Полный текст (1 636 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
* باب في فضل البحتري
ووجدت أكثر أصحاب أب يتمام لا يدفعون البحتري عن حلو اللفظ، وجودة الرصف، وحسن الديباجة، وكثرة الماء؛ وأنه أقرب مأخذاً، وأسلم طريقاً من أبي تمام، ويحكمون - مع هذا - بأن أبا تمام أشعر منه، وقد شاهدت وخاطبت منهم على ذلك عدداً كثيراً، وهذا مذهب جل من يراعى مما يراعيه من أمر الشعر دقيق المعاني، ودقيق المعاني موجود في كل أمة، وفي كل لغة، وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتى، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تمون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه؛ فإن الكلام لا يكتسى البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري.
стр. 422
قالوا: وهذا أصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر؛ لأن الشعر أجوده أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصاناً يقف دون الغاية، وذلك كما قال البحتري:
والشعر لمحٌ تكفى إشاره ... وليس بالهذر طولت خطبه
وكما قال أيضاً:
ومعانٍ لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرولٍ ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختياراً ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ الغريب فأدرك ... ن به غاية المرام البعيد
فإن اتفق - مع هذا - معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن؛ فذلك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه.
قالوا: وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة، وكانت عبارته مقصرة عنها، ولسانه غير مدركٍ لها حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان أو حكمة الهند أو أدب الفرس، ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، وإن اتفق في تضاعيف ذلك شيء من
стр. 423
صحيح الوصف وسليم النظم قلنا له: قد جئت بحكمة وفلسفة ومعانٍ لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيما، أو سميناك فيلسوفا، ولكن لا نسميك شاعراً، ولا ندعوك بليغاً؛ لأن طريقتك ليست على طريقة العرب، ولا على مذاهبم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء، ولا المحسنين الفصحاء، وينبغي أن تعلم أن سوء التأليف وردئ اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميه حتى يحتاج مستمعه إلى طول تأمل، وهذا مذهب أبي تمام في عظم شعره، وحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاءً وحسناً ورونقاً حتى كأنه قد أحدث فيه غرابه لم تكن، وزيادةً لم تعهد، وذلك مذهب البحتري، ولذلك قال الناس: لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر أبي تمام، وإذا جاء لطيف المعاني في غير بلاغة ولا سبك جيدٍ ولا لفظ حسن كان ذلك مثل الطراز الجيد على الثوب الخلق، أو نفث العبير على خد الجارية القبيحة الوجه.
وأنا أجمع لك معاني هذا الباب في كلمات سمعتها من شيوخ أهل العلم
стр. 424
بالشعر: زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء، وهي: جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى نهاية الصنعة من غير نقص منها ولا زيادة عليها.
وهذه الخلال الأربع ليست في الصناعات وحدها، بل هي موجودة ف يجميع الحيوان والنبات.
ذكرت الأوائل أن كل محدث مصنوعٍ محتاجٌ إلى أرعبة أشياء: علة هيولانية وهي الأصل، وعلة صورية، وعلة فاعلة، وعلة تمامية.
فأما الهيولى فإنهم يعنون الطينة التي يبتدعها الباري ﵎ ويخترعها ليصور ما شاء تصويره من رجل أو فرس أو جملٍ أو غيرها من الحيوان، أو برة أو كرمة أو نخلة أو سدرة أو غيرها من سائر أنواع النبات.
والعلة الفاعلة هي تأليف الباري ﷻ لتلك الصورة.
والعلة التمامية هو أن يتمها تعالى ذكره ويفرغ من تصويرها من غير انتقاص منها.
стр. 425
وكذلك الصانع المخلوق في مصنوعاته التي علمه الله إياها: لا تستقيم له وتجود إلا يهذه الأربعة، وهي: آلة يستجيدها ويتخيرها مثل خشب النجار وفضة الصائغ وآجر البناء وألفاظ الشاعر والخطيب، وهذه هي العلة الهيولانية التي قدموا ذكرها وجعلوها الأصل، ثم إصابة الغرض فيما يقصد الصانع صنعته، وهي العلة الصورية التي ذكرتها، ثم صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، وهي العلة الفاعلة، ثم أن ينتهي الصانع إلى تمام صنعته من غير نقص منها ولا زيادة عليها، وهي العلة التمامية.
فهذا قولٌ جامع لكل الصناعات والمخلوقات، فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته معنى لطيفا مستغربا كما قلنا في الشعر من حيث لا يخرج عن الغرض فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها.
وقد ذكر بزرجمهر فضائل الكلام ورذائله، وبعض ذلك دليل في الشعر، فقال: إن فضائل الكلام خمسٌ لو نقص منها فضيلة واحدة
стр. 426
سقط فضل سائرها، وهي: أن يكون الكلام صدقا، وأن يوقع موقع الانتفاع به، وأن يتكلم به في حينه، وأن يحسن تأليفه، وأن يستعمل منه مقدار الحاجة. قال: ورذائله بالضد من ذلك؛ فإنه إن كان صدقا ولم يوقع موقع الانتفاع به بطل فضل الصدق منهن وإن كان صدقا وأوقع موقع الانتفاع به ولم يتكلم به في حينه لم يغنه الصدق ولم ينتفع به، وإن كان صدقا وأوقع موقع الانتفاع به وتكلم به في حينه ولم يحسن تأليفه لم يستقر في قلب مستمعه، وبطل فضل الخلال الثلاث منه، وإن كان صدقاً وأوقع موقع الانتفاع به وتكلم به في حينه وأحسن تأليفه، ثم استعمل منه فوق الحاجة خرج إلى الهذر، أو نقص عن التمام صار مبتورا وسقط منه فضل الخلال كلها.
وهذا إنما أراد به بزرجمهر الكلام المنثور الذي يخاطب به الملوك، ويقدمه المتكلم أمام حاجته، والشاعر لا يطالب بأن يكون قوله صدقاً، ولا أن يوقعه موقع الانتفاع به؛ لأنه قد يقصد إلى أنه يوقعه موقع الضرر، ولا أن يجعل له وقتاً دون وقت، وبقيت الخلتان الأخريان، وهما واجبتان في شعر كل شاعر، وذلك أن يحسن تأليفه، ولا يزيد فيه شيئاً على قدر حاجته؛ فصحة التأليف في لاشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه بعد صحة
стр. 427
المعنى، فكل من كان أصح تأليفاً كان أقوم بتلك الصناعة ممن اضطرب تأليفه.
وقد انتهيت الآن إلى الموازنة بينهما، ولله الحمد والمنة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.
خاتمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا حمد وآله وصحبه أجمعين
وقد انتهيت الآن إلى الموازنة، وكان الأحسن أن أوازن بين البتين أو القطعتين، إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، ولكن هذا لا يكاد يتفق مع اتفاق المعاني التي إليها المقصد، وهي المرمى والغرض.
وبالله أستعين على مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى، وترك التحامل؛ فإنه جل اسمه حسبي ونعم الوكيل.
وأنا ابتدئ بإذن الله من ذلك بما افتتحا به القول: من ذكر الوقوف على الديار والآثار، ووصف الدمن والأطلال، والسلام عليها، وتعفية الدهور والأزمان والرياح والأمطار إياها، والدعاء بالسقيا لها، والبكاء فيها، وذكر استعجامها عن جواب سائلها، وما يخلف قطينها الذي كانوا حلولاً بها من الوحش، وف يتعنيف الأصحاب ولومهم على الوقوف بها، ونحو هذا مما يتصل به من أوصافها ونعوتها. وأقدم من ذلك ذكر ابتداءات قصائدهما في هذه المعانين إن شاء الله.
стр. 428
* الابتداءات بذكر الوقوف على الديار
قال أبو تمام:
ما في وقوفك ساعة من باس ... نقضي حقوق الأربع الأدراس
وهذا ابتداء جيد صالح، وقوله " الأدراس " جمع دارس، وقلما يجمع فاعل على أفعال، ومنه: شاهد وأشهاد، وماجد وأمجاد، وصاحب وأصحاب.
وقال أيضاً:
قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان نائد
أراد لنشدان الناشد الذي يقول: أين أهلك يا دار؟ كما ينشد الناشد الضالة إذا طلبها.
وقال أيضاً:
قف بالطلول الدارسات علاثا ... أضحت حبال قطينهن رثاثا
علاثة: اسم صاحبه، أراد قف يا علاثة، وهذان ابتداءان صالحان
стр. 429
وقال أيضاً:
قف نؤبن كناس هذا الغزال ... إن فيه لمسرحاً للمقال
التأبين: مدح الهالك، والكناس هنا: الربع، وإنما يريد الخيمة أو البيت من بيوتهم، سماه كناساً لأنه جعل المرأة غزالا: أي قف بنا نندبه فإن المقال يتسع فيه، وهذا أيضاً بيتٌ جيد ومعنى حسن مستقيم.
وقال:
ليس الوقوف يكف شوقك فانزل ... وابلل غليلك بالمدامع يبلل
وهذا معنى ظريف، وقد جاء مثله في الشعر، قال الأصم الباهلي - وسامه عبد الله بن الحجاج - ولا أعرف غيره، وأظن أبا تمام عثر به واحتذى عليه؛ لأنه كان مولعاً بغرائب الألفاظ والمعاني:
أتنزل اليوم بالأطلال أم تقف؟ ... لا، بل قف العيس حتى يمضى السلف
السلف: المتقدمون، وإنما قال ذلك لأن الوقوف على الديار إنما هو وقوف المطي، ولا يكادون يذكرون نزولاً.
وأنشد منشدٌ قول كثيرٍ وكثيرٌ يسمع:
وقضين ما قضين ثم تركنني ... بفيفا خريمٍ قاعداً أتلدد
стр. 430
فقال كثير: أنا ما قلت كذا، أتراني قاعداً أصنع ماذا؟ قيل: فجالساً؟ قال: ولا هذا! أجالساً كنت أبول، قيل: فما قلت؟ قال: واقفاً؛ يريد واقفاً على مطيته فهذا هو المعروف من عاداتهم.
وقد قال كثير:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت
والقولص لا يعقلها راكبها إلا إذا نزل عنها، والعقل فوق الركبة.
وقال البحتري:
ما على الركب من وقوف الركاب ... في مغاني الصبا ورسم التصابي؟
التصابي: التفاعل من صبا يصبو إذا اشتاق، وإذا فعل فعل الصبى.
وقال أيضاً:
ذاك وادي الأراك فاحبس قليلاً ... مقصراً من ملامتي أو مطيلا
وهذا ابتداءان في غاية الجودة.
وقال أيضاً:
قف العيس قد أدنى خطاها كلاهما ... وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها
وهذا لفظ حسن، ومعنى ليس بالجيد؛ لأنه قال " أدنى خطاها
стр. 431
كلالها " أي: قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال الديار التي تعرض لأن يشفيه، وإنما وقف لإعياء المطى.
والجيد قول عنترة:
فوقفت فيها ناقتي وكأنها ... فدنٌ لاقضى حاجة المتلوم
فإنه لما أراد ذكر الوقوف احتاط بأن شبه ناقته بالفدن، وهو القصر؛ ليعلم أنه لم يقفها ليريحها.
وقد كشف ذو الرمة هذا المعنى وأحسن فيه وأجاد، فقال:
أنخت بها الوجناء لا من سآمةٍ ... لثنتين بين اثنين جاء وذاهب
يقول: أنختها لأن أصلى، لا من سآمة، هكذا فسروه، وقوله " لثنتين " يعني ركعتي العصر اللتين يقصرهما المسافر بين اثنين جاء يريد الليل وذاهب يريد النهار.
فإن قيل: إنما قال " أدنى خطاها كلالها " ليعلم أنه قصد الدار من شقة بعيدة فيكون أبلغ في المعنى.
قيل: العرب لا تقصد الديار للوقوف عليها، وإنما تجتاز بها، فإن كانت واقعة على سنن الطريق قال الذي له أربٌ في الوقوف لصاحبه أو أصحابه: قف، وقفا، وقفوا، وإن لم تكن على سنن الطريق قال: عوجا، وعرجا، وعوجوا، وعرجوا، كما قال امرؤ القيس:
стр. 432
عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حذام
في الوقوف حيث انتهت راحة، والترعيج فيه زيادة تعبها وكلالها، وإن قلت المسافة، كما قال أبو تمام:
وما بك إركابي من الرشد مركباً ... ألا إنما حاولت رشد الركائب
لأن هذا القول منه دل على الترعيج والتردد في الرسوم، أو أن أصحابه أرادوا أن يستمر في السير ولا يتعوق في الوقوف فيعود عليها ذلك بضرر في العاقبة وإن أكسبها راحة ما في الوقوف، فقال له أبو تمام " إنما حاولت رشد الركائب " لا رشدي، فأما الأصمعي فإنه يرى التعريج أيضاً وقوفا لا عدولا، قال أبو حاتم: قلت له: ما معنى عرج؟ قال: قف، فقلت: يقال: عرج إذا عدل؟ فقال: لا، وأنشد بيت ذى الرمة:
يا حدايي بنت فضاض أما لكماحتى نكلمها همٌ بتعريج
стр. 433
أي همٌ بوقوف، وهذا لا يمنع أن يكون همٌ بعدول، ونفس الاشتقاق يدل على العدولن والله أعلم.
وقال كثير يصف السيل:
فطوراً يسيل على قصده ... وطوراً يعرج ألا يسيلا
فلو كان هناك قصد إلى الدار من جماعتهم أو منه وحده لما لاموه، ولا عنفوه على احتباسه وإطالته، ولا استعجلوه وهو دائبا يسألهم التلؤم عليه والتوقف معه.
وهذه طريقة القوم في الوقوف على الديار، ولهم فيها من الأشعار ما هو أشهر وأكثر من أن أحتاج إلى ذكره، وتلك سبيل سائر المحدثين، وطريقة الطائيين ما عدلا عنها، ولا خرجا إلى غيرها، ألا ترى إلى قول أبي تمام:
ما في وقوفك ساعةً من باس ... نقصي ذمام الأربع الأدراس
كيف سأل صاحبه أن يقف عليه ساعةً؟ ثم قال بعد بيت آخر:
لا يسعد المشتاق وسنان الهوى ... يبس المدامع بارد الأنفاس
وقوله:
لا تمنعني وقفة أشفى بها ... داء الفراق فإنها ماعون
وقال البحتري:
يا وهب هب لأخيك وقفة مسعدٍ ... يعطى الأسى من دمع المبذول
стр. 434
وقال أيضاً:
قف بها وقفةً ترد عليها ... أدمعاً ردها الكرى أنضاء
وقال أيضاً:
ماذا عليك من انتظار متيمٍ ... بل ما تضرك وقفةٌ في منزل
وقال أيضاً:
خلياه ووقفةً في الرسوم ... يخل من بعض بثه المكتوم
ثم إنا ما علمنا أحداً قصد داراً عفت من شقةٍ بعيدة، واحداً كان أو في جماعة، للتسليم عليها، والمسألة لها، ثم انصرفوا راجعين من حيث جاءوا، وإن هذا ما سمح به، ولا هو من أغراضهم؛ إذ ليس فيه جدوى، ولا يؤدي إلى فائدة، لأن المحبوب إن كان حياً موجوداً فقصد رباعه ومواطنه التي هو قاطنها والإلمام به فيها أولى وأحرى، وإن كان ميتا فالإلمام بناحية الأرض التي فيها حفرته أولى وأحرى، وعلى أنهم لا يكادون يزورون القبور، وإنما وقفوا علىلديار، وعرجوا عليها عند الاجتياز بها والاقتراب منها؛ لأنهم تذكروا عند مشارفتها أوطارهم فيها، فنازعتهم نفوسهم إلى الوقوف عليها، والتلوم بها، ورأوا أن ذلك من كرم العهد وحسن الوفاء، ألا ترى إلى قول أبي تمام:
أمواطن الفتيان نطوى لم نزر ... شوقاً ولم نندب لهن صعيدا؟
стр. 435
ويروى " لم نزر شعفاً " أي: كيف نطوى الرسوم والدمن التي هي مواقف أهل الفتوة، يريد الكرام، ولم نزر حزناً لها ولا سهلا، لأنه أراد بالعشف ما ارتفع من الأرض وعلا، وأراد بالصعيد ما اطمأن من الأرض وسفل، والصعيد إنما هو وجه الأرض الذي فيه التراب، وأكثر ما يكون فيما اطمأن من الأرض، لا فيما علا، فكانوا يرون الوقوف على الديار من الفتوة والمروءة، وأن طيها عند الاجتياز بها من النذالة وقبيح الرعاية وسوء العهد.
وما أحسن ما قال أبو نواس:
وإذا مررت على الديار مسلماً ... فلغير دار أميمة الهجران
على طريقة القوم المعتادة.
وقال البحتري يخاطب نفسه أو صاحباً معه:
قف العيس قد أدنى خطاها كلالها ... وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها
فمن زعم أن البحتري بهذا القول كان قاصداً للدار وغير مجتازٍ احتاج إلى دليل من لفظ البيت يدل عليه، ولا سبيل له إلى ذلك.
فإن قيل: ولم لا يكون للمطية حق على من بلغته منازل الأحباب يوجب أن يكرمها ويريحها كما قال أبو نواس:
стр. 436
وإذا المطي بنا بلغن محمداً ... فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطئ الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام
قيل: هذا أصلٌ آخر طريقه غير طريق القوف على الديار، ولا يقاس أصلٌ على أصل، وإنما يقاس على الأصل فروعه التي تتفرع منه، وهذا الشرط في كل علم. وقال أبو نواس ف يموضع آخر يخاطب ناقته أيضاً:
فلم أجعلك للغربان نحلاً ... ولم أقل اشرقي بدم الوتين
يريد قول الشماخ، والشماخ إنما قال:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين
لأنه رأى ناقته قد شفها السير وهزلها وأنضاها حتى دبرت، وذلك قوله:
إليك بعثت راحلتي تشكى ... كلوماً بعد محفدها السمين
فيقول: إذا بلغتني عرابة فلا أبالي أن تهلكي، وهذا ليس بدعاء عليها، وإنما أراد أنك إذا بلعتنيه فقد بلغت الغنى وأدركت العوض فهذا معنى وقول أبي نواس له معنى آخر، وليس بضد لقول الشماخ،
стр. 437
وإنما يضاده قول المرأة التي قالت: يا رسول الله، إني نذرت إن بلغتني ناقتي هذه إليك أن أنحرها، فقال رسول الله ﷺ " لبئس ما جزيتها " لأن هذه قصدت أن جعلت جزاء التبليغ النحر؛ فهذان المعنيان يتضادان، وقول الشماخ خارج عنهما، فإنه أصل ثالث، والوجه الذي جاء به البحتري في الوقوف على الديار وتحرز منه عنترة وذو الرمة وجه غير هذه الوجوه، وطريقة غير هذه الطرق، ولم أقل إنه خطأ، وإنما قلت: إن المعنى غير جيد، فغن التمست العذر للبحتري قلنا: إنه وصف حقيقة أمر العيس عند الوصول إلى الدار، وهذا مذهبٌ من مذاهب العرب عامٌ في أن يصفوا الشيء على ما هو، وعلى ما شوهد، من غير اعتماد لإغراب ولا إبداع، وربما ورد هذا الوجه على ألسنتهم أحسن من كل معنى بديع مستغرب، وربما وقع فيه مثل هذا الخلل لقلة التحرز، وسترى للبحتري وغيره في هذا الكتاب من هذا النوع ف يمواضعه ما هو أجود من كل جيد، إن شاء الله.
وقال البحتري:
عرج بذى سلمٍ فثم المنزل ... فيقول صبٌ ما أراد ويفعل
وهذا ابتداء جيد، وقد رواه قوم " ليقول صبٌ ما أراد ويفعل
стр. 438
" والنصب أجود في الروايتين، والرفع له وجه، والمتأخرون لا يكادون يسلمون من اللحن، وهو في أشعارهم كثير جداً.
وقال:
كم من وقوفٍ على الأطلال والدمن ... لم يشف من برحاء الشوق ذا شجن
وهذا أيضاً ابتداء جيد.
وقال أيضاً:
استوقف الركب في أطلالهم وقفا ... وإن أجد بلى مأثورها وعفا
يقال: أجد في أمره من الانكماش، وجد، وهذا ابتداء صالح.
وقال:
قفا في مغاني الدار نسأل طلولها ... عن النفر اللائين كانوا حلولها
وهذا الابتداء ليس بالجيد؛ من أجل قوله " اللائين "؛ لأنها لفظة ليست بالحلوة ولا مشتهاة، وليست مشهورة.
فهذا ما ابتدآ به من ذكر الوقوفن وأجعلهما فيه متكافئين؛ من أجل براعة بيتي البحتري الأولين، وأنهما أجود من سائر أبيات أبي تمام، ولأن للبحتري في الباب التقصير الذي ذكرته له، وليس لأبي تمام مثله.
стр. 439
* التسليم على الديار
قال أبو تمام:
دمنٌ ألم بها فقال: سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام
هذا المصراع الأول في غاية الجودة والبراعة والحسن والصحة والحلاوة، وعجز البيت أيضاً جيد بالغ.
وقال:
سلم على الربع من سلمى بذى سلم ... عليه وسمٌ من الأيام والقدم
وهذا ابتداء ليس بالجيد؛ لأنه جاء بالتجنيس في ثلاثة ألفاظ، وإنما يحسن إذا كان بلفظتين، وقد جاء مثله في أشعار الناس، والردئ لا يؤتم به.
وقال الأبيرد بن المعذل الرياحي:
جزعت ولم تجزع من البين مجزعا ... وكنت بذكر الجعفرية مولعا
وقد جعل بعض الرواة هذا البيت أول قصيدة لامرئ القيس على هذا الوزن، وذلك باطل، وما ينبغي للمتأخر أن يحتذى الأخذ إلا للجيد المختار؛ لسعة مجاله، وكثرة أمثلته.
стр. 440
وقال البحتري:
هذي المعاهد من سعاد فسلم ... واسأل وإن وجمت ولم تتكلم
وقال أيضاً:
أمحلتى سلمى بكاظوة اسلما ... وتعلما أن الهوى ما هجتما
وهذا ابتداءان جيدان.
وقال أيضاً:
حييتما من مربع ومصيف ... كانا محلى زينبٍ وصدوف
وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضاً:
ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها ... نعم، ونسالها عن بعض أهليها
وهذا البيت ردئ؛ لقوله " نعم " وليس بالمعنى إليها حاجة، جاء بها حشواً. ومن الحشو ما لا يقبح، و " نعم " ههنا قبيحة، وقد أولع بها كثير بن عبد الرحمن في ابتداءاته فقال:
أمن أم عمرو بالحريق ديار ... نعم دارساتٌ قد عفون قفار
стр. 441
وقال:
أمن آل سلمى الركب أم أنت سائل ... نعم، والمغاني قد درسن مواثل
وقال:
أهاجتك ليلى إذ أجد رحيلها ... نعم، وثنت لما احزألت حمولها
احزألت: انتصبت وارتفعت.
وقال:
أبائنةٌ سعدى؟ نعم ستبين ... كما انبت من حبل القرين قرين
وهي في كل هذه البيات رديئة، وموضعها من هذا البيت الأخير أصلح؛ لأن إسقاطها من الجميع يحسن، ولا يحتاج الاستفهام فيها إلى جواب، إلا هذا البيت فإن الاستفهام فيه يقتضي أن يكون " نعم " جوابا له، ومع هذا فليس لها حلاوة ولا حسن، ولكثير استفهامات لا جواب لها على عادات الشعراء المحسنين.
ومنها قوله:
من آل قيلة بالدخول رسوم ... وبحومل طللٌ يلوح قديم
وكل أبيات كثير أجود من بيت البحتري؛ لأن " نعم " فيها جواب، وهي في بيت البحتري حشو، وقال البحتري في بيته " نحييها " والأجود "
стр. 442
نحيها " جزم لأنه جواب الأمرن وقد يكون " نحييها " رفعاً على الحال، والجواب ههنا أجود من الحال.
فهذا ما وجدته من تسليمهما على الديار، وأبو تمام عندي ف يقوله " دمن ألم بها فقال سلام " أشعر من البحتري في سائر أبياته.
وما سمعت من التسليم على الديار أحسن من قول أبي نواس:
وإذا مررت على الديار مسلماً ... فلغير دار أميمة الهجران
стр. 443
* ما ابتدآ به من ذكر تعفية الدهور والأزمان للديار
قال أبو تمام:
لقد أخذت من دار ماوية الحقب ... أنحل المغاني للبلى هي أم نهب؟
أراد أنحلٌ المغاني للبلى، فحذف التنوين، والحقب: الدهر، وجمعه أحقاب، والحقب: السنون، واحدتها حقبة، وقال " لقد أخذت " فأنث والحقب مذكر، وأظنه أراد أيام الدهر ولياليه، ويقال: الحقب ثمانون سنة؛ فعلى هذا قال " أخذت ".
وقال أيضاً:
قد نابت الجزع من ماوية النوب ... واستحقبت جدةً من ربعها الحقب
" واستحقبت " أي جعلت الحقب - وهي السنون - جدة الربع في حقيبتها، والحقيبة: ما يحتقبه الراكب، وهو وعاء يجعله خلفه إذا ركب ويحرز فيه متاعه وزاده، وهذه استعارة حسنة، وإنما يريد أن الحقب سلبت الربع جدته وذهبت بها.
стр. 444
وقال البحتري:
أرسوم دارٍ أم سطور كتاب ... درست بشاشتها على الأحقاب
أي: على مر السنين، وهذا البيت أبرع من بيتي أبي تمام لفظا، وأجود سبكا وأكثر ماء ورونقاً، وهو من الابتداءات النادرة العجيبة، والمشبهة لكلام الأوائل؛ فهو فيه أشعر من أبي تمام.
стр. 445
* وفي إقواء الديار وتعفيها
قال أبو تمام:
طلل الجميع لقد عفوت جميداً ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا
أراد " وكفى بأنه مضى جميداً شاهداً على أنى رزئت " وكان وجه الكلام أن يقول: وكفى برزئي شاهداً على أنه مضى حميداً، وقد استقصيت الكلام في هذا فيما تقدم في غلط أبي تمام وقال أيضاً:
أجل أيها الربع الذي بان آهله ... لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله
وهذا أيضاً ابتداء جيد.
وقال أيضاً:
شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد
وهذا بيت ردئ معيب؛ لأن الوشيعة والوشائع هو الغزل الملفوف من
стр. 446
اللحمة التي يدخلها الناسج بين السدى، والبرد الذي قد تمت نساجته ليس فيه شيء يسمى وشيعة ولا وشائع، وقد ذكرت هذا في أغاليطه.
وقال البحتري:
تلك الديار ودارسات طلولها ... طوع الخطوب دقيقها وجليلها
وقال أيضاً:
يا مغاني الأحباب صرت رسوما ... وغذا الدهر فيك عندي ملوما
وقال أيضاً:
لم يبق في تلك الرسوم بمنعج ... إما سألت معرجٌ لمعرج
وقال أيضا ":
هلا سألت بجو ثمهد ... طللا " لمية قد تأبد
هذه كلها ابتداءات جياد بارعة اللفظ صحيحة المعنى وأبيات أبى تمام أيضا " رائعة ولكن فيها ما ذكرته.
стр. 447
* تعفية الرياح للديار:
قال أبو تمام:
عفت أربع الحلات للأربع الملد ... لكل هضم الكشح مغربة القد
الحلات: جمع حلة هو الموضع الذى يحلونه يقال: حلة ومحلة والأربع الملد: يريد أربع نساء ملد من قولهم: غصن أملود وهو الناعم و " أملود " لا يجمع على " ملد " وأنما هو جمع أملد، و " هضيم الكشح " يريد ضامرة البطن وقوله " مغربة القد " يريد أغرب قدها: أى لها قد غريب فى الحسن وإنما أراد عفت أربع حلال: أى مواطنلأربع نسوة وهذا تكف شديد وقد جاءت بلفظ غير حسن ولاجميل، وكذلك " مغربة القد " من قول الشعراء المتأخرين: غريب الحسن وغريب القدوالكلمة إذا لم يؤت بها على لفظها المعتاد هجنت وقبحتوقوم يروونه " أربع الحلات " جمع ربع وذلك غلط، وأنما أراد الرجل العدد: أى عفت أربع لأربع
стр. 448
ولا أعلم لأبى تمام ابتداء ذكر فيه الرياح غير هذا البيت، وهوردىْ اللفظ قبيح النسج. وقال البحترى:
بين الشقيقة فاللوى والأجرع ... دمن جبسن على االرؤياح الأربع
وهذا من ابتداء أته العجيبة النادرة وإحسانه فيه الإحسان المشهور وقوله " بين الشقيقة فاللوى " كقول امرىء القيس " بين الدخول فحومل " والأصمعى يرويه بالواو، وأهل العربية يقولون: الدخول مواضع متفرقة وأكثر الشعراء يستعملون الفاء هذا الموضع. وقال البحترى:
أصبا الأصائل إن برقة ثهمد ... تشكوا اختلافك بالهبوب السرمد
مازلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقول: إنهم ما سمعوا لمتقدم ولا متأخر فى هذا المعنى أحسن من هذا المعنى أحسن من هذا البيت ولا أبرع لفظا " ولا أكثر ماء ولا رونقا " ولا ألطف معنى.
وقال البحترى:
لاأرى بالبراق رسما " يجيب ... أسكتت آيه الصبا والجنون
وهذا ابتداء صالح.
стр. 449
* وفي البكاء على الديار:
قال أبو تمام:
على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب
قد أنكر " مصونات الدموع السواكب " بعضهم وقال: كيف من السواكب ماهو مصون وإنما أراد أبو تمام أذيلت مصونات الدموع التى هى الآن سواكب، ولفظة يحتمل ما أراده، والبت لفظاً ومعنى ونظماً.
وقال أيضاً:
أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن من شانيك أو يكفا
هذا ابتداء حسن.
وقال أيضاً:
أزعمت أن الربع ليس يتيم ... والدمع في دمنٍ عفت لا يسجم
وقال أيضاً:
قرى دارهم منى الدموع السوافك ... وإن عاد صبحى بعدهم وهو حالك
وهذان ابتداءان جيدان.
стр. 450
وقال أيضاً: تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد ودع حسى عينٍ يحتلب ماءه الوجد الجرع والأجرع والجرعاء: أرض ذات رملٍ وحجارة مختلطة خشنة، وقد قيل: رملة سهلة، والحسى: ماء المطر يغيض في الرمل قليلا ثم يصير إلى الصلابة فيقف فيحفر عنه ويشرب، وجمعه أحساء.
وقال البحتري:
متى لاح برقٌ أو بدا طللٌ قفر ... جرى مستهلٌ لا بكئٌ ولا نزر
وهذا بيت حسبك به جودةً وحسنا وبراعة وفصاحة.
ونحوه قوله:
لها منزلٌ بين الدخول فتوضح ... متى تره عين المتيم تسفح
هذا مثل قول امرئ القيس " بين الدخول فحومل " وهذا أيضاً بيت جيد، وليس كالأول.
وقال أيضاً:
أفي كل دارٍ منك عينٌ ترقرق ... وقلبٌ على طول التذكر يخفق
стр. 451
وهذا أيضاً غاية في جودته وبراعته وكثرة مائه.
وقال أيضاً:
ألما يكف في طللى زرود ... بكاؤك دارس الدمن الهمود
وقال أيضاً:
أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم ... وقوفٌ بربعٍ أو بكاءٌ على رسم
هذه الأبيات الثلاثة كأنه منكر على نفسه البكاء، وقد أحسن فيما اعتمد من ذلك وأجاد، وهو ضد ما ذهب إليه أبو تمام في أبياته.
وقال البحتري، وهو حسن جداً:
وقوفك في أطلالهم وسؤالها ... يريك غروب الدمع كيف انهمالها
وقال:
عند العقيق فماثلات دياره ... شجنٌ يزيد الصب في استعباره
وقال:
يأبى الخلي بكاء المنزل الخالي ... والنوح في دمنٍ أقوت وأطلال
وقال:
أبكاءً في الدار بعد الدار ... وسلوا عن زينبٍ بنوار
стр. 452
وهذا من البحتري تصرفٌ في البكاء على الديار حسن، ومعانٍ فيه مختلفة عجيبة، كلها جيد نادر، وأبو تمام لزم طريقة واحدة لم يتجاوزها، والبحتري في هذا الباب أشعر.
стр. 453
* سؤال الديار واستعجامها عن الجواب
قال أبو تمام:
الدار ناطقةٌ وليست تنطق ... لدثورها؛ إن الجديد سيخلق
وقال في مثل معناه:
وأبي المنازل إنها لشجون ... وعلى العجومة إنها لتبين
وهذا معنى شائع على ألسن العرب أن تقول لمن يعقل: وأبيك لقد أجملت، وكثرت على الألسن حتى تعدوا بها إلى مالا يعقل، قسماً وغير قسم، وكذلك قالوا: لأمك الهبل، ولأمك الويل، ثم قالوا مثل ذلك لما لا أم له، وقال محرز بن المكعبر يرثي بسطام بن قيس:
لأم الأرض ويلٌ ما أجنت ... بحيث أضر بالحسن السبيل
فجعل للأرض أما.
стр. 454
وقد قال البحتري:
لعمر أبي الأيام ما جار حكمها ... علي، ولا أعطيتها ثنى مقودي
فجعل للأيام أباً، وقوله " شجون " جمع شجن، وما أفل ما يجمع فعلٌ على فعول، قالوا: أٍد وأسود، وليس هو بابه، والشجن: الحاجة، والشجن: الهم والحزن.
وقال أبو تمام:
من سجايا الطلول أن لا تجيبا ... فصوابٌ من مقلتي أن تصوبا
هذا البيت صدره جيد، وقوله " فصواب " ليست بالجيدة في هذا الموضع، وإنما أراد التجنيس.
وقال البحتري:
لا دمنةٌ بلوى خبتٍ ولا طلل ... ترد قولاً على ذى لوعةٍ بسل
وهذا بدأ جيد لفظه ومعناه.
وقال البحتريّ:
صب يخاطب مفحمات طول ... من سائل باك ومن مسئول
أراد أنه باكٍ والطلول باكية، وهذا ابتداء صالح.
стр. 455
وقال البحتري:
عزمت على المنازل أن تبيما ... وإن دمن بلين كما بلينا
أي: عزمت عليها أن توضح لنا، ويكون ((تبين)) بمعنى تفصح هي في نفسها، يقال: بأن الشيء وأبان، قوله ((وإن دمن بلين كما بليان)) أي: عزمت عليها أن تبين لنا القول وإن كانت قد بليت كما بلينا نحن، وهذا بيت ردئ العجز.
وقال البحتي:
أقم عليها أن ترجع القول أو على ... أخلف فيها بعض ما بي من الخبل
وهذا أيضاً بيت ردئ الصدر لفظه ومعناه؛ لأنه أراد أن يقول: قف لعلها أن ترجع القول أو على، فقال ((أقم)) مكان قف، وليس هذه اللفظة نائبة عن تلك؛ لأن الإقامة ليست من الوقوف في شيء، والدليل إلى أنه أراد أن يقول قف قوله بعد هذا:
فإن لم تقف من أجل نفسك ساعة ... فقفها على تلك المعالم من أجلي
وقال ((علها أو على)) وهما وإن كانتا لفظتين عربيتين فلعل أحسن من عل وأبرع، وزاد في تهجينها أنه كررها في مصارع، وقوله ((أخلف بعض مابى من الخبل)) عجز حسن، أي:
стр. 456
أطرحه عني، أي: لعلي أبكي فأخفف بعض ما بي من البكاء، وإلى هذا المعنى ذهب، وإن لم يكن البكاء في البيت فقد ذكره من بعد.
وقال:
بالله يا ربع لما زدت تبيانا ... فقلت لي الحي لما بان لم بانا
وقا لأيضاً:
هب الدار ردت رجع ما أنت سائله ... وأبدى الجواب الربع عما تسائله
وهذا بيت غير جيد؛ لأن عجز البيت مثل صدره سواء ف يالمعنى، وكأنه بنى الأمر على أن الدار غير الربع، وأن السؤال إن وقع وقع في محلين اثنين، والبيت أيضا لا يقوم بنفسه؛ لأنه جعله معلقا بالبيت الثاني وهو قوله:
أفي ذاك برءٌ من جوى الهب الحشا ... توقده واستغزر الدمع جائله
وقال أيضاً:
هل الربع قد أمست خلاءً منازله ... مجيبٌ صداه أو يخبر سائله؟
стр. 457
وهذا ابتداء صالح.
وقال أيضاً:
عست دمنٌ بالأبرقين خوالي ... ترد سلامي أو تجيب سؤالي
وهذا ابتداء حسن.
فهذا ما وجدته لهما من الابتداءات في الباب، وليس لهما فيه بيت بارع، والجيد للبحتري قوله:
لا دمنةٌ بلوى خبتٍ ولا طلل
وقوله:
عست دمنٌ بالأبرقين خوالي
والجيد لأبي تمام بيتاه الأولان، ومعناهما غي رمعنى هذين البتين، وبيتا البحتري أجود لفظاً، وأصح سبكاً، وهما في هذا الباب متكافئان.
стр. 458
* فيما يخلف الظاعنين في الديار من الوحش وما يقارب معناه
قال أبو تمام:
أطلالهم سلبت دماها الهيفا ... واستبدلت وحشاً بهن عكوفا
وهذا بيت جيد لفظه ومعناه.
وقال أيضاً:
أأطلال هندٍ ساء ما اعتضت من هند ... أقايضت حور العين بالعين والربد
العين: بقر الوحش والظباء، والربد: النعام، وقايضت: أبدلت، وهذا البيت ليس بالجيد ولا بالردئ.
وقال أيضاً:
أرامة كنت مألف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس القديم
وهذا بيت جيد.
وقال البحتري:
ربعٌ خلا من بدره مغناه ... ورعت به عين المها الأشباه
وهذا بيت حسن حلو.
стр. 459
وقال البحتري أيضاً:
عهدي بربعك مأنوساً ملاعبه ... أشباه آرامه حسناً كواعبه
وهذا بيت في غاية الجودة والبراعة لفظه ومعناه.
وقال أيضاً:
عهدي بربعك مئلاً آرامه ... يجلى بضوء خدودهن ظلام
وهذا بيت جيد اللفظ والمعنى، ولفظ الأول أحلى وأبرع، وقوله " يجلى بضوء خدودهن ظلامه " حسن جداً.
وقال أيضاً:
أرى بين ملتف الأراك منازلا ... مواثل لو كانت مهاها مواثلا
وهذا أيضاً بيت من أبرع ابتداءاته.
فهذا ما وجدته لهما في هذا النحو، والبحتري في أبياته أشعر من أبي تمام في أبياته.
стр. 460
* وفيما تهيجه الديار وتبعثه من جوى الواقفين بها
قال أبو تمام:
أقشيب ربعهم أراك دريساً ... تقرى ضيوفك لوعةً ورسيسا
وهذا بيت من جيد الابتداءات وبارعها.
وقا لالبحتري:
مغاني سليمى بالعقيق ودورها ... أجد الشجى أخلاقها ودذورها
وهذا بيت في جودة بيت أبي تمام وبراعته.
وقال:
لعمر المغاني يوم صحراء أربد ... لقد هيجت وجداً على ذى توجد
وقال أيضاً:
ما جو خبتٍ وإن نأت ظعنه ... تاركنا أو تشوقنا دمنه
وقال أيضاً:
كلما شاءت الرسوم المحيله ... هيجت من مشوق صدرٍ غليله
وهذه كلها ابتداءات جياد، وهي مع بيت أبي تمام متكافئة.
следующие страницы →