← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقال البحتري، فذكر (١) الرياح الأربع: متروكة للريح بين شمالها ... وجنوبها ودبورها وقبولها (٢) وأحسن من هذا ومن كل ما قيل في هذا المعنى قوله أيضاً: بين الشقيقة فاللوى فالأجرع ... دمن حبسن على الرياح الأربعا وقد تقدم ذكره (٣). قال أبو تمام: أو ما رأيت منازل ابنة وائل ... رسمت له كيف الزفير رسومها (٤) آثارها وطلولها ونجادها ... ووهادها وحديثها وقديمها تغدو الرياح وعوافياً ... فتضيم مغناها وليس تضيمها (٥) قوله: «رسمت له كيف الزفير» لفظة غير لائقة بالمعنى؛ وإنما جاء بها ليجانس بينها وبين قوله: «رسومها». وقوله في البيت الثاني: «وحديثها وقديمها» حشو لم يفد به فائدة. وقوله: «فتضيم مغناها»؛ يعني الرياح إنها تضيم المغنى وليس يضيمها، وهذا أيضاً معنى ليست له حلاوة، ولا يقود إلى فائدة؛ لأن المعلوم أن الأرض لا تضيم الريح. وقال أيضاً في وصف ربع: ملكته الصبا الولوع فألـ ... ـفته قعود البلى وسؤر الخطوب (٦)

стр. 492

قوله: «الصبا الولوع»، وإنما أراد المولعة بالهبوب، لأنها أكثر الرياح هبوباً، ولا أعلمه يقال: ولع بالشيء يولع فهو ولوع، ولكن قد سمعت: وَلِعَ يَلِعُ، مثل وزع يزع، وولع يلع، مثل وسع يسع، حكاهما أبو زيد (١). والولوع: هو المصدر، وما أراه يقال: هو ولوع بكذا، والقياس هو ولع بكذا، مثل وزعم به (٢)، ووالع مثل واسع، واللغة المعروفة: أولعت بالشيء فأنا مولع به، والمصدر الولوع. وقوله: «ألفته»، ليس هذا موضع ألفته؛ لأن معنى ألفته: صادفته، وإذا كانت الريح هي التي فعلت بالربع، فوجه الكلام: «جعلته»، لو استوى به، لا «ألفته»، وإذا لم يستقم له «جعلته»، ولا ما هو في معناها - نقض البيت بأسره، وبناه بألفاظ أخر. وكأنه أراد أن يقول: قعود البلى وهدفاً للخطوب، أو غرضاً للخطوب، أي تقع به أبداً وتصيبه؛ فلم ينتظم له الوزن، وكأنه أراد أن يقول: وهدفاً للخطوب أو غرضاً للخطوب، أي تقع به أبداً [وتصيبه] (٣) فقال: سور؛ لأن السور جعل يقع (٤) به كل قارعة دون ما وراءه، فهو هدف وغرض لكل رام، فهذا الذي أراده، والله أعلم. وليس قول من يقول: سور الخطوب، أي أن هذا الربع محيط بالخطوب فهو كالحارس لها، فهي لا تبرحه ولا تريمه بشيء؛ لأن الأشبه والأولى في

стр. 493

هذا أن تجعل الخطوب هي التي أحاطت به من كل وجه حتى عفته وأبلته وأخلته من أهله، لا [أ] نه أحاط بها. وقد قيل: سؤر الخطوب [بالهمز: بقية ما أبقته الخطوب] (١) كسؤر السبع إذا ولغ في الشيء، ثم أسأر منه، وليس هذا ببعيد من المعنى، بل هو وجه جيد (٢). وقال البحتري: مغاني سليمى بالعقيق ودورها ... أجد الشجا أخلاقها ودثورها (٣) وما خلتها مأخوذة بصبابتي ... صحائف تمحى بالرياح سطورها وهذا من أحسن معنى وأبرعه. وقوله: «وما خلتها مأخوذة بصبابتي»، مما يسأل عنه فيقال: كيف تؤخذ الصحائف وهي عرصات الدار بصبابته؟، فمعنى مأخوذ بصبابتي: أي ملزمة صبابتي، كما يقال: قد أخذ فلان بأن يفعل كذا وكذا: أي ألزمه، كما يقال للرجل: افعل كذا وكذا، فيقول: من أخذني بهذا، أي من ألزمنيه؟ ومن ناطه بي (٤) وعلقه عليَّ. وكما يقال كذا وكذا وما أخذ ما أخذه، أي وما اتصل به، وتعلق عليه، ولزم طريقته. ولا أعرف لأبي تمام معنى جيداً في ذكر الرياح إلا قوله: يا منزلاً أعطى الحوادث حكمها ... لا مطل في عدة ولا تسويفا (٥)

стр. 494

أرسى بناديك الندى وتنفست ... نفساً بعقوتك الرياح ضعيفا وإنما قال ضعيفاً: لأن الرياح إذا اشتد هبوبها عفت آثار الديار وطمست معالمها، ولذلك قال البحتري: وإذا هبت الرياح نسيماً ... فعلى ربع دارها والجناب (١) وما زلت أسمع أهل العلم بالشعر يستحسنون بيت أبي تمام هذا، وهو لعمري حسن، ولكنه أخذ المعنى من قول آخر وأنشده إسحاق بن إبراهيم الموصلي ولم يأت به في ذكر الدار: يا حبذا ريح الجنوب إذا سرت ... بالليل وهي ضعيفة الأنفاس قد ضمنت برد الندى وتحملت ... عبقاً من الجثجات والبسباس (٢) وأجود من هذا وذاك في وصف طيب الريح، قول أبي الصفي الأسدي: إذا أصعد الركبان واستقبلتهم ... جنوب كمس الرازقي هبوبها الرازقي: الرقيق من الكتان الأبيض (٤)، والريح وإن كانت قد تسفي الترب على رسم الدار فتعغطيه وتعفوه، فإنها أيضاً قد تنسفه (٥) عنه فتكشفه وتجده، ألا ترى إلى قول جرير: تحيي الروامس ربعها فتجده ... بعد البلى وتميته الأمطار (٦) فهي تفعل فعلين مختلفين، وربما نسفت تراب أرضٍ فطرحته على أرض أخرى، وبينهما سير أيام، فتكشف عن معالم تلك الأرض، وتغطي على

стр. 495

معالم هذه، وربما غشيت وجه الأرض كله بتراب الأرض الأخرى، وفي ذلك يقول ذو الرمة: ضهول كساها ترب أرض غريبة ... سوى أرضها منها الهباء المغربل (١) ضهول: وصف للريح، وذكرها في بيت قبل هذا، والهاء في كساها راجعة إلى رسوم الدار التي وصفها، وضهول ماؤها: يجيء قليلاً قليلاً. وضهول كل شيء: رجوعه، وبئر ضهول: يجيء ماؤها قليلاً قليلاً، ويروى: «جفول» أي سريعة ذاهبة، فهذا في ريح واحدة. فأما الريحان المختلفان، فإن أحداهما تنسف عن الأرض التراب، والأخرى ترده إليها على ما قال امرؤ القيس: . . . . . . . . . لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمال (٢) فلعل الطائيين فيما شرطاه إنما أشفقا من أحد فعلي الريح، وهو طموسها للرسم. وقال البحتري: أسند صدور اليعملات بوقفة ... في الماثلات كأنهن المسند (٣) دمن تقاضاهن إعلان البلى ... هوج الرياح الباديات العود (٤) حتى فنين وما البقاء لواقف ... والدهر في أطرافه يتردد وهذا معنى عجيب، وغرض حسن، والمسند الدهر، أراد أن طلول الدار والماثلات ثابتة فيه كثبات الدهر ودوامه، وإنما قال: أسند، من أجل قوله: المسند.

стр. 496

وأجود منه وأحلى قوله: عست دمن بالأبرقين خوال ... ترد سلامي أو تجيب سؤالي (١) إذا ما تأيا الركب فيها تبينوا ... ضمانة متبول وصحة بال (٢) خليلي ما للرامسات وما لها ... وما لشجوني المبرحات ومالي (٣) ومما لا مزيد عليه، ولا غاية لحسنه وبراعته، ولطف معناه، قوله: أصبا الأصائل إن برقة منشد ... تشكو اختلافك بالهبوب السرمد (٤) لا تتعبي عرصاتها إن الهوى ... ملقى على تلك الرسوم الهمد دمن مواثل كالنجوم فإن عفت ... فبأي نجم في الصبابة تهتدي (٥) وقد قرأت شعراً كثيراً، في وصف الرياح للدار، لشعراء الجاهلية والإسلام، فما سمعت بأحسن من هذا، ولا أعرف ولا أبدع.

стр. 497

ما قالاه في سؤال الدار واستعجامها عن الجواب والبكاء عليها أيضاً قال أبو تمام: من سجايا الطلول ألا تجيبا ... فصواب من مقلة أن تصوبا (١) فاسألنها واجعل بكاك جواباً ... تجد الشوق سائلاً ومجيبا (٢) وقد ذكرت هذا الابتداء في الابتداءات (٣). وقوله: «فاسألنها واجعل بكاك جواباً»، لأنه قال (٤): من سجاياها ألا تجيب، فليكن بكاؤك الجواب؛ لأنها لو أجابت: أجابت بما يبكيك، أو لأنها لما لم تجب علمت أن من كان يجيب قد رحل عنها، فاوجب ذلك بكاءك. وقوله: «تجد الشوق سائلاً ومجيباً»، أي أنك إنما وقفت على الدار وسألتها لشدة شوقك إلى من كان بها، ثم بكيت شوقاً إليهم، فكان الشوق سبباً للسؤال، وسبباً للبكاء. وهذه فلسفة حسنة، ومذهب من مذاهب أبي تمام، وليس على مذاهب الشعراء ولا طريقتهم، ومثله قوله: تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد ... ودع حسى عين يجتلب ماءه الوجد (٥)

стр. 498

إذا انصرف المحزون قد فل صبره ... سؤال المغاني فالبكاء له رد (١) فالجرع: الموضع من الأرض له ارتفاع، ويقال هو حزن، ويقال هو سهل يشبه الرمل، والجمع: اجراع. وقوله: «فالبكاء له رد»، أي للسؤال، على معنى قوله: * تجد الشوق سائلاً ومجيبا * ولم يسلك البحتري هذه الطريق، بل جرى في هذا الباب على مذاهب الناس فقال: وقفنا على ذات النخيلة فانبرت ... سواكب قد كانت بها العين تبخل (٢) على دارس الآيات عاف تعاقبت ... عليه صباً ما تستفيق وشمأل فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا ... ولا نحن من فرط البكا كيف نسأل (٣) وقول أبي تمام وإن كان فيه دقة وصنعة، فهذا عندي أولى بالجودة، وأحلى في النفس، وألوط بالقلب، وأشبه بمذاهب الشعراء. ومثله في الحسن والجودة والحلاوة قوله: خلفت بعدهم ألاحظ نية ... قذفاً وأنشد دارساً مترسما (٤) طللاً أكفكف فيه دمعاً معرباً ... بجوى واقرأ فيه خطاً أعجما (٥) تأبى رباه أن تجيب ولم يكن ... مستخبر ليجيب حتى يفهما

стр. 499

وقال أبو تمام: قد مررنا بالدار وهي خلاء ... فبكينا طلولها والرسوما (١) وسألنا ربوعها فانصرفنا ... بشفاء وما سألنا حكيما وهذه معنى حسن حلو، ومذهب صحيح قد تقدم الناس فيه. وقال البحتري في مثله أو قريب منه: يا دار لا زالت رباك مجودة ... من كل غادية تعل وتنهل (٢) فهمتنا دول الزمان وصرفه ... وأريتنا كيف الخطوب النزل (٣) أراد تعل الربى وتنهل من كل غادية. وقوله: «فهمتنا دول الزمان وصرفه» مع تمام البيت، وقريب من قول أبي تمام: «فانصرفنا بشفاء»، وإن كان أبو تمام إنما انصرف بشفاء من العلم بأهل الدار أنها منهم مقفرة. والبحتري قد دل على هذا إلا أنه جاء في بيت بأسره، ومعنى أبي تمام جاء به في حكمة واحدة، وأتى بزيادة في غاية الحلاوة والصحة، وهو قوله: «وما سألنا حكيما». ... فأبو تمام في هذا عندي أشعر من البحتري. ... ومما يشبه قول أبي تمام: «فانصرفنا بشفاء»، أو يقاربه قوله:

стр. 500

وأبى المنازل إنها لشجون ... وهلى العجومة إنها لتبين (١) وهذا بيت حسن، وقد ذكرته في الابتداءات (٢). وقد قال مسلم بن الوليد: وقفت على أطلال لهم فكأنها ... تفهم إلا أنها لم تحاور وقال أبو تمام: هل أثر من ديارهم دعس ... حيث تلاقى الأجراع والوعس (٣) مخبر السائل الرذية في الـ ... أطلال أين الجآذر اللعس؟ (٤) لا تسألنها فليس يسمع جرس الـ ... قول غلا شخص له جرس (٥) وهذه أبيات متعسفة، ولفظ غير جيد، ومعنى غير حسن. وقوله: الأجراع والوعس، فالأجراع: جمع جرع، مثل جبل وأجبال، وهو المكان من الأرض الذي فيه حزونة، ويقال بل هي سهلة غير أنها مرتفعة قليلاً، تشبه الرمل في سهولتها، ويقال أيضاً: أجرع وأجارع وجرعاء وجرعاوات وجرع وأجراع.

стр. 501

والوعس: جمع وعساء، مثل حمراء وحمر، وهي: الرملة التي تغوص فيها الرجل، وإذا ذكروا قالوا: أوعس. وقد تصرف البحتري في هذا الباب تصرفاً كثيراً حسناً فقال في قصيدته التي أولها: «هجرت وطيف خيالها لم يهجر»: مستهتر بالظاعنين وفيهم ... صد يضرم لوعة المستهتر (١) يسل المنازل عنهم وعلى اللوى ... دمن دوارس إن تسل لا تخبر (٢) ومن السفاهة أن تظل مكفكفاً ... دمعاً على طلل تأبد مقفر وهذا كلام فحل، ومعان جيدة صحيحة مستقيمة. ومثل هذا في الجودة والبراعة قوله: هويناك من لوم على حب تكتما ... وقصرك نستخبر ربوعاً وأرسما (٣) تحمل منها منجد من خليطهم ... أطاع الهوى حتى تحول منهما (٤) وما في سؤال الدار إدراك حاجة ... إذا استعجمت آياتها أن تكلما قوله: هويناك، تصغير هوينك، والهون: المهل، يقال: سر على مهل، وتكلم على مهل، ويقال للمتكلم: هوناً: أي مهلاً، وهونك: أي مهلك، أي الزم مهلك ولا تعجل. وأراد البحتري ارفق واكفف من لومك، ألا تراه وكد ذلك بقوله: «وصرك نستخبر»، أي أقصر. ووجدت بعضهم يستهجن هذه اللفظة، كأنه كره أن يكون مبتدأ

стр. 502

بها، وليست عندي بمكروهة ولا مستهجنة، وهو ابتداء إن لم يكن من جيد ابتداءاته ونادرها، فليس هذا من رديئها. ووصل هذا بأن قال: نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع ... تلاحقن في أعقاب وصل تصرما وتيمني أن الجوى غير مقصر ... وأن الحمى وصف لمن حل بالحمى فقوله: «نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع»، يعني الدار، بعد قوله: «وما في سؤال الدار إدراك حاجة» لأنه لما لم يجد في سؤالها إدراك حاجة. وهذا قريب من قول أبي تمام: فاسألنها واجعل بكاك جواباً ... تجد الشوق سائلاً ومجيبا (١) وقوله: «وأن الحمى وصف لمن حل بالحمى»، غير جيد، وهو من توليدات المتأخرين، وأصل من أصول أبي تمام التي يعمل عليها. وقوله: «نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع»، خطأ اتبع فيه أبا تمام في قوله: دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة ... فلباه طل الدمع يجري ووابله (٢) وقد شرحت المعنى فيما تقدم (٣). ... وقال البحتري: وبذي الأراكة من مصيف لابس ... نسج الرياح ومربع مهضوب (٤)

стр. 503

دمن لزينب قبل تشريد النوى ... من ذي الأراك بزينب ولعوب تأبي المنازل أن تجيب ومن جوى ... يوم الديار دعوت غير مجيب وهذا من جيد شعره، وبارع ألفاظه، ومتقن معانيه. وقال أيضاً: إذا شئت أجرت أدمعي من شؤؤنها ... ربوع لها بالأبرقين وأرسم (١) وقفت بها والركب شتى سبيلهم ... يفيضون منهم عاذرون ولوم هي الدار إلا أنها لا تكلم ... عفا معلم منها وأقفر معلم تقيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسري إليَّ الشوق من حيث أعلم (٢) وهذه أبيات جياد. وقوله: «عفا معلم منها»، أي انمحى وذهب، «وأقفر معلم»، أي خلا من أهله، وفي هذا سؤال، وهو أن يقال: المعلم الذي عفا هو أيضاً مقفر؛ لأن المقفر: الخالي، فما وجه هذا التقسيم؟ والجواب: ان العافي: هو الذي قد ذهب وفني وعدم، فلا ينسب إلا أنه مقفر؛ لأن المقفر: الخالي، والخالي لا يكون معدوماً. فأراد الحبتري: أن معلماً منها عفا، أي عدم، ومعلماً بقي مقفراً، أي خالياً من أهله، كما يقول القائل في الرجلين: مات أحدهما وأعدم الآخر، فالميت لا يقال له معدم. وقال البحتري: أرسوم دار أم سطور كتاب ... درست بشاشتها على الأحقاب (٣)

стр. 504

يجتاز زائرها بغير لبانة ... ويرد سائلها بغير جواب قوله: «أرسوم دار» من ابتداءاته العجيبة لفظاً ومعنى، وقد ذكرته في بابه من الابتداءات (١). وقوله: «يجتاز زائرها بغير لبانة» أي إذا عرج عليها زائرها في اجتيازه بها فإنه يجتاز، أي يجوزها ويمضي بغير حاجة قضيت له، وأراد: ينصرف عنها بغير لبانة، فجعل في موضع «ينصرف»، «يجتاز». وقال البحتري أيضاً: هب الدار ردت رجع ما أنت قائله ... وأبدى الجواب الربع عما تسائله (٢) أفي ذاك برء من جوى ألهب الحشا ... توقده واستغزر الدمع جائله (٣) وهذا معنى حلو، ومذهب حسن إلا أنه معنى صدر البيت في عجزه، وهذا قبيح من مثله، وجعل البيت الثاني معلقاً بالأول، والعذر له أن يقال: إنه جعل الدار غير الربع. وقال أبو تمام في قصيدته التي أولها: * أي مرعى عين ووادي نسيب * فعليه السلام لا أشرك الأطـ ... لال في لوعتي، ولا في نجيبي (٤) فسواء إجابتي غير داع ... أم دعائي بالقفر غير مجيب (٥)

стр. 505

أخذه البحتري فقال: أصبابة برسوم رامة بعدما ... عرفت معالمها الصبا والشمأل (١) وسألت من لا يستجيب فكنت في اسـ ... تخباره كمجيب من لا يسأل (٢) وبيت أبي تمام أجود. قال أبو تمام: لهم منزل قد كان بالبيض كالدمى ... فصيح المغاني ثم أصبح أعجما (٣) ورد عيون الناظرين مهانة ... وقد كان مما يرجع الطرف مكرما (٤) وهذا في غاية الحسن والحلاوة. وقال البحتري: منازل ما تجيب الصب من خرس ... ولا تريغ غلى شكواه من صمم (٥) أقام ينشد شملاً غير متفق ... من آل ليلى وشعباً غير ملتئم قوله: «ما تجيب الصب من فرس»، أي ما تجيب الصب لخرسها، ولا تريغ إلى شكواه من صمم، أي لصممها. وهذه أيضاً أبيات حلوة، حسنة الغرض.

стр. 506

فهذا ما وجدته لهما في هذا الباب، وهما عندي فيه متكافئان، وأجود من كل ما قالاه من ذلك قول جميل: أصبح الربع من بثينة فيا ... زاده طول ما تأبد عيا وإن ما يبين رجع سؤال ... ولقد يسمع السؤال الخفيا وقال المخبل: وكأنما أثر النعاج بجوها ... بمدافع الركنين ودع جوار وسألتها عن أهلها فوجدتها ... عمياء جافية عن الإخبار وهذا كلام حلو جداً. وقال عوف بن عطية بن الخرع: وقفت بها ما تبين الكلا ... م لسائلها القول إلا سرار (١) أي إنا قد فهمنا عنها وإن لم تجب؛ فجعل ذلك سراراً. وقال ذو الرمة: وقفنا فسلمنا فردت تحيتنا ... علينا ولم ترجع جواب المخاطب (٢) الأصمعي يقول: من سرورنا بها رأينا أنها قد ردت علينا التحية وأجابتنا. وقال غيره: ردت تحية، أي لم تقبلها منا.

стр. 507

باب آخر من وصف الديار وساكنيها وليس تكاد في القطعة التي تشتمل على عدة أبيات، أن تكون سائر أبياتها موافقة في معانيها لسائر أبيات القطعة الأخرى، وإنما يوازن بين بيت وبيت إذا اتفقا، أو بين غرض وغرض إذا تقاربا، وأغراض هذا الباب وهي من جنس واحد وإن اختلفت المعاني. ... قال أبو تمام: قد عهدنا الرسوم وهي عكاظ ... للصبا تزدهيك حسناً وطيبا (١) أكثر الأرض زائراً ومزورا ... وصعوداً من الهوى وصبوبا (٢) وكعاباً كأنما ألبستها ... غفلات الشباب برداً قشيبا بين البين فقدها، قلما تعـ ... رف فقداً للشمس حتى تغيبا قوله: «قد عهدنا الرسوم وهي عكاظ» معنى ليس بالجيد؛ لأنه إنما أراد: قد عهدنا الرسوم وهي معدن للصبا أو مألف أو موطن، فقال: عكاظ، أي سوق للصبا يجلب إليها، ولو قال: «سوق» لكان أجود من قوله: «عكاظ»، وإنما ذهب إلى أن عكاظ من أعظم الأسواق التي تجتمع إليها العرب، وقد كان يكفيه أن يقول: سوق، فيأتي باللفظة المستعملة المعتادة، وإن السوق قد تكون عظيمة آهلة، وعكاظ أيضاً سوق، فما وجه التخصيص في موضع العموم، والعموم أجود وأليق؟ وقد يجوز أن يكون احتذاه على مثال، والرديء لا يعتبر به، وعلى أن الوزن لم يمكنه من سوق.

стр. 508

وقال البحتري: رحل الظاعنون عنك وأبقوا ... في حواشي الأحشاء حزناً مقيما (١) أين تلك الظباء أشبهن في الحسـ ... ن بدوراً وفي البعاد نجوما قد وجدن السلو برداً سلامًا ... إذا وجدنا الهوى عذاباً أليما (٢) وهذا كلام حلو، وغرض حسن. وقوله: «أشبهن في الحسن بدوراً وفي البعاد نجوما» أجود وألطف من قول أبي تمام: «قلما تعرف فقداً للشمس حتى تغيبا» لأنه جمع البدر والنجوم في بيت، وجعل التشبيه بمعنيين مختلفين، وأيضاً فإن أبا تمام لم يصف المرأة في بيته بالحسن، والبيت من أوصاف النساء، ولا يقول مثله عاشق، وإنما يوصف بمثله صديق أو حميمـ فيقال: قد بان علي فقده لما غاب؛ أو يكون وصفاً لملك أو سيد فيقال: غاب فغاب عنا فضله ونائله، وبعد فبعد عنا خيره ومعروفه، كما يبعد ضوء الشمس والانتفاع بها إذا غابت. ألا تراه لو كان مدحاً لرجل حتى يقول: بين البين فقده قلما تعـ ... ـرف فقداً للشمس حتى تغيبا ولو كان من أقبح الناس صورة، بعد أن يكون كريماً جواداً، أو شجاعاً محامياً أن ذلك كان يكون حسناً جميلاً، ومدحاً صحيحاً مستقيماً؟! وقد قال يرثي أسحاق بن أبي ربعي: راحت وفود الأرض عن قبره ... فارغة الأيدي وملأى القلوب (٣) قد علمت ما رزئت إنما ... يعرف فقد الشمس بعد الغروب (٤)

стр. 509

فههنا موضع هذا المعنى لا هناك. ويقال في قول البحتري: «أشبهن في الحسن بدوراً وفي البعاد نجوما»: إن البدر (١) أيضاً لا يوصل إليه، فهو بعيد المنال كبعد النجم، فلم خصَّ النجوم بالبعاد؟. فالجواب: أن العادة لم تجر بأن يقال: أبعد من البدر، وإنما يقال: أبعد من النجم، فجعلهن في الحسن كالبدور، وفي بعد منالهن كالنجوم. وهذا معنى لا مزيد على حسنه وصحته. وإن حملت المعنى على أن البدر ليس ببعيد منا كبعد سائر النجوم، لأن بينه وبينها في البعد مسافة بعيدة، كان ذلك مذهباً صحيحاً وقد استهجن ابن المعتز قوله: «في حواشي الأحشاء» وهو تجنيس إن لم يكن حلواً لائقاً فليس بالهجين ولا الرديء القبيح. ... وقال أبو تمام: لا أنت أنت ولا الديار ديار ... [خف الهوى وتولت الأوطار] (٢) كانت مجاورة الطلول وأهلها ... زمناً عذاب الورد فهي بحار (٣) أيام تدمى عينه تلك الدمى ... فيها وتقمر لبه الأقمار (٤) إذ لا صدوف ولا كنود أسماهما ... كالمعنيين ولا نوار نوار (٥)

стр. 510

بيض فهن إذا رمقن سوافراً ... صور وهن إذا رمقن صوار (١) في حيث يمتهن الحديث لذي الصبا ... وتحصن الأسرار والأسرار (٢) قوله: «لا أنت أنت» لفظ من ألفاظ أهل الحضر، مستهجن وليس بجيد، لكن قوله: «ولا الديار ديار» كلام معروف من كلام العرب، مستعمل حسن أي ليست الديار دياراً كما عهدت، مثل ما يقال في الإيجاب: * إذ الناس ناس والزمان زمان (٣) * أي كما عهدت قال جرير: وكنا عهدنا الدار والدار مرة ... هي الدار إذ حلت بها أم يعمرا (٤) وكما قال ابن حطان في النفي: أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ... ما الناس بعدك يا مرداس بالناس (٥) فبنى أبو تمام على هذا قوله: «لا أنت أنت» أي لست أنت الذي كنت تعهد محباً وامقاً، ذا مقة، أي قد تغيرت وتغيرت الديار. وقوله: «فهي بحار»؛ والبحر: الماء والملح، ويقال: قد أبحر الماء، إذا صار ملحاً. وقوله: «وتحصن الأسرار والأسرار» الأول جمع سر (٧)، يعني النكاح، والثاني يريد الحديث، أي هو محفوظ.

стр. 511

وقوله: «إذ لا صدوف ولا كنود أسماهما كالمعنيين» أي لا تصدف هذه، ولا تكند تلك، أي لا تقطع. «ولا نوار نوار» أي ولا نوار نافر، أي هي آنسة غير نفور من الحديث والأنس، وإنما قال في موضع آخر: * نوافر من سوء كما نفر السرب (١) * لأنه أراد نفورهن من السوء، وهو الريبة. ... وقال البحتري: هذا العقيق وفيه مرأى مونق ... للعين لو كان العقيق عقيقا (٢) أشقيقة العلمين هل من نظرة ... فتبل قلباً للغليل شقيقا (٣) وسمتك أودية السماء بديمة ... تحيي رجاء أو ترد عشيقا (٤) ولئن تناول من بشاشتك الردى ... طرفاً وأوحش أنسك الموموقا (٥) فلرب يوم قد غنينا نجتلي ... مغناك بالرشإ الأنيق أنيقا على البخيلة أن تجود بها النوى ... والدار تجمع شائقاً ومشوقا (٦) قوله: «لو كان العقيق عقيقا» كما عهدت، وهذا مثل قول أبي تمام: «ولا الديار ديار». وبيت البحتري أجود، لأن صدره أحسن معنى من قول أبي تمام: «لا أنت أنت».

стр. 512

وأودية السماء: يريد المدود التي تجرى، والسماء: السحاب، والديمة: المطر يدوم أياماً لا يقلع. وقوله: «تحي رجاء» أي تخصب الموضع، فيعود إليه الظاعنون عنه. وإنما ذهب إلى قول جرير: ألا أيها الوادي الذي ضم سيله ... إلينا نوى ظمياء حييت واديا (١) وهذا من حر الشعر، ورصين المعاني. ... وقال أبو تمام: وعهدي بها إذ ناقض العهد بدرها ... مراح الهوى فيها ومسرحه الخصب (٢) مؤزرة من صنعة الوبل والندى ... بوشي ولا وشي وعصب ولا عصب (٣) تحير في آرامها الحسن فاغتدت ... قرارة من يصبى ونجعة من يصبو (٤) سواكن في بر كما سكن الدمى ... نوافر من سوء كما نفر السرب كواعب أتراب لغيداء أصبحت ... وليس لها في الحسن شكل ولا ترب لها منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب (٥)

стр. 513

يظل سراة القوم مثنى وموحداً ... نشاوى بعينيها كأنهم شرب (١) قوله: «مراح الهوى فيها ومسرحه الخصب» أي الهوى مخصب فيها لكثرة الحسن بها في مراحه ومسرحه. وقد يكون أراد خصب النبات لأنه قال بعده: «مؤزرة من صنعة الوبل والندى». والمعنى الأول أجود وألطف، ولا يكون هذا البيت متعلقاً بما قبله. وقوله: تحير في آرامها الحسن فاغتدت ... قرارة من يصبى ونجعة من يصبو فإنه من حلو الكلام. وقوله: «سواكن في بر كما سكن الدمى» فالدمى: الصور، جمع دمية، أي هن سواكن في بر، أي في صلاح، كما سكن الصور، لأن الصور سواكن بلا حركة، كأنه ينسبهن إلى الوقار وقلة الأسر، وهذه صفة العفائف من النساء. وقوله: «نوافر من سوء كما نفر السرب» فالسرب: الجماعة من الظباء والقطا، ومن بقر الوحش أيضاً إلا أن المستعمل في بقر الوحش، والمستعمل في الربرب (٢). وقوله: «أتراب الغيداء» أي أتراب لها سنيها، وليس لها في الحسن ترب. وقوله: «يروح ويغدو في خفارته الحب» أي لا يلحق الحب معه آفة من ثلم ولا نقص ولا تغير ولا ضعف، وهذه كلها معان حسنة متقنة، وألفاظ

стр. 514

بارعة فصيحة، إلا البيتين الأولين، فإن فيهما اضطراباً، والبدر أيضاً ليس هذا موضعه، وإنما يحسن ذكر البدر في مثل هذا إذا كان في الكلام ذكر لسماء أو نجوم أو ليل. لو قال: «إذ ناقض العهد ريمها» كان أشبه وأليق. وقد قال البحتري في مثل هذا، ولكنه فيه أعذر من أبي تمام، وذلك قوله: ربع خلا من بدره مغناه ... ربحت به عين المهى الأشباه أراد أن ربع المرأة خلا منها، وخلفتها العين التي هي أشباه يشبه بعضها بعضاً، وباعد المرأة من شبهها فجعلها بدراً، أي أخلى الربع من هو كالبدر، وخلفته العين، كأنه يخسس أمرها، كما يقال: انظروا من بقي ومن مضى، فاحتاج البحتري إلى ذكر البدر [أكثر] (١) من حاجة أبي تمام إليه في قوله: «وعهدي بها إذ ناقض العهد بدرها». وأحسن من هذا وأجود لفظاً ومعنى قول البحتري [أيضاً] (١): وعهدي بها من قبل أن يحكم النوى ... على عينها ألا تذم عهودها (٢) بعيدة ما بين المحبين والجوى ... ومجموعة غيد الليالي وغيدها (٣) قوله: ومجموعة غيد الليالي وغيدها، لفظ ومعنى ما لحسنها نهاية. وإنما أخذ المعنى من قول أبي تمام: كواعب زارت في ليال قصيرة ... يخيلن لي من حسنهن كواعبا (٤)

стр. 515

وبيت البحتري أجود لفظاً، وأحلى سبكاً. وقال أبو تمام: أزعمت أن الربع ليس يتيم ... والدمع في دمن لا يسجم (١) يا موسم اللذات غالتك النوى ... بعدي فربعك للصبابة مواسم ولقد أراك من الكواعب كاسباً ... فاليوم أنت من الكواعب محرم لحظت بشاشتك الحوادث لحظة ... ما زلت أعلم أنها لا تسلم وهذا كله جيد، ويأتي بعد هذه الأبيات ما هو جيد نادر، ورديء ساقط. وقد ذكرت ذلك في باب الغزاء في أوصاف النساء. وقوله: «أزعمت أن الدمع ليس يتيم» معنى حسن، وقد أورده البحتري أحسن من هذا الإيراد (٢) وألطف، فقال وهو من إحسانه المشهور: لقينا باللوى فكأنما ... لقينا الغواني الآنسات عواطلا (٣) وقتل المحبين العيون ولم أكن ... أظن الرسوم الدارسات قواتلا هواجر شوق لو تشاء يد النوى ... لجادت بمن تهوى فعادت أصائلا (٤) ومذهب حب لم أجد عنه مذهباً ... وشاغل بث لم أجد عنه شاغلا وهذا الذي طلبته الشعراء، فأعجزها إدراكه. ... وقال وقال أبو تمام: طلل وقفت عليه أسأله إلى ... أن كاد يصبح ربعه لي مسجدا (٥)

стр. 516

وظللت أنشده وأنشد أهله ... والحزن خدني ناشداً أو منشدا (١) سقياً لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبي للصبابة معهدا قوله: «إلى أن كاد يصبح ربعه لي مسجداً» كأنه أراد أن يؤكد طول وقوفه في الربع، كما يقف المصلى في المسجد، وربما أطال الوقوف. وقوله: «وظللت أنشده» أي أعرفه أصحابي، وأقول: هذا هو الربع أو الطلل، يقال: أنشدت الضالة بالألف: إذ عرفتها، ونشدتها: إذا طلبتها، فقوله: «أنشد أهله» أي أطلبهم كما يطلب الناشد ضالته. والحزن خدني، أي صاحبي في الحالين. وهذه أبيات لا حلاوة لها، ولا طلاوة عليها، ولكن الحلو العذب على هذا الوزن قول البحتري: عهدب بربعك للغواني معهدا ... نضبت بشاشة أنسه فتأبدا (٢) بخلت جفون لم تعرك دموعها ... وقسا فؤاد لم يبت بك مقصدا ما هاج لي نوح الحمام وما دعا ... من صبوتي وصبابتي إذ غردا ... وقال أبو تمام: ولقد سلوت لو أن داراً لم تلح ... وحلمت لو أن الهوى لم يجهل (٣) ولطالما أمسى فؤادك منزلا ... ومحله لظباء ذاك المنزل (٤) إذ فيه مثل المطفل الظمأى الحشا ... رعت الخريف وما القتول بمطفل (٥)

стр. 517

وقال أبو تمام يصف المنزل أيضاً: ولئن نوى بك ملقياً أجرامه ... ضيف الخطوب لقد أصاب مضيفا (١) وهي الفجائع لم تزل نكباتها ... يألفن ربع المنزل المألوفا خلفت بعقوتك السنون وطالما ... كانت بنات الدهر عنك خلوفا أيام لا تسطو بأهلك نكبة ... إلا تراجع صرفها مصروفا (٢) وإذا رمتك الحادثات بلحظها ... ردت ظباؤك طرفها مطروفا وقال أبو تمام أيضاً: سلم على الربع من سلمى بذي سلم ... عليه وسم من الأيام والقدم (٣) ما دام عيش لبسناه لساكنه ... لدنا ولو أن عيشاً دام لم يدم (٤) يا منزلاً أعنقت فيه الجنوب على ... رسم محيل وشعب غير ملتئم هرمت بعدي والربع الذي أفلت ... منه بدورك معذور على الهرم عهدي بمغناك حسان المعالم من ... حسانة الورد والبردي والعنم (٥) بيضاء كان لها من غيرنا حرم ... فلم نكن نستحل الصيد في الحرم كانت لنا صنماً نحنوا عليه ولم ... نسجد كما سجد الأفشين للصنم قوله: «لو أن عيشاً دام لم يدم» أي لو دام مدة من المدد أو دهراً من الدهور لم يدم، أي لا نقطع ونفد، ولم يكن بد من أن يتصرم، وقوله:

стр. 518

«هرمت بعدي» كلام رذل سخيف، قد عابه الناس فيما عابوه من ألفاظه. وقوله: «حسانة الورد»، يريد الخد. والبردي: يريد الساق، وإنما يعني أصول البردي، وهو أبيض غض أملس، يشبه به الساق، والعنم: نبت له أغصان دقاق، تشبه بها الأصابع. وقوله: «بيضاء كان لها من غيرنا حرم» فالحرم: هو المكان الذي قد حرم أن يصاد فيه صيد، فهو حرز له وملجأ، يريد به زوج المرأة، أي كان لها حرم من غيرنا، ولم نكن نحن حرمها. ويروى: «كان لنا من غيرها حرم» يريد: كانت لنا زوجة هي حرمنا، فلم نكن نستحل معها غيرها أو لم نكن نستجيز خيانتها، كما قالت ليلى الأخيلية: لنا صاحب ما نبتغي أن نخونه ... وأنت لأخرى صاحب وخليل (١) وقوله: «كانت لنا صنماً» أراد أن يقول: نعكف عليه، فلم يستقم له، فقال: نحنوا عليه، وهي لفظة غير مستعملة في هذا الموضع، وإن كان لها اقتراب من «نعكف» ومشاركة. وقوله: «ولم نسجد» معنى رديء لا يليق بالمكان، وإنما كان يجب أن يقول: ولو جاز السجود لسجدنا، حتى يكون قد وفى الحب حقه، واستعمل المعنى المعتاد في مثل هذا، وإلا فأي فائدة في أن يقول القائل في شعره: قد أحببت ولكن لم أجعل محبوبي رباً أعبده، وهويت ولكن لم أجن جنون قيس بن معاذ العامري؟ لأن من شأن العاشق أن يشكو ما يمر به ويقاسيه،

стр. 519

ويكذب في أكثر أحواله تقرباً إلى محبوبه، فأما أن يركب مثل هذا المعنى فلا، وقد يجوز أن يقول قائل: إذا أراد عذل محب آخر ليقصر. وإنما قصد أبو تمام ذكر الأفشين، فخرج في المعنى عن العادة وجاء بما لا فائدة فيه. ... وقال أبو تمام: عفت أربع الحلات للأربع الملد ... لكل هضيم الكشح مغربة القد (١) لسلمى سلامان وعمرة عامر ... وهند بني هند وسعدى بني سعد (٢) ديار أراقت كل عين شحيحة ... وأوطأت الأحزان كل حشأ صلد (٣) فلا تسألاني عن هوى قد طعمتما ... جواه فليس الوجد إلا من الوجد (٤) قوله: «أربع الحلات» يريد جمع حلة، وهي المنزل الذي يحلونه (٥). وقوله: «للأربع الملد» أي للأربع من النساء الملد، وهن الغضات النواعم، ومنه قولهم: غصن أملود: إذ كان كذلك، وهذا لفظ لا حلاوة له، وقد مضى التفسير عند ذكر هذا البيت في الابتداءات (٦).

стр. 520

وقوله: فليس الوجد إلا من الوجد أي من الوجد الذي تعرفانه. ... ومن جيد هذا الباب ونادره، قول البحتري: نعم قد تشاكينا على الشعب ساعة ... ومن دونه شعب لليلى مفرق (١) على دمنة فيها لأدمانة النقا ... محاسن أيام تحب وتعشق (٢) وقفت وأوقفت الجوى موقف الهوى ... ليالي عود الدهر فينان مورق (٣) فحرك بثي ربعها وهو ساكن ... وجدد وجدي رسمها وهو مخلق (٤) قوله: «فحرك بثي ربعها وهو ساكن وجدد. . . .» معنى مقول، أخذه من قول الموبذ في كسرى عند وفاته: حركنا بسكونه، ويقال: قيلت للإسكندر، وأخذه أبو العتاهية، فقال: قد لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحركتني لها وسكنتا (٥) ... وقال أبو تمام: لو أن دهراً رد رجع جواب ... أو كف من شأويه طول عتاب (٦) لعذلته في دمنتين بأمره ... ممحوتين لزينب ورباب (٧)

стр. 521

ثنتين كالقمرين حف سناهما ... بكواعب مثل الدمى أتراب (١) من كل ريم لم ترم سوءاً ولم ... تخلط صبا أيامها بنصاب قوله: «لعذلته في دمنتين» معنى سخيف، وإبداع غير حسن ولا جميل. وقد اعتذر أبو نواس إلى الربع (٢): بأنه لم يقدر على دفع ضرر البلى والدروس عنه، وأنه لا يدري ما يقول في ذلك لسعاد؛ فجاءنا بآبدة أخرى ظريفة عجيبة، وقد رأيت غير واحد من الشيوخ يستحسنه لغرابة معناه. وذلك قوله: أربع البلى إن الخشوع لبادي ... عليك وإني لم أخنك ودادي (٣) فمعذرة مني إليك بأن ترى ... رهينة أرماس وصون عواد (٤) ولم أدرأ الضراء عنك بحيلة ... فما أنا منها قائل لسعاد وهذا ليس على طريقة العرب ولا مذاهبهم، وإذا اعتمد الشاعر الإبداع فمن سبيله ألا يخرج عن سنن القوم، فإنه لم يخطر [فيه] (٥) عليه مستغرب المعاني ومستظرفها. وما أحسن المعنى الصحيح إذا أتى به الطبع النقي، وكان قائله مخبراً بالأمر على ما هو، وذلك نحو قول البحتري: وما أعرف الأطلال من بطن توضح ... لطول تعفيها ولكن إخالها (٦)

стр. 522

إذا قلت: أنسى دار ليلى على البلى ... تصور في أقصى ضميري مثالها (١) وكنت أرجي وصلها عند هجرها ... فقد بان مني هجرها ووصالها فلا عهد إلا أن يعاود ذكرها ... ولا وصل إلا أن يطيف خيالها (٢) وهذا هو الشعر الذي لم تشن وجهه الاستعارة البعيدة، ولا المعنى المتمحل. وقال الحارث بن خالد المخزومي في ضد قول البحتري: «وما أعرف الأطلال» وأحسن كل الإحسان، وأبدع وأغرب، وذلك قوله: عفت الديار فما بها أهل ... أجراعها ودماثها السهل (٣) أني وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تؤودها العقل لو بدلت أعلى منازلها ... سفلاً وأصبح سفلها يعلو لعرفت مغناها احتملت ... مني الضلوع لأهلها قبل ويكاد يعرفها الخبير بها ... فيرده الإقواء والمحل (٤) ... وأقول الآن في الموازنة: إن أهل الصنعة يفضلون كل ما قاله أبو تمام على أكثر ما قاله البحتري في هذا الباب، ويقولون: إن أبا تمام استقصى الوصف في نعوت النساء، وأحسن وأجاد. وقد كان ذاك لعمري (٥) مع ما فيه من الإساءات والألفاظ الرديئة التي ذكرتها.

стр. 523

والمطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عندهم من جهة استقصاء المعاني والإغراق في الوصف؛ وإنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني، وأخذ العفو منها، كما كانت الأوائل تفعل، مع جودة السبك، وقرب المأتى. والقول في هذا قولهم، وإليه أذهب, إلا أني أجعلهما في هذا الباب متكافئين، لكثرة إحسان أبي تمام فيه.

стр. 524

الدعاء للديار بالسقيا والخصب والنبات قال أبو تمام: سقى ربعهم لا بل سقى منتواهم ... من الأرض أخلاق السحاب الحواشك (١) وألبسهم عصب الربيع ووشيه ... ويمنته نبت الثرى المتلاجك (٢) إذا غازل الروض الغزالة نشرت ... زرابي في أكناحهم ودرانك (٣) إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه ... مضت حقبة له وهو حائك (٤) قوله: «حواشك» جمع حاشكة، وهي الناقة التي قد اجتمع لبنها في خلفها شبه السحاب بها، والحشك: اسم الدرة (٥) المجتمعة. والمتلاحك: الذي قد تكاثف وتداخل بعضه في بعض، من الملاحكة في البناء ونحوه. وقوله: «حقبة حرس» في غاية الرداءة؛ لأن الحقبة، السنة: وجمعها حقب. والحرس: الدهر، وذكر السنة مع الدهر جهل بموضوعات الكلام، وخروج عن العادات، ومتى سمع أحداً يقول: ما رأيته مذ سنة دهراً، وقد مضى له سنة دهر ما يكلمنا؟ فأما جعله الغيث كأنه كان حائكاً، فمن مضاحيك معانيه وألفاظه.

стр. 525

وقال البحتري: أسقى ديارك والسقيا يقل لها ... إغزار كل ملث الودق ثجاج (١) يلقى على الأرض من حلي ومن حلل ... ما يمنع العين حسن وإبهاج فصاغ ما صاغ من تبر ومن ورق ... وحاك ما حاك من وشي وديباج فصوغ الغيث [النبت] (٢) وحوكه للنبات ليس باستعارة، بل هو حقيقة، ولكن يقال: هو صائغ، ولا كأنه صائغ، وكذلك لا يقال: حائك، وعلى أن لفظة حائك خاصة في غاية الركاكة إذا خرجت على ما جاء به أبو تمام. وقال البحتري: فسقاهم وإن أطالت نواهم ... خلفة الدهر ليله ونهاره (٣) كل جون إذا ارتقى البرق فيه ... أوقدت للعيون بالماء ناره إن أقام ارتوى الظماء وإن سا ... رت أقامت أنيقة آثاره باتفاق من خضرة الروض نضر ... واختلاف يجده نواره كسفور الفتاة عن حسن خد ... يتكافا ابيضاضه واحمراره (٤) وهذا كله جيد، حسن لفظه ومعناه. وقوله: «يتكافى ابيضاضه واحمراره» ما لحسنه نهاية. وقال أيضاً يصف آثار الغيث، وليس بدعاء للدار بالسقيا (٥):

стр. 526

دمن تناهب رسمها حتى عفا ... منها تعاقب رائح بقطاره (١) باتت وبات البرق يمري عوذه ... فيها وينتج مثقلات عشاره فالأرض من نسج النبات مجدة ... أثوابها والروض من نواره (٢) وهذا أيضاً حلو، حسن لفظه ومعناه. وقوله: «وبات البرق يمري»: أي يستخرج ماءها، والعوذ: الحديثات النتاج، شبه السحائب بها. والعشار: التي قد أتى لحملها عشرة أشهر، وإذا وضعت فهي أيضاً عشار، لا يزول عنها الاسم. ... وقال أبو تمام يصف آثار الغيث: دوارس لم يجف الربيع ربوعها ... ولامر في أغفالها وهو غافل (٣) فقد سحبت فيها السحاب ذيولها ... وقد أخملت بالنور منها الخمائل (٤) ... وقال البحتري: يا دمنة جاذبتها الريح بهجتها ... تبيت تنشرها عنها وتطويها (٥) لا زلت في حلل للغيث ضافية ... ينيرها البرق أحياناً ويسديها (٦) تروح بالوابل الداني روائحها ... على ربوعك أو تغدو غواديها روائحها: يعني السحاب، وهذا أيضاً جيد بالغ.

стр. 527

وقال أبو تمام: لا مر يوم واحد إلا وفي ... أحشائه لمحلتيك غمام (١) حتى تعمم صلع هامات الربا ... من نوره وتأزر الأهضام (٢) فالأهضام: ما انخفض من الأرض، جمع هضم. وقوله: «حتى تعمم صلع هامات الربا» أخذه من قول الراجز وأنشده يعقوب بن السكيت وغيره: قد أصبحت العقدة صلعاء اللمم ... وأصبح الأسود مخصوباً بدم (٣) فالعقدة: موضع ذو شجر لا ينتفي فيذهب. واللمم، وهي الجمام (٤) جمع لمة، فجعله مثلاً لرؤوس النبت إذا أكلته الإبل فصارت لممه صلعا. والأسود: الحية تطؤه الإبل فتقتله. ... وقال البحتري: إذا الغمام حداه البارق الساري ... وانهل في ديمة وطفاء مدرار (٥) وخيل إشراقه طوراً وظلمته ... ما حاك من نمطي روض ونوار (٦) فجاد أرضك في غرب السماوة من ... أرض ودارك بالعلياء من دار (٧)

стр. 528

وهذا معنى في غاية اللطافة والحسن، وكثرة الماء. وقال البحتري: قسم الصبابة فرقتين فشوقه ... للظاعنين ودمعه للنزل (١) متقسم الأحشاء يندب أربعاً ... متقسمات للصبا والشمأل (٢) حطت على تلك الأجارع والربى ... منهن أعباء السحاب المثقل (٣) وغدا الربيع ينمنم روضه ... ضربين بين معمد ومهلل (٤) معمد: مثل العمد، ومهلل: مثل الأهلة. ... وقال أبو تمام: أسقى ديارهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم (٥) جادت معاهدهم عهاد سحابة ... ما عهدها عند الديار ذميم ولأبي تمام في الدعاء للديار بالسقيا، أبيات كثيرة في قصيدته التي أولها: * إن بكاء في الديار من أربه (٦) * تفاصح فيها وتبادي، وهي كزه قليلة الحلاوة، لم أكتب منها شيئاً. ... وقال البحتري: إذا تحمل من تهامة بارق ... لجب يسير مع الجنوب زحوفه (٧)

стр. 529

صخب الرواح إذا تصوب مزنه ... ذعر الأجادل في السماء حفيفه فسقى اللوى، لا بل سقى عهد اللوى ... أيام نرتبع اللوى ونصيفه (١) الأجادل: الصقور. وهذا جيد، بالغ لفظه وسبكه معناه. وقال البحتري أيضاً: إلمامة بالدار [إن] متيماً ... يكفيه أكثر شوقه إلمامه (٢) أمسى يضرم في جوانحه الجوى ... برق يشب مع العشي ضرامه سقى اللقى حوذانه وعراره ... وسياله وأراكه وبشامه (٣) فلرب عيش باللوى لم تستزد ... حسناً لياليه ولا أيامه وهذا لا مزيد على براعة لفظه، وجودة سبكه، وكثرة مائه. وقال أيضاً: أدارهم الأولى بدارة جلجل ... سقاك الحيا روحاته وبواكره وجاءك يحكي يوسف بن محمد ... فروتك رياه وجادك ماطره (٤) وهذا أحسن ما يكون من المدح، ويسمى (٥) الاستطراد، وقد ذكر أبا سعيد محمد بن يوسف في غير موضع، على هذا المعنى ونحوه يتسبب [إلى مدحه] (٦) في مدائح غيره.

стр. 530

وقال أيضاً: أود لها سقيا السحاب ومحوها ... بسقيا السحاب حين يصدق خالها (١) محلتنا والعيش غض نباته ... وأفنية الأيام خضر ظلالها وهذا معنى حسن صحيح. يا عارضاً متلفعاً ببروده ... يختال بين بروقه ورعوده (٢) لو شئت عدت بلاد نجد عودة ... فنزلت بين عقيقه وزروده لتجود في ربع بمنعرج اللوى ... قفر تبدل وحشه من غده وقال أيضاً: سألت الغوادي ملحفاً في سؤالها ... وناشدتها في سقي برقة ثهمد منازل ما أبقى من عراصها ... سوى أرسم معفوة الآي همد (٣) معاهد من خود تناصر حسنها ... تناصر ضوء الكوكب المتوقد (٤) تثنى على لحظ العيون إذا مشت ... تثنى غصن البانة المتأود (٥) وهذا كله جيد لفظاً ومعنى. وقال أيضاً: أناشد الغيث كي تهمي غواديه ... على العقيق وإن أثوت مغانيه (٦) على محل أرى الأيام تضحك عن ... أيامه والليالي عن لياليه
следующие страницы →