← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وعبيدا ومسهرا وجديا ... وتدولاً وبحتراً وعتودا لم أدع من مناقب المجد ما يمـ ... ـنع من هم أن يكون مجيدا ذهبت طيء بسابقة المجـ ... ـد على العالمين بأساً وجودا معشر أمسكت حلومهم الأر ... ض وكادت من عزهم أن تميدا نزلوا كاهل الحجاز فأضحى ... لهم ساكنوه طراً عبيدا منزلاً قارعوا عليه العماليـ ... ـق وعاداً في عزها وثمودا وإذا قوت وائل وتميم ... كان إذ ذاك حنظلاً وهبيدا ظل ولداننا يغادون نخلاً ... مؤتياً أكله وطلحا نضيدا بلد ينبت المعالي فما يثـ ... ـغر الطفل فيه حتى يسودا وليوث من طيء وغيوث ... لهم المجد طارفاً وتليدا فإذا المحل جاء جاءوا سيولا ... وإذا النقع ثار ثاروا أسودا يحسن الذكر عنهم والأحاديـ ... * ـث إذا حدث الحديد الحديدا في مقام تخر في ضنكه البيـ ... ـض على البيض ركعاً وسجودا يفرجون الوغى إذا ما أثار الـ ... ـضرب من مصمت الحديد صعيدا بوجوه تعشي العيون ضياء ... أو سيوف تعشي الشموس وقودا عدلوا الهضب من تهامة أحلا ... ماً ثقالاً ورمل نجد عديدا

стр. 1367

ملكوا الأرض قبل أن تملك الأر ... ض وقادوا في حافتيها الجنودا وجروا عند مولد الدهر في السؤ ... دد والمكرمات شأوا بعيدا بمساع منظومة ألبستهن ... الليالي قلائداً وعقودا عبد شمس شمس العريب أبونا ... ملك الناس واصطفاهم عبيدا وطيء السهل والحزونة بالأبـ ... ـطال شعثاً والخيل قباً وقودا وأبو الأنجم التي لا تني تجـ ... ـري على الناس أنحساً وسعودا نحن أبناء يعرب أعرب النا ... س لساناً وأنضر الناس عودا وكأن الإله قال لنا في الـ ... ـحرب كونوا حجارة أو حديدا قوله: «من هم أن يكون مجيدا» أي: لم أدع من مناقب المجد شيئاً يمنع من هم بالمجد أن يبلغ المجد لخلوه منه وفوته إياه، أي: إذا ذكرت هؤلاء وفيهم الخلال التي تجمع المجد كله، ولم أدع خلة للحسن ليس فيهم، مما يمنع الماجد أن يكون مجيداً بفقده إياها. و «الهبيد» ثمر الحنظل، و «الطلح» يقال هو الموز، وإياه عنى ها هنا. وقوله: «عند مولد الدهر» تعد وإسراف في المبالغة، ولكنه غير قبيح لحسن لفظه. وقد استعمل الإيطاء في هذه القصيدة فأتى بقوله: «عبيدا» في موضعين، وهذا يجري من المطبوعين من قلة التفقد.

стр. 1368

وأقول في الموازنة بينهما: إن وازنت بين معانيهما خاصة فيما افتخرا به، كان أبو تمام أشعر، لأنه أبرع وأفصح وأسلم ألفاظاً وأحكم، وأبو تمام على كل حال في قصيدته العينية أشعر، لأن ألفاظها وسبكها غير مقصرين. ومما أجاد فيه البحتري وأحسن كل الإحسان قوله يمدح بني مخلد: بني مخلد كفوا تدفق جودكم ... ولا تبخسونا حظنا في المكارم ولا تنصروا مجدي قنان ومالك ... بأن تذهبوا منا بسمعة حاتم وكان لنا اسم الجود حتى جعلتم ... تغضون منا بالخلال الكرائم وشيبني ألا أزال مجرراً ... سرابيل سآل كثير المغارم وما خطري دون الغنى إن بلغته ... سؤالاً ولا عرضي نظير الدراهم ومن عربي شعره، وفاخر كلامه الدال على بدويته وحلاوة طبعه قوله في نحو هذا المعنى لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر: تزاجر هذا الناس عني تقية ... فما بال هذا الطاهري وبالي يساجلني حتى كأن ليس بحتر ... أبي وابن همام بن مرة خالي أخي وابن عمي سابقتني خصاله ... إلى شرف أو سابقته خصالي

стр. 1369

بنو الحارث الحراب يغشون نصره ... بكل جهير في السلاح طوال أولئك قوم أنت كفء سراتهم ... وشراؤهم في سؤدد ومعال ديارهم بالغوطتين وداركم ... بعسفان يغدو برها وغزال لهم ورق الزيتون غضاً وعندكم ... شريجان من أثل يرف وضال تراك مسامي الغداة ففائتي ... بجملة شعري وهو جملة حالي قوله: «يغدو برها وغزال» فغزال: هضبة مرتفعة ويقال: ثنية غزال بنواحي عسفان. يقول: إن كنت نظيري في النسب والشرف والمحل والبلد، فإنك لا تتقدمني في الشعر، الذي هو جملة ما أفتخر عليك به، فسلك أحسن مسلك بأبرع لفظ ومعنى. وقال: أحبب إلي بطيف سعدى الآتي ومن الأقارب من يسر بميتتي ... سفهاً وعز حياتهم بحياتي

стр. 1370

إن أبق أو أهلك فقد نلت التي ... ملأت صدور أصادقي وعداتي وغنيت ندمان الخلائق نابهاً ... ذكرى وناعمة بهم نشواتي وشفعت في الأمر الجليل إليهم ... بعد الجليل فأنجحوا طلباتي وصنعت في العرب الصنائع عندهم ... من رفد طلاب وفك عناة يجري ليدخل في غبار تسرعي ... من رفد طلاب وفك عناة ويذيمني من لو ضغمت قبيلة ... يوم الفخار لطار في لهواتي جدي الذي رفع الأذان بمنبج ... وأقام فيها قبلة الصلوات فالآن إذ ناصيت أعنان العلا ... ورقيت فيها أرفع الدرجات وأي أبو حيان قائد طيء ... للروم تحت لوائه المنصات وولي فتح الجسر إذ أغرى بهم ... عمرو وفاعل تلكم الفعلات وخؤولتي فالحوفزان وحاتم ... والخالدان الرافدان حماتي إذ لم يكن شرف المناكح يشترى ... بالمال في اللأواء والزبات

стр. 1371

* ما قالاه في التوجع من العلل والنكبات والتهاني على السلامة منها قال أبو تمام: أبا القاسم المحمود إن ذكر الحمد ... وقيت رزايا ما يروح وما يبدو وطابت بلاد أنت فيها فأصبحت ... ومربعها غور ومصطفاها نجد فإن تك قد نالتها أطراف وعكة ... فلا عجب أن يوعك الأسد الورد سلمت وإن كانت لك الدعوة اسمها ... وكان الذي يحظى بإنجاحها المجد فقد أصبحت من صفرة ووجوهها ... وراياتها سيان غماً بك الأزد بنا لا بك الشكوى فليس بضائر ... إذا صح نصل السيف ما لقي الغمد وهذه أبيات مضطربة الألفاظ والمعاني.

стр. 1372

وأحسن من هذا وأبرع قول أبي الشمر الغساني وهو العلاء بن عاصم: فإن تك حمى الربع شفك وردها ... فعقباك منها أن يطول لك العمر وقيناك لو نعطى الهوى فيك والمنى ... فكانت لنا الشكوى وكان لك الأجر وأجود منها وألطف معنى قول محمد المعروف بالبيدق، شاعر رشيدي كان الرشيد يستحسن إنشاده، يقول في عمرو بن مسعدة: قالوا أبو الفضل معتا فقلت لهم ... نفسي فداء له من كل محذور يا ليت علته بي ثم إن له ... أجر العليل وأني غير مأجور وأول من قال هذا أظن الأخطل في يزيد بن معاوية: ونعود سيدنا وسيد غيرنا ... ليت التشكي كان بالعواد

стр. 1373

لو كان يقبل فدية لفديته ... بأناملي وبطارفي وتلادي وقال أبو تمام: لا عيش أو يتحامى جسمك الوصب ... فتنجلي بك عن أخوانك النوب لعاً أبا جعبر واسلم فقد سلمت ... بك المروءة واستعلى بك الحسب إنا جهلنا فخلناك اعتللت ولا ... والله ما عتل إلا الظرف والأدب وقال في خروج أبي دلف من علة: قد شرد الصبح هذا الليل عن أفقه ... وسوغ الدهر ما قد كان من شرقه سيقت إلى الخلق في النيروز عافية ... بها شفاههم جديد الدهر من خلقه يا رب مصطبح بالبث معتبق ... صحا ومشتجر ليلاً ومرتفقه لما اكتسى القاسم البرد الأنيق غدا ... على السرور فأعداه على حرقه الله جلاه من كرب ومن وصب ... كاد السماح يذوق الموت من فرقه لم يبق ذو كرم إلا وجامعة ... ثقيلة قد حناها الدهر في عنقه أجناك من ثمرات البرء أينعها ... رب كساك الأثيث النضر من ورقه حتى يقال لقد أضحى أبو دلف ... وخلقه قد طغا حسناً على خلقه

стр. 1374

وهذا كله رديء لفظاً ومعنى إلا قوله: «أجناك من ثمرات البرء أينعها ...». وقال البحتري في إبراهيم بن المدبر: بأنفسنا لا بالطوارف والتلد ... نقيك الذي تخفي من الشكو أو تبدي بنا معشر الأخوان ما بك من أذى ... فإن أشفقوا مما أقول فبي وحدي ظللنا نعود المجد من وعكك الذي ... وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد ولم ننصف الليث اقتسمنا نواله ... ولم نقتسم حماه إذ أقبلت تردي ولست ترى شوك القتادة خائفاً ... رياح السموم الأخذات من الرند ولا الذئب محموماً وإن طال عمره ... ألا إنما الحمى على الأسد الورد وحرت على الأيدي مجسة كفه ... كذلك موج البحر ملتهب الوقد بدت صفرة في لونه إن حمدهم ... من الدر ما اصفرت نواحيه في العقد قوله: «قلنا: اعتل عضو من المجد» إنما أخذ المعنى من قول أبي تمام في الأبيات المتقدمة: «وكان الذي يحظى بإنجاحها المجد». وقوله: «ألا إنما الحمى على الأسد الورد» من قول أبي تمام: «فلا عجب أن يوعك الأسد الورد» ولعمري أن هذا معنى مشترك يتداوله الناس، ولكن لما أخذ ذلك المعنى الأول ذكر به هذا وأورده معه.

стр. 1375

وأبيات البحتري على كل حال أبرع وأجود. وقد عابه أبو العباس بن نعمان من حيث ظن أن الأبيات لأبي تمام بقوله: ............ إن حمدهم ... من الدرما اصفرت نواحيه في العقد وقال: ما حمد الناس ذلك قط، وما المحمود من الدر إلا الأبيض النقي البياض. ولم يرد البحتري الصفرة المعيبة، وإنما أراد الصفار الذي يخرج الدرة عن أن تكون ناشفة اللون، ولهذا قال الناس: لون دري، يراد صفاؤه وحسنه، وأنه ليس ببياض ناشف فإن ذلك مكروه في الألوان. وقال البحتري:

стр. 1376

إن ترج نيل عبيد الله لم تخب ... أو ترم في غرض من سيبه تصب ذاك أخ أفتديه أن يحس أذى ... بالنفس عما توقاه وبالنشب إن كان من فارس في بيت سؤددها ... وكنت من طيء في البيت والحسب فلم يضرنا تنائي المنصبين وقد ... رحنا نسيبين في خلق وفي أدب إذا تساجلت الأخلاق واقتربت ... دنت مسافة بين العجم والعرب اسلم ولا زلت في ستر من النوب ... وعش حميداً على الأيام والحقب وليهنك البرء مما كنت تألمه ... والأجر في عقب ذاك الشكو والوصب أوحشت مذ غبت قوماً كنت أنسهم ... إذا شهدتهم فاشهد ولا تغب وإن فصدت ابتغاء البرء من سقم ... فقد أرقت دماً يشفي من الكلب وهذه أبيات جياد حسان المعنى. وقال في أبي نوح عيسى بن إبراهيم: نغتد أنحسنا بعزك أسعدا ... ونسر فيك بما يساء به العدا فاسلم أبا نوح فإنك إنما ... تهوى السلامة كي تجود وتحمدا وهنتك عافية الأمير فإنه ... قد راح مجتمع العزيمة واغتدى

стр. 1377

في نعمة هي للمكارم والعلى ... وسلامة هي للسماحة والندى لما تشابهت الرجال حكيته ... مجداً أطل على النجوم وسؤددا ومرضتما وفقاً فكان دعاؤنا ... أن تبقيا وتكون أنفسنا الفدا لك عادة ألا تزال شريكه ... فيما عناه مساعفاً ومساعدا لو يستطيع وقاك عادية الضنى ... أو تستطيع وقيته صرف الردى والنفس واحدة وإن أصبحتما ... شخصين غارا في السماح وأنجدا روح تدبر منكما حركاتها ... بدنين ذا عبداً وهذا سيدا هذا المعنى هو ما قاله ابن وهيب: فكأنه روح تدبرنا ... حركاته وكأننا جسد وقال في أبي نوح -وكان الأسد غشيهم ليلاً، وأظنه جزع فمرض-: الله جارك مكلوءاً وممتنعا ... من الحوادث حتى ينفذ الأبد إذا اعتللت ذممنا العيش هو ند ... طلق الجوانب صاف ظله رغد لو أن أنفسنا اسطاعت وقيت بها ... حتى تكون بها الشكوى التي تجد ما أنصف الأسد العادي مخاتله ... والراح تسري وجنح الليل محتشد ولو يلاقيك صبحاً مصحراً لرأى ... صريمة ينثني عن مثلها الأسد لصده عنك عزم صارم ويد ... طويلة وحسام صارم يقد

стр. 1378

وهذا مما لا يفي بحسنه وصحته وحلاوته شيء. وقال في الفتح بن خاقان يهنئه بسلامته من الغرق: بعدوك الحدث الجليل الواقع ... ولمن يكايدك الحمام الفاجع قلنا لعاً لما عثرت ولا تزل ... نوب الليالي وهي عنك رواجع ولربما عثر الجواد وشأوه ... متقدم ونبا الحسام القاطع لن يظفر الأعداء منك بزلة ... والله دونك حاجز ومدافع أحدى الحوداث شارفتك فردها ... دفع الإله وصنعه المتتابع دلت على رأي الإمام وأنه ... قلق الضمير لما أصابك جازع هل غاية الوجد المبرح غير أن ... يعلو نشيج أو تفيض مدامع وفضيلة لك أن منيت بمثلها ... فنجوت متئداً وقلبك جامع ما حال لون عند ذاك ولا هفا ... عزم ولا راع الجوانح رائع حتى برزت لنا وجأشك ساكن ... من نجدة وضياء وجهك ساطع خبر يسوء الحاسدين إذا بدا ... وأعاد فيه محدث أو سامع وحسبك بهذا جودة وحسناً. وقال يهنيء المتوكل بسلامة الفتح من الغرق: هنتك أمير المؤمنين عطية ... من الله يزكو نيلها ويطيب يد الله في فتح لديك جميلة ... وإنعامه فيه عليك عجيب

стр. 1379

وليك دون الأولياء محبة ... ومولاك والمولى الصريح نسيب وعبدك أحظته لديك نصيحة ... وأرضاك منه مشهد ومغيب رمته صروف النائبات فأخطأت ... كذا الدهر يخطي مرة ويصيب ولم أنسه يطفو ويرسب تارة ... ويظهر للرائين قم يغيب دعا باسمك المنصور والموج غامر ... لدعوته والموت منه قريب ولم أنسه يطفو ويرسب تارة ... ويظهر للرائين ثم بغيب دعا باسمك المنصور والموج غامر ... لدعوته والموج منه قريب وأقسم لو يدعوك والخيل حوله ... لفرجها عنه أغر نجيب فلولا دفاع الله دامت على البكا ... عيون ولجت في الغرام قلوب فجاء على يأس وقد كادت القوى ... وبشرى أتت بعد النعي تؤوب ثنت من تباريح الغليل ونهنهت ... مدامع ما ترقا لهن غروب بقيت أمير المؤمنين فإنما ... بقاؤك حسن للزمان وطيب ولا كان للمكروه نحوك مذهب ... ولا لصروف الدهر فيك نصيب وقال في مثله من قصيدة: لقد كان يوم النهر يوم عظيمة ... ألمت ونعماء جرى بهما النهر أجزت عليه عابراً فتشاغبت ... أواذيه لما طغا فوقها البحر وزالت أواخي الجسر وانهدمت به ... قواعده العظمى وما ظلم الجسر تحمل حلماً مثل قدس وهمة ... كرضوى وقدراً ليس يعدله قدر فلولا دفاع الله عنك ومنه ... عليك وفضل من مواهبه غمر

стр. 1380

لأظلمت الدنيا ولانقض حسنها ... ولانحت من أفنانها الورق الخضر ولما رأيت الخطب ضنكاً سبيله ... وقد عظم المكروه واستفظع الأمر صرمت فلم تقعد بعزمك حيرة الـ ... ـمروع ولم يسدد مذاهبك الذعر وما كان ذاك الهول إلا غيابة ... بدا طالعاً من تحت ظلمتها البدر فإن ننس نعمى الله فيك فحظنا ... أضعنا وإن نشكر فقد وجب الشكر وقال أبو تمام في علة نالت أحمد بن أبي دؤاد: لا نالك العثر من دهر ولا الزلل ... ولا يكن للعلا في فقدك الثكل لا تعلل إنما بالمكرمات إذا ... أنت اعتللت ترى الأوجاع والعلل تضاءل الجود مذ مدت إليك يد ... من بعض أيدي الردى واستأسد البخل لم يبق في صدر راجي حاجة أمل ... إلا وقد ذاب سقماً ذلك الأمل بينا كذلك والدنيا على خطر ... والعرف فيك إلى الرحمن يبتهل وأعين الناس تعطي فوق ما سئلت ... عليك والصبر يعطي دون ما يسل حبا بك الله من لولاك لانبعثت ... فيه الليالي ومنها الوخد والرمل سقم أتيح له برء فذعذعه ... والرمح يناد حيناً ثم يعتدل

стр. 1381

وحال لون فرد الله نضرته ... والنجم يخمد شيئاً ثم يشتعل وكسب أجر ولم تعمل له وبلى ... وعك المقيم على توحيده عمل الأربعة الأبيات الأول جياد، والباقية رديئة مضطربة الألفاظ والمعاني، والنجم لا يوصف بالخمود، وما رأينا نجماً قط خمد، وإنما تستره هبوة أو غمامة، فيقال: غاب واستتر ولا يقال خمد. وقال في مرض إلياس بن أسد -يكتب في أول الباب-: إلياس كن في أمان الله والذمم ... ذا مهجة عن ملمات الأذى حرم سلامة لك لا تهتاج نضرتها ... ودعدعاً ولعاً في النعل والقدم الله أنقذ منها علة عرضاً ... لم تنح أظفارها إلا على الكرم تكشفت هبوات الثغر مذ كشفت ... آلاء ربك ما استشعرت من سقم فإن يكن وصب عانيت سورته ... فالورد حلف لليث الغابة الأضم إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد ولم يعبأن بالرتم بنات نعش ونعش لا كسوف لها ... والشمس والبدر منه الدهر في الرقم

стр. 1382

والحادثات عدو الأكرمين فما ... تعتام إلا امرأً يشفى من القرم فليهنك الأجر والنعمى التي سبغت ... حتى جلت صدأ الصمصامة الخذم قد ينعم الله بالبلوى وقد عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم وهذه أبيات جياد، وهذا البيت الأخير في غاية الحسن والحلاوة، وإنما حذا على قول أبي العتاهية في قوله: كم نعمة لا يستقل بشكرها ... لله في طي المكاره كامنه إلا أنه أحسن كل الإحسان في أن جاء بالزيادة التي هي عكس المعنى الأول، فصار البيت مقسوماً قسمين نادرين. قوله: «دعدعا، ولعا» لفظ يقال العاثر إذا عثر: قم قم وانتعش، ولو قال هذا رؤبة بن العجاج لاستثقل منه فكيف أبو تمام. وقال: أعقبك الله صحة البدن ... ما هتف الهاتفات في غصن كيف وجدت الدواء أوجدك اللـ ... ـه شفاء به مدى الزمن لا نزع الله منك صالحة ... أبليتها م بلائك الحسن وهذا لعمري جيد.

стр. 1383

وقال البحتري في محمد بن علي القمي لما خرج من الحبس: لشهر ربيع نعمة ما يفي بها ... ثناء ولو قمنا بأضعافها نثني غداة غدا من سجنه البحر مطلقاً ... وما خلت أن البحر يحظر في سجن وليست له إلا السماح جناية ... إذا أخذ الجاني ببعض الذي يجني تقلقل منه في الحديد عزيمة ... يكل الحديد عن جوانبها الخشن فما فل ريب الدهر من ذلك الشبا ... ولا زعزع المكروه من ذلك الركن ولما بدا صبح اليقين وكشفت ... به الظلمة الطخياء من شبه الظن تجلى لنا من سجنه وهو خارج ... خروج شعاع الشمس من جانب الدجن يفيض كما فاض الغمام تتابعت ... شآبيبه بالهطل منا وبالهتن محمد عش للمكرمات التي اصطفت ... يداك وللمجد الرفيع الذي تبني فكم من يد بيضاء منك بلا يد ... ومن منة زهراء منك بلا من «بلا يد» أي: بلا يد كانت إليك. وقال في أبي أيوب: لتهنك النعمة المخضر جانبها ... من بعد ما اصفر في أرجائها العشب قد كان أعطي منها حاسد حنق ... سؤلاً ونيب فيها كاشح كلب فمن دموع عيون قلما دمعت ... ومن وجيب قلوب قلما تجب

стр. 1384

عافوك خصك مكروه فعمهم ... ثم انجلى فتجلت أوجه شحب بحسن رأي أمير المؤمنين وما ... لصاعد وهو موصول به سبب ما كان إلا مكافاة وتكرمة ... ذاك الرضى وامتحاناً ذلك الغضب وربما كان مكروه الأمور إلى ... محبوبها سبباً ما مثله سبب هذي مخايل برق خلفه مطر ... جود ووري زناد خلفه لهب وأزرق الفجر يأتي قبل أبيضه ... وأول الغيث قطر ثم ينسكب وقال في حبس أبي سعيد محمد بن يوسف: جعلنا فداك الدهر ليس بمنفك ... من الحادث المشكو والنازل المشكي وما هذه الأسباب إلا منازل ... فمن منزل رحب ومن منزل ضنك وقد هذبتك النائبات وإنما ... صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك وما أنت بالمهزوز جأشاً على الأذى ... ولا المتفري الجلدتين على الدعك على أنه قد ضيم في حبسك الهدى ... وأضحى بها الإسلام في قبضة الشرك أما في نبي الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوساً على الظلم والإفك أقام جميل الصبر في السجن برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك وهذا من إحسانه المشهور. وكان سبب حبسه أنه كوتب بأن يدعو على منابر الثغور التي يليها لسعيد

стр. 1385

ابن الحاجب، حاجب المتوكل، وكان المتوكل أراد أن ينوه باسمه، ويرفع من قدره، فامتنع أبو سعيد، وروجع فامتنع، فأنفذ إليه نقيب، وتقدم إليه بأن يخاطبه بإقامة الدعوة لسعيد، فإن فعل وإلا حمله مقيداً، فلم يفعل، وقدم رجله فقيده النقيب وحمله، فلما قرب من سر من رأى سلمه سعيد بن الحاجب إلى كاتب له نصراني، فحفر له جباً وحبسه فيه فبقي على تلك الحال برهة. ثم إن المتوكل أخبر أن جارية له رومية جاءها رسول من أهلها ببلد الروم، فأحضرها وسألها وداعبها، وقال: كيف بلادك؟ قالت: أعمر بلاد مذ قتل محمد بن يوسف الثغري، فبكى المتوكل بكاءً عظيماً، وجزع جزعاً شديداً، وأمر بإحضار سعيد، فلما بصر به، قال: يا ابن الفاعلة، نفيت من قرابة رسول الله ﷺ لئن كان سقط من رأس محمد بن يوسف شعرة لأضربن عنقك وعنق كل من يقال له سعيد، أين محمد بن يوسف؟ ويلك!، قال: عندي يا أمير المؤمنين حي يرزق ما شيك بشوكة، قال: جئني به الساعة على حال رضي لا على حال سخط، وأذن للقواد وأهل الدولة، وقال لهم: لا جزاكم الله عني وعن الإسلام خيراً، أما كان فيكم من يذكرني بأمر محمد بن يوسف؟، أما تعلمون له علماً؟، فقال له بغا: كيف لا نعلم؟!، وهو في يدي أبي الخير النصراني، كاتب سعيد بن

стр. 1386

الحاجب، يلعب به كما يلعب السنور بالفأرة، وأنت أمرت أن لا تذكر به لاشتداد غضبك عليه، فلم يقدم أحد على إذكارك، فقال: لا يبقى منكم أحد إلا يلقاه. فتوجه الناس كلهم نحوه، وأخرج من الجب فلم يبصر شيئاً لما عاين الضوء، وجعل الأمراء يسلمون عليه فلا يعرفهم حتى يعرفوه أنفسهم، فأدخل الحمام وصب على رأسه الماء الفاتر وعولج ساعة حتى ألف الضوء. وتوجه الناس وهو معهم إلى دار الخلافة، فوقف على دابته بباب العامة، فقيل له: ادخل، فقال: قد كانت لي مرتبة أنزل عندها، ثم سخط علي، فلست أدري أي مرتبة أرتب، فوصل الناس إلى المتوكل، وهو يتشوفه، فقيل: إنه لا يدري أي مرتبة يرتب، ولا أين ينزل عن دابته، فقال: على بساطي هذا، فدخل مرتباً في أجل المراتب وله مع المتوكل في هذا المعنى خطاب، ثم ولاه الثغور، وزاده إلى ما كان في يده أمصاراً كثيرة. وقال البحتري فيه وهو في حبس أبي الخير النصراني كاتب سعيد: يا ضيعة الدنيا وضيعة أهلها ... والمسلمين وضيعة الإسلام طلبت دخول الشرك في دار الهدى ... بين المداد وألسن الأقلام هذا ابن يوسف في يدي أعدائه ... يجزى على الأيام بالأيام نامت بنو العباس عنه ولم تكن ... عنه أمية لو رعت بنيام ويقال: إن هذه الأبيات بلغت المتوكل فرضي عنه، والسبب هو الأول. ومما لا يفي بحسنه وصحته وجودته وحلاوته شيء قوله في علة اعتلها الفتح

стр. 1387

في القصيدة التي أولها: أكنت معنفي يوم الرحيل ولما اعتل أصبحت المعالي ... محبسة على خطر مهول فكائن فض من دمع غزير ... وأضرم من جوى كمد دخيل ألم تر للنوائب كيف تسمو ... إلى أهل النوافل والفضول وكيف تروم ذا الشرف المعلى ... وتخطو صاحب القدر الضئيل وما تنفك أحداث الليالي ... تميل على النباهة للخمول فلو أن الحوادث ساعدتني ... وأعطتني صروف الدهر سولي كفاك الله ما تخشى وغطى ... عليك بظل نعمته الظليل فلم أر مثل علتك استفاضت ... بإعلان الصبابة والعويل وكم بدأت وثنت من مبيت ... على رمض وجافت من مقيل وقد كان الصحيح أشد شكوى ... غداتئذ من الدنف العليل محاذرة على الفضل المرجى ... وإشفاقاً على المجد الأثيل وعلماً أنهم يردون بحراً ... بجودك غير موجود البديل

стр. 1388

ولو أن الذي رهبوا وخافوا ... إذا ذهب النوال من المنيل إذاً لغدى السماح بلا حليف ... له وجرى الغمام بلا رسيل تعافى في الكثير وأنت باق ... لنا أبداً وتوعظ بالقليل

стр. 1389

* ما قالاه في المراثي قد جرت العادة في كل باب أن تعتبر فيه الابتداءات، فيجب أن أقدم ابتداءات هذا الباب. قال أبو تمام: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر قد عابه قوم من متقدمي الشيوخ بهذا، وقالوا: قوله «كذا» إشارة إلى مجهول غير معروف، وقالوا: كان ينبغي أن يقول كما قال البحتري: انظر إلى العلياء كيف تضام ... ومآتم الأحساب كيف تقام فأوضح المعنى بقوله: «ومآتم الأحساب كيف تقام»، وليس هذا العجز بمبين عن معنى صدره كما ذكروا، وإنما هو قسم منسوق على قسم آخر، له معنى غير معناه، فقوله: «انظر إلى العلياء كيف تضام» مثل قول أبي تمام: «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر».

стр. 1390

وإنما نظر كل واحد منهما إلى الجيوب تشقق والستور تهتك، والأعلام تمزق، والرماح تكسر، فإن مثل هذا يفعل عند هلاك السادة من الأمراء وغيرهم، والخيل أنما تعقر عند قبورهم وأشباه هذا، فلما عاين هذان الشاعران من الأمر ما عيناه هذا: «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»، وقال ذاك: «انظر إلى العلياء كيف تضام»، ونظر البحتري إلى كثرة النساء، وعظم أقدارهن، وانهتاكهن، وما يفعلن بأنفسهن، فأتم البيت بأن قال: «ومآتم الأحساب كيف تقام»، لأن المآتم هي اجتماع النساء في الفجائع، ومساعدة بعضهن، فما على أحدهما فيما قاله مطعن. وقال أبو تمام: أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا وهذا معنى حسن جداً، وليس يريد بالصمم انسداد السمع، وإنما يريد أن الناعي أذهل عن كل شيء وحير، حتى صار الإنسان يخبر بالشيء فلا يفهم ما يقال لعظم ما ورد، فجعل ذلك صمماً، وإنما أخذ هذا من قول محياة بنت طليق أحدى بني تيم الله بن ثعلبة: نعى ابني محل صوت ناع أصمني ... فلا آب محبوراً بريد نعاهما

стр. 1391

وقبلها ما قال النابغة: وخبرت خير الناس أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع وقد قاله غير النابغة: وقال أبو تمام: أي القلوب عليكم ليس ينصدع ... وأي نوم عليكم ليس يمتنع وهذا ابتداء حسن حلو. وقال: ما زالت الأيام تخبر سائلاً ... أن سوف تفجع مسهلاً أو عاقلا أراد تفجع مسهلاً أو عاقلا، فأقحم الألف، وهي تدخل مع الواو أبداً، وهو ابتداء حسن. وقال: أي ندى بين الثرى والجبوب ... وسؤدد لدن ورأي صليب

стр. 1392

عجز هذا البيت رديء لقوله: «وسؤدد لدن» فإنها لفظة قبيحة في هذا الموضع، وإنما أراد الطباق، واللدن أيضاً يكون صليباً، لأن الرمح يوصف باللدونة، واللدونة فيه تثنية، وتلك صلابته وتثنيته، وإن لم يكن متثنياً أسرع الكسر إليه، وقد قال أبو تمام: ................. وإنما ... يشتد بأس الرمح حين يلين والصلابة في الرأي والسؤدد بمنزلة واحدة، اللهم إلا أن يكون ذهب إلى أن رأيه صليب لا ينثني عن جهته وسداده، وأن سؤدده ينعطف وينثني وأراد به نفسه، وهذا كله رديء، ولفظ موضوع في غير موضعه، وما سمعنا في نثر ولا نظم بسؤدد لدن، وإنما يقال: سؤدد أول وقديم ومكين وعال ونبيه ورفيع، ويقال: رأي وثيق، ورأي محصد، ورأي سديد ومصيب. وقال: ما للدموع تروم كل مرام ... والجفن ثاكل هجعة ومنام وهذا ابتداء جيد بالغ. وقال: جوى ساور الأحشاء والقلب واغله ... ودمع يضيم العين والجفن هامله

стр. 1393

وقال: بأبي وغير أبي وذاك قليل ... ثاو عليه ثرى النباح مهيل وهذان ابتداءان صالحان. وقال: لنمنا وصرف الدهر ليس بنائم ... خزمنا له قسراً بغير خزائم وهذا ابتداء رديء كز اللفظ والمعنى. وقال: دموع أجابت داعي الحزن همع ... توصل منا عن قلوب تقطع وقال: اليوم أدرج زيد الخيل في كفن ... وانحل معقود دمع الأعين الهتن وهذان ابتداءان صالحان. وقال: ريب دهر أصم دون العتاب ... مرصد بالأوجال والأوصاب

стр. 1394

وهذا ابتداء ليس بجيد ولا رديء. وقال: نعاء إلى كل حي نعاء ... فتى العرب احتل ربع الفناء كأنه يقول لنفسه: انع إلى كل حي انع، وهي لفظة عربية مستعملة ولكنها غير حلوة إذا ابتديء بها، وقد ابتدأ بها الكميت فقال: نعاء جذاماً غير موت ولا قتل أي: انع جذاماً، وكثيراً ما يقتدي به أبو تمام. وقال: بكى شجوه قلب بكته فواجعه ... وإنسان عين ليس ترقا مدامعه يريد الأحداث التي فجعته رحمة له، أو لعله قال: فجائعه وذلك أبعد في الاستعارة وأقبح، وهذا رديء. وقال: داب عيني البكاء والحزن دابي ... فدعيني وقيت مابي لما بي وهذا من ألفاظ الصوفية ومعانيهم المخلقة.

стр. 1395

وقال: لو صحح الدمع لي أو ناصح الكمد ... لقلما صحباك الخد والكبد وهذا ابتداء رديء لقوله: «أو ناصح الكمد». وقال: أعيدي النوح معولة أعيدي ... وزيدي من بكائك ثم زيدي وهذا من ألفاظ النوائح. وقال: يا دهر قداك وقلما يغني قدي ... وأراك عشر الظمء مر المورد قوله: «عشر الظمء» العشر: أن تعطش الإبل، ولا تورد الماء إلا بعد عشر، يقول: فإذا أوردت كان موردك مراً غير عذب، وهذه استعارة قبيحة جداً. فذلك ثمانية عشر بيتاً ليس فيها جيد إلا الأربعة التي ذكرتها. وله مقطعات لا يعتد بمثلها، وليس فيها جيد إلا مقطوعتان، منهما قوله: محمد بن حمد أخلقت رممه ... أريق ماء المعالي مذ أريق دمه وإراقة ماء المعالي قبيح جداً، ولم يستو له لضيق الحيلة في النظم أن يقول: دم المعالي، لأن ذاك أشبه بازدواج ألفاظه وأجود.

стр. 1396

ومنهما قوله: جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب ... وخطب الردى والموت أبرحت من خطب وهذا -لعمري- ابتداء حسن جيد. وقد نحل أبو تمام قصائد أخر رديئة جداً، وهي ثابتة في نسخة أبي علي محمد بن العلاء، ولم أذكر منها شيئاً. وهذه ابتداءات البحتري: قال: انظر إلى العلياء كيف تضام ... ومآتم الأحساب كيف تقام وقال: بأي أسى تثني الدموع الهوامل ... ويرجى زيال من جوى لا يزايل وقال: أقول لعنس كالعلاة أمون ... مضبرة في نسعة ووضين وقال:

стр. 1397

محل على القاطول أخلق داثرة ... وعادت صروف الدهر وهي تساوره وقال: أراني متى أبغ الصبابة أقدر ... وإن أطلب الأشجان لا تتعذر وقال: عذيري من صرف الليالي الغوادر ... ووقع رزايا كالسيوف البواتر وقال: أفي مستهلات الدموع السوافح ... إذا جدن برء من جوى في الجوانح وقال: تقضى الصبا إلا تلوم راحل ... وأغنى المشيب عن ملام العواذل وهذه القصيدة ليست مرثية بأسرها، وإنما المرثية بعض أبياتها فلهذا ابتدأ هذا الابتداء. وقال: أقصر حميد لا عزاء لمغرم ... ولا قصر عن دمع ولو كان من دم

стр. 1398

وقال: ملامك أنه عهد قريب ... ورزء ما عفت منه الندوب وقال: أعجب من الغيث كيف ارفض فانقشعا ... وصالح العيش كيف اعتيق فارتجعا وقال: لأية حال أعلن الوجد كاتمه ... وأقصر عن داعي الصبابة لائمه وقال: غروب دمع من الأجفان تنهمل ... وحرقة بغليل الحزن تشتعل فذلك ثلاثة عشر ابتداء كلها جيد حسن إلا قوله: «وإن أطلب الأشجان لا تتعذر» فإن الأشجان جمع شجن، والشجن: الحاجة المهمة، وهذا ضد ما ذهب إليه، وكأنه -والله أعلم- أراد: «وإن أطلب الأشجاء» جمع شجا، من: شجيت بالشيء أشجى شجاً، فتكون: متى أبلغ الصبابة -وهي رقة الشوق- أقدر عليها، لأنها موجودة معي، وإن أطلب ما أشجى به ويحزنني لا يتعذر أيضاً، فيكون المعنى: أنه صب أبداً، وحزين أبداً، ولم يقصد إلى قسمين مختلفين، وما أظنه قال إلا «الأشجاء» -والله أعلم- فألحقت النون، وإلا فمثل البحتري لا يذهب عليه فرق ما بين الشجى والشجن.

стр. 1399

أو أن يكون أراد: «وإن أطلب الأشجان تتعذر»، وجاء بقوله «لا» زائدة، فإنها تزاد كثيراً، والمعنى طرحها، قال أبو النجم: فما ألوم البيض ألا تسخرا أراد: أن تسخر. وقال العجاج: في بئر لا حور سرى وما شعر أراد: في بئر هلاك، وأصل الحور: النقصان، وقد قال الله تعالى: «لئلا يعلم أهل الكتاب» أي: ليعلم، و «قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك» أي: أن تسجد. فهذه ابتداءتهما في سائر مراثيهما، فأما الموازنة بين الجملتين فإن ابتداءات البحتري أجود من ابتداءات أبي تمام، لما في ابتداءات أبي تمام من التخليط الذي قد ذكرته، وسلامة ابتداءات البحتري من مثل ذلك. فأما الموازنة بين معاني الأبيات، فليس بين معانيهما اتفاق إلا في صدر

стр. 1400

البيتين الأولين على ما وصفته، ثم ما ذكراه من أمر البكاء والدمع، فإن أبا تمام قال: «وليس لعين لم يفض ماؤها عذر» وقال البحتري: «ولا قصر من دمع ولو كان من دم» وكلاهما جيد في معناه. وقال أبو تمامك «دموع أجابت داعي الحزن همع» وقال البحتري: «بأي أسى تثني الدموع الهوامل» والمعنيان مختلفان، وكلاهما جيد حسن. وقال أبو تمام: «ما للدموع تروم كل مرام» وقال البحتري: «غروب دمع من الأجفان تنهمل» وكلاهما صالح، ووباقي ما قاله أبو تمام في الدمع رديء وقال البحتري: أفي مستهلات الدموع السوافح ... إذا جدن برء من جوى في الجوانح وهذا حلو حسن، فأجعلهما في هذه المعاني خاصة متكافئين، وجملة أبيات البحتري أفضل الجملتين.

стр. 1401

* الموازنة بعد الابتداءات من الأبيات اعلم أن تأبين الميت كمدح الحي، لا فرق بينهما إلا ما يفترق بذلك من ذكر التوجع وأنواعه، فلا يمكن الموازنة بين قصيدة وقصيدة، كما لم يمكن ذلك في قصائد المدح، لأن القصيدة الواحدة تتضمن من المعاني ما ليس في القصيدة الأخرى، ولو اعتمدنا أن نعرف أيهما أشعر في جملة مراثيه حتى نثبت قصائدهما بأسرها في هذا الباب لم يخلص لأبي تمام إلا قصيدتان، وهما: «كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر» وقوله: «ما زالت الأيام تخبر سائلا» ومقطوعتان تقومان مقام قصيدة وهما: «أصم بك الناعي وإن كان أسمعا» وقوله: «أي القلوب عليكم ليس ينصدع» فإنه برز في القصائد وأحسن وأجاد لفظاً ومعنى وسبكاً، حتى كأنها من بحر غير بحره، ومن معدن سوى معدنه، وكان يظهر تقصيره في باقي

стр. 1402

قصائده وهي أربع عشرة قصيدة، لأن الجيد فيها إنما هو لمع قليلة بين الرديء الساقط، ورداءته إما في معناه أو لفظه أو نسجه أو تأليفه، وقد تقدم ذكر جميعها في باب الابتداءات، فكان كثرة رديئه يشين قليل جيده ويزري به، وكان يظهر فضل البحتري في قصائده، وهي ثلاث عشرة قصيدة، لأن كلها جيدة، لا يكاد يختل من القصيدة شيء البتة إن شاء الله، إلا أن تكون القصيدة التي أولها: «لأية حال أعلن الزجد كاتمه» فإن فيها بيتاً أو بيتين، فكنا لو فعلنا ذلك نحكم بفضل جملة قصائد البحتري على جملة قصائد أبي تمام. ولو اطرحنا رديء أبي تمام كله من جميع قصائده وتلطنت جيده منها وأضفنا إلى القصائد الأربع اللواتي قدمت ذكرها، ووزاناً بالجميع قصائد البحتري حتى نكون قد وازناً جيداً بجيد، كما يختار أصحاب أبي تمام، لأنهم أبداً يقولون: فدعوا رديئه وخذوا جيده، كان في ذلك ظلم للبحتري قبيح، وتعد ظاهر معلوم، لأن المتخير المتنقى الذي قد نفي رديئه، وبقيت عيونه وفاخره لا يقاس جملة على جهته إن كان نقياً من الدرن، لأن النقاوة لها أبداً فضلها، ولكن الموازنة تكون بين جملة وجملة، واختيار واختيار، والمنصفون من أصحاب أبي تمام يمثلون القصيدة من شعر البحتري بعقد فيه خرز وأنواع جوهر سوى الدر، ويقولون: أي العقدين أثمن؟، فقيل لهم: بل قولوا: أي العقدين أحسن، وأيهما أولى بأن يكون على صدر الجارية الكعاب، هذا إن سلم لكم انفراد أبي تمام من شريف المعاني بما ليس للبحتري مثله، ولكن ليس بمنكر أن يكون

стр. 1403

لأبي تمام لطيفة ليس للبحتري مثلها من ذلك الجنس، كما أن للبحتري أيضاً معاني لطيفة ليس لأبي تمام مثلها من جنسها، وقد مر مثل هذا كثيراً فيما تقدم من أبواب هذه الموازنة، ومثل ذلك أيضاً موجود في أشعار القدماء، أن ترى الشاعر قد سخر له معنى أو معان لا يوجد مثلها من جنسها في شعر من هو أعلى طبقة منه، فلا يقدم عليه من أجلها، لأن التقدمة لا تكون بالمعاني وحدها، وإنما ينظر إلى بحر الشاعر وجنس شعره وبلاغته وقدرته وتمكن خاطره واستواء طريقته، فإن أحببت أن تمتحن ذلك فأثبت مراثي الطائيين كلها في الباب وتأمل الجميع، فإن الأمر يظهر لك ظهوراً بيناً واضحاً، ولا تكن مراعاتك مقصورة على تأمل المعاني دون سواها، فإن رداءة الكلام منظومه ومنثوره ليست من أجل رداءة المعنى فقط، بل يكون أيضاً من أجل رديء اللفظ، وقبيح النظم وسوء التأليف، وإن يقترن البيت بما لا يليق بموضعه، ألم تسمع بعض الشعراء وقد قال لابنه وكان أيضاً شاكراً: أنا أشعر منك؟، قال: بم ذاك؟، فقال أنا أقول البيت وأخاه وأنت تقول البيت وابن عمه. واعلم أن رديء اللفظ يكون على وجهين: إما أن تكون اللفظة من ألفاظ العوام سخيفة في نفسها، أو جيدة قد وضعت في غير موضعها فصارت رديئة في ذلك الموضع خاصة، فإن كانت لك بلاغة وبجوهر الكلام خبرة تعرف هذا إذا مر بك من النظم والنثر لا محالة، وإن كنت بمعزل عن ذلك فلست تقدر أبداً على

стр. 1404

تمييز ما بين الجيد والرديء، فاترك هذا الباب لأهله، ولا تداخلهم فيه. ولما كانت طريقة الشاعر وجنس شعره على ما وصفته لا تبين إلا لطائفة من الناس، وهم ذوو البلاغة، وأهل الأطباع النقية، والقرائح السليمة، وكان من سواهم يعلم ولا لهم جملته حتى تقع الموازنة فيه بين بيت وبيت، ومعنى ومعنى، وجب أن أعدل في المراثي أيضاً إلى انتزاع الأبيات المتفقة من المعاني من قصائدهما، وأنواعهما أنواعاً، وأوازن بين أبيات كل نوع على حسب ما فعلت في الأبواب السابقة المتقدمة م هذا الكتاب، حتى يظهر الفضل في المعاني خاصة، وبالله أستعين.

стр. 1405

* أنواع المعان ي عموم الفجيعة وجلالة الرزء. - البكاء على الفقيد. - زوال الصبر عن المفجوع. - ذم الدهر والأيام لاخترامها الفقيد. - تولي العيش وذهابه وتغير الأشياء لفقده. - تخطي المنايا إلى الأشرف فالأشرف والأفضل فالأفضل. - ذكر السؤدد والمجد والعلى وبكائهما على الميت وقبحهما بعده. - ذكر انقطاع الرجاء والأمل من الطالبين وقعودهم عن الطلب. - ذكر سقوط الحزن وخفة المصائب بعد الفقيد. - ذكر شماتة الأعداء والحساد وتهديد القاتلين. - ذكر صبر المقتول واختياره القتل على الفرار. - ذكر تحقير القاتل وتهوين أمره. - ذكر القبور والدعاء لها بالسقيا وتشييع الميت. - وذكر النعش والكفن. - الذكر الجميل وحسن الحديث بعد الفقيد. - ذكر تعديد مناقب الميت بعده. - ذكر من يخلف الميت ويسد مسده. - مرثية الصغار.
следующие страницы →