← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وقوله: «بيتية» يريد أنهم كانوا في دار لها بستان، لا في صحراء؛ لأنه قال: «نعمنا بها في بيت أروع ماجد». وقوله: «في صبغة العهن» يريد الشقائق، و «العهن» الصوف الأحمر. وقوله: «آب للدنية واللعن» أي: يأبى أن يأتي من الفعل ما يلعن من أجله. وقوله: «كما اشتق مسموه له اسمًا من الحسن» يريد أن اسمه حسن. وليس لأبي تمام في وصف الخمر ومعاطاة الندمان شيء غير ما ذكرته. والبحتري ملي وفي بهذا الباب وما يتصل به ويدخل في معناه، فمن ذلك قوله: رويدك إن شانك غير شاني وكم غلست مدلجاً بصحبي ... على متعصفر الناجود قان أغادي أرجوان الراح صرفًا ... على تفاح خد أرجواني إذا مالت يدي بالكأس ردت ... بكف خضيب أطراف البنان تأمل من خلال الشك فانظر ... بعينيك ما شربت ومن سقاني تجد شمس الضحى تدنو بشمس ... إلي من الرحيق الخسرواني

стр. 1542

سبوت الإصطباح معشقات ... وأحظاهن سبت المهرجان أتى يهدي الشتاء على اشتياق ... إليه وصيب الديم الدواني يحيني بنرجسه ويدني ... مكان الورد ورد الزعفران ومن أكرومة حث الندامى ... وإعمال المثالث والمثاني وليس له في هذه الأبيات اختراع، وإنما هي معاني الناس التي قد تداولوها حتى صارت كالمشتركة بينهم. وقال: أتراه يظنني أو يراني ... ناسيًا عهده الذي استرعاني؟ ونديم نبهته ودجى الليـ ... ـل وضوء النهار يعتلجان قم نبادر به الصيام فقد أقـ ... ـبل ذاك الهلال من شعبان بنت كرم يدنو بها مرهف القد ... غرير الصبا خضيب البنان أرجوانية تشبه في الكأ ... س بتفاح خده الأرجواني بات أشهى إلي من سنة النو ... م وأحلى من مفرحات الأماني

стр. 1543

وقال: أقام كل ملث الودق رجاس هل من سبيل إلى الظهران من حلب ... ونشوة بين ذاك الورد والآس إذ أقبل الراح والأيام مقبلة ... من أهيف خنث العطفين مياس أمد كفي لأخذ الكأس من رشأ ... وحاجتي كلها في حامل الكاس ببرد أنفاسه أشفي الغليل إذا ... دنا فقربها من حر أنفاسي وقال: بعمرك تدري أي شأني أعجب ألا ربما كأس سقاني سلافها ... رهيف التثني واضح الثغر أشنب إذا أخذت أطرافه من قنوئها ... رأيت اللجين بالمدامة يذهب كأن بعينيه الذي جاء حاملًا ... بكفيه من ناجودها حين يقطب لأسرع في عقلي الذي بت موهنًا ... أرى من قريب لا الذي بت أشرب لدى روضة جاد الربيع نباتها ... بغر الغوادي تستهل وتسكب إذا أصبح الحوذان من جنباتها ... تفتح وهمت الدنانير تضرب

стр. 1544

وقال: أكان الصبا إلا خيالًا مسلمًا ... أقام كرجع الطرف ثم تصرما أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًا ... من الحسن حتى هم أن يتكلما وقد نبه النوروز في غلس الدجى ... أوائل ورد كن بالأمس نوما يفتقه برد الندى فكأنه ... ينث حديثاً كان قبل مكتما ومن شجر رد الربيع لباسه ... عليه كما نشرت وشيًا منمنما أحل وأبدى للعيون بشاشة ... وكان قذى للعين إذ كان محرما ورق نسيم الريح حتى حسبتها ... تجيء بأنفاس الأحبة نعما فما يحبس الراح التي أنت خلها ... وما يمنع الأوتار أن تترنما!؟ وما زلت شمسًا للندامى إذا انتشوا ... وراحوا بدورًا يستحثون أنجما تكرمت من قبل الكؤوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن قبل تكرما! وهذا المعنى الذي أبر البحتري فيه على كل محسن، لأن امرأ القيس قال: سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر

стр. 1545

وقال عنترة: وإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي وما زال من يتعصب على البحتري يجتهد في الطعن على إحسانه في هذا البيت، فإنهم قالوا في قوله: «تكرمت من قبل الكؤوس عليهم»: إن التكرم إنما هو أن يتكلف الكرم، ويتعاطاه وليس من أهله، وكان الأجود أن يقول «كرمت». وهذا غلط منهم قبيح، إنما التكارم هو أن يظهر الكرم وليس من أهله، وكذلك التحالم والتجاهل والتعاقل وما أشبه ذلك، فأما التكرم معناه: أنه جعل نفسه كريمًا، وأدخلها في الكرم، وذلك مثل تشجعت وتجلدت وتبصرت، ومثل هذا لا يكون الإنسان مذمومًا ولا معيبًا به، بل ممدوحًا، ويستعمل «كرم وتكرم» على وجه واحد، وكذلك شجع وتشجع، وخشع وتخشع. وقد قال عنترة: «وكما علمت شمائلي وتكرمي» وهذا ما لا ينكره من له علم بكلام العرب، وعلى أن البحتري قد بين هذا وجمع بين هذين الفعلين في بيت وفرق بينهما فقال: وأرى التكرم في الرجال تكارمًا ... ما لم يكن بمحاتد ومناصب وقال: عذيري من نأي غدًا وبعاد تدارك غي نشوة في لقائها ... ذممت لها حتى الصباح رشادي

стр. 1546

وما بلغ النوم المسامح لذة ... سرى أرقي في حينها وسهادي على باب قنسرين والليل لاطخ ... جوانبه من ظلمة بمداد كأن القصور البيض في جنباته ... خضبن مشيباً نازلًا بسواد كأن انخراق الجو غير لونه ... لبوس حديد أو لباس حداد كأن النجوم المستسرات في الدجى ... سكاك دلاص أو عيون جراد ولا قمر إلا حشاشة غائر ... كعين طماس رنقت لرقاد فبتنا وباتت تمزح الكأس بيننا ... بأبيض رقراق الرضاب براد ولم نقترق حتى بدا الديك هاتفاً ... وقام المنادي بالصلاة ينادي قوله: «تدارك غيي نشوة» كلام حلو عجب من العجب. وقوله: «وما بلغ النوم المسامح لذة ... سرى أرقي في حينها ............» أي: ما بلغ النوم لذة ذهب أرقي في وقتها، والسرى: مسير الليل، يريد مضى أرقي في حينها، وهذا أيضاً معنى حسن لطيف.

стр. 1547

وقد كرر في هذه الأبيات معنى واحدًا في ثلاثة أبيات متوالية، وهذا لم يكن من عادته ومذهبه، ولا عرفت له مثله، وذلك قوله: ........................... والليل لا طخ ... جوانبه من ظلمة بمداد وقوله: خضبن مشيباً نازلًا بسواد وقوله: لبوس حديد أو لباس حداد وكان في بيت واحد هذه الثلاثة الأبيات كفاية، ولكنه جاء بهذه الثلاثة المعاني لاختلافها. وقوله: كعين «طماس»، «فطماس» كان رجلاً صغير العين أخفشها، لا يكاد يقل جفنه وينظر إلا بشدة، وكان البحتري قد أولع بذكره في شعره، وقد ذكره في غير موضع. وما تؤتي «؟» هذه الأبيات من براعة وحسن معنى وفصاحة. وقال لعبد الله بن الحسين - وكان أهدى أليه نبيذًا -: خان عهدي معاودًا خون عهدي ليس برح الغرام ما بت تخفي ... إن برح الغرام ما بت تبدي

стр. 1548

صب يسقي فكاد يصبغ ماجا ... ور من حمرتي مدام وخد وجنى الورد ثالث فسبيلي ... شم ورد طورًا وتقبيل ورد حسنت ليلة الثلاثاء وابيضـ ... ـت بمسودها يد الدهر عندي بات أرضى الأحباب عندي وعبد الـ ... ـله أرضى بني الحسين بن سعد سيد يصرع المكارم في السؤ ... دد بالساعد القوي الأشد قد أتتنا تلك الهدية والصهـ ... ـباء من خير ما تبرعت تهدي وتركنا لك المراكب من أحـ ... ـوى غريب في لونه وسمند وبني الروم بين أبيض بض ... مشرق لونه وآخر جعد واقتصرنا على التي فاجأتنا ... وردة عندما استشفت لورد لبست زرقة الزجاج فجاءت ... ذهبًا يستنير في لازورد ومن نادر شعر البحتري وفاخر كلامه قوله يخاطب أبا صالح بن عمار الحلبي في أبياته التي أولها: هذا كتابك فيه الجهل والعنف

стр. 1549

مالي وللراح تدعوني لأشربها ... ولي فؤاد بشيء غيرها كلف إن التزاور فيما بيننا خطر ... والأرض من وطأة البرذون تنخسف إذا اجتمعنا على يوم الشتاء فلي ... هم بما أنا لاق حين انصرف أللغدير إذا ضاق الطريق به ... أم للطريق المعمى حين ينعطف وقلت دجن يريق الماء ريقه ... من كل غادية أجفانها وطف وكيف يطرب للدجن المقيم إذا ... سحت سحائبه من بيته يكف لا أقرب الراح أو تجلو السماء لنا ... شمس الربيع وتبهى الروضة الأنف ويفتق الروض خضرًا من معصفرة ... فيكتسي نوره القاطول والنجف هناك تجميع شمل كان مفترقاً ... منا وتأليف رأي كان يختلف وقد قال أبو تمام في هذا المعنى إلا أن البحتري أبر عليه وزاد، وذلك قوله في آل مصعب:

стр. 1550

قولا لإبراهيم والفضل الذي ... سكنت مودته جنوب شغافي منع الزيارة والوصال سحائب ... شم الغوارب جأبة الأكناف ظلمت بني الحاج النزيع وأنصفت ... عرض البسيطة أيما إنصاف فأتت بمنفعة الرياض وضرها ... أهل المنازل ألسن الوصاف فجفوتكم وعلمت في أمثالها ... أن الوصول هو القطوع الجافي لما استقلت ثرة أخلاقها ... مملوءة الأرجاء والأكناف وعلمت ما يلقى المزور إذا همت ... من ممطر ذفر وطين خفاف شهدت لها الأنواء أجمع أنها ... من مزنة لكريمة الأطراف فكم اغتدت فيها السماء فأنعمت ... للأرض من تحف ومن ألطاف فكأنني بالروض قد أجلى لنا ... عن حلية من وشية أفواف

стр. 1551

وكانني بالشدقمية وسطه ... خضر اللهى والوظف والأخفاف إن الشتاء على شتامة وجهه ... لهو المفيد طلاقة المصطاف وقال البحتري: أناة أيها الفلك المدار ويوم بالمطيرة أمطرتنا ... سماء صوب وابلها عقار نزلنا منزل الحسن بن وهب ... وقد درست مغانيه القفار تلقانا الشتاء به وزرنا ... بنات اللهو إذ قرب المزار أقمنا أكلنا فيها استلاب ... هناك وشربنا فيها بدار تنازعنا المدامة وهي صرف ... وأعجلنا الطرائح وهي نار ولم يك ذاك سخفاً غير أني ... رأيت الشرب سخفهم الوقار رضينا من عقيد وابن حبر ... بصوت الأثل إذ متع النهار تزعزعه الشمال إذا توافى ... على أنفاسها قطر صغار

стр. 1552

غداة دجنة للغيث فيها ... خلال الروض حج واعتمار كأن الريح والمطر المناجي ... خواطرها عتاب واعتذار كأن مدار دجلة حيث جاءت ... بأجمعها هلال أو سوار ومن جيد شعره وبارع ألفاظه قوله في قصيدته: توهم ليلى وأظعانها سرى البرق يلمع في مزنة ... تمد إلى الأرض أشطانها فلا تسألا باستواء الزما ... ن وقد وافت الشمس ميزانها شبيبة لهو تلقيتها ... فسايرت بالراح ريعانها ولا أريحية حتى ترى ... طروب العشيات نشوانها وليست مداماً إذا أنت لم ... تواصل مع الشرب إدمانها وكم بالجزيرة من روضة ... تضاحك دجلة ثعبانها غرائب تخطف لحظ العيون ... وقد جلت الشمس ألوانها إذا غرد الطير فيها ثنت ... إليك الأغاني ألحانها

стр. 1553

تسير العمارات أيسارها ... ويعترض القصر أيمانها وتحمل دجلة حمل الجموح ... حتى تناطح أركانها كأن العذارى تمشي بها ... إذا هزت الريح أفنانها تعانق للقرب شجراؤها ... عناق الأحبة أسكانها فطوراً تقوم الصبا ... وطوراً تميل أغصانها جنوحاً تنقل أفياءها ... كما جرت الخيل أرسانها ومن جيد شعره في الخمر قوله: قد سقاني ولم يصرد أبو الغو ... ث على العسكرين شربة خلس من عقار تقولها وهي نجم ... ضوأ الليل أو مجاجة شمس وتراها إذا أجدت سروراً ... وارتياحاً للشارب المتحسي أفرغت في الزجاج من كل قلب ... فهي محبوبة إلى كل نفس قوله: «وهي نجم» من: وهى يهي: أي: ما ينفصل من النجم، يريد ضوء النجم عند انقضاضه، ومن يخالفه يقول: ليس ذلك الضوء من النجم، ولكن قد جرى على الألسن.

стр. 1554

وقد ذكر هذه اللفظة في موضع آخر من شعره فقال في وصف فرس أشقر: لو أوقد المصباح منه لسامحت ... بضيائه شية كوهي الكوكب وقوله: «أو مجاجة شمس» من نحو هذا، يريد ضوء الشمس، وضوؤها هو الذي تمجه على الأرض. وقوله: «أفرغت في الزجاج من كل قلب»، من معانيه التي يسألأ عنها، وإنما أراد «وتراها إذا أجدت» بضم التاء، أي: تحسبها أفرغت في الزجاج من كل قلب، أي: كأن القلوب كانت أوعيتها، فمن أجل ذلك صارت محبوبة إلى كل نفس. وقد قيل: إنما أراد أن الذي يسكبها في الإناء لا يسكبها بتكلف ولا على سبيل ضرورة، ولا عمل كسائر الأعمال التي لا لذة فيها لمن يعملها، لكن يسكبها وهو على أتم شهوة لذلك ومسرة به، والتذاذ له، فكأن قوله: «من كل قلب» أي يفرغها في كأسها من كل قلبه، فهذه كلمة مستعملة، ألا تراهم يقولون: ليس هذا من كل قلبك، في الشيء الذي يظن أن الإنسان قد أبطن غيره.

стр. 1555

وهذا من نادر شعره ومشهور إحسانه ومعانيه. وقال أبو تمام وكتب بها إلى الحسن بن وهب يستهدي منه نبيذا: جعلت فداك عبد الله عندي ... بعقب البعد منه والبعاد له لمة من الكتاب بيض ... قضوا حق الزيادة والوداد وأحسب يومهم إن لم تجدهم ... مصادف دعوة منهم جماد فكم نوء من الصهباء سار ... وآخر منك بالمعروف غاد فهذا يستهل على غليلي ... وهذا يستهل على بلادي ويسقي ذا مذانب كل عرق ... ويترع ذا قرارة كل واد دعوتهم عليك وكنت ممن ... نعنيه على العقد الجياد قوله: «البعد والبعاد» جعل البعد منه في موضع هجره، وجعل البعاد الغيبة، وقوم يروونه: «بعقب الصد منه والبعاد» والذي قاله الرجل هو هذا، لأني كذا وجدته في الأصول العتق. وقوله: «فهذا يستهل على غليلي» أي: يروي عطشي «وهذا يستهل على بلادي» أي على مواطني ومحلي، وقوم يروونه «يستهل على تلادي» وذاك عندي خطأ، لأنه لا يؤدي إلى معنى، إلا أن يعلمنا أن معروف

стр. 1556

الممدوح انضاف إلى مال له تالد، وهذا يوجب ألا يكون معروف الممدوح وقع منه موقع حاجة كوقوع الشراب الذي بل غليله، ولأن يكون استهل على بلاده ومحله أولى، وليس هو أيضاً بالجيد ولا الحلو. وقال البحتري -وكتب بها إلى أحمد بن محمد بن شجاع يستهديه نبيذاً في آخر ليلة من شعبان-: لك الخير ما مقدار عفوي وما جهدي ... وآل حميد عند آخرهم عندي تتابعت الطاءان طوس وطيء ... فقل في خراسان وإن شئت في نجد أتوني بلا وعد وإن لم تجد لهم ... براحهم راحوا جميعاً على وعد ولم أر خلاً كالنبيذ إذا جفا ... جفاك له خلانه وذوو الود ومما دهى الفتيان أنهم غدوا ... بآخر شعبان على أول الورد غداً يحرم الماء القراح وتنتوي ... وجوه من اللذات مشجية الفقد أعنا على يوم يشيع لهونا ... إلى ليلة فيها له أجل مرد ولست أعد كم ليلة لك سامحت ... يدي ومجد منك شيد لي مجدي وما النعمة البيضاء في شركة الغنى ... بل النعمة البيضاء في شركة الحمد وهذا من جيد الشعر وحلو المعاني. قوله: «عند آخرهم عندي» أي: عن آخرهم، «وتنتوي وجوه»: هو من النية والنوى، أي: تبعد.

стр. 1557

وقوله: «لك الخير» أحسن من قول أبي تمام: «جعلت فداك». وقال البحتري يخاطب أبا صالح بن عمار الحلبي: أخي إنه أضعت به رشدي ... ولم أر هزلي في انصرافي ولا جدي تركتك لما استوقف الدجن ركبه ... علينا وطار القلب خوفاً من الرعد يجر على الغيث هداب مزنة ... وآخرها فيه وأولها عندي تعجل عن ميقاته فكأنه ... أبو صالح قد بت منه على وعد وظلت أقاسي حارثيك بعدما انـ ... ـصرفت فسلني عن معاشرة الجند

стр. 1558

له خلق جاسي النواحي كأنني ... أمارس منه هادي الأسد الورد وهذا من أحسن كلام وأحلى مذهب وقال يخاطب أبا نوح ويستهديه شراباً: قربت من الفعل الكريم يداكا ... ودنا على المتطلبين جداكا فاسلم أبا نوح لتشييد العلا ... وفداك من صرف الزمان عداكا إبي لأضمر للربيع محبة ... إذ كنت أعتد الربيع أخاكا وأراك بالعين التي لم تنصرف ... ألحاظها إلا أتى نعماكا ما للمدام تأخرت عن فتية ... عزموا الصبوح وأملوا جدواكا بكرت لهم سقيا السحاب وقصرت ... عنهم أوان تعلة سقياكا ما كان صوب المزن يطمع قبلها ... في أن يجيء نداه قبل نداك ولديك صهباء كأن نسيمها ... من طيب عرفك أو جميل نثاكا وكأن بشرك في شعاع كؤوسها ... لما توالت في الأكف دراكا تجلو برونقها العيون إذا أتت ... رسلاً ونشربها على ذكراكا يغني النديم عن الغناء حديثنا ... بمحاسن لك لم تكن لسواكا

стр. 1559

فقوله: «تجلو برونقها العيون» أي: تجلو أبصارنا كما يقال: النظر إلى كذا يجلو البصر. وقال: عدمت النغيل فما أدمره ... وأولى الصديق بأن يهجره إذا قلت قدمه كيسه ... عراه من النقص ما أخره دعانا إلى مجلس فاحش ... قبيح بذي اللب أن يحضره فجاء نبيذ له حامض ... يشق على الكبد المقفره إذا صب مسوده في الزجا ... ج فكأس النديم به محبره! تركت مشمس قطربل ... وجرعتنا دقل الدسكره ومالي أطعتك في شربه ... وما كنت أعهدني ذا شره وما يعتريني الذي يعتريـ ... ـك بحق السواد من الأبخره

стр. 1560

فلأياً عزمنا على الإنصرا ... ف وقد أوجب الوقت أن تحذره فقمنا على عجل والنجو ... ممولية قد هوت مدبره وكان الجواز على علة ... وكدنا نبيت في المقطره ولما نزلت أطل الخما ... ر بحد سماديره المسهره ولا تسألني عن حالة ... بليت بها صعبة منكره وليلة سوء أمرت علي ... كليلة شيخك في القوصره هذا البيت الأخير يدل على أنه النغيل بالنون. وقال أبو تمام: قد عرفنا دلائل المنع أو ما ... يشبه المنع في احتباس الرسول وافتضحنا عند الزبيب بما صح ... لديه من قبح وجه الشمول فاجأتنا كدراء لم تسي من تسـ ... ـنيم جريالها ولا سلسبيل بعقار لا نشرها نفحة المسـ ... ـك ولا خدها بخد أسيل

стр. 1561

وكأن الأنامل اعتصرتها ... بعد كد من ماء وجه البخيل فهي نزر لو أنها من دموع الصـ ... ـب لم تشف من حر الغليل لا تهدى سبل العروق ولا تنـ ... ـسل من مفصل بغير دليل احتساباً بذلتها أم تصدقـ ... ـت بها رحمة على ابن السبيل قد كتبنا لك الأمان فما تسـ ... ـأل شيئاً عمر الزمان الطويل رب معط قد امتحنا نداه ... وعرفنا كثيره بالقليل فالبحتري اقتص ما جرى عليه، وقوله: «فكأس النديم به محبرة» معنى صالح. وذم أبي تمام لشرابه أجود وأبلغ، وغرضه فيه أحسن، وقول البحتري: «وكأس النديم به محبرة» نحو قول ابن الرومي: لو تراني وفي يدي قدح الدو ... شاب أبضرت بازيار الغراب وما قال أول ولا آخر في وصف الخمر والندمان كقول أبي نواس فإنه أبر فيه على من قبله، ولم يطمع في اللحاق به من بعده.

стр. 1562

وقال البحتري في بعض بني حميد: خير يوميك في الهوى واقتباله نعمت كأسه بطيب فقلنا ... أعيت نشر خلة من خلاله إن فزعنا إليه في الراح أدتـ ... ـنا إليها طوعاً سيوب سجالة نتلقى المدام من جود كف ... يختطيها لنا إلى حر ماله فتركنا يمينه لجداه ... واستمحنا ناجوده من شماله وهذا ما لا مزيد عليه في الحسن والحلاوة والبراعة. وقال يمدح بعض بني مخلد ويطلب منه شراباً: أرى الله خص بني مخلد ... بأكرم مأثرة للعرب تضاف الخلافة في دورهم ... فتخبر عن سروهم بالعجب ملوك لهم عادة في القرى ... تورثها حسب عن حسب ترى الكأس صافية كاللجيـ ... ـن والخمر صافية كالذهب

стр. 1563

وقال في علي بن يحيى الأرمني: أبلغ أبا حسن بآية جوده ... عندي ونعمته التي لا تجهل إني بلوت له خلالاً لم يرح ... في مثل أصغرها الغمام المسبل ماذا نقول فلم تزل ذا همة ... فصل تقول بها الجميل وتفعل في فتية بكروا علي تطرباً ... من أوجه شتى وفيهم دعبل وعليك سقياهم لنا إذ لم يكن ... في نوبة إلا عليك معول وأحق من وسع الندامى جوده ... بالراح من كانت له قطربل

стр. 1564

صفحة فارغة [٦٣٢]

стр. 1565

* باب في وصف الغلمان واستهدائهم قال أبو تمام -وأهدى إليه الحسن بن وهب غلامًا- في قصيدته التي أولها: لمكاسر الحسن بن وهب أطيب قد جاءنا الرشأ الذي أهديته ... خرقاً ولو شئنا لقلنا المركب لدن البنان له لسان أعجم ... خرس معانيه ووجه معرب يرنو فيثلم في القلوب بطرفه ... ويعن للنظر الحرون فيصحب قد صرف الرانون خمرة خده ... وأظنها بالريق منه ستقطب حمد حبيت به وأجر حلقت ... من دونه عنقاء ليل مغرب خذه وإن لم ترتجع معروفه ... محض إذا ذكر الرجال مهذب وانفخ لنا من طيب خيمك نفحة ... إن كانت الأخلاق مما يوهب

стр. 1566

وقال البحتري وأهدى إليه محمد بن علي القمي غلاماً، وكان البحتري يواصله فانقطع عنه، فكتب إليه محمد بن علي: هجرت كأن الوصل أعقب وحشة ... وما خلت وصلاً قبله يعقب الهجرا فقال البحتري مجيباً له: فتى مذحج عفواً فتى مذحج غفرا ... لمعتذر جاءت إساءته تترا ومن يهب النيل الذي سمحت به ... يداك بلا من فلن يمنع العذرا فإن قلت بي كبر فمثل الذي أرى ... على الناس من نعماك يملؤني كبرا مواهب لي منها الغنى فمتى التقى ... بساحتها حمد فلي حمدها طرا تضاف إلى مجدي وتجري إلى يدي ... فأملكها مالاً وأملكها فخرا أتاني قريض منك يحدوه نائل ... فأنطقني جوداً وأفحمني شعرا وأكسبني شغلاً عن الوصل شاغلاً ... تعاتبني فيه وتعتده هجرا فإن كنت مشغوفاً بقربي آنساً ... بشخصي فلم خولتني ذلك البدرا لئن كان إسعافي به منك قبلها ... وفاء لقد كان انفرادي به غدرا وما هو إلا درة لم أجد لها ... سوى جودك الأمسي من دونها بحرا حملت عليه في سبيل فتوة ... هي الثغر دون المجد أو تفضل الثغرا فأنت تصيب الحمد حيث تلألأت ... كواكبه إن أنت لم تصب الأجرا

стр. 1567

وجدت نداك اليوم ألطف موقعاً ... وقد كان لي خلاً فأصبح لي صهرا فإن أنا لم أشكرك جاهداً ... فلا نلت نعمى بعدها توجب الشكرا أخذ معنى قوله: «فأنت تصيب الحمد حيث تلألأت ... كواكبه ...................» من قول أبي تمام: حمد حبيت به وأجر حلقت ... من دونه عنقاء ليل مغرب وبيت أبي تمام أجود. وقال البحتري يستهدي أبا إسحاق إبراهيم بن المدبر غلاماً: عمرت أبا إسحاق ما صلح العمر ... ولا انفك مزهواً بأيامك الدهر لنا كل يوم من عطائك نائل ... وعندك من تقريظنا أبداً نشر وأنت ندى نحلته حيث لا ندى ... وقطر يرجى جوده حيث لا قطر على أنني بعد الرضا متسخط ... ومستعتب من خطة سهلها وعر وقد أوحشتني ردة لم أكن لها ... بأهل ولا عندي بتأويلها خبر فكم جئت طوع الشوق من بعد غاية ... إلى غير مشتاق وكم ردني بشر وما باله يأبى دخولي وقد رأى ... خروجي من أبوابكم ويدي صفر

стр. 1568

وقد أدرك الأقوام عندك سؤلهم ... وعمهم من سيب أحسانك الكثر فكيف ترى المحمول كرهاً على الصدى ... وقد صك رجليه بأمواجه البحر تأت لموتور بدا لك ضغنه ... فإن الحجاب عند ذي خر وتر وقد زعموا أن ليس يغتصب الفتى ... على عزمه إلا الهدية والسحر فإن كنت يوماً لا محالة مهدياً ... ففي المهرجان الوقت إن فاتك الفطر وإن تهد ميخائيل ترسل بتحفة ... تقضى لها العتبى ويغتفر الوزر غرير تراءاه العيون كأنما ... أضاء لها في عقب داجية فجر ولو يبتدي في بضع عشرة ليلة ... من الشهر ما شك امرؤ أنه البدر إذا انصرفت يوماً بعطفيه لفتة ... أو اعترضت من لحظه نظرة شزر رأيت هوى قلب بطيئاً نزوعه ... وحاجة نفس ليس عن مثلها صبر ومثلك أعطى مثله لم يضق به ... ذراعاً ولم يحرج به أو له صدر على أنه قد مر عمر لطيبه ... ومن أعظم الآفات في مثله العمر غداً تفسد الأيام منه ولم يكن ... بأول صافي الحسن غيره الدهر ويمنى بحضني لحية مدلهمة ... لخديه منها الويل إن ساقها قدر تجاف له عنه فإنك واجد ... به ثمناً يغليه في مدحك الشعر ولا تطلب العلات فيه وترتقي ... إلى حيل فيها لمعتذر عذر فقد يتغابى المرء في عظم ماله ... ومن تحت ثوبيه المغيرة أو عمرو

стр. 1569

ويخرق بالتبذير وهو مجرب ... فلا يتمارى القوم في أنه غمر ومن لم ير الإيثار لم يشتهر له ... فعال ولم يبعد لسؤدده ذكر فإن قلت نذر أو يمين تقدمت ... فأي جواد حل في ماله نذر أتعتده علقاً كريماً فإنما ... مرام كريم القوم أن يكرم الذخر وإن كنت تهواه وتأبى فراقه ... فقد كان وفر قبله فمضى وفر وألطف منه في الفؤاد محلة ... ثناء تبقيه القصائد أو شكر وهذا من إحسان أبي عبادة المشهور. وقال يخاطب أبا جعفر حميد ويستهديه غلاماً في قصيدة أولها: أبكاء في الدار بعد الدار قد مللناك يا غلام فغاد ... بسلام أو رائح أو سار سرقات مني خصوصاً فهلا ... من عدو أو صاحب أو جار أنا من ياسر ويسر وفتح ... لست من عامر ولا عمار لا أريد النظير يخرجه الشتـ ... ـم إلى الاحتجاج والإفتخار وإذا رعته بناحية السو ... ط على الذنب راعني بالفرار ما بأرض العراق يا قوم حر ... يفتديني من خدمة الأحرار هل جواد بأبيض من بني الأصـ ... ـفر ضخم الجدود محض النجار

стр. 1570

لم ترع قومه السرايا ولم يغـ ... ـزهم غير جحفل جرار أو خميس كأنما طرقوا منـ ... ـه بليل أو صبحوا بنهار في زهاه أبو سعيد على آ ... ثار خيل قد حاجزته بثار يتلظى كأنه لصفوف السـ ... ـبي في عسكريه ذو الأذعار فوق صعف الصغار إن وكل الأمـ ... ـر إليه ودون كيد الكبار رشأ تخبر القراطق منه ... عن كنار تضيء تحت الكنار «عن كنار» أي عن جسم يضيء كالنار «تحت الكنار»، أي تحت القباء الذي يلبسه على جسده، أراه بالرومية، وهو اسم للقباء معروف. لك من ثغره وخديه ما شئـ ... ـت من الأقحوان والجلنار أعجمي إلا عجالة لفظ ... عربي تفتح النوار وكأن الذكاء يبعث منه ... في سواد الأمور شعلة نار يا أبا جعفر وما أنت بالمد ... عو إلا لكل أمر كبار شمس شمس وبدر آل حميد ... يوم عد الشموس والأقمار وفتى طيء وشيخ بني الصا ... مت أهل الأحساب والأخطار

стр. 1571

لك من حاتم وأوس وزيد ... إرث أكرومة وإرث فخار سمح بين برمة أعشار ... تتكفا وجفنة أكسار وسيوف مطبوعة بالمنايا ... واقعات مواقع الأقدار تلك أفعالهم على أول الدهـ ... ـر وكانوا جداولاً من بحار أملي فيكم وحقي عليكم ... ورواحي إليكم وابتكاري واضطرابي في الناس حتى إذا عد ... ت إلى حاجة فأنتم قصاري ولعمري للجود للناس بالنا ... س سواه بالثوب والدينار وعزيز إلا لديك بهذا الـ ... فج أخذ الغلمان بالأشعار وهذه ألفاظ ما أظنك سمعت بمثلها، ولا مثل ألفاظها وسبكها وكثرة مائها ورونقها. وقال البحتري -وهي من مجونه النادر-: يا أبا جعفر غدونا حديثاً ... في سواجير منبج مستفيضا عظمت عذرتي إليك وطالت ... فاغفرن ذنبي الطويل العريضا

стр. 1572

نك غلامي إذا اتخذت غلاما ... واعف إن المعروف كان قروضا قطع ابن الغلائلي وداداً ... كان من قبل وصله مفروضا بت أعطي منه غرائب حسن ... بات من منعها الوفاء مريضا كفلاً ناعماً وكشحاً لطيفا ... وقواماً لدنا وطرفاً غضيضا وغناء لمن أراد غناء ... وقريضاً لمن أراد قريضا من جواد سمح يجمش باللحـ ... ـظ ذكاء ويفهم التعريضا ومباح فما يحصنه السو ... ر ولو بات دونه معروضا وإذا ما أردت أن تمنع النا ... س ورود الفرات كنت بغيضا وقال أبو تمام يخاطب الحسن بن وهب: أبا علي لصرف الدهر والغير ... ولليالي وللأيام والعبر أذكرتني أمر داود وكنت فتى ... مصرف القلب في الأهواء والذكر أعندك الشمس قد راقت محاسنها ... وأنت مشتغل الأحشاء بالقمر

стр. 1573

إن أنت لم تترك السير الحثيث إلى ... جآذر الروم أعنقنا إلى الخزر إن النفور له مني مقر هوى ... يحل مني محل السمع والبصر فرب أمنع منه جانباً وحمى ... قد بات ليلته مني على حذر سيرت فيه جنود العزم فانكشفت ... عنه غيابتها عن نيكة هدر سبحان من سبحته كل جارحة ... ما فيك من طمحان الأير والنظر أنت المقيم فما تسري رواحله ... وأيره أبداً منه على سفر وهذا أيضاً جيد حلو. وقال أبو تمام أيضاً: كشفتك الأيام يا إنسان ... لا تكن للذي أهنت الهوان إن تكن قد فضضت بعدي فليست ... بدعة أن يفلق الرمان نشرتك الكؤوس بعد عفاف ... كنت تطوى من تحته وتصان أيها السابق المسامح في الـ ... ـلذات والقصف أين ذاك الحران ما تحداك رائض لك إلا ... قلت بيني وبينك الميدان كيف أشقى بكم ويسعد غيري ... بهواكم حبي إذن كشخان

стр. 1574

وهذا من رديء شعره وبارده المشهور في هذا المعنى. ولأبي تمام في ذكر المردان وهجائهم وخروج اللحى والنتف ونحو هذه المعاني مقطوعات كثيرة رديئة ليس في ذكرها فائدة. ومما يدخل في هذا الباب ما قاله البحتري في غلامه نسيم فمن ذلك قوله فيه وقد باعه: قل للجنوب إذا غدوت فبلغي ... كبدي نسيماً من جناب نسيم أخدعت عنك وأنت بدر خادع ... لليل من ظلم له وغيوم كرم الزمان ولمت فيك ولا ترى ... عجباً سوى كرم الزمان ولومي وظلمت نفسي جاهداً في ظلمها ... فاسمع ندامة ظالم مظلوم قد زاد يوم البؤس بعدك أنه ... أفضى إلي بعقب يوم نعيم وأقمت في قلبي وشخصك سائر ... لا تبعدن من سائر ومقيم لا كان وجدي أين كان وأنت لي ... ملك وعهدي منك غير ذميم الآن أطمع في هواك وبيننا ... عين الرقيب وباب إبراهيم

стр. 1575

وقال: دعا عبرتي تجري على الجور والقصد ... أظن نسيماً قارف الهجر من بعدي خلا ناطري من طيفه بعد شخصه ... فيا عجباً للدهر فقداً على فقد خليلي هل من نظرة توصلانها ... إلى وجنات ينتسبن إلى الورد وقد يكاد القلب ينقذ دونه ... إذا اهتز في قرب من العين أو بعد بنفسي حبيب نقلوه عن اسمه ... فبات غريباً في رخاء وفي سعد ويا حائلاً عن ذلك الاسم لا تحل ... وإن جهد الأعداء عن ذلك العهد كفى حزناً أنا على الوصل نلتقي ... فواقاً فتثنينا العيون إلى الصد فلو تمكن الشكوى لخبرك البكا ... حقيقة ما عندي وإن جل ما عندي هوى لا جميل في بثينة ناله ... بمثل ولا عمرو بن عجلان في هند غصبتك ممزوجاً بنفسي ولا أرى ... لهم زاجراً ينهى ولا حاكماً يعدي فوا أسفاً لو قاتل الأسف الجوى ... ولهفي لو أن اللهف في ظالم يجدي أبا الفضل في تسع وتسعين نعجة ... غنى لك عن ظبي بساحتنا فرد

стр. 1576

أتأخذه مني وقد أخذ الجوى ... مأخذه مما أسر وما أبدي وتخطو إليه صبوتي وصبابتي ... ولم يخطه بثي ولم يعده وجدي وقلت اسل عنه والجوانح حوله ... وكيف سلو ابن المفرغ عن برد وقال فيه: أنسيم هل للدهر وعد صادق ... مما يؤمله المحب الوامق مالي فقدتك في المنام ولم تزل ... عون المشوق إذا جفاه الشائق أمنعت أنت من الزيارة رقبة ... منهم فهل منع الخيال الطارق اليوم جاز بي الهوى مقداره ... في أهله وعلمت أني عاشق فليهنيء الحسن بن وهب أنه ... يلقى أحبته ونحن نفارق

стр. 1577

* باب في وصف الرياض والأنوار والسحائب والأمطار وذكر الأبنية قال أبو تمام في وصف الزهر: رقت حواشي الدهر فهي تمرمر ... وغدا الثرى في حليه يتكسر نزلت مقدمة المصيف حميدة ... ويد الشتاء جديدة لا تكفر لولا الذي غرس الشتاء بكفه ... لاقى المصيف هشائماً لا تثمر كم ليلة آسى البلاد بنفسه ... فيها ويوم وبله مثعنجر مطر تذوق الصحو منه وبعده ... صحو يكاد من الغضارة يمطر وندى إذا ادهنت به لمم الثرى ... خلت السحاب أتاه وهو معذر غيثان فالأنواء غيث ظاهر ... لك وجهه والصحو غيث مضمر أربيعنا في تسع عشرة حجة ... حقاً لهنك للربيع الأزهر

стр. 1578

ما كانت الأيام تسلب بهجة ... لو أن حسن الأرض كان يعمر أو لاترى الأشياء إن هي غيرت ... سمجت وحسن الأرض حين تغير يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور تريا نهاراً مشمساً قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر دنيا معاش للورى حتى إذا ... جلي الربيع فأنما هي منظر أضحت تصوغ بطونها لظهورها ... نوراً تكاد له القلوب تنور من كل زاهرة ترقرق بالندى ... فكأنها عين إليه تحدر تبدو فبحجبها الجميم كأنها ... عذراء تبدو تارة وتخفر حتى غدت وهداتها ونجادها ... فئتين في حلل الربيع تبخر

стр. 1579

مصفرة محمرة فكأنها ... عصب تيمن في الوغى وتمضر من فاقع غض النبات كأنه ... در يشقق قبل ثم يزعفر أو ساطع في حمرة فكأن ما ... يدنو إليه من الهواء معصفر صنع الذي لولا بدائع صنعه ... لم يلف أصفر بعد إذ هو أخضر قوله: «تذوق الصحو منه» أي: تتبين أنه يقلع ولا يدوم، وأن الصحو يأتي سريعاً في أثره، وقد صحف بعض من فسر شعر أبي تمام في هذه اللفظة فقال: «يروق الصحو منه» مكان «تذوق» وقال أخر: «تذوب الصخر منه». وقوله: «أو لا ترى الأشياء إن هي غيرت ... سمجت .................» وقد فسرت معناه في جملة أبيات من شعره جعلت لتفسيرها جزءاً مفرداً.

стр. 1580

وقوله: «فكأنها عين إليه تحدر» مما يسألأ عنه أيضاً أن يكون قدم كناية العين فيها، وأراد بقوله: «من كل زاهرة» يعني النور، وقد ذكره في البيت الذي قبله، فلذلك نكر، فقال: «إليه» أي: فكأن عيناً تتحدر إلى كل زاهرة، يعني عين ماء، وكان وجه الكلام: فكأنه عين إليها، أي: فكأن الندى عين إلى الزاهرة، فقلب فقال: «فكأنها عين إليه»، ومثل هذا القلب لا يسوغ لمثله، وإلى واللام تعتقبان، قال الله تعالى: «بأن ربك أوحى لها»
следующие страницы →