Полный текст (1 636 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم
أي: من ماء الدحرضين، والممهد: الوطاء الذي يوطأ تحت المرأة، فكيف يكون ذلك منسوقاً على المسجف الذي ذكر أنهم ثنوه على وشي الخدود؟ والممهد ليس هذه حاله فيعطفه عليه.
فإن قيل: كيف لا يكون محمولا على قول الشاعر:
ورأيت زوجك في الوغى ... متقلداً سيفاً ورمحاً
والرمح لا يتقلد، وقول الآخر:
ورججن الحواجب والعيونا
والعيون لا تزجج، وإنما أراد ذلك متقلداً سيفاً وحاملاً رمحاً، وأراد هذا وزججن الحواجب وكحلن العيونا.
стр. 247
قيل: متقلد السيف هو حامله أيضاً؛ فحسن أن يعطف الرمح على السيف؛ لأنهما جميعاً محمولان، وكذلك زججن وكحلن هما جميعاً زينةٌ؛ فحسن أن يعطف أحدهما على الآخر، والممهد لا يشرك الستر في شيء من تغطية الوجه ولا صيانته، ولا بنيت ألفاظ البيت إلا على ستر الخدود بالستور، ولا يتعلق الممهد بالمعنى بإضمار لفظٍ ولا تأولٍ.
٤٢ - ومن خطائه قوله:
بقاعيةٌ تجري علينا كؤوسها ... فتبدى الذي مخفي، وتخفى الذي نبدى
ذهب في هذا إلى أن الخمر تخفى الذي نبديه ف يحال الصحو من الحلم والوقار والكف عن الهزل والللعب، وتبدى الذي نخفي أي: الذي نعتقده ونكتمه من ضد ذلك كله؛ لأنه في الطبيعة والغريزة.
والذي كنا نظهره إنما هو تصنع وتكلف، ويدخل ف يهذا ما يبوح به المحب من الحب الذي كان يكتمه في صحوه ويظهر ضده، أو ما يبوح به من بغض زيد وكان يظهر في صحوه مودته وينافقه.
وكذلك ما يظهره السكر من بخل البخيل
стр. 248
فيمنع ما كان يتجمل من بذله في الصحو، أو ما يظهره من السماحة التي كان لا يسمح بمثلها في صحوه خوف العاقبة، ونحو هذا.
وما سقط من قول الحكماء " إن الشراب يثير كل ما وجد " أي: يظهر كل ما في النفس من خير وشر وحسن وقبيح؛ فكل شيء يظهره الإنسان وليس في اعتقاده ولا نيته فإن الذي يضمره ويكتمه في نفسه فهو ضده، فإذا أظهر السكر اعتقاد المعتقد الذي هو الصحيح فإن ضده مما كان يتجمل بإظهاره يبطل ويتلاشى؛ لأن الشراب يخفيه ويطويه في الضمير حتى يكون مكتوماً كما كانت الحقيقة مكتومة، هذا محال؛ لأن القلب هو محل المعتقدات؛ فلا يجوز أن يجتمع فيها الشيء وضده، والاعتقادات لا تكون باللسان؛ لأن اللسان يكذب، والقلب لا يتضمن إلا الحقيقة.
وقول أب يتمام: " فتبدى الذي نخفي " قولٌ صحيحٌ، وقوله " وتخفي الذي نبدي " اللفظ فاسد؛ لأن تخفي معناه تكتم وتستر، والذي قد أبطلته وأزلته لا يجوز أن يعبر عنه بأنك أخفيته ولا كتمته.
فإن قيل: ولم لا يكون هذا توسعاً ومجازاً؟
стр. 249
قيل: المجاز في مثل هذا لا يكون؛ لأن الشيء الذي تكتمه وتطويه إنما أنت خازنٌ له وحافظٌ؛ فهو ضد للشيء الذي تزيله وتبطله، والأضداد لا يتسعمل أحدها في موضع الآخر على سبيل المجاز.
٤٣ - ومن خطائه قوله في وصف فرس:
وبشعلةٍ نبذٍ كأن فليلها ... في صهوتيه بدء شيب المفرق
قوله: " فليلها " يريد ما تفرق منها في صهوتيه، والصهوة: موضع اللبد، وهو مقعد الفارس من الفرس، وذلك الموضع أبداً ينحت شعره لغمز السرج إياه فينبت أبيض؛ لأن الجلد ههنا يرق، وأنت تراه في الخيل كلها على اختلاف شياتها، وليس بالبياض المحمود ولا الحسن ولا الجميل؛ فهذا خطأ من هذا الوجه.
وهو خطأ من وجه آخر، وهو أن جعله شعلى، والشعلة لا تكون إلا في الناصية أو الذنب، وهو أن يبيض عرضها وناحية منها، فيقال: فرس أشعل وشعلاء، وذلك عيبٌ من عيوب الخيل، فإن كان ظهر الفرس أبيض خلقةً فهو أرحل، ولا يقال أشعل.
وقد أخذ البحتري قوله " بدء شيب المفرق " فجاء به حسناً جداً، ثم ما سلم أيضا من العيب، فقال:
стр. 250
وبشعلةٍ كالشيب مر بمفرقي ... غزلٍ لها عن شيبه بغرامه
فقال " بشعلة " ولم ينص على موضعها، ومعلوم أنه أراد بياضاً في الناصية، وقال " مر بمفرقي غزل " فأوضح أنه ذلك الموضع أراد، وقال " لها عن شبيه بغرامه " فأتى بشيء يفوق كل حسن، إلا أن البياض في الناصية من عيوب الخيل وكذلك البياض في الذنب، ليس بين الناس في ذلك اختلاف، ويقال لبياض الناصية أيضاً السعف.
وأيضاً؛ فإن البحتري وصف فرساً أدهم فقال:
جذلان تلطمه جوانب غرةٍ ... جاءت مجيء البدر عند تمامه
فأي حسن يكون لبياض ناصية على بياض غرة؟ ومن قبيح وصف شيات الخيل قول أبي تمام ف يهذا الفرس أيضاً:
مسود شطرٍ مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطرٍ كابيضاض المهرق
شطر الشيء: جانبه وناحيته، قال الله : " فول وجهك شطر المسجد الحرام " أي ناحيته، وقد يراد بالشطر نصف الشيء، يقال: قد شاطرتك مالي، أي: ناصفتك؛ فهذا هو الأكثر الأعم فيما يستعملون، وذلك من أقبح شيات الأبلق على ظاهر هذا المعنى، ولم يرده أبو تمام، وإنما أراد بالشطر ههنا
стр. 251
البعض أو الجزء: أي مسود جزء مبيض جزء، فجاء بالشطر لأنها لفظة أحسن من الجزء ومن البعض في هذا الموضع.
والجيد النادر قول البحتري:
أو أبلقٍ يلقى العيون إذا بدا ... من كل لون معجبٍ بنموذج
وقد جعله أبوتمام في أول الأبيات أشعل بقوله " بشعلة " ثم جعله هنا أبلق؛ فهذا الفرس هو الأشعل الأبلق على مذهبه في هذا التشبيه، ولا ينكر مثل هذا من ابتداعاته.
[... ومن خطأه قوله:
فكم دية تم غدوت تسوقها ... لها أثر في تالدي غير تالد
وليست ديات من دماء هرقتها ... حراماً ولكن من دماء القصائد
قوله: ((فكم دية تم)) أي تامة، يعني عشرات الألوف التي كان يصله بها.
وقوله: ((لها أثر في تالدي)) أي في مالي الذي ورثته عن آبائي ((غير تالد)) أي غير ميراث، يقول: هي زائدة في ميراثي الذي ورثته عن آبائي ومقوية له، وهي غير ميراث منك، بل صلة وتفضل، وإنما لم يذكر أنه]
стр. 252
أراد أنها قوت أصل ماله الذي عليه يعول، وزادت فيه، وإذا قوت أصل المال القديم فهي للطريف أيضاً مقوية، ثم قال:
وليست ديات من دماء هرقتها ... حراماً ولكن من دماء القصائد
فأتى في هذا بأقبح ما يكون من الخطأ وأشنعه، وهجا ممدوحه، وهذا أبو الحسن بن الهيثم بن شبابة ظن أنه مادحه، فكيف يكون الممدوح قاتلاً لمدائحه التي فيها وصف مفاخره ومناقبه، وهي مشيدة بذكر معاليه وشرف آبائه وفيها إحياء ذكرهم؟ فإذا سفك دماءها فقد محا ذلك كله وهدمه وأبطله وأماته، وجازى القصائد بضد ما تستحقه من تدوينها وروايتها وحفظها وإدامة إنشادها، ثم لم يقنع حتى جعل سفك دمائها حلالاً بقوله:
وليست ديات من دماء هرقتها ... حراماً ولكن من دماء القصائد
وحسبه بهذا خطأ وجهلاً وتخليطاً، وخروجاً عن العادات في المجازات والاستعارات.
وقال في آخر هذه القصيدة:
بسباحة تنساق من غير سائق ... وتنقاد في الآفاق من غير قائد
جلامد تخطوها الليالي وإن سرت ... لها موضحات في رؤوس الجلامد
فكيف تكون مقتولة مسفوكة الدم، وهي تنساق من غير سائق وتنقاد في الآفاق من غير قائد؟ وكيف تكون كالجلامد تخطوها الليالي ولا تؤثر فيها، وهي أميتت وأبطلت؟
стр. 253
فإن قيل: هذا كله إنما جاء به على الاستعارة لا على الحقيقة.
قيل: الاستعارة لا تستعمل إلا فيما يليق بالمعاني، ولا تكون المعاني به متضادة متنافية، ولهذا حدود إذا خرجت عنها صارت إلى الخطأ والفساد.
ومن خطأه قوله:
وقد ظللت أعناق أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل
نواهل من النهل، وهو الشرب الأول، والعلل: الشرب بعد الشرب.
والعقبان وسائر جوارح الطير لا تشرب الدماء، وإنما تأكل اللحوم.
стр. 254
صفحة فارغة
стр. 255
الجزء الثالث
стр. 256
صفحة فارغة
стр. 257
قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي: قد ذكرت في الجزء الثاني الموازنة بين شعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي وشعر أبي عبادة الوليد بن عبيدٍ البحتري، وخطأ أبي تمام في الألفاظ ولامعانين وبيضت آخر الجزء لألحق به ما يمر من ذلك في شعره، وأستدركه من بعد في قصائده.
وأنا أذكر في هذا الجزء الرذل من ألفاظه، والساقط من معانيه، والقبيح من استعاراته، والمستكره المتعقد من نسجه ونظمه، على ما رأيت المتأخرين يتذاكرونه، وينعونه عليه ويعيبونه، وعلى أنى وجدت لبعض ذلك نظائر في أشعار المتقدمين؛ فعلمت أنه بذلك اغتر، وعليه في العذر اعتمد؛ طلباً منه للاغراق والإبداع، وميلا إلى وحشي المعاني والألفاظ، وإنما كان يندر من هذه الأنواع المستكرهة على لسان الشاعر المحسن البيت أو البيتان يتجاوز له عن ذلك؛ لأن الأعرابي لا يقول إلا على قريحته، ولا يعتصم إلا بخاطره، ولا يستقي إلا من قلبه، وأما المتأخر الذي يطبع على قوالب، ويحذو على أمثلة، ويتعلم الشعر تعلماً، ويأخذه تلقناً؛ فمن شأنه أن يتجنب المذموم، ولا يتبع من
стр. 258
تقدمه إلا فيما استحسن منهم، واستجيد لهم، واختير من كلامهم، أو في المتوسط السالم إذا لم يقدر على الجيد البارع، ولا يوقع الاحتطاب والاستكثار مما جاء عنهم نادراً ومن معانيهم شاذاً، ويجعله حجة له وعذراً؛ فإن الشاعر قد يعاب أشد العيب إذا قصد بالصنعة سائر شعره، وبالإبداع جميع فنونه؛ فإن مجاهدة الطبع ومغالبة القريحة مخرجةٌ سهل التأليف إلى سوء التكلف وشدة النعمل، كما عيب صالح بن عبد القدوس وغيره ممن سلك هذه الطريقة حتى سقط شعره؛ لأن لكل شيء حداً: إذا تجتوزه سمى مفرطاً، وما وقع الإفراط في شيء إلا شانه، وأعاد إلى الفساد صحته، وإلى القبح حسنه وبهاءه، فكيف إذا تتبع الشاعر مالا طائل فيه: من لفظة شنيعة لمتقدم، أو معنى وحشي فجعله إماماً، واستكثر من أشباهه، ووشح شعره بنظائره؟ إن هذا لعين الخطأ، وغايةٌ في سوء الاختيار.
стр. 259
باب ما في شعر أبي تمام من قبيح الاستعارات
١ - فمن ذول ألفاظه وقبيح استعاراته قوله:
يا دهر قوم من أخدعيك؛ فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك
٢ - وقال:
سأشكر فرجة الليت الرخى ... ولين أخادع الدهر الأبى
٣ - وقال:
فضربت الشتاء في أخدعيه ... ضربةً غادرته عوداً ركوبا
٤ - وقال:
تروح علينا كل يوم وتغتدي ... خطوبٌ كأن الدهر منهن يصرع
٥ - وقال:
ألا لا يمد الدهر كفا بسيء ... إلى مجتدى نصرٍ؛ فيقطع للزند
стр. 260
٦ - وقال:
والدهر ألأم من شرقت بلؤمه ... إلا إذا أشرقته بكريم
٧ - وقال:
تحملت ما لو حمل الدهر شطره ... لفكر دهراً أي عبأيه أثقل
٨ - وقوله يصف قصيدة:
تحل يفاع المجد حتى كأنها ... على كل رأس من يد المجد مغفر
لها بين أبواب الملوك مزامرٌ ... من الذكر لم تنفخ ولا هي تزمر
٩ - وقوله:
به أسلم المعروف بالشام بعدما ... ثوى منذ أودى خالدٌ وهو مرتد
أما وأبي أحداثه إن حادثاً ... حدا بي عنك العيس للحادث الوغد
١٠ - وقوله:
جذبت نداه غدوة السبت جذبةً ... فخر صريعاً بين أيدي القصائد
стр. 261
١١ - وقوله:
لو لم تفت مسن المجد مذ زمنٍ ... بالجود ولابأس كان الجود قد خرفا
١٢ - وقوله:
لدى ملكٍ من أيكة الجود لم يزل ... على كبد المعروف من فعله برد
١٣ - وقوله:
في غلةٍ أوقدت على كبد ال ... نائل ناراً أخنت على كبده
١٤ - وقوله:
حتى إذا اسود الزمان توضحوا ... فيه؛ فغودر وهو منهم أبلق
١٥ - وقوله:
إيثار شزر القوى رأى جسد ال ... معروف أولى بالطب من جسده
١٦ - وقوله:
وما ذكر الدهر العبوس بأنه ... له ابنٌ كيوم السبت إلا تبسما
стр. 262
١٧ - وقوله:
وكم أحرزت منكم على قبح قدها ... صروف النوى من مرهفٍ حسن القد
١٨ - وقوله يصف الأرض:
إذا الغيث غادى نسجها خلت أنه ... مضت حقبةٌ حرسٌ له وهو حائك
١٩ - وقوله:
ولا جتذبت فرشٌ من الأمن تحتكم ... هي المثل في لين بها والأرائك
٢٠ - وقوله:
إذاً للبستم عار دهرٍ كأنما ... لياليه من بين الليالي عوارك
٢١ - وقوله يرثي غالباً:
أنزلته الأيام عن ظهرها من ... بعد إثبات رجله في الركاب
стр. 263
٢٢ - وقوله:
كأنني حين جردت الرجاء له ... غضا صببت لها ماءً على الزمن
٢٣ - وقوله يصف فرساً:
فكأن فارسه يصرف إذ بدا ... في متنه ابناً للصباح الأبلق
وأشباه هذا مما إذا تتبعته في شعره وجدته؛ فجعل كما ترى - مع غثاثة هذه الألفاظ - للدهر أخدعا، ويداً تقطع من الزند، وكأنه يصرع، ويحل، ويشرق بالكرام، ويتبسم، وأن الأيام تنزله، والزمان أبلق، وجعل للمدح يداً، ولقصائده مزامر إلا أنها لا تنفخ ولا تزمر، وجعل المعروف مسلماً تارةً ومرتداً أخرى، والحادث وغداً، وجذب ندى الممدوح بزعمه جذبةً حتى خر صريعا بين يدي قصائده، وجعل المجد مما يحقد عليه الخوف، وأن له جسداً وكبداً، وجعل لصروف النوى قدا، وللأمن فرشاً، وظن أن الغيث كان دهراً حائكا، وجعل للأيام ظهراً يركب، والليالي كأنها عوارك، والزمان كأنه صب عليه ماء، والفرس كأنه ابن الزمان الأبلق؛ وهذه استعارات في غاية القباحة والهجانة والبعد من الصواب.
стр. 264
وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس له إذا كان يقار به أو يدانيه، أو يشبهه في بعض أحواله، أو كان سبباً من أسبابه؛ فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه، نحو قول امرئ القيس:
فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازاً وناء بكلكل
وقد عاب امرأ القيس بهذا المعنى من لم يعرف موضوعات المعاني ولا المجازات وهو في غاية الحسن والجودة والصحة، وهو إنما قصد وصف أجزاء الليل الطويل فذكر امتداد وسطه، وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث، وترادف أعجازه وأواخره شيئاً فشيئاً، وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئته، وذلك أشد ما يكون على من يثراعيه ويترقب تصرمه؛ فلما جعل له وسطاً يمتد وأعجازاً رادفة للوسط وصدراً متثاقلا في نهوضه حسن أن يتسعير للوسط اسم الصلب، وجعله متمطياً من أجل امتداده؛ لأن تمطى وتمدد بمنزلة واحدة، وصلح أن يتسعير للصدر اسم الكلكل من أجل نهوضه، وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة، وأسد ملاءمةً لمعناها لما استعيرت له.
стр. 265
وكذلك قول زهير: ِوعرى أفراس الصبا ورواحله لما كان من شأن ذى الصبا أن يوصف أبداً بأن يقال: ركب هواه، وجرى في ميدانه، وجمح في عنانه، ونحو هذا، حسن أن يستعار للصبا اسم الأفراس، وأن يجعل النزوع أن تعرى أفراسه ورواحله، وكانت هذه الاستعارة أيضاً من أليق شيء لما استعيرت له.
ونحو ذلك قول طفيل الغنوى:
وجعلت كورى فوق ناجيةٍ ... يقتات شحم سنامها الرحل
لما كان شحم السنام من الأشياء التي تقتات، وكان الرحل أبداً يتخوفه ويتنقص منه، ويذيبه - كان جعله إياه قوتاً للرحل من أحسن الاستعارات، وأليقها بالمعنى.
وكذلك قول عمرو بن كلثوم:
ألا أبلغ النعمان عني رسالةً ... فمجدك حوليٌ ولؤمك قارح
لما جعل مجده حديثاً غير قديم حسن أن يقول " حولي "؛ لأن العرب إذا نسبت الشيء إلى الصغر وقصر المدة قالوا: حوليٌ؛ لأن أقل عدد الأحوال - وهي السنون - حول واحد، ولهذا قال حسان:
стр. 266
لو يدب الحولي من ولد ال ... ذر عليها لأندبتها الكلوم
لم يرد بالحولى من ولد الذر ما أتى عليه الحول، ولكنه أراد بالحولي أصغر ما يكون من الذر، وإنما أخذ ذلك من قول امرئ القيس:
من القاصرات الطرف لو دب محولٌ ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا
ومما يدل على صحة المعنى وأن الحولي إنما يراد به الصغر دون معنى الحول قول الراجز:
واستبقت تحذف حولي الحصى
فأراد بحولي الحصى أصغره، وقول الآخر أنشده ثعلب:
تلقط حولي الحصى في منازلٍ ... من الحي أضحت باللحيين بلقعا
ولما جعل لؤمه قديماً حسن أن يقول " قارح ".
ونحو ذلك قول أبي ذؤيب:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع
لما كانت المنية - إذا نزلت بالإنسان خالطته - صح أن يقال: نشبت فيه، وصح أن يستعار لها اسم الأظفار؛ لأن النشوب قد يكون بالظفر.
وعلى هذا جاءت الاستعارات في كتاب الله تعالى اسمه، نحو قوله
стр. 267
عزة وجل: واشتعل الرأس شيباً لما كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئاً فشيئاً حتى يحيله إلى غير حالة الأولى كالنار التى تشتعل في الجسم من الأجسام فتحيله إلى النقصان والاحتراق، وكذالك قوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار لما كان انسلاخ الشئ من الشيء وهو أن يتبرأ منه ويتزيل منه حالا فحالا كالجد من الحم وما شا كلهم انفصال النهار عن الليل شيئاً فشيئاً حتى يتكامل الظلام انسلاخ، وكذلك قوله : فصب عليهم ربك سوط عذاب لما كان الضرب بالسقوط من العذاب استعير للعذاب سوط.
فهذا مجرى الاستعارات في كلام العرب.
وأما قول أبي تمام ولين أخداع الزمان الأبى فأى حاجة إلى الأخداع حتى يستعيرها للزمن؟ وكان يمكنه أن يقول: ولين معاطف الدهر الأبى، أو لين جوانب الدهر، أو خلائق الدهر، كما تقول: فلان سهل الخلائق، ولين الجوانب، وموطأ الأكتاف، ولأن الدهر
стр. 268
يكون سلاً وحزيناً وليناً وصعبا على قدر تصرف الأحوال فيه؛ لأن هذه الألفاظ كانت أولى بالاستعمال في هذا الوضع، وطانت تنوب عن المعنى الذى قصده، ويتخلص من قبح الأخداع؛ فإن الكلام متسعاً، ألا ترى إلى قوله ما أحسنه وما أو ضحه:
ليالى نحن في وسنلت عيش ... كأن الدهر عنا في وثاق
وأياماً لنا وله لدانا ... غنينا في حواشيها الرقاق
فاستعار للأيام الحواشى، وقوله:
أيامنا مصقولةٌ أطرافها ... بك، والليالى كلها أسحار
وأبلغ من هذا وأبعد من التكلف وأشبه بكلام العرب قوله:
سكن الزمان فلا يد مذمومة ... للحادثات ولا سوام تذعر
فقد تراه كيف يخلط الحسن بالقبيح، والجيد بالردى، وإنما قبح الأخداع لما جاء به مستعاراً للدهر، ولو جاء في غير هذا الموضع أو أتى به حقيقة ووضعه في موضعه ما قبح، نحو قول البحترى:
стр. 269
وأعتقت من ذلك المطامع أخدعى
ونحو قوله:
ولا مالت بأخدعك الضياع
ومما يزيد على كل جيدٍ قول الفرزدق:
وكنا إذا الجبار صعر خده ... ضربناه حتى تستقيم الأخادع
فأما قوله: " فضربت الشتاء في أخدعيه " فإن ذكر الأخدعين - على قبحهما - أسوغ؛ لأنه قال " ضربةً غادرته عوداً كوباً " وذلك أن العود المسن من الإبل يضرب على صفحتي عنقه فيذل؛ فقربت الاستعارة ههنا من الصواب قليلا، ومن القبيح في هذا قوله:
يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك
أي ضرورةٍ دعته إلى الأخدعين؟ وكان يمكنه أن يقول " من اعوجاجك " أو " قوم ما تعوج من صنعك " أي: يا دهر أحسن بنا الصنيع؛ لأن الأخرق هو الذي لا يحسن العمل، وضده الصنع، وكذلك قوله:
تحملت ما لو حمل الدهر شطره ... لفكر دهراً أي عبأيه أثقل
стр. 270
فجعل للدهر عقلا، وجعله مفكراً في أي العبأين أثقل، وما معنى أبعد من الصواب من هذه الاستعارة، وكان الأشبه والأليق بهذا المعنى لما قال " تحملت ما لو حمل الدهر شطره " أن يقول: لتضعضع، أو لا نهد، أو لأمن الناس صروفه ونوازله، ونحو هذا مما يعتمده أهل المعاني في البلاغة والإفراط.
وإنما رأى أبو تمام أشياء يسيرةً من بعيد الاستعارات متفرقةً في أشعار القدماء كما عرفتك لا تنتهي في البعد إلى هذه المنزلة، فاحتذاها، وأحب الإبداع، وأغرق في إيراد أمثالها، واحتطب، واستكثر منها: فمن ذلك قول ذى الرمة:
تيممن يا فوخ الدجى فصدعنه ... وجوز الفلا صدع السيوف القواطع
فجعل للدجى يافوخا، وقول تأبط شراً:
نحز رقابهم حتى نزعنا ... وأنف الموت منخره رثيم
فجعل للموت أنفا، وقول ذى الرمة:
يعز ضعاف القوم عزة نفسه ... ويقطع أنف الكبرياء عن الكبر
стр. 271
فجعل للكبرياء أنفاً، وقال معقل بن خويلد الهذلي، أو غيره:
تخاصم قوماً لا تلقى جوابهم ... وقد أخذت من أنف لحيتك اليد
فجعل للحية أنفاً: أي قبضت بيدك على طرف لحيتك كما يفعل النادم أو المموم، وما أظن ذا الرمة أراد بالأنف إلا أول الشيء والمتقدم منه، كما قال يصف الحمار:
إذا شم أنف الضيف ألحق بطنه ... مراس الأواصي وامتحان الكرائم
وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتاب الشعراء: وهذا البيت غر الطائي حتى أتى به وإنما أراد ذو الرمة بقوله (أنف الضيف) أول الضيف كقولهم أنف النهار: أي أوله ورعينا أنف النهار أي أوله قال أمروء القيس:
قد غدا يحملني في أنفه ... لاحق لاحق الإطلين محبوك ممر
وقوله في أنفه أي في أول جريه وأشده ويقال في أنفه في أنف
стр. 272
الغيث الذي ذكره، أي في أوله، يقول: لم يطأ هذا الغيث أحدٌ قبلي، ولم يذهب هذا الشاعر حيث ذهب أبو العباس، وكذلك قول أعرابي يصف البرق:
إذا شم أنف الليل أومض وسطه ... سناً كابتسام العامرية شاغف
إنما أراد إذا اشتم أول الليل، وقال آخر أنشدناه الأخفش عن ثعلب يذم رجلا:
ما زال مجنوباً على است الدهر ... ذا جسدٍ ينمى وعقلٍ يحرى
فجعل للدهر استاً، وقول شاتم الدهر أحد شعراء عبد القيس:
ولما رأيت الدهر وعراً سبيله ... وأبدى لنا ظهراً أجب مسلعا
ومعرفةً حصاء غير مفاضةٍ ... عليه ولوناً ذا عثانين أجدعا
стр. 273
وجبهة قردٍ كالشراك ضئيلةً ... وصعر خديه وأنفاً مجدعا
فجعل للدهر ظهراً أجب، ومعرفةً حصاء، ولوناً ذا عثانين، وشبه جبهته بجبهة قرد، وجعل أنفه أنفاً مجدعا، وهذا الأعرابي إنما تملح بهذه الاستعارات في هجائه للدهر، وجاء بها هازئاً، ومثل هذا في كلامهم قليل جداً، وليس مما يعتمد ويجعل أصلا يحتذى عليه ويستكثر منه.
٢٤ - ومن ردئ استعاراته وقبيحها وفاسدها قوله:
لم تسق بعد الهوى ماء أقل قذى ... من ماء قافيةٍ يسقيكه فهم
فجعل للقافية ماء على الاستعارة؛ فلو أراد الرونق لصلح، ولكنه قال " يسقيكه " ففسد معنى الرونق؛ لأنك إذا قلت " هذا ثوب له ماء " لم تجعل الماء مشروباً فتقول: ما
стр. 274
شربت ماء أعذب من ماء أعذب من ماء ثوب شربته عند فلان، أورأيته على فلان الملك؛ وكذلك لا تقول: ما شربت ماء أعذب من ماء " قفا نبك " أو أعذب من ماء قصيدة كذا؛ لأن للستعارة حداً تصلح فيه، فإذا جاوزته فسدت وقبحت.
فأما قولهم " فلان حلو الكلام " و " عذب المنطق " أو " كأن ألفاظه فتات السكر " فهذا كلام الناس على هذه السياقة، وليس يريدون حلاوة على اللسان، ولا عذوبة في الفم، وإنما يريدون عذباً في النفوس، وحلواً في القلوب، كما قال هو، أعني أبا تمام:
يستنبط الروح اللطيف نسيمها ... أرجاً، وتؤكل بالضمير وتشرب
وكذلك قولهم " حلو المنظر " إنما يريدون حلوا في العين، ولا تقول: ما ذقت أحلى من كلام فلان، ولا ما شربت أعذب من ألفاظ عمرو؛ لأن هذا القول صيغة الحقيقة، لا الاستعارة، ولا تقل: ما شر بت أعذب من عمرو، ولا ما أكلت أحلى من عبسد الله، فاعلم هذا؛ فإن حدود الاستعارة معلومة.
стр. 275
فأما قوله:
لمكاسر الحسن بن وهب أطيب ... وأمر في حنك الحسود وأعذب
فالمكاسر: الأخلاق، وإنما أراد أمر في حنك العدو إذا نطق بها، أو أمر في حنكه أن يذكرها، أو يخبر بها، وأعذب في حنك وليه ووديده إذا نشرها، وكما قال زهير:
تلجلج مضغةً فيها أنيضٌ ... أصلت فهي تحت الكشح داء
لأنه أراد كلمةً فصلح أن يقول أنيض: أي لم تنضج، وأصلت: تغيرت وأنتنت، وذلك لما جعلها مضغة أي لقمة في فيه؛ فهذا طريق الاستعارة فيما يصلح وبفسد؛ فتفهمه فإنه واضح.
وأما قوله:
لا تسقني ماء الملام فإنني ... صبٌ قد استعذبت ماء بكائي
فقد عيب، وليس بعيب عندي؛ لأنه لما أراد أن يقول " قداستعذلت ماء بكائي " جعل للملام ماء؛ ليقابل ماء بماءٍ وإن لم يكن للملام ماء على الحقيقة، كما قال الله : " وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها " ومعلوم أن الثانية ليست بسيئة، وإنما هي جزاء السيئة؛ وكذلك: " إن
стр. 276
تسخروا منا فإنا نسخر منكم " والفعل الثاني ليس بسخريةٍ، ومثل هذا في الشعر والكلام كثير مستعمل.
فلما كان مجرى العادة أن يقول القائل: أغلظت لفلان القول، وجرعته منه كأساً مرة، وسقيته منه أمر من العلقم، وكان الملام مما يستعمل فيه التجرع على الاستعارة - جعل له ماء على الاستعارة، ومثل هذا كثير موجود.
وقد احتج محتج لأبي تمام في هذا بقول ذى الرمة:
أداراً بحزوى هجت للعين عبرةً ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق
وقول الآخر:
وكأسٍ سباها التجر من أرض بابلٍ ... كرقة ماء البين في الأعين النجل
وهذا لا يشبه ماء الملام؛ لأن ماء الملام استعارة، وماء الهوى ليس باستعارة؛ لأن الهوى يبكى؛ فتلك الدموع هي ماء الهوى في الحقيقة، وكذلك البين يبكي؛ فتلك الدموع هي ماء البين على الحقيقة.
فإن قيل: فإن أبا تمام أبكاه الملام، والملام قد يبكي على الحقيقة؛ فتلك الدموع هي ماء الملام على الحقيقة.
قيل: لو أراد أبو تمام ذلك لما قال " قد استعذبت ماء بكائي " لأنه لو بكى من الملام لكان ماء الملام هو ماء بكاء أيضاً، ولم يكن يستعفى منه
стр. 277
٢٥ - ومن ردئ استعارته وقبيحها قوله:
مقصرٌ خطوات البث في بدني ... علماً بأني ما قصرت في الطلب
فجعل للبث - وهو أشد الحزن - خطواتٍ في بدنه، وأنه قد قصرها؛ لأنه ما قصر في الطلب، وهذا من وساوسه المحكمة، وإنما أراد به قد سهل أمر الحزن عليه أنه ما قصر في الطلب؛ لأنه لو قصر كان يأسف ويشتد حزنه، فجعل للحزن خطى في بدنه قصيرةً لما جعله سهلا خفيفاً، وهذا ضد المعنى الذي أراد؛ لأن الخطى إذا طالت أخذت من الشيء الذي تمر عليه أقل مما تأخذه الخطى القصيرة؛ فعلى هذا يجوز أن يقع قلبه أو كبده بين تلك الخطى الطويلة فلا يمسها من البث - وهو الحزن - قليلٌ ولا كثير.
فإن قيل: إنما أراد أن الحزن هو في قلبه خاصة، وأن قوله " في بدني " أي في قلبي؛ لأن قلبه في بدنه.
قيل: الأمر واحد في أن الخطى إذا طالت على الشيء - قلبه كان أو ما سواه - أخذت منه أقل مما تأخذ إذا قصرت.
فإن قيل: أراد بطول الخطى الكثرة وبقصرها القلة.
قيل: هذا غلط من التأويل، وليس العمل على إرادته، وإنما العمل على توجيه معاني ألفاظه.
стр. 278
وبعد، فإن من أعجب الوسواس خطوات البث في البدن.
٢٦ - ومن ردئ استعاراته وقبيحها قوله:
جارى إليه البين وصل خريدةٍ ... ماشت إليه المطل مشى الأكبد
الهاء في " إليه " راجعةٌ إلى المحب، يريد أن البين " ووصل الخريدة تجاريا إليه، فكأنه أراد أن يقول: إن البين " حال بينه وبين وصلها، واقتطعها عن أن تصله، وأشباه هذا من اللفظ المستعمل الجاري، فعدل إلى أن جعل البين والوصل تجاريا إليه، وأن الوصل في تقديره جرى إليه يريده فجرى البين ليمنعه، فجعلهما متجاريين، ثم أتى في المصراع الثاني بنحو من هذا التخليط، فقال: ماشت إليه المطل مشى الأكبد، فالهاء هنا راجعة إلى الوصل: أي لما عزمت على أن تصله عزمت عزم متثاقلٍ مماطل فجعل عزمها مشيا، وجعل المطل مماشيا لها، فيا معشر الشعراء والبلغاء ويا أهل اللغة العربية: خبرونا كيف يجاري البين وصلها؟ وكيف تماشي هي مطلها؟ ألا تسمعون؟ ألا تضحكون؟ وأنشد أبو العباس ابن المعتز في كتاب سرقات الشعراء لسلم الخاسر يعيبه بردئ الاستعارة في قوله يري موسى الهادي:
стр. 279
لولا المقابر ما حط الزمان به ... لا، بل تولى بأنفٍ كلمه دامي
وقال: هذا ردئ كأنه من شعر أبي تمام الطائي! وليت لم يكن لأبي تمام من ردئ الاستعارة إلا مثل استعارة سلم هذه أو نحوها، ونعوذ بالله من حرمان التوفيق.
стр. 280
* ما جاء في شعر أبي تمام من قبيح التجنيس
ورأى أبو تمام أيضاً المجانس من الألفاظ مفرقاً في أشعار الأوائل، وهو ما اشتق بعضه من بعض، نحو قول امرئ القيس:
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا
وقوله أيضاً:
ولكنني أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وقول القطامى:
ولما ردها في الشول شالت ... بذيالٍ يكون لها لفاعا
وقول ذى الرمة:
كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشرٍ يرمى به السيل أبطح
وقول رجل من عبسٍ:
وذلكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا يعرف الأنفا
стр. 281
وقول مسكين الدارمي:
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهيةً ... إذا الكواكب كانت في الدجى سرجا
وقول حيان بن ربيعة الطائي:
لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حدٌ إذا لبس الحديد
وقول النعمان بن بشير لمعاوية:
ألم تبتدركم يوم بدرٍ سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم
وقول جرير:
فما زال معقولاً عقالٌ عن الندى ... وما زال محبوساً عن الخير حابس
وقول الفرزدق:
خفافٌ أخف الله عنه سحابه ... وأوسعه من كل سافٍ وحاصب
وكأن هذين الشاعرين في تجنيس ما جنسا من هذه الألفاظ وحاجتهما إليه يشبه قول النبي ﷺ : " عصية عصت الله، وغفارٌ غفر الله لها، وأسلم سالمها الله ".
стр. 282
ونحو هذا مما تعمد الشعراء لتجنيسه قول جندل بن الراعي:
فما عمرت عمروٌ وقد جد سعيها ... وما سعدت يوم التقينا بنو سعد
ومن ألطف ما جاء من التجنيس وأحسنه في كلام العرب قول القطامى:
كنية الحي من ذى القيظ فاحتملوا ... مستحقبين فؤاداً ماله فادي
ومثل هذا في أشعار الأوائل موجود، لكنه إنما يأتي منه في القصيدة البيت الواحد والبيتان، على حسب ما يتفق للشاعر، ويحضر في خاطره، وفي الأكثر لا يعتمده، وربما خلا ديوان الشاعر المكثر منه؛ فلا ترى فيه لفظة واحدة.
فاعتمده الطائي، وجعله غرضه، وبنى أكثر شعره عليه، فلو كان قلل منه واقتصر على مثل قوله:
يا ربع لو ربعوا على ابن هموم
وقوله:
أرامة كنت مألف كل ريم
وقوله:
يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا
стр. 283
وأشباه هذا من الألفاظ المتجانسة المستعذبة اللائقة بالمعنى - لكان قد أتى بالغرض، وتخلص من الهجنة والعيب، فأما أن يقول:
قرت بقران عين الدين وانشترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما
فانشتار عيون الشرك في غاية الغثانة والقباحة، وأيضاً فإن انشتار العين ليس بموجب للاصطلام، وقوله:
إن من عق والديه لملعو ... نٌ، ومن عق منزلاً بالعقيق
وقوله:
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمذهبٌ أم مذهب
стр. 284
وقوله:
خشنت عليه أخت بني خشين
فهذا كله تجنيسٌ في غاية الشناعة والركاكة والهجانة، ولا يزيد زيادة على قبح قوله:
فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى، ومهما أورق السلم
فإن هذا من كلام المبرسمين، وقد عابه أبو العباس عبد الله بن المعتز ببعض هذه الأبيات في كتاب البديع، جاء بها في قبح التجنيس.
وقد جاء من التجنيس في أشعار العرب ما يستكره، نحو قول امرئ القيس:
وسنا كسنيق سناءً وسنما
ولم يعرف الأصمعي هذا، ولا أبو عمرو وقال أبوعمرو: وهو بيت مسجدى: أي من عمل أهل المسجد، وقال الأصمعي: السن: الثور، ولم يعرف سنيقا، ولا سنما،
стр. 285
ويقال: سنيق جبل، ويقال: أكمةٌ، وسم ههنا: البقرة الوحشية، سناء: أي ارتفاعا، ويروى " سناما " أي ارتفاعا أيضاً، من " تسنمت الجبل " علوته.
وقول الأعشى:
شاوٍ شلولٌ مشلٌ شلشلٌ شول
وهذا عند أهل العلم من جنون الشعراء، وقرأ هذه القصيدة على أبي الحسن علي بن سليمان النحوي قارئٌ، فلما بلغ إلى هذا البيت قال أبو الحسن: صرع والله الرجل.
وما زلت أراهم يستكرهون قول ذى الرمة:
عصاقسّ قوسٍ لينها واعتدالها
ويروى " عصا عسطوسٍ " وقد قيل: إنه الخيزران.
وهذا إنما جاء من هؤلاء مقللاً نادراً؛ لأنك لو اجتهدت أن ترى لواحدٍ منهم حرفاً واحداً ما وجدته، والطائي استفرغ وسعه في هذا الباب، وجد في طلبه، واستكثر منه، وجعله غرضه؛ فكانت إساءته فيه أكثر من إحسانه، وصوابه أقل من خطائه.
следующие страницы →