← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهادٍ كجذع الساج سامٍ يقوده ... معرق أحناء الصبيين أشدق قيل: ذو الرمة إنما قال ذلك على التشبيه؛ لأن العود من الساج يشبه الجذع المنحوت في غلظه وهيئته، وعود الأراك من أبعد شيء من ذلك؛ لأنه لا يمتد ولا يستوى استواء الجذع ولا غيره من أجناس الشجر التي تمتد أبدانها علواً امتداداً مستوياً، وذلك لرقته وشدة التووائه وتشعبه. ٢ - وأنكر أبو العباس قول أبي تمام: رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد وقال: هذا هو الذي أضحك الناس منذ سمعوه وإلى هذا الوقت، ولم يزد على هذا شيئاً، والخطأ في هذا البيت ظاهر؛ لأنى ما علمت أحداً من شعراء الجاهلية والإسلام وصف الحلم بالقرة، وإنما يوصف الحلم بالعظم والرجحان والثقل والرزانة، ونحو ذلك، كما قال النابغة: وأعظم أحلاماً وأكبر سيداً ... وأفضل مشفوعاً إليه وشافعا وكما قال الأخطل: شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا

стр. 142

وكما قال أبو ذؤيب: وصبرٌ على حدث النائبات ... وحلمٌ رزينٌ وقلبٌ ذكي وكما قال عدي بن الرقاع في مثل ذلك: في شدة العقد والحلم الرزين وفي ال ... قول الثبيت إذا ما استنصت الكلم وقال أيضاً: أبت لكم مواطن طيباتٌ ... وأحلامٌ لكم تزن الجبالا وكما قال عدي أيضاً: الجامع الأصيل وسؤدداً ... غمراً يقاس به وحكمةً حازم وكما قال أيضاً: قرمٌ له مع دينه وتمامه ... حلمٌ إذا وزن الحلوم ثقيل وقال الفرزدق: أحلامنا تزن الجبال رزانةً ... وتخالنا جنا إذا ما نجهل وقال أيضاً: إنا لتوزن بالجبال حلومنا ... ويزيد جاهلنا على الجهال وكما قال الآخر: وعظيم الحلم لو وازنته ... بثبيرٍأو برضوى لرجح

стр. 143

ومثل هذا كثير في أشعارهم، ألا ترى أنهم إذا ذموا الحلم كيف يصفونه بالخفة؛ فيقولون: خفيف الحلم، وقد خف حلمه؟ وقال عياض بن كثير الضبي: تنابلةٍ سودٍ خفافٍ حلومهم ... ذوى نيرب في الحي يغدو ويطرق وقال عقبة بن هبيرة الأسدي: أبنى المغيرة قبل آل خويلدٍ ... يا للرجال لخفة الأحلام وقال قد بن مالك الأسدي: كأن جرادةً صفراء طارت ... بأحلام الغواضر أجمعينا جعلها صفراء لأنها ذكر، وهو أسرع من الأنثى وأخف. وقال ابن قيس الرقيات، ووجدتها في ديوانه، والصحيح أنها لأبي العباس الأعمى:

стр. 144

حلماء إذا الحلوم استخفت ... ووجوهٍ مثل الدنانير ملس وقال قيس بن عمير الكناني: كمثل الحصى بكر، ولكن خيانة ... وغدرٌ وأحلامٌ خفافٌ عوازب فهذه طريقة وصفهم الحلم، وإنما مدحوه بالثقل والرزانة، وذموه بالطيش والخفة. وأيضاً فإن البرد لا يوصف بالرقة، وإنما يوصف بالمتانة والصّفاقة، وأكثر مايكون ألواناً مختلفة، كما قال يزيد بن الطثرية: أشافتك أطلال الدّيار كأنما ... معارفها بالأبرقين برود والأبرق والبرقاء من الأرض: ما كان فيها حجارة ورمل؛ فقيل ((برقاء)) لاختلاف الألوان فيها، ومن ذلك الجبل الأبرق الذي فتل من قوى مختلفة الألوان؛ فلذلك شبه الشاعر معارف الديار بالبرود لاختلاف ألوان البرود. ولولا أنه قال ((رقيق حواشي الحلم)) ما ظننت أنه شبه بالبرد إلا لمتانته، وهذا عندما أفحش الخطأ، ثم قوله ((لو أن حلمه في بكفيك)) كلام في غاية القبح والسخافة، وأظن أبا العباس بن عمار إنما أنكر هذه اللفظة فقط. وإنى لأعجب من اتباع البحترى إياه في البرد - مع شدة تجنبه الأشياء المنكرة عليه - حيث يقول:

стр. 145

وليال كسين من رقة الصيف ... فخلين لأنهن برود وكيف لم يجد شياً يجعله في الرقة غير البرد؟ ولكن الجيد في وصف الحلم قوله متبعاً للمذهب الصحيح المعروف: خفت إلى السؤدد المجفو نهضته ... ولو يوازن رضوى حلمه رجحا وقوله: فلو وزنت أركان رضوى ويدبل وقيس بها في الحلم خف ثقيلها وأبو تمام لا يجهل هذا من أمر الحلم، ويعلم أن الشعراء إليه تقصد، وإياه تعتمد، ولعله قد أورد مثله، ولكنه يريد أن يبتدع فيقع في الخطأ. ٣ - وأنكر أبو العباس على أبى تمام قوله: من الهيف لو أن الخلاخل صورت ... لها وشحاً جالت عليها الخلاخل ولم يذكر موضع العيب فيه، ولا أراه علمه، وأنا أذكره وألخصه فأقول: إن هذا لذى وصفه أبو تمام ضد ما نطقت به العرب، وهو أقبح ما وصف به النساء؛ لأن من شأن الخلاخيل والبرين أن توصف بأنها تعض في الأعضاد والسواعد وتضيق في الأسواق، فإذا جعل خلاخيلها وشحاً تجول فقد أخطأ الوصف؛ لأنه لا يجوز أن يكون الخلخال

стр. 146

الذي من شأنه أن يعض بالساق - وشحاً حائلا على جسدها ح لأن الوشاح هو ما تقلده المرأة متشحة به، فتطرحه على عاتقها، فيستبطن الصدر والبطن، وينصب جانبه الآخر على الظهر حتى ينتهي إلى الحجز، ويلتقى طرفاه على الكشح الأيسر؛ فيكون مها في موضع حمائل السيف من الرجال، وإذا كانت هذه صورة الوشاح فغير جائز يوسف بالسعة والطول، ليدل على تمام المرأة وطولها، وكون ذلك لائقاً بتشبيه النساء في البيت الثاني بقنا الخط، وإنما يوصف الوشاح بالقلق والحركة ليستدل بذلك على دقة الخصر؛ لأنه يقلق هناك إذا كان الخصر دقيقاً، والبط اضمر، بل حركته تدل على ضمر البطن أكثر، وليس طوله في نفسه مما يدل على امتلاء ولا خمص، وإذا كان الخلخال - وهو الحلقة المستديرة المعروف قدرها - وشاحاً للمرأة فإن يأخذ أعلى جسده كله، وإذا كانت كذلك فقد مسخت إلى غاية القماءة والصغر، وصارت في هيئة الجعل؛ وقد تصف العرب الخصر بالدقة، ولكن تعطى كل جزء من الجسد قسطه من الوصف، كما قال امرؤ القيس: طوال المتون والعرانين كالقنا ... لطاف الخصور في تمامٍ وإكمال ألا تراه قال لطاف الخصور قال في تمام وإكمال ولو قال هذا الشاعر لو أن الخلاخيل صيرت لها حقباً لصح له المعنى كما قال منصور النمرى:

стр. 147

فلو قست يوماً حجلها بحقابها ... لكانا سواءً، لا، بل الحجل أوسع فجعل حجلها - وهو الخلخال - أوسع من حقابها، والحقاب: ما تديره المرأة على خصرها؛ فهو يختص بالخصر، وكذلك النطاق، والوشاح لا يختص بالخصر، وإنما يعلق حتى ينتهى إليه إذا كان الخصر دقيقا والبطن ضامراً، فاتبع أبو تمام منصوراً في المعنى فأخطأ. ومن عادة العرب أنها لا تكاد تذكر الهيف وطي الكشح ودقة الخصر إلا إذا ذكرت معه من الأعضاء ما يستحب فيه الامتلاء والرى، على ما عرفتك، كما قال ذو الرمة: عجزاء، ممكورةٌ، خمصانةٌ، قلق ... منها الوشاح وتم الجسم والقصب وكما قال أيضاً: وفي العاج منها والد ماليج والبري ... قنا مالئٌ للعين ريان عبهر أناةٌ تلوث المرط منها بدعصةٍ ... ركامٍ، وتجتاب الوشاح فيقلق وكما قال: ترى خلفها نصفاً قناةً قويمةً ... ونصفاً نقاً يرتج أو يتمرمر

стр. 148

وكما قال الشنفري: فدقت، وجلت، واسبكرت، وأكملت ... فلوجن إنسانٌ من الحسن جنت أي: دق منها ما ينبغي أن يدق، وجل منها ما ينبغي أن يجل؛ فهذا هو تمام الوصف. وقال تميم بن أبي مقبل: هيف المردى رداحٌ في تأودها ... مخطوفةٌ منتهى الحشاء عطبول فقال " هيف المردى " ثم قال " رداح " والرداح: العظيمة العجز، وهذا مقول ذي الرمة " خلفها نصفا قناة قويمة " وقوله " عطبول " قويمة العنق. وقال تميم أيضاً: من الهيف مبدانٌ ترى نطقاتها ... بمهلكةٍ أخراصهن تذبذب فجعلها هيفاء، وهي الخميصة البطن، ثم قال مبدان؛ فصار البدن لا يمنع من الهيف، ولا يضاده. وقال تميم أيضاً:

стр. 149

وقد دق منها الخصر حتى وشاحها ... يجول، وقد عم الخلاخيل والقلبا وقال علي بن أبي هلقمة الجرمي: ترى حجلها ملآن ليس بزائدٍ ... يجول، ولم تملأ وشاحاً ولا عقدا فإن ذلك من شأن الوشاح؛ لأن من سبيله أن يكون جائلا إذا انتهى إلى خصرها لدقته، ومن شأن العقد أن يجول أيضاً على عنقها وترائقها؛ لقلة اللحم هناك، وذاك هو المحمود من الوصف، وقال امرؤ القيس: على هضيم الكشح ريا المخلخل وقال طرفة بن العبد: وملأى السوار مع الدملجين ... وأما الوشاح عليها فجالا وقال علقمة بن عبدة: صفر الوشاحين، ملأى المرط، خرعبةٌ، ... كأنها رشأٌ في البيت ملزوم وقال المرار:

стр. 150

بيض العوارض بدنٌ أبدانها ... رجح الروادف ضمر الخصار وقال كثير: كسون الريط ذا الهدب اليماني ... خصوراً فوق أعجازٍ ثقال وقال كثير أيضاً: يجول الوشاح بأقرابها ... وتأبى خلاخلها أن تجولا وقال آخر: عقيليةٌ، أما ملاث إزارها ... فدعصٌ، وأما خصرها فبتيل يريد كأنه لدقته مقطوعٌ مما يليه. وهذا كله ضد ما قاله أبو تمام. فإن حمل بعض من يريد إقامة العذر له نفسه على أن يقول: إنما ذهب في قوله " جالت عليها الخلاخل " إلى قولهم: فلان يدخل في الخاتم لظرفه ولين أخلاقه، لا لضيق مفاصله! قيل: هذا من كلام العامة، وقول أب يتمام: " من الهيف " يمنع هذا التأول ويحجز عنه؛ لأن الهيف الخميصات البطون، الواحدة هيفاء، وإلى هذا ذهب، لا إلى وصف الأخلاق ورقة الطباع.

стр. 151

فإن قال قائل: إنما قال " لو أن الخلاخيل صيرت لها وشحاً " أي لو ساغ ذلك وجاز، كما يقال: لو دخل أحد في سم الخياط لرقته وحسن أخلاقه لدخل زيد، وكما قال الشاعر: لو طار ذو حافرٍ سرعةٍ طارا وكما قال الآخر: لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ ... قومٌ لسؤددهم أو مجدهم قعدوا قيل: هذا مذهبٌ حسن معروف من مذاهبهم، ولكن ليس بينه وبين قول أبي تمام شبه، وإنما كان يشبهه لو قال: " لو أن الخلاخيل تكون مكان الوشاح لجال عليها " ولو قال هذا أيضاً لكان يعد مخطئا؛ لأنه سواء عليه قال هذا أو قال قصر ظهرها أو بعض خلقها أو ضم بعض أعضائها إلى بعض، حتى لو يكون خلخالها مكان وشاحها لجال عليها، ومثل هذا لا يقوله أحد إلا الكشحى وأبو العير، ولفظ بيته أقبح من هذا، وأشنع؛ لأنه إنما أخرجه مخرج الحقيقة، أو ما يقارب الحقيقة، نحو قول القائل: لو تغطت هندٌ بشعرها لغطاها، ولو سترت وجهها بذراعها لسترته، ولو مسستها لثاخت الإصبع فيها، أو لأدمتها، وهذا ضرب من المبالغة، وهو إلى الحقيقة أقرب، وليس من الأبيات المذكورة في شيء ولا على سياقة ذلك

стр. 152

اللفظ، والإحالة فيما مخرجه الحقيقة أقبح من الإحالة فيما مخرجه مخرج التوسع؛ والمبالغة. وبعد فإن أبا تمام إنما قال: من الهيف، والهيفاء هي الضامرة البطن، وقد تكون ضامرة مطوية وخصرها غير دقيق؛ لأنها قد تكون من ضمرها عريضة الحقوين، فيضطرب الوشاح هناك، لأنه إنما يجري من أحد جانبيها على حقو واحد. واضطراب الوشاح لا يدل على دقة الخصر خاصة؛ لأنه قد يضطرب والخصر غير دقيق، وصمته ولزومه لا يوجب عرض الخصر لا محالة، لأنه غير مطيف به، وإنما يقع طرفه على أحد جانبيه، فما وجه جعل الخلخال في موضع الوشاح؟ فإن قيل: لم يذهب إلى دقة الخصر، وإنما ذهب إلى وصف البطن بالضمر، لأنه قال: من الهيف والهيف، الضوار البطون. قيل: فهذا موضع غلطه وإحالته، لأن ضيق الخلخال والوشاح لا يوجب ضمر البطن، ولا يدل على ذلك أيضاً طوله ولا قصره: وإنما يدل على الضمر حركته لا غير، وطوله إنما يدل على طول الطهر. وقصره على قصره، والخلخال بمعزل عن ذلك كله. وإنما سمع أبو تمام قول علي بن جبلة: فلو قست يوما حجلها بحقابها ... لكانا سواء، لا بل الحجل أوسع فاتبعه فأخطأ وأحال؛ لأن العقاب لا يخص غير الخصر، فأراد ابن جبلة أن يدل على دقة الصر فقال: لو قيس خلخالها بحقابها لكانا سواء وكان الخلخال أوسع؛ لأن الخلخال مستدير كاستدارة العقاب، ودقة الخصر تقتضي ضيق العقاب. كما أن تمام الظهر وطل القناة يقتضي

стр. 153

طول الوشاح وطول حمائل السيف؛ لأنهما يخصان القمامة، ألا ترى إلى قول أبي نواس: أشم طوال الساعدين كأنما ... يناط نجاد سيفه بلواه وكما قال البحتري: ينوس إذا تمطى في النجاد وكان ينبغي لأبي تمام لما وصف النساء في البيت التالي بالطول والتمام فقال: قنا الخط إلا أن تلك ذوابلٌ أن يصف الوشح بالطول والتمام؛ لأن الوشاح من المرأة في موضع خمائل السيف، فكيف يجعلها مثل الخلاخل ويجعل الخلاخل مثلها؟. وقد يبالغ الشاعر في أشياء حتى يخرج منها إلى المحال، ويخرج بعضها مخرج النادر، فيستحسن ولا يستقبح، نحو قول الشاعر: من رأى مثل حبنى ... تشبه البدر إذ بدا يدخل اليوم خصرها ... ثم أردافها غدا ومثل هذا كثير، وقد بالغ النابغة في وصف عنق المرأة بالطول، فقال:

стр. 154

إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق فجعل القرط يخاف أن يسقط من هناك فيلك، وإنما أخرج هذا كالمثل: أي لو كان مما يقع منه الخوف لخاف، وقال ذو الرمة: والقرط في حرة الذفرى معلقه ... تباعد الحبل منه فهو يضطرب فدل بقوله: " تباعد الحبل منه " على طول عنق المرأة؛ فهذه المبالغة لائقة مستحسنة؛ لأنه دل على الوصف بالشيء الذي يخص الموصوف، لا بالشيء الذي يخص غيره، ولو كان أبو تمام قال: " لو أن الخلاخيل صيرت لها نطقاً " لكان أتى بالصواب؛ لأن النطاق هو كل ما يدار على الخصر مثل المنطقة من سير كان أو ثوب أو غيرهما، أو لو قال " حقباً " لأن الحقاب والنطاق بمنزلة واحدة، وأظنه أراد أن يقول هذا فغلط فجعل مكانه الوشاح. وقد بالغ أبو العتاهية في وصف الخصور بالدقة، فقال: ومخصراتٍ زرننا ... بعد الهدو من الخدور نفجٌ روادفهن يل ... بسن الخواتم في الخصور لم يرد أن خواتمهن في خصورهن؛ لأن هذا محال، وإنما ذهب إلى مثل قولهم: " جفنة يقعد فيها خمسة " أي: لو قعدوا فيها لو سعتهم.

стр. 155

وقال الآخر: لها حافرٌ مثل قعب الولي ... د يتخذ الفأر فيه مغارا أي: لو اتخذ فيه مغاراً لوسعه، فكذلك قوله: " يلبسن الخواتم في الخصور " أي: تصلح خصورهن أن تدخل في خواتمهن لدقتها، وكل ما دنا منم المعاني من الحقائق كان ألوط بالنفس، وأحلى في السمع وأولى بالاستجادة. فهذا ما أنكره أبو العباس مما أبو تمام فيه غالطٌ، وهو ثلاثة أبيات. ٤ - ومما أخطأ فيه الطائي البيت الذي بعد قوله: من الهيف لو أن الخلاخل صيرت ... لها وشحاً جالت عليها الخلاخل وهو قوله: مها الوحش إلا أن هاتا أوانسٌ ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل وإنما قيل للقنا " ذوابل " للينها وتثنيها، فنفى ذلك عن قدود النساء

стр. 156

التي من أكمل صفاتها التثنى واللين والانعطاف، كما قال تميم بن أبي بن مقبل: يهززن للمشي أوصالاً ... هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا أو كاهتزاز ردينى تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا فشبه تميمٌ قدودهن بالردينى للينه وتثنيه لا غير، هذا أجود من كل ما قاله الناس في مشي النساء وحسن قدودهن، وقوله " مها الوحش " أراد كمها الوحش إلا أن هاتا أوانس؛ فوضع المشبه به في مكان المشبه، وهذا في كلامهم شائع مستفيض. ٥ - ومما أخطأ فيه الطائي أقبح خطأ قوله: قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا لأن الصبا هي القبول، وليس بين أهل اللغة وغيرهم في ذلك خلافٌ. فإن قيل: إنما سميت الصبا قبولا؛ لأنها تقابل الدبور؛ فلعله استعار هذا الاسم للدبور، فقال " بين الصبا وقبولها " يريد الدبور لأنها تقابل

стр. 157

الصبا فكأنه أراد بين الصبا ومقابلتها أي الريح المقابلة لها. قيل: هذا غلط من وجوه: منها: أنه قد ذكر الدبور في البيت مرة؛ فلا يجوز أن يأتى بها مرة ثانية. ومنها: أنه ما سمع من العرب " زيدٌ قبولك " أي: مقابلك، ولا " دار زيد قبول دار عمرو " بمعنى مقابلتها؛ فإنما خصت الصبا وحدها بهذا الاسم؛ لأنها تأتي من الموضع الذي يقبل منه النهار، وهو مطلع الشمس، وقيل لها " دبور " لأنها ضدها، أخذه من أقبل وأدبر، ولو جاز هذا في كلامهم وساغ في لغتهم أو كان مثله مسموعا منهم لساغ أن تسمى الشمال أيضاً قبولا؛ لأنها تقابل الجنوب، وأن تسمى الجنوب قبولا؛ لأنها تقابل الشمال. وما أظن أحداً يدعى هذا، ولا يستجيز أن يعارض بمثل هذه المعارضة، ولا أن يحد لغةً غير معروفة، وينسب إلى العرب ما لم تعلمه ولم تنطق به. ومنها - وهي أولاها في فساد هذا التأويل -: أنه قال: " بين الصبا وقبولها ودبورها أثلاثا " وقوله " أثلاثا " يدلك أنه أراد ثلاث رياحٍ، وأنه توهم أ، القبول ريحٌ غير الصبا، وهذا واضح.

стр. 158

والجيد قول البحتري: متروكةٌ للريح بين شمالها ... وجنوبها ودبورها وقبولها فجاء بالرياح الأربع. وقال البحتري أيضاً: شنئت الصبا إذ قيل وجهن قصدها ... وعاديت من بين الرياح قبولها فقوله " وجهن " يعني الحمول، والهاء في " قبولها " راجعةٌ إلى الرياح. وهذا مما يوهمك أنه أراد ريحين، وإنما أراد

стр. 159

ريحاً بعينها، وسماها باسميها، فقال: شنئت الصبا، وعاديت القبول: أي أبغضت هذين الاسمين؛ لأن حمول الظاعنين توجهت نحوها، ولم يقل إن الحمول توجهن إلى وجهتين مختلفين. وحكى ابن الأعرابي - أو حكى عنه - أنه قال: القبول كل ريحٍ طيبة المس لينة، لا أذى فيها، سميت قبولا لأن النفس تقبلها، وأظن الأخطل - إن كانت الرواية صحيحة - لهذا قال: فإن تبخل سدوس بدرهميها ... فإن الريح طيبةٌ قبول أي: طيبة لا تمنعنا الانصراف والسير، وهذه لبست من الريح التي ذكرها أبو تمام في شيء؛ لأن هذه على هذا الوصف: قد تكون الشمال، وتكون الجنوب، وتكون الصبا، وذلك إنما أراد ريحاً بعينها؛ لأنه قال: " بين الصبا وقبولها " فجعلها مضافة إليها، كما لو قال " بين الشمال وجنوبها " لأنهما ريحان معروفتان، وهما أختان مختلفتان تعتقبان، وكذلك لو قال " بين الصبا ودبورها " وكذلك لو قال " بين القبول ودبورها " أو " بين القبول وشمالها " فإذا ذكرت القبول مع هذه الرياح المعروفة كانت هي الصبا، وليس هذا موضع القبول التي هي الريح اللينة المس الطيبة على ما ذكر؛ لأنه وصف مجهول، ويجوز أن يكون لكل ريح ولا يقع في هذا الموضع؛ لأنك إذا عنيتها بقولك " قد هبت الصبا وقبولها " لم يدر أي ريح هي؛ فما معنى إضافتها إلى الريح المعروفة التي هي إذا لان مسها جاز أن تسمى بذلك الاسم؟ خذا خلفٌ من القول إذا قيل. وأيضاً إن أبا تمام إنما أراد أن هذه الرياح عفت هذه الديار، وذهبت بها؛ فما وجه ذكره لريح طيبة لينة المس مع الدبور؟ هذا محال أن يكون أراده، كيف والديار يدعى لها بهبوب الرياح اللينة الضعيفة لئلا تعفوها؟ ألا ترى قول أبي تمام: أرسى بناديك الندى وتنفست ... نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا

стр. 160

وقال البحتري: وإذا هبت الرياح نسيماً ... فعلى ربع دارها والجناب فشرط أن تكون الرياح نسيما، وقال: راحت لأربعك الرياح مريضةً ... وأصاب مغناك الغمام الصيب فشرط أن تكون الرياح مريضةً؛ لئلا تعفوها وتمحوها. فإن قيل: فلعله أراد " بين الصبا وقبولها " أي: بين الصبا سهلها ولينها، ولا يكون يريد بالقبول اسمها المعروف، وإنما يريد الاسم الذي يقع للريح اللينة المس، فكأنه قال " بين القبول وقبولها " كما يقال: " جاءنا عباسٌ وعباسه " أي: ووجهه العباس، و " أتانا الضحاك وضحاكه " أي: ووجهه الضحاك؛ لأن التعبيس والضحك في الوجه، و " فتنتنا حوراء بحوارئها " أي: بعينها الحوراء. قيل: هذا كله لفظ سائغ مستقيم، غير أنا ما سمعنا مثل هذا في الريح، ولا علمناه في اللغة، ولا وجدنا في الشعراء أحداً قال: " الصبا وقبولها "، ولا " الجنوب وقبولها " ولا " الشمال وقبولها " أي: سهلها ولينها، ولو أراد الطائي ذلك كان أيضاً مخطئاً؛ لأن الريح لينها وشديدها ريحٌ واحدة، وقد قال أبو تمام " أثلاثا " فدل على أنه أراد ثلاث رياح، وإن

стр. 161

كان أراد ريحاً أخرى غير الصبا فقد قدمت القول في أن ذلك غير سائغ ولا مستقيم، وقد استقصى أصحاب الأنواء في كتبهم ذكر الرياح وأصوافها ونعوتها، واستشهدوا بأكثر ما سمعوه من أشعار العرب فيها، وبالغ أبو حنيفة الدينورى في ذلك؛ فما منهم أحد ذكر أن القبول غير الصبا، وإنما قال ابن الأعرابي في نوادره: إن العرب تسمى كل ريح طيبةٍ لينة المس قبولاً، قال الأخطل: فإن تبخل سدوس بدرهميها ... فإن الريح طيبةٌ قبول فإنما أراد الصبا؛ لأنها ريحٌ محبوبة تنسب إلى الطيب، وهي دائمة الهبوب لينة المس معتدلة في أكثر أوقاتها: أي فإن منعت سدوس نائلها فإن الريح طيبة قبول، أي: هي صباً ما تمنعنا من الانصراف والرحيل؛ فإن كان ما ذكره ابن الأعرابي صحيحاً - وهو الصحيح إن شاؤ الله - فإنهم إنما قالوا لكل ريح طيبة لينة قبول تشبيها لها بالصبا، كأنهم إن هبت شمالٌ لينة، قالوا: هذه الصبا، أو هذه القبول، أي: كالصبا أو كالقبول، فأسقطوا حرف التشبيه، وجعلوا المشبه في مكان المشبه به، كما تقول إذا شممت أترجةً طيبة العرف: هذه المسك، أو كالمسك، وإذا رأيت وجهاً حميلا قلت: هذا هو البدر، وإن شئت كان المعنى: هذه المسك حقا، وهذا هو البدر يقينا، ولوهبت شمال شديدة مزعجة حتى تقول: هذه هي الدبور بعينها - لكان هذا من أسوغ

стр. 162

كلام وأصحه، فإن كانت العرب سمت الشمال والجنوب - إذا هبتا هبوباً سهلا ليناً - قبولا فإنما شبهوها بالصبا وأعاروها اسمها. وإنما قيل لها قبول لأنها تأتي من مطلع الشمس، وهو الموضع الذي يقبل منه النهار، وقيل للدبور دبوراً لأنها تهب من حيث يدبر، وقد قيل غير ذلك، وهذا هو الصحيح. وحكى بعضهم عن النضر بن شميل أنه قال: القبول ريحٌ تلى الصبا ما بينها وبين الجنوب، وهذا غير معروف ولا معول عليه، وقد ذكر بعضهم أن قوما شموا الشمال قبولاً، قال: وليس ذلك بثبت، ولا معول عليه إلا أن يكون قاله على هذا الوجه الذي ذكرته على التشبيه. والله أعلم. وبيت أبي تمام لا يحتمل أن يتأول فيه هذه الريح؛ لأنه أراد محو الديار، ولا تذكر في محو الديار القبول الخفيفة الهبوب الطيبة المس مع الدبور التي لا تكاد تهب، فإن هبت لم تأت إلا شديدة مزعجة. ولو قال آخر ممن لا تمييز معه: أراد بين الصبا وقبولها، أي: الريح التي قبلتها، كأنها قابلتها فقبلتها فهي قبولها، يعني ريحاً من الرياح، كما يقال: فاخرته ففخرته، وخاصمته فخصمته.

стр. 163

قيل: هذا خطأ من وجوه: منها أن الريح التي تقابل الصبا مقابلة صحيحة هي الدبور، وقد ذكرت في البيت الأول؛ فلا يجوز أن يرددها؛ ومنها: أنك لا تقول قابلت زيداً فقبلته، مثل فاخرته ففخرته؛ لأنك إذا قابلته فقد صرت قابلته وصار قبالتك؛ فليس أحدكما في هذا بأفضل من آخر، وذلك مثل قولك: واجهته، وآزيته، وساويته، وحاذيته؛ لأنك في هذه الأفعال مثله وهو مثلك؛ فلا يجوز أن تقول فيه: فعلته: أي غلبته؛ ومنها: أنك إذا قلت " زيد ضاربٌ عمراً، وضروب عمرو، وقاتلٌ بكراً، وقتول بكرٍ " لم تدل على أنه كانت هناك مضاربة بينهما ومقاتلة؛ لأنه يجوز أن يكون الضرب وقع من أحدهما ولم يقع من الآخر. ولذلك أصل؛ فلذلك لا يدل قوله " قبولها " على أنه كانت هناك مقابلة، كما لا يدل قولك " زيد ضارب عمرو " على أنه كانت مضاربة بينهما حتى غلب زيد عمراً بالضرب، وإذا لم يكن على الشيء دليل لم تقم به حجة.

стр. 164

٦ - ومن خطائه قوله: وصنيعةٍ لك ثيبٍ أهديتها ... وهي الكعاب لعائذ بك مصرم حلت محل البكر من معطى، وقد ... زفت من المعطى زفاف الأيم غلطه وقع في البتين جميعاًن وقالوا: أراد بقوله " وصنيعة لك " أي: للممدوح " ثيب " أي: قد افترعت " أهديتها وهي الكعاب لعائذ بك مصرم " أي: قليل المال، وجاء بالكعاب على أنها تقوم مقام البكر ليجعلها في البيت ضد الثيب فتصبح له القسمة: أي هذه الصنيعة ثيبٌ عندك: أي قد اصطنعت مثلها مراراً، وهي الكعاب - يريد البكر - عند هذا العائذ بك؛ لأنها أول ما اصطنعته إليه أو لأنها أكبر صنيعة صنعتها عنده. قالوا: والكعاب هي التي كعب ثديها، وقد تكون بكراً، وتكون ثيباً، فليست ضد اً للثيب في البيت، ولا تصح بها قسمته؛ لأن اسم الكعاب لا يزول عنها إذا افترعت حتى ينهد ثديها ويرتفع. قالوا: واعتمد أن يشرح هذا المعنى في البيت الثاني فقال: حلت محل البكر من معطى،

стр. 165

وذلك معنى قوله: " وهي الكعاب لعائذ بك " ثم قال: " زفت من المعطى زفاف الأيم "، وهو يريد معنى قوله: " وصنيعة لك ثيب " على أن الأيم هي الثب. وقالوا: هذا خطأح لأن الأيم هي التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيبا، قال الله : " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم " أفتراه قال أنكحوا الثيبات من النساء دون الأبكار؟ إنما أراد تبارك اسمه أنكحوا النساء اللواتي لا أزواج لهن؛ فالثيب والبكر والصغيرة والكبيرة ممن لا زوج لها تدخل في الآية، قال الشماخ: يقر بعيني أن أحدث أنها ... وإن لم أنلها أيمٌ لم تزوج وهذا هو المعروف في كلامهم. وهذا الذي ذكروه من غلطه في الأيم هو كما ذكروه، فأما ما ادعوه في البيت الأول من الغلط في الكعاب بأن أقامها مقام البكر فليس ذلك بغلط، والمعنى صحيح، وقد جاء مثله في أشعار العرب، قال قدامة بن ضرار الحنفى: غداة خطبنا البيض بالبيض عنوةً ... وأبن إلينا ثيباتٍ وكعبا أراد بالكعب الأبكار،

стр. 166

وقال جرير يهجو امرأة: وقد حملت ثمانية وتمت ... لتاسعة وتحسبها كعابا فأقام الكعاب مقام البكر، وجعلها ضد الثيب، ومثله في كلامهم كثير موجود، فعلوا ذلك - وإن كان الكاعب قد تكون بكراً وتكون ثيباً - لأن أول أحوال الكواعب أن يكن قد ناهزن حد البلوغ، وبدت ثديهن بالتكعيب؛ فهن في هذه الحال أكثر ما يكن أبكاراً وغير ذات أزواج، قال عمرو ابن معد يكرب: تركوا السوام لنا وكل خريدةٍ ... بيضاء خرعبة وأخرى ثيب فأقام الخريدة مقام البكر، وجعلها ضد الثيب في البيت، والخريدة الدرة، والخريدة هي الحيية حكى اللحيانى قال: سمعنا أعرابياً من كلب يقول الخريدة الدرة التي لم تثقب وهي من النساء البكر، والخرعبة: اللينة المفاصب الطويلة، هذه قد تكون بكرا، وقد تكون ثيباً، إلا أنه جعلها بكراً؛ لأن الحياء أكثر ما يكون في الأبكار. فقد صح معنى بيت أبي تمام الأول ف يالكعاب، وبقى الغلط قائماً في الأيم، وجعلها في البيت الثاني ضد البكر.

стр. 167

فإن قيل: فلم لا يكون لأبي تمام إقامة الأيم في البيت الأول مقام الثيب؛ إذ كانت الأيم قد تكون ثيبا، كما أقمت الكعاب في البيت الثاني مقام البكر؛ إذ كانت الكعاب قد تكون بكراً، وتتجاوز له في هذا كما تجاوزت لبه في تلك؟ قيل: لفظة كعاب تدل بصيغتها على صغر السن كما عرفتك؛ فهي في الأكثر تكون بكراً غير مفترعة؛ فلذلك استحسنوا أن أقاموا الكعاب مقام البكر، ولفظة أيم لا تدل على حد في السن: من صغر، ولا كبر، ولا على بكورة، ولا افترع؛ فلا تجوز إقامتها مقام الثيب بحال، وقد غلط في الأيم بعض كبار الفهاء فجعلها مكان الثيب، وذلك لحديثٍ روى عن النبي ﷺ فإنه لحقه السهو في تأويله فحمله على غير معناه؛ فلعل أبا تمام من هذا الوجه قد لحقه الغلط. وقد ذكر أبو تمام معنى هذين البيتين في موضع آخر، فقال - وقد ذكر صنيعةً أيضاً -:

стр. 168

وليست بالعوان العنس عندي ... ولا هي منك بالبكر الكعاب والعوان: هي التي بين المسنة والصغيرة السن، وهي التي قد عرفت الأمور، وجرت عليها التجربة؛ فلذلك قيل: العوان لا تعلم الخمرة، ومنه قيل: حربٌ عوا، وهي التي قوتل فيها مرةً بعد مرةٍ، وإنما استعير لها اسم المرأة في هذه الحال، كما قال الشاعر: الحرب أول ما تكون فتيةٌ فاستعار لها أول ما تبدأ وتنشأ اسم الفتاة، وأراد أبو تمام أن هذه الصنيعة ليست بالعوان عندي: أي ليست صنيعةً قد تقدمتها لك لدى صنائع تشبهها لبعظمها وجلالها، ولا هي بالبكر منك: أي ليست مع ذلك بكر صنائعك، بل قد أسديت كثيراً مثلها إلى غيري، وهذا هو المعنى الذي قصده في البيتين المتقدمين، إلا أنه جعل " العنس " هنا في موضع العانس كأنه أراد أن يقول: وليست بالعوان العانس عندي فغلط فقال العنس ولاعانس: هي التي حبسها أهلها عن التزويج حتى جاوزت حد الفتاة، والعنس: اسم من اسماء الناقة، وهي التي قد انتهت في شدتها وقوتها، فأين وصف الناقة من وصف المرأة؟

стр. 169

فإن قيل: إن أبا تمام لم يرد غير العنس، ولم يرد العانس؛ لأنه لو أراد العانس لكان مخطئاً من وجهٍ غير الذي ذكرته، وهو أن العوان - فيما ذكر بعض أهل اللغة - الثيب، وقيل: إنها التي كان لها زوج، وجرير قد أفصح أنها ذات الزوج في قوله: وأعطوا كما أعطت عوانٌ حليها ... أقرت لبعل بعد بعلٍ تراسله فكيف يكون العانس وصفاً للعوان، ولاعانس هي التي حبست عن التزويج؟ قال عامر بن جوين الطائي: ووالله ما أحببت حبك عانساً ... ولا ثيباً لو أن ذاك أتاني فجعلها ضد الثيب، والعنس أولى بأن تكون وصفاً للعوان من العانس، ويكونان جميعاً من أوصاف العوان؛ لأن العوان إذا أريد بها الناقة، وهي دون المسنة وفوق الفتية، فهي حينئذ الكاملة، والعنس: الناقة التي قد انتهت في قوتها، فهما صفتان متفقتان استعارهما الشاعر للصنيعة من أوصاف النوق، كما استعار البكر الكعاب من أوصاف النساء. قيل: هذا غلط من الاحتجاج، وتعسف من التأويل، وإنما يستدل ببعض الألفاظ على بعض، كما يستدل على المعنى بما يقترن ويتصل به، فيكون في ذلك بيانٌ وإيضاح، أما العوان والبكر - وإن كان قد وصف بهما غير المرأة من البهائم وغير البهائم - فإن البكر في البيت لا تكون مستعارة إلا من أوصاف النساء، من أجل ما اقترن بها من لفظ الكعاب التي هي

стр. 170

مخصوصة بوصف الجارية التي قد كعب ثديها، فلا تكون العوان في صدر البيت من أوصاف النوق، والبكر في آخره من أوصاف النساء؛ فعلمنا أنه لم يرد بالعنس إلا العانس فغلط، كأنه أراد أن هذه الصنيعة ليست في حال ما هي عندي بالعوان العانس، ولا ف يحال ما هي عندك بالبكر الكعاب؛ لأن المرأة تكون كاعباً وبكراً في حال، وعواناً وعانساً ف يحال أخرى، فتنتقل في هذه الأوصاف، والعنس لا موضع لها ههنا. وأما قوله " إنه لو أراد العانس كان مخطئاً؛ لأن العانس هي التي حبست عن التزويج حتى جازت حد الفتاة؛ فلا تكون وصفاً للعوان؛ لأن العوان عند أهل اللغة الثيب " فيقال: إنه إنما كان يسوغ لك هذا التأويل لو زال اسم العنوس عن المرأة إذا تزوجت، فأما وهو باقٍ عليها بعد التزويج الذي صارت به ثيباً فلم لا يكون وصفاً للعوان التي هي أيضاً ثيب عندك، ألا ترى إلى قول كثير: فإن طلابي عانس أم ولدة ... لمما تمنيني النفوس الكواذب فقال ((عانساً)) وجعلها أم ولدة. فإن قال: فلعل أبا تمام لم يرد هذا وإنما أراد بالعنس مصدر عنست المرأة تعنس عنساً وعنوساً، فجعل المصدر - وهو عنوس - وصفاً للعوان مكان العانس، والمصادر قد تجعل أوصافاً في مكان أسماء الفعالين. قيل له: المصدر المعروف في مصدر ((عنست المرأة)) وهو العنوس، ولم يسمع العنس، وعلى أن الأصمعى قد أنكر عنست مخففاً، وقال: إنما هو

стр. 171

عنست تعنس تعنيساً بالتشديد، حكى ذلك عنه يعقوب بن السكيت، وهب أن قد جاء العنس مصدر عنست فليس في كل موضوع يسوغ أن تكون المصادر أو صافاً، وإنما تكون أوصافاً على وجه من الوجوه وطريقة من اللفظ، وهي قولهم: إنما زيد دهره أكلٌ ونومٌ، وإنما عمرو أبداً قيامٌ وقعودٌ؛ فإن شئت كان المعنى إنما زيد ذوأ كل ونوم، وإنما عمرو ذو قيام وقعود فتقيم المضاف إليه مقام المضاف؛ لأنه يدل عليه، أو تجعل زيداًنفسه الأكل والنوم وعمرا القيام والقعود على المبالغة؛ لأن ذلك كثير منهما، كما قالت الخنساء: ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبالٌ وإدبار فجعلت الناقة هي الإدبار والإقبال لأن ذلك كثر منها، وإن شئت كان المعنى ذات إقبال وإدبار، فأقمت المضاف إليه مقام المضاف؛ فهذه طريقة الوصف بالمصادر، وإذا تأولت بالعنس المصدر في قوله " وليست بالعوان العنس " كان ذلك كقولك: ليست هند بالصبية الصغر، تريد الصغيرة، ولا دعد بالهرمة الكبر، تريد الكبيرة؛ فهذا لا يسوغ في منطق ولا يعرف في لغة، ولكن قد تستعمل هذه المصادر وصفاً على نحو ماذكرته؛ فيقال هند الحسن كله، ودعد الجمال أجمعه، وزيد الهرم أقصاه، وعبد الله البغض نفسه، والتينة عينه، وإن شئت كان

стр. 172

المعنى هند صاحبة الحسن كله، ودعد ذات الجمال أجمعه، وزيد أخو الهرم، وعبد الله ذو التيه؛ فأقمت المضاف إليه مقام المضاف: كما قال الله : (وسأل القرية التي كنا فيها) يريد أهل القرية، وإن شئت جعلت هنداً هي الحسن، هي الجمال، على المبالغة، لما كانتا غايتين فيهما، وجعلت زيداً هو الهرم، وعبد الله هو التيه، لما كانا متناهيين في هذين الوصفين. ولو كان أبو تمام اقتصر على ذكر العوان والبكر - وهما اللفظتان اللتان استعارتهما الشعراء في هذا المعنى، ولم يخلط بهما العنس والكعاب والثيب والأيم - لكان قد سلك الطريق المستقيم، فأتى باللفظ المألوف المستعمل، وتخلص من فاحش الخطأ، وإنما أراد معنى قول الفرزدق: وعند زيادٍ لو تريد عطاءه ... رجالٌ كثيرٌ قد ترى بهم فقرا قعودٌ لدى الأبواب طالب حاجةٍ ... عوان من الحاجات، أو حاجة بكرا أي: منهم طالب حاجةٍ عوان: أي حاجة قد عرفها وصارت عادةً له ورسماً يتطلبه في كل حين، ومنهم طالب حاجة بكر: أي أول ما يلتمسه منه ويقترحه عنده، فأخب أبو تمام أن يزيد على هذا المعنى ويغرب، فأخرجه ذلك إلى الخطأ. وقد أحسن محمد بن حازم الباهلي في قوله: أبا جعفرٍ يا بن الجحاجحة الغر ... بدت حاجةٌ، والحر يأوى إلى الحر

стр. 173

وقد لبستني منك بالأمس نعمةٌ ... فهل لك في أخرى عوانٍ إلى بكر على أنها إن أمكنت أو تعذرت ... فإنك بين الشكر مني والعذر فهذه طريقة الشعراء في العوان والبكر. ٧ - ومن خطائه قوله: الود للقربى، ولكن عرفه ... للأبعد الأوطان دون الأقرب لأنه نقص الممدوح مرتبةً من الفضل، وجعل وده لذوى قرابته، ومنعهم عرفه، وجعله في الأبعدين دونهم، ولا أعرف له ف يهذا عذراً يتوجه. وقد عارضني في معنى هذا البيت غير واحدٍ ممن ينتحل نصرة أبي تمام. فقال بعضهم: إن العرف ما يتبرع به الإنسان؛ فلذلك جعله في الأباعد، فأما الأقارب فإن برهم وصلتهم من الحقوق الواجبة اللازمة. قلت: إن كنت تريد الحقوق التي تلزم وتجب من طريق الحكم فإن ذلك إنما هو للآباء والأجداد، والأمهات والأولاد، والأعمام والأخوال، والإخوة والأخوات إذا كانوا فقراء محتاجين؛ فيجب لهم من الإنفاق عليهم بقدر القوت والكفاية، وهذا لا يخرج أن يسمى معروفاً، ألا تراهم يقولون: أنل أباك من معروفك، أو أنل أمك من معروفك؛ فلا يكون هذا قبيحاً، بل حقاً، وقال الله فيما فرض على الرجال للنساء: " وعلى المولد له رزقهن وكسوتهن بالمعروف "، فقد صار الفرض ههنا معروفاً؛ لأن المعروف هو الحسن الجميل من

стр. 174

القول والفعل الذي قد عرفت المصلحة فيه؛ فصار معهوداً معتاداً إذاأورد لم تنفر النفوس منه فتنكره، وهذا لا يكون الإنسان محموداً به إذا أعطاه هذه الطبقة من أهله حتى يمدح بفعله ويفتخر له به، بل يكون مذموماً إذا اقتصر عليه ولم يتجاوزه إلى التوسعة عليهم، والإغناء لهم، إن كان من ذلك ممكناً وعليه مقتدراً، فما بال غير هؤلاء من الأقارب ممن ليس له حق من طريق الحكم، وهم بنو الأعمام الذين هم الأعضاد والعدة، وبهم تكون النصرة، وكذلك بنو الأخوات وبنو الأخوال لم يجعل المعروف - الذي هو تبرع - في الأباعد دونهم ويخرجون منه. وإن أردت الحقوق التي يلزمها الإنسان نفسه تكرماً وتفضلاً فذلك حقيقة العرف الذي يتبرع المرء به، ويحمد عليه، ويمدح بفعله إياه، وإعطتئه له، ويذم إذا منعه. والأقارب على الاختلاف في طبقاتهم وأنسابهم أولى به من الأباعد؛ فمن جعله في الأباعد دونهم فذلك منه غاية اللؤم، ونهاية العقوق، وعين الحمق، وإن وصفه واصفٌ به فقد بالغ في ذمه، وتناهى في هجائه. وقال آخر: قوله " الو للقربى " قد جمع لهم الود والعرف وغيره؛ لأن الود يشتمل على ذلك كله، والعرف الذي خص به الأبعدين لا يجمع الوداد؛ إذ ليس كل من أسديت إليه معروفاً فقد وددته، فقد أعطى ذوى القربى أكثر مما أعطى الأبعدين.

стр. 175

فقلت له: وليس كل من وددته أيضاً فقد أسديت إليه نائلا ولا معروفا، ولا يتضمن لفظ الود غير المحبة فقط، وعلى أن قوله " دون الأقرب " توكيد يوجب إخراج الأقارب عن العرف، وتخليصه للأبعدين، فما معنى هذا التأويل الذي تأولته؟ فأقام على أن الود يجمع العرف والصلة، وهذا غير معروف، ولا موجود في كلام الناس، وقد قال المقنع الكندي: فإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلفٌ جدا إذا جمعوا صرمى معاً وقطيعتي ... جمعت لهم مني مع الصلة الودا فأفصح هذا بأنه يجمع لهم بين الصلة والود وقال البحتري: مودةٌ وعطاءٌ منك نلتهما ... ورب معطى نوال غير مودود فقال " مودة وعطاء منك نلتهما " فلو كانت المودة لا تكون إلا ومعها عطاء لم يكن لهذا القول معنى، وكذلك البيت قبله، وقال " رب معطى نوال غير مودود " ورب مودود غير معطى نوال، ألا ترى إلى قول الأعشى: بانت وقد أسأرت في النفس حاجتها ... بعد ائتلافٍ، وخير الود ما نفعا

стр. 176

فأراد أن الود قد يكون ولا نفع معه، وقال أبوتمام: قراني اللهى والود حتى كأنما ... أفاد الغنى من نائلي وفوائدي وعارض آخر بمثل هذه المعارضة سواء، فأجبته بمثل هذا الحواب، وقلت له: إن كان الأمر على ما تزعم وتركناك على شهوتك في أن الود يجمع المحبة والصلة فقد ناقض إذاً هذا الشاعر نفسه في البيت، فإنه إن كان أراد بقوله " الود للقربى " المحبة والمعروف جميعا فقد قال في عجز البيت " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " فأخرج الأقرب من العرف بقوله " دون " فلو كنت تركته على ما يقتضيه ظاهر لفظه من حرمان الأقرب كان ذلك أقل قبحا من المناقضة. فقال: إنما أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " إفراد العرف للأبعد، وألا يجمعه له مع الود كما جمعهما للأقرب. فقلت: قوله " دون " يفسد عليك هذا التأويل، وما أراك إلا قد أوضحت فيه الإحالة والمناقضة وبينتهما؛ لأنك في هذا كقائل قال: الود والمال جميعا لزيد، والمال لعمرو مفرداً دون زيد، فكيف يجمع المال مع الود لزيد أولا ويفرد عمراً به دون زيد آخراً؟ وهذا أقبح ما يكون من

стр. 177

المناقضة. وإنما كان يصح هذا الكلام أن لو قال: الود والمال لزيد، والمال لعمرو دون الود؛ فيكون قد أخرج عمراً من الود إخراجا مؤكداً بقوله " دون الود "، فأما الكلام الأول فمتناقض، كما عرفتك. وكذلك بيت أبي تمام، كان يتأول على هذا أن لو قال " دون الود " لا دون الأقرب، وما ظننت أن أحداً يدعى مثل هذه الدعوى، ولا أن له حاجة تدعو إلى مثل هذا الاحتجاج. ويجب أن ياقل لهذا المعارض: هل يجوز عندك أن تكون مودة لا معروف معها؛ إذ ليس كل من وددته فقد أنلت معروفاً؟ فإن قال " لا " كابر وسقط كلامه، وإن قال " نعم " قيل: قد أخرجت لفظة الود عن أن تدل بمجردها على المعروف إلا بشيء يقترن بها. وقال آخر: إنما أخرج أقاربه من المعروف لأنم في غنى وسعة بغناه وسعة حاله؛ فلذلك أفردهم بالود. قلت له: فإن كانوا أغنياء بغناه فقد أوسعهم من معروفه، فما كان ينبغي للشاعر أن يشرط للأباعد دونهم. وقلت له: وكيف يعلم أنهم أغنياء، وليس في ظاهر البيت دليل عليه؟ قال: كذا نوى وأراد، قلت: وليس العمل على نية المتكلم، وإنما العمل على توجيه معاني ألفاظه، ولو حملت قول كل قائل وقعل كل

стр. 178

فاعل على نيته لما نسب أحد إلى غلطٍ ولا خطأ في قول ولا فعل، ولكان من سدد سهماً وهو يريد غرضاً فأصاب به عين رجلٍ فذهبت، غير مخطئ؛ لأنه ما اعتمد إلا الغرض، ولا نوى غير القرطاس. وقال آخر: أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " أي: بعد الأقرب، كما تقول: جائني الأمير فمن دونه، أي: فمن بعده. قلت: فإنما معنى " فمن دون " أي: فمن هو أدون منه في الرتبة، بعده كان مجيئه أو قبله. وقال آخر: إنما أراد أبو تمام بقوله " دون الأقرب " أي: فضلاً عن الأقرب أو: فكيف الأقرب؛ لأن هذا مذهبٌ للناس: أن يضعوا " دون " في هذا الموضع فيقولوا: أنا أرضى بالقليل دون الكثير، أي: فضلا عن الكثير، وأنا أقنع بقرصٍ من شعير دون ما سواه، أي فضلاً عما سواه، وهذا مذهبٌ صحيح معروف. قلت له: هذا توهم منك فاسد، وتأولٌ لهذا الكلام على غير وجهه المقصود؛ لأن معنى " دون " عند أهل اللغة التقصير عن الغاية؛ فمعنى قوله " أنا أرضى بالقليل دون الكثير " أي أرضى بالقليل، ولا أنتهى إلى الكثير: أي لا أطمح إليه، وأرضة بقرص من شعير ولا أنتهى إلى ما سواه؛ فهذه

стр. 179

حقيقة معنى هذا اللفظ، وأما ما تأولته فإنما هو بمعنى " بله " التي تأتي في الكلام وموضعها دع، كقول كثير: بسطت لباغي العرف كفا بسيطةً ... تنال العدى، بله الصديق، فضولها أى: تنال العدى فدع الصديق، أى: لا تصل إلى العدى إلا بعد أن تصل إلى الصديق، و " دون " لا تتضمن هذا المعنى ولا تؤديه. قال: فقد تأتى " دون " بمعنى فوق " كما تأتى فوق بمعنى دون فى قول الله : (إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا " ما بعوضة فما فوقها) ذكر أن معناه فما دونها لأن " فوق " قد تكون دون عند ما هو فوقها و " دون " قد تكون فوق عندما هو تحتها فيجوز أن يكون أراد الشاعر بقوله " دون الأقرب " أى: فوق الأقرب بمعنى زيادة على ما أعطاه الأقرب أو تكون " دون " ههنا بمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف وبمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف وبمعنى أمام مثل وراء، فيكون معنى قوله " دون الأقرب " أى: أمام عرفه فى الأقرب أى: قبله. قلت له: أما ما قيل فىقوله (فما فوقها) معناه فما دونها فان أهل العربية على خلاف ذلك وليس لهذه اللغة عندهم ألا وجهان: أحدهما: أن يكون (فما فوقها) بمعنى فما هو أكبرمنها لأن البعوضة غاية فى الصغر فيكون المعنى أنه لا يستحى أن يضرب

стр. 180

مثلا " ما بين هذا الشىء الذى هو نهاية الصغر الى ما هو فوقه أى: ما زاد عليه وتجاوز (هـ) والوجه الآخر: (أن يكون (فما فوقها) بمعنى) فما فوقها فى الصغر وهذا قول أبى العباس محمد بن يزيد المبرد وأبى إسحاق الزجاج والكسائى من قبلهما وأبى عبيدة وما أظن غير هؤلاء (من النحويين) يقول إلا مثل قولهم. وأما ما ذكرت من أن دون تأتي بمعنى خلف وأمام، وأنها عند أهل العربية من الأضداد نحو " وراء " فقد أخبرتك أن معناها عند أهل العربية التقصير عن الغاية، وإذا كان الشيء وراء الشيء أو أمامه أو يمنة منه أو شأمة صلح في ذلك كله أن تقول: هو دونه، ألا ترى أنك إذا قلت " بيوت بني فلان دون الحرة "، صلح أن تكون دونها إلى مهب الشمال، أو إلى مهب الجنوب، أو إلى غيرهما من الجهات؛ فلا يعلم المخاطب أي الجهات التي تعنى، فليس هذا من الأضداد في شيء، وإنما جعلها قوم من الأضداد لما رأوها تستعمل في هذه الوجوه لما فيها من الإبهام، وكذلك " وراء " إنما هي من المواراة والاستتار؛ فما استتر عنك فهو وراء: خلفك كان أو قدامك، هذا إذا لم تره ولم تشاهده، وأما إذا رأيته فلا يكون أمامك ووراءك، وإنما قال لبيد:
следующие страницы →