أجود من هذا لفظاً وسبكاً. وقال: تجاوز غايات العقول رغائب ... يكاد بها لولا العيان تكذب وقال في أبي نهشل: وعطاياك في الفضول عداد الر ... مل من عالج وكيف الحقوق ظل فيها البعيد مثل القريب الـ ... ـمجتبى والعدو مثل الصديق كحبي الغمام جاد فروي ... كل واد من البلاد ونيق وهذه معان مختلفة، وكلها في غاية الجودة والصحة، ولا خفاء بفضل البحتري -في هذا الباب أيضاً- على أبي تمام.

стр. 1089

* في ذكر القصد والإسراف قال أبو تمام: قصد الخلائق إلا في ندى ووغى ... كلاهما سبة ما لم يكن سرفا وكان ينبغي أن يقول: ما لم يكونا سرفا، وكأنه تأول ما لم يكن ذاك، أو حمله على قولهم «كلاهما فارس إذا ركب، وفارسان إذا ركبا» لأن كلا تصلح ها هنا للإفراد والتثنية. وقال البحتري: ولا إسراف غير الجود فيه ... وسائره لهدي واقتصاد فذكر السرف في الجود وحده، وأبو تمام السرف في الندى والوغى

стр. 1090

جميعاً، وأراد بالسرف في الوغى القتل، فبيته أجمع للمعاني، وبيت البحتري أحسن سبكاً وأجود لفظاً. وقال البحتري: كرم دعتك به القبائل مسرفاً ... ما مسرف في المكرمات بمسرف فأما قول أبي تمام: له خلق نهى القرآن عنه ... وذاك عطاؤه السرف البدار ولم يك ذاك إصراراً ولكن ... تمادت في سجيتها البحار فمما لا يفي بجودته وحسنه شيء، ولكن جاء به بعد بيت لو خرس كان خيراً له من أن يأتي بمثله، وهو قوله: يقول الحاسدون إذا انصرفنا ... لقد قطعوا طريقاً أو أغاروا وقد مضى ذكره، وأبو تمام في هذا الباب أشعر.

стр. 1091

* ذكر تعجيل العطاء لم أر أبا تمام جرد القول في هذا الباب، ولا أتى فيه بشيء يعتد به، ووجدته قال في محمد بن عبد الملك الزيات: فما يلحظ العافي جداك مؤملاً ... سوى لحظة حتى يؤوب مؤملا وقال البحتري: عجل بالذي تنيل يداه ... إن بطء النوال من تنكيده كاد ممتاحه لسابق جدوا ... هـ يكون الإصدار قبل وروده وهذا معنى حسن لطيف وإنما ساغ ذلك لقوله: «كاد». وقال: إذا قال وعداً أو وعيداً تسرعت ... مكارم تثني آجل الأمر عاجلا

стр. 1092

ومن المكارم تحقيق الوعيد وتعجيله أيضاً كالوعد، ولذلك ضمهما معاً. ومثله قوله: إن يقل واعداً تواف إلى النجـ ... ـح يداه في صفقة ولسانه ضامن للتي تراد لديه ... قلق الفكر أو يصيح ضمانه وقال: حيث لا تدفع الحقوق المعاذيـ ... ـر ولا يسبق العطاء السؤال وأجود من هذا قول ابن هرمة: يسبق بالفعل ظن سائله ... ويقتل الريث عنده العجل وقال البحتري: وقد أعجز العذال أن يتداركوا ... لهى تشبق الألحاظ قبل ارتدادها وهذا نهاية في السرعة والتعجل. وقال: كم قد عجلت إلى النعماء تصنعها ... مبادراً وبخيل القوم متئد وقد أبر البحتري في هذا الباب على أبي تمام.

стр. 1093

* ذكر متابعة العطاء قال أبو تمام: كلما زرته وجدت لديه ... نشباً ظاعناً ومجداً مقيما وتوأم الندى يري الكرم الفلـ ... ـتة في أكثر المواطن لوما وهذا معنى صحيح حسن. وقال: إذا كانت النعمى سلوباً من امريء ... غدت من خليجي كفه وهي متبع السلوب: التي لا ولد لها، والمتبع: التي يتبعها ولدها.

стр. 1094

وقال: ولتعلم الأيام أني فتها ... بأبي الحسين محمد بن الهيثم بأغر ليس بتوأم ويمينه ... تغدو وتطرق فالفعال التوأم كلف برب الحمد يزعم أنه ... لم يبتدأ عرف إذا لم يتمم وقال أيضاً: وصنيعة لك ثيب أهديتها ... وهي الكعاب لعائذ بك مصرم حلت محل البكر من معطى وقد ... زفت من المعطي زفاف الأيم قوله: «وصنيعة لك ثيب أهديتها» يريد: أنك قد صنعت مثلها فليست بكر صنائعك، أي ليست أول ما صنعت، ولما لم تكن بكراً جعلها ثيباً، وقال: «وهي الكعاب لعائذ بك»، قام الكعاب ها هنا مقام البكر، أي هي ثيب عندك وبكر عند من تعطيه.

стр. 1095

والكعاب هي التي قد كعب ثديها، وقد تكون بكراً وتكون ثيباً قد افترعت، فليست بضد الثيب في الحقيقة، ولكنه أقامها مقامها، لقوله: «حلت محل البكر من معطى». وقوله: «وقد زفت من المعطى زفاف الأيم» يريد بالأيم الثيب، والأيم هي التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً. وقد بينت هذا في أغاليطه وأوضحته. وقال في موضع آخر يذكر الصنيعة: وليست بالعوان العنس عندي ... ولا هي منك بالبكر الكعاب قوله: «ليست بالعوان العنس عندي» يريد لجلالتها، وأنه ما أسدي إليه مثلها، وأراد أن يقول «العانس» فقال «العنس» إنما هي الناقة التي قد انتهت في قوتها وشدتها وشبابها، وقد ذكرت هذا في أغاليطه أيضاً. وقال أبو تمام في الحسن بن وهب: جمعت لنا فرق الأماني منكم ... بأبر من روح الحياة وأوصل فصنيعة في يومها وصنيعة ... قد أحولت وصنيعة لم تحول كالمزن من ماضي الرباب ومقبل ... منتظر ومخيم متهلل

стр. 1096

قوله: «وصنيعة قد أحولت، وصنيعة لم تحول» لا يشبه أحوال الأمطار في قرب بعضها من بعض، ولكن قوله: «بأبرمن روح الحياة وأوصل» حسن جداً. والصحيح المعنى في هذا قول البحتري: لي منه في كل يوم نوال ... لم تنله كدورة الترنيق عنده أول وعندي ثان ... من نداه وثالث في الطريق وإن كنت لا أحب لفظة «الطريق» فإنها من ألفاظ العوام. وقد أحسن البحتري أيضاً في متابعة العطاء كل الإحسان، فمن ذلك قوله: إلى فتى يتبع النعمى نظائرها ... كالبحر يتبع أمواجاً بأمواج وقوله: فإن تتبع النعمى بنعمى فإنه ... يزين الآلي في النظام ازدواجها وقوله: إذا كرت الآمال فيه تتابعت ... مواهب مكرور الأيادي معادها

стр. 1097

وأحسن من كل حسن قوله: يكر نواله عللاً علينا ... كرور الكأس أترعها المدير وقال البحتري أيضاً في أحمد بن محمد بن بسطام: تتابع منه كل يوم مواهب ... تفوت ارتداد الطرف سبقاً عجولها إذا كرها بالبر منه أعادها ... على النهج محمود السجايا جميلها وقال: بلغت يداه إلى التي لم أحتسب ... وثنى لأخرى فهو باد عائد هو واحد في المكرمات وإنما ... يكفيك عادية الزمان الواحد والبحتري في هذا كله أشعر من أبي تمام.

стр. 1098

* وفي تشبيه جود الجواد بالسحاب والغيث والأنواء قال أبو تمام: مواهب جدن الأرض حتى كأنما ... أخذن بآداب السحاب الهواطل وهذا حسن جداً. وقال: نشأت من يمينه نفحات ... ما عليها ألا تكون غيوما والبيت الأول أجود. وقال: جرى حاتم في حلبة منه لو جرى ... بها القطر شأواً قيل أيهما القطر فهذا تشبيه بالسحاب. وأكثر ما جاء عنه تفضيل جود الجواد على السحاب فمن ذلك قوله: في قلة كثر السماك وإن غدا ... هطلاً وعفو يديه جهد المرزم

стр. 1099

السماك سماكان: الأعزل والرامح، وهما كوكبان من نجوم برج الأسد ونوء الأسد من أغزر الأنواء، والمرزم أحد كوكبي ذراعي الأسد وقال ابن هرمة: جواد تبارى المرزمين شماله ... وتحقر أنواء الربيع يمينها قول أبي تمام أبلغ، وهذا أحسن لفظاً وأبرع. وقوله: غيث حوى كرم الطبائع دهره ... والغيث يكرم مرة ويلوم وهذا غاية في الحسن والصحة. وقال في مثله: كرمت راحتاه في أزمات ... كان فيها صوب الغمام لئيما وقال: ولا أرى ديمة أنفى لنائبة ... منه على أن ذاكراً طار للديم وقال: له كرم لو كان في الماء لم يغض ... وفي البرق ما شام امرؤ برق خلب

стр. 1100

وقال: إن غاض ماء المزن وفضت وإن قست ... كبد الزمان على منت رؤوفا وقال: يفيض سماحة والمزن مكد ... ويقطع والحسام العضب ناب وقال: إذا وعد انهلت يداه فأهدتا ... لك النجح محمولاً كاهل الوعد دلوحان تفتر المكارم عنهما ... كما الغيث مفتر عن البرق والرعد قوله: «دلوحان» من السحاب والدوالح، وهي المثقلة بالماء. «تفتر المكارم عنهما» تبدو وتظهر. «كما الغيث مفتر عن البرق والرعد» أقام راحتيه مقام البرق والرعد، وأن الغيث يفتر عنهما. هذا على ظاهر لفظ أبي تمام، وهو عندي من المقلوب، لأن حقيقة الافترار الانكشاف، ومنه قولهم: فررت الدابة، أي: كشفت جحفلته لأنظر إلى

стр. 1101

سنه وقد فر فلان عن ذكاء، وفر عن عقل أي كشف، فوجه الكلام: دلوحان يفتران عن المكارم، أي ينكشفان وينفتحان عن الغيث، وهو عندي من المقلوب الحسن السائغ الجائز مثله للمتأخرين، لأن اليدين إذا انفتحتا وانكشفتا عن المكارم فإن المكارم أيضاً قد انكشفت، وكذلك البرق والرعد إذا انفتحا وانكشفا عن الغيث، فإن الغيث قد انكشف واتضح. وقال البحتري في هذا المعنى: لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدا ... إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر وقال: وجرى جوده رسيلاً لجود الـ ... ـغيث من غاية فجاءا سواء وقال: فهو غيث والغيث محتفل الود ... ق وبحر والبحر طامي العباب فهذا شرط في غاية الجودة والقوة ولكن قول أبي تمام: يفيض سماحة والمزن مكد ... ويقطع والحسام العضب نابي ألطف معنى. وقد فضل البحتري جود الجواد على السحاب والغيث وتصرف في ذلك وافتن افتناناً

стр. 1102

عجيباً فقال: ليس السحاب ببالغ فيه الرضى ... فأقول إن نداه صوب سحاب وقال: إن أنا شبهته بالغيث في مدحي ... ضضت منه وكنت المادح الهاجي وقال: فلو ذارعت أخلاقه الغيث حافلاً ... لحاجزها باع من الغيث ضيق وقال: كرمت وكان القطر أنأى مسافة ... وأضيق باعاً من نداك وأقصرا وقال: وأكبر أن أشبه جود فتح ... بماء غمامة أو سيل واد وقال: ويحمل إسماعيل عنا ابن بلبل ... من المحل عبئاً ليس يحمله القطر بغزر يد منه تقول تعلمت ... يد الغيث منها أم تقيلها البحر

стр. 1103

وقال: إن قصرت همم العافين جاش لهم ... جحاف أغلب في حافاته الزبد عفو من الجود لم تكذب مخيلته ... يقصر القطر عنه وهو مجتهد فقوله: «يقصر القطر عنه وهو مجتهد» مثل قول أبي تمام: في قلة كثر السماك وإن غدا ... هطلاً وعفو يديه جهد المرزم وبيت أبي تمام هذا أجود. وقال البحتري: قد قلت للغيم الركام ولج في ... إبراقه وألح في إرعاده لا تعرضن لجعفر متشبهاً ... بندى يديه فلست من أنداده وقال: أقول لثجاج الغمام وقد سرى ... بمحتفل الشؤبوب صاب فعمما أقل وأكثر لست تبلغ غاية ... تبين بها حتى تضارع هيثما وقال: تراح الغوادي أن تشاهد عنده ... شبائهها من سيبه وشكولها

стр. 1104

بقيت وكأين جئت باديء نعمة ... يقل السحاب أن يجيء رسيلها وقال: أعطيت حتى تركت الريح حاسرة ... وجدت حتى كأن الغيث لم يجد هذا من قولهم: فلان يباري الريح جوداً، فيقال: أي جود للريح حتى يباريها الجواد، فإنما المعنى أنه يباري هبوبها، فيعطي أبداً ما هبت، كما نذر لبيد أن يطعم ما هبت الصبا وخبره في هذا مشهور. ويجوز أن يكون ذهب إلى أن الأمطار لا تكون إلا الرياح، ولا يجمع السحاب ويأتي بالغيث إلا الريح، والأول أليق وأشبه لقوله: «تركت الريح حاسرة» أي: معيبة. وقال: ورأيت يوم نداك أشرق بهجة ... واهتز أطرافاً ورق نسيما ورأيت يوم الغيث في طلمائه ... جهماً محياه أغم بهيما

стр. 1105

ويخص أرضاً دون أرض جوده ... وسحاب جودك في العفاة عموما فهذا كله تفضيل لجود الجواد على الغيث. وقد شبهه بالغيث أحسن تشبيه فقال: يعطي على الغضب المتعتع والرضا ... وعلى التهلل والعبوس والأربد كالغيث يسقي الخابطين بأبيض ... من غيمه وبأحمر وبأسود وأحسن من هذا وأجمع قوله: يجود على الطلاب سحاً وديمة ... وهطلاً وإرهاماً ووبلاً وريقا فجاء بستة أنواع من نعوت الغيث في بيت واحد. و «السح» شدة انصباب المطر، و «الديمة» المطر الدائم في سكون و «الهطل» فوق ذلك، و «الإرهام» من أرهمت السماء وهي الرهمة: المطر الضعيف الدائم، و «الوبل» من الوابل وهو المطر الشديد الضخم القطر، و «الريق» من تريق الماء وهو تردده على وجه الأرض من الضحضاح ونحوه، وإذا انصب الماء قلت راق يريق، ويقال أرقته أنا إراقة وهرقته، ويقال راق السراب

стр. 1106

يريق إذا تضحضح فوق الأرض، والريق من كل شيء أفضله، ريق الشراب وريق المطر. فأقول الآن في الموازنة بينها: إنه لولا قول أبي تمام: والغيث يكرم مرة ويلوم وقوله: كان فيها صوب الغمام لئيما لفضلت البحتري عليه، ولكني أجعلهما متكافئين.

стр. 1107

* وفي تشبيه جود الجواد بالبحر قال أبو تمام: هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحته وهو معنى في غاية الجودة والصحة، وإنما حذاه على قول مسلم: هو البحر يغشى سرة الأرض فيضه ... وتدرك أطراف البلاد سواحله وغير معناه. وقال: يمين محمد بحر خضم ... طموح الموج مجنون العباب وقال: بحر يطم على العفاة فإن تهج ... ريح السؤال بموجه يغلولب والشؤل ما حبلت تدفق رسلها ... وتجف درتها إذا لم تحلب

стр. 1108

أراد أن هذا الممدوح يجود ويوسع، فإن سئل أعطى وأكثر وزاد، وذكر أن الشؤل ليست هذه حالها، وأن ألبانها تتدفق إذا حلبت، وتنقطع إذا لم تحلب، ففضل جوده على لبن الشول، وإنما كان ينبغي أن يفضل جوده على الغيث كما قال: والغيث يكرم مرة ويلوم أو على البحر حسب ما يأتي في هذا الباب، ولكنه ذكر الشؤل، لأن ألبانها غياث العرب وغناها، ومعولها ولهذا ما قال في المواعيد: وتنتج مثلما نتج العشار وإنما أخذ قوله: وتجف درتها إذا لم تحلب من قول بشار: والدر يقطعه جفاء الحالب وهذا كله جيد بالغ

стр. 1109

ولم يمر بي له تفضيل جود الجواد على البحر، ولكن البحتري يقول في المعتز: ملك تدين له الملوك وتقتدي ... لجج البحار بسيبه المتدفق وقال فيه: لم أر كالمعتز في حلمه الـ ... ـوافي وفي نائله الغمر يستصغر البحر إذا استمطرت ... يد له تربي على البحر وأجود من هذا قول قعنب بن أم صاحب: قالوا الفرات وما أرضى به شبهاً ... ولن يقوم بجاري سيبك النهر يسقي من الأرض جنباً لا يجاوزه ... وسائر الأرض منه يابس صفر

стр. 1110

وقد تقدم الناس في هذا وأكثروا، وكل هذا إفراط حسن مستحلى لا ينفر منه الطبع، ولكن الرديء المطرح المرذول عند أهل العلم بصناعة الشعر ما أنشده المبرد لبعضهم: له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر له راحة لو أن معشار جودها ... على البر صار البر أندى من البحر ولو أن خلق الله في مسك فارس ... وبارزه كان الخلي من العمر وقال البحتري في ذلك: إذا قرن البحر الخضم بأنعم الـ ... ـخليفة كاد البحر فيهن يغرق وقال: فات الرجال وفي الرجال تفاوت ... بخصائص الأخلاق والآداب فكأنما البحر استجاش يمينه ... فقضى بها أرباً من الآراب وقال: وفي جوده بالبحر والبحر لو رمى ... إلى ساعة من جوده ما وفى بها وقال: ألست ترى مد الفرات كأنه ... جبال شرورى جئن في البحر عوما؟

стр. 1111

ولم يك من عاداته غير أنه ... رأى شيمة من جاره فتعلما وقال في المعتز: بحلم كأن الأرض منه توقرت ... وجود كأن البحر منه تفجرا ولا خفاء بفضل البحتري في هذا الباب على أبي تمام.

стр. 1112

* ومن خبط الجواد بنائله من غير تمييز ولا تأمل لإيقاع الصنيعة فيم موقعها قال أبو تمام: إذا ما غدا أغدى كريمة ماله ... هدياً ولو زفت لألأم خاطب وهذا وأبيك الكرم المحض. وقال: فتى جوده طبع فليس بحافل ... أفي الجور كان الجود منه أم القصد وهذا أيضاً غاية الكرم. وقال البحتري: تغطرس جود لم يملكه وقفة ... فيختار منها للصنيعة موضعا

стр. 1113

وهذا أيضاً جيد. وقال البحتري: ماض على عزمه في الجود لو وهب الـ ... ـباب يوم لقاء البيض ما ندما وهذا أجود الناس وأجهلهم. وقال أبو تمام في المعتصم: عطاء لو اسطاع الذي يستميحه ... لأصبح من بين الورى وهو عاذله وقال فيه يصف مذاهبه في عزائمه: وعزائماً في الروع معتصمية ... ميمونة الإدبار والإقبال فتعمق الوزراء يطفو فوقها ... طفو القذى وتعقب العذال وهذا ليس بالجيد، ومن هذا الذي يعذل الخليفة على أمر يعزم عليه، إنما يشير ويذكر صواباً إن كان عنده، فأما أن يعذل فلا. وقال البحتري في المهتدي: وقد أعجز العذال أن يتداركوا ... لهى تسبق الألحاظ قبل ارتدادها والذي هو في غاية القبح قول البحتري في المعتز: لا العذل يردعه ولا الـ ... ـتعنيف عن كرم يصده

стр. 1114

فجعل الخليفة ممن يعذل ويعنف على الكرم. وقول أبي تمام: ميمونة الإدبار والإقبال لفظ غير جيد، من أجل لفظة «الإدبار» كأنه أراد أن يقول: ميمونة البدء والعود، والكر والرجوع أو التصرف، فقال: «الإدبار» من أجل قوله «الإقبال». وقال أبو تمام: أمهدياً لحيت على نوال ... لقد حكت الملام لغير واع وقال: لا ملبس ماله من دون سائل ... ستراً ولا منصب المعروف للعذل قوله: «ولا منصب المعروف للعذل»، أي: لا يجعله نصيباً للعذل، ويمنع من الإعطاء.

стр. 1115

وقال البحتري: له بدع في الجود تدعو عذوله ... عليها إلى استحسانها فيساعده وقال أيضاً: ملوم على بذل التلاد مفند ... ولا مجد إلا للملوم المفند وقال: أشهرت ليل عواذل لولا لهى ... تصفى كرائمها لبتن هواجدا يسقين منك الغيظ دون معاشر ... يسقون بالذم الزلال الباردا وإذا وسمنك والبخيل بنبزة ... كنت المضلل والبخيل الراشدا وقال: وإذا ما رياح جودك هبت ... صار قول العذال فيها هباء وقال: إذا جاد أغضى العاذلون وكفهم ... قديم مساعيه التي تتقيل ومن ذا يلوم البحر إن بات ذاخراً ... يفيض وصوب المزن إن راح يهطل وهذا غاية في الحسن والبراعة، وإنما أخذه من قول الشاعر المعروف

стр. 1116

بأبي الأسد في الفيض: ولائمة لامتك يا فيض في الندى ... فقلت لها لن يقدح اللوم في البحر أرادت لتثني الفيض عن عادة الندى ... ومن ذا الذي يثني السحاب عن القطر بيت البحتري الثاني أجمع، وبيت أبي الأسد الثاني أبرع، والبحتري في هذا الباب، أشعر من أبي تمام.

стр. 1117

* تعجرف الجواد على ماله وإتلافه إياه قال أبو تمام: كأن أمواله والبذل يمحقها ... نهب تعسفه التبذير أو نفل وقال: جزى الله كفاً ملؤها من سعادة ... سرت في هلاك المال والمال نائم قوله: «ملؤها من سعادة» من أحسن لفظة وأبرعها. وقال: كم وقعة لك في المكارم ضخمة ... غادرت فيها ما ملكت قتيلا «ضخمة» لفظة غير جيدة في هذا الموضع ولا لائقة، وإنما جعلها في موضع «عظيمة».

стр. 1118

وقوله: «في المكارم» أي في سبيل المكارم، كما تقول: في الله، أي في سبيل الله. وقال: وإن خفرت أموال قوم أكفهم ... من النيل والجدوى فكفاه مقطع وهذا البيت مما عهدت الشيوخ يضحكون منه، وقد أتى البحتري بمثل قوله: «فكفاه مقطع»، ولكنه جاء به حسناً فقال: تحسب في وفرة يداه يدي ... عدوه أو لغيره نشبه وقال أبو تمام: فالمال أني ملت ليس بسالم ... من بطش كفك مصلحاً أو مفسدا وقال: يلقى بها حر التلاد وعبده ... عند السؤال مصارعاً وحتوفا وقال: كم نفحة لك لم يحفظ تعجرفها ... لصامت المال إلا ولا ذمما

стр. 1119

وقال: ملكت ماله المعالي فما تلـ ... ـلقاه إلا فريسة للحقوق يقظ وهو أكثر الناس إغضا ... ء على نائل له مسروق فقوله: «فريسة للحقوق» كلام حسن حلو. وقوله: «على نائل مسروق»، معنى ليس بالجيد بل هو رديء، لأن نائله هو ما ينيله، فكيف يكون مسروقاً منه؟!، وهل يكون الهجو إلا هكذا: أن يجعل نائله مأخوذاً منه على وجه السرقة؟. وإنما اعتمد المطابقة لما وصفه بالتيقظ جعله ممن يسرق منه، إذ كان من شأن المتيقظ ألا يغفل حتى يستمر عليه السرق، وكان يصح هذا المعنى لو قال: «على مال له مسروق» حتى يكون يعطي ماله اختياراً لجوده، ويغضي إذا سرق منه لمكروه، وقد ذكرت في أغاليطه على هذا الشرح. وقال البحتري في هذا الباب: فكم لك في الأموال من يوم وقعة ... طويل من الأهوال فيه عويلها

стр. 1120

ومثل هذا قول أبي نواس: بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح وما زال الناس يعيبون قوله: «بح». وقال البحتري أيضاً: ويحكم في ذخائره نداه ... كما حكم العزيز على الذليل وأحسن من كل حسن قوله: يتفادى من نداه تالد ... لو ترقى للثريا ما وأل وهذا أجود من أبيات أبي تمام كلها. وقال: غريب المكرمات ترى لديه ... رقاب المال تهتضم اهتضاما إذا وهب البدور رأيت وجهاً ... يخال لحسنه البدر التماما وقال في محمد بن عبد الملك: ما فقدنا الإعدام حتى مددنا ... أملاً نحو سيبك الممدود سؤدد يصطفي ونيل يرجى ... وثناء يحيا ومال يودي

стр. 1121

* دفع جود الجواد وعطاياه لنوائب الدهر قال أبو تمام: مشت الخطوب القهقري لما رأت ... خببي إليك مؤكداً برسيم فزعت إلى التوديع غير لوبث ... لما فزعت إليك بالتسليم والدهر ألأم من شرقت بلومه ... إلا إذا أشرقته بكريم وهذا البيت الأخير من الاستعارة القبيحة. وقوله: صدمت مواهبه صدمة ... شغبت على شغب الزمان الأنكد وحسبك بـ «صدمت» لفظة هجينة قبيحة. وقال: أي مداو للمحل نائله ... وهانيء للزمان من جربه إن جد رد الخطوب تدمى وإن ... يمزح فجد العطاء في لعبه

стр. 1122

قوله: «وهانيء للزمان من جربه» هي الاستعارة الجيدة الحسنة، وكان ينبغي أن يقول: «وإن يلعب فجد العطاء في لعبه» وأبلغ وأجود من هذا قول البحتري: وادع يلعب بالدهر إذا ... جد في أكرومة قلت هزل وقال أبو تمام وأحسن: برقت بوارق من يمينك غادرت ... وضحاً بوجه الخطب وهو بهيم ضربت أنوف المحل حتى أقلعت ... والعدم تحت غمامها معدوم وقال: أوطأت أرض البخل فيها غارة ... تركت حزون الحادثات سهولا وهذا كله جيد. وقال: ألا لا يمد الدهر كفاً بسيء ... إلى مجتدي نصر فتقطع من الزند وهذا من مضاحيك شعره التي تشبه شعر أبي العبر.

стр. 1123

وقال البحتري: شامت بروق سحابة قرشية ... غرقت صروف الدهر بين سيولها وقال: كريم لا يزال له عطاء ... يغير سنة السنة الجماد وقال: إن ترم آلاؤه في الدهر عن وتر ... تكن لها نوب الأيام أهدافا وهذا بيت حسن جداً. وقال: ودع الخطوب فإنه يكفيها ... من حيث واجهها أبو الخطاب خرق إذا بلغ الزمان فناءه ... نكصت عواقبه على الأعقاب وقال: قمر من الفتيان أبيض صادع ... لدجى الزمان الفاحم الغربيب أعيا خطوب الدهر حتى كفها ... والدهر سلك حوادث وخطوب قوله: «سلك حوادث» من أحسن لفظ وأعذبه. هما عندي في الباب متكافئان، على ما لأبي تمام من الإساءة.

стр. 1124

* وفي إعطاء الجواد حتى لا يجد من يعطيه قال أبو تمام: فنول حتى لم يجد من ينيله ... وحارب حتى لم يجد من يجاربه وقد قال أبو نواس: وأطعم حتى ما بمكة آكل قال علي بن جبلة وأظن أبا تمام أخذ منه: أعطيت حتى لم تجد لك سائلاً ... وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها ومثله سواء قول البحتري ومنه أخذ فيما أظن: جاد حتى أفنى السؤال فلما ... باد منا السؤال جاد ابتداء

стр. 1125

وعلى أن هذا كله عندي من المعاني المشتركة، التي ليس بمنكر أن تتفق الخواطر فيها لأنها خلائق الأجود مشاهدة، وما شوهد وصف واتفق عليه. وقال أبو تمام أيضاً: تلافى نداك المجتدين فأصبحوا ... ولم يبق مذخور ولم يبق مجتد وقال البحتري: إذا قيل قد فنى السائلو ... ن قالت عطاياه هل من مزيد صاحب أبي تمام أكرم، لأنه لم يبق مذخوراً. وقوله: «قالت عطاياه هل من مزيد»، فالعطايا هي ما يعطيه فيخرج عن يده إلى المجتدين، فكيف قالت: هل من مزيد؟؟، وإنما وجه الكلام لو ساغ له الوزن أن يقول: قالت مكارمه هل من طالب؟، هل من ملتمس؟، وهذا عندي في الخطايا شبيه بقول أبي تمام: وأضحت عطاياه نوازع شرداً ... تسائل في الآفاق عن كل سائل وقال البحتري: بث اللهى في المعتفين فلم يدع ... في الأرض مجتدياً ولا مسترفدا
следующие страницы →