← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ما جاء عنهما في ترك البكاء على الديار والنهي عنه قال أبو تمام: إن كان مسعود سقى أطلالهم ... سبل الشئون فلست من مسعود (١) ظعنوا فكان بكاي حولاً بعدهم ... ثم ارعويت، وذاك حكم لبيد أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدمع إن تزداد طول وقود قوله: إن كان مسعود، يعني مسعوداً أخا ذي الرمة، ولا يعرف له بيت واحد بكى فيه على الديار، وهذا من معاني أبي تمام الغامضة التي يسأل عنها. وما زلت أرى الناس قديماً يخبطون فيه، وإنما ذكر مسعوداً: لأنه كان ينهى ذا الرمة عن البكاء على الديار، وذلك قول ذي الرمة: عشية مسعود يقول وقد جرى ... على لحيتي من واكف الدمع قاطر (٢) أفي الدار تبكي إذ بكيت صبابة ... وأنت امرؤ قد حلمتك المعاشر فأراد أبو تمام إن كان مسعود الذي أنكر على ذي الرمة البكاء ونهاه عنه، قد رأى أن البكاء أحسن بعد أن كان عنده غير حسن، فلست منه، وذلك كقول القائل: إن كان حاتم قد شح فلست منه، أي إن كان بعد كرمه وجوده قد رأى أن البخل حسن، فلست مقتدياً به. وكأن هذا عند أبي تمام أبلغ من أن يقول: إن كان غيلان سقى أطلالهم -يعني ذا الرمة- فلست منه.

стр. 562

وهذا أيضاً من استقصاء أبي تمام، ومبالغته في المعاني التي يخرجها إلى التعمية والانغلاق. وقوله: «وذاك حكم لبيد» يريد قول لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر (١) وقوله: أجدر بجمرة لوعة أطفاؤها ... بالدمع أن تزداد طول وقود غلط بين؛ لأنه أتى فيه بما يخالف مذهب أهل الجاهلية والإسلام، والأمم كلها؛ لأنهم مجمعون على أن البكاء راحة من الكرب، وتبريداً لحرارة الحزن، وتخفيفاً من لاعج المصيبة، و «طول خمود» أولى بالصواب من «طول وقود» لو كان بنى المعنى عليه وقد ذكرت هذا في أغاليطه (٢). وقال أبو تمام: فعليه السلام لا أشرك الأطـ ... ـلال في لوعتي، ولا في نحيبي فسواء إجابتي غير داع ... ودعائي بالقفر غير مجيب قوله: «لا أشرك الأطلال في لوعتي» أي أجعل ذلك خالصاً لأحبتي، أي لا أقول كما قال امرؤ القيس: * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * فاستوقف ليبكي على الحبيب والمنزل معاً. وقوله: «فسواء إجابتي» معنى لطيف، وقد ذكرته في «باب استعجام الديار عن الجواب»، وبيت البحتري حذا على حذوه (٣).

стр. 563

قال البحتري: يسل المنازل عنهم وعلى اللوى ... دمن دوارس إن تسل لا تخبر (١) ومن السفاهة أن تظل مكفكفاً ... دمعاً على طلل تأبد مقفر وقال البحتري: ما بكينا على زرود ولـ ... ـكنا بكينا أيامنا في زرود (٢) وهذا حسن، وأحسن منه وأحلى وأعذب قول كثير: وما رباع الدار يا أم مالك ... ولا بالطلول الدارسات أهيم هي الدار وحشاً غير أن قد يحلها ... ويغنى بها شخص علي كريم ... وقال البحتري: لا تقف بي على الديار فإني ... لست من أربع ورسم محيل (٣) في بكاء على الأحبة شغل ... لأخي الحب عن بكاء الطلول وهذا مذهب قد تقدم الناس أيضاً فيه، إلا أن البكاء على الديار هو المذهب الأقدم، والأعم الأشهر، قال امرؤ القيس: * قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * فجعل البكاء للحبيب والمنزل جميعاً، والرواة تزعم أن هذا البيت أحسن ابتداءات العرب وأبرعها وأجمعها لعدة معان في لفظ قليل، واتبعته الشعراء على هذا، وأكثروا فيه القول.

стр. 564

وعلى هذا المعنى حذا البحتري قوله: عرجوا فالدموع إن أبك في الربـ ... ـع دموعي والاكتئاب اكتئابي (١) وكمثل الأحباب لو يعلم العا ... ذل عندي منازل الأحباب وكانوا يرون الوقوف على الديار من الفتوة والمروءة وكرم العهد، ولذلك قال أبو تمام: أمواقف الفتيان تطوى لم تزر ... شرفاً، ولم تندب لهن صعيدا (٢) أذكرتنا الملك المضلل في الهوى ... والأعشيين وطرفة ولبيدا (٣) حلوا بها عقد النسيب ونمنموا ... من وشيها رجزاً بها وقصيدا (٤) قوله: «لم تزر شرفاً» يريد ارتفاعاً، «ولم تندب لهن صعيداً» أراد انخفاضاً وهبوطاً فلم يستقم له ذاك فقال: «صعيدا» لأن الصعيد التراب. وهو يكون في أغواط الأرض، وما اطمأن منها أكثر منه فيما علا وارتفع. تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله: «ذكر الفراق والوداع والترحل عن الديار والبكاء على الظاعنين»

стр. 565

ذكر الفراق والوداع والترحل عن الديار والبكاء على الظاعنين ... وأفتتح ذلك بما جاء عنهما من الابتداءات في هذه المعاني، وأبوبها أبواباً، لتصح الموازنة بينهما. ما قالاه في البكاء على الظاعني ن ... قال أبو تمام: يا بعد غاية دمع العين إذ بعدوا ... هي الصبابة طول الدهر والكمد (١) هذا أجود ابتداءاته في هذا المعنى، وأبلغها. وأجود منه وأحلى قول البحتري: قلب مشوق عناه البث والكمد ... ومقلة تبذل الدمع الذي تجد (٢) قوله: «تبذل الدمع الذي تجد» معنى ما لحسنه نهاية، ولفظ في غاية البراعة والحلاوة. وقال أبو تمام: هي فرقة من صاحب لك ماجد ... فغدا إذابة كل دمع جامد (٣) وهذا ابتداء جيد.

стр. 566

وقال البحتري: رحلوا فأية عبرة لم تسكب ... أسفاً، وأي عزيمة لم تغلب (١) هذا أيضاً ابتداء جيد حسن. وقال أيضاً: أكنت معنفي يوم الرحيل ... وقد لجت دموعي في الهمول (٢) وقال أيضاً: إن سير الخليط يوم استقلا ... كان عوناً للدمع حين تولى (٣) وقال أيضاً: لم تبلغ الحق، ولم تنصف ... عين رأت بيناً فلم تذرف (٤) وهذه كلها ابتداءات جيدة، عذبة، شهية. وقال أيضاً: دع دموعي في ذلك الاشتياق ... تتناجى بذكر يوم الفراق (٥) وهذا بيت رديء، قد عابه «ابن المعتز» وقال: ما أقبح قوله: «في ذلك الاشتياق»، وهي -لعمري- قبيحة، ولا أعرف له مثلها.

стр. 567

ما لأبي تمام في البكاء على النساء المفارقات ... قال أبو تمام: سرت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وعاد قتادًا كل مرقد (١) قوله: «سرت» يريد أنها سهرت فكأنها قطعت الليل بالسهر، مستجيرة بالدمع، تبكي ليلها أجمع، ولم يرد أنها سارت ليلاً، فجعل سهرها سرى، وفسر ذلك بقوله: «وعاد قتاداً عندها كل مرقد». وهذا ابتداء ليس من جيد الابتداءات، ولا من رديئها. وقال أيضاً: بدلت عبرة من الإيماض ... يوم شدوا الرحال بالأغراض (٢) «الإيماض» أراد تبسمها وبريق (٣) ثغرها، جعله مثل وميض البرق. يريد أنها بدلت من الضحك البكاء لما استعدوا للرحيل. وهذا بتداء جيد. وقد عابه «ابن عمار» وغيره لقوله: «الأغراض»، ولحنوه، وقالوا: الأغراض جمع غرض، وفعل لا يجمع على أفعال. أفما (٤) سمعوا بقولهم: فرخ وأفراخ، وفرد وأفراد، وشكل وأشكال، وجفن وأجفان، وعصر وأعصار، وزند وأزناد؟!.

стр. 568

وقول الأعشى: * وزندك أثقب أزنادها (١) * وقولهم أيضًا: شرط وأشراط، وقول الله تعالى: «فقد جاء أشراطها» (٢) فقد نطقت العرب بهذا الجمع بعينه، قال الراجز في وصف الإبل: حتى إذا ما قلقت أغراضها ... ونصحت بمائها أعراضها وقال غيلان بن حريث الربعي: بكل سام في الزمام نهاض ... خيسة بالذل روض الرواض (٣) في قلص تمطو سفيف: نسيج، والأغراض: جمع غرض، وهو للبعير مثل الحزام للفرس. وأنشدنا الأخفش لرجل من طيء: إذا العيس أضحت بالفلاة كأنها ... وقد قلقت أغراضهن جفون ومثله في الشعر -إذا تتبعته- كثير. ... وقال أبو تمام: بسطت إليك بنانة أسروعا ... تصف الفراق، ومقلة ينبوعا (٥) وهذا ابتداء ليس بالجيد، ولا بالرديء. والأسروع: دويبة ناعمة تكون في الرمل تشبه بها أصابع النساء.

стр. 569

وقال أيضاً: نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل المغرم (١) وقال أيضاً: أظن دموعها سنن الفريد ... وهي سلكاه من نحر وجيد (٢) وهذان ابتداءان جيدان. ... وقال: ذريني منك سافحة المآقي ... ومن سرعان عبرتك المراق (٣) وهذا قول فيه جفاء. ووجدت الناس يستحسنون قوله: خذي عبرات عينك عن زماعي ... وصوني ما أزلت من القناع (٤) زماعه: إزماعه الرحيل، يقال: أزمع يزمع. وقوله: «وصوني ما أزلت من القناع» لأنها برزت عند الفراق جزعاً، وكشفت القناع.

стр. 570

ومن ابتداآتهما من باب الفراف في معانٍ شتى ... ١ - قال أبو تمام: سعدت غربة النوى بسعاد ... فهي طوع الإتهام والإنجاد (١) ٢ - وقال أيضاً: ألا صنع البين الذي هو صانع ... فإن تك مجزاعاً فما البين جازع (٢) وهذا ابتداء صالح. وقال أيضاً: أصغى إلى البين مغتراً فلا جرما ... أن النوى أسأرت في عقله لمما (٣) قوله: أصغى إلى البين، أي سمع (٤) ما أخبروه به من ذكر الفرقة فغير ذلك من عقله، ويريد باللمم: الجنون. وقد أوضح هذا المعنى في البيت التالي، وهو قوله: أصمني سرهم أيام فرقتهم ... هل كنت تعرف سراً يورث الصمما أي صرت لا أفهم شيئاً بعد ذلك السر الذي دلهني، وأطار (٥) عقلي، فكأني أصم عن كل قيل.

стр. 571

وهذا المعنى ليس من اختراعاته، وقد ذكرته في سرقاته، وما جاء في معناه لغير واحد من الشعراء. وقال: أهلوك أضحوا راحلاً ومقوضا ... ومزمماً يصف النوى ومغرضا (١) المقوض: الذي يقوض البيوت، ويقتلعها للرحيل (٢)، ومزمماً يصف النوى: الذي يزمم الإبل والأزمة، [والمغرض] (٣) يشدها بالغرض. وهو كالحزام للفرس. وهذا ابتداء صالح. وقال أيضاً: تحمل عنه الصبر يوم تحملوا ... وعادت صباه في الصبا وهي شمأل (٤) قال ذلك لأن الصبا: ريح تحبها العرب محبتها للجنوب؛ لأنها ريح لينة عذبة، وقد تجلب المطر في بعض أقطار الأرض كما تجلبه الجنوب، قال امرؤ القيس: راح تمريه الصبا ثم انتحى ... منه شؤبوب جنوب منفجره (٥) فأراد أن صباه -أي ريحه في الصبا التي كانت تولف له ما يهواه ويحبه مع من يحبه- عادت شمالاً؛ لأن الشمال في أكثر نواحي الأرض لا تولف السحاب؛ بل تمحقه وتشينه، كما قال:

стр. 572

لعمري لئن ريح المودة أصبحت ... شمالاً لقدماً كنت وهي جنوب وقال أبو تمام: تصدت وحبل البين مستحصد شزر ... وقد سهل التوديع ما وعر الهجر (١) تصدت: أي بدت، وظهرت، ومستحصد: شديد الفتل، والشزر (٢): الفتل إلى فوق، واليسر: الفتل إلى أسفل. وقوله: «وقد سهل التوديع ما وعر الهجر» يريد أنها كانت هاجرة فبرزت عند التوديع. وقال أيضاً: مالي بعادية الأيام من قبل ... لم يثن كيد النوى كيدي ولا حيلي (٣) وهذا من جيد ابتداآت هذا الباب. ... وقال البحتري: راجع القلب بثه وخباله ... لخليط زمت لبين جماله (٤) وقال أيضاً: له الويل من ليل بطاء أواخره ... ووشك نوى حي تزم أباعره (٥) وقال أيضاً: شط من ساكن الغوير مزاره ... وطوته البلاد فالله جاره (٦)

стр. 573

وقال أيضاً: إذا عرضت أحداج سلمى فنادها ... سقتك روايا المزن صوب عهادها (١) وقال أيضاً: تظن شجوني لم تعتلج ... وقد خلج البين من قد خلج (٢) وقال أيضاً: بمثل لقائها شفي الغليل ... غداة تزايلت تلك الحمول (٣) وقال: فؤاد بذكر الظاعنين موكل ... ومنزل حي فيه للشوق منزل (٤) وقال أيضاً: لما وصلت أسماء من حبلنا شكر ... وإن حم بالبين الذي لم نرد قدر (٥) وقال أيضاً: على الحي سرنا عنهم وأقاموا ... سلام، وهل يدني البعيد سلام؟ (٦) وقال أيضاً: لأوشك شعب الحي أن يتفرقا ... فيدني الجوى، أو يرجع الحب أو لقا (٧)

стр. 574

أي يصير الحب جنوناً، وهذا كقول أبي تمام: * أسارت في عقله لمما (١) * وقال: عاد للصب شجوه واكتئابه ... ببعاد الذي يراد اقترابه (٢) وقال أيضاً: أصدود غلا بها أم دلال ... يوم زمت برامة الأجمال (٣) وهذه كلها ابتداآات جياد، حسان، مختارة المعاني. وقال أبو تمام: يوم الفراق لقد خلقت طويلا ... لم تبق لي جلداً، ولا معقولا (٤) فجعل يوم الفراق طويلاً. ... وقال البحتري كأنه يرد هذا المعنى (٥) على أبي تمام، وينسب يوم الفراق غلى القصر، وذكر العلة في ذلك فقال: ولقد تأملت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امريء بطويل (٦) قصرت مسافته على متزود ... منه لدهر صبابة وعويل وهذه إنما هي حال من كان محبوبه محجوباً منه، ورؤيته متعذرة عليه قبل يوم الفراق.

стр. 575

وقد بين هذا المعنى بقوله: إن للبين منة لن تؤدي ... ويداً في تماضر بيضاء (١) حجبوها حتى بدت لفراق ... كان داء لعاشق ودواء أضحك البين يوم ذاك وأبكى ... كل ذي صبوة، وسر وساء فجعلنا الوداع فيه سلامًا ... وجعلنا الفراق فيه لقاء (٢) وهذا مذهب صحيح، ومعنى واضح. وقال البحتري أيضاً: ويوم تلاق في فراق شهدته ... بعين إذا نهنهتها دمعت دما (٣) فكيف يكون يوم تلاق طويل؟ وقال في نحوه أيضاً: إن الفراق جلا لنا عن غادة ... بيضاء تجلو عن شتيت أشنب (٤) ألوت بموعدها القديم وأيأست ... منه بلي بنانه لم تخضب (٥) وقال أيضاً فيما يؤكد هذا المعنى، ويزيده صحة: من وراء العيون كثبان رمل ... تنثني أفنانهن فنونا (٦) وبود القلوب يوم استقلت ... ظعن الحي أن تكون عيونا (٧)

стр. 576

وقد قال بعض الأعراب، أنشدناه الأخفش عن المبرد: جزى الله يوم البين خيراً؛ فإنه ... أرانا -على علاتها- أم ثابت تباهي بها الأرض السماء إذا مشت ... عليها وتحي غشية المتماوت (١) وقال بعض الظرفاء: من يكن يكره الفراق فإني ... أشتيهه لموضع التسليم (٢) إن في اعتناقة لوداع ... وانتظار اعتناقة لقدوم وقال البحتري: ما كفى موقف التفرق حتى ... عاد بالبث موقف الإجتماع (٣) أعناق اللقاء أثلم في الأحـ ... ـشاء والقلب، أم عناق الوداع؟ وقال أيضاً: لم يكن يومنا طويلاً بنعما ... ن ولكن كان البكاء طويلاً (٤) وإنما ذهب أبو تمام في معنى طول يوم الفراق إلى ما يعهده الناس، ويتعارفونه من أن وقت البؤس، وزمان المحنة أبداً طويل، ولعله ما كان مهجوراً قبل يوم الفراق، ولا كانت حاله التي وصفها البحتري. وعلى أن البحتري قد ذهب إلى مثل ما ذهب إليه أبو تمام فقال: يا ابنة العامري عما قليل ... يأذن الحي فاعلمي بالرحيل قد سمعت الغراب يذكر بيناً ... وانصراماً لحبلك الموصول (٥)

стр. 577

كيف لي بالسلو لا كيف والبيـ ... ـن نازل بخطب جليل إن يوم النوى ليوم طويل ... ليس يفنى، ويوم حزن طويل وإنما قال البحتري هذا لأن من يهواه كان مواصلاً له، وذلك قوله: «وانصراماً لحبلك الموصول». ولم يقتع بأن قال: «إن يوم النوى ليوم طويل» حتى قال: «ليس يفنى، ويوم حزن طويل». فلعل أبا تمام كانت هذه حاله أيضاً في مواصلة من فارق، واستطال يوم الفراق لذلك. ... ومن رديء ابتداآت أبي تمام في هذا الباب قوله: هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزماً فقدماً أدرك النأي طالبه (١) وإنما جعله رديئاً قوله: «هن» فابتدأ بالكناية عن النساء، ولم يجر لهن ذكر بعد. ثم قال: «عوادي يوسف»، ومعناها صوارف، يقال: عداني عنك (٢) كذا: أي صرفني، أراد: هن صوارف يوسف، وصواحبه، وصوارف ههنا لفظة ليست قائمة بنفسها؛ لأنه يحتاج أن يعلم صوارفه عن ماذا، واللفظة (٣) القائمة بنفسها أن لو قال: «واتن يوسف»، أو «شواغق يوسف»، أو نحو ذلك، وكأنه أراد صوارف يوسف عن تقاه، أو عن هداه، أو عن

стр. 578

صحيح عزمه حتى هم بالمعصية، وإنما يتم معنى الكلمة بمثل هذه الألفاظ ألو وصلها بها. ثم ألحق بيوسف التنوين، فجاء بثلاثة ألفاظ متوالية كلها رديئة في موضعها. وتمم البيت بعجز لا يليق بصدره، وهو أردأ معنى من الصدر، وذلك قوله: «فعزماً فقدماً أدرك النأي طالبه». فتصير جملة معنى البيت: هن صوارف يوسف فاعزم؛ فقديماً أدرك البعد طالبه. وهذا كلام لا يلائم بعضه بعضاً، ولا يتشابه، وإنما كانت ألفاظه ومعانيه تتشابه لو قال: هن عوادي يوسف وصواحبه ... فلا يعدونك مطلب أنت طالبه أو «فلا يعدونك العزم فيما تطالبه»، أي لا يتجاوزك. أو «فلا تعدلن عن مطلب أنت طالبه»، أي هن صوارف يوسف عن عزمه، فلا تنصرف أنت عن عزمك ومطلبك لعذلهن، ومن أجلهن. وقد عاب أبا تمام بهذا البيت أبو سعيد الضرير (١) وأبو العميثل الأعرابي (٢)، وكانا على خزانة الأدب لعبد الله بن طاهر بخراسان وكان الشاعر إذا قصده، عرض عليهما شعره، فإن كان جيداً عرضاه عليه، أو دعي به فأنشده، وإن كان رديئاً نبذاه، ودفع إلى صاحبه البر على غير

стр. 579

الشعر، فلما قدم أبو تمام على عبد الله قصدهما، ودفع القصيدة إليهما فضماها إلى أشعار الناس، فلما تصفحا الأشعار مرت هذه القصيدة على أيديهما، فلما وقفا على الابتداء طرحاها مع الشعر المنبوذ. فأبطأ خبرها على أبي تمام فكتب إلى أبي العميثل أبياتًا يعاتبه فيها ويقول: وأرى الصحيفة قد علتها فترة ... فترت لها الأرواح في الأجسام (١) ثم لقيهما فقالا له: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال: ولم لا تفهمان ما يقال؟ فاستحسن هذا الجواب من أبي تمام. والرجلان ما عابا إلا معيباً، وما أنكرا إلا منكراً، وكانا من أعلم الناس بالشعر وبكلام العرب. ... مضت ابتداآتهما بذكر الفراق فلنذكر الآن ما جاء عنهما من ذلك وسط الكلام.

стр. 580

البكاء على الظاعنين قال أبو تمام: فارقتنا وللمدامع أنوا ... ء سوار على الخدود غواد (١) كل يوم يسفحن دمعاً طريفاً ... يمتري مزنه شوق تلاد واقعاً بالخدود والبرد منه ... واقع بالقلوب والأكباد (٢) وهذا في البكاء مذهب حسن جداً، في أجود لفظ واضح سيال. وقال أيضاً فأحسن كل الإحسان: رد الجموح الصعب أيسر مطلباً ... من رد دمع قد أصاب مسيلا (٣) وقال البحتري في ضد هذا المعنى: وقفنا والعيون مشغلات ... يغالب دمعها نظر كليل (٤) نهته رقبة الواشين حتى ... تعلق لا يغيض ولا يسيل والناس لبيت البحتري، ونحو مذهبه فيه أشد استحساناً؛ لكثرة ما يشاهده مثله.

стр. 581

وقال أبو تمام: لعمري لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشايع من برد (١) وأنجدتم من بعد اتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على ساكني نجد قوله: «كما محت وشائع من برد» غلط؛ لأن الوشائع هي: الغزل الملفوف من اللحمة التي تداخل في السدى، فإذا نسج الثوب فليس فيه شيءيسمى «وشيعة» ولا «وشائع». وقد ذكرت هذا في باب أغاليطه المجموعة (٢). وقد عاب عليه أيضاً قوم قوله: «فيا دمع أنجدني على ساكني نجد» وقالوا: الإنجاد إنما يكون على المحارب، فأي محاربة أو مجاهدة تكون أعظم من مجاهدة المغرم من يهواه، ولا سيما إن كان منوعاً ولم يكن مواتياً؟ وقد أفصح البحتري بأن المحبوب محارب فقال: هل كنت لولا بينهم متوهماً ... أن امرأً يشجيه بين محارب (٣) فقول أبي تمام: «أنجدني على ساكني نجد» من أحسن كلام، وأحلاه، وأجوده. ... وقال أبو تمام: وقالوا: أسى عنها، وقد خصم الأسى ... جوانح مشتاق إذا خوصمت لد (٤)

стр. 582

وعين إذا نهنهتها عادت الكرى ... ودمع إذا استنجدت أسرابه نجد (١) وما خلف أجفاني شئون بخيلة ... ولا بين أضلاعي لها حجر صلد (٢) وكم تحت أرواق الصبابة من فتى ... من القوم حر دمعه للهوى عبد قوله: أسى عنها، أي تأسى عنها، وقد خصم الأسى جوانح مشتاق: أي غلبت التأسي وأبت عليه. وعين إذا نهنهتها، أي كففتها عن النوم. وقوله: «تحت أوراق الصبابة» فأرواق إنما هو: جمع روق [وروق] كل شيء: أوله، ولذلك قيل للقرن: روق، ويقال: ألقى عليه أرواقه: أي ثقله، وواحدتها روق، ويقال: ألقت السحابة أرواقها: إذا دامت ولم تقلع. ... وقال أبو تمام أيضاً: دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة ... فلباه طل الدمع يجري ووابله (٣) بيوم تريك الموت في في صورة النوى ... أواخره من حسرة وأوائله أراد أن الشوق دعا ناصراً ينصره فلباه الدمع، بمعنى أنه يخف لاعج الشوق، ويطفي حرارته (٤)، وهذا إنما هو نصرة للمشتاق على الشوق، والدمع إنما هو حرب للشوق؛ لأنه يثلمه ويتخونه، ويكسر حده، ولو كان ناصراً

стр. 583

له كان يقويه، ويزيد فيه، ألا ترى أنك تقول: قد ذبحني الشوق إليك. فالشوق عدو المشتاق وحربه، والدمع سلمه؛ لتخفيفه عنه، وهو حرب للشوق، وليس بهذا الخطأ خفاء على أحد، وقد ذكرته في أغاليطه (١). وأحسن منه قول البحتري: إن الدموع هي الصبابة فاطرح ... بعض الصبابة تسترح بهمولها (٢) لأن الصبابة -وهي رقة الشوق- تنحل مع الدمع، وتمضي بمضيه، فلذلك جعل الدموع هي الصبابة على السعة، وإنما هي عدو الصبابة كالنار التي هي عدو لما تحرقه، وهي مع ذلك تنفد بنفاده، وتمضي بمضيه، وكالريح إذا بددت الغيم ومحقته، فإنها تذهب بذهابه، وقد قال الشاعر: أشجاك من ليلتك الطول ... فالدمع من عينيك مهمول؟ وهو إذا أنت تأملته ... حزن على الخدين محلول (٣) لما كان الحزن ينحل ويسيل بسيلان الدمع، جعله حزناً، ولو جعله ناصراً للحزن، أو جعل البحتري الدموع ناصرة للصبابة لكانا جميعاً مخطئين؛ لأن الناصر للشيء لا يمحق الشيء، ولا يفنيه ويذهب به. ولكن البحتري اتبع أبا تمام في خطته بقوله: نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع ... تلاحقن في أعقاب وصل تصرما (٤)

стр. 584

وقال أبو تمام: تولوا فولت لوعتي تحشد الأسى ... علي، وجاءت مقلتي وهي تهمل (١) بذلت لهم مكنون دمعي فإن ونى ... فشوقي على أن لا يجف موكل وهذا جيد بالغ. وأجود منه وأحسن قوله: فكاد شوقي يتلو الدمع منسجماً ... إن كان في الأرض شوق فاض فانسجما (٢) ولم يذهب ههنا إلى نحو ما ذهب إليه البحتري في قوله: إن الدموع هي الصبابة فاطرح ... بعذ الصبابة تسترح بهمولها (٣) وإنما ذهب إلى أنه بكى لشدة شوقه وغلبته حتى كاد شوقه يفيض بفيض الدمع. وقال في علي بن الجهم (٤): هي فرقة من صاحب لك ماجد ... فغدا إذابة كل دمع جامد (٥) فافزع إلى ذخر الشئون وعذبه ... فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد وإذا فقدت أخاً فلم تفقد له ... دمعاً ولا صبراً فلست بفاقد قوله: «يذهب بعض جهد الجاهد» أي بعض جهد الحزن الجاهد، أي جهد الحزن الذي قد جهدك، وهو الجاهد لك. ولو كان استقام له أن يقول: بعض جهد المجهود لكان أحسن وأليق. وهذا أغرب وأطرف، وقد جاء أيضاً فاعل بمعنى مفعول: قالوا عيشة راضية

стр. 585

بمعنى مرضية، ولمح باصر، إنما هو مبصر فيه، وأشباه لهذا معروفة، ولكن ليس في كل شيء يقال، وإنما ينبغي أن ننتهي في اللغة إلى حيث انتهوا، ولا نتعداه إلى غيره، فإن اللغة لا يقاس عليها. وقوله: «فلم يفقد له دمعاً ولا صبراً» من أفحش الخطأ؛ لأن الصابر لا يكون باكياً، والباكي لا يكون صابراً، فقد نسق (١) لفظة على لفظة وهما نعتان متضادان، ولا يجوز أن يكونا مجتمعين، وقد ذكرت هذا مشروحاً في أغاليطه (٢). ... وقال البحتري: قد أرتك الدموع يوم تولت ... ظعن الحي ما وراء الدموع (٣) عبرات ملء الجفون مرتها ... حرق للفراق ملء الضلوع وهذا غاية في جودته وبراعته. وقال أيضاً: أضحك البين يوم ذاك وأبكى ... كل ذي صبوة، وسر، وساء (٤) فجعلنا الوداع فيه سلامًا ... وجعلنا الفراق فيه لقاء ووشت بي إلى الوشاة دموع الـ ... ـعين حتى حبستها أعداء وهذا من إحسان أبي عبادة المشهور.

стр. 586

وقال أيضاً: هين ما يقول فيك اللاحي ... بعد إطفاء غلتي والتياحي (١) كنت أشكو شكوى المعرض فالآ ... ن ألاقي النوى بدمع صراح (٢) وهذا أيضاً غاية في حسنه وجودته. وقال أبو تمام: صيرت لي من تباري عبرتي سكناً ... مذ صرت فرداً بلا إلف ولا سكن (٣) حلبت صرف النوى صرف الأسى وحدا ... بالبث في دولة الإغرام والددن (٤) فما وجدت على الأحشاء أبرد من ... دمع على وطنٍ لي في سوى وطني (٥) من ذا يعظم مقدار السرور بمن ... يهوى إذا لم يعظم موقع الحزن (٦) قوله: حدا بالبث: أي ساقه، وأظهره، وأشاعه في دولة الإغرام والددن، والإغرام: جمع غرم مثل: برج وأبراج، وخرج وأخراج، والغرم والغرام بمعنى واحد، والددن: اللعب. يقول: ساق صرف النوى البث -وهو أشد الحزن- وأظهره في دولة غرامي ولعبي، يقول: إنه قاسى الأسفار والهموم في أيام شبابه ولعبه، ولله در الذي يقول، وأنشدناه الأخفش، وأنشده الموصلي أيضاً:

стр. 587

ولما أراد الحي بيناً ولم يكن ... درى أحد من بين ظمياء فاجع أبى الدمع أعيان الصحاح وبينت ... مكان ذوي الشجو العيون الدوامع (١) وأنشد إسحق أيضاً، وأنشده الأخفش عن المبرد: ولما رأت أن لا سبيل وأنه ... هو البين محنو عليه الأضالع (٢) تهتك عن أستار قلب وأسبلت ... مدامع عين بينها السر ضائع (٣) وأنشد أيضاً: تكفكف دمعها كف خضيب ... لتخفيه، وهل يخفى المريب؟ وهذا أيضاً حسن.

стр. 588

بكاء النساء المفارقات قال أبو تمام: بدلت عبرة من الإيماض ... يوم شدوا الرحال بالأغراض (١) أعرضت برهة فلما أحست ... بالنوى أعرضت عن الإعراض غصبتها نحيبها عزمات ... غصبتني تبيتي واغتماضي (٢) نظرت فالتفت منها إلى أحـ ... ـلى سواد رأيته في بياض يوم ولت مريضة اللحظ والجفـ ... ـن وليست دموعها بمراض قوله: «أعرضت عن الإعراض» ليس باللفظ الجيد، وهو من توليدات المتأخرين، ومثله قول البحتري: شغل الرقيب وأسعدتنا خلوة ... في هجر هجر واجتناب تجنب (٣) قوله: «غصبتها نحيبها» يريد أن عزماتي استخرجت نحيبها وأظهرته، وقد كانت تخرنه، فكأنها اغتصبتها إياه لما أظهرته. وقوله: «غصبتني تبيتي» أي تلبثي، أي منعتني عزماتي من التلوم والتلبث، ومن النوم، فكأنها غصبتني ذلك، أي أخذته مني، وأزعجتني للرحلة. وقال: بسطت إليك بنانة أسروعا ... تصف الفراق، ومقلة ينبوعا (٤)

стр. 589

كادت لعرفان النوى ألفاظها ... من رقة الشكوى تكون دموعا وهذا معنى حسن لطيف حلو. والأسروع: واحد الأساريع، وهي دويبة بيضاء تكون في الرمل، تشبه بها الأصابع، وذلك قول امريء القيس: وتعطو برخص غير شثن كأنه ... أساريع رمل، أو مساويك إسحل (١) ... وقال أبو تمام أيضاً: بكته بما أبكته أيام صدرها ... خلي، وما يخلو له من جوى صدر (٢) وقالت أتنسى البدر؟ قلت تجلداً ... إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر فأذرت جماناً من دموع نظامها ... على النحر إلا أن صائغها الشفر (٣) وما الدمع ثان عزمتي ولو أنها ... سقى خدها من كل عين لها نهر قوله: «إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر» لم يرد بذلك امرأة أخرى سواها، وإنما جعل هذا القول احتجاجاً عليها، ورداً لكلامها، وليريها أن عزمه في السف صحيح، وأن كلامه لا يثنيه عن وجهه الذي يريده. وقد بين هذا المعنى وأفصح بقوله: «تجلداً». وهذه الأبيات صالحة، والمذهب فيها غير مستحلى، ولا مشتهى، وفيها

стр. 590

معنى غامض في الاحتجاج عليها يجوز أن يكون أراده، وقد ذكرته في «جزء» أفردته لغامض معاني أبي تمام. وقوله: «فأذرت جماناً» فالجمان هو: اللؤلؤ الصغار. وقوله: «إلا أن صائغها الشفر» فالجمان لا يصاغ، ولكن قد يعمل على هيئته خرز من فضة، وقد سماه هدبة بن خشرم جماناً فقال: عليهن من صوغ المدينة حلية ... جمان كأجواز الدبا ورفارف (١) ... وقال أيضاً: أظن دموعها سنن الفريد ... وهي سلكاه من نحر وجيد (٢) لها من لوعة البين التدام ... يعيد بنفسجاً ورد الخدود والتدام النساء في النياحة إنما هو: ضرب الصدور، واللطم هو: ضرب الخدود، هذا المستعمل المعروف في كلامهم، فاللطم هو الذي يعيد بنفسجاً ورد الخدود لا التدام؛ لأن الالتدام: أن تأخذ المرأة جلداً أو نعلاً فتدق صدرها، وتأخذ النائحة التي هي المساعدة خرقاً (٣) تشير بها في النوح إلى صدرها، ويقال لها: المآلي، واحدتها مئلاة (٤). فجعل أبو تمام لطم الوجه لدماً، ولعل ذلك يسوغ؛ فإن اللدم هو: دق الشيء على الشيء. قال تميم بن أبي بن مقبل:

стр. 591

وللفؤاد وجيب تحت أبهره ... لدم الغلام وراء الغيب بالحجر (١) ... وقال أبو تمام: نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل المغرم (٢) وصلت دموعاً بالدماء فخذها ... في مثل حاشية الرداء المعلم (٣) ولهت فأظلم كل شيء دونها ... وأضاء منها كل شيء مظلم (٤) وكأن عبرتها عشية ودعت ... مهراقة من ماء وجهي أو دمي ولهت من الوله، فأظلم كل شيء دونها: أي أظلمت الأشياء في عينيها من شدة الحزن والوله، وأضاء منها كل شيء مظلم: لنور وجهها وبهجتها. ... قال أيضاً: سرت تستجير الدمع خوف نوى غد ... وعاد قتاداً عندها كل مرقد (٥) وأنقذها من غمرة الموت أنه ... صدود فراق لا صدود تعمد (٦) فأذرى لها الإشفاق دمعاً مورداً ... من الدم يجري فوق خد مورد (٧) هي البدر يغنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت وإن لم تودد (٨)

стр. 592

وهذا من إحسانه المشهور. وقوله: «دمعاً مورداً من الدم» لفظ حسن، ومعنى ليست له براعة. والجيد في مثل هذا قول البحتري: لو ترانا عند الوداع وقد ... ورد سكب الدموع ورد الخدود (١) يريد أن الدموع إذا مرت على الخدود [وردتها]، وهذا معنى صحيح مشاهد. وأبو تمام لا يقنع إلا بأن يجعل المرأة باكية عليه دماً! على عادته في الاستقصاء الذي لا حلاوة له، فهلا اقتصر على مثل قول علقمة بن عبدة وأنشده إسحاق الموصلي، وأنشده ثعلب: تراءت وأستار من البيت دونها ... إلينا وحانت غفلة المتفقد (٢) بعيني مهاة يحدر الشوق منهما ... شريجين شتى: من دموع وإثمد (٣) قال ثعلب: فسرقه «ابن ميادة» فقال: وما أنس م الأشياء لا أنس قولها ... وأدمعها يحدرن حشو المكاحل (٤) تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الشهور الأطاول قال: فسرقه بعض المحدثين فقال: خذي عدة للبين إني راحل ... قرى أمل يجديك والله صانع فسحت بسمطي لؤلؤ خلط إثمد ... على الخد إلا ما تكف الأصابع ... وقال أبو تمام: خذي عبرات عينك عن زماعي ... وصوني ما أزلت من القناع (٥)

стр. 593

أقلي قد أضاق بكاك ذرعي ... وما ضاقت بنازلة ذراعي (١) أآلفة النحيب كم افتراق ... أظل فكان داعية اجتماع (٢) وليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوف على ترح الوداع (٣) تعجب أن رأت جسماً نحيفاً ... كأن المجد يدرك بالصراع (٤) وهذه كلها أبيات جياد صحيحة الألفاظ والمعاني، وقد عابه ابن عمار وغيره بهذا البيت الأخير. وحدثني أبو علي محمد بن العلاء السجستاني قال: حدثني أبو [محمد] عبد الله بن قتيبة المؤلف، قال: سمعت علي بن هارون الكاتب النصراني يقول: قلت لأبي تمام: أنشدني أجود شعر قلته، فأنشدني قصيدته: «خذي عبرات عينك» فلما بلغ إلى قوله: «توجع أن رأت» قلت: يخيل إلي أن هذا غلط منك؛ لأن الصراع ليس من النحافة والجسامة في شيء، ولو قلت: كأن المجد يدرك بحرف في معنى الجسامة كنت قد أصبت. و «علي بن هارون» هذا، وكل من عاب هذا البيت عندي غالط ولم كان الصراع عنده ليس من النحافة والجسامة في شيء، وهل تجد القوة أبداً إلا في العبالة وغلظ الأرواح؟، وهل الضعف أبداً إلا في الدقة والنحافة؟، وهذا هو الأعم الأكثر، وإلا لم صار الفيل يحمل ما لا يحمل الجمل، والجمل يحمل ما لا يحمل البغل، والبغل يحمل ما لا يحمل الحمار.

стр. 594

فأراد أبو تمام أن المجد لا يدرك بالصراع الذي من كان فيه أغلظ وأعبل كان أولى بالغلبة، فهذا هو الأعم الأكثر في هذا الباب. ولست أنكر أن تكون القوة قد توجد مع الدقة والنحافة كما قال بعضهم: * إنا على دقتنا صلاب * فأراد أبو تمام أن المجد لا يدرك بالصراع الذي من كان فيه أغلظ وأعبل، كان أولى بالغلبة، فهذا هو الأعم الأكثر في هذا الباب. ولست أنكر أن تكون القوة قد توجد مع الدقة والنحافة كما قال بعضهم: * إنا على دقتنا صلاب * وأن يكون الخور والرخاوة قد يوجدان مع الغلظ والعبالة في بعض الأشياء، فأما الشجاعة والجرأة فقد توجدان في النحيف الجسم الضعيف، وفي العبل الغليظ. وهذا إنما يرجع إلى القلب لا إلى الجسم؛ ولعل عامر بن الطفيل وعتيبة بن الحارث بن شهاب وبسطام بن قيس ماكان يقدر كل واحد منهم أن يحمل على كتفه مائة رجل. فجعل أبو تمام معناه على الوجه الأعم الأكثر، وقد أحسن عندي فيه، ولم يسيء. ... وقال البحتري: رحلوا فأية عبرة لم تسكب ... أسفاً، وأي عزيمة لم تغلب (١) قد بين البين المفرق بيننا ... عشق النوى لربيب ذاك الربرب صدق الغراب لقد رأيت شموسهم ... بالأمس تغرب عن جوانب غرب لو كنت شاهدنا وما صنع النوى ... بقلوبنا لحسدت من لم يحبب (٢) شغل الرقيب، وأسعدتنا خلوة ... في هجر هجر، واجتناب تجنب

стр. 595

فتلجلجت عبراتها، ثم انبرت ... تصف النوى بلسان دمع معرب (١) تشكو الفراق إلى قتيل صبابة ... شرق المدامع بالفراق معذب (٢) قوله: «قد بين البين المفرق بيننا»، فالبين: الفراق، يريد قد بين الفراق المفرق بيننا. وبعض أهل اللغة يقول: «البين» من الأضداد (٣) يكون الاتصال، ويكون الافتراق، وليس الأمر كذلك، بل البين: الحد والقطع بين الشيئين، والذي يتميز به (٤) الحيزان أحدهما عن الآخر، يقال: وصلت بينهما، وفرقت بينهما، وبعدت (٥) بينهما، فيصلح ذلك كله فيه، لأنه الحد، والبرزخ، لا أنه الاتصال، ولا الافتراق، إلا أن الشعراء جعلوه في استعمالهم: الفراق. فقوله: «قد بين البين»، يريد قد بين الفراق المفرق بيننا. والنوى: هي النية في انتقال القوم من موضع إلى آخر، فعشق النية لربيب الربرب استعارة ليست بحسنة، غير أن الشعراء المتأخرين قد اصطلحوا على أن جعلوا البين، والفراق، والنوى كالأشخاص، وجعلوها الحائلة بينهم وبين من يهوونه، فهم يستعيرون الأفعال لها، فربما حسنت الاستعارة لها، وربما قبحت، على حسب مواضعها في الإغراق والاقتصاد. وقوله: «لو كنت شاهدنا» من أبياته المشهورة في الحسن والحلاوة. وقوله: «في هجر هجر، واجتناب اجتناب» مذهب من مذاهب

стр. 596

المولدين، وقد قدمت القول في أنه غير حسن ولا جميل. ولم يعتمد البحتري في هذا الباب ذكر بكاء النساء إلا قوله: «وقد ورد سكب الدموع ورد الخدود» وقوله: «فتلجلجت عبراتها» ولكنه وصفهن عند التوديع أحسن وصف وأحلاه فقال: عجلت إلى فضل الخمار فأثرت ... عذباته بمواضع التقبيل (١) وتبسمت عند الوداع فأشرقت ... إشراقة عن عارض مصقول أأخيب عندك لي شافع ... وأرد دونك والشباب رسولي؟ ... وقال أيضاً: أكنت معنفي يوم الرحيل ... وقد لجت دموعي في الهمول؟ (٢) عشية لا الفراق أفاء عزمي ... إلى، ولا اللقاء شفى غليلي دنت عند الوداع لوشك بين ... دنو الشمس تجنح للأصيل (٣) وقال أيضاً: إذا ما نهي الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر (٤) ويوم تثنت للوداع وسلمت ... بعينين موصول بلحظهما السحر توهمتها ألوى باجفانها الكرى ... كرى النوم، أو مالت بأعطافها الخمر

стр. 597

وقال أيضاً: وأنا الفداء لمرهف غض الصبا ... يوهيه حمل وشاحه وعقوده (١) قصرت تحيته فجاد بخده ... يوم الوداع لنا، وضن بجيده ولو استطاع لكان يوم وصاله ... للمستهام مكان يوم صدوده أراد أنها لما قصرت تحيتها فلم تقدر (٢) على السلام أعرضت فرأى خدها، فكأنها جادت لما رأته، وقد ضنت على الحقيقة بجيدها، وهو موضع العناق (٣). ... وقال أيضاً: ما أرى البين مخلياً من وداع ... أنفس العاشقين حتى تبينا (٤) من وراء العيون كثبان رمل ... تتثنى أفنانهن فنونا (٥) وبود القلوب يوم استقلت ... ظعن الحي لو تكون عيونا فهذا المذهب الذي سلكه البحتري أولى بالصواب في وصف النساء المفارقات، وأشبه بأحوالهن من مذهب أبي تمام في وصفه إياهن بشدة الجزع، والوله، وبكاء الدم، ولطم الوجه، والإشفاء على الهلكة، وإظهاره التجلد، وقلة الاحتفال بهن، وذلك قوله: وقالت: أتنسى البدر؟ قلت تجلداً ... إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر (٦)

стр. 598

وقال أيضاً: وما الدمع ثان عزمتي ولو أنه ... سقى خدها من كل عين لها نهر (١) وقوله: لها من لوعة البين التدام ... يعيد بنفسجاً ورد الخدود (٢) وقوله: وصلت دموعاً بالدماء فخذها ... في مثل حاشية الرداء المعلم (٣) ولهت فأظلم كل شيء دونها ... وأضاء منها كل شيء مظلم ولو كان وصف بهذا زوجته، أو ابنته، لكان معذوراً ولكنه إنما وصف حبائبه؛ لأنه ذكرهن بالجمال والحسن، والزوجات لا يوصفن بذلك. وما انتهى عمر بن أبي ربيعة الذي كان معشقاً ينذر أشراف النساء النذور في رؤيته ومجالسته من ذكر صبوتهن به إلى مثل هذه الأوصاف، ولا قريب منها، وقد عيب عمر بذلك، واستقبح منه، على أنه قد صدق في أكثر ما قال، ولم يكذب، وأتى بالأخبار على وجوهها، فلم يقنع أبو تمام إلا بالزيادة عليه، والتناهي فيما يخرج عن العادة. ... وقال أبو تمام: لما استحر الوداع المحض وانصرمت ... أواخر الصبر إلا كاظماً وجما (٤) رأيت أحسن مريء، وأقبحه ... مستعجمين لي التوديع والعنما

стр. 599

استحسن إصبعها (١)، واستقبح إشارتها مودعة، والعنم: شجر (٢) له أغصان لطيفة غضة كأنها بنان جارية، والواحدة غنمة. وهذا خطأ منه أن يستقبح إشارتها بالوداع إليه، أتراه ما سمع قول جرير: أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامة سقى البشام (٣) فدعا للبشام بالسقيا، لأنها ودعته به فسر بتوديعها. وأبو تمام إنما استحسن إصبعها، واستقبح إشارتها، فما ظنك بمن استقبح إشارة معشوقة إليه عند توديعه، وهذا يدل على أنه ما عرف شيئاً من هذا ولا شاهده، ولا بلي به. ... وقال في وصف النساء المفارقات أيضاً: فخت دموعك في إثر الخليط لدن ... خفت من الكثب القضبان والكثب (٤) من كل ممكورة ذاب النعيم لها ... ذوب الغمام فمنهل ومنسكب أطاعها الحسن، وانحط الشباب على ... فؤادها، وجرت في روحها النسب (٥) لم أنسها وصروف البين تخلجها ... ولا معول إلا الواكف السرب (٦)

стр. 600

أدنت نقاباً على الخدين وانتسبت ... للناظرين بقد ليس ينتقب (١) كانت لنا لعباً نلهو بزخرفه ... وقد ينفس عن جد الفتى اللعب (٢) وهذه أبيات حسان، جيدة المعاني. وقوله: «أطاعها الحسن» من أبياته التي يسأل الناس عنها، فقوله: «أطاعها الحسن» من قول (٣) بشار بن برد: كما اشتهت خلقت إذا اعتدلت ... تمت تماماً فلا طول ولا قصر وفي نحوه قول أبي نواس: تركت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتحب (٤) فانتقت منه طرائقه ... واستزادت فضل ما تهب (٥) قوله: «وانحط الشباب على فؤادها» يريد الذكاء والتيقظ. وقوله: «وجرت في روحها النسب»، هو أن يقال: خفيفة الروح، وعذبة الروح، ونحو هذا، كذا فسره الشيوخ بعد أن جرى في البيت خوض طويل.
следующие страницы →