← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وقوله: لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبداً على سفر من الأسفار مأخوذ من قول آخر وأنشده ثعلب: قام ولما يستعن بساقه ... آلف مثواه على فراقه وقال البحتري في صلب بابك يخاطب أبا سعيد: ما زلت تقرع باب بابك بالقنا ... وتزوره في غارة شعواء حتى أخذت بنصل سيفك عنوة ... منه الذي أعيا على الخلفاء أخليت منه البذ وهي قراره ... ونصبته علماً بسامراء لم يبق منه خوف بأسك مطعماً ... للطير في عود ولا إبداء فتراه مطروداً على أعواده ... مثل اطراد كواكب الجوزاء مستشرقاً للشمس ممتداً لها ... في أخريات الجذع كالحرباء قوله: «بسامراء» من لحونه القبيحة، وإنما ذهب إلى أن جعلها اسماً واحداً كما تلفظ به العامة، وإنما هي: «سر من رأى». وقوله: «مطرداً على أعواده» أي: يلوح، لأن الشمس صيرته كما ترى الكواكب، كأنها تتحرك، تطرد: أي يطرد ضوءها بعضه بعضاً، كأن الضوء يتدافع، وخص كواكب الجوزاء لأنها كهيئة الإنسان المصلوب.

стр. 1297

وقوله: «في أخريات الجذع كالحرباء» ما زلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقولون إنه ما شبه المصلوب بأصح من هذا التشبيه ولا أقرب ولا أحسن لفظاً ولا أشبه بكلام العرب. وأما ما تقدم من قول أبي تمام فإنه حكمة متقنة وفلسفة تفوق كل فلسفة وتتقدم معاني الناس في الرقة واللطافة. وقال البحتري في قوم أخذوا ومعهم صليب لهم فصلبوا: وما صليب ابن آشوط بأمنع من ... صليب برجان إذ خلوه وانجفلوا أمسى يرد حريق الشمس جانبه ... عن بابك وهو في الباقين يشتعل كأنهم ركبوا في الحرب وهو لهم ... بند فما لف مذ أوفى ولا نزلوا تفاوتوا بين مرفوع ومنخفض ... على مراتب ما قالوا وما فعلوا رد الهجير لحاهم بعد شعلتها ... سوداً فعادوا شباباً بعدما اكتهلوا وهذا مرعى ولا كالسعدان. وقال: قوم ترى أرماحهم يوم الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان

стр. 1298

يتسربلون أسنة وصفائحاً ... والموت بين صفيحة وسنان قوم إذا شهدوا الكريهة صيروا ... كمم الرماح جماجم الأقران فهذا مأخوذ من قول مسلم: يغشي السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل وأخذه أبو تمام فأساء الأخذ وقبح لفظاً ومعنى، وسلك وجهاً آخر فقال: بدلت أرؤسهم يوم الكريهة من ... قنا الظهور قنا الخطي مدعما وإنما ألم مسلم بن الوليد بقول جرير: كأن رؤوس القوم فوق رماحنا ... غداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا وقال آخر: سخطت جماجمهم على أجسادهم ... فتبدلت منها صدور رماح ما واجهتك عقاب حرب مرة ... إلا كسرت جناحها بجناح

стр. 1299

* ذكر الحرب في البحر قال البحتري في أحمد بن دينار في الحرب التي تولاها في البحر: ولما تولى البحر والجود صنوه ... غدا البحر من أخلاقه بين أبحر أضاف إلى التدبير فضل شجاعة ... ولا عزم إلا للشجاع المدبر إذا شجروه بالرماح تكسرت ... عواملها في صدر ليث غضنفر غدوت على الميمون صبحاً وإنما ... غدا المركب الميمون تحت المظفر أطل بعطفيه ومر كأنما ... تشوف من هادي حصان مشهر إذا زمجر النوتي فوق علاته ... رأيت خطيباً في ذوابة منبر يغضون دون الاشتيام عيونهم ... وقوف السماط للعظيم المؤمر إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى لها ... جناحا عقاب في السماء محجر

стр. 1300

إذا ما انكفى في هبوة النار خلته ... تلفع في أثناء برد محبر وحولك ركابون للهول عاقروا ... كؤوس الردى من دارعين وحسر تميل المنايا حيث مالت أكفهم ... إذا أصلتوا حد الحديد المذكر إذا رشقوا بالنار لم يك رشقهم ... ليقلع إلا عن شواء مقتر صدمت بهم صهب العثانين دونهم ... ضراب كإيقاد اللظى المتسعر يسوقون أسطولاً كأن سفينه ... سحائب صيف من جهام وممطر كأن ضجيج البحر بين رماحهم ... إذا اختلفت ترجيع عود مزمجر يقارب من زحفيهم فكأنما ... يؤلف من أعناق وحش منفر فما رمت حتى أجلت الحرب عن طلى ... مقطعة فيهم وهام مطير على حين لا نقع تطوحه الصبا ... ولا أرض تلفى للصريع المقطر وكنت ابن كسرى قبل ذاك وبعده ... ملياً بأن توهي صفاة ابن قيصر جدحت له الموت الذعاف فعافه ... وطار على ألواح شطب مشمر مضى وهو مولى الريح يشكر فضلها ... عليه ومن يول الصنيعة يشكر وهذا من أحسان أبي عبادة المشهور الذي يفوق كل إحسان. وليس لأبي تمام في حرب البحر شيء.

стр. 1301

* ما قالاه في حرب ذوي الأرحام والحض على صلحهم والصفح عنهم قال أبو تمام في مالك بن طوق: لو أن دهراً رد رجع جواب يا مالك ابن المالكين ولم تزل ... تدعى ليومي نائل وعقاب لم ترم ذا رحم ببائقة ولا ... كلفت قومك من وراء حجاب للجود باب في الأنام ولم تزل ... كفاك مفتاحاً لذاك الباب ورأيت قومك والإساءة منهم ... جرحى بظفر للزمان وناب هم صيروا تلك البروق صواعقاً ... فيهم وذاك العفو سوط عذاب وأقل أسامة جرمها واصفح لها ... عنه وهب ما كان للوهاب رفدوك في يوم الكلاب وشققوا ... فيه المزاد بجحفل غلاب

стр. 1302

وهم بعين أباغ راشوا للوغى ... سهميك عند الحارث الحراب وليالي الثرثار والحشاك قد ... جلبوا الجياد لوحق الأقراب فمضت كهولهم ودبر أمرهم ... أحداثهم تدبير غير صواب لا رقة الحضر اللطيف غذتهم ... وتباعدوا عن فطنة الأعراب وإذا كشفتهم وجدت لديهم ... كرم النفوس وقلة الآداب أسبل عليهم ستر عفوك مفضلاً ... وانفح لهم من نائل بذناب لك في رسول الله أعظم أسوة ... وأجلها في سنة وكتاب أعطى المؤلفة القلوب رضاهم ... كملاً ورد أخايذ الأحزاب والجعفريون استقلت ظعنهم ... عن قومهم وهم نجوم كلاب حتى إذا أخذ الفراق بقسطه ... منهم وشط بهم عن الأحباب ورأوا بلاد الله قد لفظتهم ... أكنافها رجعوا إلى جواب فأتوا كريم الخيم مثلك صافحاً ... عن ذكر أحقاد مضت وضباب ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي فاضمم قواصيهم إليك فإنه ... لا يزخر الوادي بغير شعاب والسهم بالريش اللؤام ولن ترى ... بيتاً بلا عمد ولا أطناب

стр. 1303

وهذه من قصائد أبي تمام التي يرضاها أضداده لتركه التصنع فيها بطلب الطباق والتجنيس والاستعارات إلا أبياتاً يسيرة نسيبها. وقال أبو تمام في مالك بن طوق: مهلاً بني عمرو بن غنم إنكم ... هدف الأسنة والقنا يتحطم وستذكرون غداً صنائع مالك ... إن جل خطب أو تدوفع مغرم إن تذهبوا عن مالك أو تجهلوا ... نعماه فالرحم الضعيفة تعلم هي تلك مشكاة بكم لو تشتكي ... مظلومة لو أنها تتظلم كانت لكم أخلاقه معسولة ... فتركتموه وهي ملح علقم فقسا لتزدجروا ومن يك حازماً ... فليقس أحياناً على من يرحم أعزز عليه إذا ابتأستم بعده ... وتذكرت بالأمس تلك الأنعم ووجدتم قيظ الأذى ورميتم ... بعيونكم أين الربيع المرهم وندمتم ولو استطاع على جوى ... أحشائكم لوقاكم أن تندموا قوله: «هي مشكاة بكم» أي: مشكاة منك يقال: أشكيته إذا شكا إليك فزدته مما كان شكاه، وأشكيته: إذا نزعت عما شكاه، وهي من الأضداد وهي ها هنا: لو أ، ها تشتكي لزدتموها. وقوله: «لوقاكم أن تندموا» كأنه لفظ موضوع في غير موضعه، لأن ندمهم إنما هو عقوقهم له، والندم إنما هو رجوع واستبصار، فكيف يقيهم من رجوعهم واستبصارهم، فإن قيل: إنما أراد: يقيهم الأمر الذي ندموا عليه لا أن

стр. 1304

يقيهم الندم، قيل فالذي ندموا عليه هو العقوق، فكيف يقيهم العقوق، ووجه هذا عندي أنه أراد: لوقاكم غم الندم ولوعته، وقد يكون أراد: لوقاكم الأمر الذي تدفعون إليه فيكون سبب ندمكم، فوضع الندم موضع سبب الندم. وقال أيضاً في مالك بن طوق: سلم على الربع من سلمى بذي سلم مهلاً بني مالك لا تجلبن إلى ... حي الأراقم دؤلول ابنة الرقم فأي حقد أثرتم من مكامنه ... وأي عوصاء جشمتم بني جشم لم يألكم مالك صفحاً ومغفرة ... لو كان ينفخ قين الحي في فحم لا بالمعاود ولعاً في دمائكم ... ولا إلى لحم خلق منكم قرم أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضي من ناضر السلم أوطأتموه على جمر العقوق ولو ... لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم قد انثنى والمنايا في أسنته ... وقد أقام حياراكم على اللقم جذلان من ظفر حران إن رجعت ... أظفاره منكم مخضوبة بدم ديم يكفكف منه كل بائقة ... ورحمة رفرفت منه على الرحم «الدؤلول»: الأمر الشديد العظيم، أراد به أبو تمام الداهية، و «العوصاء»: الأمر المعتاص الشديد، و «السلم»: شجر شديد الصلابة

стр. 1305

لا يكاد تقدح منه النار، و «اللقم»: جادة الطريق، وإنما أراد أقامهم على الهدى وأراهم إياه. وقوله: «دين يكفكف منه كل بائقة» يقال: كفكفت الشيء عن الشيء إذا رددته عنه، مثل «كففته»، ويكون: «يكفكف عنه كل بائقة» بدفع، أي: تقف وتحجم مثل قوله: إذا درجت فيه الصبا كفكفت لها ... وقام يباريها أبو الفضل جعفر وليس في هذه القصيدة بيت جيد عليه طلاوة إلا قوله: أخرجتموه بكره من سجيته ... والنار قد تنتضي من ناضر السلم فإنه من مشهور إحسانه ونادر معانيه، والبيت الذي بعده أيضاً جيد بالغ. وما أحسن ما قال شماس بن أوس الطهوي: فإلا تصل رحم ابن عمرو بن مرثد ... يعلمك وصل الرحم عضب مجرب وقال حميد بن أبي شحاذ الضبي:

стр. 1306

فقضينا قضاءنا من بني عبـ ... ـس وقد يقتل الشقيق الشقيق هم بنو أمنا فجرينا الدهـ ... ـر ففي أهب بيننا تمزيق وقال القطامي: لم تر قوماً هم شر لإخوانهم ... منا عشية يجري بالدم الوادي تفريقهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زراد وحسبك بهذا جودة. ولله در أبي عبادة إذ يقول لبني الحارث بن كعب في قصيدة يمدح بها علي بن مر: أقيموا بني الديان من سفهائكم ... فقد طال عن قصد السبيل مجيدها أما آن أن ينهى عن الجهل والخنا ... قيام المنايا فيكم وقعودها قرابتكم لا تظلموها فتبعثوا ... عليكم صدوراً ما تموت حقودها لها الحسب الزاكي الذي تعرفونه ... وفيكم طريفات العلا وتليدها فلا تسألوها عن قديم تراثها ... فعسجدها مما أفاد حديدها ذوو النخلات الخضر من بطن حائل ... وفي فلج خطبانها وهبيدها وأهل سفوح من شمائل تكتسي ... بهم أرجاً حتى يشم صعيدها ينامون عن أكفانهم ولديهم ... من الله نعمى ما ينام حسودها

стр. 1307

مقاماتهم أركان رضوى ويذبل ... وأيديهم بأس الليالي وجودها أبا خالد ما جاور الله نعمة ... بمثلك إلا كان حتماً خلودها وجدنا خلال الخير عندك كلها ... ولو طلبت في الغيث عز وجودها فقد جزعت جلد ولولاك لم يكن ... ليجزع من صرف الزمان جليدها فأولهم نعمى فكل صنيعة ... رأيناك تبديها فأنت تعيدها قرابتك الأدنين من حيث تنتمي ... وجيرتك الداني إليك بعيدها أتهدم جرفيها وطودك طودها ... وتنحت فرعيها وعودك عودها وتنهض بالأبطال تفني عديدها ... وسؤلك في أن التراب عديدها إليك وقود النار عند ابتدائها ... وليس إذا تمت إليك خمودها فأقصر ففي الإقصار بقيا فإنها ... مكارم حيي يعرب تستفيدها ودونك فاختر في قبائل مذحج ... أتقرها عن أمرها أم تسودها قوله: «وأهل سفوح» فسفوح: موضع، «من شمائل»، أي: وفي أهل سفوح شمائل، أي: أخلاق، و «من» زائدة، «تكتسي أرجا» أي: تكتسي سفوح بأهلها أرجاً، «حتى يشم صعيدها» أي: ترابها، وهذا هو اللفظ الجزل والمعنى الفحل والنظم الرصين والطبع السلس والمذهب العجب. ومثله في الجودة والرصانة والحلاوة قوله في القصيدة التي يمدح فيها المتوكل ويذكر حرب تغلب وإصلاح الفتح بينهم:

стр. 1308

أسيت لأخوالي ربيعة إذ عفت ... مصايفها فيها وأقوت ربوعها بكرهي أن باتت خلاء ديارها ... ووحشاً مغانيها وشتى جميعها وأمست تساقي الموت من بعدما غدت ... شروباً تساقي الراح رفهاً شروعها «الرفه»: أن ترد الإبل الماء كل يوم. إذا افترقوا عن وقعة جمعتهم ... لأخرى دماء ما يطل نجيعها تذم الفتاة الرود شيمة بعلها ... إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها حمية شغب جاهلي وعزة ... كليبية أعيا الرجال خضوعها وفرسان هيجاء تجيش صدورها ... بأحقادها حتى تضيق دروعها تقتل من وتر أعز نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها شواجر أرماح تقطع بينها ... شواجر أرحام ملوم قطوعها ولولا أمير المؤمنين وطوله ... لعادت جنوب والدماء دروعها ولاصطلمت جرثومة تغلبية ... به استبقت أغصانها وفروعها رفعت بضبعي تغلب ابنة وائل ... وقد يئست أن يستقل صريعها وكنت أمين الله مولى حياتها ... ومولاك فتح يومذاك شفيعها فألفهم من بعد ما شردتهم ... حفائض أخلاق بطيء رجوعها

стр. 1309

وأبصر غاويها المحجة فاهتدى ... وأقصر غاليها ودانى شسوعها وأمضى قضاء بينها فتحاجزت ... ومخفوضها راض به ورفيعها فقد ركزت سمر الرماح وأغمدت ... رقاق الظبا مجفوها وصنيعها أتتك وقد ثابت إليها حلومها ... وباعدها عما كرهت نزوعها فقرت قلوب كان جماً وجيبها ... ونامت عيون كان نزراً هجوعها تعيد وتبدي من ثناء كأنه ... سبائب روض الحزن جاد ربيعها تصد حياء أن تراك بأوجه ... أتى الذنب عاصيها مطيعها ولا عذر إلا أن حلم حليمها ... يسفه في شر جناه خليعها بقيت فكم أبقيت بالعفو محسناً ... على تغلب حتى استمر ظليعها ومشفقة تخشى حماماً على ابنها ... لأول هيجاء تلاقى جموعها ربطت بصلح القوم نافر جأشها ... فقر حشاها واطمأنت ضلوعها وقال البحتري في هذه الحرب بعينها، ويذكر ما كان من الفتح في صلح بينهم، وهي من المنصفات، وقد بينت عن فضل البحتري وعربيته وطريقته التي ليس لشاعر من المتأخرين، وهي تبر على كل ما قالوه في وصف حرب، وهي القصيدة التي أولها: ضمان على عينيك أني لا أسلو

стр. 1310

بني تغلب أعزز علي بأن أرى ... دياركم أمست وليس بها أهل خلت بلد من ساكنيها وأوحشت ... مرابع من سنجار يهمي بها الوبل وأزعج أهل المحلبيات ناجز ... من الحرب ما فيه خداع ولا هزل وأقوت من القمقام أعراض مارد ... فما ضمنت تلك الأعقة والرمل أفي كل يوم فرقة من جميعكم ... تبيد ودار من مجامعكم تخلو مصارع بغي تابع الظلم بينها ... بساعة عز كان آخره الذل إذا ما التقوا يوم الهياج تحاجزوا ... وللموت فيما بينهم قسمة عدل غدوا عصبتي ورد سجالها الردى ... ففي هذه سجل وفي هذه سجل إذا كان قرض من دم عند معشر ... فلا خلف في أن يؤدي ولا مطل كفي من الأحياء لاقى كفيه ... ومثل من الأقران زاحفه مثل إذا ما أخ جر الرماح انبرى له ... أخ لا بليد في الطعان ولا وغل تحضهم البيض الرقاق وضمر ... عتاق وأحساب بها يدرك التبل وما الموت إلا أن تشاهد ساعة ... فوارسهم في ما قط وهم رجل بطعن يكب الدارعين دراكه ... وضرب كما ترغو المخزمة البزل يهال الغلام الغر ثم يرده ... على الهول من مكروهها الأشيب الكهل

стр. 1311

تجافى أمير المؤمنين عن التي ... علمتم وللجانين في مثلها الثكل وعاد عليكم منعماً بفواضل ... أتت وأمير المؤمنين لها أهل وكانت يد الفتح بن خاقان عندكم ... يد الغيث عند الأرض أجهدها المحل ولولاه طلت بالعقوق دماؤكم ... فلا قود يطعى الأذل ولا عقل تلافيت يا فتح الأراقم بعدما ... سقاهم بأوحى سمه الأرقم الصل وهبت لها بالسلم باقي نفوسهم ... وقد شارفوا أن يستتمهم القتل أتوك وفود الشكر يثنون بالذي ... تقدم من نعماك عندهم قبل فلم أر يوماً كان أكثر سؤدداً ... من اليوم ضمتهم إلى بابك السبل تاءوك من أقصى السماط فقصروا ... خطاهم وقد جازوا الستور وهم عجل ولما قضوا صدر السلام تهافتوا ... على يد بسام سجيته البذل إذا قلبوا أبصارهم من مهابة ... ومالوا بلحظ خلت أنهم قبل قوله: «وأقوت من القمقام أعراض مارد .....» «فالقمقام»: العدد الكثير، و «الأعراض» جمع عرض، وعرض كل شيء ناحيته، ويجوز أن يكون أراد بالأعراض: جمع عرض، والعرض: الجبل، و «مارد»: يريد بلاد ماردين،

стр. 1312

ولماردين جبال فيها حصون، و «الأعقة»: جمع عقيق، فجمعه بما أحواله [؟]، وكذلك «الرمل» ها هنا: موضع. وقوله: «فرقة من جميعكم ....» أي: من كلا الحزبين، و «دار من مجامعكم ...» أي: من محافلكم واجتماعكم. وقوله: «سجالهما الردى ...» فالسجال: المساجلة وهو من السجل، والسجل: الدلو وذلك أن يتبارى الساقيان بسجليهما في الاستقاء، فيستقي هذا سجلاً وهذا سجلاً، فجعله مثلاً ها هنا، أي: لكل واحد منهما قسط من الردى. وللبحتري قصيدة أخرى في حرب بني الأعمام، منصفة، هي مثل القصيدة التي مضت، أو تزيد عليها في الجودة والبراعة، يمدح فيها أبا المعمر الهيثم بن عبد الله التغلبي ويذكر حروب بني تغلب أيضاً، أولها: أمنك تأوب الطيف الطروب أما «لربيعة الفرس» انتهاء ... عن الزلزال فيها والحروب لكل قبيلة خيل تداعى ... إلى خيل معاودة الركوب كدأب بني المعمر حين زاروا ... بني عمرو بمصمية شعوب تبالوا صادق الأحساب حتى ... نفوا خور الضعيف عن الصليب

стр. 1313

صريح الخيل والأبطال أغنى ... عن الهجنات والخطأ المشوب وكانوا رقعوا أيام سلم ... على تلك القوادح والندوب إذا ما الجرح دم على فساد ... تبين فيه تفريط الطبيب رزية هالك جلبت رزايا ... وخطب بات يكشف عن خطوب يشق الجيب ثم يجيء أمر ... يصغر فيه تشقيق الجيوب وقبر عن أيامهن برقعيد ... إذا ما ناحرت أفق الجنوب يسح ترابه أبداً عليها ... عهاداً من مراق دم حبيب إذا سكبت سماء ثم أجلت ... ثنت بسماء مغدقة سكوب ولم أر للتراث بعدن عهداً ... كسل المشرفية من قريب تصوت فيهم حزق العوالي ... وغاب الخط مهزوز العلوب كنخل سميحة استعلى ركيب ... تكفيه الرياح على ركيب فمن يسمع وغى الأخوين يذعر ... لصك من قراعهما عجيب تخمط تغلب الغلباء ألقت ... على الثرثار برداً والرحوب زعيماً خطة ورداً حماماً ... ورودهما حيا الماء الشروب إذا آد البلاء تحملاه ... على دفي موقعة ركوب إذا قسم التقدم لم يرجح ... نصيب في الرجال على نصيب

стр. 1314

على أن الكبير يزاد فضلاً ... كفضل الرمح زيد من الكعوب فهل لابني عدي من نصيح ... يرد شريد حملهما الغريب أخاف عليهما إمرار مرعى ... من الكلأ الذي علفاه موبي وأعلم أن حربهما خبال ... على الداعي إليها والمجيب كما أسرى القطا لبيات عمرو ... وسال لهلكه وادي قضيب وفي حرب العشيرة مؤيدات ... تضعضع تالد العز المهيب لعل أبا المعرم يتليها ... ببعد الهم والصدر الرحيب فكم من سؤدد قد بات يعطي ... عطية مكثر منه مطيب فهذه طريقة الشعراء الفحول من مذهب لا يحسنه إلا الفصحاء المطبوعون من الأعراب، ولا يتجه لمثله مسلم ولا أبو نواس فضلاً عن أبي تمام. قوله: «بمصمية ...» فمصمية: داهية، يقال: «رماه فأصماه» إذا قتله مكانه، و «رماه فأنماه»، إذا أصاب الصيد فتحامل وغاب عن عين الرامي، و «رماه فأشواه»، إذا أصاب الشوى وهو الأطراف غير المقاتل و «الشعوب»: التي تشعب أي تفرق.

стр. 1315

وقوله: «تبالوا صادق الأحساب» تفاعلوا، من البلوى، وهي الاختبار حتى نفوا الضعاف وأبقوا الشداد. «إذا م الجرح دم» أي عولج حتى اندم، امتلأ والتحم. «إذا ما ناحرت أفق الجنوب»، أي: كانت في نحرها، أي: تلقاء هبوبها، «عهاداً» أي: شيئاً بعد شيء، مثل عهاد المطر. وقوله: «مهزوز العلوب»: يريد عوامل الرماح، وهي صدورها، والعلوب: من قولهم: رمح معلب، وهو الذي يشد موضع السنان منه بالعلباء، وهي عصبة العنق من البعير. و «سميحة»: موضع كثير النخيل، «استعلى ركيب» أي: نخيل مركوب، عليه حمله كالراكب، أو يريد بالركيب الذي قد غرس سطراً بإزاء سطر. وقوله: «أسرى القطا لبيات «عمرو»»: له خبر، وكذلك «وادي قضيب». وقال أيضاً: لا دمنة بلوى خبث ولا طلل بني زرارة نصح ماله ثمن ... يرجى لديكم وقول كله عذل وإنما هلكت من قبلكم أرم ... لأنهم نصحوا دهراً فما قبلوا

стр. 1316

مستعصمين مع الأروى كأنكم ... لا تعلمون بأن العصم لا تئل أنذرتكم عارضاً تدمى مخايله ... القطرة الفذ منه عارض هطل هذا ابن يوسف في سرعان ذي لجب ... فيه الظبا والقنا والخيل والحيل غزاكم بقلوب مالها خلل ... من خلفها وسيوف مالها خلل ولاكم البغي ثم انساب نحوكم ... بالمشرفية وهي الثكل والهبل وانحاز مثل انحياز الطود يتبعه ... رأي يصغر فيه الحادث الجلل الله الله كفوا إن خصمكم ... أبو سعيد وضرب الأرؤس الجدل تغنموا الصلح إن الحرب توعدكم ... يوماً يعود به صفين والجمل الآن والعذر مبسوط لمعتذر ... والأمر مستقبل والعفو مقتبل ولا يغرنكم منه تبذله ... بالإذن حتى استوى الأرباب والخول فإن يكن ظاهراً فالشمس ظاهرة ... أو كان مبتذلاً فالركن مبتذل طال الرواء في رأس فحلكم ... لا يسهل الصعب حتى يقصر الطول

стр. 1317

لا بجذب الوطن المأمول عزمته ... ولا الغزال الذي في طرفه كحل مسافر ومطاياه محللة ... غروضها ومقيم وهو مرتحل يهش للغزو حتى شك عسكره ... فيه فقالوا أغزو ذاك أم قفل

стр. 1318

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري لأبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي ت: ٣٧٠ هـ دراسة وتحقيق الدكتور/ عبد الله حمد محارب الجزء الثالث - القسم الثاني الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م

стр. 1319

ما قالاه في أوصاف الخيل قال أبو تمام: جرت له أسماء حبل الشموس وامدد عناني بوأي ضلعه ... تذرع والعذرة فيه تنوس أقاتل الهم بإيجافه ... فإن حرب الهم حرب ضروس إذا المذاكي خطبت نقعه ... فحظها منه اللفاء الخسيس موضح ليس بذي رجلة ... أشأم والأرجل منها بسوس فكل لون فليكن ما خلا الـ ... أشهب فالأشهب لون لبيس ومجفر لم يصطلم كشحه ... فالضمر المفرط فيها رسيس

стр. 1320

إن زار ميداناً شأى أهله ... أو نادياً قام إليه الجلوس ترى رزان القوم قد أسمحت ... أعينهم في حسنه وهي شوس كأنما لاح لهم بارق ... في المحل أو زفت إليهم عروس سام إذا استعرضته زانه ... أعلى رطيب وقرار يبيس فإن خدا يرتجل المشي فالـ ... ـمركب في إحسانه والخميس كأنما خامره أولق ... أو غازلت هامته الخندريس عوذه الحاسد بخلاً به ... ورفرفت خوفاً عليه النفوس ومثله ذو العنق السبط قد ... أمطيته والكفل المرمريس غادرته وهو على سؤدد ... وقف وفي سبل المعالي حبيس قوله: «فامدد عناني بوأي» أي: اجعل لي عناناً أمده، «بوأي» على وزن: وغاً، وهو الحديد الشديد، «ضلعه تذرع» أي: تتسع، والذراعة السعة، كأنه مأخوذ من الذرع، يريد أن ضلعه واسعة تامة تهمى فإنه، منتفخ الجنبين، ويروى «يعذر» أي: يوسع، و «العذرة»: الشعر الذي في قفا الفرس، ويستحب أن يكون له تمام وسباطة وتفرق، كما قال امرؤ القيس: لها عذر كقرون النسا ... ء ركبن في يوم ريح وصر وقوله: «تنوس» أي: تتحرك وتضطرب وإذا كانت قصيرة لم يكن لها تحرك، و «المذاكي» من الخيل التي قد جاوزت القروح بثلاث سنين، واحدها

стр. 1321

مذك، وهو جمع على غير قياس، وجمعها الصحيح: مذكيات، وهي مسان الخيل، و «اللفاء الخسيس» ... [؟]. و «الموضح»: الذي به أوضاح، والأوضاح البياض في أطرافه، وقوله: «ليس بذي رجلة» أي ليس بأرجل، والأرجل: الذي تحجيله في رجل واحدة دون سائر قوائمه، وقال: «بسوس»، لأنه يتشاءم به، والبسوس المرأة التي رمى كليب وائل ضرع ناقتها، وكانت في جوار جساس، فقتله جساس فكانت حرب بكر وتغلب من أجلها، فضرب بها المثل في الشؤم، وليست للبسوس ها هنا حلاوة في الموضع ولا طلاوة. وكذلك قوله: «فالشهبة لون لبيش»، والأشهب من مراكب الملوك، يقال: شهب الخيل ملوكها. ولا وجه لقوله: «لون لبيس»، ولا علمت أحداً نعت الشهبة بها النعت، لأن اللبيس هو الذي قد استعمل فأخلق واتسخ، ومن أين جعله خلقاً او دنساً بل هو من أحد ألوان الخيل وأنصعها، لا سيما إن كان أسود العرف والذنب، فإن ذاك من مراكب الخلفاء والجبابرة، وإنما يقال في الأشهب أنه ليس من سراع الخيل، ولا مما يجري في الحلبة لقلة صبره ورقته، لأن البياض عندهم رقة وترفة، وكذلك الأبلق ما شبق قط في حلبة من أجل ما فيه من البياض، فهذا عيب الشهبة عند أهل البادية، فما وجه قوله: «لبيس». وقوله: «لم يصطلم كشحه» أي: لم يصطلمه الضمر حتى يذهب به،

стр. 1322

والكشح هو الخاصرة، ويستحب فيها أن تكون ضامرة، فيقول: إن الضمر المفرط فيها -يعني الخيل- رسيس، يريد علة وسقما، ويقال: به رسيس من مرض، المعنى صحيح واللفظ والنظم رديئان جداً. وقوله: «والكفل المرمريس»، يريد انملاسه، استواءه، والجساة في عنق الفرس، والكزازة من أعيب عيوبه، والسباطة ضد ذلك، فلهذا قال: «ذو العنق السبط»، والمرمريس من الألفاظ الوحشية الغريبة التي يدخلها في شعره مع ألفاظ لا تشبهها ولا تليق بها. وليس في هذه الأبيات من أوصاف الخيل معنى لطيف ولا مستحسن. وقوله: «أعلى رطيب وقرار يبيس»، فقد تقدم الناس فيه، وأوردوه نظماً ونثراً، فهو متبع. وقوله: «قام إليه الجلوس» و «زفت إليهم عروس» و «رفرفت عليه النفوس»، فإن قوماً يستحسنونه وليس من أوصاف الخيل في شيء ولا طائل فيه. وقوله: «أسمحت أعينهم في حسنه وهي شوس»، فالأشوس هو الذي بنظر بمؤخر عينه من الكبر، فيقول: ترى العيون التي لا تملأ طرفها من الشيء كبراً، وإنما تخرز في النظر، قد أسمحت في النظر إليه من حسنه. وقال في قصيدة يمدح فيها الحسن بن وهب: يا برق طالع منزلاً بالأبرق

стр. 1323

ما مقرب يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق بحوافرحفر وصلب صلب ... وأشاعر شعر وخلق أخلق وبشعلة نبذ كأن فليلها ... في صهوتيه بدو شيب المفرق ذو أولق تحت العجاج وإنما ... من صحة إفراط ذاك الأولق تغرى العيون به ويفلق شاعر ... في نعته عفواً وليس بمفلق بمصعد من حسنه ومصوب ... ومجمع من نعته ومفرق صلتان يبسط إن ردى أو عدا ... في الأرض باعاً منه ليس بضيق وتطرق الغلواء منه إذا عدا ... والكبرياء له بغير مطرق أهدى كناراً جده فيما مضى ... للسيل واستصفى أباة اليلبق مسود شطر مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطر كابيضاض المهرق قد سالت الأوضاح سيل قرارة ... فيه فمفترق عليه وملتقى وكأن فارسه يصرف إذ بدا ... في متنه ابنا للصباح الأبلق صافي الأديم كأنما ألبسته ... من سندس برداً ومن إستبرق إمليسه إمليده لو علقت ... في صهوتيه العين لم تتعلق يرقى وما هو بالسليم ويغتدي ... دون السلاح سلاح أروع مملق في مطلب أو مهرب أو رغبة ... أو رهبة أو مركب أو فيلق

стр. 1324

قوله: «من صلف» يريد الكبر والتيه، وهذا مذهب العامة في هذه اللفظة، فأما العرب فإنها لا تستعمله على هذا المعنى، وإنما تقول: صلفت المرأة عند بعلها، إذا لم تحظ عنده، وصلف الرجل كذلك إذا كانت زوجته تكرهه، قال جرير: إني أواصل من أردت وصاله ... بجبال لا صلف ولا لوام والصلف: لالذي لا خير عنده، ومثل يضرب: «رب صلف تحت الراعدة» يعني رعداً بلا مطر، فهذا معنى الصلف في كلامهم، وعلى هذا فقد ذم أبو تمام الفرس ولم يمدحه. و «التلهوق»: لا أعرفه إلا لطف المداراة والحيلة وإظهار الخضوع بالقول وغيره حتى تبلغ الحاجة، ويدل على ذلك قول الأغلب العجلي يصف مداراة رجل امرأة حتى نال منها ما أراد: فلم يزل بالحلف النجي ... لها وبالتلهوق الخفي أن قد خلونا بفضاء قي

стр. 1325

وقد ذكر أبو عبيد في كتاب «الغريب المصنف» في أول نوادر الأسماء، وما أرى أبا تمام في وضع هاتين اللفظتين في هذا الموضع إلا غالطاً. وأطن أن أبا تمام عثر بقول أبي نواس يصف فلاة قطعها على ناقة: كلفتها أجداً تخال بها ... مرحاً من الخيلاء أو صلفا وأبو نواس قال: «تخال بها» فجاء به على التشبيه، فجعله أبو تمام حقيقة فقال: «ملآن من صلف به وتلهوق» فالخيل قد توصف بالكبر، وكذلك الإبل، وإنما يراد به قوة نفوسها، وإما الصلف الذي معناه البغض ويوضع في موضع التيه فليس مما يوصف به. وقوله: «بحوافر حفر» في نهاية الهجانة والركاكة، يريد أنه حافر للأرض، والجمع حفر مثل صابر وصبر، وإنما قال الشاعر: ترى الأكم منها سجداً للحوافر

стр. 1326

يريد كثرة الخيل، وأنها تطحن الأكم إذا سارت عليها، وإنما ذهب إلى ما ذكرته العرب من أوصاف الخيل في عددها، وما تثيره من العجاج، ونحو قول متمم بن نويرة: لتبك خليلي مالكاً كل شطبة ... تثير غباراً كالدواخن أكدرا وقال طفيل: إذا استعجلت بالركض سد فروجها ... غبار تهاداه السنابك أصهب وهذا يحسن إذا ذكر جري الفرس، فاستعملوه على هذا الوجه وبنحو هذا اللفظ، وذلك من أوصافهم للشيء على ما هو، وإذا أرادوا المبالغة ذموا هذا الوجه، كما قال امرؤ القيس: مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن الغبار بالكديد المركل وقال البحتري على هذا الوجه وأحسن كل الإحسان: خفت مواقع وطئه فلو أنه ... يجري برملة عالج لم يرهج

стр. 1327

فهذه الطريقة أحسن، وتلك الطريقة أعم في أشعارهم وأكثر، وأما «حوافر حفر» ففي غاية القباحة، كذلك «صلب صلب» يريد صلابته. وقوله: «أشاعر شعر» معنى صحيح، لأن «الأشاعر»: ما حول الحافر من الشعر، ويستحب أن يكون وافياً، و «خلق أخلق» أيضاً كلام عدل، لأنه أراد إملاسه واستواءه، والخلاقة أيضاً حسن، وإنما طرحه في تخليط الصدر صحة هذا العجز؛ لأنه أراد أن يجعل ألفاظ هذا البيت كلها متجانسة، وما أفسد شعره وأحال أكثر معانيه وخبله غير عشقه للطباق والتجنيس. وقوله: «وبشعلة نبذ كأن فليلها» يريد ما تفرق منها في صهوتيه، والصهوة موضع اللبد، وهو مقعد الفارس، وذلك الموضع أبداً ينحت شعره ويبيض لغمز السرج إياه، وأنت تراه في الخيل كلها على اختلاف شياتها، وليس هو بالبياض المحمود، ولا هي شعلة، ولا البياض في ذلك الموضع أن لو كان خلقة حسناً ولا جميلاً، وهذا من أقبح الأوصاف وأهجنها، وأبعدها عن الصواب. والشعلة والشعل إنما هي بياض في الذنب والناصية وهو من عيوب الخيل، وهو في الناصية الشعل والسعف، ولا يكون الشعل في الصهوة، لا يقال: فرس أشعل إلا للذي في عرض ذنبه، أو ناحية من ناصيته بياض. وقد أخذ البحتري هذا منه، فأتى به على غاية ما يكون من الحلاوة والحسن فقال: وبشعلة كالشيب مر بمفرقي ... غزل لها عن شيبه بغرامه

стр. 1328

وأراد: «لهى» فقال: «لها» على لفظ طيء، فجعل الشعل في موضعه، لأنه أراد الناصية، إلا أنه أخرجه مخرج المدح، وهو عيب في الخيل، لأنه فرس حمله عليه محمد بن يوسف، فأراد أن يعلمه أن ذلك حسن غير معيب

стр. 1329

وقوله: «مسود شطر ومبيض شطر»، فشطر الشيء، ناحيته وجانبه، قال الله تعالى: «فول وجهك شطر المسجد الحرام» أي ناحيته وقد يراد بالشطر نصف الشيء، فيقال: قد شاطرتك مالي، أي: قد ناصفتك، فهذا هو الأكثر الأعم فيما يستعملون، وذلك من أقبح شيات الأبلق على ظاهر المعنى، ولم يرده، وإنما أراد بالشطر ها هنا: البعض، أو الجزء، أي: مسود جزء ومبيض جزء، فجاء بالشطر، والجيد النادر في هذا قول البحتري: أو أبلق يلقى العيون إذا بدا ... من كل لون معجب بنموذج وقد كان جعله في أول الأبيات أشعل بقوله: «وشعلة نبذ»، ثم جعله ها هنا أبلق، فهذا الفرس هو الأشعل الأبلق، على مذهب أبي تمام في هذا التشبيه ولا ينكر مثل هذا من ابتداعاته. وقوله: «قد سالت الأوضاح»، و «الأوضاح»: بياض أطراف الفرس وقوله: «فمفترق عليه وملتقى» لا أعرفه وجهه إلا أن يكون أراد من بياض التحجيل ما لا يستدير على وظيفة وإنما يحيط ببعضه ومنه ما يحيط به كله

стр. 1330

فسمى ذاك «مفترقاً» وسمى هذا «ملتقيا»، وها وصف ما سمع بمثله، ولا أظن أحداً نطق به، لأنه في غاية القباحة، وما دعاه إلى مفترق وملتق إلا إعواز الكلام، وحاجته إلى تمام البيت. وقوله: قد سالت الأوضاح سيل قرارة، سيلاً استقر في موضعه، كما قال: «ولكل سائلة تسيل قرار» أي موضع تستقر فيه، فيريد: كأن البياض في أطرافه سيل سال واستقر في موضعه. وقوله: وكأن فارسه يصرف إذ بدا ... في متنه ابناً للصباح الأبلق فهذا الذي ينبغي أن تسمعه وتضحك منه. وقوله: «... من سندس برداً ومن إستبرق» فالسندس على ما يقال: دقيق الديباج، والإستبرق: غليظه، ويقال: السندس هو الحرير الأخضر، وإنما أراد صفاء لونه، وأن نصوعه كنصوع الديباج، ولم يرد هذا اللون. وقوله: «إمليسه» يريد إملاسه واستواءه، وكذلك «إمليده»، والأملود من القضبان: الحسن الاستواء والإملاس. وقوله: «لو علقت في صهوتيه العين لم تتعلق» يريد أنها تلمع وترف من صفائها، فلا يتمكن الناظر من إثبات النظر إليها.

стр. 1331

وقوله: أهدى كناراً جده فيما مضى ... للسيل واستصفى أباة اليلبق فهو مما يتعلق بخبر وفيه معنى غامض قد ذكرته فيما أفردته من تفسير غامض معانيه.

стр. 1332

وليس في هذه الأبيات بيت جيد إلا قوله: «بمصعد من حسنه ومصوب» وقوله: «وتطرق الغلواء منه إذا عدا» وما بقي مما لم أذكره صالح المعنى، على ما فيه من التكلف. وقال يمدح مالك بن طوق: قالت وعي النساء كالحرس هل يرجعن غير جانب فرساً ... ذو سبب في ربيعة الفرس كأنني بي قد زرت ساحتها ... بمسمح في قياده سلس أحمر منها مثل السبيكة أو ... أحوى به كاللمى أو اللعس أو أدهم فيه كمته أمم ... كأنه قطعة من الغلس مبتل متن وصهوتين إلى ... حوافر صلب له ملس فهو على الروع والحلائب ذو ... أعلى مندى وأسفل يبس يكثر أن يستحم في الحر والـ ... ـقر حميماً في النجس

стр. 1333

مخلق وجهه على الشبق تخـ ... ـليق عروس الإبناء للعرس حر له سورة لدى السوط والز ... جر وعند العنان والمرس فهو يسر الرواض بالنزق السـ ... ـاكن منه واللين والشرس صهصلق في الصهيل تحسبه ... أشرج حلقومه على جرس تقتل عشراً من النعام به ... بواحد الشد واحد النفس قوله: «كأنني بي» من أقبح ألفاظ العوام وأسخفها، وقوله: «أحمر منها» يريد الخيل، ولا شيء أقبح من قوله: «منها»، وليست به إليها حاجة، وقوله: «أحوى»: فالحوة حمرة تضرب إلى السواد، وهي من الألوان التي تستحبها، وقوله: «كاللمى أو اللعس»، واللمى: هو سواد اللثة، ويدل على طيب الفم، وبه قيل للمرأة لمياء، و «اللعس» سواد يعلو شفة المرأة البيضاء وقد جعله العجاج في الجسد كله، إذا كان بياضاً ناصعاً تعلوه أدمة خفيفة، قال: وبشر مع البياض العسا فجعله أبو تمام في ألوان الخيل، وقد كان في «أحوى» كفاية، لأنه اللون المعروف من ألوان الخيل، وهذا كله إنما يأتي به لشدة محبته للإغراب.

стр. 1334

وقوله: «أو أدهم فيه كمتة أمم» فالأمم: القصد، أي كمتته مقتصدة يسيرة، ولهذا يقال في تفسير الأمم مرة يقال: قصد، ومرة: قريب، وهذا من ألوان الخيل يقال له: أدهم، على ما ذكره أبو عبيدة، وهو أهون الدهم سواداً، وتراه تعلوه حمرة، ويقال للأنثى: جونة، وللجميع جون وإنما يقال: أدهم جون، ولا يقال: أدهم فيه كمتة، وقوله: «كأنه قطعة من الغلس» أي: هو أدهم تعلوه حمرة يسيرة، كما أن الغلس هو اختلاط الظلمة بضياء النهار، وذلك الوقت لا حمرة فيه، وإنما هو بياض الفجر يعترض الأفق، فإذا جاءت الحمرة فليس ذلك بغلس، بل ذلك حمرة الشمس وأول النهار، وقد تبعه البحتري في هذا المعنى فقال في وصف لون الفرس بالحمرة: صبغة الأفق بين آخر ليل ... منقض شأنه وأول فجر ولا حمرة بين آخر الليل، وأول الفجر، لأن أول الفجر الزرقة ثم البياض، وإذا جاءت الحمرة فذلك لطلوع الشمس، وهو أول النهار، وهذا الوصف منهما جميعاً عندي إلى الخطأ أقرب منه إلى الصواب. وقوله: يكثر أن يستحم في الحر والـ ... ـقر حميماً يزيد في النجس

стр. 1335

يريد أنه إذا جرى في أي أوقات الزمان من حر كان أو من برد أرسل العرق، وذلك مما يحمد في الخيل، ويكره منها الذي يبطيء عرقه أو يقل، وقوله: «يزيد في النجس» من إبداعاته القبيحة، أي: ليس استحمامه مما يؤدي إلى طهارة ونظافة، بل ذاك يزيد في النجس، يريد النجاسة، وليست هناك نجاسة، وإنما أراد: يزيد في الوسخ الذي يتعلق به من الغبار وغيره، فجعل مكان الوسخ النجس من أجل القافية فقبح كل القبيح، ومن أوصاف جياد الخيل ودلائل العتق فيها طيب رائحة العرق، وقال أبو النجم: كأن مسكاً علة معللة ... في ناصح الماء الذي يشلشله قوله: «مخلق وجهه على السبق» معنى عامي وبيت سخيف، وقال: «عروس الإبناء»، ولم يقل: «البناء»، لأن البناء مصدر الباني على أهله، فإذا صنع غيره له أمر البناء فقد أبناه، كما يبني الباني البيت، فإذا أعانه غيره، أو أمكنه من بنائه فقد أبناه، كما قال الشاعر: لو وصل الغيث أبنين أمرأً ... كانت له قبة سحق بجاد «أبنين أمرأً» يعني الخيل إذا أغارت ألحقت الغنى بالفقير.
следующие страницы →