← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

١١ - ومن ذلك قول أبي تمام: بيضٌ فهن إذا رمقن سوافراً ... صورٌ، وهن إذا رمقن صوار وقول البحتري: أنى لحظت فأنت جوذر رملةٍ ... وإذا صددت فأنت ظبي كناس وهذا تسبيه أعين النساء بأعين البقر، وتمثيلهن بالصوار، وبالظباء؛ وجل كلام العرب عليه يجري، فلا تكون الشعراء فيه إلا متفقين. ١٢ - ومن ذلك قول أبي تمام: ولقد جهدتم أن تزيلوا عزه ... فإذا أبانٌ قد رسا ويلملم وقول البحتري: ولن ينقل الحساد مجدك بعدما ... تمكن رضوى واطمأن متالع وهذا المعنى أيضاً شائع من معانيهم، وكثير من أشعارهم، ومنه قول الفرزدق: فادفع بكفك إن أردت بناءنا ... ثهلان ذا الهضبات، هل يتحلحل

стр. 352

وقوله يخاطب جريرا أيضاً: فرم حضناً فانظر متى أنت ناقله أفترى البحتري ما سمع هذا من قول الفرزدق ولا من قول غيره فنقله كما سمعه أبو تمام فنقله؟ ١٣ - ومن ذلك قول أبي تمام: وفي شرف الحديث دليل صدقٍ ... لمختبرٍ على شرف لاقديم وقول البحتري: على أنا نوكل بالأداني ... وتخبرنا الفروع عن الأصول وهذا معنىٍ شائعٌ في الكلام أيضاً، مشهور كثير على الأفواه أن يقولوا: إن العروق عليها ينبت الشجر، ومن أشبه أباه فما ظلم، والعصى من العصية، والغصن من الشجرة، ودلت على الأم السخلة، ومثل هذا لا يكون مأخوذاً مستعاراً ١٤ - ومن ذلك قول أبي تمام: ولذاك قيل: من الظنون جليةٌ ... صدقٌ، وفي بعض القلوب عيون وقول البحتري: وإذا صحت الروية يوماً ... فسواء ظن امرئ وعيانه

стр. 353

وهذا أيضاً من الأمثال المشهورة المتداولة السائرة، وهو قولهم: ظن العاقل كيقين غيره، ومن ذلك قول أوس بن حجر: الألمفي الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا ١٥ - وقال أبوتمام: لا نجم من معشرٍ إلا وهمته ... عليك دائرةٌ يأيها القطب بقي بيت البحتري لم يذكره، وهو هذا: ودارت بنو ساسان طرا عليهم ... مدار النجوم السائرات على القطب وكأنه ما سمع قول الناس: فلان قطب هذا الأمر، وعلى فلان مدار القصة، ونحو هذا من القول الذي يستغنى الإنسان بما جرى منه في عاداته أن يستعبره من غيره. ١٦ - ومن ذلك قول أبي تمام: وأقل الأشياء محصول نفعٍ ... صحة القول والفعال مريض وقول البحتري: وما لمثلي في القول منك رضاً ... والقول في المجد غير محسوب

стр. 354

وأبو تمام زعم أن رونق القول بالمواعيد لا يتحصل منه نفع إذا لم يكن فعال، وجعل الصحة ف يالقول والمرض في الأفعال مثلن في الاستعارة، والبحتري إنما ذكر أنه لا يرضى بالقول؛ لأن القول لا يحتسب به للماجد بغير فعل؛ فالغرضان مختلفان، والمعنى معنى واحد شائع جار في عادات الناس أن يقولوا: إنما زيد كلام، وإنما عمرو قول بلا فعل، ومثل هذا - مع كثرته على الألسن - لا يقال: إنه مسروق. ١٧ - ومن ذلك قول أبي تمام: ستر الصنيعة واستمر ملعناً ... يدعو عليه النائل المظلوم وقول البحتري: أكافرٌ منك فضل نعمى ... وستر نعمى الكريم كفر فذكر أبو تمام رجلا ذمه بستر الصنيعة، وجعله ملعناً يدعو عليه النائل المظلوم، على الاستعارة، والبحتري ذكر أن ستر النعمى كفر، وكلا اللفظين مستعملان شائعان على الألسن؛ فلا يقال لمن تكلم بأحد اللفظين: إنه استعاره من الآخر.

стр. 355

١٨ - ومن ذلك قول أبي تمام: شهدت جسيمات العلى وهو غائبٌ ... ولو كان أيضاً شاهداً كان غائبا وقول البحتري: بشيراً لكم فيها، نذيراً لغيركم ... له شاهدٌ عن موضع الفهم غائب وهذا المعنى أيضاً جارٍ على الأفواه، ومستعمل في الكلام، تعرفه العامة كما تعرفه الخاصة، وذلك قولهم: فلان شاهد كغائب، وحاضر كمن لم يحضر، وفلان سواء والعدم. ١٩ - ومن ذلك قول أبي تمام: دعيني على أخلاقي الصم للتي ... هي الوفر أو سربٍ ترن نوادبه وقول البحتري: وخد القلاص يردني لك بالغنى ... في بعض ذا التطواف أو يرديني وهذان المعنيان أصلهما واحد، وهو قول امرئ القيس: نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا

стр. 356

وشهرته وكثرة استعمال الناس إياه يغنى البحتري عن أن يقال: إنه استعاره، أو أخذه. ٢٠ - ومن ذلك قول أبي تمام: كحلت بقبح صورته فأمسى ... لا إنسان عيني في السياق وقول البحتري: شكوت قذى بعينك بات يدمى ... كأنك قد نظرت إلى طماس وهذا أيضاً من المعاني التي تمنع شهرتها وابتذال العامة والخاصة لها من أن يقال: إنها مسروقة، وإن واحداً ائتم فيها بآخر. ٢١ - ومما جاء به أبو الضياء على أنه مسروق، والمعنيان مختلفان ليس بينهما اتفاق ولا تناسب، قول أب يتمام: فاقسم اللحظ بيننا؛ إن في اللحظ ... لعنوان ما يجن الضمير وقال البحتري: سلامٌ وإن كان السلام تحية ... فوجهك دون الرد يكفي المسلما وأبو تمام سأل من يخاطبه أن يقبل عليه، ويجعل له قشطاً من النظر؛ فإن إدامة النظر تدل على المودة، كما أن الإعراض يدل على البغض.

стр. 357

والبحتري إنما سلم على الهيثم الغنوى، وذكر أن السلام تحية، وأن وجهه لجماله وطلاقته يكفي المسلم قبل رده، والمعنيان مختلفان، وليس لواحد منهما من الرقة والغرابة ما ينسب أحدهما إلى انه محذوٌ على ألآخر أو مسروق منه. ٢٢ - ومن ذلك قول أبي تمام: ورحب صدرٍ لو أن الأرض واسعةٌ ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد وقول البحتري: مفازة صدرٍ لو تطرق لم يكن ... ليسلكها فرداً سليك المقانب وأبو تمام ذكر أن رحب صدر الممدوح وسعته تزيد على سعة الأرض، فأسرف، وأخطأ ف يالمعنى بما قد ذكرته في باب خطائه في المعاني، والبحتري ذكر سعة صدر الممدوح، وجعل له مفازة على اللاستعارة، وذكر أنه لو تطرق لم يكن ليسلكها سليكٌ الذي لم يكن ليكبر عليه سلوك الأرض وإن عرضت وطالت، وإنما أراد جميعاً سعة صدر الممدوح، كما جرت العادة بهذا الضرب

стр. 358

من المدح، فأفرطا، ولكن سلك كل واحد منهما معنىً غير معنى صاحبه كما ترى. ٢٣ - ومن ذلك قول أبي تمام: إنما البشر روضةٌ؛ فإذا ما ... كان برٌ فروضةٌ وغدير وقول البحتري: فإن العطاء الجزل ما لم تحلهببشرك مثل الروض غير منور فأراد أبو تمام البشر مع البر كالروضة والغدير، وأراد البحتري أالعطاء ما لم يكن معه بشر كان كالروض غير منور؛ فليس بين المعنيين اتفاق إلا في ذكر البشر والروض، والألفاظ غير محظورة على واحد. ٢٤ - ومن ذلك قول أبي تمام: وغني ما حورفت في طلب الغنى ... ولكنما حورفتم في المكارم فقال البحتري: إذا ابتدا بخلاء الناس عارفةً ... يتبعها المن فالمرزوق من حرما فأراد أبو تمام أنه ليس بمحدود ولا محارفٍ في ملتمساته ومطالبه،

стр. 359

ولكن الذين أملهم وطلب ما عندهم حورفوا ف يمكارمهم؛ فأحسن في المعنى واللفظ كل الإحسان؛ وأراد البحتري أن البخيل إذا امتن بمعروفه فالمرزوق من حرم ذلك المرعوف؛ فهذا المعنى غير معنى أب يتمام، وليس بينهما اتفاق ولا تقارب. ٢٥ - ومن ذلك قول أبي تمام: إذا شب ناراً أقعدت كل قائم ... وقام لها من خوفه كل قاعد وقول البحتري: ومبجلٌ وسط الرجال، خفوفهم ... لقيامه، وقيامهم لقعوده وليس أحد المعنيين من الآخر في شيء؛ لأن أبا تمام أراد أن الممدوح إذا شب نار الحرب أقعدت كل قائم لقتاله ومنابذته: أي تزعج كل واحد خوفاً وفرقاً؛ وذلك مأخوذ من قول الفرزدق: أتاني ورحلي بالمدينة وقعةٌ ... آل تميمٍ أقعدت كل قائم وقوله " وقام لها من خوفه كل قاعد " أي: زال عن الطمأنينة والهدو والقرار فقام، وإنما يريد انزعاج الخائف؛ فجعل ذلك قياماً له، والبحتري إنما ذكر أن الرجال يخفون لقيام ممدوحه، أي:

стр. 360

يسرعون بين يديه إذا قام، فإذا قعد قاموا إجلالا وهيبة، وأن من شأنه أن لا يجلس أحد بجلوسه وأن يكون الناس كلهم قياماً إذا جلس، والمعنيان مختلفان، وليس بينهما اتفاق إلا في ذكر القيام والقعود، والألفاظ مباحة. ٢٦ - ومن ذلك قول أبي تمام: ورب يومٍ كأيامٍ، تركت به ... متن القناة ومتن القرن منقصفا وقول البحتري: من معركٍ ضنكٍ تخال به القنا ... بين الضلوع إذا انشنين ضلوعا وليس بين المعنيين اتفاق إلا في أن الشاعرين وصفا حال الطعن بالقنا كيف يقع؛ فذكر ذلك أن ممدوحه يقصف متن القرن ومتن القناة، وشبه هذا انطواء الرماح واعوجاجها - إذا وقعت بضلوع القوم - باعوجاج ضلوعهم، وهذا من التشبيهات الظريفة العجيبة، وهو المعنى الذي استغربه واستحسنه أبو تمام لما أنشد البحتري محمد بن يوسف القصيدة، وذلك أول اجتماعهما وتعارفهما على ما يرويه الشاميون. ٢٧ - ومن ذلك قول أبي تمام: بين البين فقعدها، قلما يع ... رف فقدٌ للشمس حتى تغيبا

стр. 361

وقول البحتري: فاضل بين الإخوان عسرى في ... ظلماء ليلٍ تفاضلت شهبه وليس بين المعنيين تناسبٌ؛ لأن أبا تمام ذكر أن موضع فقدها بان، وأنه قلما يعرف فقد الشمس إلا بعد غروبها، وهذا جارٍ ف يعادات الناس واستعمالهم أن يقولوا: لا يعرف فضل الإنسان حتى يفقد، ولا يعرف فضل العافية إلا عند البلية، ولا قدر الدرهم إلا عند الحاجة إليه؛ والبحتري أراد أن عسره بين له عن مراتب إخوانه، وفضل بعضهم على بعض في معونته وبره، كما يتفاضل الشهب في ظلمة الليل، وأراد بالشهب الكواكب، وهذا المعنى لطيف جداً، وليس من معاني أب يتمام في شيء. هذا، ومما دعى أبو الضياء على البحتري فيه السرق، والاتفاق في أكثر ذلك إنما هو في الألفاظ التي ليست محظورة على أحد، وقد مضى فيما قبل من هذا الباب أبيات. ٢٨ - فمن ذلك قول أبي تمام: إن الصفائح منك قد نضدت على ملقى عظامٍ لو علمت عظام

стр. 362

وقول البحتري: مساعٍ عظامٌ ليس يبلى جديدها ... وإن بليت منهم رمائم أعظم فأراد أبو تمام أن عظام الرجل الذي رثاه عظام القدر، وأراد البحتري أن مساعي القوم عظام لا يبلى جديدا وإن بليت عظامهم، وليس ههنا اتفاق إلا في لفظ العظام لا غير. ٢٩ - ومن ذلك قول أبي تمام: لا يدهمنك من دهمائهم عددٌ ... فإن أكثرهم أو جلهم بقر وقول البحتري: على نحت القوافي من مقاطعها ... وما على لهم أن تفهم البقر فأراد أبو تمام أنه لا يجب أن ينظر إلى كثرة عددهم؛ فإن أكثرهم بقر، وذكر البحتري أن عليه أن يجيد القول، وليس عليه أن تفهمه البقر، وما ههنا اتفاق إلا في لفظة البقر. ٣٠ - ومن ذلك قول أبي تمام: لهان علينا أن نقول وتفعلا

стр. 363

وقول البحتري: إن الخليفة ليس يرقب في لاذي ... حاولت إلا أن نقول ويفعلا والاتفاق ههنا إنما هو في القول والفعل. ٣١ - ومن ذلك قول أبي تمام: وما يوم زرت اللحد يومك وحده ... علينا، ولكن يوم زيدٍ وحاتم وقول البحتري: بأبيض وضاحٍ كأن قميصه ... يزر على الشيخين زيدٍ وحاتم أفترى البحتري ما سمع بذكر زيد الخيل ولا حاتم الطائي اللذين يفخر بهما اليمن كلها فيشبه ممدوحه بهما إلا من بيت أبي تمام؟ ٣٢ - ومن ذلك قول أبي تمام: لعمرك ما كانوا ثلاثة إخوةٍ ... ولكنهم كانوا ثلاث قبائل وقول البحتري: كانوا ثلاثة أبحرٍ أفضى بهم ... ولع المنون إلى ثلاثة أقبر فجعلهم أبو تمام ثلاث قبائل، وجعلهم البحتري ثلاثة أبحر؛

стр. 364

فليس ههنا اتفاق إلا في ذكر ثلاثة. ٣٣ - ومن ذلك قول أبي تمام: كساك من الأنوار أبيض ناصعٌ ... وأحمر ساطعٌ وأصفر فاقع وقول البحتري: من واضحٍ يققٍٍ وأصفر فاقعٍ ... ومضرج جسدٍ وأحمر قاني أفترى البحتري لم يكن ليهتدي إلى أصفر فاقع وأحمر قانٍ لولا بيت أبي تمام؟ ٣٤ - ومن ذلك قول أب يتمام: لولا مناشدة القربى لغادركم ... فريسة المرهفين لاسيف والقلم وقول البحتري: زنت الخلافة إشرافاً وقد حبطت ... وذدت عن حقها بالسيف والقلم وكذلك أيضاً لم يكن البحتري يهتدي إلى الجمع بين السيف والقلم لو لم يجمعهما له أبو تمام!

стр. 365

٨ - ومن ذلك قول أبي تمام: أبي لي نجر الغوث أن أراأم التي ... أسب بها، والنجر يشبهه النجر وقول البحتري: سيدٌ نجر المعالي نجره ... يملك الجود عليه ما ملك وقد كان يبغي لأبي الضياء أن لا يخرج مثل هذا في السرق، ولا يفضح نفسه!! ٩ - ومن ذلك قول أبي تمام: متواطئو عقبيك في طلب العلى ... والمجد، ثمة تستوى الأقدام وقول البحتري: حزت العلى سبقاً، وصلى ثانياً ... ثم استوت من بعده الأقدام ١٠ - ومثله قول أبي تمام: في غداةٍ نهضوبةٍ كان فيها ... ناضر الروض للسحاب نديما

стр. 366

وقول البحتري: قد تعالت بك المروءة حتى ... قد حسبناك للسماك نديما وما يجعل مثل هذا مسروقا إلا من لا معرفة له بحلي المعاني فضلاً عن خفيها. ٣٨ - ومن ذلك قول أبي تمام يصف الفرس: من نجل كل تليدةٍ أعراقه ... طرفٍ معم في السوابق مخول وقول البحتري: وافى الضلوع يشد عقد حزامه ... يوم اللقاء على معم مخول وما في " معم مخول " من الغرابة حتى يتلقنه البحتري من أبي تمام، على كثرته على الألسن، وقول الناس في مدح الفرس: كريم الآباء والمهات، وشريف الأنساب ونحو هذا؟ ٣٩ - ومن ذلك قول أب يتمام: فأذرت جماناً من دموع نظامها ... على الخد إلا أن صائغها الشفر

стр. 367

وقول البحتري: جرى في نحرها من مقلتيها ... جمانٌ يستهل على جمان فالاتفاق ههنا إنما هو في لفظ " جمان " وقول ذلك " نظامها على الخد " وقول هذا " جرى في نحرها " فلا يقتضى أن يكون أحدهما مأخوذاً من الآخر؛ لأن الدمع على الخد جريه، وإلى النحر يصل، وهذه حال لا يجهلها أحد ممن وصف الدمع. ١٣ - ومن ذلك قول أبي تمام: وهل للقريض الغض أو من يحوكهعلى أحدٍ إلا عليك معول وقول البحتري: وعليك سقياهم لنا إذ لم يكن ... في نوبةٍ إلا عليك معول فحظر على البحتري لفظة " معول " وحرمها عليه من أجل أن أبا تمام لفظ بها!. ١٤ - ومن ذلك قول أبي تمام: وإذا امرؤٌ أهدى إليك صنيعةً ... من جاهه فكأنها من ماله

стр. 368

وقول البحتري: حاز حمدي، وللرياح اللواتي ... تجلب الغيث مثل حمد الغيوم فمعنى أبي تمام مشترك بين الناس، وليس مخترعاً؛ لأنك أبداً تسمع قول القائل - إذا بلغ حاجته بشفاعة - أن يقول للشفيع: ما أعتد هذه إلا من الله ومنك؛ فليس لأبي تمام فيه شيء أكثر من أن عبر فيه بعبارة حسنة مكشوفة؛ فالبحتري لم يأخذ المعنى منه لأنه من العادات موجود، ولكنه أحسن في التمثيل، وأغرب وأحسن.

стр. 369

* وهذا الآن ما أخطأ فيه البحتري من المعان ي ١ - قال البحتري: ذنبٌ كما سحب الرداء يذب عن ... عرفٍ، وعرفٌ كالقناع المسبل هذا خطأ من الوصف؛ لأن ذنب الفرس - إذا مس الأرض كان عيبا، فكيف إذا سحبه، وإنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض ولم يسمها، كما قال امرؤ القيس: بضافٍ فويق الرض ليس بأعزل فقال " فويق الأرض " أي: فوق الأرض بقليل. وقد عيب على امرئ القيس قوله: لها ذنبٌ مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر

стр. 370

وما أرى العيب لحق امرأ القيس في هذا؛ لأن العروس إذا كانت تسحب ذيلها، وكان ذنب الفرس إذا مس الأرض فهو عيبٌ؛ فليس ينكر أن يشبه الذنب به إن لم يبلغ أن يمس الأرض؛ لأن الشيء إنما يشبه بالشيء إذا قرب منه، أو دنا من معناه، فإذا أشبهه في أكثر أحواله فقد صح التشبيه، ولاق به، ولأن امرأ القيس لم يقصد طول الذنب أن يشبهه بطول ذيل العروس فقط، وإنما أراد السبوغ والكثرة والكقافة، أر تراه قال " تسد به فرجها من دبر " وقد يكون الذنب طويلا يكاد يمس الأرض ولا يكون كثيفا، بل يكون رقيقاً نزر الشعر خفيفاً؛ فلا يسد فرج الفرس، فلما قال " تسد به فرجها " علمنا أنه إنما أراد الكثافة والسبوغ مع الطول، فإنما أشبه الذنب الطويل ذيل العروس من هذه الجهة، وكان في الطول قريباً منه؛ فالتشبيه صحيح، وليس ذلك بموجب للعيب، ولا أن يكون ذنب الفرس من أجل تشبيهه بلاذيل مما يحكم على الشاعر أيضاً أنه قصد إلى أن الفرس يسحبه على الأرض،

стр. 371

وإنما العيب في قول البحتري " ذنبٌ كما سحب الرداء " فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه. ومثل قول امرئ القيس قول خداش بن زهير: لها ذنبٌ مثل ذيل الهدى ... إلى جؤجؤٍ أيد الزافر الهدى: العروس التي تهدى إلى زوجها، وأيد: شديد، والزافر: الصدر؛ لأنها تزفر منه، فإنما أراد بذيل العروس طوله وسبوغه؛ فشبه الذنب الطويل السابغ به، وإن لم يبلغ في الطول إلى أن يمس الأرض. ومما يصحح ذلك قولهم: فرسٌ ذيال؛ إذا كان طويلا طويل الذنب، فإذا كان قصيراً طويل الذنب قالوا: ذائل، وإنما قالوا ذلك تسبيهاً للذنب بالذيل لا غير، قال النابغة الذبياني: بكل مدجج كالليث يسمو ... إلى أوصال ذيالٍ رفن رفن ورفل واحدٌ، وهو الطويل الذنب وقد استقصيت الاحتجاج لبيت امرئ القيس فيما بينته من سهو أبي العباس عبد الله بن المعتز فيما ادعاه على امرئ القيس من الغلط في كتابه الذي جمع فيه سرقات الشعراء.

стр. 372

٢ - وقال البحتري: هجرتنا يقظى وكادت على عا - دتها في الصدود تهجر وسنى وهذا عندي غلطٌ؛ لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت أو وسنى، والجيد قوله: أرد دونك يقظاناً، وياذن لي ... عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا فصحح المعنى، وأتى به على حقيقته وكذلك قوله: إذا ما تباذلنا النفائس خلتنا ... من الجد أيقاظاً ونحن نيام وقوله: نعذب أيقاظاً وننعم هجدا جيدٌ أيضاً؛ لأنه حملها على أن حالها مع خياله إذا نامت كحاله مع خيالها إذا نام، وأن واحد منهما ينعم مفردا مع خيال صاحبه؛ لا أنهما ينعمان معا في حال واحدة إذا نام أحدهما فرأى خيال الآخر. وإنما أخذ معنى بيته الأول - وعليه بنى أكثر أوصافه للخيال - من قول قيس بن الخطيم.

стр. 373

أنى سربت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه ... في النوم غير مصردٍ محسوب وما أظن أحداً سبق قيساً إلى هذا المعنى في وصف الخيال، وهو حسن جداً، ولكن فيه أيضاً مقال لمعترض، وذلك هو الذي أوقع البحتري في الغلط؛ لأن قيساً قال " ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه في النوم " فأراد أيضا أنها تؤتيه نائمة، وخيال المحبوب يتمثل في حال نوم المحب ويقظته كما ذكرت، وكان الأجود لو قال: ما تمنعي في اليقظة فقد تؤتينه في النوم: أي ما تمنعينه في يقظتي فقد تؤتينه في حال نومي، حتى يكون النوم واليقظة معا منسوبين إليه، إلا أنه يتسع من التأويل لقيس مالا يتسع للبحتري، لأن قيسا قال " فقد تؤتينه في النوم " ولم يقل: فقد تؤتينه نائمة فقد يجوز أن يحمل على أنه أراد ما تمنعي يقظي وأنا يقظان فقد تؤتينه في النوم: أي في نومي، ولا يسوغ مثل هذا في بيت البحتري؛ لأن البحتري قال وسنى ولم يقل في الوسن.

стр. 374

٣ - وقال البحتري ف يمدح المعتز بالله: لا العذل يردعه ولا ال ... تعنبف عن كرمٍ يصده وهذا عندي من أهجن ما مدح به خليفة وأقبحه، ومن ذا يعنف الخليفة على الكرم أو يصده؟ إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح. ٤ - وقال البحتري: تشق عليه الريح كل عشيةٍ ... جيوب الغمام بين بكرٍ وأيم وهذا أيضا غلط؛ لأنه ظن أن الأيم هي الثيب، وقد غلط في مثله أبو تمام، وذكرته في أغاليطه، وسها فيه أيضاً بعض كبار الفهاء؛ فظن البحتري أن الأيم هي الثيب، فجعلها في البيت ضد البكر، والأيم: هي التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيبا، قال الله تعالى: " وأنكحوا الأيامى منكم " أراد جل ثناؤه اللواتي لا أزواج لهن؛ فالبكر والثيب جميعا داخلتان تحت الأيم؛ فتكون بكراً وتكون ثيبا، وإنما أراد الثيب. فإن قيل: إن الأيم قد تكون ثيبا، وإنما أراد الثيب.

стр. 375

قيل: أجل إنها تكون ثيبا وتكون بكراً ومعنسا وكعابا، إلا أن لفظة " أيم " لا تدل على شيء من هذه الأوصاف، وليست عبارة إلا عن التي لا زوج لها لا غير؛ وقد شرحت هذا المعنى شرحا شافيا في غلط أبي تمام. ٥ - وقال البحتري: شرطي الإنصاف إن قيل اشترط ... وصديقي من إذا قال قسط وكان يجب أن يقول " أقسط " أي: عدل، وقسط - بغير ألف - معناه جار، قال الله ﵎: " وأما الفاسطون فكانوا لجهنم حطباً " وقال: " إن الله يحب المقسطين ". ٦ - وقال البحتري: صبغة الأفق بين آخر ليلٍ ... منقضٍ شانه وأول فجر يصف فرسا أشقر أو خلوقيا. والحمرة لا تكون بين آخر الليل وأول الفجر وهو عندي في هذا غالط؛ لأن أول الفجر الرزقة، ثم البياض،

стр. 376

ثم الحمرة عند بدو قرن الشمس. كما أن آخر النهار عند غيبوبة الشمس الحمرة، ثم البياض، ثم الزرقة وهي آخر الشفق؛ وقال البحتري: وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث رشٌ ثم ينسكب وقال آخر: وأن يسجع القمرى فيها إذا غدا ... بركبانه قرنٌ من الشمس أزرق وكأن البحتري أراد أن يقول بين آخر ليل منقض شأنه وأول نهار؛ فيكون قد قابل بين الليل والنهار، والحمرة قد تكون بين آخر الليل وأول النهار، كما تكون بين آخر النهار وأول الليل، فقال " وأول الفجر "، والجيد في مثل هذا المعنى قول أب يتمام يصف فرساً أشقر: كأن قد كسفت في أديمه الشمس ٧ - وقال البحتري: قف العيس قد أدنى خطاها كلالها ... وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها هذا لفظ حسن، ومعنى ليس بالجيد؛ لأنه قال " قد أدنى خطاها كلالها " أي: قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال الدار التي تعرض لأن يشفيه سؤالها، وإنما وقف لإعياء المطي.

стр. 377

والجيد قول عنترة؛ لأنه لما ذكر الوقوف على الدار احتاط بأن شبه ناقته بالقصر، فقال: فوقفت فيها ناقتي، وكأنها ... فدنٌ؛ لأقضي حاجة المتلوم قال ذلك ليعلم أنه لم يقف بها ليريحها. وقد كشف ذو الرمة عن هذا المعنى وأحسن فيه وأجاد، فقال: أنخت بها الوجناء لا من سآمةٍ ... لثنتين بين اثنين جاء وذاهب يقول: أنخت لأصلي، لا من سآمة بها، وقوله " لثنتين " يريد اللتين يقصرهما المسافر " بين اثنين جاء " يريد اللتين يقصرهما المسافر " بين اثنين جاء " يريد الليل " وذاهب " يريد النهار فإن قيل: فإنما قال " قد أدنى خطاها " ليعلم أنه قصد الدار من شقةٍ بعيدة. قيل: العرب لا تقصد الديار للوقوف عليها، وإنما تجتاز بها، فيقول الرجل لصاحبه أو صاحبيه: قف، وقفا، ولو كان هناك قصدٌ إليها لكانوا إذا وصلوا لا يقولون: قف، ولا قفا وإنما ذلك تعريج على الديار في مسيرها، وسأزيد في شرح هذا المعنى فيما بعد عند ذكر الوقوف على الديار. ٨ - وقال البحتري: غريب السجايا ما تزال عقولنا ... مدلهةً في خلةٍ من خلاله

стр. 378

إذا معشرٌ صانوا السماح تعسفت ... به همةٌ مجنونةٌ في ابتذاله قوله " إذا معشر صانوا السماح " معنى ردئ؛ لأن البخيل ليس من أهل السماح فيكون له سماح يصونه، وسواء عليه قال: صانوا السماح، أو صانوا السخاء؛ أو صانوا الجود، أو صانوا الكرم؛ فإن هذا كله لا يملك البخلاء منه شيئاً، وهو منهم بعيد، فكيف يصونونه؟ فإن قيل: إنما أقام السماح مقام الشيء الذي يسمح به، وفي مجازات العرب ما هو أبعد من هذا. قيل: البحتري لا يسوغ مثل هذا، ولا يجوز له؛ لأنه متأخر، ولا سيما أن ليست ههنا ضرورة؛ لأنه قد كان يمكنه أن يقول " صانوا الثراء " مكان " صانو السماح ".

стр. 379

وهذا ما عيب به البحتري وليس بعيبٍ وإنما ذكرته لئلا يظن ظان أنه صحيح، وأني تخطيته، فمن ذلك ما نعاه عليه أصحاب أبي تمام، وهما بيتان، وقد ذكرت احتجاج أصحاب البحتري فيهما في الجزء الأول من هذا الكتاب، وأنا أعيد ذكرهما ههنا لزيادةٍ عندي في الاحتجاج يحتاج إليها. ١ - أنكروا عليه قوله: يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمةٌ بغير إناء وقالوا: لو ملئ الإناء دبسا لكانت هذه حاله، والمعنى عندي صحيح: لا عيب فيه، ولا قدح، وذلك أن الرجل قد دل بهذا الوصف على أن شعاع الشراب في غاية الغلبة، وأن الكأس غاية في الرقة؛ فاعتمد أن وصف الإناء وما فيه وصف الهيئة على ماهي عليه، وإنما أخذ المعنى من قول علي بن جبلة: كان يد النديم تدير منها ... شعاعاً لا تحيط عليه كاس ألا ترى أن هذا أيضاً قد دل على أن الكاس في غاية الرقة، ومثله قول الآخر:

стр. 380

إنما نعجتنا موسومةٌ ... ضمنت حمراء ترمى بالزبد وإذا ما نزلت في كأسها ... فهي والكأس معاً شيءٌ أحد وقد أنشد أبو العباس ثعلب بيت البحتري هذا في أماليه، وقال: إنه أخذ المعنى من قول الأعشى: تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطق قال أبو العباس: وهذا البيت أجود ما قيل في وصف الخمرة؛ لأنه جمع بين اللون والطعم، ونحوه قول الآخر، وهو الأخطل: ولقد تباكرنى على لذاتها ... صهباء عارية القذى خرطوم يريد أنها صافية؛ فالقذى فيها لا يستتر، ولم يعب ثعلبٌ البحتري، ولا طعن في بيته، بل يدلك إنشاده وذكره في موضع السرق على استجادته له، واستحسانه إياه.

стр. 381

٢ - وأنكروا قوله: ضحكاتٌ في ٌثرهن العطايا ... وبروق السحاب قبل رعوده وقالوا: أقام الرعود مقام العطايا، وإنما كان ينبغي له أن يقيم الغيوث مقام العطايا، وهذا جهل ممن قاله بمعاني كلام العرب، ومعنى التمثيل في البيت صحيح، لأن الرعد مقدمة الغيث، وقل رعدٌ لا يتلوه المطر، وإذا كان هذا هكذا فقد صار المعنى كأنه أولٌ، وإنما أخذ البحتري المعنى من قول بشار: وعد الجواد يحث نائله ... كالبرق ثم الرعد في أثره فأقام الرعد مقام الغيث، ونحوه قول بشار: حلبت بشعري راحتيه فدرتا ... سماحاً، كما در السحاب الرعد وأظنهما جميعاً أخذا المعنى من قول الأعشى: والشعر يستنزل الكريم كما اس ... تنزل رعد السحابة السبلا وأنشد ابن الأعرابي في نوادره: فإن لم أصدق ظنهم بتيقني ... فلا سقت الأوصال مني الرواعد

стр. 382

فجعل التي تسقى هي الرواعد، وقال الكميت: وأنت في الشتوة الجماد إذا ... أخلف من أنجمٍ رواعدها ومثل هذا كثيرٌ في كلامهم لا ينكره منكر، وقال أبو تمام: وكذا السحائب، قلما تدعو إلى معروفها الرواد ما لم تبرق فجعل البرق عند الرواد دليل الغيث، وقد يكون برق لا مطر معه كثيراً، وبرق الخلب هذه حاله؛ فالبحتري في أن أقام الرعد مقام الغيث أعذر من أبي تمام لأنه قد يرتفع سحاب ويبرق ولا يمطر، فإذا أرعد لا يكاد يخلف. ٣ - ومن ذلك قول البحتري: يا هلالاً أوفى بأعلى قضيبٍ ... وقضيباً على كثيبٍ مهيل وقالوا: هذا خطأ؛ لأن الكثيب - إذا كان مهيلاً - فإنه يذهب ولا يستمسك، وذلك مذموم من الوصف،

стр. 383

قالوا: والجيد قوله: كالبدر غير مخيل والغصن غي ... ر مميلي والدعص غير مهيل وقالوا: قد تراه هنا كيف شرط في الدعص - لما شبه العجز به - أن جعله غير مهيل؛ لأن العرب إذا شبهت أعجاز النساء بكثبان الرمل شرطت فيها أن تكون ندية، وأن تكون ممطورة، كما قال الراجز: جبن بأعجازٍ لهن ناوية ... كأنها الكثبان غب ساريه ناوية: سمانٌ، من الني وهو الشحم، وكقول الآخر: مثل الكثيب إذا ما بله المطر وكما قال مرداس بن أبي عامر السلمي: إذا هي قامت في النساء حسبت ما ... فويق نطاق العقد صعدة سأسم

стр. 384

وأسفل منه ظهر دعص أصابه ... نجاء السماء في الكثيب المخيم وقال الأخضر بن جابر الفزاري: تلوث أثناء الفاع الأتحمى ... بمثل دعص الرملة المديم أراد الذي قد بلته الديمة، وهي السحابة؛ وقال جندل بن المثنى الطهوي: لا بل كدعصاء نداها مثرى ... عفراء حفت برمالٍ عفر وقال امرؤ القيس: كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتبسا من لين مس وتسهال والحقف: المستدير من الرمل؛ لأن الريح تنخله وتجمعه، وقال " يمشي الوليدان فوقه " لأن الندى أصابه فهو صلب وفيه مع ذلك لين ونعومة، وقد شبه امرؤ القيس أيضاً كفل الفرس بالدعص الندي فقال: له كفلٌ كالدعص لبده الندى ... إلى كاهل مثل الرتاج المضبب

стр. 385

وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: وإن مال الضجيع بها فدعصٌ ... من الكثبان ملتبدٌ مطير قالوا: هذا الوصف المجود، والمعنى الصحيح من معاني العرب، ولولا أن تشبيه الردف بالكثيب المنهال خطأ لما قال البحتري في بيته الآخر: " والدعص غير مهيل ". وهذا المذهب الذي ذهبوا إليه لعمري صحيحٌ من مذاهبهم، إلا أن الشعراء إذا شبهت أعجاز النساء بكثبان الرمل ووصفتها بالانهيال فإنما تقصد إلى تحرك أعجازهن عند المشي، كماقال رؤبة بن العجاج: إذا وصلن العوم بالهركل ... رجرجن من أعجازهن الخزل أولااك رملٍ والج في رمل فقال " أوراك رمل والج في رمل " وولوجه تحركه ودخول بعضه في بعض، وكما قال الأعشى: روادفه تثنى الرداء تساندت ... إلى مثل دعص الرملة المتهيل

стр. 386

نيافٌ كغصن البان ترتج إن مشت ... دبيب قطا البطحاء في كل منهل فدل بقوله " ترتج إن مشت " على أن قوله " إلى مثل دعص الرملة المتهيل " إنما أراد تحرك عجزها في حال مشيها، وكذلك قول رؤبة: ميالةٌ مثل الكثيب المنهال ... عزز منه وهو معطى الأسهال ضرب السواري متنه بالتهتال التهتال والتهتان واحد، فقال " مثل الكثيب المنهال " لما قال " ميالة " أي: أنها تتثنى في مشيتها وتتحرك روادفها، ثم شرط أنه " عزز منه ضرب السواري " أي شده ليمنع من سيلانه وذهابه، وإنما أراد حالا بين الحالين، ألا تراه قال: " هو معطى الإسهال ضرب السواري " أي شده ضرب السواري وهو مع ذلك يتيهل؛

стр. 387

وقال ابن أبي سفيان الغامدي: ذات شوى عبلٍ وخضرٍ أبتل ... وكفلٍ مثل الكثيب الأهيل فأراد بالأهيل الذي يترجرج عند المشي، وقال المقنع الكندي: إذا قامت تنوء بمرجحنً ... كدعص الرمل ينهال انهيالا فحسن ذكر الانهيال من أجل ذكره للقيام، ولو لم يذكره لكان غرضه فيه معروفاً. وقال عبد الرحمن بن الحكم: كأن ما بين قصراها وخنصرها ... منها نقاً دمثٌ من عالج هار

стр. 388

فقصراها: آخر الأضلاع، وهي القصرى والقصيري؛ فدل بقوله " هار " على أنه أراد تحرك روادفها، فكذلك قول البحتري: وقضيب على كثيب مهيل إنما أراد تحرك أردافه، وقد دل على المشي بقوله: يا هلالاً أوفى بأعلى قضيبٍ فالمعنيان لا يتناقضان؛ لأن الشاعر إن ذكر الانهيال فإنه أراد الحركة عند المشي، وإن لم يذكر ذلك وشرط في الكثيب الندى وإصابة الغيث فإنما قصد أن ينص على اجتماعه واستمساكه كما قال رؤبة: ميالةٌ مثل الكثيب المنهال ثم قال: عزز منه وهو معطى الأسهال ... ضرب السواري متنه بالتهتال فانتظم الوجهين جميعاً.

стр. 389

والذي شرح هذين المعنيين أتم الشرح، وأبر في الوصف على كل محسن، تميم بن أبي بن مقبل في قوله يصف مشي النساء: يمشين هيل النقا مالت جوانبه ... ينهال حيناً وينهاه الثرى حينا إنما أراد بقوله " ينهال حينا " تحرك أعجازهن إذا مشين كما يتحرك جانب الرملة للأنهيال فينهاه الثرى وهو ما تحته من التراب أو الرمل النندى، وهذا لا شيء أوضح منه. ٤ - ومن ذلك قوله: متى أردنا وجدنا من يقصر عن ... مسعاته أو فقدنا من يدانيه وقالوا: ليس هذا بالجيد؛ لأنه وصفٌ يشرك ممدوحه فيه البقال والحمال والمراق وباعة الدواء ولقاط النوى؛ لأن هؤلاء أيضاً متى شئنا وجدنا من يقصر عن مسعاتهم، وهو الحجام والكناس والنباش. والبيت عندي صحيح، وغرض البحتري فيه معروف، ومثله أو نحوه قول الأعشى: وأخو النساء متى يشأ يصرمنه ... ويعدن أعداء بعيد وداد وهو لا يشاء ذلك، إنما أراد أن ذلك سهلٌ موجود في النساء، وكذلك قول البحتري " متى أردنا وجدنا " أي: أن ذلك موجود سهل حاصل، وإن لم يكن هناك إرادة ولا طلب؛ لأن تلك حالٌ قد علمت منه، وقد صحح المعنى ووكد المدح بقوله " أوفقدنا من يدانيه " والبقال

стр. 390

والمراق وأمثالهما غير مفقود من يدانيهم؛ فجعل البحتري أحد القسمين في البيت معلقاً بالآخر: أي ذلك كله سهل موجود، ولو اقتصر على النصف الأول كان لعمري فيه متعلق. ٥ - ومن ذلك قوله: تهاجرٌ أممٌ لا وصل يخلطه ... إلا تزاور طيفينا إذا هجدا قالوا: والطيفان لا يهجدان، وإنما أراد إذا هجدنا، فقال " إذا هجدا ". وقد سمعت من يحتج فيه بما لا يبعد عندي من الصواب، وهو أن قال: إنه أراد إلا تزوار نفسينا إذا هجدا؛ فأقام الطيف مقام النفس وقال " هجدا " ولم يقل " هجدتا " للفظ الطيف وهو مذكر، وقال: إن النفس تنام على الحقيقة كما قال تعالى: " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ". فقيل له: النفس لعمري يطلق عليها النوم، فإذا نامت رأت خيالات الأشياء التي ترى حقائقها في اليقظة؛ فالنفس غير الخيال، وقد تتمثل للنفس في حال يقظتها وإن لم ترها العين؛ فليس النفس من الخيال في شيء.
следующие страницы →