Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
* الموازنة بعد الابتداءات من الأبيات
اعلم أن تأبين الميت كمدح الحي، لا فرق بينهما إلا ما يفترق بذلك من ذكر التوجع وأنواعه، فلا يمكن الموازنة بين قصيدة وقصيدة، كما لم يمكن ذلك في قصائد المدح، لأن القصيدة الواحدة تتضمن من المعاني ما ليس في القصيدة الأخرى، ولو اعتمدنا أن نعرف أيهما أشعر في جملة مراثيه حتى نثبت قصائدهما بأسرها في هذا الباب لم يخلص لأبي تمام إلا قصيدتان، وهما:
«كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر»
وقوله:
«ما زالت الأيام تخبر سائلا»
ومقطوعتان تقومان مقام قصيدة وهما:
«أصم بك الناعي وإن كان أسمعا»
وقوله:
«أي القلوب عليكم ليس ينصدع»
فإنه برز في القصائد وأحسن وأجاد لفظاً ومعنى وسبكاً، حتى كأنها من بحر غير بحره، ومن معدن سوى معدنه، وكان يظهر تقصيره في باقي
стр. 1402
قصائده وهي أربع عشرة قصيدة، لأن الجيد فيها إنما هو لمع قليلة بين الرديء الساقط، ورداءته إما في معناه أو لفظه أو نسجه أو تأليفه، وقد تقدم ذكر جميعها في باب الابتداءات، فكان كثرة رديئه يشين قليل جيده ويزري به، وكان يظهر فضل البحتري في قصائده، وهي ثلاث عشرة قصيدة، لأن كلها جيدة، لا يكاد يختل من القصيدة شيء البتة إن شاء الله، إلا أن تكون القصيدة التي أولها:
«لأية حال أعلن الزجد كاتمه»
فإن فيها بيتاً أو بيتين، فكنا لو فعلنا ذلك نحكم بفضل جملة قصائد البحتري على جملة قصائد أبي تمام.
ولو اطرحنا رديء أبي تمام كله من جميع قصائده وتلطنت جيده منها وأضفنا إلى القصائد الأربع اللواتي قدمت ذكرها، ووزاناً بالجميع قصائد البحتري حتى نكون قد وازناً جيداً بجيد، كما يختار أصحاب أبي تمام، لأنهم أبداً يقولون: فدعوا رديئه وخذوا جيده، كان في ذلك ظلم للبحتري قبيح، وتعد ظاهر معلوم، لأن المتخير المتنقى الذي قد نفي رديئه، وبقيت عيونه وفاخره لا يقاس جملة على جهته إن كان نقياً من الدرن، لأن النقاوة لها أبداً فضلها، ولكن الموازنة تكون بين جملة وجملة، واختيار واختيار، والمنصفون من أصحاب أبي تمام يمثلون القصيدة من شعر البحتري بعقد فيه خرز وأنواع جوهر سوى الدر، ويقولون: أي العقدين أثمن؟، فقيل لهم: بل قولوا: أي العقدين أحسن، وأيهما أولى بأن يكون على صدر الجارية الكعاب، هذا إن سلم لكم انفراد أبي تمام من شريف المعاني بما ليس للبحتري مثله، ولكن ليس بمنكر أن يكون
стр. 1403
لأبي تمام لطيفة ليس للبحتري مثلها من ذلك الجنس، كما أن للبحتري أيضاً معاني لطيفة ليس لأبي تمام مثلها من جنسها، وقد مر مثل هذا كثيراً فيما تقدم من أبواب هذه الموازنة، ومثل ذلك أيضاً موجود في أشعار القدماء، أن ترى الشاعر قد سخر له معنى أو معان لا يوجد مثلها من جنسها في شعر من هو أعلى طبقة منه، فلا يقدم عليه من أجلها، لأن التقدمة لا تكون بالمعاني وحدها، وإنما ينظر إلى بحر الشاعر وجنس شعره وبلاغته وقدرته وتمكن خاطره واستواء طريقته، فإن أحببت أن تمتحن ذلك فأثبت مراثي الطائيين كلها في الباب وتأمل الجميع، فإن الأمر يظهر لك ظهوراً بيناً واضحاً، ولا تكن مراعاتك مقصورة على تأمل المعاني دون سواها، فإن رداءة الكلام منظومه ومنثوره ليست من أجل رداءة المعنى فقط، بل يكون أيضاً من أجل رديء اللفظ، وقبيح النظم وسوء التأليف، وإن يقترن البيت بما لا يليق بموضعه، ألم تسمع بعض الشعراء وقد قال لابنه وكان أيضاً شاكراً: أنا أشعر منك؟، قال: بم ذاك؟، فقال أنا أقول البيت وأخاه وأنت تقول البيت وابن عمه.
واعلم أن رديء اللفظ يكون على وجهين: إما أن تكون اللفظة من ألفاظ العوام سخيفة في نفسها، أو جيدة قد وضعت في غير موضعها فصارت رديئة في ذلك الموضع خاصة، فإن كانت لك بلاغة وبجوهر الكلام خبرة تعرف هذا إذا مر بك من النظم والنثر لا محالة، وإن كنت بمعزل عن ذلك فلست تقدر أبداً على
стр. 1404
تمييز ما بين الجيد والرديء، فاترك هذا الباب لأهله، ولا تداخلهم فيه.
ولما كانت طريقة الشاعر وجنس شعره على ما وصفته لا تبين إلا لطائفة من الناس، وهم ذوو البلاغة، وأهل الأطباع النقية، والقرائح السليمة، وكان من سواهم يعلم ولا لهم جملته حتى تقع الموازنة فيه بين بيت وبيت، ومعنى ومعنى، وجب أن أعدل في المراثي أيضاً إلى انتزاع الأبيات المتفقة من المعاني من قصائدهما، وأنواعهما أنواعاً، وأوازن بين أبيات كل نوع على حسب ما فعلت في الأبواب السابقة المتقدمة م هذا الكتاب، حتى يظهر الفضل في المعاني خاصة، وبالله أستعين.
стр. 1405
* أنواع المعان ي
عموم الفجيعة وجلالة الرزء.
- البكاء على الفقيد.
- زوال الصبر عن المفجوع.
- ذم الدهر والأيام لاخترامها الفقيد.
- تولي العيش وذهابه وتغير الأشياء لفقده.
- تخطي المنايا إلى الأشرف فالأشرف والأفضل فالأفضل.
- ذكر السؤدد والمجد والعلى وبكائهما على الميت وقبحهما بعده.
- ذكر انقطاع الرجاء والأمل من الطالبين وقعودهم عن الطلب.
- ذكر سقوط الحزن وخفة المصائب بعد الفقيد.
- ذكر شماتة الأعداء والحساد وتهديد القاتلين.
- ذكر صبر المقتول واختياره القتل على الفرار.
- ذكر تحقير القاتل وتهوين أمره.
- ذكر القبور والدعاء لها بالسقيا وتشييع الميت.
- وذكر النعش والكفن.
- الذكر الجميل وحسن الحديث بعد الفقيد.
- ذكر تعديد مناقب الميت بعده.
- ذكر من يخلف الميت ويسد مسده.
- مرثية الصغار.
стр. 1406
* ذكر عموم الفجيعة وجلالة الرزء
قال أبو تمام:
لئن ألبست في المصيبة طيء ... لما عريت منه تميم ولا بكر
كذلك لا ننفك نفقد هالكاً ... يشاركنا في فقده البدو والحضر
وهذان بيتان جيدان.
وقال:
لقد فجعت عتابه وزهيره ... وتغلبه أخرى الليالي ووائله
وكان لهم غيثاً وعلماً فمعدم ... فيسأله أو باحث فيسأله
стр. 1407
وهذا البيت الأول في غاية الجودة والبراعة، لأنه عم بالفجيعة عموماً حسناً، والبيت الثاني من أشعار المعلمين، وقد قرن الغيث بالعلم، وهما لا يتجانسان.
وقال البحتري:
ورزيئة حمل الخليفة شطرها ... والمسلمون وشطرها الإسلام
وهذا عموم حسن.
وقال:
أما وأبي كهلان يوم مصابه ... لقد ثقلت بالرزء منها الكواهل
رأوا شمسهم في يومهم وهي ظلمة ... وبدرهم في ليلهم وهو آفل
فشاموا سيوفاً ما لهن مضارب ... وألقوا رماحاً ما لهن عوامل
وهذا غاية في حسنه وصحته.
وقال أبو تمام:
كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر
وهذا معنى حسن جداً، ولكنه أخذه من قول مريم بنت طارق:
كنا كأنجم ليل بيننا قمر ... يجلو الدجى فهوى من بيننا القمر
стр. 1408
أو من قول جرير يرثي الوليد بن عبد الملك:
يا عين جودي بدمع هاجه الذكر ... فما لدمعك بعد اليوم مدخر
إن الخليفة قد وارى شمائله ... غبراء ملحودة في جولها زور
أمسى بنوه وقد جلت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر
«الجول، والجال»: جانب البئر.
وأحسن من هذا كله قول ديك الجن:
عداك أبا العباس ما منه عديت ... وأعقب تأليف القرابة تشتيت
فناؤك أبقانا بغير بقية ... كأنا جمعنا ثم قيل لنا موتوا
стр. 1409
* ذكر البكاء على الميت
قال أبو تمام:
فلم أر يوماً كان أشبه ساعة ... بيوم من اليوم الذي فيه ودعا
مصيف أفاض الحزن فيه جداولاً ... من الدمع حتى خلته صار مربعا
ووالله لا تقضي العيون الذي له ... عليها ولو صارت مع الدمع أدمعا
قوله: «.... كان أشبه ساعة بيوم» يريد: كانت ساعاته كأيام، يريد طول اليوم من شدة الوجع والحزن.
وقال:
اليوم أدرج زيد الخيل في كفن ... وانحل معقود دمع الأعين الهتن
هذا بيت رديء لقوله: «وانحل معقود ...»، فجعل الدمع معقوداً، والاستعارة غير منكرة إلا إذا وقعت في غير موضعها الذي يليق بها، ولو كان
стр. 1410
قال: «الأعين الجمد» كان أولى لو كانت القافية على الدال، لأن «الأعين الهتن» لا يكون دمعها الآن معقوداً، وذاك أجود.
ومثل هذا قوله:
«أذيلت مصونات الدموع السواكب»
ولو قال: «الجوامد» لكن أليق بالمعنى، ولكنه أراد التي هي الآن.
وقال البحتري في يوسف بن محمد بن يوسف:
أعاذلتي ما الدمع من فرط صبوة ... ولا من تنائي خلة فذريني
ولا تسألي عما بكيت فإنه ... على ماء عيني جاد ماء جفوني
стр. 1411
قوله: «على ماء عيني جاد ماء جفوني» من قولهم: لؤلؤة كثيرة الماء، أي: الصفاء والضياء والرونق، وكذلك «ثوب كثير الماء»، ولو عدل إلى اللفظة المستعملة، فقال: «نور عيني» لكان أوضح، وأظنه عدل عنها لأنها من كلام العوام، وأراد أن يجمع بين «ماء» و «ماء» في قوله: «ماء عيني وماء جفوني» على مذهب أبي تمام.
وقال حذواً على قول أبي تمام: «ولو صارت مع الدنيا أدمعا»:
ودمع متى أسكبه لا أخش لائماً ... ولو أنني مما تفيض هزائمه
قوله: «ولو أنني مما تفيض هزائمه» أي: لو أفاضتني، أي: أجرتني هزائمه معها، فقصر عن أبي تمام وأساء وقبح.
وقال:
ألام إذا ذكرتك واستهلت ... غروب العين تتبعها غروب
ولو أن الجبال فقدن إلفاً ... لأوشك جامد منها يذوب
وقال:
تولى سحاب الجود ترقا سجومه ... وجاء سحاب الدمع تدمى سواجمه
стр. 1412
وقال:
سلام الله والسقيا سجالاً ... على تلك الضرائح واللحود
رزايا من شيوخ الأزد ألقت ... علينا ظل موهنة هدود
نصك لها الجباه إذا احتشمنا ... حياء الناس من لطم الخدود
مباك نستزيد الدمع منها ... وما للدمع فيها من مزيد
وهذا كله جيد بالغ ولكن لا يفي بقول أبي تمام:
ووالله لا تقضي العيون له ... عليها ولو صارت مع الدمع أدمعا
стр. 1413
* ذكر ذم الدهر والأيام بعد الميت وذم الدنيا
قال أبو تمام:
لئن أبغض الدهر الخؤون لفقده ... لعهدي به ممن يحب له الدهر
وقال:
لئن غدرت في الروع أيامه به ... فما زالت الأيام شيمتها الغدر
وقال:
فول شاء هذا الدهر أقصر شره ... كما قصرت عنا لهاه ونائله
سنشكوه إعلاناً وسراً ونية ... شكية من لا يستطيع يقاتله
هذا كله من أشعار صبيان المكاتب وألفاظهم، وكيف جسر على شكية الدهر إعلاناً، فأما شكواه سراً فمن ذا الذي سكن إليه ووثق به حتى شكاه إليه، ولله در أبي عبادة إذ يقول:
стр. 1414
أجدك ما تنفك نشكو قضية ... ترد إلى حكم من الدهر جائر
ينال الفتى ما لم يؤمل وربما ... أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر
وقال أبو تمام:
إن ريب الزمان يحسن أن يهـ ... ـدي الرزايا إلى ذوي الأحساب
فلهذا يجف بعد اخضرار ... قبل روض الوهاد روض الروابي
وهذا أيضاً من ألفاظه الركيكة السوقية، وعاداته السخيفة العامية، لأن من ألفاظ العوام أبداً أن يقولوا: يا فلان أنت تحسن أن تأخذ، ولا تحسن أن تعطي، وتحسن أن تعق، ولا تحسن أن تبر، وربما جاء اللفظ في موضعه فلم يقبح، فجاء به أبو تمام في أقبح موضع، وما كانت به حاجة إلى «يحسن» ولو قال:
إن ريب الزمان يهدي المنايا ... والرزايا إلى ذوي الأحساب
فتكون المنايا مهداة إلى من أصيب، والرزايا إلى قومه، أو غير المنايا، فإن الألفاظ كثيرة، ولو قال: «إن ريب الزمان لن يني يهدي الرزايا» أو «إن ريب الزمان مجتهد يهدي الرزايا»، ولو قال: «فتراها تجف بعد اخضرار» لكان أحسن من قوله: «فلهذا»، لأنا قد منا نعلم ما يريد بالتمثيل من غير إشارة هجينة.
وقال البحتري:
ما كنت أحسب أن عزك يرتقي ... بالنائبات ولا حماك يرام
قدر عدت فيه الحوادث قدرها ... وتجاوزت أقدارها الأيام
стр. 1415
وقال:
عجبت لهذا الدهر أفنى محمداً ... وكان الذي يسطو به ويصاول
مضى فمضى مجد تليد وسؤدد ... وأودى فأودى منه بأس ونائل
وكان سراج الأرض والأرض مظلم ... قراها وحلي الدهر فالدهر عاطل
وهذا لعمري حسن.
ونحو هذا قول أبي تمام:
فتى سلبته الخيل وهو حمى لها ... وبزته نار الحرب وهو لها جمر
وإنما أخذ المعنى من قول مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة:
ألم تعجب له أن المنايا ... فتكن به وهن له جنود
стр. 1416
* ذكر تخطي المنايا عن الميت والعجر عن دفعها
قال أبو تمام:
ما زالت الأيام تخبر سائلاً ... أن سوف تفجع مسهلاً أو عاقلا
إن المنون إذا استمر مريرها ... كانت لها جنن الأنام مقاتلا
ما إن ترى شيئاً لشيء محيياً ... حتى تلاقيه لآخر قاتلا
من ذاك أجهد أن أراه فلا أرى ... حقاً سوى الدنيا تسمى باطلا
«فالمسهل»: الذي يأوي السهل، و «العاقل» الذي يأوي المعاقل، وهي الجبال.
وقوله: «من ذاك أجهد أن أراه» من سخيف ألفاظ العوام، وليس من ألفاظ الشعراء، وهو ها هنا يشبه قوله: «فلهذا يجف بعد اخضرار ...».
وقال:
وفاجع موت لا عدواً يخافه ... فيبقي ولا يلقى صديقاً يجامله
стр. 1417
وأي أخي عزاء أو جبرية ... ينابذه أو أي قرن يناضله
إذا ما جرى مجرى دم المرء حكمه ... وبثت على طرق النفوس حبائله
قوله: «وفاجع موت لا عدو يخافه» من كلام النوائح وتعديدهم وليس من كلام الشعراء، أفتراه لم يسمع قول يحيى بن زياد الحارثي:
دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا
ولله در الفرزذق إذ يقول في بشر بن مروان:
ولو أن قوماً قاتلوا الموت قبلنا ... بشيء لقاتلنا المنية عن بشر
وقال أبو الخطار الكلبي وأحسن كل الإحسان:
ولو كانت الموتى تباع اشتريته ... بكفي وما استثنيت منها أناملي
стр. 1418
وقال أبو تمام:
هدمت صروف الدهر أرفع حائط ... ضربت دعائمه على الإسلام
دخلت على ملك الملوك رواقه ... وتسربت لمقوم القوام
وهذان بيتان جيدان.
وقال البحتري لمحمد بن عبد الله بن طاهر يرثي أخاه وعمه:
أزال حجاب الملك عنه رزية ... تهجم أخياس الأسود الخوادر
مسلطة لم يتئر من وقوعها ... بساع ولم ينجد عليها بناصر
يؤسي الأداني عنه أن ليس عندهم ... نكير سوى سكب الدموع البوادر
وهذا جيد بالغ.
стр. 1419
* ذكر ثكل المعالي والمجد والجود والبأس وبكائها على الميت
قال أبو تمام:
يعزون عن ثاو تعزى به العلى ... ويبكي عليه البأس والجود والشعر
وهذه استعارة حسنة لائقة.
وقال:
فمن مبلغ عني ربيعة أنه ... تقشع طل الجود عنها ووابله
وأن الحجى منها استطارت صدوعه ... وأن الندى منها أصيبت مقاتله
وهذا أيضاً جيد بالغ.
وقال:
إذا فقد المفقود من آل مالك ... تقطع قلبي رحمة للمكارم
стр. 1420
وتقطع قلبه رحمة للمكارم ركاكة ما سبق إليها، وحماقة لا ينافس عليها، ولكن الجيد النادر قوله:
ألا إن في ظفر المنية مهجة ... تظل لها عين العلى وهي تدمع
هي النفس إن تبك المكارم فقدها ... فمن بين أحشاء المكارم تنزع
قوله: «فمن بين أحشاء المكارم تنزع» استعارة تفوق كل حسن وحلاوة.
وقال:
فمالنا اليوم وما للعلى ... من بعده غير الأسى والنحيب
ونحيب العلى غلو في الاستعارة، والجيد المستقيم في هذا قول البحتري:
فتى أقفرت منه المعالي ولم تكن ... لتقفر ممن بان إلا المنازل
وثاو بكته المكرمات وإنما ... تبكي على الثاوي النساء الثواكل
وقد غلا في الاستعارات غلواً قبيحاً، والرديء لا يؤتم به، ولا يحتذى عليه.
وقد يأتي غلو غير مستهجن لحسن تأليفه وحلاوة العبارة، وذلك نحو قول ابن مطير في معن بن زائدة:
стр. 1421
ولما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا
بكى الجود لما مات معن فلم يدع ... لعينيه لما أن بكى الجود مدمعا
وقال حبيب بن شوذب المدني:
أنت أنف الجود إن فارقته ... عطس الجود بأنف مصطلم
وقال الفرزذق -وليس من باب الغلو-:
فإلا تكن هند بكته فقد بكت ... عليه الثريا في كواكبها الزهر
وقال ميسرة أبو الدرداء في معاوية:
فهاتيك الكواكب وهي خرس ... ينحن على معاوية الشآمي
ونادى الفرقدان بنات نعش ... يبشرن الثريا بالإمام
نعته الريح للآفاق حتى ... بكته الأرض رافعة الخدام
وهذا كله جيد إلا قوله: «رافعة الخدام» فإنه من الغلو، وكل ما ذكرته العرب من بكاء الأشياء على الميت، فإنما ذلك يقوم مقام النفوس عند عظم المصاب وجليل الرزء، أن الأشياء قد حالت عن صورها وتغيرت عن حالاتها، ولذلك قال أوس بن حجر:
стр. 1422
ألم تكسف الشمس شمس النهار ... مع النجم للقمر الواجب
وقال النابغة:
بكى حارث الجولان من هلك ربه ... وحوران منه خاشع متضائل
وقال أبو قطيفة لما أخرج ابن الزبير بني أمية من الحجاز:
بكى أحد إذ فارق اليوم أهله
وقال جزء بن ضرار في عثمان بن عفان:
أبعد قتيل بالمدينة أصبحت ... له الأرض تهتز العضاه بأسؤق
стр. 1423
«العضاه» جمع عضة، وهي كل شجرة ذات شوك، و «أسؤق» جمع ساق.
ومثله قول أخت الوليد بن طريف:
أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تحزن على ابن طريف
ولهذا قال أبو تمام:
لبدلت الأشياء حتى لخلتها ... ستثني غروب الشمس من حيث تطلع
وقال البحتري:
حالت يد الأشياء عن حالاتها ... فالحزن حل والعزاء حرام
وقال أيضاً:
لعاد النهار الضوء جوناً كأنما ... تجلله من مصمت الليل فاحمه
مصاب كأن الجو يمنى بعظمه ... فما ينجلي في ناظر العين قاتمه
ونرجع الاستعارة، قال أبو تمام:
أإدريس ضاع المجد بعدك كله ... ورأي الذي يرجوه بعدك أضيع
стр. 1424
وأصبحت الأحزان لا لمبرة ... تسلم شزراً والمعالي تودع
وتسليم الأحزان شزراً من كلام الطومي.
وقال البحتري:
سكن العلى أودي فهن ثواكل ... وأبو العفاة ثوى فهم أيتام
«الأيتام» ها هنا أشبه من قول أبي تمام:
وتكفل الأيتام عن آبائهم ... حتى وددنا أننا أيتام
وإنما أخذ أبو تمام هذا من قول أبي دهبل:
ما زلت في العفو للذنوب وإطـ ... ـلاق لعان بجرمه غلق
حتى تمنى البراة أنهم ... عندك أمسوا في القد والحلق
стр. 1425
* ذكر الخيل والسلاح وقبحهما بعد الميت وبكائهما عليه
قال أبو تمام:
وقد كانت البيض المباتير في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر
يريد بقوله: «بتر» أي ليست لها أيد تصلها وتضرب بها
وقال:
لئن عم ثكلاً كل شيء مصابه ... لقد خص أطراف السيوف الصوارم
وقال:
للسيف بعدك حرقة وعويل ... وعليك للمجد التليد غليل
وحرقة السيف استعارة فيها استقصاء، ولو قال: بكى السيف، أو: ليبك السيف، لكانت استعارة مألوفة معتادة.
وقد قال ابن هرمة:
стр. 1426
تبكي السيوف إذا فقدن أكفنا ... جزعاً وتعلمنا الرفاق بحورا
فاستقصى بقوله: «جزعاً».
وقال كعب بن سعد الغنوي:
لتبك أرماح شهدن بك الوغى ... فأبن ولم تخضب لهن كعوب
وقال الخزيمي:
وإن مصاليت السيوف تضاءلت ... وسمر القنا أصبحت وهي خشع
وقال البحتري:
ستبكيه عين لا ترى الجود بعده ... إذا غاض منها هامل عاد هامل
وتعلم جرد الخيل أن ليس فارس ... سواه وسمر الخط أن ليس حامل
стр. 1427
جعل للخيل والرماح علماً، وقد تقدم الناس في مثل هذا، قال النابغة:
والخيل تعلم أنا في تجاولنا ... يوم الحفاظ أولو بأس وإنعام
وقال ابن هرمة:
وقد علم المعروف أنك خدنه ... ويعلم هذا الجوع أنك قاتله
وقال مسلم بن الوليد:
سخنت أعين الجياد عليه ... وكبا بعده القنا والصفيح
ويحها أدرت على من تنوح ... أقريح فؤادها أم صحيح
جبل أطبقوا عليه بجرجا ... ن ضريحاً ماذا أجن ضريح
وهذا أجود من كل ما مضى.
стр. 1428
* ذكر انقطاع الرجاء والأمل من الطالبين وتركهم للرحيل والطلب
قال أبو تمام:
توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر
ألا في سبيل الله من عطلت له ... فجاج سبيل الله وانثغر الثغر
أخذ هذا المعنى من قول مسلم بن الوليد:
نفضت بك الأيام أحلاس المنى ... واسترجعت نزاعها الأمصار
وقال البحتري في مثل ذلك:
خبر ثنى ركب الركاب فلم يدع ... للركب وجه ترحل فأقاموا
وقال أبو تمام:
أظلمت الآمال من بعده ... وعريت من كل حسن وطيب
стр. 1429
كانت خدود صقلت برهة ... فاليوم صارت مألفاً للشحوب
فيا ويحه! ضاقت المعاني والاستعارات الحسنة حتى جعل للآمال خدوداً وصقولة وشاحبة.
قال عبد الله بن أبي الشيص في هذا المعنى -وأظن أباه إنما كني لأنه كان شيص الشعراء في وقته، وكأن يقفو مذهب أبي تمام-:
قد هدمت قبة آمالي ... واجتث فرع الشرف العالي
لا رحلة بعد أبي جعفر ... أيقن بالراحة أجمالي
فذكر أن قبة آماله قد انهدمت، ولا ينكر لعبد الله مثل هذه الاستعارة، فليس أبو العذافر بأشعر منه إذ يقول:
باض الهوى في فؤادي ... وفرخ التذكار
ولا الذي يقول -وأنشده أبو العنبس-:
стр. 1430
ضرام الحب عشعش في فؤادي ... وحضن فوقه طير البعاد
وأنبذت الهوى في دن قلبي ... فعربدت الهموم على فؤادي
فيا ويح الطائي! أما كفاه من هذا المعنى ما حذاه على حذو مسلم حتى جاء بهذا التخليط؟!.
ولله در مسلم بن الوليد إذ قال في الفضل بن سهل ذي الرياستين:
ثوى وثوب عيس الفلاة مناخة ... بكل سبيل ما لهن سبيل
خليلي ما لي في سرخس تئية ... على جدث فيه السماح قتيل
وقال مروان بن أبي حفصة:
أقمنا بالمدينة بعد معن ... مقاماً ما نرد به زيالا
وقلنا أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النوال فلا نوال
стр. 1431
وهذا وإن كان غاية في مرثية الميت، فهو خطأ من جهة الشعر، لأن مروان دخل على المهدي في جملة الشعراء فقال له: ألست القائل في معن:
وقد ذهب النوال فلا نوالا؟
اذهب فلا شيء لك عندنا، وحجب مروان عنه برهة من الزمان حتى عمل هذه القصيدة:
طرقتك زائرة فحي خيالها
وتلطف في الوصول فأنشده فحظي منه بما لم يحظ به شاعر قط ولا من غيره.
وقد سبق النابغة إلى هذا المعنى فقال:
فإن يهلك النعمان تعر مطية ... وتخبأ في جوف العياب قطوعها
وقال البحتري في نحو هذا:
من يعتفي بهمته ومن ... يحدو إليه المعتم المعتام
وقال:
стр. 1432
أسفي عليك لآسف بين القنا ... أسوان تعذل خيله وتلام
ولمجتد رجعت يداه بلا جدًا ... أعيا عليه البذل والإنعام
وقال:
ستبكيه عين لاترى الجود بعده ... إذا فاض منها هامل عاد هامل
وهذا معنى كثيرًا ما تذكره العرب وتكرره في مراثيها، ومن ذلك قول أوس بن حجر:
ليبكك الشرب والمدامة والـ ... ـفتيان طرًا وطامع طمعا
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبًا جدعا
стр. 1433
* ذكر ذهاب الحزن على الهالك بعده
قال البحتري:
دع الموت يغتل من أراد فإنه ... ثوى اليوم من تخشى عليه الغوائل
ولم يبق مرهوب يخاف شذاته ... ولا مفضل ترجى لديه الفواضل
قوله: «دع الموت يغتل من أراد» من قول ليلى الأخيلية:
فآليت أبكي بعد توبة هالكًا ... وأحفل من غالت صروف المقادر
وأنشد الطائي في الحماسة:
فأقسمت لاآسى على إثر هالك ... قدي الآن من وجد على هالك قدي
стр. 1434
وقال العجير السلولي:
ألا ليمت من شاء بعدك إنما ... عليك من الأقدار كان حذاريا
وقال مطيع بن إياس في يحيى بن زياد:
أقول للموت حين بادهني ... والموت نزالة على البهم
لو قد تدبرت من فجعت به ... قرعت سنًا عليه من ندم
فاذهب بمن شئت إذ ذهبت به ... مابعد يحيى للرزء من ألم
وقال ابن المقفع:
стр. 1435
لئن كنت قد خلفتنا وتركتنا ... ذوي خلة ما في انسداد لها طمع
لقد جر نفعًا فقدنا لك أننا ... أمنَّا على كل الرزايا من الجزع
وقال مروان في معن:
لقد عزى ربيعة أن يومًا ... عليها مثل يومك لا يعود
وقال البحتري:
تنكر العيش حتى صار أكدره ... يأتي نظامًا ويأتي صفوه لمعا
وآنست من خطوب الدهر كثرتها ... فليس يرتاع من خطب إذا وقعا
стр. 1436
* ذكر الكفن والنعش وتشييعه وترك الميت في حفرته والإنصراف عنه
قال أبو تمام:
ثوى في الثرى من كان يحيى به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
قوله: «إلا اشتهت أنها قبر» من ألفاظه الموضوعة في غير مواضعها، وما زال الناس يستنكرونها، لأنه في موضع «ودت»، وأنت لاتقول: «أشتهي أني قدرت»،وإنما تقول: «أود أني قدرت»، ولله در مروان بن أبي حفصة إذ يقول في مرثية المهدي:
стр. 1437
لما استبان ببطن مكة هلكه ... حن التراب إليه من بطحائها
وفيها يقول:
لو خلدت بعد الإمام محمد ... نفس لما فرحت بطول بقائها
وقال التيمي في منصور بن زياد:
أما القبور فإنهن أوانس ... بجوار قبرك والديار قبور
وقال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
إني لأرباب القبور لغابط ... لسكنى سعيد وسط أهل المقابر
وقال أبو تمام:
راحت وفود الأرض عن قبره ... فارغة الأيدي ملاء القلوب
قد علمت ما رزئت إنما ... يعرف فقد الشمس بعد المغيب
стр. 1438
وهذا جيد حسن، ونحوه قول البحتري:
فاذهب كما ذهبت بساطع نورها ... شمس النهار وأعقب الإظلام
وقال أبو تمام:
غدوا في زوايا نعشه وكأنما ... قريش يوم مات مجمع
وما أنس سعي الجود خلف سريره ... بأكسف بال يستقيم ويظلع
وتكبيره خمسًا عليه معالنًا ... وإن كان تكبير المصلين أربع
وما كنت أدري يعلم الله قبلها ... بأن الندى في أهله يتشيع
قوله: «وكأنما قريش قريش يوم مات مجمع» من أحسن معنى وأجوده وأبرعه.
وأما سائر الأبيات فقد اختزل أبو تمام عن معانيها مساعدة، وحلف أيضاً بعلم الله أنه يصدق ولا يرد قوله، فليس محله محل من يخترع مثل هذا الحديث الطويل كله كذبًا إن شاء الله!!؟.
стр. 1439
وقال البحتري:
سلا حقبة عن صاحب الجيش إنه ... أقام بظهر الكرخ والجيش راحل
أعاقته عن ذاك العوائق أم عدت ... عليه العدى أم أعلقته الحبائل
وقال:
عجبت لأيد غيبته فلم تصر ... رمائم في حيث استقرت رمائمه
أما وأبي النعش الخفيف لقد حوت ... مآخيره ثقل العلى ومقادمه
وهذا كله جيد.
стр. 1440
* تعديد آياديه وذكر محاسنه
قال أبوتمام:
وما كان يدري مجتدى يسر كفه ... إذا ما استهلت أنه خلق العسر
وما كان إلا مال من قل ماله ... وذخرًا لمن أمسى وليس له ذخر
فتى كان عذب الروح لا من غضاضة ... ولكن كبرًا أن يقال به كبر
وحسبك بهذا حسنًا وحلاوة.
وقال ذو الرمة:
تعز ضعاف الناس عزة نفسه ... وتقطع أنف الكبرياء عن الكبر
وبيت أبي تمام أجود.
وقال أبو تمام:
فتى سيط حب المكرمات بلحمه ... وخامره حب السماح وباطله
следующие страницы →