← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

أطرحه عني، أي: لعلي أبكي فأخفف بعض ما بي من البكاء، وإلى هذا المعنى ذهب، وإن لم يكن البكاء في البيت فقد ذكره من بعد. وقال: بالله يا ربع لما زدت تبيانا ... فقلت لي الحي لما بان لم بانا وقا لأيضاً: هب الدار ردت رجع ما أنت سائله ... وأبدى الجواب الربع عما تسائله وهذا بيت غير جيد؛ لأن عجز البيت مثل صدره سواء ف يالمعنى، وكأنه بنى الأمر على أن الدار غير الربع، وأن السؤال إن وقع وقع في محلين اثنين، والبيت أيضا لا يقوم بنفسه؛ لأنه جعله معلقا بالبيت الثاني وهو قوله: أفي ذاك برءٌ من جوى الهب الحشا ... توقده واستغزر الدمع جائله وقال أيضاً: هل الربع قد أمست خلاءً منازله ... مجيبٌ صداه أو يخبر سائله؟

стр. 457

وهذا ابتداء صالح. وقال أيضاً: عست دمنٌ بالأبرقين خوالي ... ترد سلامي أو تجيب سؤالي وهذا ابتداء حسن. فهذا ما وجدته لهما من الابتداءات في الباب، وليس لهما فيه بيت بارع، والجيد للبحتري قوله: لا دمنةٌ بلوى خبتٍ ولا طلل وقوله: عست دمنٌ بالأبرقين خوالي والجيد لأبي تمام بيتاه الأولان، ومعناهما غي رمعنى هذين البتين، وبيتا البحتري أجود لفظاً، وأصح سبكاً، وهما في هذا الباب متكافئان.

стр. 458

* فيما يخلف الظاعنين في الديار من الوحش وما يقارب معناه قال أبو تمام: أطلالهم سلبت دماها الهيفا ... واستبدلت وحشاً بهن عكوفا وهذا بيت جيد لفظه ومعناه. وقال أيضاً: أأطلال هندٍ ساء ما اعتضت من هند ... أقايضت حور العين بالعين والربد العين: بقر الوحش والظباء، والربد: النعام، وقايضت: أبدلت، وهذا البيت ليس بالجيد ولا بالردئ. وقال أيضاً: أرامة كنت مألف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس القديم وهذا بيت جيد. وقال البحتري: ربعٌ خلا من بدره مغناه ... ورعت به عين المها الأشباه وهذا بيت حسن حلو.

стр. 459

وقال البحتري أيضاً: عهدي بربعك مأنوساً ملاعبه ... أشباه آرامه حسناً كواعبه وهذا بيت في غاية الجودة والبراعة لفظه ومعناه. وقال أيضاً: عهدي بربعك مئلاً آرامه ... يجلى بضوء خدودهن ظلام وهذا بيت جيد اللفظ والمعنى، ولفظ الأول أحلى وأبرع، وقوله " يجلى بضوء خدودهن ظلامه " حسن جداً. وقال أيضاً: أرى بين ملتف الأراك منازلا ... مواثل لو كانت مهاها مواثلا وهذا أيضاً بيت من أبرع ابتداءاته. فهذا ما وجدته لهما في هذا النحو، والبحتري في أبياته أشعر من أبي تمام في أبياته.

стр. 460

* وفيما تهيجه الديار وتبعثه من جوى الواقفين بها قال أبو تمام: أقشيب ربعهم أراك دريساً ... تقرى ضيوفك لوعةً ورسيسا وهذا بيت من جيد الابتداءات وبارعها. وقا لالبحتري: مغاني سليمى بالعقيق ودورها ... أجد الشجى أخلاقها ودذورها وهذا بيت في جودة بيت أبي تمام وبراعته. وقال: لعمر المغاني يوم صحراء أربد ... لقد هيجت وجداً على ذى توجد وقال أيضاً: ما جو خبتٍ وإن نأت ظعنه ... تاركنا أو تشوقنا دمنه وقال أيضاً: كلما شاءت الرسوم المحيله ... هيجت من مشوق صدرٍ غليله وهذه كلها ابتداءات جياد، وهي مع بيت أبي تمام متكافئة.

стр. 461

* الدعاء للدار بالسقيا قال أبو تمام: أسقى طلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرةٌ ونعيم وقال أيضاً: سقى عهد الحمى صوب العهاد ... وروى حاضرٌ منهم وبادي وهذا ابتداءان جيدان. وقال أيضاً: يا برق طالع منزلاً بالأبرق ... واحد السحاب له حداء الأينق قوله " طالع " لفظة رديئة ف يهذا الموضع قبيحة، وقوله " واحد السحاب له حداء الأينق " لفظه ومعناه جيدان فصيحان، وإنما خص

стр. 462

البرق لأنه دليل الغيث وقال أيضاً: أيها البرق بت بأعلى البراق ... وأغد فيها بوابلٍ غيداق البرقا: جمع برقة، مثل برمة وبرام، وهي الأرض ذات الطين والحصى تكون ذات ألوان مختلفة، وهذا بيت جيد، ووصله ببيت هو غاية في الحسن والحلاوة نأتي به إن شاء الله تعالى في بابه. وقال: يا دار دار عليك أرهام الندى ... واهتز روضك في الثرى فترأدا يقال: أرهمت السماء، إذا أتت بالرهمة، وهو المطر اللين، يقال: رهمة وأرهام، كأكمة وآكام، فإن قلت " أرهام الندى " كان ذلك سائغاً، فترأد: تثنى لكثرة مائه وغضاضته، ومنه " امرأة رود الشباب " أي: غضته، وهذا بيت ليس بجيد اللفظ ولا النسج. وقال البحتري: نشدتك الله من برق على أضم ... لما سقيت جنوب الحزن فالعلم

стр. 463

وهذا بيت بارع اللفظ، جيد المعنى، وزاد في جودته قوله " نشدتك الله ". وقال أيضاً: سقيت الغوادي من طلولٍ وأربع ... وحييت من دار لأسماء بلع وهذا أيضاً بيت جيد اللفظ والمعنى، ويدخل في باب التسليم على اديار لقوله " وحييت من دار ". وقال أيضاً: أناشد الغيث هل تهمى غواديه ... على العقيق وإن أقوت مغانيه وهذا بيت جيد وقال أيضاً: أقام كل ملث الودق رجاس ... على ديارٍ بعلو الشام أدراس ملث: دائم كثير، ورجاس: مصوت، يريد الرعد، وهذا بيت كثير الماء والرونق. وقال أيضاً: لا يرم ربعك السحاب يجوده ... تبتدى سوقه الصبا أو تقوده

стр. 464

وقال أيضاً: سقى دار ليلى حيث حلت رسومها ... عهادٌ من الوسمى وطفٌ غيومها وهذان ابتداءان جيدان، وليسا مثل ما تقدم. وقال أيضاً: سقى ربعها سح السحاب وهاطله ... وإن لم يخبر آنفاً من يسائله وهذا البيت ردئ العجز من أجل قوله " آنفاً " لأنه حشوٌ لا حاجة للمعنى به؛ فهذا ابتداء من الدعاء للديار بالسقيا، وهما عندي متكافئان.

стр. 465

* في لوم الأصحاب في الوقوف على الديار قال أبو تمام: أراك أكبرت إدماني على الدمن ... وحملي الشوق من بادٍ ومكتمن وهذا ابتداء صالح وقال أيضاً: ما عهدنا كذا نحيب المشوق ... كيف والدمع آية المعشوق هذا بيت ردئ جداً، وقد ذكرت ما فيه في باب ما ذكرناه له في وسط الكلام في تعنيف الأصحاب على الوقوف على الديار، وهذا البيت ابتداء، وإنما ذكرته هناك لأن معناه يتضح بالأبيات التي بعده؛ فجعلته في ذلك الباب. وليس لأبي تمام ابتداء صالح في لوم الأصحاب غير هذين البيتين. فأما البحتري فإنه تصرف ف يابتداءاتٍ جيادٍ حسانٍ بارعةٍ حلوةٍ؛ فمن ذلك قوله: فيم ابتداركما الملام ولوعا ... ابكيت إلا دمنةً وربوعا وهذا بيت حسن، وفيه سؤال، وهو أن يقال: إنما لاموه على بكائه على الدمنة والربوع، فما وجه اعتذاره بأنه لم يبك إلا دمنة وربوعا؟

стр. 466

والجواب أنه أراد أبكيت إلا ما مثله يبكي؟ وقد تقدمني الناس فيه ولم ينكر ذلك على أحد. وقوله: خذا من بكائي في المنازل أودعا ... وروحا على لومي بهن أو اربعا وهذا بيت جيد. وقوله أيضاً: ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا ... مقصراً من ملامتي أو مطيلا وهذا بيت جيد حسن، بارع اللفظ والمعنى، وقد ذكرته أيضاً في باب الوقوف على الديار. وقوله: أحرى الخطوب بأن يكون عظيما ... قول الجهول: ألا تكون حليما وقوله: ما أنت للكلف المشوق بصاحب ... فاذهب على مهلٍ فليس بذاهب وقوله: في غير شأنك بكرتي وأصيلي ... وسوى سبيلك في السلو سبيلي

стр. 467

وقوله: بعض هذا العتاب والتفنيد ... ليس ذم الوفاء بالمحمود ولهما في تأنيب العذال في غير الوقوف علىلديار ابتداءاتٌ ليس بضائرٍ ذكرها ههنا. فمن ذلك قول أب يتمام: تقى جمحاتي لست طوع مؤنبي ... وليس حبيبي إن عذلت بمصحبي وقوله أيضاً: دأب عيني البكاء، والحزن دابيفاتركيني وقيت ما بي لما بي وقوله أيضاً: كفى وغاك؛ فإنني لك قالى ... ليست هوادي عزمتي بتوالي وقوله أيضاً: لامته لام عشيرها وحميمها ... منها خلائق قد أبر ذميمها

стр. 468

وقوله أيضاً: متى كان سمعي خلسةً للوائم ... وكيف صغت للعاذلين عزائمي وقوله أيضاً: قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي وهذه كلها ابتداءاتٌ صالحة، إلا هذا البيت الأخير؛ فإن الناس عابوه، وذكر أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه أن مما عيب من ابتداءات الطائي قوله: كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر وقوله: خشنت عليه أخت بني خشين فأما قوله " خشنت عليه " فهو لعمري من تجنيساته القبيحة، وعهدت مجان البغداديين يقولون: قليل نورة يذهب بالخشونة، وأما قوله " كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر " فليس بمعيب عندي، وقد ذكرته في ابتداءات المراثي، وأخبرت بمعناه، وأما قوله " قدك اتئب أربيت في الغلواء " فإنها ألفاظ صحيحة فصيحة من ألفاظ العرب، مستعملة في نظمهم ونثرهم، وليست من متعسف ألفاظهم، ولا وحشي كلامهم، ولكن العلماء بالشعر أنكروا عليه أن جمعها في مصراع

стр. 469

واحد، وجعلها ابتداء قصيدة، ولم يرفق بينها بفواصل فقال: " قدك اتئب أربيت في الغلواء "؛ فصار قوله " قدك اتئب " كانهما كلمة واحدة على وزن مستفعلن، وضم إليه " أربيت في الغلواء " فاستهجنت، ولو جاء هذا في شعر أعرابي لما أنكروه؛ لأن الأعرابي إنما ينظم كلامه المنثورالذي يستعمله في مخاطباته ومحاوراته، ولو خاطب أبو تمام بهذا المعنى في كلامه المنثور لما قال لمن يخطبه إلاحسبك استح زدت وغلوت، وهذا كلام حسن بارع. قال: فمن شأن الشاعر الحضري أن يأتي في شعره بالألفاظ العربية المستعملة في كلام الحاضرة؛ فإن اختارأن يأتي بما لايستعمله أهل الحضر فمن سبيله أن يجعله من المستعمل في كلام أهل البدو دون الوحشىّ الذي يقلّ استعمالهم إياه، وأن يجعله متفرقاً في تضاعيف ألفاظه، ويضعه في مواضيعه، فيكون قد اتسع مجاله بالاستعانة به، ودلّ على فصاحته وعلمه، وتخلصّ من الهجنة، كما أنالشاعر الأعرابي إذا أتى في شعره بالوحشىّ الذي يقل استعماله إياه في منثور كلامه وما يجري دائماً في عادته هجنّه وقبّحه، إلا أن يضطر إلى اللفظة واللفظتين، ويقلل، ولايستكثر؛ فإن الكلام أجناس إذا أتى منه شئ مع غير جنسه باينه ونافره وأظهر قبحه. وقد تصرف البحتري في هذا الباب أحسن تصرف وأبلغه وأعجبه؛ فمن ذلك قوله: أتاركى أنت أم معرًى بتعذيي ... ولائمى في هوًى إن كان يرزىبي وقوله أيضاً: يفنّدون وهم أدنى إلى الفند ... ويرشدون وما العذّال في رشد متى كان سمعى خلسةً ... وكيف صنعت للعاذلين عزائمى وقوله أيضاً: قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائى وهذه كلها ابتداءات صالحة إلا هذا البيت الأخير؛ فإن الناس عابوه، وذكرأبوعبد الله محمد بن داود بن الجراح فى كتاب أن مما عيب من ابتداءات الطائى قوله: كذافليجل الخطب وليفدح الأمر وقوله: خشنت عليه أخت بنى خشين فأما قوله " خشنت عليه " فهو لعمرىمن تجنيساته القبيحة وعهدت مجان البغداديين يقول: قليل نورة يذهب بالخشونة، وأما قوله " كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر " فليس بمعيب عندى، وقدذكرته فىبتداءات المراثى، وأخبرت بمعناه، وأما قوله " قدك اتئب أربيت فى الغلواء " فإنها ألفاظ صحيحة فصيحة من ألفاظ العرب، مستعملة فى نظمهم ونثرهم، وليست من متعسف ألفاظهم، ولا وحشى كلامهم، ولكن العلماء بالشعر أنكروا عليه أن جمعها فى مصراع واحد، وجعلها ابتداء قصيدة، ولم يفرق بينها بفواصل فقال: " قدك اتئب أربيت فى الغلواء " فصار قوله " قدك اتئب " كانهما كلمة واحدة على وزن مستفعلن، وضم إليه " أربيت فى الغلواء " فاستهجنت، ولوجاء هذا فى شعر أعرابى لما أنكروه لأن الأعرابى إنما ينظم كلامه المنثور الذى يستعمله فىمخاطباته ومحاوراته، ولوخاطب أبوتمام بهذا المعنى فى كلامه المنثور لما قال لمن يخاطبه إلا حسبك استح زدت وغلوت، وهذاكلام حسن بارع. قال: فمن شأن الشاعر الحضرى أن يأتى فى شعره بالألفاظ (العربية) المستعملة فىكلام الحاضرة، فإن اختار أن يأتى بما لا يستعمله أهل الحضر فمن سبيله أن يجعله من المستعمل في كلام أهل البدو دون الوحشى الذى يقل استعمالهم إياه، وأن يجعله متفرقا فى تضاعيف ألفاظه، ويضعه في مواضعه، فيكون قداتسع مجاله بالاستعانة به، ودل على فصاحته وعلمه، وتخلص من الهجنة، كما أن الشاعر الأعرابي إذا أتى فى شعره بالوحشى الذى يقل استعماله إياه فى منثور كلامه وما يجرى دائما فى عادته هجنه وقبحه، إلا أن يضطر إلى اللفظة واللفظتين، ويقلل، ولا يستكثر، فإن الكلام أجناس إذا أتى منه شىء مع غير جنسه باينه ونافره وأظهر قبحه. وقد تصرف البحتري في هذا الباب أحسن تصرف وأبلغه وأعجبه؛

стр. 470

فمن ذلك قوله: أتاركى أنت أم معرًى بتعذيي ... ولائمى في هوًى إن كان يرزىبي وقوله أيضاً: يفنّدون وهم أدنى إلى الفند ... ويرشدون وما العذّال في رشد وقوله أيضاً: إنما الغي أن يكون رشيداً ... فانقصا من ملامه أو فزيدا وقوله أيضاً: ألم يك في وجدي وبرح تلددي ... نهاية نهىٍ للعذول المفند وقوله أيضاً: مرنت مسامعه على النفنيد ... فعصى الملام لاعينٍ وخدود وقوله أيضاً: شغلان من عذلٍ ومن تفنيد ... ورسيس حب طارفٍ وتليد وقوله أيضاً: أقصرا ليس شأني الإكثار ... وأقلا لن يغني الإكثار

стр. 471

وقوله أيضاً: قلت للائم في الحب أفق ... لا تهون طعم شيء لم تذق وقوله أيضاً: أما كان في تلك الدموع السوائل ... بيانٌ لناء أو جوابٌ لسائل وقوله أيضاً: أكثرت في لوم المحب فأقلل ... وأمرت بالصبر الجميل فأجمل وقوله أيضاً: رويدك إن شأنك غير شاني ... وقصرك لست طاعة من نهاني وقوله أيضاً: يكاد عاذلنا ف يالحب يغرينا ... فما لجاجك في لوم المحبينا وقوله أيضاً: عذيري فيك من لاحٍ إذا ما ... شكوت الحب قطعني ملاما وقوله أيضاً: طفقت تلوم ولات حين ملامه ... لا عند كرته ولا إحجامه ولا خفاء بفضل البحتري أيضا على أبي تمام في هذا الباب، وقد مضت الموازنة بين الابتداءات بذكر الديار والآثار، وأنا الآن أذكر ما جاء عنهما من ذلك في وسط الكلام.

стр. 472

* ما قالاه في أوصاف الديار والبكاء عليها قال أبو تمام: طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا دمنٌ كأن البين أصبح طالباً ... دينا لدى آرامها وحقودا قربت نازحة القلوب من الجوى ... وتركت شأو الدمع فيك بعيدا خضلاً إذا العبرات لم تبرح لها ... وطناً سرى قلق المحل طريدا وقوله " وكفى على رزئي بذاك شهيدا " ليس بالجيد، وقد ذكرت معناه فيما تقدم من ذكر معانيه في باب الابتداءات عند ذكر البيت، وقوله قربت نازحة القلوب من الجوى " يريد القلوب التي بعد عهدها بمرض الحب فأدنيتها من ذلك عند الوقوف عليك، يخاطب الطلل والدمن، وقوله " وتركت شأو الدمع فيك بعيداً " أي: دائماً طويلا، وقوله " خضلا إذا العبرات لم تبرح لها وطناً سرى قلق المحل طريداً " أي: من كان إنما يبكي في وطنه على الحوادث التي تحدث عليه فيه سرى هذا الدمع قلق المحل طريدا، أي اعتسف المسير لطوله حتى يحل بهذه الدمن، وهذا نحو من قوله:

стр. 473

فما وجدت على الأحشاء أبرد من ... دمعٍ على وطن لي في سوى وطني فقوله " على وطن " يعني الرسوم والطلول التي يقف عليها، وهذا من جيد ألفاظه وصحيح معانيه، وغرضه فيما وصف من الدمع غرضٌ حسن، وأحسن منه وألطف وأغرب قوله: أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن عن شانيك أو يكفا لا عذر للصب أن يقنى السلو ولا ... للدمع بعد مضى الحي أن يقفا حتى يظل بماء سافحٍ ودمٍ ... في الربع يحسب من عينيه قدر عفا وهذا المعنى ليس له، وإنما أخذه من قول أبي وجزة السعدي: عيونٌ ترامى بالرعاف كأنها ... من الشوق صردانٌ تدب وتلمع قيل في تفسيره: شبه الدمع وقد عصفره الدم بالرعاف، وشبه العيون - وهي تفيض بالدمع تارة وتحبسه أخرى - بالصردان تنتفض تارة وتظهر قريبا من الأرض تارة، وبيت أب يتمام أجود لفظاً ونظماً، ولا أظن البحتري ذهب إلى مثل هذا المعنى، ولا للمعنى الذي قبله

стр. 474

في وصف الدمع، ولكنه يعتذر مرةً بقلة دمعه، ومرة يذكر كثرته ويفتخر بغزره، وفي كل ذلك يحسن ويجيد؛ فمن اعتذاره قوله في قصيدته التي أولها: فيم ابتدار كما الملام ولوعا ... أبكيت إلا دمنةً وربوعا يا دار غيرها الزمان وفرقت ... أيدي الحوادث شملها المجموعا لو كان لي دمعٌ يحسن لوعتي ... خليته في عرصتيك خليعا لاتخطبي دمعي إلى؛ فلم يدع ... في مقلتي جوى الفراق دموعا قوله في ابتداء القصيدة " أبكيت إلا دمنةً وربوعا " قد أخبر أنه بكى ثم قال " لو كان لي دمع يحسن لوعتي " أي: لو كان ل يدمع غزير يليق بلوعتي وينبئ عنها، وكذلك قوله " فلم يدع في مقلتي جوى الفراق دموعا " أي: دموعا كافية أرضاها، أو دموعا تشفيني؛ لأنه استقل دمعه واستنزره، أو أن يكون انقطع دمعه وفنى، ولله در كثير إذ يقول: وقضين ما قضين ثم تركنني ... بفيفا خريم واقفاً أتلدد ولم أر مثل العين ضنت بمائها ... على، ولا مثلي على الدمع يحسد

стр. 475

وقال أبو تمام: أقشيب ربعهم أراك دريساً ... تقرى ضيوفك لوعةً ورسيسا ولئن حبست علىلبلى لقد اغتدى ... دمعى عليك إلى الممات حبيسا وأرى رسومك موحشاتٍ بعدما ... قد كنت مألوف المحل أنيسا وبلاقعاً حتى كأن قطينها ... حلفوا يميناً أخلفتك غموسا وهذا كلام رصينٌ، وقوله " حلفوا يمينا أخلفتك " أي: كأنهم حلفوا يمينا ألا يعودوا إليك، فأخلفتك هذه اليمين. ومن حلو معانيه وجيد ألفاظه في البكاء على الديار قوله: دمنٌ لوت عزم الفؤاد ومزقت ... فيها دموع العين كل ممزق وقال أيضاً: سقى عهد الحمى سبل العهاد ... وروض حاضرٌ منه وبادي نزحت به ركى العين إني ... رأيت الدمع من خير العتاد وهذا البيت في غاية الجودة لفظه ومعناه،

стр. 476

يريد فيا حسن الرسوم ولم يمش إليها الدهر: أي لم يصبها الدهر ببعد أهلها عنها، فأخرجه هذا المخرج القبيح المستهجن. ومن إحسان أبي عبادة المشهور في هذا قوله: أمحلتى سلمى بكاظمة اسلما ... وتعلماً أن الهوى ما هجتما هل ترويان من الأحبة هائماً ... أو تسعدان على الصبابة مغرما أبكيكما دمعاً ولو أنى على ... قدر الجوى أبكى بكيتكما دما ومن جيد شعر أبي تمام أيضا في هذا الباب قوله: أرامة كنت مألف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس القديم أدار البؤس حسنك التصابي ... إلى فصرت جنات النعيم لئن أصبحت ميدان السوافي ... لقد أًصبحت ميدان الهموم ومما ضرم البرحاء أنى ... شكوت وما شكوت إلى رحيم أظن الدمع في خدي سيبقى ... رسوماً من بكائي في الرسوم

стр. 477

وهذا من أسهل كلامه وأسلس نظمه، ومن أبعد قولٍ من التكلف والتعسف، وأشبهه بكلام المطبوعين وأهل البلاغة، وقوله " فصرت جنات النعيم " معنىً حسنٌ، ولكن فيه إسراف أن يجعل داراً خلت من أهلها وسماها دار بؤس وهو باكٍ فيها جنات النعيم. وقد أتى البحتري بهذا المعنى متبعاً فيه أبا تمام، ولكنه جاء به على سبيل اقتصادٍ واعتدالٍ، واجتنب إفراطه، فقال: يا مغاني الأحباب صرت رسوماً ... وغدا الدهر فيك عندي ملوما ألف البؤس عرصتيك وقد كن ... ت بعيني جنةً ونعيماً فقال " ألف البؤس عرصتيك " ثم قال " وقد كنت بعيني جنة ونعيما " فجعلها جنة ونعيما فيما مضى، ومع هذا فإني أقول: إن بيت أبي تمام أحسن، وهو في سائر أبياته أشعر. وقال البحتري: لعمرك إن الدراسات لقد غدت ... بريا سعاد وهي طيبة العرف بكينا فمن دمع يمازجه دم ... هناك، ومن دمع نجود به صرف وهذا حسن جداً، وإنما أخذ قوله ((بريا سعدا وهي طيبا العرف) من قول الآخر، أنشده الأخفش عن المبرد: وأستودعت نشرها الديار؛ فما ... تزداد إلا طيبا على القدم وهذا أجود من بيت البحتري، لما فيه من الزيادة الحسنة، وهي قوله ((فما تزداد إلا طيبا على القدم)).

стр. 478

وهذا أجود من بيت البحتري، لما فيه من الزيادة الحسنة، وهو قوله: "فما تزداد إلا طيباً على القدم" وقال البحتري: ترى الليل يقضى عبقةً من هزيعه ... أو الصبح يجلو غرة من صديعه أو المنزل العافي يرد أنيسه ... بكاء على أطلاله وربوعه إذا ارتفق المشتاق كان سهاده ... أحق بجفني عينه من هجوعه وهذا لفظ فحلٌ، ومعان في غاية الصحة والاستقامة. وللبحتري في وصف الديار والبكاء عليها مذهب آخر، وهو حسنٌ جداً، ومن ذلك قوله: أبكاءً في الديار بعد الدار؟ ... وسلواً بزينب عن نوار؟ لا هناك الشغل الجيد بحزوى ... عن رسوم برامتين قفار ما ظننت الأهواء قبلت تحمى ... من صدور العشاق محو الديار نظرةٌ ردت الهواء الشرق غرباً ... وأمالت نهج الدموع الجواري وهذا غرض حلو، ومعنى لطيف،

стр. 479

ومثله قوله، ولكن ليس فيه ذكر البكاء: أبيت بأعلى الحزن والرمل دونه ... مغانٍ لها ومجفوةٌ وطلولُ وقد كنت أرجو الريح غرباً مهبها ... فقد صرت أهوى الريح وهي قبول وذلك لأن القبول هي الصبا، ومهبها من مطلع الشمس، ونحوه قوله: كلفتني أريحيات الصبا ... طلقاً في الحب ممتد الرسن نقلتني في هوى بعد هوى ... وابتغت لي سكناً بعد سكن وقوله: ما ظننت الأهواء بعدك تمحى ... من صدور العشاق محو الديار معنىً حسنٌ، وإنما أخذه من قول أبي تمام: زعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلولٌ باللوى ورسوم وبيت البحتري أحلى وأبرع وقال البحتري في وجه آخر، وهو أيضاً حسن لطيف: في كل يومٍ دمنةٌ من حبهم ... تقوى، وربعٌ بعدهم يتأبد أوما كفانا أن بكينا غربا ... حتى شجتنا بالمنازل ثهمد

стр. 480

ومثله قوله: هو الدمع موقوفاً على كل دمنةٍ ... تعرج فيها أو خليطٍ تزايله تراد فهم خفض الزمان ولينه ... وجادهم طل الربيع ووابله وإنما حذا البحتري هذا المعنى على حذو قول كثير: وكنت امرأ بالغور مني صريمة ... وأخرى بنجدٍ، ما تعبد وما تبدى فطوراً أكر الطرف نحو نهامةٍ ... وطوراً أكر الطرف كراً إلى نجد وأبكي إذا فارقت هنداً صبابةً ... وأبكي إذا فارقت دعداً على دعد وهذا ما لا مزيد فيه على حسنه وطلاوته، ومثله قول جرير: أخالد قد علقتك بعد هندٍ ... فشيبني الخوالد والهنود هوى بتهامة هوى بنجدٍ ... فقتلني التهائم والنجود وقال جرير في نحو هذا: إلى الله أشكو أن بالغور حاجةً ... وأخرى إذا أبصرت نجداً بداليا ومثله قوله أيضاً: أحب ثرى نجدٍ، وبالغور حاجةٌ ... فغار الهوى يا عبد قيسٍ وأنجدا

стр. 481

* هذا باب في وصف أطلال الديار وآثارها قال أبو تمام: قفوا نعطي المنازل من عيونٍ ... لها في الشوق أحساءٌ غزار عفت آياتهن، وأي ربعٍ ... يكون له على الزمن الخيار؟ أثافٍ كالخدود لطمن حزناً ... ونويٌ مثل ما انفصم السوار قوله " أحساء " جمع حسي، وهو الماء يغيض في الرمل، فإذا وصل إلى الصلابة وقف؛ فيحفر عنه ويشرب، وقد قال في موضع آخر: ودع حسي عينٍ يحتلب ماءه الوجد وقوله " أثافٍ كالخدود لطمن حزناً " من قول المرار الفقعسي: أثر الوقود على جوانبها ... بخدودهن كأنه لطم وقال البحتري: عوضٌ منهم خسيسٌ وقد حلوا اللوى منزلٌ بوجرة عافي لم تدع منه مبليات الليالي ... غير نؤيٍ تسفى عليه السوافي

стр. 482

وأثافٍ أتت لها حججٌ دو ... ن لظى الناء مثلٌ كالأثافي وقوله " مثل " أي قائمة ثابتة " كالأثافي " يريد الكواكب التي عند الفرقدين وهي ثلاثة، قيل لها أثاف لشبهها بالأثافي، فشبه البحتري الأثافي بها لثبوتها وأنها مثلٌ على مر الدهر؛ قال أبو حنيفة الدينوري في كتابه في الأنواء: إن في تثليثها طولاً، ولو شبهها البحتري بالنسر الواقع - لأنه أشهر وأظهر وأقرب شبهاً - لكان ذلك أحسن وأليق وأكشف للمعنى من أن يشبهها بشيء إنما استعير له اسمها، وليس يعرفه كل أحد، ولكنه جاء به من أجل القافية، وقال البحتري: لها منزلٌ بين الدخول فتوضح ... متى تره عين المتيم تسفح عفا غير نؤي دارسٍ في فنائه ... ثلاث أثافٍ كالحمائم جنح وهذا جيد حسن وعلى منهج الشعراء، وأظنه أخذه من قول عدي بن زيد: وثلاث كالحمامات بها ... بين مجثاهن توشيع الحمم قال ابن الأعرابي: لا يكون " مجثاهن " إنما هو " مجراهن ".

стр. 483

أو من قول أبي نواس: كما اقترنت عند المبيت حمائم ... بعيدات ممسى ما لهن وكون وهذا أجود من بيت عدي ومن بيت البحتري. وقد شبه الأثافي بالحمائم غير واحدٍ من الشعراء، والبديع النادر في وصف الأثافي قول كثير: أمن آل قيلة بالدخول رسوم ... وبحوملٍ طللٌ يلوح قديم؟ لعب الزمان برسمه فأجده ... حونٌ عواكف في الرماد جثوم سفع الخدود كأنهن وقد مضتحججٌ عوائد بينهن سقيم قوله " فأجده جونٌ عواكف " يعني الأثافي؛ لأن الريح لما كشفت عنها فظهرت سوداء، شبهها بالعوائد، والجون: الأسود، والجون: الأبيض، وهو من الأسماء المتضادة، قال الأصمعي: يقال: غابت الجونة، وطلعت الغزالة، يعني مغيب الشمس وطلوعها، وهما أسمان من أسماء الشمس، وإنما سميت الشمس جونة عند الغروب لما يعرض فيها من تغير اللون إلى السواد.

стр. 484

وقال حميد بن ثورٍ: على أن سجقاً من رمادٍ كأنه ... حصى إثمدٍ بين الصلاء سحيق وقال أبو سعيد المخزومي: يبكي ثلاثاً كالحمام ركدا ... تسفى بها الريح رماداً أرمدا كأنما يطحن فيها إثمدا وقال بشار بن برد: ومسجد شيخٍ كنت في زمن الصبا ... أحييه أحياناً وفيه نكوب غدا بثلاثٍ ما ينام رقيبها ... وأبقى ثلاثاً ما لهن رقيب " غدا " يريد الشيخ " غدا بثلاث " أي بثلاث نسوة " ما ينام رقيبها " يعني الشيخ أنه ما ينام عن رقبتها " وأبقى ثلاثا " يعني الأثافي. وأخذ أبو تمام قوله " ونؤى مثل ما انفصم السوار " من قول آخر: نؤى كما نقص الهلال محاقه ... أو مثل ما فصم السوار المعصم وهذا العجز ما لحسنه نهاية. وقال كثير: عرفت لسعدى بعد عشرين حجة ... بما درس نؤيٌ في المحلة منحن قديمٌ كوقف العاج، ثبتٌ حواؤه ... مغادر أوتادٍ برضمٍ موضن

стр. 485

قوله " منحن " مستدير. والوقف: السوار من الذبل ومن العاج. والرضم: صخور عظام. والرضم - أيضاً - هضاب صغار. والموضن: هو الذي بعضه فوق بعض. يقول: ضربت الأوتاد بحجارة الرضمة. وما أحسن قول بشار: ونؤي كخلخال الفتاة وصائم ... أشج على ريب الزمان رقوب الصائم الأشج يعنى الوتد، والصائم القائم .... قال النابغة: خيلٌ صيامٌ، وخيلٌ غير صائمةٍ ... تحت العجاج، وخيلٌ تعلك اللجما فجعله رقوبا لانفراده، على الاستعارة. والمرأة الرقوب ولاشيخ الرقوب: الذي لا يعيش له ولد، والذي لا ولد له فهو ينتظره. والمستعمل في الرقبة أن يقال: رقيبٌ، وراقبٌ. وأظنه ذهب إلى توكيد الفعل، مثل قولهم " ضارب " فإذا وكدوا قالوا " ضروبٌ ". وكذلك " شاربٌ وشروبٌ، وآكلٌ وأكولٌ " أي كثير الأكل والشرب. وقال أبو تمام: والنؤى أهمد شطره فكأنه ... تحت الحوادث حاجبٌ مقرون وهذا أيضاً في وصف النؤى حسنٌ،

стр. 486

ولست أعرف للبحتري في مثل هذا شيئا إلا ما لا يشتبه فيه، وهو قوله: آثار نؤيٍ بالفناء مثلمٍ ... ورمام أشعث بالعراء مشجج وهذا على مذاهب الناء. وقال النابغة: رمادٌ ككحل العين ما إن تبينه ... ونؤيٌ كجذم الحوض أثلم خاشع ووصل البحتري بيته بأن قال: دمنٌ كمثل طرائق الوشى انجلت ... لمعاتهن من الرداء المنهج يضعفن عن إذ كارنا عهد الصبا ... أو أو يهجن صبابةً لم تهتج ولرب عيشٍ قد تبسم ضاحكا ... عن طرق زمنٍ بهن مدبج وهذا كله على مذاهب الناس، ونحو قوله " كمثل طرائق الوشى " قول النابغة: على الغصن الحالي كأن رسومها ... الركنين وشيٌ مرجع " مرجع " بعضه على بعض في النساجة، وقال كثير: مغاني ديارٍ لا تزال كأنها ... بأفنية الشطآن ريطٌ مضلع وقال كثير أيضا: غشى الركب ربعها فعجبنا ... من بلاه، وما المدى بقديم

стр. 487

كحواشي الرداء قد مح منه ... بعد حسنٍ عصائب التسهيم وهذا حسن جداً. وقول البحتري " يضعفن عن إذكارنا عهد الصبى " يعني لطول عهدهن ودروسهن. وقد تصرف شعراء الجاهلية والإسلام في وصف آثار الديار أحسن تصرفٍ، وأتوا فيه بكل تشبيه مستحسن ومعنى مستغرب؛ فمنه قول طرفة: تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد الوشم: أثر الحناء. وخص ظاهر اليد لأن دروسه أسرع. وقال لبيد: وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبرٌ تجد متونها أقلامها وهذا ما زلت أسمع العلماء تعجب من حسنه ولطافة معناه، وكان الفرزدق إذا أنشده يسجد ويقول: إنا نعرف مكان السجود في الشعر كما تعرفونه في القرآن. وقال آخر، وأنشده إسحاق بن إبراهيم: تمتع بكر الطرف في رسم منزلٍ ... تحمل عنه قاطنوه فأقفرا ترى فيه آثاراً، وإن كان داثراً ... تذكرك الشوق القديم فتذكرا

стр. 488

قوله " فتذكرا " ليس بالجيد، ووجهه الرفع، ولكنه جاء به على إدارة التوكيد، وقد جاء مثله في أشعارهم، قال جذيمة الأبرش: ربما أوفيت في علمٍ ... ترفعن ثوبي شمالات وقال الجعدي: وأقبل على مجدي ومجدك نبتحث ... مساعينا حتى نرى كيف نفعلا ومثله قليلٌ. وأحسن من هذا ومن كل حسنٍ قول محمد بن عبيد الأزدي: فلم تدع الأرواح والماء والبلى ... من الدار إلا ما يشوق ويشغف وأنشد إسحاق، ووجدته في التعليقات ليعلى الطائي: لبسن البلى حتى كأن رسومها ... طعمن الهوى أو ذقن هجر الحبائب وقال ابن وهيب في مثله يذكر منزلين: لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد وقال البحتري في مثل هذا: صبٌ يخاطب مفحمات طلول ... من سائل باكٍ ومن مسئول

стр. 489

حملت معالمهن أعباء البلى ... حتى كأن نحولهن نحولي وأنشدني غير واحد من الشيوخ: ما غير الدار بعد بينهم ... ريحٌ عفت آيها ولا مطر كأنما جزعةٌ يمانيةٌ ... قد نشرت في عراصها الحبر وقال آخر، وأنشده حماد: قد وقفنا ... بطلول وأرسم لائحاتٌ كأنها ... برد وشى منمنم وسألنا فألحمت ... عن جواب المكلم وهذا كله أحلى وألطف معاني، وألوط بالنفس من كل ما قال الطائيان.

стр. 490

محو الرياح للديار قال أبو تمام: قف بالطلول الدارسات علاثا ... أضحت حبال قطينهن رثاثا قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا وهذا غلط منه؛ لأن الصبا هي القبول، ولو قال: بين الصبا وشمالها وجنوبها أثلاثا؛ كان قولاً مستقيماً؛ لأن هذه الرياح الثلاث أكثر هبوباً من الدبور، ولو اقتصر على ريحين كان ذلك أيضاً صواباً، كما قال امرؤ القيس: * لما نسجتها من جنوب وشمال (٢) * وكما قال الأعشى: دمنة قفرة تعاورها الصيـ ... ـف بريحين من صبا، وشمال (٣) ولكنه جعلها ثلاثاً من أجل القافية لا غير. وقد حكى عن النضر بن شميل أنه قال: ريح بين الصبا والجنوب. وهذا إن كان النضر قاله فليس بمعروف ولا معول عليه؛ لأن الناس جميعاً على خلافه في أن القبول هي: الصبا. وقال ابن الأعرابي: القبول: كل ريح لينة طيبة المس، تقبلها النفس. وهذا لا حجة فيه لبيت أبي تمام، وقد استقصيت القول في هذا فيما مضى عند ذكر أغاليطه من هذا الكتاب (٤).

стр. 491

وقال البحتري، فذكر (١) الرياح الأربع: متروكة للريح بين شمالها ... وجنوبها ودبورها وقبولها (٢) وأحسن من هذا ومن كل ما قيل في هذا المعنى قوله أيضاً: بين الشقيقة فاللوى فالأجرع ... دمن حبسن على الرياح الأربعا وقد تقدم ذكره (٣). قال أبو تمام: أو ما رأيت منازل ابنة وائل ... رسمت له كيف الزفير رسومها (٤) آثارها وطلولها ونجادها ... ووهادها وحديثها وقديمها تغدو الرياح وعوافياً ... فتضيم مغناها وليس تضيمها (٥) قوله: «رسمت له كيف الزفير» لفظة غير لائقة بالمعنى؛ وإنما جاء بها ليجانس بينها وبين قوله: «رسومها». وقوله في البيت الثاني: «وحديثها وقديمها» حشو لم يفد به فائدة. وقوله: «فتضيم مغناها»؛ يعني الرياح إنها تضيم المغنى وليس يضيمها، وهذا أيضاً معنى ليست له حلاوة، ولا يقود إلى فائدة؛ لأن المعلوم أن الأرض لا تضيم الريح. وقال أيضاً في وصف ربع: ملكته الصبا الولوع فألـ ... ـفته قعود البلى وسؤر الخطوب (٦)

стр. 492

قوله: «الصبا الولوع»، وإنما أراد المولعة بالهبوب، لأنها أكثر الرياح هبوباً، ولا أعلمه يقال: ولع بالشيء يولع فهو ولوع، ولكن قد سمعت: وَلِعَ يَلِعُ، مثل وزع يزع، وولع يلع، مثل وسع يسع، حكاهما أبو زيد (١). والولوع: هو المصدر، وما أراه يقال: هو ولوع بكذا، والقياس هو ولع بكذا، مثل وزعم به (٢)، ووالع مثل واسع، واللغة المعروفة: أولعت بالشيء فأنا مولع به، والمصدر الولوع. وقوله: «ألفته»، ليس هذا موضع ألفته؛ لأن معنى ألفته: صادفته، وإذا كانت الريح هي التي فعلت بالربع، فوجه الكلام: «جعلته»، لو استوى به، لا «ألفته»، وإذا لم يستقم له «جعلته»، ولا ما هو في معناها - نقض البيت بأسره، وبناه بألفاظ أخر. وكأنه أراد أن يقول: قعود البلى وهدفاً للخطوب، أو غرضاً للخطوب، أي تقع به أبداً وتصيبه؛ فلم ينتظم له الوزن، وكأنه أراد أن يقول: وهدفاً للخطوب أو غرضاً للخطوب، أي تقع به أبداً [وتصيبه] (٣) فقال: سور؛ لأن السور جعل يقع (٤) به كل قارعة دون ما وراءه، فهو هدف وغرض لكل رام، فهذا الذي أراده، والله أعلم. وليس قول من يقول: سور الخطوب، أي أن هذا الربع محيط بالخطوب فهو كالحارس لها، فهي لا تبرحه ولا تريمه بشيء؛ لأن الأشبه والأولى في

стр. 493

هذا أن تجعل الخطوب هي التي أحاطت به من كل وجه حتى عفته وأبلته وأخلته من أهله، لا [أ] نه أحاط بها. وقد قيل: سؤر الخطوب [بالهمز: بقية ما أبقته الخطوب] (١) كسؤر السبع إذا ولغ في الشيء، ثم أسأر منه، وليس هذا ببعيد من المعنى، بل هو وجه جيد (٢). وقال البحتري: مغاني سليمى بالعقيق ودورها ... أجد الشجا أخلاقها ودثورها (٣) وما خلتها مأخوذة بصبابتي ... صحائف تمحى بالرياح سطورها وهذا من أحسن معنى وأبرعه. وقوله: «وما خلتها مأخوذة بصبابتي»، مما يسأل عنه فيقال: كيف تؤخذ الصحائف وهي عرصات الدار بصبابته؟، فمعنى مأخوذ بصبابتي: أي ملزمة صبابتي، كما يقال: قد أخذ فلان بأن يفعل كذا وكذا: أي ألزمه، كما يقال للرجل: افعل كذا وكذا، فيقول: من أخذني بهذا، أي من ألزمنيه؟ ومن ناطه بي (٤) وعلقه عليَّ. وكما يقال كذا وكذا وما أخذ ما أخذه، أي وما اتصل به، وتعلق عليه، ولزم طريقته. ولا أعرف لأبي تمام معنى جيداً في ذكر الرياح إلا قوله: يا منزلاً أعطى الحوادث حكمها ... لا مطل في عدة ولا تسويفا (٥)

стр. 494

أرسى بناديك الندى وتنفست ... نفساً بعقوتك الرياح ضعيفا وإنما قال ضعيفاً: لأن الرياح إذا اشتد هبوبها عفت آثار الديار وطمست معالمها، ولذلك قال البحتري: وإذا هبت الرياح نسيماً ... فعلى ربع دارها والجناب (١) وما زلت أسمع أهل العلم بالشعر يستحسنون بيت أبي تمام هذا، وهو لعمري حسن، ولكنه أخذ المعنى من قول آخر وأنشده إسحاق بن إبراهيم الموصلي ولم يأت به في ذكر الدار: يا حبذا ريح الجنوب إذا سرت ... بالليل وهي ضعيفة الأنفاس قد ضمنت برد الندى وتحملت ... عبقاً من الجثجات والبسباس (٢) وأجود من هذا وذاك في وصف طيب الريح، قول أبي الصفي الأسدي: إذا أصعد الركبان واستقبلتهم ... جنوب كمس الرازقي هبوبها الرازقي: الرقيق من الكتان الأبيض (٤)، والريح وإن كانت قد تسفي الترب على رسم الدار فتعغطيه وتعفوه، فإنها أيضاً قد تنسفه (٥) عنه فتكشفه وتجده، ألا ترى إلى قول جرير: تحيي الروامس ربعها فتجده ... بعد البلى وتميته الأمطار (٦) فهي تفعل فعلين مختلفين، وربما نسفت تراب أرضٍ فطرحته على أرض أخرى، وبينهما سير أيام، فتكشف عن معالم تلك الأرض، وتغطي على

стр. 495

معالم هذه، وربما غشيت وجه الأرض كله بتراب الأرض الأخرى، وفي ذلك يقول ذو الرمة: ضهول كساها ترب أرض غريبة ... سوى أرضها منها الهباء المغربل (١) ضهول: وصف للريح، وذكرها في بيت قبل هذا، والهاء في كساها راجعة إلى رسوم الدار التي وصفها، وضهول ماؤها: يجيء قليلاً قليلاً. وضهول كل شيء: رجوعه، وبئر ضهول: يجيء ماؤها قليلاً قليلاً، ويروى: «جفول» أي سريعة ذاهبة، فهذا في ريح واحدة. فأما الريحان المختلفان، فإن أحداهما تنسف عن الأرض التراب، والأخرى ترده إليها على ما قال امرؤ القيس: . . . . . . . . . لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمال (٢) فلعل الطائيين فيما شرطاه إنما أشفقا من أحد فعلي الريح، وهو طموسها للرسم. وقال البحتري: أسند صدور اليعملات بوقفة ... في الماثلات كأنهن المسند (٣) دمن تقاضاهن إعلان البلى ... هوج الرياح الباديات العود (٤) حتى فنين وما البقاء لواقف ... والدهر في أطرافه يتردد وهذا معنى عجيب، وغرض حسن، والمسند الدهر، أراد أن طلول الدار والماثلات ثابتة فيه كثبات الدهر ودوامه، وإنما قال: أسند، من أجل قوله: المسند.
следующие страницы →