Полный текст (1 636 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فأراد أن الود قد يكون ولا نفع معه، وقال أبوتمام:
قراني اللهى والود حتى كأنما ... أفاد الغنى من نائلي وفوائدي
وعارض آخر بمثل هذه المعارضة سواء، فأجبته بمثل هذا الحواب، وقلت له: إن كان الأمر على ما تزعم وتركناك على شهوتك في أن الود يجمع المحبة والصلة فقد ناقض إذاً هذا الشاعر نفسه في البيت، فإنه إن كان أراد بقوله " الود للقربى " المحبة والمعروف جميعا فقد قال في عجز البيت " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " فأخرج الأقرب من العرف بقوله " دون " فلو كنت تركته على ما يقتضيه ظاهر لفظه من حرمان الأقرب كان ذلك أقل قبحا من المناقضة.
فقال: إنما أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " إفراد العرف للأبعد، وألا يجمعه له مع الود كما جمعهما للأقرب.
فقلت: قوله " دون " يفسد عليك هذا التأويل، وما أراك إلا قد أوضحت فيه الإحالة والمناقضة وبينتهما؛ لأنك في هذا كقائل قال: الود والمال جميعا لزيد، والمال لعمرو مفرداً دون زيد، فكيف يجمع المال مع الود لزيد أولا ويفرد عمراً به دون زيد آخراً؟ وهذا أقبح ما يكون من
стр. 177
المناقضة. وإنما كان يصح هذا الكلام أن لو قال: الود والمال لزيد، والمال لعمرو دون الود؛ فيكون قد أخرج عمراً من الود إخراجا مؤكداً بقوله " دون الود "، فأما الكلام الأول فمتناقض، كما عرفتك.
وكذلك بيت أبي تمام، كان يتأول على هذا أن لو قال " دون الود " لا دون الأقرب، وما ظننت أن أحداً يدعى مثل هذه الدعوى، ولا أن له حاجة تدعو إلى مثل هذا الاحتجاج.
ويجب أن ياقل لهذا المعارض: هل يجوز عندك أن تكون مودة لا معروف معها؛ إذ ليس كل من وددته فقد أنلت معروفاً؟ فإن قال " لا " كابر وسقط كلامه، وإن قال " نعم " قيل: قد أخرجت لفظة الود عن أن تدل بمجردها على المعروف إلا بشيء يقترن بها.
وقال آخر: إنما أخرج أقاربه من المعروف لأنم في غنى وسعة بغناه وسعة حاله؛ فلذلك أفردهم بالود.
قلت له: فإن كانوا أغنياء بغناه فقد أوسعهم من معروفه، فما كان ينبغي للشاعر أن يشرط للأباعد دونهم.
وقلت له: وكيف يعلم أنهم أغنياء، وليس في ظاهر البيت دليل عليه؟ قال: كذا نوى وأراد، قلت: وليس العمل على نية المتكلم، وإنما العمل على توجيه معاني ألفاظه، ولو حملت قول كل قائل وقعل كل
стр. 178
فاعل على نيته لما نسب أحد إلى غلطٍ ولا خطأ في قول ولا فعل، ولكان من سدد سهماً وهو يريد غرضاً فأصاب به عين رجلٍ فذهبت، غير مخطئ؛ لأنه ما اعتمد إلا الغرض، ولا نوى غير القرطاس.
وقال آخر: أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " أي: بعد الأقرب، كما تقول: جائني الأمير فمن دونه، أي: فمن بعده.
قلت: فإنما معنى " فمن دون " أي: فمن هو أدون منه في الرتبة، بعده كان مجيئه أو قبله.
وقال آخر: إنما أراد أبو تمام بقوله " دون الأقرب " أي: فضلاً عن الأقرب أو: فكيف الأقرب؛ لأن هذا مذهبٌ للناس: أن يضعوا " دون " في هذا الموضع فيقولوا: أنا أرضى بالقليل دون الكثير، أي: فضلا عن الكثير، وأنا أقنع بقرصٍ من شعير دون ما سواه، أي فضلاً عما سواه، وهذا مذهبٌ صحيح معروف.
قلت له: هذا توهم منك فاسد، وتأولٌ لهذا الكلام على غير وجهه المقصود؛ لأن معنى " دون " عند أهل اللغة التقصير عن الغاية؛ فمعنى قوله " أنا أرضى بالقليل دون الكثير " أي أرضى بالقليل، ولا أنتهى إلى الكثير: أي لا أطمح إليه، وأرضة بقرص من شعير ولا أنتهى إلى ما سواه؛ فهذه
стр. 179
حقيقة معنى هذا اللفظ، وأما ما تأولته فإنما هو بمعنى " بله " التي تأتي في الكلام وموضعها دع، كقول كثير:
بسطت لباغي العرف كفا بسيطةً ... تنال العدى، بله الصديق، فضولها
أى: تنال العدى فدع الصديق، أى: لا تصل إلى العدى إلا بعد أن تصل إلى الصديق، و " دون " لا تتضمن هذا المعنى ولا تؤديه.
قال: فقد تأتى " دون " بمعنى فوق " كما تأتى فوق بمعنى دون فى قول الله : (إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا " ما بعوضة فما فوقها) ذكر أن معناه فما دونها لأن " فوق " قد تكون دون عند ما هو فوقها و " دون " قد تكون فوق عندما هو تحتها فيجوز أن يكون أراد الشاعر بقوله " دون الأقرب " أى: فوق الأقرب بمعنى زيادة على ما أعطاه الأقرب أو تكون " دون " ههنا بمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف وبمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف وبمعنى أمام مثل وراء، فيكون معنى قوله " دون الأقرب " أى: أمام عرفه فى الأقرب أى: قبله.
قلت له: أما ما قيل فىقوله (فما فوقها) معناه فما دونها فان أهل العربية على خلاف ذلك وليس لهذه اللغة عندهم ألا وجهان: أحدهما: أن يكون (فما فوقها) بمعنى فما هو أكبرمنها لأن البعوضة غاية فى الصغر فيكون المعنى أنه لا يستحى أن يضرب
стр. 180
مثلا " ما بين هذا الشىء الذى هو نهاية الصغر الى ما هو فوقه أى: ما زاد عليه وتجاوز (هـ) والوجه الآخر: (أن يكون (فما فوقها) بمعنى) فما فوقها فى الصغر وهذا قول أبى العباس محمد بن يزيد المبرد وأبى إسحاق الزجاج والكسائى من قبلهما وأبى عبيدة وما أظن غير هؤلاء (من النحويين) يقول إلا مثل قولهم.
وأما ما ذكرت من أن دون تأتي بمعنى خلف وأمام، وأنها عند أهل العربية من الأضداد نحو " وراء " فقد أخبرتك أن معناها عند أهل العربية التقصير عن الغاية، وإذا كان الشيء وراء الشيء أو أمامه أو يمنة منه أو شأمة صلح في ذلك كله أن تقول: هو دونه، ألا ترى أنك إذا قلت " بيوت بني فلان دون الحرة "، صلح أن تكون دونها إلى مهب الشمال، أو إلى مهب الجنوب، أو إلى غيرهما من الجهات؛ فلا يعلم المخاطب أي الجهات التي تعنى، فليس هذا من الأضداد في شيء، وإنما جعلها قوم من الأضداد لما رأوها تستعمل في هذه الوجوه لما فيها من الإبهام، وكذلك " وراء " إنما هي من المواراة والاستتار؛ فما استتر عنك فهو وراء: خلفك كان أو قدامك، هذا إذا لم تره ولم تشاهده، وأما إذا رأيته فلا يكون أمامك ووراءك، وإنما قال لبيد:
стр. 181
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصي تحنى عليها الأصابع
بمعنى أليس أمامي؛ لأنه قال ذلك قبل أن يرى ويشاهد نفسه وقد لزم العصاء وقد قال الله : " وكان وراءهم ملكٌ يأخذ كل سفينةٍ غصبا " قالوا: إنه كان أمامهم، وصلح ذلك لأنهم لم يعاينوه ولم يشاهدوه.
فقد وضح لك الآن معنى " دون " وأنها لا تخرج عن بابها الذي وضعت له، ألا ترى أنك تقول: نزلت في القرية دون النخل؛ فيجوز أن تكون القرية أمام النخل، وخلفه، وأن يكون المعنى أنك أفردت القرية بنزولك، ولم تعرج على النخل، وكذلك " لقيت زيداً دون عمرو " و " أكلت السمك دون اللبن " أخرجت عمراً من لقائك، واللبن من أكلك، وكذلك قول الطائي " دون الأقرب " قد أخرجهم من العرف، وهذا لا شيء أوضح منه.
وقد حمل بعضهم نفسه على أن قال: " إنما " أراد الطائي " لكن عرفه في الأبعد الأوطان دون عرفه في الأقرب " وهذا من أفحش الخطأ؛ لأن قوله: " دون الأقرب " مثل قولك: " ودى لزيد دون عمرو "؛ فليس معناه كمعنى قولك: ودى لزيد دون ودى لعمرو؛ لأنك في الأول قد أخرجت عمراً من الود وأفردت زيداً به، وفي الثاني جعلت
стр. 182
الود لزيد دون الود لعمرو، أي: أقل منه؛ فهذا معنى وذاك معنى آخر.
وأيضاً فلو اعتمد أبو تمام هذا المعنى لكان قد أخرج " لكن " التي إنما تدخل للأستدراك من أن يكون استدرك بها شيئاً؛ فلا يكون لها في البيت معنى البتة.
وقال آخر ممن يلتمس العذر لأبي تمام: إنما هذا على طريق الإيثار كما يؤثر الإنسان على نفسه، فكذلك يؤثر على أقاربه.
قيل له: الإثار على النفس حسنٌ جداً، وصاحبه ممدوحٌ، كما قال الله : " ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصةٌ " وكما قال أبو خراشٍ الهذلي:
أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وكما قال عروة بن الورد:
أقسم جسمي في جسوم كثيرةٍ ... وأحسو قراح الماء والماء بارد
والإيثار إنما يكون إيثاراً ويقع الحمد به إذا آثر الإنسان غيره على نفسه أو على ولده، وفي بعض الأحوال فأما إذا آثر بعض الطالبين على بعض بغير سبب يعلم فهو بذلك مذموم وغير ممدوح، فكيف إذا آثر البعيد على القريب؟
стр. 183
وقد جاء في أشعار العرب من الحث على بر الأقارب ومن حمد من وصلهم وذم من حرمهم ما هو أشهر وأكثر من أن يخفى؛ قال زهير:
وليس مانع ذى قربى وذى رحمٍ ... يوماً، ولا معدماً من خابطٍ ورقا
وقال أبو دواد الإيادي:
إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش واصطنع عند الذين بهم ترمى
وقال حاتم الطائي:
لا تعذليني على مالٍ وصلت به ... رحماً قريباً؛ فخير المال ما وصلا
وقال أوس بن حجر:
أليس بوهابٍ مفيدٍ ومتلفٍ ... وصولٍ لذى قربى هضيم لمهتضم؟
وقال زهير:
وذى نسبٍ ناءٍ بعيدٍ وصلته ... بمالٍ، وما يدري بأنك واصله
وقال كثير:
بسطت لباغي العرف كفاً بسيطةً ... تنال العدى بله الصديق فضولها
стр. 184
هذا المعنى أولى بالصواب من قول الطائي؛ لأنه أراد أن عرفه ينال العدى فضلا عن الصديق؛ لأن قوله " بله الصديق " أي: فدع الصديق لأنه لا يصل إلى العدى إلا بعد أن يصل إلى الصديق؛ قال كثير أيضاً:
لأهل الود والقربى عليه ... صنائع بثها برٌ وصول
وللفقراء عائدةٌ ورحم ... فلا يقصى الفقير ولا يعيل
ألا تراه بدأ بأهل وده وقرابته فجعل صنائعه فيهم، ثم ثنى بالفقراء فجعل لهم عائدة ورحما: أي رحمة؟ وقال كثير أيضاً:
ولم يبلغ الساعون في المجد سعيه ... ولم يفضلوا إفضاله في الأقارب
جزتك الجوازي عن صديقك نضرةً ... وقربت من مأوى طريدٍ وراغب
وصاحب قوم معصم بك حقه ... وجار ابن ذى قربى وآخر جانب
رأيتك والمعروف منك سجيةٌ ... تعم بخيرٍ كل جادٍ وغائب
جادٍ يقال: فلانٌ يجدو ويجتدى، أي: تعم بالمعروف من هو بحضرتك ومن هو غائب عنك؛ فجعل كثير كما ترى معروفه عموما في الأقارب وف يالأباعد إلى الحاضر والغائب. وقال ابن هرمة:
كم نائلٍ وصلاتٍ قد نفحت بها ... ونعمةٍ منك لا تحصى أياديها
стр. 185
عند الأقارب والأقصين نفعهما ... بيضٌ روائحها، تحدو غواديها
وقال كنانة بن عبد ياليل الثقفى:
صلاةٌ وتسبيحٌ وإعطاء نائلٍ ... وذو رحمٍ تناله منك إصبع
يريد بقول إصبع معروف ونائل.
وقال إسماعيل بن يسار النسائي:
وإذا أصبت من النوافل رغبةً ... فامنح عشيرتك الأداني فضلها
وقال المسشيب بن علسٍ في منع الأقارب:
من الناس من يصل الأبعدين ... ويشقى به الأقرب الأقرب
وقال الحارث بن كلدة الثقفي يذم فاعل ذلك:
من الناس من يغشى الأباعد نفعهويشقى به حتى الممات أقاربه
فإن يك خيرٌ، فالبعيد يناله ... وإن يك شرٌ، فابن عمك صاحبه
فقد تراه كيف ذم على حرمان القريب.
وقال مسافر بن أبي عمرو بن أمية في نحو ذلك:
تمد إلى الأقصى بذديك كله ... وأنت على الأدنى صرورٌ مجدد
وإنك لو أصلحت من أنت مفسدٌ ... توددك الأقصى الذي تتودد
الصرور: الضيق حلمة الثدي؛ والمجدد: الذي انقطع لبنه.
стр. 186
فهذه طريقة القوم في هذا، وهذا مذهب سائر الأمم.
وأما قول أبي تمام:
وربما عدلت كف الكريم عن ال ... قوم الحضور، ونالت معشراً غيبا
فليس هو من بيته الأول في شيء، وقد أدرك فيه الغرض، كأنه يعذر من فعل هذا: أي ربما اتفق أن يفعله من غير قصد أيضاً، وليس هذا بمحمود.
وقد ذهب البحتري إلى نحو ما ذهب إليه أبو تمام فقال:
بل كان أقربهم من سيبه نسباً ... من كان أبعدهم من جذمه رحما
إلا أنه لم يخرجهم من معروفه، وإن كان أيضا قد دخل تحت الإساءة.
ونحو هذا قول البحتري أيضا:
إذا قسمه عدلاً: ففيكم نواله، ... وفي سر نبهان بن عمرو مآثره
وما عجبٌ أن تشهدوا الطعن دونه ... وما عشرتكم في نداه عشائره
فأي قسمة عدل ههنا: أن يجعل نداه في غير قومه، ويقتصر بهم على أن يحوزوا الفخر بمآثره؟ وإن كان قد دل بقوله " وما عشرتكم في نداه عشائره " على أنه لم يحرمهم نواله البتة.
والأحسن في هذا قوله:
فإن تنفرد عنا قشيرٌ بمجده ... فلم تنفرد عنا بنائله الجزل
стр. 187
فأعطاهم المجد والنائل جميعا.
وشبيهٌ بهذا أو قريبٌ منه قوله:
عطاؤك ذا القربى جزيلٌ، وفوقه ... عطاؤك في أهل الشناءة والبعد
فقال " عطاؤك ذا القربى جزيل " ثم قال " وفوقه عطاؤك في أهل الشناءة والبعد " فقوله " وفوقه " أي: أجزل منه، وقد يكون " فوقه " بمعنى زيادة عليه، والمعنى الأول بالبيت أليق.
والجيد في هذا البعيد من العيب قوله:
ظل فيها البعيد مثل القريب ال ... مجتبى والعدو مثل الصديق
يريد نعمته ولا أعرف لأبي تمام فيما قال عذراً يتوجه، ولا وجدت فيما تصفحته من أشعار العرب ما يجانسه إلا قول عامر بن صعصعة بن ثور الفقعسي:
لمن يزورك من أشرافنا لطفٌ ... وذى القرابة إدناءٌ وتقريب
وأطن أبا تمام عثر به واستغر به فأخذ المعنى وزاد عليه زيادةً أخرجته إلى ذم الممدوح؛ لأن هذا الشاعر قال " لمن يزورك من أشارفنا لطفٌ " أي: بر، " ولذى القرابة إدناء وتقريب " ولم يقل إدناء وتقريب دون البر، كما قال أبو تمام؛ لأن البر واللطف إذا كانا للغريب الزائر، وكان الإدناء والتقريب في تلك الحال لذى القرابة - فقد يجوز أن يمنحه البر واللطف في حالٍ أخرى ووقت آخر، ولا يوصل البر إليه في وقت إيصاله إلى
стр. 188
الغريب، وهذا إن كان يقع في الأكثر فلا عيب على هذا الشاعر فيما قاله.
ولله در أبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري إذ يقول في هذا المعنى:
ما إن يزال الندى يدنى إليه يداً ... ممتاحةً من بعيد الدار والرحم
وقوله:
وما أضعت الحق في أجنب ... فكيف تنسى واجباً في شقيق؟
٨ - ومن خطائه قوله:
يدي لمن شاء رهنٌ لم يذق جرعاً ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل
لفظ هذا البيت مبنيٌ على فساد؛ لكثرة ما فيه من الحذف؛ فكأنه أراد بقوله " يدي لمن شاء رهن " أي: أصافحه وأبايعه معاقدةً أو مراهنة إن كان من لم يذق جرعاً من راحتيك درى ما الصاب والعسل، ومثل هذا لا يسوغ؛ لأنه حذف " إن " التي تدخل للشرط، ولا يجوز حذفها؛ لأنها إذا حذفت سقط معنى الشرط، وحذف " من " وهي الاسم الذي صلته " لم يذق " فاختل البيت، وأشكل معناه.
والحذف لعمري كثيرٌ في كلام العرب، إذا كان المحذوف مما تدل عليه جملة الكلام، قال الله : " أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق
стр. 189
الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجلٍ مسمى "، أراد أو لم يتفكروا فيعلموا " أنه ما خلق ذلك إلا بالحق، أو لم يتفكروا فيقولوا "، وأشياء هذا كثيرٌ.
ومن باب الحذف والاختصار قوله تعالى: " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم ".
قال أبو عبيدة: العرب تختصر الكلام لعلم المخاطب بما أريد، كأنه أراد فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، وقوله : " إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات " يفسر ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، وفي الشعر مثل هذا موجود، قال الشاعر:
لو قلت ما في قومها لم تأثم ... يفضلها في حسبٍ وميسم
يريد أحدٌ يفضلها، فخذف " أحد "؛ لأن الكلام يدل عليه، ذكر ذلك سيبويه. وأنشد في باب الحذف:
وما الهدر إلا تارتان فمنهما ... أموت، وأخرى أبتغي العيش أكدح
يريد فمنهما تارة أموت.
стр. 190
فإن تأول متأولٌ هذا البيت على ألفاظٍ أخر محذوفة غير اللفظ الذي ذكرته فالاختلال بعد قائم؛ لكثرة ما حذف منه، وسقوط الدليل عليه.
٩ - ومن خطائه قوله:
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد
جعل الوشائع حواشي البرد أو شيئاً منها، وليس الأمر كذلك، إنما الوشائع غزلٌ من اللحمة ملفوفٌ يجره الناسج بين طاقات السدى عند النساجة قال ذو الرمة:
به ملعبٌ من معصفاتٍ نسجنه ... كنسج اليمانى برده بالوشائع
فأما قول كثير:
ديارٌ عفت من عزة الصيف بعدما ... تجدّ عليهن الوشيع المنمنما
فإنما أراد بالوشيع هنا سد به الخصائص بين الشيئين، وهو من وشائع الغزل مأخوذ، والمنمنم: مأخوذ من النمام، أي بعد ما كانت هذه الديار تجد بالوشيع، أي: يخصص به خيامها.
стр. 191
ومثل أبي تمام لا يسوغ له الغلط في مثل هذا؛ لأنه حضرى، إنما يسامح في ذلك البدوى الذي يريد الشئ ويلم يعاينه فيذكر غيره؛ لقلة خبره بالأشياء التي تكون بالأمصار.
وأما أبو تمام فليست هذه حاله، ما جهل هذا، ولكنه سامح نفسه فيه، ألا ترى إلى قوله في موضوع آخر يصف قصيدةً:
الجد والهزل في توشيع لحمتها ... والنبل والسحف والأشجان والطرب
فقال ((في توشي لحمتها)).
١٠ - ومن خطائه قوله:
لو كان في عاجل من آجل بدل ... لكان في وعده من رفده بدل
ولم لا يكون في عاجل من آجل بدل؟ والناس كلهم على اختيار العاجل إيثاره وتقديمه على الآجل، ألا ترى قول الذي قول القائل الذي قد صار مثلا: ٣ والنفس ملوعة بحب العاجل والعاجل أبداً هو المطلوب والمرغوب فيه، حتى إن قليلة يؤثر على كثير الأجل، كام قال الآخر:
أعذل عاجل ما أشتهى ... أحب من الأكثر الرائث
كأنه يريد عاجل ما اشتهى مع القلة أحب من الأكثر المبطئ؛
стр. 192
فمن شأن العاجل أبدا أن يكون أفضل الأعواض والأبدال من كل آجل إذا كان في خير، فعلجل الخير من آجله، كما أن عاجل الشر شر من آجلهن لأن العاجل شئ قد وقع: إن كان خيراً فقد حصل نفعه، أو شراً فقد تجعل ضرره، آجل الخير يخشى فؤته، وربما وقع الإخفاق منه، كما أن آجل الشر يرجى زواله، وربما لم يقع، فكيف لا يكون العجل بدلاً أو خلفاً من الآجل؟ فإن قال قائل: إن الذي أراد أبو تمام وقاله صحيح، ومذهبه فيه مستقيم؛ لأن العاجل لا يكون أبداً بدلاً ولا خلفاً من الآجل؛ لأن البدل لا يكون قبل المبدل منه، ولا الخلف يتقدم على ما هو الخلف له؛ لأنه إنما قيل له خلف لإتانه خلف الذي هو قدامه؛ فأبو تمام إنما أنكر أن يكون العاجل بدلاً أو خلفاً من الآجل على هذه السبيل.
قيل: هذا غلط من التأويل أو مغالطة؛ لأنه ليس على هذا الوجه منع أبو تمام من أن يكون العاجل بدلاً من الآجل؛ فيحتج بأن هذا أولى بالتقديم وهذا أولى بالتأخير من طريق الترتيب، وإنما أراد أنه لا يقوم في الحاجة إليه، فكيف يكون الأول مقام الثاني والمتقدم مقام المتأخر؟ وكان وجه الكلام الذي يصح به المعنى ويستقيم أن يقول: لو كان في عاجل قول بدل من آجل فعلٍ لكان في وعده من رفده بدل٠ فإن قال: فهذا هو الذي أبو تمام.
стр. 193
قيل: ليس الأمر كذلك لأن طريقة لفظه في البيت أن يكون معناه لوكان فيشيء عاجل من شىء آجل بدل.
وبعد؛ فلو أراد ما ظننته وذهبت إليه - وذلك ليس بمعلوم، ولا في البيت عليه دليل - لم يلتفت إلى إرادته؛ لأنك إذا فصلت الإضافة من عاجل قول أو آجل فعل ففرقت بين المضاف والمضاف إليه لم يدل أحدهما على الآخر؛ لأن لفظة ((عاجل)) لا تدل غير مضافةٍ على ما تدل عليه لفظة " عاجل قولٍ " كما أن لفظة " آجل " لا تدل على " آجل فعلٍ " ولا يدلان أيضاً على شيء مضمر، كما أن قولك: " زيد أول ناطقٍ وآخر ساكتٍ، وعمرو أول خارج وآخر قادمٍ، وبكر أول آخذٍ وآخر تارك " إذا أفردت " أول " و " آخر " لم يدلا على شيء مما أضيف إليه. ألا ترى أن الأصمعي أنكر على ذى الرمة قوله يصف الوتر:
كأنه في نياط القوس حلقوم
فقال: حلقوم ماذا؟ إذ كان يجب أن يقول: حلقوم طائر، أو حلقوم قطاةٍ، أو غيرهما مما يشبه الوتر في الدقة، وإلا فقد يكون الحلقوم حلقوم فيل، أو حلقوم بعير، وهذا من الأصمعي إنكارٌ صحيحٌ، وإن كان لا يلزم
стр. 194
ذا الرمة فيه ما يلزم أبا تمام؛ لأن العرب لا تشبه الوتر إلا بحلقوم الطائر.
وذلك قول الراجز:
لأم ممر مثل حلقوم النغر
أخذه أبو نواسٍ فقال:
لأم كحلقوم النغر
وقال الراجز: لأم كحلقوم القطاة تغترف وأبو تمام إنما أراد أن هذا الممدوح يقيم وعده لصحته مقام عطيته، وأحب الإغراق على رسمه فأخطأ في تمثيل ما مثل بذكر العاجل والآجل؛ لأنه أطلق القوم عموماً لا يدل على الخصوص.
والجيد النادر في هذا قول البحتري:
لو قليلٌ كفى امرأ من كثيرٍ ... لاكتفينا بقوله من فعاله
وأحسن الراعي في قوله:
ضافى العطية: راجيه وسائله ... سيان، أفلح من يعطى ومن يعد
١١ - ومن خطائه قوله: بيوم كطول الدهر في عرض مثله ووجدى من هذا وهذاك أطول
стр. 195
فجعل للدهر - وهو الزمان - عرضاً، وذلك محض المحال، وعلى أنه ما كانت به إليه حاجة؛ لأنه قد استوفى المعنى بقوله: " كطول الدهر " فأتى على العرض في المبالغة.
فإن قيل: فلم لا يكون سعةً ومجازا؟ قيل: هذه ألفاظ صنعتها صنعة الحقيقة، وهي بعيدة من المجاز؛ لأن المجاز في هذا له صورة معروفة، وألفاظ مألوفة معتادة، لا يتجاوز في النطق بها إلى ما سواها، وهي قول الناس: عشنا في خفض ودعة زماناً طويلا عريضاً، وما زلنا في رخاء ونعمةٍ الدهر الطويل العريض. وإنما أرادوا إتمامه وكماله واتساعه لهم بما أحبوه؛ لأنهم إذا وصفوا بالطول والعرض ماله طول وعرضٌ على الحقيقة فإنما يريدون تمامه وكماله وسعته، نحو قولهم: ثوبٌ طويل عريض، أي: تام واسع، وأرض طويلة عريضة، أي: تامة في الطول والسعة، وكذلك إا وصفوا ما ليس له طول ولا عرض على الحقيقة فإنما يريدون التمام والكمال، ألا ترى إلى قول الراعي:
أنت ابن فرعى قريشٍ لو تقاسمها ... في المجد صار إليك العرض والطول
فاستعار للمجد ههنا الطول والعرض؛ لأنه أراد صار إليك المجد بتمامه وكماله،
стр. 196
وكذلك قول كثير:
بطاحيٌ له نسبٌ مصفى ... وأخلاقٌ لها عرضٌ وطول
أي: لها سعة وتمام وكمال في الفضائل والمحاسن، وكذلك قوله:
إذا ابتدر الناس المكارم بزهم ... عراضة أخلاق ابن ليلى وطولها
أي بزهم منه أخلاقه وتمامها وكمالها ف يالفضل؛ لأن الأخلاق تمدح بالسعة وتذم بالضيق، إلا أن أكثر ما يأتي في كلامهم العرض المراد به السعة إذا جاء مفرداً عن الطول، نحو قولهم: فلان في نعمةٍ عريضة، وله جاهٌ عريض، وكما قال الله : " وجنةٍ عرضها السموات والأرض " أي: سعتها، وكما قال الله في موضع آخر: " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريضٍ "، وكما قال تميم بن أبي بن مقبل:
يقطعن عرض الأرض غير لواغبٍ ... وكأن بحريها لهن صحار
أي: يقطعن سعة الأرض، وكما قال الآخر:
سأجعل عرض الأرض بيني وبينهم ... وأجعل بيتي في غنى وأعصر
стр. 197
وكما قال العجاج:
إذا تغشوا بعد أرصٍ أرضا ... حسبتهم زادوا عليها عرضا
أي: سعة وكثرة، وكما قال تميم بن أبي بن مقبل أيضاً:
حتى إذا الريح خبت بالسفا خبباً ... عرض البلاد أشت الأمر واختلفا
أي: سعة البلاد؛ فهذا إذا جري على هذا اللفظ المستعمل حسن ولم يقبح، وإذا عدلت به عن هذه الطريقة وهذه الألفاظ المألوفة إلى ما يشبه الحقائق أو يقاربها كنت مخطئاً؛ لأنك إذا قلت: " مضى لنا في الخفض والدعة دهرٌ طويل كأن طوله كعرضه " لم يجز ذلك؛ لأن هذا على هذا الترتيب كأنه وصفٌ لأشياء مجسمة، كما قال الطائي:
بيمٍ كطول الدهر في عرض مثله
فكان بهذا اللفظ كأنه يذرع ثوياً أو يمسح أرضاً أو يصف بالاجتماع والتدوير رجلا، كما قال تميم بن أبي بن مقبل:
وكل يمانٍ طوله مثل عرضه ... فليس له أصلٌ ولا طرفان
فإن قيل: فإذا جعلت للزمان العرض الذي هو سعة على المجاز فلم
стр. 198
لا تجعل له العرض الذي هو خلاف الطول على المجاز؟
قيل له: العرض الذي هو خلاف الطول حقيقة، والزمان لا عرض له على الحقيقة، فكيف تكون الحقيقة مجازا؟ فإن قيل: فإن الزمان لا يوصف بالسعة، كما لا يوصف بالعرض، فلم استعرت له العرض الذي هو السعة؟ قيل: العرض - وإن جاء وصفاً وحلية للزمان في قولهم: عاش فلان في نعمة زمناً طويلاً عريضاً - فإنما صلح لأنك وصلته بالطول، وقرنته به، فكأن المعنى عاش في زمن تم له وكمل واتسع، كما أخبرتك، والزمان قد يوصف بالسعة فيقال: قد اتسع لك الوقت والزمان في فعل كذا، ولا يقال عرض لك في الوقت سعة، والعرض ههنا هو السعة، ولكن أجرى هذا على حسب ما استعملوه، وإنما يراد في الوقت فسحة لك وامتداد يراد به معنى الطول، وقال ضرار بن الخطاب:
ولولا هاجرٌ وبنو قتال ... وما لاقيت في الزمن العريض
فذكر العرض مفرداً عن الطول: أي الزمن الذي اتسع لك، وقد يجوز - إن قلت: عاش في الخير دهراً عريضاً - أن تريد بالعرض سعة الخير فيه، لا سعته في نفسه، كما قالوا " ليل نائم " أي: ينام
стр. 199
فيه، " ولمحٌ باصر " أي: يبصر به.
وإنما تستعار اللفظة لغير ما هي له إذا احتملت معنى يصلح لذلك الشيء الذي استعيرت له ويلييق به؛ لأن الكلام إنما هو مبنيٌ على الفائدة في حقيقته ومجازه، وإذا لم تتعلق اللفظة المستعارة بفائدة في النطق فلا وجه لاستعارتها، ولو كان الزمان يوصف بالعرض على الحقيقة - وهذا محال - لما كان في بيت أبي تمام معنى؛ لأنه إنما أراد أن يبالغ في طول وجده؛ إذ كان الوجد يوصف بالطول، كما يوصف به الشسوق والغرام ونحوهما؛ فيقال: طال وجدي، وطال شوقي، وطال غرامي.
وكذلك الزمان إنما يوصف بالطول؛ فيقال: طال ليلي، وطال نهاري، فما كانت حاجة إلى العرض؛ وإنما فضل وجده على الدر وعلى اليوم الذي جعله كالدهر من جهة الطول لا من جهة العرض، ألا تراه قال:
ووجدي من هذا وهذاك أطول
وقد ذكر أبو تمام العرض في بيت آخر فقال:
إن الثناء يسير عرضاً في الورى ... ومحله في الطول فوق الأنجم
وكيف يعقل سير الثناء عرضاً في الورى وهو لم يحدد موضعاً بعينه فيحسن فيه ذكر الطول أو العرض، فيكون كما قال الراعي:
وجرى على حرب الصوى فطردته ... طرد الوسيقة في السماوة طولا
стр. 200
فحسن أن يقول " طولا " لأنه ذكر السماوة، ودكما قال النابغة، ويقال: إنه محمول عليه:
جنيدبن مع الغطاط يقدن حتى ... قطعن الحزن عرضاً والرمالا
فصلح لأنه ذكر أنهن قطعن أرض الحزن والرمال؛ ومثل قول أب يتمام قول المرار:
فلو كانت تجوب الأرض عرضاً ... ولكن جوبهن الأرض طولا
وله، ولبيت أب يتمام معنى غامض يصحان به، وأنا أذكره مع شرح المعاني الغامضة من شعر أبي تمام.
ومما يشبه قول أب يتمام:
بيوم كطول الدهر في عرض مثله
أو يقاربه قول الكميت يصف عدة قوم بالكثرة:
كالليل، لا، بل يضعفو ... ن عليه من بادٍ وحاضر
وكيف يتحصل مقدار الليل حتى يتحصل ضعفه؟؟ وهذا أيضاً يصح على السبر والتفتيش، إذا حصل معناه، وذلك أن الليل لا يغشى الأرض كلها بظلمته، وإنما يغشى بعضها، فلعل الكميت أراد أنهم يأخذون من
стр. 201
الأرض ضعف ما أخذه الليل منها إذا غشيها، على سبيل المبالغة، وكما قال الأحمر بن شجاع الكلبي:
بجأواء تعشى الناظرين كأنها ... دجى الليل، بل هي من دجى الليل أكثر
١٢ - وقال أبو تمام:
ورحب صدرٍ لو أن الأرض واسعةٌ ... كوسعه، لم يضق عن أهله بلد
وهذا أيضاً غلط؛ من أجل أن كل بلد يضيق بأهله، وليس شيقه من جهة ضيق الأرض؛ لأن الأرض لو كانت واسعةً عشرة أشعافها في المقدار، أو ألف ضعفٍ مثلها لما كان ذلك بموجب أن يكون الحزن أو الصمان أو الغول أو نجد أو المدينة أو مكة أو الكوفة أو البصرة، في قدر مساحة كل ناحية منها، أو أوسع وأزيد مما هي علمه الآن، إذ لم يختط البصرة ولاكوفة من اختطهما، ولا أسس مكة والمدينة من أسسهما على قدر سعة الأرض وضيقها، ولا صار قدر الحزن والصمان هذا القدر، في ذرعهما ومساحتهما
стр. 202
على قدر مساحة الأرض وذرعها بقسطٍ أخذاه منها، وإنما ذلك على حسب ما أدى إليه الاجتهاد والاختيار ممن أسس كل بلدة ومصر كل مصر.
وكان ينبغي أن يقول: ورحب صدر لو أن الأرض واسعة كوسعه لم يسعا الفلك ولضاقت عنها السماء، أو أن يقول: لو أن سعة كل بلد أو مصرٍ كسعة صدره لم يضق عن أهله بلد، وكان حينئذ يكون المعنى لائقاً مستقيما.
والجيد الصحيح ف يهذا المعنى قول البحتري:
مفازة صدرٍ لو تطرق لم تكن ... ليسلكها فرداً سليك المقانب
أي: لم يكن ليسلكه إلا بدليلٍ لسعته، وأيضاً فإن الجزء من الأرض وهو ما يكون فيه الحيوان والنبات، وإنما مقداره على ما يقوله أهل الهندسة الربع من الأرض أو أقل من الربع، والمسكون من جملة ذلك لعله لا يكون جزءاً من ألف جزء من ذلك؛ فما معنى جعله ضيق البلدان الضيقة إنما هو من أجل ضيق الأرض؟ فإن قيل: فإنما أراد بقوله " لو أن الأرض " أي لو أن البلدان واسعة.
قيل: لا يدل قوله " الأرض " وهو لفظ عمومٍ على البلدان التي هي
стр. 203
مخصوصة، ولا يكون الغلط إلا هكذا: أن يريد القائل لفظة تدل على معنى فيأتي بأخرى ليست فيها على ذلك المعنى دلالة.
١٣ - ومن خطائه قوله:
وكلما أمست الأخطار بينهم ... هلكى تبين من أمسى له خطر
لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما ... في الخيل لم تحمد الأوضاح والغرر
فالأوضاح: هي البياض في الأطراف، وقد يكون أيضاً في البهم، وكذلك أيضاً الغرر قد توجد في البهم كثيرا، وهذا فساد في ترتيب البيت؛ لأنه ليس إذا وجدت شيات البهم - وهي صغار الغنم - أكثر ما في الخيل، أو وجدت شيات الخيل أكثر ما في البهم كان ذلك موجبا لحمد الأوضاح والغرر، وإنما كان يصح نظم الكلام لو لم توجد الأوضاح والغرر في البهم، حتى تكون مخصوصة بالخيل؛ فيقول: لو لم تعدم الأوضاح والغرر في البهم لما حمدت في الخيل، فأما أن توجد شيات البهم في الخيل كثيراً، أو شيات الخيل في البهم دائما، فليس هذا
стр. 204
بموجبٍ حمد الأوضاح والغرر في الخيل؛ لأن الأوضاح والغرر موجودة في الغنم أيضاً.
وقال طارق بن شهابٍ المازني يصف المعزى وتيس الغنم
وراحت أصيلاناً كأن ضروعها ... دلاءٌ، وفيها واتد القرن لبلب
له رعثاتٌ كالشنوف، وغرةٌ ... شديخٌ، ولونٌ كالوذيلة مذهب
فذكر أن له غرة. قال آخر ف يوصف عنز سوداء:
سوداء إلا وضحاً في الشوى ... كأنما الجوزاء في الأكرع
فذكر بياض أكرعها، وذلك موضع التحجيل، بل لو قال: " لو لم تقل الأوضاح والغرر في البهم، لما حمدت في الخيل " لكان أقرب إلى الصواب؛ لأنى أظنها ف يالبهم أقل، وف يالخيل أكثر، وليس في هذا البيت دليل عل هذا ولا ذاك.
стр. 205
١٤ - ومن خطأ المديح قوله:
سأحمد نصراً ما حييت، وإنني ... لأعلم أن قد جل نصرٌ عن الحمد
فإنه رفع الممدوح عن الحمد الذي ندب الله عباده إليه بأن يذكروه به، وينسبوه إليه، وافتتح فرقانه في أل سورةٍ بذكره، وحث عليه، وللعرب في ذكر الحمد ما هو كثير في كلامها وأشعارها، ما فيهم من رفع أحداً عن أن يحمد، ولا من استقل الحمد للممدوح، قال زهير بن أبي سلمى:
متصرف للحمد، معترف ... للرزء، نهاضٍ إلى الذكر
فقوله " متصرف للحمد " أي حيث ما رأى خلة تكسبه الحمد التمسها وطلبها.
وقال زهيراً أيضاً:
أليس بفياضٍ يداه غمامةٌ ... ثمال اليتامى في السنين محمد؟
فقوله " محمد " أي: يحمد كثيراً. وقال الأعشى:
ولكن على الحمد إنفاقه ... وقد يشتريه بأغلى الثمن
стр. 206
وقال أيضاً:
يشتري الحمد بأغلى سعيه ... واشتراء الحمد أدنى للربح
وقال أيضاً:
إليك أبيت اللعن كان كلالهاإلى الماجد الفرع الجواد محمد
فوصفه بأن جعله محمداً: أي يحمد كثيراً. وقال الآخر:
ومن يعط أثمان المحامد يحمد
فهذه هي الطريقة المعروفة في كلام العرب، ولو قال الطائي " لو جل أحد عن المدح لجللت عنه " كان أعذر، كما قال البحتري:
لو جل خلقٌ قط عن أكرومةٍ ... تبنى جللت عن الندى والباس
أي: كنت تجل لعلو شأنك عن أن يقال: سخى، أو شجاع؛ إذ كان هذان الوصفان قد يوصف بهما من هو دونك.
وقال البحتري أيضاً:
واحمد أنفس ما تعوضه امرؤٌ ... رزئ التلاد إن المرزأ عوضا
فأما قول البحتري:
كيف نثنى على ابن يوسف؟ لا كي ... ف؟ سرى مجده فعاب الثناء
стр. 207
ففوته الثناء إنما معناه عظم أن يدركه ويبلغ حده، ألا تراه قال " كيف نثنى على ابن يوسف؟ لا كيف؟ " أي: لا طريق إلى كيفية الثناء الذي يستحقه ويليق به، ثم قال " سرى مجده فعاب الثناء " قطعاً من الكلام الأول.
١٥ - ومن خطائه قوله:
ظعنوا فكان بكاي حولاً بعدهم ... ثم ارعوبت، وذاك حكم لبيد
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدمع أن تزداد طول وقود
وهذا ما خلف عليه العرب، وضد ما يعرف من معانيها؛ لأن المعلوم من شأن الدمع أن يطفئ الغليل، ويبرد حرارة الحزن، ويزيل شدة الوجه، ويعقب الحرارة، وهو في أشعارهم كثيرٌ موجود ينحى به هذا النحو من المعنى؛ فمن ذلك قول أمرئ قيس:
وإن شفائي عبرةٌ مراهقةٌ ... فهل عند الرسم دارس ن معول؟
وقول ذي الرمة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد، أو يشفى نجى البلابل
стр. 208
وقال الفرزدق:
فقلت لها: إن البكاء لراحة ... به يشتفى من ظن أن لا تلاقيا
وهو كثير في أشعارهم، ما عدل به أحدٌ منهم عن هذا المعنى، وكذلك المتأخرون، هذا السبيل سلكوا، وأبو تمام من بينهم ركب هذا المعنى؛ وكرره في شعره متبعاً لمذاهب الناس؛ فمن ذلك قوله:
نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل المغرم
وقال في موضوع آخر:
واقعاً بالخدود، والحر منه ... واقعٌ بالقلوب والأكباد
وقال أيضاً:
فافزع إلى ذخر الشؤون وعذبها ... فالدمع يذهب بعض الجهد الجاهد
وقال أيضاً:
فلعل عينك أن تجود بمائها ... والدمع منه خاذل ومواس
وقال أيضاً:
فلعل عبرة ساعة أذريتها ... تشفيك من إرباب وجد محول
فلو كان اقتصر على هذا المعنى الذي جرت به العادة في وصف الدمع
стр. 209
لكان المذهب الصحيح المستقيم. ولكنه أحب الإغراب؛ فخرج إلى مالا يعرف في كلام العرب، ولا مذاهب سائر الأمم.
وقد تبعه على الخطأ البحترى فقال:
فعلام فيض مدامع تدق الجوى ... وعذاب قلب في الحسان معذب
قوله: تدق الجوى من قولهم لم يدق الأرض منه شئ أي: لم يصل، وفي شعر امرئ القيس ما فيه مودقى أي: على أثرى. وأصله من الدنو، فكأنه قال تدق الجوى، يقال: أتان وديقٌ، أي: تدنو من الفحل، ومنه الوديقة الهاجرة؛ لدنو الحرن وقيل لقطر المطر ودٌٌ لا نحلا به من السحاب ودنوه من الأرض.
١٦ - ومن خطائه قوله:
رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطى ... من الأمر ما فيه رضا من له الأمر
فمعنى هل في هذا البيت التقرير، والتقرير على ضربين: تقرير للمخاطب على فعل قد مضى ووقع، أو على فعل هو في الحال ليوجب المقرر
стр. 210
ذلك ويحققه، ويقتضى من المخاطب في الجواب الاعتراف به، نحو قوله: هل أكرمتك؟ هل أحسنت إليك؟ هل أودك وأوترك، وهل أقضى حاجتك؟ وتقرير على فعل يدفعه المقرر وينبغي أن يكون قد وقع، نحو قوله: هل كان قط إليك شيء كرهته؟ هل عرفت منى غير الجميل؟ فقوله في البيت " وهل أرضى " تقرير لفعل ينفيه عن نفسه، وهو الرضا، كما يقول القائل: وهل يمكنني المقام على هذه الحال؟ أي: لا يمكنني، وهل يصبر الحر على الذل؟ وهل يروى زيد؟ أو هل يشبع عمرو؟ وهذه أفعال معناها النفي؛ فقوله " وهل أرضى " إنما هو نفى للرضا، فصار المعنى ولست أرضي؛ إذ كان الذي يسخطني ما فيه رضا من له الأمر: أي رضا الله تعالى، وهذا خطأ منه فاحش.
فإن قال قائل: فلم لا يكون قوله " وهل أرضى " تقريراً على فعل هو في الحال ليؤكده من نفسه نحو قوله: هل أودك؟ هل أوثرك؟ ونحو قول الشاعر:
هل أكرم مثوى الضيف إن جاء طارقاً ... وأبذل معروفي له دون منكري؟
قيل له: ليس قول القائل لمن يخاطبه " هل أودك " " أهل أوثرك " وقوله " سل عني هل أصلح للخير " أو " هل أكتم السر " أو " هل أقنع بالميسور " مثل قول أبي تمام " هل رضيت، وهل أرضى " فإن صيغة
стр. 211
هذا الكلام دالة على أنه قد نفى الرضا عن نفسه؛ بإدخاله الواو على " هل " وإنما يشبه هذا قول القائل " وهل أرضى إذا كانت أفعالك كذا " " وهل أصلح للخير عندك إذا كنت تعتقد غي رذلك " " وهل ينفع في زيد العتاب " كقول الشاعر:
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
وقول ذو الرمة:
وهل يرجع التسليم أو بكشف العمى ... ثلاث الأثافى والرسوم البلاقع
لأن الواو ههنا كأنها عطفت جواباً على قول قائل: إن فلانا سيصلح ويرجع إلى الجميل، فقال آخر:
وهل يصلح العطار ماأفسد الدهر؟
وكقول ذى الرمة:
أمنزلتي مى سلامٌ عليكما ... هل الأزمن اللائي مين رواجع؟
لما علم أن التسليم غير نافعٍ عاد على نفسه فقال " وهل يرجع التسليم " وكما قال امرؤ القيس:
وإن شفائي عبرةٌ مهراقةٌ
ثم قال:
وهل عند ربعٍ دارسٍ من معول؟
وكذلك قول أب يتمام " رضيت " ثم قال " وهل أرضى إذا كان مسخطي
стр. 212
" إنما معناه ولست أرضى، فكان وجه الكلام أن يقول: رضيت وكيف لا أرضى إذا كان مسخطي ما فيه رضا الله تعالى، وكذا أراد فأخطأ في اللفظ، وأحال المعنى عن جهته إلى ضده.
فإن قيل: إن " هل " هنا بمعنى قد، وإنما أراد الطائي رضيت وقد أرضى، كما قال الله تعالى: " هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر " أي: قد أتى.
قيل: هذا إنما قاله قومٌ من أهل التفسير، وتبعهم قوم من النحويين. وأهل اللغة جميعاً على خلاف ذلك؛ إذ لم يأت في كلام العرب وأشعارها " هل قام زيد " بمعنى قد قام زيد، وإذا كان ذلك معدوماً في كلام العرب ولغاتها فكيف يجوز أن يؤخذ به أو يعول عليه؟ وقد قال أبو إسحاق الزجاج وجماعةٌ من أهل العربية في قوله " هل أتى على الإنسان " معناه ألم يأت، على سبيل التقرير. وهب الأمر في هذا كما ذكروا، والخلاف ساقط فيه، فإن بيت أبي تمام لا يحتمل من التأويل ما احتملته الآية؛ لأن " هل " إنما شبهها من شبهها بقد إذا وليت لفظ الماضي خاصة، وأبو تمام إنما أوقعها على الفعل [المستقبل وإذا وقعت على]
стр. 213
المستقبل؛ فسقط عنها أن تضارع قد؛ لأن قد حينئذ قد تكون بمعنى ربما، و " هل " ليس فيها ذلك.
وبعد؛ فإن كان الرجل إنما أراد بهل معنى قد فلم لم يقل رضيت وقد أرضى؛ فيأتي بلفظة " قد " إذا كان يريد الخبر، ولا يأتي بهل فيلتبس الخبر الذي إيّاه قصد بالاستفهام؟ فإن البيت كان يستقيم بقد ويغنينا عن الاحتجاج الطويل.
وقد استقصيت القول في هذا البيت وما ذكره النحو يون وسيبويه وغيره في معنى قد وهل، ولخصته في جزء مفرد، وإنما فعلت ذلك لكثرة من عارضني فيه، وادّعى الدعاوي الباطلة في الاحتجاج لصحته.
١٧ - ومن خطائه قوله في البكاء على الديار:
دار أجل الهوى عن أن ألمّ بها ... في الرّكب إلاّوعيني من منائحها
وهذا لفظ محال عن وجهه؛ لأن " إلا " ههنا تحقيق وإيجاب فكيف يجوز أن تكون عينه من منائحها إذا لم يلم بها؟ وإنما وجه الكلام أن يقول: " دار أجل الهوى عن أن ألم بها وليس عينى من منائحها " وقد كنت أظن
стр. 214
أن أبا تمام على هذا نظم الشعر، وأن غلطاً وقع عليه في نقل البيت، حتى رجعت إلى النسخ العتيقة التي لم تقع في يد الصولى وأضرابه، فوجدت البيت في غير نسخة مثبتاً على هذا الخطأ.
١٨ - ومن خطائه أيضاً في وصف الربع وساكنه قوله:
قد كنت معهوداً بأحسن ساكنٍ ... ثاوٍ وأحسن دمنةٍ ورسوم
والربع لا يكون رسماً إلا إذا فارقه ساكنوه؛ لأن الرسم هو الأثر الباقي بعد سكانه، والواب قول البحتري:
يا مغاني الأحباب صرت رسوماً ... وغدا الدهر فيك عندي ملوماً
وقال ارمؤ القيس:
وهل عند رسمٍ دارس من معول؟
فقال ذلك لأن الرسم يكون دارساً وغير دارس، وقال:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ وعرفان ... ورسمٍ عفت آياته منذ أزمان
١٩ - ومن خطائه أيضاً قوله:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا
стр. 215
أراد وكفى بأنه مضى حميداً شاهداً على أنى رزئت، وكان وجه الكلام أن يقول: وكفى برزئي شاهداً على أن مضى حميدا؛ لأن حمد أمر الطلل قد مضى، ولس بمشاهد ولا معلوم، فلان يكون الحاضر شاهداً على الغائب أولى من أن يكون الغائب شاهداً على الحاضر.
فإن قيل: إنما أراد أن يستشهد على عظيم رزئه عند من لم يعلمه.
قيل: فمن لا يعلم قدر مرزأته التي بعضها ظاهرٌ عليه كيف يعلم ما مضى من حميد أمر الطلل؛ حتى يكون شاهداً على هذا؟ فإن قيل: هذا إنما جاء به على القلب.
قيل له: المتأخر لا يرخص له في القلب؛ لأن القلب إنما جاء في كلام العرب على السهو، والمتأخر إنما يحتذى على أمثلتهم، ويقتدى بهم، وليس ينبغي له أن يتبعهم فيما سهوا فيه.
فإن قيل: فقد جاء القلب في القرآن، ولا يجوز أن يكون ذلك على سبيل السهو والضرورة؛ لأن كلام الله يتعالى عن ذلك، وهو قوله: " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة " وإنما العصبة تنوء بالمفاتيح، أي تنهض بثقلها، وقال : " ثم دنى فتدلى " وإنما هو تدلى فدنا، وقال: " وإنه لحب الخير لشديدٌ " أي: وإن
следующие страницы →