Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
وقال أبو قابوس النصراني:
رأيت يحيى أتم الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد
ينسى الذي كان من معروفه أبداً ... إلى الرجال ولا ينسى الذي يعد
стр. 1157
* نوادر من باب الجود
بيت أبي تمام في الجود قوله:
تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله
وبيت البحتري:
لا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر
وهذان المعنيان لا غاية وراءهما في الحسن وقد وقعت فيهما جميعاً معارضة من أهل الإعنات، فقيل في بيت أبي تمام: إن الجواد لا يعطي ما يعطيه من يده، وإن كان في يده شيء يعطيه فلن يكون مبسوط الكف به لأن الكف حينئذ تكون فارغة، وإنما يبسطها للسلام والمصافحة، لا لأن يعطي شيئاً فيها
стр. 1158
وهذا معارضة في غاية الفساد، إنما ذهب أبو تمام إلى المعنى المشهور المعتاد في استعمال الناس أن يقولوا: فلان مبسوط اليد بالمكارم، وسبط الأنامل بالخيرات، ويقولون في البخيل: شنج الأصابع، وجعد الكف عن الخير، وهذا أكثر في كلامهم من أن يحتاج عليه إلى استشهاد.
وإنما أخرج أبو تمام المعنى على هذه العادة وحذا حذو مسلم بن الوليد في قوله:
لا يستطيع يزيد من طبيعته ... عن المروءة والمعروف إحجاما
إلا أنه كشف المعنى، وأحسن العبارة عنه، فصار أولى به.
وقيل في بيت البحتري: وكيف لا يتعب عين الناظر؟ وأنت ترى الإنسان أبداً يكب على شيء يعمله فتسدر عينه، وخاصة الكاتب المكب على الكتابة، أو الناظر فيها، وهذا أبداً ترى كل أحد يشكوه، وترى الإنسان يعمل طرفه في النظر إلى الشيء البعيد فيسدر ناظره حتى لا يرى شيئاً، فهل هذا كله إلا من إتعاب العين بالنظر، وأنت أبداً تقول للمديم الدراسة للكتب: لا تتعب
стр. 1159
عينك وارفق بها، وروح عنها ونحو هذا.
وهذه أيضاً معارضة في غاية الفساد، لأن البحتري لم يذهب إلى استعمال العين وكذها في النظر إلى الشيء الواحد، لأن ذلك إخراج لها عن عادتها الطبيعية، كالكلام الذي إذا أخرجته عن العادة الطبيعية إلى أن ترفع به الصوت من غناء أو حداء، أو خطبة طويلة أتعبت جميع الآلات من الحلق ومجاري النفس والفكين، وإلا فالكلام الذي تستعمله في عاداتك غير متعب، لأنك لست تحمل على الطبيعة، إنما تتركها فيه وعادتها، وذلك غير متعب لها، وكذلك اليد والرجل وسائر الأعضاء، وجناح الطائر مثله، وإذا أتعبت اليد بأن تحمل الشيء الثقيل، وأتعبت الرجل بالمشي الطويل، فقد حكلت على الحركة الطبيعية وأخرجتها عن عادتها، وللطائر أيضاً في طيرانه حدود محمودة في استعمال جناحيه، ومواقيت موقتة، فإن لم يسقط للاستراحة، أسقطه التعب والكد، فهذا كله أنت تراه مشاهدة، فإنما ذهب البحتري إلى أن عين الناظر لا يتعبها النظر الطبيعي، الذي جعل الباري ﵎ له مبلغاً وقدراً فيها ليستدرك الناظر به معرفة ما يشاهد من الأشياء.
стр. 1160
وهذان البيتان بيتا الطائيين في الجود.
وقال بكر بن النطاح الحنفي:
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
وقد قال مسلم بن الوليد:
يجود بالنفس إن ضن البخيل بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وهذا البيت هو بيت مسلم في الجود الذي يفتخر له به، وبيت بكر أجود من هذا لقوله:
«ولو لم يكن في كفه غير روحه»
ولقوله:
«.... فليتق الله سائله»
وهذا لعمري إفراط حسن.
وبيتا الطائيين أجود معنى وألطف، لأنهما لم يخرجا عن طريقة الجود والكرم، وهذان البيتان خارجان عنهما.
стр. 1161
* ومن نوادر باب الجود
قول أبي تمام في توجهه إلى عبد الله بن طاهر:
يقول في قومس صحبي وقد أخذت ... منا السرى وخطى المهرية القود
أمطلع الشمس تبغي أن يؤم بنا ... فقلت كلا ولكن مطلع الجود
وهذا ما لا نهاية لحسنه، ولكنه نقل هذا المعنى من قول ابن هرمة في وصف امرأة:
تبدت لنا كالشمس يوم طلوعها ... بلون غني الجلد عن أثر الورس
فلما ارتجعت الطرف قلت لصاحبي ... على مرية ما ها هنا مطلع الشمس
стр. 1162
فحول المعنى إلى ذكر الجود.
وقال البحتري في معنى آخر:
دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب
كالبدر أفرط في العلو وضوؤه ... للعصبة السارين جد قريب
وهذا أيضاً غاية في حسنه ومعناه، وبيتا أبي تمام ألطف معنى.
وقال أبو تمام:
رأى البخيل من كل فظيعاً فعافه ... على أنه منه أمر وأفظع
وكل كسوف في الدراري شنعة ... ولكنه في البدر والشمس أشنع
قوله: «على أنه منه»، أي: على أن البخل من أبي سعيد أمر وأفظع منه من غيره.
وقوله: «وكل كسوف في الدراري شنعة» يريد بالدراري: النجوم المضيئة
стр. 1163
وكسوفها ليس مما يظهر لعيون الناس، لأن كسوف الكواكب إنما هو أن يحصل سمته كوكب في فلك هو أسفل من فلكه فيستره، فذاك كسوفه، ولا يتفقده ولا يعرفه إلا المنجمون، فليست فيه شنعة، لأن الشنعة ما عمت رؤيته فجعل أبو تمام كسوف الكواكب شنعة وجعل كسوف الشمس والبدر أشنع وقد أحسن ولم يسيء.
وللبحتري شيء يقارب هذا المعنى، ولكن ليس مثله في الجودة وهو قوله:
فرق بين الناس في نجرهم ... ما يعظم العبد له سيده
وأنجم الأفق نظام خلا ... ما خالفت أنحسه وأسعده
لم أحفل الأشباح حتى أرى ... بيان ما تأتي به الأفئدة
стр. 1164
وهذا شبيه بقول نصيب الأصغر:
وإذا جهلت من امريء أعراقه ... وقديمه فانظر إلى ما يصنع
وهذا معنى شائع.
وقال نابغة بني شيبان:
لا تحمدن امرأ حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريب
وقال آخر:
إِني امرؤ قلما أثني على أحد ... حتى أرى بعض ما يأتي وما يذر
لا تحمدن امرأ حتى تجربه ... ولا تذمن من لم يبله الخبر
وقد أحسن بشار في قوله:
ولولا الذي زعموا لم أكن ... لأحمد ريحانة قبل شم
стр. 1165
وأظن أول من نظم هذا المعنى الأعشى في قوله:
فجئتك مرتاد ما خبروا ... ولولا الذي خبروا لم ترن
وقال آخر:
أبل من شئت تقله ... عن قليل لفعله
стр. 1166
* ومن نوادر باب الجود
قول أبي تمام في محمد بن الهيثم
لدى ملك من أيكة الجود لم يزل ... على كبد المعروف من فعله برد
وداني الجدا تأتي عطاياه عل ... ومنصبه وعر مطالعه جرد
فقد نزل المرتاد منه بماجد ... مواهبه غور وسؤدده نجد
به أسلم المعروف بالشام بعدما ... ثوى منذ أودى خالد وهو مرتد
فقال: «داني الجدا» ثم قال «تأتي عطاياه من عل» و «الجدا»: هو العطاء الذي يعطيه، وهذا من عويصاته التي يتجنب مثلها الحذاق، وهو مشغوف بها وكأنه يريد: أن عطاياه دانية من يد المتناول، وأنها تأتي من عل لعلو قدره،
стр. 1167
أو أراد أنها تأتي كما يأتي السيل من ارتفاع إلى هبوط، فيكون أغزر لها وأسرع، وكأن المعنى الأول أقوى، لأنه قد كرره وأكده بقوله:
«مواهبه غور وسؤدده نجد»
وبقوله:
ومنصبه وعر مطالعه جرد
أي: جداه دان قريب ممن يريده، ومنصبه بعيد المرام ممن يريد التعلق به أو المساواة له، فمطالعه جرد: جمع أجرد، أي ملس لا يتعلق بها شيء، كما يقال: «تقدم إليه المتناول» والمعنيان لا يتشاكلان كل التشاكل؛ لأن العطايا ليست من المنصب في شيء، وإنما كان ينبغي أن يقول: وداني الجدا تأتي عطاياه من يد هي مع الثريا، أو من راحة هي فوق النجم، حتى تكون عطاياه دانية مع علو يده، لأن العطايا منها تأتي، وعنها تصدر، فيشبه شيء شيئاً، وتصح المقابلة، أو أن يجعل الممدوح دانياً ممن يريده، دمثاً متواضعاً سهلاً، ويجعل منصبه رفيعاً وعراً صعباً، حتى يكون المعنى أنه رفيع القدر على تواضعه، كما قال البحتري:
دنوت تواضعاً وعلوت قدراً ... فشأناك انخفاض وارتفاع
كذاك الشمس تبعد أن تسامي ... ويدنو الضوء منها والشعاع
стр. 1168
فأما أن تجعل عطاياه دانية مع علو قدره ورفيع منصبه، فكذا يجب أن تكون، وليس هذا ببديع، ولا بمعنى مفيد، لأنه ليس بطباق، ثم أنا ما علمنا أن للمعروف كبداً، وأنه كان مرتداً فأسلم، إلا من هذه الأبيات، فأما قوله:
«..... ............. وإن قست ... * كبد الزمان علي كنت رؤوفا»
فإن استعارة الكبد ها هنا ليست بقبيحة كقبح استعارة الكبد للمعروف، لأن المعروف لا يوصف بالقسوة ولا بالشدة كما وصف الزمان، فلما وصف الزمان بالشدة والصعوبة، لم ينكر أن يجعل له على الاستعارة كبداً قاسية، فعلى هذه السبيل وما أشبهها تحسن الاستعارة وتقبح، وقوله: «منذ أودى خالد وهو مرتد» يريد خالد بن يزيد بن مزيد.
وقال في خالد بن يزيد أيضاً:
ظل عفاة يحب زائره ... حب الكبير الصغير من ولده
стр. 1169
إذا أناخو ببابه أخذوا ... حكميهم من لسانه ويده
آثرني إذ جعلته لجأ ... كل امريء لا جيء إلى سنده
إيثار شزر القوى يرى جسد الـ ... ـمعروف أولى بالطب من جسده
فقد أفدنا من الأبيات الأول أن المعروف كبداً، وأنه كان مرتداً فأسلم، وأفدنا من هذه الأبيات أن جسده مما يجب أن يتطبب له، وأن الممدوح يرى أنه أولى بالطب من جسد نفسه.
وقال:
وقددت من شيم كأن سيورها ... يقددن من شيم السحاب المرزم
شهرت فما تنفك توقع باسمها ... من قبل معناها بعدم المعدم
стр. 1170
وهذا من فلسفته التي يخرج العبارة عنها خروجاً صحيحاً، يريد أن المعدم إذا ملك وفكر في كريم أخلاقك، ذهب عنه البؤس والفقر قبل عطائك لثقته بالغنى من جهتك.
وقال:
لا شمسه حرة تشوى الوجوه بها ... يوماً ولا ظله عنها بمنتقل
تحول أمواله عن عهدها أبداً ... ولم يزل قط عن عهد ولم يحل
وهذا معنى ليس بالجيد، وظاهره أن أمواله أبداً تنتقل عن يده وأن كونها في يده عهد بينها وبينه، وليس بممدوح من جعل هو وماله متعاهدين، وكأنه أراد أن أمواله تحول عن عهد العاهد لها من اجتماعها عنده، ووفورهما لديه، لأنه يفرقها، ولم يحل هو قط عن عهد عليه من كرم ولا غيره.
والجيد الحسن الذي لا يتطرق عليه التأول في هذا المعنى قول البحتري:
إما تنقلت العهود فإنه ... ثبت على عهد الندى وذمامه
معاهدة الندى إنما هي بذل المال.
ومثله في الجودة قول دعبل:
стр. 1171
والجود يعلم أني منذ أن عاهدني ... ما خنته وقت ميسوري ومعسوري
وقال البحتري في معاقدة الجواد والجود:
إن القناني وإن الندى ... تربا اصطحاب وأخيا لده
تعاهدا حلفاً على وفر ذي ... وفر إذا جمعه بدده
فالفعل فوت القول إن فاض في ... عارفة والجود فوت الجده
وهذا معنى حسن حلو، وقد تقدم الناس فيه، فقال موسى شهوات في سعيد بن خالد بن أسيد:
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرض الندى بعقيد
فأخذت هذا المعنى بعينه أخت الوليد بن طريف فقالت:
стр. 1172
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرض الندى بحليف
وأظن الأعشى أول سابق إلى هذا المعنى بقوله:
تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق
قيل في «أسحم داج» أنه أراد: تقاسما في ظلمة الرحم، أي: تحالفا هناك وتعاقدا، لأنهما أخوان، وقيل «أسحم داج» الرماد، لأن العرب كانت تحلف به وبالنار.
وقال حبيب بن شوذب المدني في السري بن عبد الله الهاشمي:
فك السري عن الندى أغلاله ... فجرى وكان مكبلاً مغلولا
وتعاقدا العقد الوثيق وأشهدا ... من كل قوم مسلمين عدولا
فوفى الندى لك بالذي عاقدته ... ووفى السري فما يريد بديلا
стр. 1173
فهذا لم يرض بالحلف والعقد حتى أوقع بينهما شهادة قوم مسلمين عدول، فويحه، ألا قال: «وأشهدا ملك السماء وأشهدا جبريلا»؟!، لأن الإنسان قد يقول فيما يعقده على نفسه: أشهد الله وملائكته على كذا، وهذا النحو إنما يخرجه الشعراء مخرج النادرة، وهو غير حسن ولا جميل.
وقد قال حبيب بن شوذب هذا وهو حسن، وإن كان قد غلا في الاستعارة:
أنت أنف الجود إن فارقته ... عطس الجود بأنف مصطلم
ومثل قوله:
فك السري عن الندى أغلاله ... فجرى وكان مكبلاً مغلولا
قول بكر بن النطاح الحنفي:
أبا دلف إن السماحة لم تزل ... مغللة تشكو إلى الله غلها
فبشرها ربي بميلاد قاسم ... وأرسل جبريلاً إليها فحلها
стр. 1174
وهذا ليس بغلو ولا استعارة قبيحة.
ومما أخرج مخرج النادرة قول ابن المولى:
رشت الندى ولقد تكسر ريشه ... فعلا الندى فوق البلاد فطارا
ونحو هذا ما أنشده الأخفش لبعضهم، وهو من باب الهجاء:
لأضربن رجائي ألف مقرعة ... غداً وأصلب آمالي على خشبه
إذ منياني قوماً لا حراك بهم ... وإن سمعت لهم في دورهم جلبه
وهذه نوادر من الشعراء مضحكات.
стр. 1175
* ومن نوادر باب الجود
ويصلح أن يكون في باب «تعجرف الجواد على ماله»، قول البحتري:
غريب السجايا ما تزال عقولنا ... مدلهة في خلة من خلاله
إذا معشر صانوا السماح تعسفت ... به همة مجنونة في ابتذاله
قوله: «إذا معشر صانوا السماح» معنى رديء، لأن البخيل ليس من أهل السماح، فيكون له سماح يصونه، وسواء عليه قال: صانوا السخاء، أو صانوا الجود أو صانوا الكرم، فإن هذا كله لا يملك البخلاء منه شيئاً، وهو منهم بعيد، فكيف يصونونه؟، فإن قيل: إنما أقام السماح مقام الشيء يسمح به، وفي مجازات العرب ما هو أبعد من هذا، قيل: البحتري لا يسوغ له مثل ذلك ولا يجوز له، لأنه متأخر، لا سيما وليست ها هنا ضرورة؛ لأنه قد كان يمكنه أن
стр. 1176
يقول: «صانوا الثراء» مكان «السماح»، [وينبغي أن يلحق هذا بمساوئه].
ومن هذا الباب قول البحتري أيضاً:
يا ابن عبد المليك الحمـ ... ـد وقوف بين الندى والجود
ما فقدنا الإعدام حتى مددنا ... سبباً نحو سيبك الموجود
سؤدد يصطفى ونيل يرجى ... وثناء يحيا ومال يودي
ويصلح أن يكون في باب الرجاء والأمل.
قوله: «ملكك الحمد وقوف» إن كان أراد: وقوف قوم بين الندى والجود، أي: ليس لهم فيهما حظ، فقد أقام النعت مقام المنعوت، والمعنى رديء، جعل الممدوح لم يملك الحمد إلا لما بخل هؤلاء، فلم يكن لهم في الجود حظ، فكأنهم هم الذين ملكوه الحمد، أي: إنما حمد لما أضيفت أفعاله إلى
стр. 1177
أفعال البخلاء، وهذا إلى الذم أقرب منه إلى المدح.
وكأنه أراد «ملكك الحمد وقوف»، أي: وقوفك بين الندى والجود، أي: إنك لا تقف إلا بينهما، كأنه مقيم بينهما لا يفارقهما، كما يقال: أنا مقيم بين أمرك ونهيك، وواقف عند طاعتك.
وقوله: «بين الندى والجود» ليس بالجيد، لأن الندى هو الجود والجود هو الندى، يقال: فلان يتندى على إخوانه ويتجود عليهم، ويقال: هو ذو ندى، كما يقال: هو ذو جود.
و «بين» ها هنا ليست قوية المعنى، لأنها ليست كالواو التي تنسق بالكلمة على الكلمة الأخرى التي هي في معناها، مثل النأي والبعد، والسر والنجوى، بل يوجب أن تكون إحدى الكلمتين غير الأخرى، وكأن البحتري ذهب إلى أن الندى سجيته في الكرم والبذل، وأن الجود العطاء، وهو محتمل وينبغي أن يلحق هذا أيضاً بمساوئه.
ومن نوادر باب الجود قول أبي تمام:
نعم الفتى عمر في كل نائبة ... نابت وقل له نعم الفتى عمر
يعطي ويحمد من يأتيه يحمده ... فشكره عوض وماله هدر
стр. 1178
وهذا نهاية في حسنه وصحته، ولست أعرف للبحتري مثل هذا المعنى، ولكنه قال:
فهو يعطي جزلاً ويثني عليه ... ثم يعطي على الثناء جزاء
وهذا مذهب آخر، وذلك ألطف وأجود في معناه.
ومن نوادر باب الجود أيضاً قول أبي تمام في أبي الغريب يحيى بن عبد الله القمي:
عرفنا الجود فيك وما عرضنا ... لسجل من نداك ولا ذنوب
ولكن دارة القمر استتمت ... فدلتنا على مطر قريب
وقال البحتري:
معول أمل ترجى نسيئة ... ويصبح منسوها مليين بالنقد
وقد دفعوا بخل الزمان بجوده ... ولا طب حتى يدفع الضد بالضد
ومن نوادر باب الجود قول أبي تمام:
من شرد الإعدام عن أوطانه ... بالبذل حتى استطرف الإعدام
أخذ «تشريد الإعدام» -والله أعلم- من قول الأعشى:
هم يطردون الفقر عن جارهم ... حتى يرى كالغصن الناضر
стр. 1179
إلا أن أبا تمام شرد الإعدام عن أوطانه، والأعشى طرد الفقر عن جار القوم.
وما زال الناس يعيبون قوله: «حتى استطرف الإعدام».
وقال أبو تمام:
غريم للملم به وحاشا ... نداه م مماطلة الغريم
هذا حذاه على قول بشار:
كأن لهم ديناً عليه وما لهم ... سوى جود كفيه عليه حقوق
وقال البحتري:
وما ولي المكارم مثل خرق ... أغر يرى المواعد كالديون
وقال أبو تمام:
وترى تسحبنا عليه كأننا ... جئناه نطلب عنده ميراثا
وهذا حسن جداً.
وقال أبو تمام:
ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي
стр. 1180
وقال البحتري:
إلى غمر في ماله تستخفه ... صغار الحقوق وهو عود مجرب
وهذا من قول دعبل:
تخال أحياناً به غفلة ... من كرم النفس وما أعلمه!
وقال أبو دلامة في المنصور:
وأخدع خليفتنا بمسألة ... إن الخليفة للسؤال منخدع
وقال آخر:
مجرب لا ترى الأعداء تخدعه ... ولو يخادعه السؤال لانخدعا
وقال أبو تمام:
وما إن زال في جرم بن عمرو ... كريم من بني عبد الكريم
стр. 1181
يكاد نداه يتركه عديماً ... إذا هطلت يداه على عديم
تراه عن حرم المعالي ... فتحسبه يدافع عن حريم
أحق الناس بالكرم امرؤ لم ... يزل يأوي إلى أصل كريم
أحلهم الندى سطة المعالي ... إذا نزل البخيل على التخوم
إذا نزل النزيع بهم قروه ... رياض الود من أنف جميم
فلو أبصرتهم والزائريهم ... لما مزت البعيد من الحميم
أخذ هذا المعنى من قول محمد بن بشير الخارجي:
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما ذوو الأرحام
وقد ذكرته في سرقاته المجموعة.
ومن نوادر باب الجود قول أبي تمام:
شافهت أسباب الغنى بمحمد ... حتى ظننت بأنها تتكلم
стр. 1182
قد تيمت منه القوافي بامريء ... ما زال بالمعروف وهو متيم
يحلو ويعذب إن زمان ناله ... بغنى وتلتاث الخطوب فيكرم
تلقاه إن طرق الزمان بمغرم ... شرهاً إليه كأنما هو مغنم
لا يحسب الإقلال عدماً بل يرى ... أن المقل من المروءة معدم
وهذا مدح شريف.
وأبو تمام في هذه الأبواب من النوادر أكثر تصرفاً وأشعر من البحتري.
стр. 1183
* ذكر اعتداد المداح بنعم الممدوحي ن
قد مر في هذه الأبواب من هذا الجنس غير شيء مما وجدته لائقاً بموضعه فأثبته فيه، وهذا باب مفرد في ذلك.
قال أبو تمام:
وكم لك عندي من يد مستهلة ... علي ولا كفران مني ولا جحد
يد تستزل الدهر من نفحاتها ... ويخضر من معروفها الأفق الورد
وهذا حسن جداً.
وقال البحتري:
يد لك عندي قد أبر ضياؤها ... على الشمس حتى كاد يخبو سراجها
فإن تتبع النعمى بنعمى فإنه ... يزين اللآلي في النظام ازدواجها
стр. 1184
وكنت إذا مارست عندك حاجة ... على نكد الأيام هان علاجها
وهذا أيضاً حسن جداً.
وقال البحتري أيضاً:
أما أياديك عندي فهي واضحة ... ما إن تزال يد منها تسوق يدا
ألازمي الكفر إن لم أجزها كملاً ... أم لاحقي العجز إن لم أحصها عددا
لم لا أمد يدي حتى أنال بها ... مدى النجوم إذا ما كنت لي عضدا
وقال أيضاً:
كم من يد لك لم أكن أشري بها ... ربعي صوب الديمة السحاح
إن سدت فيها المنعمين فإنني ... بالشكر عنها سيد المداح
وقال أبو تمام في كف الدهر ونوائبه:
لقيت صروف الدهر عني تابعاً ... لأمر العلى واخترت شكري على عذري
وأوليتني في النائبات صنائعاً ... كأن أياديها فجرن من البحر
فعلمتني أن ألبس الحمد أهله ... وذكرتني ما قد نسيت من الشكر
قوله: «وذكرتني ما قد نسيت من الشكر» حسن جداً، يريد عهدي
стр. 1185
بإحسان المحسنين إلي ممن كنت أشكره بعيد، فنسيت الشكر حتى أحسنت إلي فذكرته بشكري إياك.
وقال أبو تمام في نحوه:
حبيب بغيض عند راميك عن قلى ... وسيف على شانيك ليس له غمد
وكم أمطرته نكبة ثم فرجت ... ولله في تفريجها ولك الحمد
وقد كان دهراً للحوادث مضغة ... فأضحت جميعاً وهي عن لحمه درد
تصارعه لولاك كل ملمة ... ويعدو عليه الدهر من حيث لا يعدو
وقال في نحوه:
جعلت حطاماً منكب الدهر إذ نوى ... زحامي لما أن جعلتك منكبي
وما ضيق أقطار البلاد أضافني ... إليك ولكن مذهبي فيك مذهبي
فقومت لي ما اعوج من قصد همتي ... وبيضت لي ما اسود من وجه مطلبي
وقال أبو تمام في كف الدهر نوائبه وقمعها:
نبذت إليه همتي فكأنما ... نبذت به نجماً على الدهر ثاقبا
وكنت امرأ ألقى الزمان مسالماً ... فآليت لا ألقاه إلا محاربا
وهذا جيد حسن.
стр. 1186
وقال في نحوه وهو أحسن من كل حسن وأجود من كل جيد:
بمهدي من أصرم عاد عودي ... إلى إيراقه وامتد باعي
أطال يدي على الأيام حتى ... جزيت صروفها صاعاً بصاع
وهذا عين هذا الباب كله.
وقال:
قرب الدهر من يدي وأكنت ... يده من سمائم العدم حالي
لهذا أضحى ثنائي طريقاً ... عامراً بينه وبين الليالي
وهذا عين هذا الباب كله في الرداءة والسخف؛ لأن قوله: «وأكنت يده من سمائم العدم حالي» استعارة ما رواء قبحها غاية.
وقال البحتري:
стр. 1187
وإن ابن دينار ثنى وجه همتي ... إلى الخلق الفضفاض والنائل النهب
فلم أمل إلا من مودته يدي ... ولا قلت إلا من مواهبه حسبي
لقيت به حد الزمان ففله ... وقد يثلم العضب المهند في العضب
وقال:
ألنت لي الأيام من بعد قسوة ... وعاتبت لي الدهر المسيء فأعتبا
وألبستني النعمى التي غيرت أخي ... على فأمسى نازح الود أجنبا
وقال في ضد البيت الأخير:
وعرفت ودك في تعصب شيعتي ... ووجوه إخواني وعطف أقاربي
وقال:
وآليت لا أنسى بلوغي بك العلى ... على كره شتى من شهود وغيب
ودفعي بك الأعداء عني وإنما ... دفعت بركن من شروري ومنكب
стр. 1188
وقال:
تداركني الإحسان منك ومسني ... على حاجة ذاك الجدا والتطول
ودافعت عني حين لا الفتح يبتغي ... لدفع الذي أخشى ولا المتوكل
وقال:
أأنساك بعد الهول ثم انصرافه ... وبعد وقوع الكره ثم اندفاعه
إذاً نسي الله اطيافي ببيته ... ووفد الحجيج حاشد في اجتماعه
وقال أبو تمام:
أبديت لي عن جلدة الماء الذي ... قد كنت أعرفه كثير الطحلب
ووردت بي بحبوحة الوادي ولو ... طاوعتني لوقفت عند المذنب
وبرقت لي برق اليقين وطالما ... أمسيت مرتقباً لبرق الخلب
стр. 1189
فجعلت لي مندوحة من بعدما ... أكدى على تصرفي وتقلبي
والحر يسلبه جميل عزائه ... ضيق المحل فكيف ضيق المذهب
هيهات تأبى أن تضل بي السرى ... في بلدة فيها كوكبي
وهذا كله جيد بالغ.
وقال أبو تمام في الاستغناء بالممدوح عمن سواه:
فتى أحيت يداه بعد يأس ... لنا الميتين من كرم وجود
لبست سواه أقواماً فكانوا ... كما أغنى التيمم بالصعيد
وقال في مثل ذلك:
غنيت عمن سواه وحولت ... عجاف ركابي من سعيد إلى سعد
تجلى به رشدي وأثرت به يدي ... وفاض به ثمدي وأورى به زندي
وما زال منشوراً علي نواله ... وعندي حتى قد بقيت بلا عند
قوله: «قد بقيت بلا عند» من كلام السقاط ورذال العوام.
стр. 1190
وقال البحتري في نحو هذا:
وأغنيتني عن معشر كنت برهة ... أكافحهم عن نيلهم وأقارع
فلست أبالي جاد بالبذل باذل ... على راغب أو ضن بالخير مانع
وقال في نحوه:
نفسي فداؤك طالما أغنيتني ... فكفيتني عن هذه الأشباح
خلق ممثلة بغير خلائق ... ترضى وأبدان بلا أرواح
وقال في نحوه:
لله دركما من سيدي زمن ... أجريتما من معاليه إلى أمد
وجدت عندكما الجدوى ميسرة ... أوان لا أحد يجدي على أحد
وقد تطلبت جهدي ثالثاً لكما ... عند الليالي فلم تفعل ولم تكد
وقال:
ورجال جاروا خلائقك العز ... وليست يلامق من دروع
стр. 1191
وليالي الخريف خضر ولكن ... زهدتنا عنها ليالي الربيع
قوله: «وليست يلامق من دروع» تشبيه قبيح جداً، وغير لائق بالمعنى، وكان ينبغي -لما ذكر المجاراة- أن يقول: وليس البطيء مثل السريع، ونحو هذا، أو لو كان جعل صدر البيت «ورجال ظننتهم جنناً دوني»، لصلح أن يقول «وليست يلامق دروع» فتصح القسمة، لأن «اليلامق» جمع «يلمق»، وهو القباء المحشو، ولا يرد ما يرد الدرع التي هي أحصن الجنن، إذ لو ساعدت القافية لما ذكر الغر حتى يقول: وليس الأغر مثل البهيم، لكان هذا من أصح تقسيم.
والبحتري أحذق الناس بالتقسيمات والمقابلات، ولست أدري كيف تسامح في مثل هذا، وإذا لم تساعد القافية، فاطراح البيت من الشعر واستئناف آخر أولى بالصواب، وأشبه بمذاهب الحذاق من الشعراء.
وقال أبو تمام في نحو آخر:
стр. 1192
وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي
مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد
هذا من قول أبي نواس:
وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
وإنما أخذ أبو نواس هذا من قول كثير:
متى ما أقل في آخر الدهر مدحة ... فما هي إلا لابن ليلى المكرم
وما أحسن ما اعتذر ابن هرمة، وليس هو هذا المعنى بعينه، وذلك قوله:
فإن أك قد هفوت إلى أمير ... فعن غير التطوع والسماح
ولكن سقطة عيبت علينا ... وبعض القول يذهب في الرياح
وقال أبو تمام:
أعطيتني دية القتيل وليس لي ... عقل ولا حق عليك قديم
إلا ندى كالدين حل قضاؤه ... إن الكريم لمتفيه غريم
وقال:
стр. 1193
صدفت عنه فلم تصدف مودته ... عني وعاوده ظني فلم يخب
كالغيث إن جئته وافاك ريقه ... وإن تحملت عنه كان في الطلب
وهذا في غاية الحسن والصحة والحلاوة.
وقال:
كل شعب كنتم به آل وهب ... فهو شعبي وشعب كل أديب
لم أزل بارد الجوانح مذ خضـ ... ـخضت دلوي في ماء ذاك القليب
بنتم بالمكروه دوني وأصبحـ ... ـت الشريك المختار في المحبوب
ثم لم أدع من بعيد لدى الإذ ... ن ولم أثن عنكم من قريب
كل يوم تزخرفون فنائي ... بحباء فرد وبر غريب
إن قلبي لكم لكالكبد الحر ... ى وقلبي لغيركم كالقلوب
وهذا الاعتداد عندي الذي لا يفي بحسنه وغرابته شيء.
وقال:
أبا سعيد ما وصفي بمتهم ... على الثناء وما شكري بمخترم
стр. 1194
لئن جحدتك ما أوليت من حسن ... إني لفي اللؤم أحظى منك في الكرم
أنسى ابتسامتك والألوان كاسفة ... تبسم البرق في داج من الظلم
كذا أخوك الندى لو أنه بشر ... لم يلف طرفة عين غير مبتسم
رددت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بهاء الصارم الخذم
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي
وقال البحتري:
أأكفرك النعماء عندي وقد نمت ... على نمو الفجر والفجر ساطع
وأنت الذي أعزرتني بعد ذلتي ... فلا القول مخفوض ولا الطرف خاشع
وقال:
أراك بعين المكتسي ورق الغنى ... بآلائك اللاتي يعددها الشعر
ويعجبني فقري إليك ولم أكن ... ليعجبني لولا محبتك الفقر
ووالله ما ضاعت أياد أتيتها ... إلي ولا أزرى بمعروفك الكفر
ومالي عذر في جحودك نعمة ... ولو كان لي عذر لما حسن العذر
стр. 1195
وقال:
أعطيتني حتى حسبت جزيل ما ... أعطيتنيه وديعة لم توهب
فشبعت من بر لديك ونائل ... ورويت من أهل لديك ومرحب
أخذه من قول الرزدق:
أعطاني المال حتى قلت يودعني ... أو قلت أودع مالاً قد رآه لنا
وبيت البحتري أجود.
وقال:
إني هجرتك إذ هجرتك وحشة ... لا العود يذهبها ولا الإبداء
أخجلتني بندى يديك وسودت ... ما بيننا تلك اليد البيذاء
وقطعتني بالجود حتى إنني ... متخوف ألا يكون لقاء
صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجب وبر راح وهو جفاء
ليواصلنك ركب شعر سائر ... يرويه فيك لحسنه الأعداء
حتى يتم لك الثناء مخلداً ... أبداً كما تمت لي النعماء
فتظل تحسدك الملوك الصيد بي ... وأظل يحسدني بك الشعراء
وهذا أيضاً حسن حلو في معناه.
следующие страницы →