Полный текст (1 636 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
نيافٌ كغصن البان ترتج إن مشت ... دبيب قطا البطحاء في كل منهل
فدل بقوله " ترتج إن مشت " على أن قوله " إلى مثل دعص الرملة المتهيل " إنما أراد تحرك عجزها في حال مشيها، وكذلك قول رؤبة:
ميالةٌ مثل الكثيب المنهال ... عزز منه وهو معطى الأسهال
ضرب السواري متنه بالتهتال
التهتال والتهتان واحد، فقال " مثل الكثيب المنهال " لما قال " ميالة " أي: أنها تتثنى في مشيتها وتتحرك روادفها، ثم شرط أنه " عزز منه ضرب السواري " أي شده ليمنع من سيلانه وذهابه، وإنما أراد حالا بين الحالين، ألا تراه قال: " هو معطى الإسهال ضرب السواري " أي شده ضرب السواري وهو مع ذلك يتيهل؛
стр. 387
وقال ابن أبي سفيان الغامدي:
ذات شوى عبلٍ وخضرٍ أبتل ... وكفلٍ مثل الكثيب الأهيل
فأراد بالأهيل الذي يترجرج عند المشي، وقال المقنع الكندي:
إذا قامت تنوء بمرجحنً ... كدعص الرمل ينهال انهيالا
فحسن ذكر الانهيال من أجل ذكره للقيام، ولو لم يذكره لكان غرضه فيه معروفاً. وقال عبد الرحمن بن الحكم:
كأن ما بين قصراها وخنصرها ... منها نقاً دمثٌ من عالج هار
стр. 388
فقصراها: آخر الأضلاع، وهي القصرى والقصيري؛ فدل بقوله " هار " على أنه أراد تحرك روادفها، فكذلك قول البحتري:
وقضيب على كثيب مهيل
إنما أراد تحرك أردافه، وقد دل على المشي بقوله:
يا هلالاً أوفى بأعلى قضيبٍ
فالمعنيان لا يتناقضان؛ لأن الشاعر إن ذكر الانهيال فإنه أراد الحركة عند المشي، وإن لم يذكر ذلك وشرط في الكثيب الندى وإصابة الغيث فإنما قصد أن ينص على اجتماعه واستمساكه كما قال رؤبة:
ميالةٌ مثل الكثيب المنهال
ثم قال:
عزز منه وهو معطى الأسهال ... ضرب السواري متنه بالتهتال
فانتظم الوجهين جميعاً.
стр. 389
والذي شرح هذين المعنيين أتم الشرح، وأبر في الوصف على كل محسن، تميم بن أبي بن مقبل في قوله يصف مشي النساء:
يمشين هيل النقا مالت جوانبه ... ينهال حيناً وينهاه الثرى حينا
إنما أراد بقوله " ينهال حينا " تحرك أعجازهن إذا مشين كما يتحرك جانب الرملة للأنهيال فينهاه الثرى وهو ما تحته من التراب أو الرمل النندى، وهذا لا شيء أوضح منه.
٤ - ومن ذلك قوله:
متى أردنا وجدنا من يقصر عن ... مسعاته أو فقدنا من يدانيه
وقالوا: ليس هذا بالجيد؛ لأنه وصفٌ يشرك ممدوحه فيه البقال والحمال والمراق وباعة الدواء ولقاط النوى؛ لأن هؤلاء أيضاً متى شئنا وجدنا من يقصر عن مسعاتهم، وهو الحجام والكناس والنباش.
والبيت عندي صحيح، وغرض البحتري فيه معروف، ومثله أو نحوه قول الأعشى:
وأخو النساء متى يشأ يصرمنه ... ويعدن أعداء بعيد وداد
وهو لا يشاء ذلك، إنما أراد أن ذلك سهلٌ موجود في النساء، وكذلك قول البحتري " متى أردنا وجدنا " أي: أن ذلك موجود سهل حاصل، وإن لم يكن هناك إرادة ولا طلب؛ لأن تلك حالٌ قد علمت منه، وقد صحح المعنى ووكد المدح بقوله " أوفقدنا من يدانيه " والبقال
стр. 390
والمراق وأمثالهما غير مفقود من يدانيهم؛ فجعل البحتري أحد القسمين في البيت معلقاً بالآخر: أي ذلك كله سهل موجود، ولو اقتصر على النصف الأول كان لعمري فيه متعلق.
٥ - ومن ذلك قوله:
تهاجرٌ أممٌ لا وصل يخلطه ... إلا تزاور طيفينا إذا هجدا
قالوا: والطيفان لا يهجدان، وإنما أراد إذا هجدنا، فقال " إذا هجدا ".
وقد سمعت من يحتج فيه بما لا يبعد عندي من الصواب، وهو أن قال: إنه أراد إلا تزوار نفسينا إذا هجدا؛ فأقام الطيف مقام النفس وقال " هجدا " ولم يقل " هجدتا " للفظ الطيف وهو مذكر، وقال: إن النفس تنام على الحقيقة كما قال تعالى: " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ".
فقيل له: النفس لعمري يطلق عليها النوم، فإذا نامت رأت خيالات الأشياء التي ترى حقائقها في اليقظة؛ فالنفس غير الخيال، وقد تتمثل للنفس في حال يقظتها وإن لم ترها العين؛ فليس النفس من الخيال في شيء.
стр. 391
قال: فإذا كانت النفس والخيال يلتقيان في النوم، فلم لا أسميهما خيالين - وإن كان أحدهما خيالا والآخر نفساً - على المجاز الذي تفعله العرب؟ وهذا عندي احتجاج صحيح، ويصح عليه معنى البيت.
٦ - ومما نسبوا فيه البحتري إلى سوء التقسيم قوله:
فكأن مجلسه المحجب محفلٌ ... وكأن خلوته الخفية مشهد
وقالوا: إنه ليس في المصراع الثاني من الفائدة إلا ما في الأول؛ لأن مجلسه المحجب هي خلوته الخفية، وقوله " محفل " كقوله " مشهد ".
والمعنى عندي صحيح؛ لأن المجلس المحجب قد يكون فيه الجماعة الذين يخصهم، وفي الأكثر الأعم لا يسمى مجلساً إلا وفيه قوم، ألا ترى إلى قول مهلهل:
واستب بعدك يا كليب المجلس
أي: أهل المجلس، على الاستعارى، فجعل البحتري مجلسه الذي احتجب فيه مع ما يخصه كالمحفل، والمحفل: هو المجمع الكثير، والخلوة الخفية قد يكون فيها منفرداً، وقد يكون معه محبوب، فبنها وبين المجلس والمحفل فرق؛ فكأنه إذا خلا خلوة خفية وفيها معه من يشاهده - ومن يشاهده يجوز أن يكون واحداً
стр. 392
أو اثنين - والمحفل لا يكون إلا عدداً كثيراً، فهذا أيضاً فرق صحيح بين المحفل والمشهد، وإنما أراد البحتري أنه لا يفعل في مجلسه المحجب إلا ما يفعله في المحفل، ولا يفعل في خلوته الخفية إلا ما يفعله مع من يشاهده، ينسبه إلى شدة التصون وكرم السريرة.
٧ - ومثله قوله:
أمين الله، دمت لنا سليما ... ومليت السلامة والدواما
قالوا: وقوله " دمت لنا سليما " هو قوله " مليت السلامة والدواما " فإن هذا قبيح جداً.
وليس الأمر عندي كذلك، بل القسمة صحيحة؛ لأنه لما تقدم ذكر السلامة والدوام في أول البيت قال في عجزه " ومليت السلامة " أي: أديمت لك تلك السلامة وذلك الدوام.
وأجود من هذا أن يكون لما قال دمت لنا سليما - وذلك بذكر السلامة وفيها الألف واللام؛ لأنها اسم الجنس، وكذلك الدوام - فكأنه قال: مليت السلامة كلها والدوام كله وليس بمنكر أن يقول القائل في الدعاء " دام لك الدوام " كما يقول: طال طولك، وقر قرارك، وضل ضلالك، وزال زوالك، وذلك كلام مستعمل حسن، ومعنى " مليت " أطيلت لك وأديمت، مثل تمليت،
стр. 393
وهو مأخوذ من الملاوة والملوة، وهما الدهر، والملوان: الليل والنهار. ومنه قولهم: وقفت مليا.
٨ - وقال البحتري:
اليوم أطلع للخلافة سعدها ... وأضاء فينا بدرها المتهلل
لبست جلالة جعفرٍ؛ فكأنها ... سحرٌ تجلله النهار المقبل
وقالوا: هذا معنى فاسد؛ لأن السحر طرة النهار وأوله وبدء ضيائه، والشيء في مثل هذا لا يتجلل أوله؛ لأن التجلل هو أن يشتمل عليه ويغطيه، والسحر أمام النهار أبداً؛ فلا يجوز أن يتغشاه؛ لأنه المتصل بالظلمة والمختلط بها والطارد لها، فهو يدور حول كرة الأرض دائماً على صورة واحدة لا يتغير.
وهذا عندي معارضة صحيحة، إلا ان هذا معنى يتجاوز في مثله؛ لأن البحتري إنما أراد تجلله النهار في رأي أعيننا وما نشاهده؛ لأن زرقة السحر لما استطار الضوء صار كأنه شيء غطى عليها، وإن كانت حقيقتها أنها اتقلبت إلى قطر آخر من الأرض.
٩ - وقال البحتري:
لم أر كالهجر لم يرحم معذبه ... والوصل لم يعتمد معطاه بالحسد
وهذا كان بعضهم يراه سهواً، ويقول: إن المعذب بالهجر مرحوم،
стр. 394
فأما من يواصله حبيبه فمغبوط أبداً ومحسود، وقد قيل في ذلك من الأشعار ما هو أشهر وأكثر؛ فمنها قول يزيد بن الطثرية:
أعوذ بخديك الكريمين أن يرى ... لنا حاسدٌ في غبر الوصل مطمعا
وقول أب يصخر الهذلي:
فقد تركتني أحسد الطير أن أرى ... أليفين منها لم يروعهما النفر
وقول جرير:
ويحسد أن يزوركم، ويرضى ... بدون البذل لو علم الحسود
وقول جميل بن معمر:
لولا الوشاة لزرتكم ببلادكم ... لكن أخاف مقالة الحساد
وقول عتبة بن بجير الحارثي:
أيام تهجرني ليلى وأحسدها ... وأطيب العيش عندي مضغة الحسد
أي: هي تهجرني، وأنا أحسدها: أي أحسد عليها.
وليس الأمر عندي في هذا البيت على ما تأوله هذا المتأول وظنه، وذلك أن البحتري لم يرد بقوله " لم أر كالهجر لم يرحم معذبه " جنس الهجر، ولا جنس الوصل، فيخرج الكلام مخرج العموم لكل هجر وكل وصل، كما يقال: أهلك الناس الدينار والدرهم، وإنما أراد " لم أر كالهجر لم
стр. 395
يرحم معذبه " أي: كالهجر الذي هذه حاله على طريق التعجب " والوصل لم يعتمد معطاه بالحسد " أي الوصل الذي هذه حاله، وهذا كما تقول: " لم أر كالرجل يسئ فلا يذم، ويحسن فلا يشكر " أي كالرجل الذي هذه حاله، ولم يرد كل الرجال، وكيف يظن مثل هذا بالبحتري وهو يقول:
ونحسد أن يسرى إلينا من الهوى ... عقابيل يعتاد الهوى باعتيادها
فكم نافسوا في حرقةٍ إثر فرقةٍ ... تعجب من أنفاسنا وامتداها
فقد ترى كيف يزعم أنه يحسد على الجوى وعلى الحرق، فكيف على الوصل؟ ١٠ - وقا لالبحتري:
أي ليلٍ يبهى بغير نجومٍ ... وسحابٍ يندى بغير بروق؟
عابه بعضهم بهذا، وقالوا: قد يكون برقٌ ولا غيث معه، وهو برق الخلب، والرجل لم يقل لا برق إلا ومعه مطر، وإنما قال لا مطر إلا ومعه برق.
١١ - وسمعت من يعيب قوله:
كالروض مؤتلقاً بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه
ويقول: النور هو الأبيض، والزهر هو الأصفر لا محالة،
стр. 396
فإذا قلت " في هذا الروض أنوار مختلفةٌ " جاز ذلك، لأنك تضم إلى البياض غيره فيجري الأسم علىلجميع، على سبيل المجاز، كما تقول " العمران " لأبي بكر وعمر ﵄، و " القمران " للشمس والقمر، وما أشبه ذلك، وكذلك إذ قلت " فيها أزهار كثيرة " جاز ذلك وإن كان فيها أبيض وأحمر وما سواهما من الصفرة توسعاً ومجازاً؛ فإذا فصلت معتمدا لأن تخص كل جنس باسم، كما فعل البحتري، ولم يجز أن يعدل بكل جنس عن اسمه المخصوص؛ فتقول حينئذ: يعجبني من هذا الموضع صفرة زهره، وبياض نوره، وحمرة شقائقه، ولا يجوز أن تقول: يعجبني حمرة نوره، ولا بياض زهره، كما قال البحتري؛ لأن ذلك خطأ ف ياللغة على ما استعملته العرب.
ولعمري إن هذا هو الأشهر في كلامهم، والأغلب في المأثور عنهم، إلا أنهم قد جعلوا الزهر نوراً، والنور زهراً، وجاء ذلك ف يالشعر، قال عدي بن زيد:
حتى تعاون مستك له زهرٌ ... من التناوير شكل العهن في اللؤم
стр. 397
اللؤم: جمع لأمة ولؤمة، وهي متاع الرحل من الأشلة والولايا تكون موشاة بالعهن - وهو الصوف المصبوغ بالحمرة - وغير ذلك من الألوان؛ فقال " زهر " ثم قال " من التناوير " وقال " شكل العهن ". وقال زهير ابن مسعود الضبي:
متنورٌ غدق الندى قريانه ... مثل العهون من الخواطر مقمر
وقال أبو النجم:
فالروض قد نور في حوائه ... مختلف الألوان في أسمائه
نوراً تحار الشمس في حمرائه ... مكللا بالنور من صفرائه
فقال " بالنور من صفرائه ". وقال حميد بن ثورٍ:
كأن على أشداقه نور حنوةٍ ... إذا هو مد الجيد منه ليطعما
стр. 398
يصف فرخ الحمامة وصفرة أشداقه، ويشبهها بصفرة الحنوة لا محالة؛ فقال نور حنوة؛ ولم يقل زهر حنوة، وقال الأعشى:
وشمول تحسب العين إذاصفقت وردتها نور الذبح
والذبح: نبت، ونوره أحمر شديد الحمرة، ويقال له " الذبح " وهذا كله دليل على أن هذه الأسماء تستعمل في هذه الألوان كما ترى على اختلافها.
١٢ - وسمعت من يعيب قوله:
فمجدلٌ ومرملٌ وموسدٌ ... ومضرجٌ ومضمخٌ ومخضب
ويوقولن: إن قوله " مضرج ومضمخ ومخضب " بمعنى واحد، وذكر أنه إن أراد رجلا واحداً أنه مضرج ومضمخ ومخضب جاز؛ لأن كل لفظةٍ تكون مؤكدةً للأخرى، قال: ولكنه أراد فمنهم مضرج ومنهم مضمخ ومنهم مخضب، كما قسم في صدر البيت.
ولعمري إن البحتري كذلك أراد، وليس بمنكر؛ لأن المضرج
стр. 399
من التضريج وهي الحمرة المشرقة التي ليست بقانية، والمضمخ يريد به غلظ الدم وأنه في متانة الطيب الذي يتضمخ به، والمخضب أراد أن الدم قد خضبه كما يخضب بالحناء؛ ففي كل لفظة ما ليس في الأخرى، وإن كانت الحمرة قد شملت الجميع؛ لأن المضرج يجوز أن يكون أراد به طراوة الدم: أي منهم حديث عهدٍ بالقتل، والمضمخ من قد خثر عليه الدم كأن قتله قد تقدم قبل الآخر، والمخضب يجوز أن يكون مضى لقتله يومٌ وأكثر فقد اسود عليه الدم، وهذه معانٍ كلها محتملة، وقد يجوز أن يريد بقوله " مضرج " سائر جسده، وبالمضمخ أن السيف أخذ عوارضه وتحت لحيته، وذلك موضع من مواضع التضمخ بالطيب. وأراد بالمخضب أن السيف أخذ في رأسه وفي يديه ورجليه. وذلك مواضع الخضاب. وقد يكون المضرج المقطع؛ يقال: " ضرجته " إذا قطعته. وهذه معانٍ لطيفة، وقد يجوز أن يعتد بها، والوجه القوي هو الأول.
١٣ - وسمعت قوماً ينكرون قوله في وصف الخمر:
وفواقع مثل الدموع ترددت ... في صحن خد الكاعب الحسناء
ويقولون: إن الدمع لا تتردد في الخد كما يتردد الحباب في الكأس، وإنما الدمع يجري وتتابع.
стр. 400
والمعنى صحيح، ولا عيب فيه؛ لأن التردد قد يكون الجولان، وقد يكون التتابع والتواتر، يقال: قد تتابعت كتبي إليك، وترددت؛ بمعنى، وتواترت رسلي وتتابعت، والكتاب الأول هو غير الثاني. وكذلك قد يكون الرسول الأول غير الرسول الثاني، وإنما حسن أن يقال تتابعت وترددت لأن كل واحد من الكتب يقال له " كتاب " ويقال لكل واحدٍ من الرسل رسول؛ فلما ضمهم اسم واحد حسن استعمال التتابع والتردد. وإن كانت أشخاصاً متباينة، وكل واحد غير الآخر؛ فكذلك الدمع، حسن أن يقال: قد تتابعت دموعه على خده، وترددت، وإن كانت دمعة غير الأخرى. والحباب وإن جال في القدح دائراً فيه فإنه ربما جرى فيه على جهةٍ واحدةٍ؛ كما يجري الدمع على جهة واحدة، وهذا من أحسن التسبيه وأليقه؛ لأن الخمر قد يكون منها ما هو أحمر إلى التوريد الخفيف كحمرة الخد، وخاصة إذا أرقت بالماء؛ كما قال الشاعر:
كميت إذا فضت، وف يالكأس وردةٌ ... لها في عظام الشاربين دبيب
فإذا شبهت الخمرة بالخد وذكر الحباب فمن أليق ما شبه به وأحسنه وأصحه الدمع؛ لأن الدمع قد يقف في الخد كوقوف الحباب في صحن الكأس، وباب اختلاف حركة الحباب وحركة الدمع فليس كل شيء
стр. 401
يشبه بشيء يقع التشبيه فيه من جميع الجهات حتى لا يغادر منها شيئاً، وقد يكون إنما شبه به ببعض ما فيه لا بكله.
١٤ - ورأيت من عاب قوله:
وصبغت أخلاقي برونق خلقه ... حتى عدلت أجاجهن بعذبه
وقالوا: إنما كان ينبغي لما ذكر الأجاج والعذب أن يقول " فمزجت " لا أن يقول " وصبغت " أو لما قال " وصبغت " أن يقول " حتى عدلت ألوانهن بحسن لونه ".
وليست هذه المعارضة بشيء، والمعنى صحيحٌ، ولذلك أنه ليس هناك صبغ على الحقيقة فيقابل بذكر لون حتى يتكافأ المعنيان، ولا مشروب عذبٌ ولا أجاج على الحقيقة فيستعمل بذكر المزاج، وهذه استعارات ينوب بعضها عن بعض، ويقوم بعضها مقام بعض؛ لأنها ليست بحقائق فيما استعبرت له، ألا ترى أنك تقول: فلان قد شارك فلاناً، وخالطه، ومازجه، وانسبغ به، بمعنى واحد، وإن كان بعضها أوكد من بعض، ولا يكون هناك مداخلة ولا ممازجة لجسم في جسم، ولا مخالطة على الحقيقة.
١٥ - ومما عيب عليه من التعسف والتعقيد في اللفظ قوله:
فتى لم يمل بالنفس منه عن العلى ... إلى غيرها شيءٌ سواه مميلها
стр. 402
وكان بعض الناس يرى أنه لاحنٌ، ويقول: إنه إنما أراد فتى لم يمل بنفسه عن العلى شيء مميل نفس سواه، أي: ما يميل النفس عن المعالي من اللهو واللعب والدعة وحب الراحة والضن بالمال، ونحو هذا من الأشياء الشاغلة عن السؤدد، فقدم " سواه " وكنى عن النفس بقوله " مميلها " بعد أن حذفها، قال: وذلك غير جائز؛ لأنك إذا قلت " لن يضرب هامة عمرو وأحدٌ ضارب هامة غيره فقدمت " هامة غيره " فقلت: لن يضرب هامة عمرو واحدٌ هامة غيره ضاربها، وجعلت الهاء في " ضاربها " كنايةً عن الهامة لتقدمها جاز؛ إلا أن البصريين من النحويين يقولون: " هامة غيره ضاربها هو " كما أنه لو قال: " شيءٌ نفس سواه مميلها هو " جاز، فإن فككت الإضافة وأسقطت هامة وقدمت " غير " فقلت: " لن بضرب هامة عمرو واحدٌ غير ضاربها " لم يجز؛ لإسقاطك الهامة التي كنايتها الهاء في قولك " ضاربها " ولا تجوز الكناية عن غير مذكور في مثل هذا، فكذلك لا يجوز في البيت " شيء سواه مميلها " وهو يريد شيء نفس سواه مميلها؛ لأن الهاء في قوله " مميلها " كناية عن النفس؛ فلا يجوز إسقاط النفس.
وهذا لعمري إن كان البحتري أراده فهو غالط، غير أنه - والله أعلم -
стр. 403
إنما أراد فتى لا يميل بالنفس منه عن العلي إلى غيرها شيء بخفض " شيء " على أن الممدوح هو الذي لم يمل بنفسه عن العلي إلى شيء غيرها، ثم قال " سواه مميلها " على الابتداء والخبر: أي لكن سواه من الناس مميلها، فأضمر " لكن " وهذا سائغ؛ وأنشد سيبويه:
على الحكم المأتى يوماً إذا قضى ... قضيته أن لا يجور، ويقصد
قال: أراد ولكنه يقصد، فأضمر " لكن " فلذلك رفع " يقصد "، وعلى أنه مستعمل كثير فاشٍ في الكلام أن تقول: زيد لا يقعد عن المكارم وعمرو يقعد عنها، وأنا لا أجفوك إنما بكر الجافي لك؛ فيكون الكلام مستغنياً بنفسه؛ فلا يحتاج إلى إضمار.
فإن سلم البيت من عيب اللحن لم يسلم من عيب التعسف، ولست أعرف بيتاً تعسف في نظمه غير هذا.
١٦ - ومن ردئ التجنيس وقبيحه قوله:
أمنا أن تصرع عن سماحٍ ... وللآمال في يدك اصطراع
يقول: أمنا أن يغلبك غالبٌ يصرعك عن السماح ويمنعك منه، وللآمال في يدك اصطراع: أي تنافسٌ وتغالبٌ وازدحام، وقوله " في يدك " لأن العطاء إليها ينسب،
стр. 404
وقد جاء بهذه اللفظة في موضع آخر فقال يصف أخلاق الممدوح:
يتصرعن ففرجاء دنو ال ... مزن، والودق خارجٌ من خلاله
وهي ههنا أقل قبحاً منها في البيت الأول، ولو قال " يتدانين للرجاء دنو المزن " كان أحسن في اللفظ، وأوفق من أجل التجنيس، ولكن " يتصرعن " أوكد ف يالمعنى؛ لأنه بمعنى يتساقطن ويتطرحن، يريد الإسراع إلى الرجاء من غير ترفق ولا توقٍ للأنحطاط والوقوع؛ ليدل على الحرص والشهوة.
وقد جاء بهذه اللفظة في موضع آخر، وأوقعها موقع الذم، فقال:
من يتصرع في إثر مكرمةٍ ... فدأبه ف ياتباعها دأبه
يريد من يتساقط في أثر مكرمة إذا سعى لطلبها ولم يكن له نهوضٌ فيها فدأب الممدوح دأبه المعروف المشهور منه، أي: جده ولحاقه، وحرك الدأب الثاني وسكن الأول، ومعناهما واحد، ويجوز أن يكون أراد فدأبه في اتباعها - أي عادته في اتباعها - دأبه، أي: سعيه وحركته، وهو أجود.
١٧ - ومن ردى التجنيس أيضاً قوله:
حييت بل سقيت من معهودةٍ ... عهدي غدت مهجورةً ما تعهد
стр. 405
ويروى " سقيت من عمعمورة " يخاطب الدمن، أي: عهدي بها معمورة معهودة، ومن روى " معهودة عهدي " أي: عهدي بها معهودة فغدت معهودة ما تعهد، وقد يكون العهد من التعهد، ويكون قوله " ما تعهد " أي: قد نسيت، وهذا يشبه تجنيسات أبي تمام.
стр. 406
* باب في اضطراب الوزن
وما رأيت شيئاً مما عيب به أبو تمام إلا وجدت في شعر البحتري مثله، إلا أنه في شعر أبي تمام كثير وفي شعر البحتري قليل: من ذلك اضطراب الأوزان في شعر أبي تمام.
١ - وقد جاء في شعر البحتري بيتٌ هو عندي أقبح من كل ما عيب به أبو تمام ف يهذا الباب، وهو قوله:
ولماذا تتبع النفس شيئاً ... جعل الله الفردوس منه بواء
وكذلك وجدته في أكثر النسخ وهذا خارج عن الوزن، والبيت من العروض هو البيت الأول من الخفيف وهو سداسيٌ وزنه:
فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن ... فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن
وتقطيعه:
ولماذا تتببعن تفشيئاً ... جعلللاهل فردوسمن هبواء
стр. 407
فعلاتن مفاعلن فاعلاتن ... فعلاتن مستفعلن فعلاتن
فحذف ألف " فاعلاتن " الأولى والثانية والأخيرة فصارت فعلاتن، وسين " مستفعلن " الأولى فصارت مفاعلن، وذلك كله زحاف جائز، وزاد في البيت سبباً، وهو حرفان: الهاء من اسم الله ، واللام من لفظ الفردوس، وهو إكفاء، ولا أعرف مثل هذا البيت، وقد رأيت في بعض النسخ " جعل الله الخلد منه بواء " فإن يكن هكذا قال فقد تخلص من العيب ويكون تقطيع البيت:
جعلللا هلخلد من هبواء
٢ - وقال البحتري:
حلأتنا عن حاجةٍ ممنوعٍ ... مبتغاها وحاجيتن ممطولة
وهذا من العروض هو البيت الأول من الخفيف، وتقطيعه:
حلالأتنا عنحاجتن ممنوعن ... مبتغاها وحاجتن ممطوله
فاعلاتن مستفعلن مفعولن ... فاعلاتن مفاعلن مفعولن
وكان يجب أن تكون عروض البيت - وهي مفعولن الأولى - فاعلاتن، ولا يجوز فيها مفعولن، بلى لو كان البيت مصرعاً لجاز في عروضه
стр. 408
مفعولن كما جاز في ضربه - وهي القافية - وذلك قوله " ممطوله " فأما جعله مفاعلن في موضع مستفعلن الثانية في البيت فذلك جائز من الزحاف، وقد غير قومٌ هذه اللفظة في البيت - وهي ممنوع - فقالوا " بمنوعٍ مبتغاها " أي: حلأتنا عن حاجة بمانعٍ منع مبتغاها من عائقٍ أووالٍ عليها، ويكون " بمتغاها " في موضع نصب بمنوع، وهو محتمل.
قال أبو القاسم الحسن بن بشرٍ بن يحيى الآمدي:
وأنا أذكر بإذن الله الآن في هذا الجزء المعاني التي يتفق فيها الطائيان؛ فأوزان بين معنى ومعنى، وأقول: أيهما أشعر في ذلك المعنى بعينه، فلا تطالبني أن أتعدى هذا إلى أن أفصح لك بأيهما أشعر عندي على الإطلاق، فإني غير فاعل ذلك؛ لأنك إن قلدتني لم تحصل لك الفائدة بالتقليد، وإن طالبت بالعلل والأسباب التي أوجبت التفضيل، فقد أخبرتك فيما تقدم بما أحاط به علمي من نعت مذهبيهما، وذكر مساويهما في سرقة معاني الناس وانتحالها، وغلطهما ف يالمعاني والألفاظ، وإساءة من أساء منهما في الطباق والتجنيس والاستعارة، ورداءة النظم واضطراب الوزن، وغي رذلك مما اوضحته في مواضعه وبينته، وما سيعود ذكره في
стр. 409
الموازنة من هذه الأنواع على ما يقوده القول وتقتضيه الحجة، وما سنراه من محاسنهما وبدائعهما وعجيب اختراعهما؛ فإني أوقع الكلام على جميع ذلك وعلى سائر أغراضهما ومعانيهما في الشعار التي أرتبها في الأبواب، وأنص على الجيد وأفضله على الردئ، وأبين الرئ وأرذله، وأذكر من علل الجميع ما ينتهي إليه التلخيص، وتحيط بع العبارة، ويبقى ما لا يمكن إخراجه إلى البيان، ولا إظهاره إلى الاحتجاج، وهي علة ما يعرف إلا بالدربة ودائم التجربة وطول الملابسة، وبهذا يفضل أهل الحذاقة بكل علم وصناعة من سواهم ممن نقصت قريحته، وقلت دربته، بعد أن يكون هناك طبع فيه تقبلٌ لتلك الطباع وامتزاج بها، وإلا فلا يتم ذلك، ثم أكلك بعد ذلك إلى اختيارك، وما تقضى عليه فطنتك وتمييزك، فينبغي أن تنعم النظر فيما يرد عليك، ولن ينتفع بالنظر إلا من يحسن أن يتأمل، ومن إذا تأمل علم، ومن إذا علم أنصف.
ثم إن العلم بالشعر قد خص بأن يدعيه كل أحد، وأن يتعاطاه من ليس من أهله؛ فلم لا يدعي أحد هؤلاء المعرفة بالعين والورق والخيل والسلامح والرقيق والبز والطيب وأنواعه؟ ولعله قد لابس من أمر الخيل وركوبها
стр. 410
والسلاح والعلم بذلك أو الرقيق واقتنائه أو الثياب ولبسها أو الطيب واستعماله أكثر مما دعاناه من أمر الشعر وروايته؛ فلا يتهم نفسه في المعرفة بالشعر تهمته إياها بالمعرفة ببعض هذه الأشياء مما عاناه وتناوله، وما باله وقد ركب الخيل كثيراً لما راقه من الفرس ملاحة سبيبه، واستدارة كفله، وبريق شعره، وحسن إشراقه وجودة خصره - توقف عن ابتياعه حتى يشاور من يخبره عن عتقه، وموضع نتاجه، وصحة قوائمه، وسلامة أعضائه، وبراءته من العيوب الظاهرة والباطنة، وكذلك السيف لما بهره جلاؤه، وصقاله وصفاء حديدته - لم يمض فيه اختياره على غيره من السيوف، حتى شاور من يعرف حسنه وطبعه وجوهره وفرينده ومضاءه، وكذلك لم أهجبه من ثوب الوشى حسن طرزه، وكثرة صوره، وبديع نقوشه، واختلاط ألوانه - لم يبادر إلى إعطاء ثمنه حتى رجع إلى أهل العلم بجوهره وكثرة مائه وجودة رقعته وصحة نساجته وخلاص إبريسمه.
стр. 411
فكيف لم يفعل مثل ذلك بالشعر لما راقه حسن وزنه وقوافيه، ودقيق معانيه، وما يشتمل عليه من مواعظ وآداب وحكم وأمثال؛ بم يتوقف عن الحكم له على ما سواه حتى يرجع إلى من هو أعلم منه بألفاظه، واستواء نظمه، وصحة سبكه، ووضع الكلام منه في مواضعه، وكثرة مائه ورونقه؛ إذ كان الشعر لا يحكم له بالجودة إلا بأن تجتمع هذه الخلال فيه. ألا ترى أنه قد يكون فرسان سليمين من كل عيب، موجودٌ فيهما سائر علامات العتق والجودة والنجابة، ويكون أحدهما أفضل من الآخر بفرق لا يعلمه إلا أهل الخبرة والدربة الطويلة، وكذلك الجاريتان البارعتان في الجمال، المتقاربتان في الوصف، السليمتان من كل عيب، قد يفرق بينهما العالم بأمر الرقيق، حتى يجعل بينهما في الثمن فضلا كبيرا، فإذا قيل له وللنخاس: من أين فضلت أنت هذه الجارية على أختها؟ ومن أين فضلت أنت هذا الفرس على صاحبه؟ لم يقدر على عبارة توضح الفرق بينهما، وإنما يعرفه كل واحد منهما بطبعه، وكثرة دربته، وطول ملابسته. فكذلك الشعر: قد يتقارب البيتان الجيدان النادران، فيعلم أهل العلم بصناعة الشعر أيهما أجود إن كان معناهما واحداً، أو أيهما أجود في معناه إن كان معناهما مختلفاً.
وقد ذكر هذا المعنى بعينه محمد بن سلام الجمحي وأبو علي دعبل بن علي الخزاعي في كتابيهما.
стр. 412
وحكى إسحاق الموصلي قال: قال لي المعتصم: أخبرني عن معرفة النغم وبينها لي، فقلت: إن من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة، ولا تؤديها الصفة.
قال: وسألني محمد الأمين عن شعرين متقاربين، وقال: اختر أحدهما، فاخترت، فقال: من أين فضلت هذا على هذا وهما متقاربان؟ فقلت: لو تفاوتا لأمكنني التبيين، ولكنهما تقاربا وفضل هذا بشيء تشهد به الطبيعة ولا يعبر عنه اللسان.
وقد قيل لخلفٍ الأحمر: إنك لا تزال ترد الشيء من الشعر، وتقول: هو ردئ، والناس يستحسنونه! فقال: إذا قال لك الصيرفي إن هذا الدرهم ظائفٌ فاجهد جهدك أن تنفقه فإنه لا ينفعك قول غيره: إنه جيد.
فمن سبيل من عرف بكثرة النظر في الشعر والارتياض فيه وطول الملابسة له أن يقضي له بالعلم بالشعر والمعرفة بأغراضه، وأن يسلم له الحكم فيه، ويقبل منه ما يقوله، ويعمل على ما يمثله. ولا ينازع في شيء من ذلك؛ إذ كان من الواجب أن يسلم لأهل كل صناعة صناعتهم، ولا يخاصمهم فيها، ولا ينازعهم إلا من كان مثلهم نظراً في الخبرة وطول الدربة والملابسة؛
стр. 413
فإنه ليس في وسع كل أحدٍ أن يجعلك - أيها السائل المتعنت والمسترشد المتعلم - في العلم بصناعته كنفسه، ولا يجد إلى قذف ذلك في نفسك ولا في نفس ولده ومن هو أخص الناس به سبيلا، ولا أن يأتيك بعلة قاطعة، ولا حجة باهرة، وإن كان ما اعترضت فيه اعتراضاً صحيحاً وما سألت عنه سؤالا مستقيما؛ لأن مالا يدرك إلا على طول الزمان ومرور الأيام لا يجوز أن تحيط به في ساعةٍ من نهار.
نم إن العلم بالذي لا يعلم به في أكثر أحواله إلا بالرؤية والمشاهدة لا يعرف حق المعرفة بالقول والصفة، وقد قيق: ليس الخبر كالمعاينة، وعلى ذلك بينة واضحة، ومعلومة ظاهرة، وهي أنه لا يمكن أن يشاهد بك جميع المعلومات التي احتواها وعلم علمه منها بملابستها في السنين الطويلة؛ فمن المحال أن يقدر أن يصف لك عشرة آلاف فرسٍ أو عشرة آلاف جارية أو عشرة آلاف سيف مختلفات الأجناس والجواهر والأوصاف فيجعلك مشاهداً لذلك كله في لحظة واحدة ووقت واحد، ومخبراً لك بكل علة وكل حجة وكل نعتٍ وصفة في كل نوع من ذلك وكل جنس في تلك الساعة، وهو إنما علم ذلك على مرور
стр. 414
الأيام وطول الزمان. وهذا مجال لا يمكن ولا يسوغ ولا يقدر عليه إلا خالق الخلق وبارئ النسم.
وبعد؛ فلم لا تصدق نفسك أيها المدعي، وتعرفنا من أين طرأ عليك العلم بالشعر، أمن أجل أن عندك خزانة كتب تستمل على عدة من دواوين الشعراء وأنك ربما قلبت ذلك أو تصفحته أو حفظت القصيدة أو الخمسين منه؟ فإن كان ذلك هو الذي قوى ظنك، ومكن ثقتك بمعرفتك، فلم لا تدعي المعرفة بثياب بدنك ورحل بيتك ونفقاتك؟ فإنك دأباً تستعمل ذلك وتستمتع به، ولا تخلو من ملابسته كما تخلو في كثير من الأوقات من ملابسة الشعر ودراسته وإنشاده حتى إذا رمت تصريف دينار بدراهم أو تصريف دراهم بدينار أو ابتياع ثوبٍ أو شيء من الآلة لم تثق بفهمك ولا علمك حتى ترجع إلى من يعرف ذلك دونك فتستعين به على حاجتك؟ ولم لما خفت الغبينة في مالك فأذعنت وسلمت وأقررت بقلة المعرفة، ولم تخش الغبينة والوكس في عقلك فتسلم العلم بالشعر إلى أهله؟ فإن الضرر في غبن العقل أعظم من الضرر في غبن المال.
فإن قلت: وما العلم بالخيل والبز والرقيق والذهب والفضة التي لم
стр. 415
يطبع الإنسان على المعرفة بها والعلم بجيدها ورديئها كما طبع على الكلام؛ فكان كل أحد يكون متكلما، وليس كل أحد صيرفيا ولا بزازاً ولا نخاساً؟.
قيل: ولا كل أحد يكون شاعراً، ولا خطيباً، ولا منطيقا بليغا، ولا بارعا، ولو كان ذلك كذلك لما رأيت أحداً يتكلم فيستحسن كلامه، وآخر يتكلم فيضحك منه؛ فالإنسان المتكلم يعلم معاني ألفاظ لغته، ولا يعلم جيدها من رديئها، ومتخيرها من مرذولها، كما أنه يعلم أيضاً أنواع الثياب والجواهر والخيل والرقيق، ويميز بين أجناسها، ولا يعلم جيد كل جنس من رديئه، وأرفعه من أدونه، فكما أن المعرفة بكل جنس من هذه صناعة، فكذلك المعرفة بكل جنس من أجناس الكلام والشعر والخطابة صناعة، فإذا رجعت ف يالمرعفة بتلك إلى أهلها فارجع أيضاً في المعرفة بهذه إلى أهلها.
وبعد؛ فإني أدلك على ما ينتهي بك إلى البصيرة والعلم بأمر نفسك في معرفتك بأمر هذه الصناعة أو الجهل بها، وهو أن تنظر ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض، فإن عرفت علة
стр. 416
ذلك فقد علمت، وإن لم تعرفها فقد جهلت، وذلك بأن تتأمل شعري أوس بن حجر والنابغة الجعدي؛ فتنظر من أين فضلوا أوساً، وتنظر في شعري بشر بن أبي خازم وتميم ابن أبي بن مقبل، فتنظر من أين فضلوا بشرا. وأخبرني بعض الشيوخ عن أبي العباس ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل أن سائلا سأله عن الراعي وذى الرمة أيهما أشعر، فصاح عليه صيحة منكرة: أي لا يقاس ذو الرمة بالراعي، وكذلك غير المفضل لا يقيسه به ولا يقارب بينهما، فتأمل أيضاً شعري هذين فانظر من أين وقع التفضيل؛ فهذا الباب أقرب الأشياء لك إلى أن تعلم حالك في العلم بالشعر ونقده. فإن علمت من ذلك ما علموه، ولاح لك الطريق التي بها قدموا من قدموه وأخروا من أخروه؛ فثق حينئذ بنفسك، واحكم يستمع حكمك وإن لم ينته بك التأمل إلى علم ذلك فاعلم أنك بمعزل عن الصناعة، ثم إن كنت شاعرا فلا تظهر شعرك، واكتمه كما تكتم سرك، فإن قلت إنك قد انتهى بك التأمل إلى علم ما علموه لم يقبل
стр. 417
ذلك منك حتى تذكر العلل والسباب، فإن لم تقدر على تلخيص العبارة عن ذلك حتى تعلم شواهد ذلك من فهمك ودلائله من اختياراتك وتمييزك بين الجيد والردئ.
ثم إني أقول بعد ذلك: لعلك - أكرمك الله - اغتررت بأن شارفت شيئاً من تقسيمات المنطق، وجملا من الكلام والجدال، أو علمت أبواباً من الحلال والحرام، أو حفظت صدراً من اللغة، أو اطلعت على بعض مقاييس العربية، وأنك لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع معاناة ومزاولة ومتصل عناية فتوحدت فيه وميزت - ظننت أن كل ما لم تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى، وأنك متى تعرضت له وأمررت قريحتك عليه نفذت فيه، وكشفت لك عن معانيه، وهيهات! لقد ظننت باطلا، ورمت عسيراً؛ لأن العلم - أي نوع كان - لا يدركه طالبه إلا بالانقطاع إليه، والإكباب عليه، والجد فيه، والحرص على معرفة أسراره وغوامضه، ثم قد يتأتى جنسٌ من العلوم لطالبه وبتسهيل عليه، ويمتنع عليه جنس آخر ويتعذر؛ لأن كل امرئ إنما يتيسر له ما في طبعه قبوله، وما في طاقته تعلمه؛ فينبغي - أصلحك الله - أن تقف حيث وقف بك، وتقنع بما قسم لك، ولا تتعدى إلى ما ليس من شأنك ولا من صناعتك.
стр. 418
* باب في فضل أبي تمام
وجدت أهل النصفة من أصحاب البحتري ومن يقدم مطبوع الشعر دون متكلفه لا يدفعون أبا تمام عن لطيف المعاني ودقيقها، والإبداع والإغراب فيها، والاستنباط لها، ويقولون: إنه وإن اختل في بعض ما يورده منها فإن الذي يوجد فيها من النادر المستحسن أكثر مما يوجد من السخيف المسترذل، وإن اهمامه بمعانيه أكثر من اهتمامه بتقويم ألفاظه، على كثرة غرامه بالطباق والتجنيس والمماثلة، وإنه إذا لاح له أخرجه بأي لفظ استوى من ضعيف أو قوي.
وهذا من أعدل كلامٍ سمعته فيه، وإذا كان هذا هكذا فقد سلموا له لاشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني، وبهذه الخلة دون ما سواها فضل امرؤ القيس؛ لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة فوق ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية والاسلام، حتى إنه لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أن تشتمل من ذلك على نوع أو أنواع، ولولا لطيف المعاني
стр. 419
واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره، ولكان كسائر شعراء أهل زمانه؛ إذ ليست له فصاحة توصف بالزيادة على فصاحتهم ولا لألفاظه من الجزالة والقوة ما ليس لألفاظهم، ألا ترى أن العلماء بالشعر إنما احتجوا في تقديمه بأن قالوا: هو أول من شبه الخيل بالعصى، وذكر الوحش والطير، وأول من قال " قيد الأوابد " وأول من قال كذا، فهل هذا التقديم له إلا لأجل معانيه؟
وقالوا: وإذا كان قد اضطرب لفظ أبي تمام واختل في بعض المواضع، فهل خلا من ذلك شاعر قديم أو محدث؟ هذا الأعشى يختل لفظه كثيراً، ويسفسف دائماً، ويرق ويضعف، ولم يجهلوا حقه وفضله حتى جعلوه نظير النابغة، وألفاظ النابغة في الغاية من البراعة والحسن، وعديلاً لزهير الذي صرف اهتمامه كله إلى تهذيب ألفاظه وتقويمها، وألحقوه بامرئ القيس الذي جمع الفضيلتين؛ فجعلوهم طبقةً، وصار فضل كل واحد من غير الوجه الذي فضل به صاحبه، ولو أن أبا تمام حي يخلو من كل لفظ جيد البتة أو لو أنه قال بالفارسية أو الهندية:
стр. 420
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال الناء فيما جاورت ... ما كان يعرف فضل عرف العود
أو قال:
هي البدر يغنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت، وإن لم تودد
أو ما أشبه هذا من بدائعه حتى يفسره بكلام عربي منثور، أما كان هذا يكون شاعراً محسناً باعثاً شعراء زمانه من أهل اللغة العربية على طلب شعره وتفسيره واستعارة معانيه؟ فكيف وبدائعه مشهورة، ومحاسنه متداولة، ولم يأت إلا بأبلغ لفظٍ وأحسن سبكٍ؟
стр. 421
* باب في فضل البحتري
ووجدت أكثر أصحاب أب يتمام لا يدفعون البحتري عن حلو اللفظ، وجودة الرصف، وحسن الديباجة، وكثرة الماء؛ وأنه أقرب مأخذاً، وأسلم طريقاً من أبي تمام، ويحكمون - مع هذا - بأن أبا تمام أشعر منه، وقد شاهدت وخاطبت منهم على ذلك عدداً كثيراً، وهذا مذهب جل من يراعى مما يراعيه من أمر الشعر دقيق المعاني، ودقيق المعاني موجود في كل أمة، وفي كل لغة، وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتى، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تمون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه؛ فإن الكلام لا يكتسى البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري.
стр. 422
قالوا: وهذا أصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر؛ لأن الشعر أجوده أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصاناً يقف دون الغاية، وذلك كما قال البحتري:
والشعر لمحٌ تكفى إشاره ... وليس بالهذر طولت خطبه
وكما قال أيضاً:
ومعانٍ لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرولٍ ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختياراً ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ الغريب فأدرك ... ن به غاية المرام البعيد
فإن اتفق - مع هذا - معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن؛ فذلك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه.
قالوا: وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة، وكانت عبارته مقصرة عنها، ولسانه غير مدركٍ لها حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان أو حكمة الهند أو أدب الفرس، ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، وإن اتفق في تضاعيف ذلك شيء من
стр. 423
صحيح الوصف وسليم النظم قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعانٍ لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيما، أو سميناك فيلسوفا، ولكن لا نسميك شاعراً، ولا ندعوك بليغاً؛ لأن طريقتك ليست على طريقة العرب، ولا على مذاهبم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء، ولا المحسنين الفصحاء، وينبغي أن تعلم أن سوء التأليف وردئ اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميه حتى يحتاج مستمعه إلى طول تأمل، وهذا مذهب أبي تمام في عظم شعره، وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاءً وحسناً ورونقاً حتى كأنه قد أحدث فيه غرابه لم تكن، وزيادةً لم تعهد، وذلك مذهب البحتري، ولذلك قال الناس: لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر أبي تمام، وإذا جاء لطيف المعاني في غير بلاغة ولا سبك جيدٍ ولا لفظ حسن كان ذلك مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق، أو نفث العبير على خد الجارية القبيحة الوجه.
وأنا أجمع لك معاني هذا الباب في كلمات سمعتها من شيوخ أهل العلم
стр. 424
بالشعر: زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء، وهي: جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى نهاية الصنعة من غير نقص منها ولا زيادة عليها.
وهذه الخلال الأربع ليست في الصناعات وحدها، بل هي موجودة ف يجميع الحيوان والنبات.
ذكرت الأوائل أن كل محدث مصنوعٍ محتاجٌ إلى أرعبة أشياء: علة هيولانية وهي الأصل، وعلة صورية، وعلة فاعلة، وعلة تمامية.
فأما الهيولى فإنهم يعنون الطينة التي يبتدعها الباري ﵎ ويخترعها ليصور ما شاء تصويره من رجل أو فرس أو جملٍ أو غيرها من الحيوان، أو برة أو كرمة أو نخلة أو سدرة أو غيرها من سائر أنواع النبات.
والعلة الفاعلة هي تأليف الباري ﷻ لتلك الصورة.
والعلة التمامية هو أن يتمها تعالى ذكره ويفرغ من تصويرها من غير انتقاص منها.
стр. 425
وكذلك الصانع المخلوق في مصنوعاته التي علمه الله إياها: لا تستقيم له وتجود إلا يهذه الأربعة، وهي: آلة يستجيدها ويتخيرها مثل خشب النجار وفضة الصائغ وآجر البناء وألفاظ الشاعر والخطيب، وهذه هي العلة الهيولانية التي قدموا ذكرها وجعلوها الأصل، ثم إصابة الغرض فيما يقصد الصانع صنعته، وهي العلة الصورية التي ذكرتها، ثم صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، وهي العلة الفاعلة، ثم أن ينتهي الصانع إلى تمام صنعته من غير نقص منها ولا زيادة عليها، وهي العلة التمامية.
فهذا قولٌ جامع لكل الصناعات والمخلوقات، فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته معنى لطيفا مستغربا كما قلنا في الشعر من حيث لا يخرج عن الغرض فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها.
وقد ذكر بزرجمهر فضائل الكلام ورذائله، وبعض ذلك دليل في الشعر، فقال: إن فضائل الكلام خمسٌ لو نقص منها فضيلة واحدة
следующие страницы →