Полный текст (1 636 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
هذا الكلام دالة على أنه قد نفى الرضا عن نفسه؛ بإدخاله الواو على " هل " وإنما يشبه هذا قول القائل " وهل أرضى إذا كانت أفعالك كذا " " وهل أصلح للخير عندك إذا كنت تعتقد غي رذلك " " وهل ينفع في زيد العتاب " كقول الشاعر:
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟
وقول ذو الرمة:
وهل يرجع التسليم أو بكشف العمى ... ثلاث الأثافى والرسوم البلاقع
لأن الواو ههنا كأنها عطفت جواباً على قول قائل: إن فلانا سيصلح ويرجع إلى الجميل، فقال آخر:
وهل يصلح العطار ماأفسد الدهر؟
وكقول ذى الرمة:
أمنزلتي مى سلامٌ عليكما ... هل الأزمن اللائي مين رواجع؟
لما علم أن التسليم غير نافعٍ عاد على نفسه فقال " وهل يرجع التسليم " وكما قال امرؤ القيس:
وإن شفائي عبرةٌ مهراقةٌ
ثم قال:
وهل عند ربعٍ دارسٍ من معول؟
وكذلك قول أب يتمام " رضيت " ثم قال " وهل أرضى إذا كان مسخطي
стр. 212
" إنما معناه ولست أرضى، فكان وجه الكلام أن يقول: رضيت وكيف لا أرضى إذا كان مسخطي ما فيه رضا الله تعالى، وكذا أراد فأخطأ في اللفظ، وأحال المعنى عن جهته إلى ضده.
فإن قيل: إن " هل " هنا بمعنى قد، وإنما أراد الطائي رضيت وقد أرضى، كما قال الله تعالى: " هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر " أي: قد أتى.
قيل: هذا إنما قاله قومٌ من أهل التفسير، وتبعهم قوم من النحويين. وأهل اللغة جميعاً على خلاف ذلك؛ إذ لم يأت في كلام العرب وأشعارها " هل قام زيد " بمعنى قد قام زيد، وإذا كان ذلك معدوماً في كلام العرب ولغاتها فكيف يجوز أن يؤخذ به أو يعول عليه؟ وقد قال أبو إسحاق الزجاج وجماعةٌ من أهل العربية في قوله " هل أتى على الإنسان " معناه ألم يأت، على سبيل التقرير. وهب الأمر في هذا كما ذكروا، والخلاف ساقط فيه، فإن بيت أبي تمام لا يحتمل من التأويل ما احتملته الآية؛ لأن " هل " إنما شبهها من شبهها بقد إذا وليت لفظ الماضي خاصة، وأبو تمام إنما أوقعها على الفعل [المستقبل وإذا وقعت على]
стр. 213
المستقبل؛ فسقط عنها أن تضارع قد؛ لأن قد حينئذ قد تكون بمعنى ربما، و " هل " ليس فيها ذلك.
وبعد؛ فإن كان الرجل إنما أراد بهل معنى قد فلم لم يقل رضيت وقد أرضى؛ فيأتي بلفظة " قد " إذا كان يريد الخبر، ولا يأتي بهل فيلتبس الخبر الذي إيّاه قصد بالاستفهام؟ فإن البيت كان يستقيم بقد ويغنينا عن الاحتجاج الطويل.
وقد استقصيت القول في هذا البيت وما ذكره النحو يون وسيبويه وغيره في معنى قد وهل، ولخصته في جزء مفرد، وإنما فعلت ذلك لكثرة من عارضني فيه، وادّعى الدعاوي الباطلة في الاحتجاج لصحته.
١٧ - ومن خطائه قوله في البكاء على الديار:
دار أجل الهوى عن أن ألمّ بها ... في الرّكب إلاّوعيني من منائحها
وهذا لفظ محال عن وجهه؛ لأن " إلا " ههنا تحقيق وإيجاب فكيف يجوز أن تكون عينه من منائحها إذا لم يلم بها؟ وإنما وجه الكلام أن يقول: " دار أجل الهوى عن أن ألم بها وليس عينى من منائحها " وقد كنت أظن
стр. 214
أن أبا تمام على هذا نظم الشعر، وأن غلطاً وقع عليه في نقل البيت، حتى رجعت إلى النسخ العتيقة التي لم تقع في يد الصولى وأضرابه، فوجدت البيت في غير نسخة مثبتاً على هذا الخطأ.
١٨ - ومن خطائه أيضاً في وصف الربع وساكنه قوله:
قد كنت معهوداً بأحسن ساكنٍ ... ثاوٍ وأحسن دمنةٍ ورسوم
والربع لا يكون رسماً إلا إذا فارقه ساكنوه؛ لأن الرسم هو الأثر الباقي بعد سكانه، والواب قول البحتري:
يا مغاني الأحباب صرت رسوماً ... وغدا الدهر فيك عندي ملوماً
وقال ارمؤ القيس:
وهل عند رسمٍ دارس من معول؟
فقال ذلك لأن الرسم يكون دارساً وغير دارس، وقال:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ وعرفان ... ورسمٍ عفت آياته منذ أزمان
١٩ - ومن خطائه أيضاً قوله:
طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا
стр. 215
أراد وكفى بأنه مضى حميداً شاهداً على أنى رزئت، وكان وجه الكلام أن يقول: وكفى برزئي شاهداً على أن مضى حميدا؛ لأن حمد أمر الطلل قد مضى، ولس بمشاهد ولا معلوم، فلان يكون الحاضر شاهداً على الغائب أولى من أن يكون الغائب شاهداً على الحاضر.
فإن قيل: إنما أراد أن يستشهد على عظيم رزئه عند من لم يعلمه.
قيل: فمن لا يعلم قدر مرزأته التي بعضها ظاهرٌ عليه كيف يعلم ما مضى من حميد أمر الطلل؛ حتى يكون شاهداً على هذا؟ فإن قيل: هذا إنما جاء به على القلب.
قيل له: المتأخر لا يرخص له في القلب؛ لأن القلب إنما جاء في كلام العرب على السهو، والمتأخر إنما يحتذى على أمثلتهم، ويقتدى بهم، وليس ينبغي له أن يتبعهم فيما سهوا فيه.
فإن قيل: فقد جاء القلب في القرآن، ولا يجوز أن يكون ذلك على سبيل السهو والضرورة؛ لأن كلام الله يتعالى عن ذلك، وهو قوله: " ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة " وإنما العصبة تنوء بالمفاتيح، أي تنهض بثقلها، وقال : " ثم دنى فتدلى " وإنما هو تدلى فدنا، وقال: " وإنه لحب الخير لشديدٌ " أي: وإن
стр. 216
حبه للخير لشديد، ولهذا أشباهٌ كثيرة في القرآن.
قيل: هذا ليس بقلب، وإنما هو صحيح مستقيم، إنما أراد الله تعالى اسمه: ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، أي: نميلها من ثقلها، ذكر ذلك الفراء وغيره، وقالوا: إنما المعنى لتنيء العصبة، وقوله " وإنه لحب الخير لشديد " قيل: المعنى إنه لحب المال لشديد، والشدة: البخل، يقال " رجل شديدٌ وتشدد " أي: بخيل، يريد إنه لحب المال لبخيل متشدد، يريد إنه لحب المال: أي لأجل خبه المال يبخل، وقالوا في قوله : " ثم دنى فتدلى ": إنما كان تدليه عند دنوه واقترابه، وكما قال أبو النجم:
قبل دنوا الأفق من جوزائه
والجوزاء إذا دنت من الأفق فقد دنا الأفق منها، وليس هذا من القلب المستكره، ومثله في الشعر كثير، قال الشاعر:
ومهمهٍ مغبرةٍ أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه
قوله " كأن لون أرضه سماؤه " أي: كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه، وليس الأمر في ذلك بواجب؛ لأن أرضه وسماءه مضافان جميعاً إلى الهاء،
стр. 217
وهي كناية عن المهمة، فأيهما يشبه بصاحبه كانا فيه سواء، وإنما تغبر آفاق السماء من الجدب واحتباس القطر، وقال الحطيئة:
فلما خشيت الهون والعير ممسكٌ ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره
قال: وكان الوجه أن يقول: ما أمسك الحافر حبله، وكلاهما متقاربان؛ لأن الحبل إذا أمسك الحافر فإن الحافر أيضاً قد شغل الحبل.
فهذا كله سائغ حسن، ولكن القلب القبيح لا يجوز في الشعر، ولا في القرآن، وهو ما جاء في كلامهم على سبيل الغلط، نحو قول خداش بن زهير:
وتركب خيلاً لا هوادة بينها ... وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر
وإنما الضياطرة هي التي تشقى بالرماح، وكقول الآخر:
стр. 218
كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم
وإنما الرجم فريضة الزناء، وكقول الفرزدق يصف ذئباً:
وأطلس عسال وما كان صاحباً ... رفعت لناري موهناً فأتاني
وإنما النار رفعها للذئب، وأنشده المبرد، وقال: القلب جائز للأختصار، إذا لم يدخل الكلام لبسٌ، كأنه يجيز ذلك للمتقدمين دون المتأخرين، وما علمت أحداً قال " للأختصار " غيره، فلو قال لإصلاح الوزن أو للضرورة كما قال غيره كان ذلك أشبه، ويجوز أن يكون الفرزدق ف يهذا البيت سها أو اضطر لإصلاح الوزن، وأبو تمام وغيره من المتأخرين لا يسوغون مثل هذا وإنما أراد أبو تمام وكفى بما يظهر من تفجعي بهذا الرزء الذي رزئته شاهداً على أن الطلل مضى حميدا، قلت: وليس له أن يقلب في مثل هذا؛ لأنه القلب المستكره.
стр. 219
فإن قيل: إنه لم يرد القلب، وإنما أراد وكفى على رزئي بمحمود أمر الطلل شهيدا.
قيل: فبأي شيء أستشهد؟ وأين شهيده؟ ٢٠ - ومن خطائه قوله في باب الفراق:
دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوةً ... فلباه طل الدمع يجري ووابله
أراد أن الشوق دعا ناصراً ينصره فلباه الدمع، بمعنى أنه يخفف لاعج الشوق، ويطفئ حرارته. وهذا إنما هو نصرىٌ للمشتاق على الشوق، والدمع إنما هو حربٌ للشوق؛ لأنه يثلمه ويتخونه ويكسر منه حده، كما قال البحتري:
وبكاء الديار مما يرد الش ... وق ذكراً والحب نضواً ضئيلاً
قوله " يرد الشوق ذكراً " أي: يخففه وثلمه حتى يصير ذكراً لا يقلق ولا يزعج كإقلاق الشوق، وقوله " والحب نضوا " أي يصغره ويمحقه، كما قال جرير:
فلما التقى الحبان ألقيت العصى ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله
فلو كان الدمع ناصراً للشوق لكان يقويه ويزيد فيه، ألا ترى أنك تقول: قد ذبحني الشوق إليك، فالشوق عدو المشتاق وحربه، والدمع سلمٌ لتخفيفه عنه وهو حرب للشوق، وليس بهذا الخطأ خفاء.
стр. 220
وقد تبعه البحتري ف يهذا الخطأ فقال بنعى الديار التي وقف عليها:
نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع ... تلاحقن في أعقاب وصلٍ تصر ما
٢١ - ومن خطائه ف يمعنى الشوق قوله:
يكفيك شوقٌ بطيل ظماءه ... فإذا سقاه سم الأسود
فقوله شوق يطيل ظماءه غلط؛ لأن الشوق هو الظمأ نفسه، ألا ترى أنك تقول: أنا عطشان إلى رؤيتك، وظمآن، ومشتاق، بمعنى واحد، فكيف يكون الشوق هو المطيل للظمأ؟ وكيف يكون في الساقي، والمحبوب هو الذي يظمئ ويسقى، أو البعد أو الهجرة! لا الشوق، فكيف يكون الشوق يطيل شوقه؟ ٢٢ - ومن خطائه قوله:
أمر التجلد بالتلدد حرقةٌ ... أمرت جمود دموعه بسجوم
جعل الحرقة آمرة التجلد بالتلدد، والحرقة التي يكون معها التلدد تسقط التجلد ألبته وتذهب به، فأما أن يجعله متلدداً فإن هذا من أحمق المعاني أولاها بالاستحالة، وأيضاً فأي لفظ أسخف من أن يجعل الحرقة آمرة وإن كان ليس بخطأ، وإنما العادة في مثل هذا أن تكون باعثة أو جالبة أو نحو هذا، وأما الأمر فليس هذا موضعه
стр. 221
ولو كان قال:
أفنى التجلد بالتلدد حرقة ... أفنت جمود دموعه بسجوم
كان أولى بالصواب
٢٣ - ومن خطائه قوله:
من حرقة أطلقتها فرقةٌ أسرت ... قلباً، ومن عذل في نحرة غزل
قوله أطلقتها فرقة أي ثورتخا وأظهرتها، وإنما قال أطلقطها من أجل قوله أست قلباً ليطابق بين الإطلاق والأسر، وقوله أسرت قلباً يعنى الفرقة، وهو معنى ردئ؛ لأن القلب إنما يأسره ويملكه شدة الحب، لا الفراق، فإن لم يكن مأسوراً قبل الفراق فما كان هناك حب، فلم حضر التوديع؟ وما كان وجه البكاء والاستهلاك والوجل الذي ذكره قبل البيت، والقصة الفظيعة التي وصف الحان فيها عند مفارقتهم؟ وماعلم أن للفراق لوعة صعبة ونار محرقة عند وروده وفجأته؛ فلا يسمى ذلك أسراً ذلك أسراً ولا علاقة! وإنما محنة تطرأ على أسير الحب،
стр. 222
وربما قتلته كما يقتل الأسير، والفراق إنما له ثم تبرد وناره، وتخمد وقتاً فوقتاً، حتى يدرس الحب.
فالفراق يفك أسر الحب، وينسى الخليل خليلة إذا امتد به زمان؛ ألا ترى إلى قول ذهير بن جناب الكلبى:
إذا ما شئت أن تشلى حبيباً ... فأكثر دونه عدد اليالى
فما أنسى خليلك مثل نأى ... وما أبلى جديدك كابتذال
وقول آخر:
ينسى الخليلان طول الناى بينهما ... وتلتقى طرق شتى فيأتلف
هذا هو المعنى الصحيح المعروف، وإن كان قد تقدم أبا تمام في هذا المعنى من تبعه، وحذا على حذوه، فالردئ لا يؤتم به. ولعله سمع معنى سائغاً حسناً فأفسده لسوء عبارته، وكثيراً ما يفعله هذا، زكلن ينبغي أن يقول: من حرقة بعتها فرقة أو أظهرتها فرقة جرحت قلباً، حتى يكون أسير الهوى قتيل الفراق.
فإن قيل: فلم لا يكون قوله أسرت قلباً للحرقة للفرقة؟ قيل: لا يكون ذلك؛ لأن الأسر إذا قبح أن يكون فعلا للفرقة
стр. 223
قبح أيضاً أن يكون فعلاً للحرقة؛ لأن الفرقة هي التي جلبت الحرقةن فشأنها كشأنها.
٢٤ - ومن خطائه قوله:
ما لامرئ خاص بحر الهوى عمر ... إلا وللبين فيه السهل والجلد
وهذا عندى خطأ إن كان أراد بالعمر مدة الحياة؛ لأنه اسم واحد للمدة بأسرها فهو لا يتبعض فيقال لكل جزء منه: عمر، كما لا يقال: ما لزيد رأس إلا وفيه شجة أو ضربة، وما له لسان إلا وهو ذرب أو فصيح، وكذلك لا يقال: ما له عمر إلا وهو قصير، وإنما يسوغ هذا فيما فوق الواحد، مثل أن تقول: ما له ضلعٌ إلا مكسورة؛ وما له يد إلا وفيها أثرٌ، ولا رجلٌ إلا وفيها حنف.
وليس قولهم " ماله عيش إلا منغص، ولا حياة إلا كدرة " مثل قولك: ما له عمر إلا قصير، ولو قتله؛ لأن عيش الإنسان ليس له مدة حياته بأسرها؛ لأنك قد تقول: كان عيشي بالعراق طيباً، وكانت حياتي بمكة لذيذة، وكان عيشي بالحجاز أطيب من عيشي باليمن،
стр. 224
ولا تقول: كان عمري؛ لأن العمر هو المدة بأسرها، والعيش والحياة ليسا كذلك؛ لأنهما يتبعضان.
فإن قيل: فأنت تقول " مالزيد رأس حسن، ولا أنف أشم، ولا لسان ذرب ".
قيل: إنما يصلح هذا من أجل النفي؛ لأنك إنما تريد ليس له رأس من الرؤوس الحسنة، ولا لسان من الألسن الذربة وإذا دخلت " إلا " ههنا فقد جعلت المنفى موجباً، وحقيقة؛ فإذا قلت " ليس لزيد رأس إلا حسن " فقد أوجبت له عدة رؤوس!! وهذا خطأ؛ وكذاك سبيل العمر.
وإن كان أراد بالعمر منزله الذي يتوطنه ويعمره، فذلك هو المعمر، وما علمت أن أحداً سماه عمراً إلا أن يكون دير النصاري فإنهم يسمونه عمراً، وما كان يمنعه أن يقول " وطن " مكان " عمر " لأن لفظهما ومعناما واحد، وقد يكون للأنسان عدة أوطان توطنها.
وقد ذكر العمر في موضع آخر من شعره، وهو يريد مدة الحياة؛ فقال:
إذا مارقٌ بالغدر جاوز عمره ... فذاك حريٌ أن تئيم حلائله
أراد أنه إن جاور عمره - أي قاربه - بالغدر، فقد عرضه للزوال والنفاد،
стр. 225
وهذا من عويص ألفاظه، وما أراد بالبيت الأول إلا مدة الحياة؛ لأن ما قبل البيت وما بعده عليه يدل.
٢٥ - وقال في علي بن الجهم:
هي فرقةٌ من صاحب لك ماجد ... فغدا إذابة كل دمعٍ جامد
فافرغ إلى ذخر الشؤون وعذبه ... فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد
وإذا فقدت أخاً فلم تفقد له ... دمعاً ولا صبراً فلست بفاقد
قوله " يذهب بعض جهد الجاهد " أي: بعض جهد الحزن الجاهد، أي الحزن الذي جهدك فهو الجاهد لك، ولو كان استقام له أن يقول " بعض جهد المجهود " لكان أحسن وأليق، وهذا أغرب وأظرف.
وقد جاء أيضاً فاعل بمعنى مفعول؛ قالوا " عيشةٌ راضية " بمعنى مرضية، و " لمح باصرٌ " وإنما هو مبصرٌ فيه، وأشباه هذا كثيرة معروفة، ولكن ليس في كل حال يقال، وإنما ينبغي أن ينتهي في اللغة إلى حيث انتهوا، ولا يتعدى إلى غيره؛ فإن اللغة لا يقاس عليها.
وقوله " فلم تفقد له دمعاً ولا صبراً " من أفحش الخطأ؛ لأن الصابر لا يكون باكياً، والباكي لا يكون صابراً، فقد نسق بلفظةٍ على لفظةٍ وهما
стр. 226
نعتان متضادان، ولا يجوز أن يكونا مجتمين، ومعناه أنك إذا فقدت أخاً فأدام البكاء عليك فلست بفاقد. ولم يرد بفاقدٍ شخصه، وإنما أراد لست بفاقد وده ولا أخوته، وهو محصل لك غير مفقود وإن كان غائباً عنك، وإلى هذا ذهب، إلا أنه أفسده بذكر الصبر مع البكاء، وذلك خطأ ظاهر، ولو كان قال " فلم تفقد له دمعاً ولا جزعاً " أو " دمعاً ولا شوقاً ولا قلقاً " لكان المعنى مستقيما، وظننته قد قال غير هذا، وأن غلطاً وقع في كتابة البيت عند النقل، حتى رجعت إلى أصل أبي سعيد السكري وغيره من الأصول القديمة فلم أجد إلا " دمعاً ولا صبراً " وذلك غفلة منه عجيبة.
وقد لاح لي معنى أظنه - والله أعلم - إليه قصد، وهو أن يكون أراد إذا فقدت أخا فلم تفقد له دمعا - أي يواصل البكاء عليك - فلست بفاقده، على ما قدمت ذكره: أي فقد حصل لك وصار ذخراً من ذخائرك، وإن غاب عنك وغبت عنه، وإن لم تفقد له صبراً - أي وإن صبر عنك - فلست بفاقد؛ لأنه إن صبر وسلاك
стр. 227
فليس ذاك بأخ يعول عليه، فلست أيضاً بفاقده؛ لأنك لا تعتد به موجوداً ولا مفقوداً، ولكن ذهب على أبي تمام أن هذا غير جائز؛ لأنه وصف رجلا واحداً بالوصفين جميعاً، وهما متضادان، ولو كان جعلهما وصفين لرجلين فقال:
وإذا فقدت أخا لفقدك باكيا ... أو صابراً جلداً فلست بفاقد
أي: لست بفاقد هذا؛ لأنه محصل لك، أو لست بفاقد هذا؛ لأنه ناسٍ مودتك - لكان المعنى سائغاً حسناً واضحاً، أو لو جعله شخصاً واحداً وجعل له أحد الوصفين فقال:
وإذا فقدت أخاً فأسبل دمعه ... أو ظل مصطبراً فلست بفاقد
لكان أيضاً سائغاً على هذا المذهب، أو لو كان استوى له في ذلك اللفظ بعينه أن يقول " فلم تفقد له دمعاً أو صبراً " حتى لا يجعل له إلا أحدهما لساغ ذلك، لكنه نسق بالصبر على الدمع فجعلهما جميعا له، ففسد المعنى.
فهذا وأشباهه الذي قاله الشيوخ فيه، من إن يريد البديع فيخرج إلى المحل.
стр. 228
٢٦ - وقال أبو تمام:
لما استحر الوداع المحض وانصرمت ... أواخر الصبر إلا كاظماً وجما
رأيت أحسن مرشيً، وأقبحه ... مستجمعين لي التوديع والعنما
العنم: شجر له أغصان لطيفة غضة كأنها بنان جاريةٍ، الواحدة عنمة، كأنه استحسن أصبعها واستقبح إشارتها إليه بالوداع، وهذا خطأ في المعنى، أتراه ما سمع قول جرير:
أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ؟ سقى البشام!
فدعا للبشام بالسقيا لأنها ودعنه به؛ فسر بتوديعها، وأبو تمام استحسن أصبعها واستقبح إشارتها، ولعمري إن منظر الفراق منظر قبيح، ولكن إشارة المحبوبة بالوداع لا يستقبحها إلا أجهل الناس بالحب، وأقلهم معرفة بالغزل، وأغلظهم طبعاً، وأبعدهم فهماً.
٢٧ - ومن خطائه قوله:
فلويت بالمعروف أعناق المنى ... وحطمت بالإنجاز ظهر الموعد
стр. 229
حطم ظهر الوعد بالإنجاز: استعارةٌ قبيحة جداً، والمعنى أيضاً في غاية الرداءة؛ لأن إنجاز الموعد هو تصحيحه وتحقيقه، وبذلك جرت العادة أن يقال: قد صح وعد فلان، وتحقق ما قال، وذلك إذا أبحره، فجعل أبو تمام في موضع صحة الوعد حطم ظهره، وهذا إنما يكون إذا أخلف الوعد وكذب، ألا تراهم يقولون: قد مرض فلانٌ وعده، وعلله، ووعد وعداً مريضاً، وإذا أخلف وعده فقد أماته؛ فالإخلاف هو الذي يحطم ظهر الموعد، لا الإنجاز، ولا خفاء بفساد ما ذهب إليه، وكان ينبغي أن يقول: وحطمت بالانجاز ظهر المال، لا الموعد، وحينئذ فالموعد كان يصح ويسلم، ويتلف المال.
٢٨ - وقال:
إذا وعد انهلت يداه فأهدتا ... لك النجح محمولاً على كاهل الوعد
كاهل الوعد إذا حمل النجح فمن سبيله أن يكون صحيحاً مسلماً، لا أن يكون محطوما كما قال في البيت الأول؛ فهذه استعارة صحيحة على هذا البيت. وإن كان " كاهل الوعد " قبيحاً.
стр. 230
٢٩ - ومثل البيت الأول في الفساد أو قريب منه قوله:
إذا ما رحى دارت سماحة ... رحى كل إنجازٍ على كل موعد
وهذا إتلاف الموعد، وإبطاله؛ لأنه جعله مطحوناً بالرحى، وإنما ذهب إلى أن الإنجاز إذا وقع بطل الوعد، وليس الأمر كذلك؛ لأن الموعد ليس بضد للإنجاز، فإذا صح هذا بطل ذلك، بل الوعد الصادق طرفٌ من الإنجاز، وسببٌ من أسبابه، فإذا وقع الإنجاز فهو تمام الوعد، وتصحيح له، وتحقيق وتصديق، فهو في هذه الاستعارة غالطٌ، والمعنى الصحيح قوله:
أبلهم ريقاً وكفا لسائل ... وأنضرهم وعداً إذا صوح الوعد
فتصويح الوعد هو أن يخلفه فيبطل، ولا يصح؛ لأنه من " صوح النبت " إذا جف، ومثله في الصحة قوله:
تزكو مواعده، إذا وعد امرأ ... أنساك أحلام الكرى الأضغاثا
فهذا هو المعنى الصحيح: أن يكون الوعد يزكو، لا أن يبطل ويذهب. ولله در أبي إسحاق إبراهيم بن هرمة إذ يقول:
يسبق بالفعل ظن سائله ... ويقتل الريث عنده العجل
стр. 231
فهذه الاستعارة الصحيحة: أن يقتل العجل الإبطاء، لا أن يقتل الإنجاز الوعد، فأما قوله:
نؤم أبا الحسين، وكان قدماً ... فتى أعمار موعده قصار
وقول البحتري:
وجعلت فعلك تلو قولك قاصراً ... عمر العدو به وعمر الموعد
فإن عمر الموعد مدة وقته؛ فإذا أنجز صار مالا؛ فنفاد وقته ليس بمبطل له، بل ذلك نقله من حال إلى حال أخرى. ألا ترى إلى البحتري كيف كشف عن هذا المعنى، وجاء بالأمر من فصه؟ فقال:
يوليك صدر اليوم ما فيه الغنى ... بمواهب قد كن أمس مواعدا
فبطلان الموعد هو بطلان الشيء الذي الموعد واقعٌ به، وصحته هو صحة ذلك الشيء.
ثم أتبع البحتري هذا البيت بأن قال:
شيم السحائب: ما بأن بوارقاً ... في عارضٍ إلا انثنين رواعدا
فجعل البوارق مثالا للمواعد، وجعل الرواعد التي هي البوارق على الحقيقة وحالهما واحدة مثالا للغيث الذي هو العطايا؛ فالرواعد ليست بمبطلة للبوارق، بل هي هي؛ لأن تلك نور يحدثه ازدحام السحاب، والرعد صوت ذلك الازدحام؛ فالبرق يرى أولا، والرعد يسمع آخراً، وهو هو، وذلك أن العين أسبق
стр. 232
إلى الإبصار من الأذن للأستماع؛ لأن العين ترى الشيء في موضعه، والأذن لا تسمع الصوت إلا إذا وصل إليها، فشبهها بالموعد التي تجر المواهب، وهذا أحسن ما يكون من التمثيل وأصحه، وإنما أقام الرواعد مقام المواهب، لأنه قد يكون برقٌ ولا مطر فيه، ولا يكاد يكون رعد إلا ومعه مطر، ثم إن التشبيه صح بأن صار الرعد بعد البرق.
وما أحسن ما قال خلف بن خليفة الأقطع:
مواعدهم فعلٌ إذا ما تكلموا ... فتلك التي إن سميت وجب الفعل
يعني قول " نعم " فجعل الوعد هو الفعل نفسه لصحته وصدقه، وقد مثل البحتري أيضاً الموعد وكيف تحول عطاء تمثيلا آخر حسناً، فقال:
وشكرت منك مواهباً مشكورةً ... لو سرن في فلكٍ لكن نجوماً
ومواعداً لو كن شيئاً ظاهراً ... تفضى إليه العين كن غيوماً
وذلك لأن الغيم يصير مطرا، كما أن الموعد يصير عطاء، وأبو تمام - فيما يذهب إليه - غالط؛ لأنه وضع الاستعارة في غير موضعها.
стр. 233
٣٠ - ومن خطائه قوله:
فلو ذهبت سنات الدهر عنه ... وألقى عن مناكبه الدثار
لعدل قسمة الأرزاق فينا ... ولكن دهرنا هذا حمار
قوله " وألقى عن مناكبه الدثار " لفظ ردئ، وليس من المعنى الذي قصده في شيء، وصدر البيت لائق بالمعنى؛ فلو كان أتبعه بما يكون مثله في معناه، بأن يقول: فلو ذهبت سنات الدهر عنه واستيقظ من رقدته أو انتبه من نومته أو انكشف الغطاء عن وجهه؛ لكان المعنى يمضي مستقيما؛ لأن من كان في سنةٍ أو نوم أو مغطى على وجهه أو عينيه فإنه لا يبصر الرشد، ولا يكاد يهتدى لصواب، وإنما هذه كلها استعارات، والمراد بها هداية القلب وإبصاره وفهمه، وقد جرت العادة باستعارتها في هذا المعنى، فأما دثار المناكب فليس من هذا الباب في شيء؛ إذ قد يبصر الإنسان رشده ويهتدي لصواب أمره وعلى مناكبه دثارٌ وعلى ظهره أيضاً حمل، ولا يكون ذلك مع النوم والرقاد والغطاء على العين؛ لأنه إنما يراد نوم القلب والتغطية عليه؛ لأن الإنسان إنما يقال له: " قد عمى قلبك " و " قد عميت عن الصواب عينك " و " قد غطى على فهمك " ولا يقال: " قد غطيت بالدثار عن الصواب مناكبك، ولا ظهرك "، ولفظة الدثار أيضاً إنما
стр. 234
تستعمل لمنع الهواء والبرد، لا لمنع الفهم والرشد.
٣١ - ومن خطائه قوله:
وأرى الأمور المشكلات تمزقت ... ظلماتها عن رأيك المتوقد
عن مثل نصل السيف، إلا أنه ... مذ سل أول سلةٍ لم يغمد
فبسطت أزهرها بوجهٍ أزهرٍ ... وقبضت أربدها بوجهٍ أربد
فقال " الأمور المشكلات " وجعل لها ظلمات، فكيف يقول: فبسطت أزهرها، والزهر هي النيرات، والمشكلات لا يكون شيء منها نيراً؟ وكأنه يريد أن الأمور المشكلة منها جيد قد أشكل الطريق إليه، ومنها ردئ قد جهلت أيضاً حاله؛ فهي كلها مظلمة، فيمزق ظلماتها برأيه، ويكشف عن الجيد منها ويبسطه: أي ستعمله، ويكشف عن رديئها ويقبضه: أي يكفه ويطرحه، ولكن ما كان ينبغي له أن يقول " بوجه أزهر " و " بوجه أربد "؛ لأنه لا صنع ههنا للوجه ولا تأثير؛ لأن الصنع إنما هو للرأي وللعقل؛ فإذا رأى ذو الرأي أمراً استبان منه الأشياء المظلمة،
стр. 235
وانفتحت المغلقة، أو رأى أن يغلق أمراً مفتوحاً إذا كان الصواب موجباً ذاك عنده؛ فالرأي على الأحوال كلها أزهر مسفر، والوجه على الأحوال كلها أبيض، وليس يريد أبيض في لونه.
والعاجز إذا ورد عليه الأمر يبهظه تبينت الكآبة في وجهه؛ ولله در منصور النمري حيث يقول:
ترى ساكن الأوصال باسط وجهه ... يريك الهوينا، والأمور تطير
فقال " ساكن الأوصال باسط وجهه " فدل على قلة اكتراثه بالأمور التي ترد عليه، وقول أبي تمام " بوجهٍ أربد " لا معنى له؛ لأنه من صفات الغضبان أو المكتئب من أمر ورد عليه، وو عندي في ذلك غالط، وفي ذلك مسيء.
٣٢ - ومن خطائه قوله يذكر سير الإبل:
كالأرحبى المذكى سيره المرطى ... والوخد والملع والتقريب والخبب
فالأرحبي من الإبل: منسوبٌ إلى أرحب، حي من همدان تنسب إليهم النجائب،
стр. 236
والمذكى: الذي قد انتهى في سنه وقوته، والمرطى: من عدو الخيل فوق التقريب ودون الإهذاب، والوخد: الاهتزاز في السير مثل وخد النعام، والملع: من سير الإبل السريع، والتقريب: من عدو الخيل معروفٌ، والخبب: دونه، وليس التقريب من عدو الإبل، وهو في هذا الوصف مخطئ، وقد يكون التقريب لأجناسٍ من الحيوان، ولا يكون للإبل، وإنا ما رأينا بعيراً قط يقرب تقريب الفرس، والمرطى أيضاً: من عدو الخيل، ولم أره في اوصاف الإبل ولا سيرها.
٣٣ - ومن خطائه قوله:
ومشهدٍ بين حكم الذل منقطعٌ ... صاليه، أو بحبال الموت متصل
جليت والموت مبدٍ حر صفحته ... وقد تفرعن في أفعاله الأجل
وقوله " بين حكم الذل " لو كان حكم الذل أشياء متفرقة لصحت فيها " بين "، غير أن حكم الذل والذل بمنزلة واحدة، وكذلك حكم العز والعز؛ فكما لا يقال بين العز فكذلك لا يقال بين حكم العز حتى يقال هذا؛ لأن " بين " إنما هي وسطٌ بين شيئين.
стр. 237
فإن قال: إن حكم الذل مشتمل على مشهد الحرب ومن يصلاها؛ فكأنه ذهب بقوله " بين " إلى معنى وسطٍ: أي ومشهد وسط حكم الذل.
قيل: وسط لا يحل محل بين، وبين لا يحل محل وسط؛ لأنك تقول: البئر وسط الدار، ولا تقول: البئر بين الدار، وتقول: المال بيننا نصفين، ولا تقول: المال وسطنا، والمعنى الذي بنى أبو تمام البيت عليه سياقة لفظه أن يقول: ومشهدٍ بين حكم الذل وحكم العز: أي ومشهد بين الذل والعز، محجمٌ من يصلاه - وهو الذليل - أو مقدم - وهو العزيز - جليته وكشفته، يعني الممدوح؛ فخذف أحد القسمين الذي لا يصلح " بين " إلا به مع القسم الآخر، وجعل قوله " منقطع " في موضع محجم، و " متصل " في موضع مقدم، وليس هذا من مواضع متصل ولا منقطع، وقد أغراه الله بوضع الألفاظ في غير مواضعها من أجل الطباق والتجنيس اللذين بهما فسد شعره وشعر كل من اقتدى به، وقوله " وقد تفرعن في أفعاله الأجل " معنى في غاية الركاكة ولاسخافة، وهو من ألفاظ العامة.
وما زال الناس يعيبونه به، ويقولون: اشتق للأجل الذي هو مطلٌ على كل النفوس فعلاً من اسم فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون وعلى نفس كل فرعونٍ كان في الدنيا.
стр. 238
٣٤ - ومن خطائه قوله:
سعى فاستنزل الشرف اقتساراً ... ولولا السعي لم تكن المساعي
قوله " سعى فاستنزل الشرف اقتساراً " ليس بالمعنى الجيد، بل هو عندي هجاء مصرح؛ لأنه إذا استنزل الشرف فقد صار غير شريف، وذلك أنك إذا ذممت رجلا شريفاً شريف الآباء كان أبلغ ما تذمه به أن تقول: قد حططت شرفك، ووضعت من شرفك، وقد وكده بقوله " اقتساراً ".
وقوله " ولولا السعي لم تكن المساعي " فبئس السعي والله سعى؛ لأن الشرف لا يحط إلا بألأم ما يكون من الأفعال، وكأنه أراد سعى فحةى الشرف نفسه، فأفسد المعنى بذكر استنزاله إياه، كأنه لو لم يستنزله ما كان يكون حاوياً له، فهلا قال: ترقى إلى الشرف الأعلى فحواه، أو بلغ النجم، أو علا على الشمس، كما قال الآخر:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ ... قومٌ بسؤددهم أو مجدهم قعدوا
٣٥ - ومن خطائه قوله:
يقظٌ وهو أكثر الناس إغضا ... ء على نائل له مسروق
стр. 239
قوله " على نائل له مسروق " خطأ؛ لأن نائله هو ما ينيله، فكيف يكون مسروقاً منه؟ وهل يكون الهجو إلا هكذا: أن يجعل نائله مأخوذاً منه على طريق السرقة؟ وإنما اعتمد المطابقة لما وصفه بالتيقظ جعله ممن يسرق منه؛ إذ كان من شأن المتيقظ أن لا غفل حتى يستتم عليه السرق، وقد كان يصح هذا المعنى لو قال: علىمال له مسروق، حتى يكون يعطى ما له اختياراً لجوده ويغضى إذا سرق منه لكرمه.
٣٦ - ومن خطائه قوله:
لو يعلم العافون كم لك في الندى ... من لذةٍ وقريحةٍ لم تحمد
ويروى " من لذة أو فرحة " أي من لذة وفرح؛ أي ابتداع واستخراج وهذا عندي غلط؛ لأن هذا الوصف الذي وصفه داعيةٌ أن يتناهى الحامد له في الحمد، ويجتهد في الثناء بأن لا يدع حمده، وإنما ذهب إلى أن الإنسان إنما يحمد على الشيء الذي يتكلفه ويتجشمه ويتحمل المشقة فيه، لا على الشيء الذي له بواعث شهوة من نفسه وشدة صبابةٍ إليه ومحبة لفعله، ومن كان غرامه بالجود هذا الغرام فعلى ذلك يجب أن يحمد ويمدح.
стр. 240
أما قول البحتري:
ولقد أبدت الحمد، حتى لو بنت ... كفاك مجداً ثانياً لم تحمد
فمذهب صحيح، يريد أنك قد أفنيت الأوصاف والمحامد؛ فإن جئت بنوع من المكارم تبنى به مجداً آخر لم يقدر من يحمدك ويثنى عليك على أكثر مما تقدم.
٣٧ - ومن خطائه قوله:
تناول الفوت أيدي الموت قادرةً ... إذا تناول سيفاً منهم بطل
قوله " تناول الفوت أيدي الموت " عويضٌ من عويصاته، وهذا أيضاً محال وإنما سمع قول سعد بن مالك:
هيهات حال الموت دو ... ن الفوت وانتضى السلاح
والفوت: هو النجاة، أي حال الموت دون النجاة، وهذا صحيح مستقيم، فقال هو " تناول الفوت أيدي الموت " وهذا محال؛ لأن النجاة لا تتناولها يد الموت، ولا تصل إليها، وإلا لم تكن نجاة، وهذا من عقيده الذي يخرجه إلى الخطأ، وإنما قصد إلى ازدواج الكلام في الفوت والموت، ولم يتأمل المعنى،
стр. 241
والوجه الصحيح قول البحتري:
تتدانى الآجال ضرباً وطعناً ... حين يدنو فيشهد الهيجاء
٣٨ - ومن خطائه:
واكتست ضمر الجياد المذاكي ... من لباس الهيجا دماً وحميما
في مكرٍ تلوكها الحرب فيه ... وهي مقورةٌ تلوك الشكيما
فهذا مغى قبيح جداً: أن جعل الحرب تكون الجيل من أجل قوله " تلوك الشكيما " و " تلوك الشكيما " أيضا ههنا خطأ؛ لأ ن الخيل لا تلوك الشكيم في المكر وحومة الحرب، وإنما تفعل ذلك واقفة لا مكر لها.
فإن قيل: إنما أراد أن الحرب تلوكها كما تلوك هي الشكيم.
قيل: هذا تشبيه، وليس في لفظ البيت عليه دليل، وألفاظ التشبيه معروفة، وإنما طرح أبا تمام في هذا قلة خبره بأمر الخيل، ألا ترى إلى قول النابغة:
خيلٌ صيامٌ، وخيلٌ غير صائمةٍ ... تحت العجاج، وخيلٌ تعلك اللجما
والصيام ههنا القيام؛ أي خيل واقفة مستغنى عنها لكثرة خيلهم فهي وقافة، وخيل تحت العجاج في الحرب، وخيل تعلك اللجما، قد أسرجت وألجمت، وأعدت للحرب.
стр. 242
والشاعر الحصين كان أحذق من الطائي وأعلم بأمر الخيل قال:
وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر
وإلا فمتى رأى يجري وهو يلوك شكيمه؟ فأما قول أنس بن الريان:
أقود الجياد إلى عامرٍ ... عوالك لجمٍ تمج الدماء
فإن القود قد يكون في خلاله تلبث وتوقف تلوك فيه الخيل لجمها، والمكر لا يستقيم ذلك فيه؛ فأما قول أبي حزابة التميمي:
خاض الردى في العدى قدما بمنصله ... والخيل تعلك ثنى الموت باللجم
فإنما جعل ثنى الموت مثلاً، والثنى: حطام النبات اليابس، ولم يرد أن الخيل تعلك اللجم على الحقيقة.
٣٩ - ومن خطائه قوله:
والحرب تركب رأسها في مشهدٍ ... عدل السفيه به بألف حليم
في ساعةٍ لو أن لقماناً بها ... وهو الحكيم لكان غير حكيم
جثمت طيور الموت في أوكارها ... فتركن طير العقل غير جثوم
стр. 243
فالبيتان الأولان جيدان، وقوله جثت طيور الموت في أوكارها بيت ردئ في القسمة، ردئ في المعنى؛ لأنه جعل طير الموت في أوكارها جاثمةً: أي ساكنة لا ينفرها شيء، وطير العقل غير جثومٍ، يعني أنها قد نفرت فطارت، يريد طيران عقولهم من شدة الروع، وما كان ينبغي أن يجعل طير الموت جثوما في أوكارها، وإنما كان الوجه أن يجعلها جاثمة على رؤوسهم، أو واقعة عليهم، فأما أن تكون جائمة في أوكارها فإنها في السلم أو في الأمن جاثمة في أوكارها أيضاً، وطير العقل ليست بضد لطير الموت، وإنما هي ضد لطير الجهل، وطير الحياة هي الضد لطير الموت، ولو كان قال:
جثمت طيور الموت فوق رؤوسهم ... فتركن أطيار الحياة تحوم
لكان أشبه وأليق، أو لو قال:
سقطت طيور الروع فوق رؤوسهم ... فتركن أطيار العقول تحوم
لكان أيضاً قريباً من الصواب؛ لأنهم يقولون: طار عقله من الروع، فإذا ثاب إليه عقله وسكن قيل: قد أفرخ روعه، وهذا مثل، وذلك أن الطائر إذا أفرخ لزم عشه وفراخه، وقد يجوز أن يكون " أفرخ روعه " أي: ذهب؛ لأن الطائر إذا أفرخ فطارت فراخه انتقل عن ذلك العش، وقولهم " جثم الطائر " إنما هو أن يلصق جثمانه بالأرض، يذهب إلى أن طيور الموت ساكنة، وطيور العقل منزعجة طائرة،
стр. 244
وقوله " غير جثوم " لا ينوب مناب طائرة ولا منزعجة؛ لأن الطائر قد لا يكون جاثماً وقد يكون قائماً على رجليه ساكناً مطمئناً، وهذه حاله في أكثر أوقاته؛ فقد حمل المعنى على لفظ لا يليق به، ولا يؤدي التأدية الصحيحة عنه.
٤٠ - ومن خطائه قوله في وصف الفرس:
ما مقربٌ يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق
قوله " ملآن من صلف " يريد التيه والكبر، وهذا مذهب العامة في هذه اللفظة؛ فأما العرب فإنها لا تستعملها على هذا المعنى، وإنما تقول: قد صلفت المرأة عند زوجها، إذا لم تحظ عنده، وصلف الرجل كذلك؛ إذا كانت زوجته تكرهه، وقال جرير:
إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام
والصلف: الذي لا خير عنده، ومثل يضرب " رب صلفٍ تحت الراعدة " يعنون الرعد بغير مطر: فهذا معنى الصلف في كلامهم، وعلى هذا قد ذم أبو تمام الفرس من حيث أراد أن يمدحه.
والتلهوق: هو لطف المداراة والحيلة بالقول وغيره حتى يبلغ الحاجة، ومنه قول الأغلب العجلي يصف مداراة رجل له ارمأةٌ نال منها مراده:
стр. 245
فلم يزل بالحلف النجي ... لها وبالتلهوق الخفي
أن قد خلونا بفضاءٍ قي ... وغاب كل نفسٍ مخش
وقد ذكر أبو عبيدة القاسم بن سلام في الغريب المصنف في أول نوادر الأسماء التلهوق، وقال: وهو مثل التملق، وما أرى أبا تمام في وضع هاتين اللفظتين إلا غالطاً.
٤١ - وقال أبو تمام:
عطفوا الخدور على البدور، ووكلوا ... ظلم الستور بنور حورٍ خرد
وثنوا على وشى الخدود صيانةً ... وشى البرود بمسجفٍ وممهد
والبيت الأول حسنٌ حلو، وأخذ قوله " وثنوا على وشى الخدود صيانةوشى البرود " من قول الكميت.
وأرخين البرود على خدودٍ ... يزين الفداغم بالأسيل
وقوله " بمسجفٍ وممهد " فالمسجف يريد ستر باب الحجلة، وكل باب مشقوق فكل شق منها سجقٌ، وكذلك سجف الخباء، والمسجف: المرخى، والتسجيف: إرخاء السجفين، وقوله " بمسجف " أي من مسجف وممهد؛ فجعل الباء في موضع " من " كما قال عنترة:
стр. 246
شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم
أي: من ماء الدحرضين، والممهد: الوطاء الذي يوطأ تحت المرأة، فكيف يكون ذلك منسوقاً على المسجف الذي ذكر أنهم ثنوه على وشي الخدود؟ والممهد ليس هذه حاله فيعطفه عليه.
فإن قيل: كيف لا يكون محمولا على قول الشاعر:
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلداً سيفاً ورمحاً
والرمح لا يتقلد، وقول الآخر:
ورججن الحواجب والعيونا
والعيون لا تزجج، وإنما أراد ذلك متقلداً سيفاً وحاملاً رمحاً، وأراد هذا وزججن الحواجب وكحلن العيونا.
стр. 247
قيل: متقلد السيف هو حامله أيضاً؛ فحسن أن يعطف الرمح على السيف؛ لأنهما جميعاً محمولان، وكذلك زججن وكحلن هما جميعاً زينةٌ؛ فحسن أن يعطف أحدهما على الآخر، والممهد لا يشرك الستر في شيء من تغطية الوجه ولا صيانته، ولا بنيت ألفاظ البيت إلا على ستر الخدود بالستور، ولا يتعلق الممهد بالمعنى بإضمار لفظٍ ولا تأولٍ.
٤٢ - ومن خطائه قوله:
بقاعيةٌ تجري علينا كؤوسها ... فتبدى الذي مخفي، وتخفى الذي نبدى
ذهب في هذا إلى أن الخمر تخفى الذي نبديه ف يحال الصحو من الحلم والوقار والكف عن الهزل والللعب، وتبدى الذي نخفي أي: الذي نعتقده ونكتمه من ضد ذلك كله؛ لأنه في الطبيعة والغريزة.
والذي كنا نظهره إنما هو تصنع وتكلف، ويدخل ف يهذا ما يبوح به المحب من الحب الذي كان يكتمه في صحوه ويظهر ضده، أو ما يبوح به من بغض زيد وكان يظهر في صحوه مودته وينافقه.
وكذلك ما يظهره السكر من بخل البخيل
стр. 248
فيمنع ما كان يتجمل من بذله في الصحو، أو ما يظهره من السماحة التي كان لا يسمح بمثلها في صحوه خوف العاقبة، ونحو هذا.
وما سقط من قول الحكماء " إن الشراب يثير كل ما وجد " أي: يظهر كل ما في النفس من خير وشر وحسن وقبيح؛ فكل شيء يظهره الإنسان وليس في اعتقاده ولا نيته فإن الذي يضمره ويكتمه في نفسه فهو ضده، فإذا أظهر السكر اعتقاد المعتقد الذي هو الصحيح فإن ضده مما كان يتجمل بإظهاره يبطل ويتلاشى؛ لأن الشراب يخفيه ويطويه في الضمير حتى يكون مكتوماً كما كانت الحقيقة مكتومة، هذا محال؛ لأن القلب هو محل المعتقدات؛ فلا يجوز أن يجتمع فيها الشيء وضده، والاعتقادات لا تكون باللسان؛ لأن اللسان يكذب، والقلب لا يتضمن إلا الحقيقة.
وقول أب يتمام: " فتبدى الذي نخفي " قولٌ صحيحٌ، وقوله " وتخفي الذي نبدي " اللفظ فاسد؛ لأن تخفي معناه تكتم وتستر، والذي قد أبطلته وأزلته لا يجوز أن يعبر عنه بأنك أخفيته ولا كتمته.
فإن قيل: ولم لا يكون هذا توسعاً ومجازاً؟
стр. 249
قيل: المجاز في مثل هذا لا يكون؛ لأن الشيء الذي تكتمه وتطويه إنما أنت خازنٌ له وحافظٌ؛ فهو ضد للشيء الذي تزيله وتبطله، والأضداد لا يتسعمل أحدها في موضع الآخر على سبيل المجاز.
٤٣ - ومن خطائه قوله في وصف فرس:
وبشعلةٍ نبذٍ كأن فليلها ... في صهوتيه بدء شيب المفرق
قوله: " فليلها " يريد ما تفرق منها في صهوتيه، والصهوة: موضع اللبد، وهو مقعد الفارس من الفرس، وذلك الموضع أبداً ينحت شعره لغمز السرج إياه فينبت أبيض؛ لأن الجلد ههنا يرق، وأنت تراه في الخيل كلها على اختلاف شياتها، وليس بالبياض المحمود ولا الحسن ولا الجميل؛ فهذا خطأ من هذا الوجه.
وهو خطأ من وجه آخر، وهو أن جعله شعلى، والشعلة لا تكون إلا في الناصية أو الذنب، وهو أن يبيض عرضها وناحية منها، فيقال: فرس أشعل وشعلاء، وذلك عيبٌ من عيوب الخيل، فإن كان ظهر الفرس أبيض خلقةً فهو أرحل، ولا يقال أشعل.
وقد أخذ البحتري قوله " بدء شيب المفرق " فجاء به حسناً جداً، ثم ما سلم أيضا من العيب، فقال:
стр. 250
وبشعلةٍ كالشيب مر بمفرقي ... غزلٍ لها عن شيبه بغرامه
فقال " بشعلة " ولم ينص على موضعها، ومعلوم أنه أراد بياضاً في الناصية، وقال " مر بمفرقي غزل " فأوضح أنه ذلك الموضع أراد، وقال " لها عن شبيه بغرامه " فأتى بشيء يفوق كل حسن، إلا أن البياض في الناصية من عيوب الخيل وكذلك البياض في الذنب، ليس بين الناس في ذلك اختلاف، ويقال لبياض الناصية أيضاً السعف.
وأيضاً؛ فإن البحتري وصف فرساً أدهم فقال:
جذلان تلطمه جوانب غرةٍ ... جاءت مجيء البدر عند تمامه
فأي حسن يكون لبياض ناصية على بياض غرة؟ ومن قبيح وصف شيات الخيل قول أبي تمام ف يهذا الفرس أيضاً:
مسود شطرٍ مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطرٍ كابيضاض المهرق
شطر الشيء: جانبه وناحيته، قال الله : " فول وجهك شطر المسجد الحرام " أي ناحيته، وقد يراد بالشطر نصف الشيء، يقال: قد شاطرتك مالي، أي: ناصفتك؛ فهذا هو الأكثر الأعم فيما يستعملون، وذلك من أقبح شيات الأبلق على ظاهر هذا المعنى، ولم يرده أبو تمام، وإنما أراد بالشطر ههنا
следующие страницы →