Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
* دفع جود الجواد وعطاياه لنوائب الدهر
قال أبو تمام:
مشت الخطوب القهقري لما رأت ... خببي إليك مؤكداً برسيم
فزعت إلى التوديع غير لوبث ... لما فزعت إليك بالتسليم
والدهر ألأم من شرقت بلومه ... إلا إذا أشرقته بكريم
وهذا البيت الأخير من الاستعارة القبيحة.
وقوله:
صدمت مواهبه صدمة ... شغبت على شغب الزمان الأنكد
وحسبك بـ «صدمت» لفظة هجينة قبيحة.
وقال:
أي مداو للمحل نائله ... وهانيء للزمان من جربه
إن جد رد الخطوب تدمى وإن ... يمزح فجد العطاء في لعبه
стр. 1122
قوله:
«وهانيء للزمان من جربه»
هي الاستعارة الجيدة الحسنة، وكان ينبغي أن يقول:
«وإن يلعب فجد العطاء في لعبه»
وأبلغ وأجود من هذا قول البحتري:
وادع يلعب بالدهر إذا ... جد في أكرومة قلت هزل
وقال أبو تمام وأحسن:
برقت بوارق من يمينك غادرت ... وضحاً بوجه الخطب وهو بهيم
ضربت أنوف المحل حتى أقلعت ... والعدم تحت غمامها معدوم
وقال:
أوطأت أرض البخل فيها غارة ... تركت حزون الحادثات سهولا
وهذا كله جيد.
وقال:
ألا لا يمد الدهر كفاً بسيء ... إلى مجتدي نصر فتقطع من الزند
وهذا من مضاحيك شعره التي تشبه شعر أبي العبر.
стр. 1123
وقال البحتري:
شامت بروق سحابة قرشية ... غرقت صروف الدهر بين سيولها
وقال:
كريم لا يزال له عطاء ... يغير سنة السنة الجماد
وقال:
إن ترم آلاؤه في الدهر عن وتر ... تكن لها نوب الأيام أهدافا
وهذا بيت حسن جداً.
وقال:
ودع الخطوب فإنه يكفيها ... من حيث واجهها أبو الخطاب
خرق إذا بلغ الزمان فناءه ... نكصت عواقبه على الأعقاب
وقال:
قمر من الفتيان أبيض صادع ... لدجى الزمان الفاحم الغربيب
أعيا خطوب الدهر حتى كفها ... والدهر سلك حوادث وخطوب
قوله: «سلك حوادث» من أحسن لفظ وأعذبه.
هما عندي في الباب متكافئان، على ما لأبي تمام من الإساءة.
стр. 1124
* وفي إعطاء الجواد حتى لا يجد من يعطيه
قال أبو تمام:
فنول حتى لم يجد من ينيله ... وحارب حتى لم يجد من يجاربه
وقد قال أبو نواس:
وأطعم حتى ما بمكة آكل
قال علي بن جبلة وأظن أبا تمام أخذ منه:
أعطيت حتى لم تجد لك سائلاً ... وبدأت إذ قطع العفاة سؤالها
ومثله سواء قول البحتري ومنه أخذ فيما أظن:
جاد حتى أفنى السؤال فلما ... باد منا السؤال جاد ابتداء
стр. 1125
وعلى أن هذا كله عندي من المعاني المشتركة، التي ليس بمنكر أن تتفق الخواطر فيها لأنها خلائق الأجود مشاهدة، وما شوهد وصف واتفق عليه.
وقال أبو تمام أيضاً:
تلافى نداك المجتدين فأصبحوا ... ولم يبق مذخور ولم يبق مجتد
وقال البحتري:
إذا قيل قد فنى السائلو ... ن قالت عطاياه هل من مزيد
صاحب أبي تمام أكرم، لأنه لم يبق مذخوراً.
وقوله: «قالت عطاياه هل من مزيد»، فالعطايا هي ما يعطيه فيخرج عن يده إلى المجتدين، فكيف قالت: هل من مزيد؟؟، وإنما وجه الكلام لو ساغ له الوزن أن يقول: قالت مكارمه هل من طالب؟، هل من ملتمس؟، وهذا عندي في الخطايا شبيه بقول أبي تمام:
وأضحت عطاياه نوازع شرداً ... تسائل في الآفاق عن كل سائل
وقال البحتري:
بث اللهى في المعتفين فلم يدع ... في الأرض مجتدياً ولا مسترفدا
стр. 1126
المجتدي هو المسترفد، وقد وكد الأول بالثاني لاختلاف اللفظين، ولو كان بينهما خلاف كان أجود في المعنى، ولا يجوز أن يكون مسترفداً بفتح الفاء، أي شيئاً يرفد، لأن ذلك في الأرض كثير وليس يملكه، ويحين أن يقال على المبالغة: لم يدع في الأرض مسترفداً إلا أغناه، يريد مسترفداً له.
وقال البحتري:
أعطيت حتى لم تجد لك سائلاً ... وعلوت حتى لم تجد لك مصعدا
وقال أبو تمام في نحو هذا:
وإذا حللت به أنالك جهده ... ووجدت فوق الجهد منه مزيدا
وقال البحتري:
جاد حتى لو استزيد من الجو ... د لما كان عنده من مزيد
وكلاهما قد ذهب مذهباً جيداً محموداً.
стр. 1127
* في التذاذ الجواد بالجود
قال أبو تمام في المأمون:
لو يعلم العافون كم لك في الندى ... من لذة وقريحة لم تحمد
أي: من لذة واقتراح، أي: ابتداع واستخراج.
وهذا عندي غلط منه، لأن هذا الوصف الذي وصفه به، داعيه إلى أن يتناهى الحامد له في الحمد ويجتهد في الثناء، لا أن يدع حمده، وإنما ذهب إلى أن الإنسان إنما يحمد على الشيء الذي يتكلفه ويتجشمه ويتحمل المشقة فيه لا على الشيء الذي له بواعث شهوة وشدة صبابة إليه وميل إلى فعله، ومن كان غرامه بالجود هذا الغرام، فعلى قدر ذلك يجب أن يحمد ويمدح، وقد
стр. 1128
ذكرت هذا في أغاليطه على هذا الشرح.
فأما قول البحتري:
ولقد أبدت الحمد حتى لو بنت ... كفاك مجداً ثانياً لم يحمد
فمذهب صحيح، يريد أنك قد أفنيت أوصاف المحامد، فإن جئت بنوع من المكارم تبني بها مجداً آخر لم يقدر من يحمدك أو يثني عليك على أكثر مما قدم.
وقال البحتري:
يلذ الأريحية للعطايا ... كما لذت لشاربها الشمول
وهذا حسن حلو.
ووجدت في التعليقات أن بشاراً أخذ قوله في عقبة بن سلم:
ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف ولكن يلذ طعم العطاء
стр. 1129
من قول القائل:
يلذ عطاء الراغبين إذا غدوا ... كما لذ أنفاس العروس مشوق
وهذا كله أجود من قول أبي تمام.
стр. 1130
* إغناء الجواد للسائلين حتى يكونوا مسئولي ن
وقال أبو تمام:
تندى عفاتك للعفاة وتغتدي ... رفقاً إلى زوارك الزوار
وقال:
فما يلحظ العافي جداك مؤملاً ... سوى لحظة حتى يؤوب مؤملاً
وقال:
فكم لحظة أعطيتها لابن نكبة ... فأصبح منها ذا عقاب ونائل
وقال:
وكنت أخا الإعدام لسنا لعلة ... فكم بك بعد العدم أغنيت معدما
стр. 1131
وإذ أنا ممنون على ومنعم ... فأصحبت من خضراء نعماك منعما
وأنشد ابن أبي طاهر لأبي تمام:
وأني لأرجو عاجلاً أن تردني ... مواهبه بحراً ترجى مواهبي
وذكر أنه أخذه من قول دعبل:
إن جاءه مرتغباً سائل ... آلت إليه رغبة السائل
فسائر أبياته على هذا محذوة.
وقال البحتري في مثل ذلك:
ألحقتني برجال كنت أتبعهم ... وأطلب الرفد منهم إن هم رفدوا
فالآن أجدي كما كانت سراتهم ... تجدي وأحمد إفضالاً كما حمدوا
مقسماً نشبي في عصبتي طلب ... فعصبته صدرت وعصبة ترد
стр. 1132
وقال:
كرم الأمير بن الأمير فأقبل الـ ... ـمجدي إليه وهو عاف مجتد
وقال:
أما أياديك عندي فهي واضحة ... ما أن تزال يد منها تسوق يدا
ألازمي الكفر إن لم أجزها كملاً ... أم لاحقي العجز إن لم أحصها عددا
أصبحت أجدي على العافين مبتدئاً ... منها وما كانت إلا مستميح جدا
ومن يبت منك مطوياً على أمل ... فلن يلام على إعطاء ما وجدا
وهذا في غاية الحسن.
وقال:
من شاكر عني الخليفة في الذي ... أولاه من طول ومن إحسان
حتى لقد أفضلت من أفضاله ... ورأيت نهج الجود حين أراني
ملأت يداه يدي وشرد جوده ... بخلي فأفقرني كما أغناني
ووثقت بالخلف الجميل معجلاً ... منه فأعطيت الذي أعطاني
أخذ هذا من قول ابن الخياط المكي:
стр. 1133
لمست بكفي كفه ابتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذووا الغنى ... أفدت وأعداني ففرقت ما عندي
هما عندي في هذا الباب متكافئان، لأنهما أخذا المعنى الذي ركباه من غيرهما.
стр. 1134
* ذكر الشرف في العطاء
قال أبو تمام في أبي دلف:
تدعى عطاياه وفراً وهي إن شهرت ... كانت فخاراً لمن يعفوه مؤتنفا
ما زلت منتظراً أعجوبة زمناً ... حتى رأيت سؤالاً يجتني شرفا
وهذا معنى حسن جداً.
وإنما أخذه من قول أمية بن أبي الصلت:
стр. 1135
عطاؤك زين لامريء إن حبوته ... بخير وما كل العطاء يزين
وقال أبو تمام:
لا يكرم النائل المعطى وإن أخذت ... به الرغائب حتى يكرم الطلب
وقال البحتري ومنه أخذ:
علمتني الطلب الشريف وربما ... كنت الوضيع من اتضاع مطالبي
وقال:
عالي النوال أنالني بنواله ... شرفاً أطل على النجوم منيفه
أي اليدين أجل عندي نعمة ... إغناؤه إياي أم تشريفه
стр. 1136
وقال:
وإذا اجتداه المجتدون فإنه ... يهب العلا في نيله الموهوب
شهرت عطاياه فصرن قبائلاً ... لقبائل من زوره وشعوب
كم حزن من ذكر لغفل خامل ... وبنين من حسب لغير حسيب
قول أبي تمام:
حتى رأيت سؤالاً يجتني شرفا
خير من هذا كله، وإن كان المعنى مسروقاً.
وقال أبو تمام في ضد ما تقدم:
فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر
حذا حذو قول عباس بن الأحنف:
وما كان مثلي يعتريك رجاؤه ... ولكن أساءت شيمة من فتى محض
стр. 1137
وقال البحتري:
لمتني أن رميت في غير مرمى ... وعزيز علي تضييع سهمي
إن أكن خبت في شؤال بخيل ... فبكرهي ذاك السؤال ورغمي
وهذا جيد بالغ.
وأبو تمام أشعر في قوله: «يجتني شرفا» وإن كان المعنى مأخوذاً.
стр. 1138
* ما قالاه في شفاعة الجواد
قال أبو تمام:
أنضرت أيكتي عطاياك حتى ... صار ساقاً عودي وكان قضيبا
ممطر لي بالجاه والمال ما ألـ ... ـقاك إلا مستوهباً أو وهوبا
وإذا ما أردت كنت رشاء ... وإذا ما أردت كنت قليبا
وهذا معنى في غاية الحسن وتمثيل في غاية الصحة.
وقال:
فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدي مر سؤاله
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله
وهذا حسن جداً.
ولدعبل مثل معنى البيت الأول وأظن أبا تمام عليه حذا وذلك قوله:
стр. 1139
شفيعك فاشكر في الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
فأما معنى البيت الثاني فمبتذل متداول، يجري في العادات وفي كلام الناس، إلا أن أبا تمام أحسن العبارة عنه فصار مثلا.
وقال البحتري:
وكريم غدا فأعلف كفي ... مستميحاً في نعمة من كريم
حاز حمدي وللرياح اللواتي ... تجلب الغيث مثل حمد الغيوم
وأصحاب السرقات يقولون: هذا مأخوذ من قول أبي تمام:
«وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة»
وليس الأمر كذلك، لأن هذا المعنى مشترك بين الناس، وليس باختراع لأبي تمام، لأنك دوماً تسمع القائل يقول لمن بلغ حاجته بشفاعته: ما أعتد هذا إلا من مالك، أو من الله ثم منك، فليس لأبي تمام فيه أكثر من أن عبر عنه عبارة حسنة مكشوفة، فصارت مثلاً، والمعنى جار في العادات فجاء به البحتري ومثله بمثال أبدع فيه فأغرب، وهو قوله:
حاز حمدي وللرياح اللواتي ... تجلب الغيث مثل حمد الغيوم
стр. 1140
فلو كان أبو تمام أورد هذا المعنى، كان البحتري سارقاً منه لا محالة.
وقال البحتري:
يشفعني فيما يعز وجوده ... ويمهد لي عند الرجال ويشفع
سرى الغيث يروي غرزه حيث ينبري ... وتتبعه أكلاؤه حين يقلع
وهذا أيضاً تمثيل في غاية الحسن والصحة، وهو نحو قول ابن مطير:
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
وعلى هذا الحذو أيضاً حذا البحتري في وصف قصيدته فقال:
فقد أتتك القوافي غب فائدة ... كما تفتح غب الوابل الزهر
وقال البحتري:
لم يأت جودك سابقاً في سؤدد ... إلا وجاهك للعفاة رديفه
غيثان إن حدب تتابع أقبلا ... وهما ربيع مؤمل وخريفه
стр. 1141
وقال البحتري أيضاً:
أبا عيسى وأنت المرؤ تعلو ... له النفس الشريفة والقبيل
وفرتك لا هوى بك في وفور ... إذا ما حان من حق نزول
ولكن جاه ذي خطر شريف ... أراه وهو من جود بديل
وقال في المهتدي وابنه العباس:
وإني أرتجيك وأرتجيه ... لديك لنائل بك مستفاد
وأقرب ما يكون النجح يوماً ... إذا شفع الوجيه إلى الجواد
وقال في حمولة:
خطبنا إليه قوله غب فعله ... ومن يفعل المعروف فهو يقول
وما عائد من جاهه بعد جوده ... بمبعده من أن ينال جزيل
стр. 1142
أراني حقيقاً أن أؤول إلى الغنى ... إذا كانت الشورى إليك تؤول
وقال:
وهبت لنا العناية بعدما قد ... نراها عند أقوام تباع
ولم يحظر علينا الجاه حتى ... جرت عنه المذانب والتلاع
ففعلك إن سئلت لنا مطيع ... وقولك إن سألت لنا مطاع
وقال:
ولما التمست جاهه جاء تالياً ... لمستسلف من سبق موهوب ماله
ولست خليقاً بانتفاع ترومه ... بقول امريء لم تنتفع بفعاله
وقال:
ظننت به التي سرت صديقي ... فكان الظن قادم اليقين
وكنت إليه في وعد شفيعي ... فصرت إليه في نجح ضميني
وما ولي المكارم مثل خرق ... أغر يرى المواعد كالديون
وقال:
راسنا أمس جاهه وثنى اليو ... م لنا بالرياش أجمع ماله
كان معروفه المقدم قولاً ... فقفا القول من قريب فعاله
стр. 1143
قد تصرف البحتري في هذا الباب تصرفاً جميلاً، وأحسن كل الإحسان في قوله:
«إذا شفع الوجيه إلى الجواد»
ولولا قول أبي تمام:
«فلقيت بين يديك حلو عطائه»
لفضلته على أبي تمام، ولكني أجعلهما متكافئين.
стр. 1144
* ذكر ما استنه الكريم في الناس من الكرم
قال أبو تمام:
أيقظت نوام الكرام بحادث ... لنداك أظهر كنز كل كريم
ولقد نكون ولا كريم نناله ... حتى نخوض إليه ألف لئيم
وسنن بالمحمود من أثر الندى ... سنناً شفت من دهرنا المذموم
وسم الورى بخصاصة فوسمته ... بسماحة على الخرطوم
وهذه معان جياد.
وقال:
أوليس عمرو سن للناس الندى ... حتى اشتهينا أن نصيب بخيلا
стр. 1145
وما زال الناس يستقبحون هذا اللفظ والمعنى، وإنما سمع أبا نواس قال:
سن للناس الندى فندوا ... فكأن البخل لم يكن
فأخذه وأفسده بشهواته أن يصيب بخيلاً
وقال:
أرى الناس منهاج الندى بعدما عفت ... مهايعه المثلى ومحت لواحبه
ففي كل شرق للبلاد ومغرب ... مواهب ليست منه وهي مواهبه
وهذا معنى حسن جداً، ومثله قول البحتري:
رغبت قوماً في السماح وأين هم ... إن ساجلوك من السماك الأعزل
ساموك من حسد فأفضل منهم ... غير الجواد وجاد غير المفضل
فبذلت فينا ما بذلت سماحة ... وتكرماً وبذلت ما لم تبذل
قوله: «وجاد غير المفضل»، أي: صار جواداً من لم يقدر على الإفضال، وقوله: «وبذلت ما لم تبذل» أي: لما ساماك حسادك فسمحوا وبذلوا، كان ذلك البذل كأنه منك، وإن لم تكن بذلته على الحقيقة، فهذا معنى قول أبي تمام:
ففي كل شرق في البلاد ومغرب ... مواهب ليست منه وهي مواهبه
стр. 1146
وقال البحتري:
كم سري تقيل السرو عنهم ... واشتباه الأفعال عدوى وإلف!
وقال:
أقام به في منتهى كل سؤدد ... فعال أقام الناس دون مناله
فإن قصرت أكفاؤه عن محله ... فإن يمين المرء فوق شماله
وما أحسن ما قال دعبل:
علم الجري في السماحة حتى ... قد جرى في السماح كل بليد
رأيه للخطوب والسيف للمضـ ... ـرب وقف والمال للتبديد
هما في هذا الباب متكافئان، لأنهما ركبا معنى قد تقدم الناس فيه، وهو من المعاني المشتركة.
стр. 1147
* في اعتذار الجواد بعد العطاء
قال أبو تمام:
له كرم لو كان في الماء لم يغض ... وفي البرق ما شام امرؤ برق خلب
أخو أزمات بذله بذل محسن ... إلينا ولكن عذره عذر مذنب
أزمات: شدائد وجدب.
وقال:
يعطي عطاء المحسن الخضل الندي ... عفواً ويعتذر اعتذار المذنب
هذا من قول دعبل:
فتى يعتفيك بإنعامه ... كما تعتفيك يد الطالب
ويعطيك معتذراً فوق ما ... تؤمله رغبة الراغب
فتحوى مواهبه جمة ... وأنت بمنزلة الواهب
стр. 1148
وهذا من قول زهير:
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وأما البحتري فإنه قال في الطائي:
أيد الأعباء لو حمله ... سائلو القوم ثبيراً لحمل
ساحة إن يعتمدها يعترف ... ناشد السؤدد فيها ما أضل
حيث لا تبلى المعاذير ولا ... يطأ اليأس على عقب الأمل
ولكن لم يرد البحتري بالمعاذير، الاعتذار الذي يقع مع العطاء على نحو ما ذهب إليه أبو تمام، ولكن قوله:
أيد الأعداء لو حمله ... سائلو القوم ثبيراً لحمل
ينفي عنه الاعتذار على كل حال.
وكلاهما أحسن، وأبو تمام فيما ذهب إليه أشعر.
стр. 1149
صفحة فارغة [في المطبوع]
стр. 1150
وها هنا باب آخر في الاعتذار للجواد من تأخر عطائه
قال أبو تمام:
على أي أحوال مضيت فشاكر ... لما كان من بر الأمير وعاذر
فإن صدق البرق الذي شمت عارضاً ... فلا عجب من أن تجود المواطر
وإن عاقت الأسباب فالبحر ربما ... تمنع منه جانب وهو زاخر
وهذا مثل قول أبي ذفافة المصري، أحد شعراء البرامكة:
أنت الربيع الذي تحيا الأنام به ... كل يعيش بفضل منك مقسوم
وما السحاب إذا ما انجاب عن بلد ... وحان ميقاته فيه بمذموم
إن جدت فالجود أمر قد عرفت به ... وإن تجافيت لم تنسب إلى لوم
стр. 1151
وهذا حسن جداً، وأظن أبا تمام عليه حذا.
وقد تقدم ابن هرمة في هذا المعنى، فقال في المنصور:
يجود إذا ما صادف الجود حقه ... ويبخل أحياناً فيعذر بالبخل
وقال المتوكل لعبد الأعلى بن حماد النرسي: إني أريد أن أبرك فيمنعني من ذلك النسيان، فقال: أحسن الله يا أمير المؤمنين عن هذه النية جزاءك، ألا أنشدك في هذا المعنى؟، قال: هات، فأنشده:
لأشكرنك معروفاً هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إذ لم يجره قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
وقال عمارة بن عقيل في خالد بن يزيد:
стр. 1152
أأترك إن قلت دراهم خالد ... زيارته إني إذاً للئيم
وقد يسلع المرء اللئيم اصطناعه ... ويعتل نقد المرء وهو كريم
«يسلع» أي: تكثر سلعته.
وقال أبو تمام:
وكنت أعلم علماً لا كفاء له ... أن ليس كل قطار ينبت العشبا
وربما عدلت كف الكريم عن الـ ... ـقوم الحضور ونالت معشراً غيبا
وقال البحتري:
وما منع الفتح بن خاقان نيله ... ولكنها الأقدار تعطي وتحرم
سحاب خطاني جوده وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباً ... وموضع رجلي منه أسود مظلم
أأشكو نداه بعدما وسع الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا المذمم
هما في هذا الباب أيضاً متكافئان، لأن المعنى الذي ركباه مشترك.
стр. 1153
* ذكر كتمان الجواد لنائله
قال أبو تمام في الفضل بن صالح الهاشمي:
سميدع يتغطى من صنائعه ... كما تغطت رجال من فضائحها
وفأرة المسك لا يخفي تضوغها ... طول الحجاب ولا يزري بفائحها
وهذا غاية في الحسن والحلاوة.
وقال في ابن الهيثم:
عرف غدا ضرباً نحيفاً عنده ... شكر الرجال وإنه لجسيم
أخفيته فخفيته وطويته ... فنشرته والشخص منه عميم
стр. 1154
جود مشيت به الضراء تواضعاً ... وعظمت عن ذكراه وهو عظيم
وهذا جيد بالغ.
«والضراء» ما واراك من شجر أو غيره، يقال: هو يمشي الضراء أي يستر ما يفعله ولا يجاهر به، يريد أنه يفعل الجميل في ستر ليكون أبعد من الامتنان.
وقال في مالك بن طوق:
وصنيعة لك قد كتمت جزيلها ... فأبى تضوعها الذي لا يكتم
مجد تلوح حجوله وفضيلة ... لك سافر والحق لا يتلثم
وهذا معنى لا يسمع ألطف ولا أحسن منه.
وقد قال دعبل:
إذا انتقموا أعلنوا أمرهم ... وإن أنعموا أنعموا باكتتام
تقوم القعود إذا أقبلوا ... وتقعد هيبتهم بالقيام
وهذا لعمري حسن، وأحسن منه قوله:
стр. 1155
يهوى اقترابك كل طالب حاجة ... كرماً كما يهوى الطبيب المدنف
وإذا صنعت صنيعة أنسيتها ... وذكرت موعدك الذي لا يخلف
ولهج الناس بقول الخريمي، وأعرضوا عما سواه وهو يستحق، وذلك قوله:
زاد معروفك عندي عظماً ... أنه عندك مستور حقير
تناساه كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير
وقال منقذ الهلالي:
فإن إحياءها إماتتها ... وإن منا بها يكدرها
وقال أبو البصير جهم بن عبد الملك أظنه السواق مولى المهالبة:
أمواله بين أخلائه ... وفي الوغى كالأسد العادي
يكتم ما يفعل من جوده ... وقد حدا في جوده الحادي
стр. 1156
وقال أبو قابوس النصراني:
رأيت يحيى أتم الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد
ينسى الذي كان من معروفه أبداً ... إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد
стр. 1157
* نوادر من باب الجود
بيت أبي تمام في الجود قوله:
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله
وبيت البحتري:
لا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر
وهذان المعنيان لا غاية وراءهما في الحسن وقد وقعت فيهما جميعاً معارضة من أهل الإعنات، فقيل في بيت أبي تمام: إن الجواد لا يعطي ما يعطيه من يده، وإن كان في يده شيء يعطيه فلن يكون مبسوط الكف به لأن الكف حينئذ تكون فارغة، وإنما يبسطها للسلام والمصافحة، لا لأن يعطي شيئاً فيها
стр. 1158
وهذا معارضة في غاية الفساد، إنما ذهب أبو تمام إلى المعنى المشهور المعتاد في استعمال الناس أن يقولوا: فلان مبسوط اليد بالمكارم، وسبط الأنامل بالخيرات، ويقولون في البخيل: شنج الأصابع، وجعد الكف عن الخير، وهذا أكثر في كلامهم من أن يحتاج عليه إلى استشهاد.
وإنما أخرج أبو تمام المعنى على هذه العادة وحذا حذو مسلم بن الوليد في قوله:
لا يستطيع يزيد من طبيعته ... عن المروءة والمعروف إحجاما
إلا أنه كشف المعنى، وأحسن العبارة عنه، فصار أولى به.
وقيل في بيت البحتري: وكيف لا يتعب عين الناظر؟ وأنت ترى الإنسان أبداً يكب على شيء يعمله فتسدر عينه، وخاصة الكاتب المكب على الكتابة، أو الناظر فيها، وهذا أبداً ترى كل أحد يشكوه، وترى الإنسان يعمل طرفه في النظر إلى الشيء البعيد فيسدر ناظره حتى لا يرى شيئاً، فهل هذا كله إلا من إتعاب العين بالنظر، وأنت أبداً تقول للمديم الدراسة للكتب: لا تتعب
стр. 1159
عينك وارفق بها، وروح عنها ونحو هذا.
وهذه أيضاً معارضة في غاية الفساد، لأن البحتري لم يذهب إلى استعمال العين وكذها في النظر إلى الشيء الواحد، لأن ذلك إخراج لها عن عادتها الطبيعية، كالكلام الذي إذا أخرجته عن العادة الطبيعية إلى أن ترفع به الصوت من غناء أو حداء، أو خطبة طويلة أتعبت جميع الآلات من الحلق ومجاري النفس والفكين، وإلا فالكلام الذي تستعمله في عاداتك غير متعب، لأنك لست تحمل على الطبيعة، إنما تتركها فيه وعادتها، وذلك غير متعب لها، وكذلك اليد والرجل وسائر الأعضاء، وجناح الطائر مثله، وإذا أتعبت اليد بأن تحمل الشيء الثقيل، وأتعبت الرجل بالمشي الطويل، فقد حكلت على الحركة الطبيعية وأخرجتها عن عادتها، وللطائر أيضاً في طيرانه حدود محمودة في استعمال جناحيه، ومواقيت موقتة، فإن لم يسقط للاستراحة، أسقطه التعب والكد، فهذا كله أنت تراه مشاهدة، فإنما ذهب البحتري إلى أن عين الناظر لا يتعبها النظر الطبيعي، الذي جعل الباري ﵎ له مبلغاً وقدراً فيها ليستدرك الناظر به معرفة ما يشاهد من الأشياء.
стр. 1160
وهذان البيتان بيتا الطائيين في الجود.
وقال بكر بن النطاح الحنفي:
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
وقد قال مسلم بن الوليد:
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وهذا البيت هو بيت مسلم في الجود الذي يفتخر له به، وبيت بكر أجود من هذا لقوله:
«ولو لم يكن في كفه غير روحه»
ولقوله:
«.... فليتق الله سائله»
وهذا لعمري إفراط حسن.
وبيتا الطائيين أجود معنى وألطف، لأنهما لم يخرجا عن طريقة الجود والكرم، وهذان البيتان خارجان عنهما.
следующие страницы →