Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
وقوله:
أهدى كناراً جده فيما مضى ... للسيل واستصفى أباة اليلبق
فهو مما يتعلق بخبر وفيه معنى غامض قد ذكرته فيما أفردته من تفسير غامض معانيه.
стр. 1332
وليس في هذه الأبيات بيت جيد إلا قوله:
«بمصعد من حسنه ومصوب»
وقوله:
«وتطرق الغلواء منه إذا عدا»
وما بقي مما لم أذكره صالح المعنى، على ما فيه من التكلف.
وقال يمدح مالك بن طوق:
قالت وعي النساء كالحرس
هل يرجعن غير جانب فرساً ... ذو سبب في ربيعة الفرس
كأنني بي قد زرت ساحتها ... بمسمح في قياده سلس
أحمر منها مثل السبيكة أو ... أحوى به كاللمى أو اللعس
أو أدهم فيه كمته أمم ... كأنه قطعة من الغلس
مبتل متن وصهوتين إلى ... حوافر صلب له ملس
فهو على الروع والحلائب ذو ... أعلى مندى وأسفل يبس
يكثر أن يستحم في الحر والـ ... ـقر حميماً في النجس
стр. 1333
مخلق وجهه على الشبق تخـ ... ـليق عروس الإبناء للعرس
حر له سورة لدى السوط والز ... جر وعند العنان والمرس
فهو يسر الرواض بالنزق السـ ... ـاكن منه واللين والشرس
صهصلق في الصهيل تحسبه ... أشرج حلقومه على جرس
تقتل عشراً من النعام به ... بواحد الشد واحد النفس
قوله: «كأنني بي» من أقبح ألفاظ العوام وأسخفها، وقوله: «أحمر منها» يريد الخيل، ولا شيء أقبح من قوله: «منها»، وليست به إليها حاجة، وقوله: «أحوى»: فالحوة حمرة تضرب إلى السواد، وهي من الألوان التي تستحبها، وقوله: «كاللمى أو اللعس»، واللمى: هو سواد اللثة، ويدل
على طيب الفم، وبه قيل للمرأة لمياء، و «اللعس» سواد يعلو شفة المرأة البيضاء وقد جعله العجاج في الجسد كله، إذا كان بياضاً ناصعاً تعلوه أدمة خفيفة، قال:
وبشر مع البياض العسا
فجعله أبو تمام في ألوان الخيل، وقد كان في «أحوى» كفاية، لأنه اللون المعروف من ألوان الخيل، وهذا كله إنما يأتي به لشدة محبته للإغراب.
стр. 1334
وقوله: «أو أدهم فيه كمتة أمم» فالأمم: القصد، أي كمتته مقتصدة يسيرة، ولهذا يقال في تفسير الأمم مرة يقال: قصد، ومرة: قريب، وهذا من ألوان الخيل يقال له: أدهم، على ما ذكره أبو عبيدة، وهو أهون الدهم سواداً، وتراه تعلوه حمرة، ويقال للأنثى: جونة، وللجميع جون وإنما يقال: أدهم جون، ولا يقال: أدهم فيه كمتة، وقوله: «كأنه قطعة من الغلس» أي: هو أدهم تعلوه حمرة يسيرة، كما أن الغلس هو اختلاط الظلمة بضياء النهار، وذلك الوقت لا حمرة فيه، وإنما هو بياض الفجر يعترض الأفق، فإذا جاءت الحمرة فليس ذلك بغلس، بل ذلك حمرة الشمس وأول النهار، وقد تبعه البحتري في هذا المعنى فقال في وصف لون الفرس بالحمرة:
صبغة الأفق بين آخر ليل ... منقض شأنه وأول فجر
ولا حمرة بين آخر الليل، وأول الفجر، لأن أول الفجر الزرقة ثم البياض، وإذا جاءت الحمرة فذلك لطلوع الشمس، وهو أول النهار، وهذا الوصف منهما جميعاً عندي إلى الخطأ أقرب منه إلى الصواب.
وقوله:
يكثر أن يستحم في الحر والـ ... ـقر حميماً يزيد في النجس
стр. 1335
يريد أنه إذا جرى في أي أوقات الزمان من حر كان أو من برد أرسل العرق، وذلك مما يحمد في الخيل، ويكره منها الذي يبطيء عرقه أو يقل، وقوله: «يزيد في النجس» من إبداعاته القبيحة، أي: ليس استحمامه مما يؤدي إلى طهارة ونظافة، بل ذاك يزيد في النجس، يريد النجاسة، وليست هناك نجاسة، وإنما أراد: يزيد في الوسخ الذي يتعلق به من الغبار وغيره، فجعل مكان الوسخ النجس من أجل القافية فقبح كل القبيح، ومن أوصاف جياد الخيل ودلائل العتق فيها طيب رائحة العرق، وقال أبو النجم:
كأن مسكاً علة معللة ... في ناصح الماء الذي يشلشله
قوله: «مخلق وجهه على السبق» معنى عامي وبيت سخيف، وقال: «عروس الإبناء»، ولم يقل: «البناء»، لأن البناء مصدر الباني على أهله، فإذا صنع غيره له أمر البناء فقد أبناه، كما يبني الباني البيت، فإذا أعانه غيره، أو أمكنه من بنائه فقد أبناه، كما قال الشاعر:
لو وصل الغيث أبنين أمرأً ... كانت له قبة سحق بجاد
«أبنين أمرأً» يعني الخيل إذا أغارت ألحقت الغنى بالفقير.
стр. 1336
وقوله: «حر له سورة» أي: حر الطينة، كريم الأصل، لا يصبر على الهوان، فله عند السوط والزجر سورة، لا كالكودن الذي إذا ضرب لم يحرك منه الضرب كبير تحريك، وقوله: «عند العنان» أي له سورة، أي: انبعاث وحركة عند السوط والزجر وعند تحريك النعان، وإنما أراد قول امريء القيس:
فللزجر ألهوب وللساق درة ... وللسوط منه وقع أهوج منعب
وبقي قوله: «والمرس» وهو مما يسأل عنه، وإنما جعل المرس -وهو المعقود- تبعاً للعنان إذا حركه، لأن الفرش يلجم ومقوده عليه، كذلك تفعل العرب والصعاليك.
وقوله: «يسر الرواض بالنزق الساكن» الزاي من «النزق» مكسورة أي: سكن وإذا نوقوه نزق، وكذلك «اللين والشرس» ويروى «اللين الشرس» مثل «النزق الساكن».
و «الصهصلق» الصافي من الأصوات الحاد، وقوله: «تقتل عشراً من النعام به» أي: إذا أرسلته إلى عشر نعامات أقصعها، وقوله: «بواحد الشد» أي:
стр. 1337
بالطلق الواحد، لا بتكرير العدو، وقوله: «واحد النفس» أي: بشد واحد، ونفس واحد، لا بتكرير الأنفاس الموجبة للبهر والتعب.
وقال في قصيدة يمدح فيها الحسن بن وهب:
هل أثر من ديارهم دعس
نعم متاع الدنيا حباك به ... أروع لا جيدر ولا جبس
أصفر منها كأنه محة الـ ... ـبيضة صاف كأنه عجس
هاديه جذع من الأراك وما ... خلف الصلا منه صخرة جلس
يكاد يجري الجادي من ماء عطـ ... ـفيه ويجني من متنه الورس
هذب في جنسه ونال المدى ... بنفسه فهو وحده جنس
أحرز آباؤه الفضيلة مذ ... تفرست في عروقها الفرس
ليس بديعاً منه ولا عجباً ... أن تطرق الماء ورده خمس
يترك ما مر مذ قبيل به ... كأن أدنى عهد به الأمس
وهو إذا ما ناجاه فارسه ... يفهم عنه ما تفهم الإنس
стр. 1338
وهو ولما تهبط ثنيته ... لا الربع في نقعه ولا السدس
وهو إذا ما رنا بمقلته ... كانت سخاماً كأنها نقس
وهو إذا ما أعرت غرته ... عينيك لاحت كأنها برس
ضمخ من لونه فجاء كأن ... قد كسفت في أديمه الشمس
كل ثمين من الثناء به ... غير ثنائي فإنه بخس
قوله: «أصفر منها» مثل قوله في القصيدة التي قبلها: «أحمر منها»، يريد من الخيل، وهي في هذا الموضع عي قبيح، ولكنه تزيد على كل لكنة، و «العجس» والمعجس من القوس مقبض الرامي.
وقوله: «هاديه جذع من الأراك» غلط، لأن عيدان الأراك لا تسمى جذوعاً، ولا تعظم حتى تكون في امتلاء الجذوع، ولا استوائها ولا قريباً منها، و «الصلا» الظهر، و «الصخرة الجلس» يعني كفله، شبهه بالصخرة، لشدة لحمه وصلابته، أراد أن ينفي عنه الرخاوة، وقوله: «جلس» يريد متمكنة في موضعها.
و «الجادي» الزعفران، و «الورس» هو العصفر وهو الحص.
стр. 1339
وقوله: «ورده خمس» أي ليس عجيبا أن يصبح السير، ويطرق الماء، أي: يأتيه طروقاً، أي مساء، وورده خمس، أي: لا يوصل إليه في المسير إلا في اليوم الخامس، فيسير هو في يوم واحد، لأنه ليس في ذكر الطروق فائدة إلا إذا كان السير من أول نهار ذلك اليوم، وإلا فالكودن والحمير قد تطرق ذلك الماء بعد سير أيام ولذلك قال:
يترك ما مر مذ قبيل به ... كأن أدنى عهد به الأمس
وإنما أراد السرعة.
وقوله: «لا الربع في نقعه ولا السدس» فالربع أراد جمع رباع، والسدس جمع سديس، وأراد الربع والسدس، فسكن عين الفعل، والرباعي من الخيل الذي قد سقطت رباعيته في السنة الرابعة، وفي السنة الخامسة هو قارح، وليس السديس من أوصاف الخيل، وإنما ذلك في الإبل، وهذا غلط منه إن كان أراد الخيل، وإن كان أراد الرباعي من الإبل، وهو الذي يلقى رباعيته في السنة السادسة، والسديس هو الذي يلقى السن التي بعد الرباعية في السنة التاسعة لا يلحقان نقعه -أي غباره- فذلك سائغ، أي أن الإبل لا تلحقه في الجري أو في السير.
ووجدت في في أكثر النسخ العتق:
وهو إذا ما أعرت عذرته ... عينيك لاحت كأنها بري
و «العرس» من الفرس هي خصلة الشعر التي على قفاه، وليس بياض ذلك الشعر بمحمود، بل هو عندي عيب، كما أن بياض الناصية عيب ويسمى: السعف، وه من عيوب الخيل، وما أظنه قال إلا «غرته».
стр. 1340
فهذا ما وجدت له من وصف الخيل في هذه القصائد الأربع، وليس له طبع في وصف الخيل يدل على ذلك قلة معرفته بها، وملابسته لها.
وقد قال البحتري وأحسن كل الإحسان:
مالت نواحي عرفه فكأنها ... عذبات أثل مال تحت حمامه
واسود ثم صفت لعيني ناظر ... جنباته فأضاء في إظلامه
ومقد الأذنين يحسب أنه ... بهما يرى الشخص الذي لأمامه
يختال في استعراضه ويكب في اسـ ... ـتدباره ويشب في استقدامه
وإذا التقى الثفر القصير وراءه ... فالطول حظ عنانه وحزامه
وكأن فارسه وراء قذاله ... ردف فلست تراه من قدامه
لانت معاطفه فخيل أنه ... للخيزران مناسب بعظامه
في شعلة كالشيب مر بمفرقي ... غزل لها عن شيبه بغرامه
ومردد بين القوافي يجتني ... ما شاء من ألف القريض ولامه
وكأن صهلته إذا استعلى بها ... رعد تقعقع في ازدحام غمامه
مثل الغراب بدا يباري صحبه ... بسواد نقبته وحسن قوامه
أو كالعقاب نقض من عليائه ... في باقر الصمان أو أرامه
لا شيء أجود منه غير فتى غدا ... من جوده الأوفى ومن إنعامه
стр. 1341
أرسلته ملء العيون مسلماً ... منها لشهوتها لطول دوامه
وكأن كل عجيبة موصولة ... بتقسم اللحظات في أقسامه
والطرف أجلب زائر لمؤونة ... ما لم تزره بسرجه ولجامه
قوله: «ومقدم الأذنين» بكسر الدال، يريد أن ينصبهما، وإذا فعل ذلك فإلى قدامه ينصبهما، وإنما يفعل الفرس ذلك لأنه يصغي بها فيسمع الشيء على بعد، يقال: «أسمع من فرس»، وكلما أنس شيئاً أو خاف من شيء عرفت ذلك من نصبه أذنيه وتقديمه إياهما.
وقوله: «يختال في استعراضه» أي: إذا استعرضته فرأيته من عرضه رأيت خيلاءه، وقوله: «ويكب في استدباره» أي: إذا رأيته مستدبراً رأيته كالمكب لارتفاع كفله، وقوله: «ويش في استقدامه» أي: إذا رأيته من مقدمه مقبلاً كأنه قد شب لإشراف رأسه وعنقه، وهذا أوضح وأحسن ما يكون من أوصاف الخيل، وذلك كما قال ابن قيصر -وكان أعلم الناس بالخيل-: خير الخيل ما إذا استقبلته أقعى، وإذا استدبرته جبي، وإذا استعرضته استوى.
والمقعي: يرفع مقدمه ويخفض مؤخره، والمجبى: الذي يرفع مؤخره ويخفض مقدمه، وهذا وصف البحتري بعينه.
стр. 1342
وقوله: «وإذا التقى الثفر القصير وراءه»، إنما جعله قصيراً ليدل على قصر ظهر الفرس، وذلك هو المحمود في الظهر، والطول مذموم فيه، وقوله: «فالطول حظ عنانه وحزامه»، لأن العنان إنما يطول لطول عنق الفرس، وكلام طالت عنق الفرس كان أعتق له وأكرم وأسرع إذا عدا، وإذا طال الحزام فإنما هو لانتفاخ جوفه، وذلك هو المحمود وضده الهضم، فوصفه في هذا البيت بطول العنق وانتفاخ الجنين وقصر الظهر فأحسن كل الإحسان، وأتى من الوصف بالصواب كله في أجود لفظ وأحسن نسج.
وقوله: «وكان راكبه وراء قذاله ردف» أي: وكأن راكبه ردف وراء قذاله، أي تحسبه رديفاً لإشراف رأسه وعنقه، فلست تراه من قدامه.
وقوله: «وبشعلة كالشيب ...» أحسن فيه كل الإحسان لأنه يصف فرساً أدهم، فأراد أن شعلته شعرات بيض يسيرة في دهمته، كما يبتديء الشيب بمفرقي الرجل الغزل فيلهى عنه، ولا يزيله بخضاب وغيره لاشتغاله بلهوه وغرامه، وهذا أحسن وأصح وأليق ما يكون من الأوصاف في مثل هذا المعنى لا قول أبي تمام:
وبشعلة نبذ كأن فليلها ... ي صهوتيه بدو شيب المفرق
وهو يصف فرساً أبلق.
وقوله: «للخيزران مناسب لعظامه» تشبيه في غاية الصحة والاستقامة.
وقوله: «مثل الغراب» يريد سواده واستواءه، يعني الغراب الأسود.
стр. 1343
وقوله: «أو كالعقاب من عليائه» رديء، لأن العقاب أنثى، قال: امرؤ القيس: عقاب تدلت من شماريخ ثهلان
وقد ذكرها وعلة الجرمي فقال:
عقاب تدلي عند تيمن كاسر
وأظنه أخرج كاسراً مخرج، جارية بالغ وطاهر، أي ذات بلوغ وطهر، وناقة ضامر ونازع إلى وطنها، كما يقال للجمل عاقر، وعانس للرجل والمرأة، وقوله: «في باقر الصمان أو أرامه» يريد بقر الصمان، و «الصمان» موضع و «الأرام» الظباء البيض الخالصة البياض، والأدم أيضاً البيض إلا أنها تعلوها كدرة فيها غبرة، واحدها رئم، أي انقضت على البقر أو أولاد البقر والظباء شبه الفرس إذا عدا بها في تلك الحال.
стр. 1344
وقوله:
لا شيء أجود منه غير فتى غدا ... من جوده ......................
أي: غير فتى الفرس من جوده، أي من بعض جوده وإنعامه.
وقوله: «أرسلته» أي: أرسلته إلي، لأنه حمله عليه، «ملء العيون» لأنها لا تقلع عن النظر إليه، يقال: هو يملأ العين والقلب، أي يملأهما حسناً و «مسلماً منها» أي من العيون لا يصاب بها لشهوتها لنقائه وسلامته، وذلك أن أكثر الإصابة بالعين إنما يقع من الحاسد والمبغض بإدارة النظر إلى الشيء.
وقوله: «وكأن كل عجيبة» من أوصافه، «موصولة بتقسم اللحظات» أي: يتفرقها في أقسامه، أي في أجزائه وأعضائه.
وهذه القصيدة من إحسانه المشهور.
وقال البحتري أيضاً في قصيدته التي على الجيم يمدح أبا نهشل بن حميد ويستهديه فرساً:
فأعن على غزو العدو بمنطو ... أحشاؤه طي الكتاب المدرج
إما بأشقر ساطع أغشى الوغى ... منه بمثل الكوكب المتأجج
متسربل شية طلت أعطافه ... بدم فما تلقاه غير مضرج
أو أدهم صافي السواد كأنه ... تحت الكمى مظهر بيرندج
ضرم يهيج السوط من شؤبوبه ... هيج الجنائب من حريق العرفج
خفت مواقع وطئه فلو أنه ... يجري برملة عالج لم يرهج
стр. 1345
أو أشهب يقق يضيء وراءه ... كفل كمتن اللجة المترجرج
تخفى الحجول وما بلغن لبانه ... في أبيض متألق كالمدلج
أوفى بعرف أسود متغربب ... فيما يليه وحافر فيروزجي
أو أبلق يلقى العيون إذا بدا ... من كل لون معجب بنموذج
جذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عننا بأحسن حلة لم تنسج
أرمى به شوك القنا وأورده ... كالسمع أثر فيه شوك العوسج
وأقب نهد للصواهل شطره ... يوم الفخار وشطره للشحج
خرق يتيه على أبيه ويدعى ... عصبية لبنى الضبيب وأعوج
مثل المذرع جاء بين عمومة ... في غافق وخؤولة للخزرج
لا ديزج يصف الرماد ولم أجد ... حالاً تخسس من وراء الديزج
وعريض أعلى المتن لو عليته ... بالزئبق المنهال لم يترجرج
خاضت قوائمه الوثيق بناؤها ... أمواج تحنيب بهن مدرج
ولأنت أبعد في السماحة همة ... من أن تضن بمركب أو مسرج
قوله: «فما تلقاه غير مضرج»، لأن الضرج الحمرة.
وقوله: «مظهر بيرندج» هي لفظة فارسية، وأظنه جلداً أسود، وقوله: «كمتن اللجة ...» إذا ترجرج لحمه.
стр. 1346
وقوله: «تخفى الحجول ...» يريد أن بياض قوائمه ليس هو من أجل بياض شهبته، فهي خافية فيه لا تتبين، أي لو أن هناك تحجيلاً في أصل خلقته، ولو اتصل بياضه حتى يصل إلى لبانه، لخفي في شدة بياض شهبته، كأنه يؤكد نقاء بياضه، فقوله: «متألق كالدملج» لفظ ومعنى في غاية الحسن وصحة التشبيهن وكذلك قوله: «حافر فيروزجي»، لأنه إذا كان ذلك ذلك لونه دل على شدته.
وقوله: «إذا مشى عننا» أي اعتراضاً، كما يعن الماشي، أي يعرض حتى تراه.
وقوله: «أرمى به شوك القنا ...» إلى أخر البيت، من أحسن كلام وأفصحه وأبرعه وأشبهه بكلام الأوائل، وعلى أنها طريقته التي لا يكاد يزول عنها إلا غالطاً.
«وأقب نهد» يريد بغلاً مشرفاً، «للصواهل» يريد الخيل، و «الشحج» الحمير.
«خرق يتيه على أبيه» أي يترفع عنه، «ويدعي عصبية لبني «الضبيب» وأعوج»، «فالضبيب» فرس مشهور من خيل طيء، «وأعوج» فرس، وهما أعوجان، فالأعوج الأكبر من خيل «غنى» والأعوج الأصغر «لبني هلال».
وقوله: «خرق» يريد أخرق، كما يقال أحمق وحمق أي: هو أخرق في سيره، والخرق الجهل، كأنه الذي يخبط بيده في سيره من النشاط، فيقال: ناقة خرقاء كذلك لنجاتها، قال الشاعر يصف ناقة:
فهي صناع الرجل خرقاء اليد
стр. 1347
يصف ناقة تخبط السير خبطاً من نشاطها، والرجل لما كانت تابعة لليد جعلها صناعاً لاتباعها، وجعل اليد مخصوصة بالخرق لأنها المبتدئة.
وقوله: «مثل المذرع» فالمذرع الكريم الأم الوضيع الأب، و «غافق» حي من أحياء اليمن، أظنهم من الأزد، وهو مأخوذ من الغفق، وهو الهجوم على الشيء، كأنه يخسس أمر غافق ويعظم أمر الخزرج.
وقوله: «خاضت قوائمه الوثيق بناؤها ...» قد شرحته في جزء أخرجت فيه الغامض من معانيه، فاطلبه هناك.
وهذا من مشهور إحسان البحتري في نعت الخيل.
وقال في قصيدة يخاطب فيها محمد بن عبد الله بن طاهر:
غرام ما أتيح من الغرام
أراجعتي يداك بأعوجي ... كقدح النبع في الريش اللوام
بأدهم كالظلام أغر يجلو ... بغرته دياجير الظلام
تقدم في العنان فمد منه ... وضبر فاستزاد من الحزام
ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام
وما حسن بأن تهديه فذا ... سليب السرج منزوع اللجام
стр. 1348
فأتمم ما مننت به وأنعم ... فما المعروف إلا بالتمام
وقال يخاطب أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد:
إما ألم فبعد طول تجنب
هل أنت مبلغي التي أغدو لها ... بمقلص السربال أحمر مذهب
لو يوقد المصباح منه لسامحت ... بضيائه شية كوهي الكوكب
إما أغر تشق غرته الدجى ... أو أرثم كالضاحك المستغرب
متقارب الأقطار يملأ حسنه ... لحظات عين الناظر المتعجب
وأجل سيبك أن تكون قناعتي ... منه بأشقر ساطع أو أشهب
وإذا التقى شعري وجودك يسراً النـ ... ـيل الجزيل وثنيا بالمركب
قوله: «مقلص السربال» يريد أن قوائمه معروقة عارية من اللحم، فكأنه قد جعل لحمه كسوة لا تصل إلى قوائمه، فكان بذلك مقلص السربال، وكان بعض الشيوخ يقول: إنما عنى فرساً خلوقياً مجيباً، فبياض التجبيب إلى ركبه، فذلك هو تقليص السربال.
стр. 1349
وقوله: «كوهي الكوكب» قد مضى تفسيره عند تفسير قوله تعالى في وصف الخمر:
من كميت تقولها وهي نجم ... ضوأ الليل أو مجاجة شمس
وقوله: «إما أغر» والغرة من الفرس: فوق الدرهم، والقرحة: قدر الدرهم، والأرثم: إذا كانت بجحفلته العليا بياض، وذلك مما يستحسن، فإن كان البياض بالسفلي فهو ألمظ وقوله: «كالضاحك المستغرب» تشبيه لطيف حسن.
وقوله: «متقارب الأقطار» لفظ ومعنى ما لحسنها نهاية.
وقوله: «وأجل سيبك» كأنه استعفى من الأشهب، والأشقر، ولم يكره كل أشقر وأشهب، وإنما عنى دابتين كانتا عند أبي صالح بأعيانهما، أشقر وأشهب، واقترح عليه غيرهما.
وقال يمدح محمد بن علي القمي، ويصف فرساً حمله عليه، ويستهديه سيفاً:
وأغر في الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل
كالهيكل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل
وافى الضلوع يشد عقد حزامه ... يوم اللقاء على معم مخول
стр. 1350
أخواله للرستمين بفارس ... وجدوده للتبعين بموكل
يهوي كما تهوي العقاب وقد رأت ... صيداً وينتصب انتصاب الأجدل
تتوهم الجوزاء في أرساغه ... والبدر فوق جبينه المتهلل
متوجس برقيقتين كأنما ... يريان من ورق عليه موصل
ذئب كما سحب الرداء يذب عن ... عرف وعرف كالقناع المسبل
ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوماً خلائق حمدويه الأحول
جذلان ينفض عذرة في غرة ... يقق تسيل حجولها في جندل
كالرائح النشوان أكثر مشيه ... عرضاً على السنن البعيد الأطول
ذهب الأعالي حين تذهب مقلة ... فيه بناظرها حديد الأسفل
صافي الأديم كأنما عنبيت له ... لصفاء نقبته مداوس صيقل
وكأنما نفضت عليه صبغها ... صهباء للبردان أو قطربل
لبي القنوء مزعفراً ومعصفراً ... يدمى فراح كأنه في خيعل
وتخاله كسي الخدود نواعماً ... مهما تواصلها بلحظ تحجل
وتراه يسطع في الغبار لهيبه ... لوناً وشداً كالحريق المشعل
وتظن ريعان الشباب يروعه ... من جنة أو نشوة أو أفكل
هزج الصهيل كأن في حيزومه ... نبرات معبد في الثقيل الأول
ملك العيون فإن بدا أعطينه ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل
стр. 1351
قوله: «وينتصب انتصاب الأجدل» يريد الصقر وليس بأحسن تصرفاً من الغراب، ولكن لما شبهه في هويه بالعقاب، شبهه في انتصابه بالأجدل.
وقوله: «متوجس» أي: مستمع، والفرس كثير التوجس بأذنيه وبعيد الاستماع، يقال: أسمع من فرس، وقوله: «برقيقتين»، لأنه يستحب في الأذن الانتصاب والرقة، وقوله: «كأنما تريان» أي كأنما تظنان من ورق موصل عليه لرقتها وكثرة حركتهما.
وقوله: «ذنب كما سحب الرداء» قد ذكرته في أغاليطه، و «عرف كالقناع المسبل» معنى حسن صحيح.
وقوله: «ما إن يعاف قذى ولو أوردته ....» معنى في غاية البراعة والصحة والجودة، لأنه يستحب من الفرس أن يأكل من كل ما وجد ويشرب من كل شيء، ولا يعاف الأقذار والأوساخ في مأكله ولا مشربه.
стр. 1352
وقوله: «يتفض عذرة في غرة» فالعذرة: شعر قفاه، وهي ها هنا خصلة شعر ناصيته، وكل خصلة من الشعر عذرة.
وقوله: «ذهب الأعالي»، لأنه يصف فرساً خلوقياً، و «حديد الأسفل»، وهذه قسمة في غاية الحسن والصحة.
وقد كرر ذكر شية الفرس في ثلاثة أبيات أخر متوالية، وليس هذا من أفعاله، فقال:
وكأنما نفضت عليه صبغها ....
وقال:
لبس القنوء مزعفراً ومعصفرا ...
وقال:
وتخاله كسي الخدود نواعماً ...
والشعراء أهل الشره، يفعلون هذا، ومثله في بلاغته وبراعته كان يكفيه من هذه الأبيات بيت واحد.
و «الخيعل» القميص الذي لا كمي له، وهو ليس من لباس النساء، والمرأة أبداً تصبغه بالزعفران والعصفر مع شيء من الطيب فتطرحها على جسدها تتطيب به، فإذا رتفع بياض التحجيل عن أوظفة الفرس حتى يكون مجبباً أو فوق التجبيب كانت شيته كالقميص الذي لا كم له.
وقوله: «وتراه يسطع في الغبار لهيبه لوناً وشدا ....» معنى حسن جداً.
стр. 1353
وقوله: «وتظن ريعان الشباب ...» أي: قوة الشباب تفزعه، أي تحسب قوة ذاك من جنة أو نشوة أو أفكل، يريد بذلك كله قلقه وكثرة حركته، أي ليس له معها استقرار من نشاطه وعزة نفسه.
ويعاب عليه: «نبرات معبد الثقيل الأول» فلم يصرف معبداً، والمتأخرون لا يعرون من اللحن، وقد قال أبو تمام:
صلتان يبسط إن ردى أو إن غدا ... في الأرض باعاً منه ليس بضيق
ولهما لحون في مواضع أخر.
وهذه القطعة أيضاً من مشهور إحسانه، وعجيب أوصافه.
ومما يتجاوز كل صحة وحسن وحلاوة قوله يمدح المتوكل على الله ويصف خيل الحلبة، وقد ألبس السودان الذين يجرونها ألوان الحرير:
يا حسن مبدى الخيل في بكورها ... تلوح كالأنجم في ديجورها
جاءت وقد أبدع من تشهيرها ... مصور من أحسن تصويرها
стр. 1354
تحمل غرباناً على ظهورها ... في السرق المنقوش من حريرها
إن حاذروا النبوة من نفورها ... أهووا بأيديهم إلى نحورها
كأنها والحبل في صدورها ... أجادل تنقض في سيورها
مرت تباري الريح في مرورها ... ترى الرجال شرفاً لسورها
والشمس قد غاب ضياء نورها ... في الرهج الساطع من تنويرها
حتى إذا أصغت إلى بدورها ... وهطلت تنصب في حدورها
تصوب الطير إلى وكورها ... أعطي فضل السبق من جمهورها
من فضل الأمة في أمورها ... في فضلها وبذلها وخيرها
جعفر الذائد عن ثغورها ... تبهى به وهو على سريرها
خليفة وفق في تدبيرها
ومثل هذا الجنس من الألفاظ والمعاني لا يأتي بها إلا عربي اللفظ عربي المعرفة بما ينثر وينظم.
وقال يخاطب عبد الرحمن بن خاقان:
أضحت بمرو الشاهجان منادحي
стр. 1355
إني أقول ولا أقول معرضاً ... في ذكر مكرمة بعبثة مازح
أي: إني أقول وما أعرض بذكر المكارم مازحاً لأنبهك، أي على نائل تنيله، بل أقول على سبيل الحقيقة:
ماذا ترى في مدمج عبل الشوى ... من نسل أعوج كالشهاب اللائح
لا تربه الجذع الذي يعتاقه ... وهن الكلال وليس كل القارح
عنق كقائمة القليب تعطفت ... أوداً ورأس مثل قعب المائح
يختال في شية يموج ضياؤها ... موج القتير على الكمي الرامح
لو يكرع الظمآن فيها لم يمل ... طرفاً إلى الماء الزلال السائح
أهديته لتروح أبيض واضحاً ... منه على جذلان أبيض واضح
فتكون أول سنة مأثورة ... أن يقبل الممدوح رفد المادح
إذا فني الماء من البئر وبقي ما لا تخرجه الدلو، نزل المائح وله قعب فيجمع فيه الماء ثم يصبه إلى الدلو حتى يملأها.
وقوله: «موج القتير» والقتير مسامير الدروع، ويقال رؤوس المسامير، وإنما يريد الدرع نفسها، ولم يخص الرامح ها هنا بقوله لأن فيه علة في هذا الموضع ليس للسيف، ولو كانت القافية على الفاء حتى يقول: «الكمي السائف» لكان أيضاً صحيحاً مستقيماً، وإن كان لفظ «الرامح» أحسن وأكثر في الاستعمال.
стр. 1356
وهذا أليق الأوصاف وأحسن المذاهب في نعوت الخيل.
وقال البحتري في قصيدة أولها:
شد ما أغريت «ظلوم» بهجري
أي شيء ترى يكون وقد كثـ ... ـرت فيه قصر الكميت وقصري
متعة العين من حلاوة مرعى ... ورضى النفس من وثاقة أسر
حذفت من فضوله صحة العتـ ... ـق فأدته كالجديل الممر
يتعالى به التدفق سيلاً ... كانكفات السري أسرع يجري
أو تقدي الشجاع بادر ينضو ... مزقاً من قميصه المتفري
فهو يعطيك من تضرم شد ... نهيه العين من تضرم جمر
شية تخدع العيون ترى أن ... عليه منها سحالة تبر
صبغة الأفق عند آخر ليل ... منقض شأنه وأول فجر
علك ابن الحصان تزداد في غيـ ... ـظ أعادي بالحصان الطمر
فالجواد الأغر مثلك لا يمـ ... ـنع مثلي من الجواد الأغر
قوله: «قصر الكميت وقصري» من قولهم: قصارك أن تفعل كذا، وقصرك أن تفعل كذا، أي: غاية أمرك الذي يزول معها طولك فتصير بها قصيراً.
стр. 1357
كذا، فهو من القصر مأخوذ، كأنه أراد: أي شيء ترى يكون وقد كثرت في مسألتك الكميث انتهاء أمري وأمره حتى يقصر القول، ويقل ويسقط التكثير وترديد المسألة.
وقوله: «من حلاوة مرعى» يريد ما ترعاه العين، إذا كررت النظر إليه ورددته فيه، جعل ذلك مرعى للعين.
و «السري»: النهر ليس بالكبير العريض.
«أو تقدي الشجاع» يريد الحية، وتقديه: انصلاته في الجري وسرعته، «ينضو»: ينزع، «مزقاً»: قطعاً متمزقة من جلده، وذلك أن الحية إذا أراد أن يسلخ، وهو أن يرمي بجلدته كما ينسل الطائر إذا رمى بريشه سعى سعياً شديداً حتى يسلخها.
وقوله: «وهو يعطيك من تضرم شد» أي: يعطيك من تضرم عدوه، كما أعطى عينك لهباً من «تضرم جمر» يريد حمرة لونه التي كانت نهاية العين في الاحمرار، وهذا تمثيل حسن جداً.
وقوله: «صبغة الأفق بين آخر ليل» قد تقدم القول فيه.
وهذا منقول من يعلم أمر الخيل ويدري كيف يصفها وهذا باب البحتري فيه أشعر من أبي تمام وغيره من شعراء أهل زمانه، وإن كان العكوك قد أتى في قصيدته التي على الباء بكل معنى جيد، ولكن ليس فيها حلاوة ألفاظ البحتري ومعانيه.
стр. 1358
وقد أحسن غير العكوك في وصفها ولكن في البيتين والثلاثة من القصيدة نحو قول مسلم بن الوليد:
وغيث من الوسمي جاد على الحمى ... فأبرز عن نور الأقاحي المكلل
غدوت عليه في مسارب وحشه ... بذي ميعة والشمس لم تترجل
نتجناه عن ريح وبرق فأسبلا ... شآبيبه كالعارض المتهلل
وقال ابن النطاح:
كميت كأن الريح حشو عظامه ... على أنه من جرية الماء أطلق
يشبه بالسيف الصقيل صريمة ... وجوهره من جوهر السيف أعتق
قوله: «كأن الريح حشو عظامه» حسن جداً، وفرس البحتري أسرع، لأنه قال:
جاري الجياد فطار عن أوهامها ... سبقاً وكاد يطير من أوهامه
وقال:
مرت تباري الريح في مرورها ... تصوب الطير إلى وكورها
فطيران الطير السريع أسرع من مر الريح.
ولم يأت أبو تمام في السرعة بشيء يعتد به، ولا في غيرها من الوصف.
стр. 1359
* ما قالاه في الفخر
قال أبو تمام:
ألا صنع البين الذي هو صانع
وعاو عوى والمجد بيني وبينه ... له حاجز دوني وركن مدفع
ترقت مناه طود عز لو ارتقت ... به الريح فتراً لا نثنت وهي ظالع
أنا ابن الذين استرضع الجود فيهم ... وسمي منهم وهو كهل ويافع
سما بي أوس في السماء وحاتم ... وزيد القنا والأثرمان ورافع
وكأن إياس ما إياس وعارق ... وحارثة أوفى الورى والأصامع
стр. 1360
نجوم طوالع جبال فورارع ... غيوث هوامع سيول دوافع
مضوا وكأن المكرمات لديهم ... لكثرة ما أوصوا بهن شرائع
فأي يد في المجد مدت فلم تكن ... لها راحة من جودهم وأصابع
هم استودعوا المعروف محفوظ مالنا ... فضاع وما ضاعت لدينا الودائع
بهاليل لو عاينت فضل أكفهم ... لأيقنت أن الرزق في الأرض واسع
إذا خفقت بالبذل أرواح جودهم ... حداها الندى واستنشقتها المطامع
رياح كريح العنبر المحض في الندى ... ولكنها يوم اللقاء زعازع
إذا طيء لم تطو منشور بأسها ... فأنف الذي يهدي لها السخط جاذع
هي السم ما ينفك في كل بلدة ... تسيل به أرماحهم وهو ناقع
أصارت لهم أرض العدو قطائعاً ... نفوس لحد المرهفات قواطع
بكل فتى ما شاب من روع وقعة ... ولكنه قد شبن منه الوقائع
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر ... أغارت عليهم فاحتوته الصنائع
فتعطي الذي تعطيهم الخيل والقنا ... أكف لإرث المكرمات موانع
هم قوموا درء الشآم وأيقظوا ... بنجد عيون الحرب وهي هواجع
إذا أسروا لم يأسر البغي عفوهم ... ولم يمس عان فيهم وهو كانع
إذا أطلقوا عنه جوامع غله ... تيقن أن المن أيضاً جوامع
стр. 1361
إذا صارعوا عن مفخر قام دونهم ... وخلفهم بالجد جد مصارع
علوا بجنوب موجدات كأنها ... جنوب فيول ما لهن مضاجع
كشفت قناع الشعر عن حر وجهه ... وطيرته عن وكره وهو واقع
بغر يراها من يراها بسمعه ... ويدنو إليها ذو الحجى وهو شاسع
يود وداداً أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدت شوقاً إليها مسامع
وهذا كله جيد بالغ، ومعان صحيحة، وأغراض حسنة مستقيمة، وليس فيها بيت رديء إلا قوله: «إذا خفقت بالبذل».
وقوله: «سما بي أوس» يريد أوس بن حارثة بن لام، و «زيد القنا» يريد زيد الخيل، وقوله: «إياس» يعني إياس بن عامر الثعلبي، وثعلبة هو جرم بن عمرو بن الغوث بن طيء، أو يريد أوس بن قبيصة الطائي، و «عارق» هو قيس بن جروة بن سيف بن وائلة بن عمرو الطائي، وقيل له «عارق» لقوله في عمرو بن هند:
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم ... لأنتحين للعظم ذو أنت عارقه
وقال أيضاً يفخر:
تصدت وحبل البين مستحصد شزر
стр. 1362
أبى لي نجر الغوث أن أرأم التي ... أسب بها والنجر يشبهه النجر
وهل خاب من جذماه في ضن طيء ... عدي العديين القلمس أو عمرو
لنا غرر زيدية أددية ... إذا نجمت ذلت لها الأنجم الزهر
لنا جوهر لو خالط الأرض أصبحت ... وبطنانها منه وظهرانها تبر
جديلة والغوث اللذان إليهما ... صغت أذن للمجد ليس بها وقر
مقاماتنا وقف على العلم والحجا ... فأمردنا كهل وأشيبنا حبر
ألنا الأكف بالعطاء فجاوزت ... مدى اللين إلا أن أعراضنا صخر
كأن عطايانا يناسبن من أتى ... ولا نسب يدنيه منا ولا صهر
إذا زينة الدنيا من المال أعرضت ... فأزين منها عندنا الحمد والشكر
وكور اليتامى في السنين فمن نبا ... بفرخ له وكر فنحن له وكر
أبى قدرنا في الجود إلا نباهة ... فليس لمال عندنا أبداً قدر
لينجح بجود من أراد فإنه ... عوان لهذا الناس وهو لنا بكر
جرى حاتم في حلبة منه لو جرى ... بها القطر شأواً قيل أيهما القطر
فتى ذخر الدنيا أناس ولم يزل ... لها باذلاً فانظر لمن بقي الذخر
فمن شاء فليفخر بما شاء من ندى ... فليس لحي غيرنا ذلك الفخر
стр. 1363
جمعنا العلى بالجود بعد افتراقها ... إلينا كما الأيام يجمعها الشهر
بنجدتنا ألقت بنجد بعاعها ... سحاب المنايا وهي مظلمة كدر
بكل كمي نحره غرض القنا ... إذا اضطرب الأحشاء وانتفخ السحر
فأعجب به يهدي إلى الموت نحره ... وأعجب منه كيف يبقى له نحر
يشيعه أبناء موت على الوغى ... يشيعهم صبر يشيعه نصر
كماة إذا ظل الكماة بمعرك ... وأرماحهم حمر وألوانهم صفر
بخيل لزيد الخيل منها فوارس ... إذا نطقوا في مجلس خرس الدهر
على كل طرف يحسر الطرف سابح ... وسابحة لكن سباحتها الحضر
طوى بطنها الأساد حتى لو أنها ... بدت لك ما شككت في أنه ظهر
ضبيبية ما إن تحدث نفسها ... بما خلفها ما دام قدامها وتر
فإن ذمت الأعداء سوء صنيعها ... فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر
بها عرفت أقدارها بعد جهلها ... بأقدارها قيس بن عيلان والفزر
وتغلب لاقت غالباً كل غالب ... وبكر فألفت حربنا بازلاً بكر
وأنت خبير كيف أبقت سويفنا ... بني أسد إن كان ينفعك الخبر
وقسمتنا الضيزى بنجد وأهلها ... لنا خطوة في عرضها ولهم فتر
مساع يضل الشعر في طرق وصفها ... فما يهتدي إلا لأصغرها الشعر
стр. 1364
وهذه القصيدة فيها جيد نادر، وفيها رديء ساقط، وفيها ألفاظ وضعها في غير موضعها، فمن ذلك قوله: «لنا غرر زيدية أددية إذا نجمت» وليس هذا موضع «نجمت»، إنما هو موضع «ذكرت»، لأن الشيء يذكر وقتاً بعد وقت، وإذا نجم الشيء فليس ينجم وقتاً بعد وقت، يقال: قد نجم خارجي في موضع كذا وكذا، وقد نجم في بلد كذا مذهب رديء، أي ظهر، وقد نجم قرن الظبي، إذا طلع، ونجمت سن الصبي، فما معنى «لنا غرر إذا نجمت» وهي قد نجمت وفرغ الله من نجومها؟، و «ذكرت» كان أولى بهذا الموضع، وإنما يقال «نجمت» من أجل قوله «الأنجم» ليتجانس اللفظ، وإنما يحسن التجنيس إذا حسنت وصحت المعاني.
وقوله: «لنا جوهر ...» بيت رديء سخيف، وزاد في سخفه قوله: «منه»، لأن «منه» إنما يوجب أن يكون من جوهرنا، وهو ليس يريد: لنا جوهر لو خالط الأرض أصبحت وبطانتها من جوهرنا، وإنما كان ينبغي أن يقول: لنا جوهر وظهرانها تبر، لأن هذا الجوهر غير ذلك الجوهر، وإنما قاسه به، فإذا قال: «وبطنانها منه» فقد رد الكناية إلى الجوهر الأول وسقط أن يكون في ذلك فائدة، وهو إنما أراد لفظ الجوهر ولم يراع المعنى فجاء به رديئاً.
وقوله: «وكور اليتامى في السنين ...» بيت ركيك جداً بارد المعنى سخيف عامي.
وقوله:
«كماة إذا ظل الكماة بمعرك ... وأرماحهم حمر ....»
стр. 1365
أي: هم كماة وأرماحهم حمر إذا ظل الكماة بمعرك وألوانهم صفر، أي: رماح هؤلاء حمر من الطعن وألوان الكماة صفر من الروع، والبيت رديء وليس بجيد التأليف.
وقوله: «لكن سباحتها الحضر» تفسير سخيف أحمق، ومن شك في أن سباحتها الحضر، وهل يظن أحد أن سباحتها غير الحضر.
وقوله: «ما شككت أنه ظهر» معنى أقبح من كل قبيح.
وكذلك: «ما إن تحدث نفسها» من أرذل لفظ وأدونه، وفيها غير بيت سخيف، وأكثرها جيد نادر.
و «الإساد»: سير الليل، و «التأويب»: سير النهار.
و «الفزر» سعد بن زيد مناة بن تميم.
وقوله: «وتغلب لاقت غالباً كل غالب» يريد غالب بن ...
وقال البحتري يفخر:
إنما الغي أن تكون رشيدا
إن قومي قوم الشريف قديماً ... وحديثاً أبوة وجدودا
فإذا ما عددت يحيى وعمرا ... وأباناً وعامراً ووليدا
стр. 1366
وعبيدا ومسهرا وجديا ... وتدولاً وبحتراً وعتودا
لم أدع من مناقب المجد ما يمـ ... ـنع من هم أن يكون مجيدا
ذهبت طيء بسابقة المجـ ... ـد على العالمين بأساً وجودا
معشر أمسكت حلومهم الأر ... ض وكادت من عزهم أن تميدا
نزلوا كاهل الحجاز فأضحى ... لهم ساكنوه طراً عبيدا
منزلاً قارعوا عليه العماليـ ... ـق وعاداً في عزها وثمودا
وإذا قوت وائل وتميم ... كان إذ ذاك حنظلاً وهبيدا
ظل ولداننا يغادون نخلاً ... مؤتياً أكله وطلحا نضيدا
بلد ينبت المعالي فما يثـ ... ـغر الطفل فيه حتى يسودا
وليوث من طيء وغيوث ... لهم المجد طارفاً وتليدا
فإذا المحل جاء جاءوا سيولا ... وإذا النقع ثار ثاروا أسودا
يحسن الذكر عنهم والأحاديـ ... * ـث إذا حدث الحديد الحديدا
في مقام تخر في ضنكه البيـ ... ـض على البيض ركعاً وسجودا
يفرجون الوغى إذا ما أثار الـ ... ـضرب من مصمت الحديد صعيدا
بوجوه تعشي العيون ضياء ... أو سيوف تعشي الشموس وقودا
عدلوا الهضب من تهامة أحلا ... ماً ثقالاً ورمل نجد عديدا
стр. 1367
ملكوا الأرض قبل أن تملك الأر ... ض وقادوا في حافتيها الجنودا
وجروا عند مولد الدهر في السؤ ... دد والمكرمات شأوا بعيدا
بمساع منظومة ألبستهن ... الليالي قلائداً وعقودا
عبد شمس شمس العريب أبونا ... ملك الناس واصطفاهم عبيدا
وطيء السهل والحزونة بالأبـ ... ـطال شعثاً والخيل قباً وقودا
وأبو الأنجم التي لا تني تجـ ... ـري على الناس أنحساً وسعودا
نحن أبناء يعرب أعرب النا ... س لساناً وأنضر الناس عودا
وكأن الإله قال لنا في الـ ... ـحرب كونوا حجارة أو حديدا
قوله: «من هم أن يكون مجيدا» أي: لم أدع من مناقب المجد شيئاً يمنع من هم بالمجد أن يبلغ المجد لخلوه منه وفوته إياه، أي: إذا ذكرت هؤلاء وفيهم الخلال التي تجمع المجد كله، ولم أدع خلة للحسن ليس فيهم، مما يمنع الماجد أن يكون مجيداً بفقده إياها.
و «الهبيد» ثمر الحنظل، و «الطلح» يقال هو الموز، وإياه عنى ها هنا.
وقوله: «عند مولد الدهر» تعد وإسراف في المبالغة، ولكنه غير قبيح لحسن لفظه.
وقد استعمل الإيطاء في هذه القصيدة فأتى بقوله: «عبيدا» في موضعين، وهذا يجري من المطبوعين من قلة التفقد.
стр. 1368
وأقول في الموازنة بينهما: إن وازنت بين معانيهما خاصة فيما افتخرا به، كان أبو تمام أشعر، لأنه أبرع وأفصح وأسلم ألفاظاً وأحكم، وأبو تمام على كل حال في قصيدته العينية أشعر، لأن ألفاظها وسبكها غير مقصرين.
ومما أجاد فيه البحتري وأحسن كل الإحسان قوله يمدح بني مخلد:
بني مخلد كفوا تدفق جودكم ... ولا تبخسونا حظنا في المكارم
ولا تنصروا مجدي قنان ومالك ... بأن تذهبوا منا بسمعة حاتم
وكان لنا اسم الجود حتى جعلتم ... تغضون منا بالخلال الكرائم
وشيبني ألا أزال مجرراً ... سرابيل سآل كثير المغارم
وما خطري دون الغنى إن بلغته ... سؤالاً ولا عرضي نظير الدراهم
ومن عربي شعره، وفاخر كلامه الدال على بدويته وحلاوة طبعه قوله في نحو هذا المعنى لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
تزاجر هذا الناس عني تقية ... فما بال هذا الطاهري وبالي
يساجلني حتى كأن ليس بحتر ... أبي وابن همام بن مرة خالي
أخي وابن عمي سابقتني خصاله ... إلى شرف أو سابقته خصالي
стр. 1369
بنو الحارث الحراب يغشون نصره ... بكل جهير في السلاح طوال
أولئك قوم أنت كفء سراتهم ... وشراؤهم في سؤدد ومعال
ديارهم بالغوطتين وداركم ... بعسفان يغدو برها وغزال
لهم ورق الزيتون غضاً وعندكم ... شريجان من أثل يرف وضال
تراك مسامي الغداة ففائتي ... بجملة شعري وهو جملة حالي
قوله: «يغدو برها وغزال» فغزال: هضبة مرتفعة ويقال: ثنية غزال بنواحي عسفان.
يقول: إن كنت نظيري في النسب والشرف والمحل والبلد، فإنك لا تتقدمني في الشعر، الذي هو جملة ما أفتخر عليك به، فسلك أحسن مسلك بأبرع لفظ ومعنى.
وقال:
أحبب إلي بطيف سعدى الآتي
ومن الأقارب من يسر بميتتي ... سفهاً وعز حياتهم بحياتي
стр. 1370
إن أبق أو أهلك فقد نلت التي ... ملأت صدور أصادقي وعداتي
وغنيت ندمان الخلائق نابهاً ... ذكرى وناعمة بهم نشواتي
وشفعت في الأمر الجليل إليهم ... بعد الجليل فأنجحوا طلباتي
وصنعت في العرب الصنائع عندهم ... من رفد طلاب وفك عناة
يجري ليدخل في غبار تسرعي ... من رفد طلاب وفك عناة
ويذيمني من لو ضغمت قبيلة ... يوم الفخار لطار في لهواتي
جدي الذي رفع الأذان بمنبج ... وأقام فيها قبلة الصلوات
فالآن إذ ناصيت أعنان العلا ... ورقيت فيها أرفع الدرجات
وأي أبو حيان قائد طيء ... للروم تحت لوائه المنصات
وولي فتح الجسر إذ أغرى بهم ... عمرو وفاعل تلكم الفعلات
وخؤولتي فالحوفزان وحاتم ... والخالدان الرافدان حماتي
إذ لم يكن شرف المناكح يشترى ... بالمال في اللأواء والزبات
следующие страницы →