Полный текст (1 636 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
المولدين، وقد قدمت القول في أنه غير حسن ولا جميل.
ولم يعتمد البحتري في هذا الباب ذكر بكاء النساء إلا قوله: «وقد ورد سكب الدموع ورد الخدود» وقوله: «فتلجلجت عبراتها» ولكنه وصفهن عند التوديع أحسن وصف وأحلاه فقال:
عجلت إلى فضل الخمار فأثرت ... عذباته بمواضع التقبيل (١)
وتبسمت عند الوداع فأشرقت ... إشراقة عن عارض مصقول
أأخيب عندك لي شافع ... وأرد دونك والشباب رسولي؟
... وقال أيضاً:
أكنت معنفي يوم الرحيل ... وقد لجت دموعي في الهمول؟ (٢)
عشية لا الفراق أفاء عزمي ... إلى، ولا اللقاء شفى غليلي
دنت عند الوداع لوشك بين ... دنو الشمس تجنح للأصيل (٣)
وقال أيضاً:
إذا ما نهي الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر (٤)
ويوم تثنت للوداع وسلمت ... بعينين موصول بلحظهما السحر
توهمتها ألوى باجفانها الكرى ... كرى النوم، أو مالت بأعطافها الخمر
стр. 597
وقال أيضاً:
وأنا الفداء لمرهف غض الصبا ... يوهيه حمل وشاحه وعقوده (١)
قصرت تحيته فجاد بخده ... يوم الوداع لنا، وضن بجيده
ولو استطاع لكان يوم وصاله ... للمستهام مكان يوم صدوده
أراد أنها لما قصرت تحيتها فلم تقدر (٢) على السلام أعرضت فرأى خدها، فكأنها جادت لما رأته، وقد ضنت على الحقيقة بجيدها، وهو موضع العناق (٣).
...
وقال أيضاً:
ما أرى البين مخلياً من وداع ... أنفس العاشقين حتى تبينا (٤)
من وراء العيون كثبان رمل ... تتثنى أفنانهن فنونا (٥)
وبود القلوب يوم استقلت ... ظعن الحي لو تكون عيونا
فهذا المذهب الذي سلكه البحتري أولى بالصواب في وصف النساء المفارقات، وأشبه بأحوالهن من مذهب أبي تمام في وصفه إياهن بشدة الجزع، والوله، وبكاء الدم، ولطم الوجه، والإشفاء على الهلكة، وإظهاره التجلد، وقلة الاحتفال بهن، وذلك قوله:
وقالت: أتنسى البدر؟ قلت تجلداً ... إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر (٦)
стр. 598
وقال أيضاً:
وما الدمع ثان عزمتي ولو أنه ... سقى خدها من كل عين لها نهر (١)
وقوله:
لها من لوعة البين التدام ... يعيد بنفسجاً ورد الخدود (٢)
وقوله:
وصلت دموعاً بالدماء فخذها ... في مثل حاشية الرداء المعلم (٣)
ولهت فأظلم كل شيء دونها ... وأضاء منها كل شيء مظلم
ولو كان وصف بهذا زوجته، أو ابنته، لكان معذوراً ولكنه إنما وصف حبائبه؛ لأنه ذكرهن بالجمال والحسن، والزوجات لا يوصفن بذلك.
وما انتهى عمر بن أبي ربيعة الذي كان معشقاً ينذر أشراف النساء النذور في رؤيته ومجالسته من ذكر صبوتهن به إلى مثل هذه الأوصاف، ولا قريب منها، وقد عيب عمر بذلك، واستقبح منه، على أنه قد صدق في أكثر ما قال، ولم يكذب، وأتى بالأخبار على وجوهها، فلم يقنع أبو تمام إلا بالزيادة عليه، والتناهي فيما يخرج عن العادة.
... وقال أبو تمام:
لما استحر الوداع المحض وانصرمت ... أواخر الصبر إلا كاظماً وجما (٤)
رأيت أحسن مريء، وأقبحه ... مستعجمين لي التوديع والعنما
стр. 599
استحسن إصبعها (١)، واستقبح إشارتها مودعة، والعنم: شجر (٢) له أغصان لطيفة غضة كأنها بنان جارية، والواحدة غنمة.
وهذا خطأ منه أن يستقبح إشارتها بالوداع إليه، أتراه ما سمع قول جرير:
أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامة سقى البشام (٣)
فدعا للبشام بالسقيا، لأنها ودعته به فسر بتوديعها.
وأبو تمام إنما استحسن إصبعها، واستقبح إشارتها، فما ظنك بمن استقبح إشارة معشوقة إليه عند توديعه، وهذا يدل على أنه ما عرف شيئاً من هذا ولا شاهده، ولا بلي به.
... وقال في وصف النساء المفارقات أيضاً:
فخت دموعك في إثر الخليط لدن ... خفت من الكثب القضبان والكثب (٤)
من كل ممكورة ذاب النعيم لها ... ذوب الغمام فمنهل ومنسكب
أطاعها الحسن، وانحط الشباب على ... فؤادها، وجرت في روحها النسب (٥)
لم أنسها وصروف البين تخلجها ... ولا معول إلا الواكف السرب (٦)
стр. 600
أدنت نقاباً على الخدين وانتسبت ... للناظرين بقد ليس ينتقب (١)
كانت لنا لعباً نلهو بزخرفه ... وقد ينفس عن جد الفتى اللعب (٢)
وهذه أبيات حسان، جيدة المعاني.
وقوله: «أطاعها الحسن» من أبياته التي يسأل الناس عنها، فقوله: «أطاعها الحسن» من قول (٣) بشار بن برد:
كما اشتهت خلقت إذا اعتدلت ... تمت تماماً فلا طول ولا قصر
وفي نحوه قول أبي نواس:
تركت والحسن تأخذه ... تنتقي منه وتنتحب (٤)
فانتقت منه طرائقه ... واستزادت فضل ما تهب (٥)
قوله: «وانحط الشباب على فؤادها» يريد الذكاء والتيقظ.
وقوله: «وجرت في روحها النسب»، هو أن يقال: خفيفة الروح، وعذبة الروح، ونحو هذا، كذا فسره الشيوخ بعد أن جرى في البيت خوض طويل.
стр. 601
ما ذكره من استيلاء النوى على الأحباب المفارقين
قال أبو تمام:
وفي الكلة الصفراء جؤذر رملة ... غدا مستقلاً، والفراق معادله (١)
تيقنت أن البين أول فاتك ... به مذ رأيت الهجر وهو يغازله
قوله: «الفراق معادله» معنى غير جيد ولا صحيح؛ لأن الفراق هو مفارقة كل واحد من الاثنين صاحبه، فإذا جعل الفراق ماضياً مع أحدهما، وأخلى الآخر منه كان الآخر غير مفارق، وهذا محال، وإنما أوقع أبا تمام فيه أنه جعل الفراق كأنه شخص مسلط على المحبوب، استولى عليه فذهب.
وقد يستعمل مثل هذا ولكن ليس على هذا الوجه.
والاستعارة التي هي أقرب إلى الجواز قوله:
سعدت غربة بسعاد ... فهي طوع الإتهام والإنجاد (٢)
وذلك أن النوى إنما هي: نية القوم المفارقين دون من المقيمين.
... وقال البحتري:
قد بين البين المفرق بيننا ... عشق النوى لربيب ذلك الربرب (٣)
فنسب العشق إلى النوى على سبيل الاستعارة.
وقال البحتري وهو حسن:
نوين النوى، ثم استجبن لهاتف ... من البين نادى بالفراق فأسمعا (٤)
стр. 602
وحاولن كتمان الترحل بالدجى ... فباح بهن المسك لما تضوعا (١)
وأردأ من قول أبي تمام: «والفراق معادله»، وأقبح وأسخف قول أبي تمام:
أترى الفراق يظن أني غافل ... عنه وقد لمست يداه لميسا (٢)
ما زلت أسمع الشيوخ من أصحاب أبي تمام المتعصبين (٣) له دون من سواهم يقولون: أتره أي شيء أراد أن يصنع بالفراق: يقطع يديه أو رجليه، أو يصلبه على جذع؟
... وقال أبو تمام:
لا أظلم النأي؛ قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا (٤)
وهذا معنى جيد حسن.
والقذف: البعيدة.
وقال أيضاً:
دع الفراق فإن الدهر ساعده ... فصار أملك من روحي بجثماني (٥)
وهذا في جملة أبياته المشهورة التي لهج الناس بها وهي:
ما اليوم أول توديعي ولا الثاني ... البين أكثر من شوقي وأحزاني (٦)
стр. 603
خليفة الخضر من يربع على وطن ... في بلدة فظهور العيس أوطاني (١)
بالشام قومي، وبغداد الهوى، وأنا ... بالرقتين، وبالفسطاط إخواني (٢)
وما أظن النوى ترضى بما صنعت ... حتى تبلغ بي أقصى خراسان (٣)
قوله: «البين أكثر من شوقي وأحزاني» أي زاد عليها، وغلبها حتى صرت لا أشتاق، ولا أحزن؛ لكثرة ما أفارق.
стр. 604
ذكر الأنفاس والحرق والزفرات عند الفراق
قال أبو تمام:
فلو ترانا وإياهم وموقفنا ... في مأتم البين لاستهلالانا زجل (١)
من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلباً، ومن عذل في نحره غزل (٢)
قوله: «أطلقتها فرقة» يعني أبرزتها وأظهرتها، وإنما قال: «أطلقتها» من أجل قوله: «أسرت قلباً»؛ ليطابق بين الإطلاق والإسار.
وقوله: «أسرت قلباً» يعني الفرقة، معنى رديء، لأن القلب إنما يأسره ويملكه شدة الحب لا الفراق، فإن لم يك مأسوراً قبل الفراق فما كان هناك حب، فلم خص التوديع (٣)؟، وما كان وجه هذا البكاء والاستهلال والزجل، وهذه القصة الفظيعة التي وصف الحال فيها عند مفارقتهم؟
وقد ذكرت هذا مشروحاً في باب أغاليطه (٤)
... وقال أبو تمام:
أمر التجلد بالتلدد حرقة ... أمرت جمود دموعه بسجوم (٥)
стр. 605
قوله: «أمر التجلد بالتلدد حرقة»، جعل الحرقة آمرة للتجلد بالتلدد.
والحرقة التي يكون معها التلدد تسقط التجلد ألبتة، وتذهب به، وأما أن تجعله متلدداً فإن هذا من أحمق المعاني، وأولاها بالاستحالة، بلى لو قال: إن الفرقة أحالت التجلد إلى التلدد، أو أبدلت من التجلد التلدد لكان ذلك هو السائغ الحسن.
وأرى لفظ أسخف أيضاً من أن جعل الحرقة آمرة، وإنما العادة في مثل هذا أن تكون باعثة، أو جالبة، أو نحو هذا، فأما الأمر فليس هذا موضعه.
... وقال أيضاً:
ومن زفرة تعطى الصبابة حقها ... وتوري زناد الشوق تحت الحشا الصلد (١)
قوله: «من زفرة تعطي الصبابة حقها» معنى جيد حسن.
ولله در البحتري إذ يقول:
باتوا جميعاً، ثم فرق شملهم ... بين كتقويض الجهام المقلع (٢)
ووراءهم صعداء أنفاس إذا ... ذكر الفراق أقمن عوج الأضلع (٣)
وقال أيضاً:
عبرات ملء الجفون مرتها ... حرق للفراق ملء الضلوع (٤)
стр. 606
ومثل قوله: «كتقويض الجهام المقلع» قول أبي تمام:
نوى كانقضاض النجم كانت نتيجة ... من الهزل يوماً إن هزل الهوى جد (١)
فقولهما: كتقويض الجهام، وكانقضاض النجم يريدان السرعة.
والجهام: السحاب الذي قد أراق ماءه فهو سريع الذهاب.
في بيت أبي تمام: لا يليق بآخره؛ لأنه قال: «كانت نتيجته من الهزل» يعني النوى، أي كان ذكرهم للرحيل قولاً عبثاً فنتج ذلك أن حققوا الرحيل، وجدوا فيه، وهذا معنى جيد بالغ؛ ولفظ مستقيم، ولكن أفسده بقوله: «إن هزل الهوى جد»؛ وليس هزل الهوى وجده من هذا المعنى في شيء، وإنما كان وجه الكلام أن يقول: ورب جد نتجه الهزل، أو ورب كبير هاجه صغير.
ولولا أن في سائر النسخ «إن هزل الهوى» لظننته ما قال إلا «هزل النوى» لأنهم أبداً ينغمون بالرحيل ولا يعزمون، فيكون ذلك كالهزل، ثم يجد الجد فيحققون، ويرتحلون، وقد عرفنا مثل هذا مشاهدة في غير شيء.
وقال البحتري:
وكم نافسوا من حرقة إثر فرقة ... تعجب من أنفاسنا وامتدادها (٢)
فهذا موضع الحرقة والفرقة.
وأجود من هذا كله ما أنشدناه (٣) أبو الحسن: موسى بن سليمان الهمداني
стр. 607
عن أبي دلف: هاشم بن محمد الخزاعي، عن ابن الأعرابي، وحكى عن أبي دلف قال:
دخلت على ابن الأعرابي، وعنده البحتري، قال: فتذاكرنا شعر الرجل، فقال ابن الأعرابي: ما استحسنت له شيئاً إلا قوله:
فلما تبينت المنازل بالحمى ... ولم أقض منها حاجة المتزود
زفرت إليها زفرة لو حشوتها ... سرابيل أبدان الحديد المسرد
لذابت حواشيها وظلت بحرها ... تلين كما لانت لداود باليد
والرجل -العلوي البصري- أشعر من أبي تمام والبحتري في هذا الباب.
стр. 608
زوال الصبر وقلة التجلد
قال أبو تمام:
أتظنني أجد السبيل إلى العزا ... وجد الحمام إذاً إليَّ سبيلا (١)
الصبر أجمل غير أن تلدداً ... في الحب أحرى أن يكون جميلا
وهذا معنى حسن.
وقد قال نحوه في مرثية إدريس بن بدر السامي (٢).
وقد كان يدعى لابس الصبر حازماً ... فأصبح يدعى حازماً حين يجزع (٣)
أخذ الجميع من قول العتبي:
أضحت بخدي للدموع رسوم ... أسفاً عليك، وفي الفؤاد كلوم
والصبر يحمد في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم (٤)
وقال أبو تمام:
وما أحد طار الفراق بقلبه ... بجلد ولكن الفراق هو الجلد (٥)
وهذا معنى سخيف جداً.
ولكن قد أحسن، وألطف، وأجاد في قوله حين قال:
يصبرني أن ضقت ذرعاً بحبه ... ويجزع أن ضاقت عليه خلاخله (٦)
стр. 609
وقال أيضاً:
رحل العزاء مع الرحيل كأنما ... أخذت عهودهما عل ميعاد (١)
وكأن أفئدة النوى مصدوعة ... حتى تصدع بالفراق فؤادي
و «أفئدة النوى مصدوعة» يشبه قوله:
وكم أبرزت منكم على قبح خدها ... صروف النوى من مرهف حسن القد (٢)
وما أظن أحداً انتهى في الجهل، والعي، واللكنة، وضيق الحيلة في الاستعارة إلى أن جعل لصروف النوى قداً، وأفئدة مصدوعة غير أبي تمام.
... وقال البحتري:
ويأمرني بالصبر من ليس وجده ... كوجدي، ولا إعلان حالي كحاله (٣)
فإن أفقد العيش الذي فات باللوى ... فقدماً فقدت الظل عند انتقاله
وهذا -لعمر الله- لفظ ومعنى في غاية الحسن والبراعة.
ومثله قول أبي الشيص:
يصبرني قوم براء من الهوى ... وللصبر تارات أمر من الصبر
... وقال أبو تمام:
تحمل عنه الصبر يوم تحملوا ... وعادت صباه في الصبا وهي شمأل (٤)
بيوم كطول الدهر في عرض مثله ... ووجدي من هذا وهذاك أطول
стр. 610
جعل الصبا شمالاً؛ لأن الشمال تفرق، وقد تقدم ذكر هذا في الابتداآت (١).
ثم انظر إلى هذا السخف: كيف جعل للدهر عرضاً على هذا اللفظ الذي كأنه به يمسح أرضاً، أو يذرع ثوباً.
... وقال أبو تمام أيضاً:
لم يعط نازلة الهوى حق الهوى ... دنف أطاف به الهوى فتجلدا (٢)
صب تواعدت الهموم فؤاده ... إن أنتم أخلفتموه موعدا
لم تنكرين مع الفراق تلددي ... وبراعة المشتاق أن يتبلدا (٣)
وهذا المعنى مأخوذ من قول قيس بن ذريح:
بليغ إذا يشكو إلى غيرها الهوى ... فإن هو لاقاها فغير بليغ
... وقال البحتري
هل أنت مصطبر على مضض الأسى ... إذ كان بينهم ورحلتهم غدا (٤)
لا تكذبن؛ فما أمارات النوى ... للصب إلا من أمارات الردى
لؤم بعيني أن يلائمها الكرى ... عن سلوة، وبمائها أن يجمدا
قد أتى هذا البيت الأخير على غرض أبي تمام في بيته الأول.
وأبو تمام في أبياته مع ما فيها من السرق (٥) أشعر من البحتري في أبياته.
стр. 611
ما قالاه في قتل الفراق للمفارق وسفك دمه
قال أبو تمام:
قالوا: الرحيل غداً لا شك قلت لهم ... الآن أيقنت أن اسم الحمام غد (١)
كم من دم يعجز الجيش اللهام إذا ... بانوا ستحكم فيه العرمس الأجد (٢)
ما لامريء خاض في بحر الهوى عمر ... إلا وللبين منه السهل والجلد
كأنما البين في إلحاحه أبدا ... على النفوس أخ للموت أو ولدا
اللهام: الذي يلتهم كل شيء لكثرته، والعرمس: الناقة الشديدة، وكذلك الأجد: هي الموثقة (٣) الخلق.
ولم يك هذا عندي وجه الكلام، بل كان وجهه لما قال: الجيش اللهام أن يقول: الناب الضعيفة، فيهون أمرها، لا الناقة الأجد؛ لأن الناب قد يقطع بها السفر البعيد كما قال (٤):
* وقد تقطع الدوية الناب *
وقوله: «ما لامريء خاض في بحر الهوى عمر» قد أساء فيه إساءة ذكرتها فيما ذكرت من أغاليطه (٥).
стр. 612
وقال أبو تمام:
لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس سبيلا (١)
قالوا: الرحيل فما شككت بأنها ... نفسي عن الدنيا تريد رحيلا
إني تأملت النوى فوجدتها ... سيفاً علي مع العدا مسلولا
قد عابه ابن عمار في قوله: «إني تأملت النوى»، وقالوا: مثل هذا الأمر الفظيع الذي مكروهه أبداً مصبوب على الخلق لا تعلم البلية فيه إلا بعد التأمل، وهذا إنكار صحيح، وليس هذا كقول البحتري:
ولقد تأملت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امريء بطويل (٢)
لأن مثل هذا يوجبه التأمل، وقد فسره البحتري، وذكر علته، وكأنه رد لقول أبي تمام: «يوم الفراق لقد خلقت طويلا».
وقد ذكرت ذلك مشروحاً في باب الابتداآت من هذا الباب (٣).
... وقال أبو تمام:
أظله البين حتى إنه رجل ... لو مات من شغله بالبين ما علما (٤)
أخذ المعنى من قول أبي الشيص:
فكم من ميتة قد مت فيها ... ولكن كان ذاك وما شعرت
стр. 613
وبيت أبي تمام أجود، وقوله: «وما شعرت» لفظ سخيف.
وقال أبو تمام أيضاً:
طلت دماء هريقت عندهن كما ... طلت دماء هدايا مكة الهمل (١)
هانت على كل شيء فهو يسفكها ... حتى المنازل، والأحداج، والإبل
الهمل: وصف لقوله: «دماء هدايا مكة» من همل يهمل، والمصدر هو الهمول، والهمل -ساكنة الميم- فحركها.
وقوله:
هانت على كل شيء فهو يسفكها ... حتى المنازل، والأحداج والإبل (٢)
رديء جداً؛ لأنه إذا لم يسفك دماء العاشقين المنازل إذا خلت من أهلها، والإبل إذا سارت بهم (٣)؛ فأي شيء يسفكها؟ وهل شيء عند المحبين أعظم من فراق الأحباب حتى يجعل أسباب فراقهم من أهون الأشياء وأقلها في سفك دماهم؟
... وقد قال البحتري:
وقتل المحبين العيون ولم أكن ... أظن الرسوم الدارسات قواتلا (٤)
فأحسن، وأجاد وملح، ولم يفصح بتخسيس أمر الرسوم.
стр. 614
وقال أبو تمام:
ضعفت جوانح من أذاقته النوى ... طعم الفراق فذم طعم العلقم (١)
هي ميتة إلا سلامة أهلها ... من خلتين: من الثرى والمأتم (٢)
قوله: «ضعفت» دعاء عليها، أي أضعف الله جوانح من أذاقته النوى طعم الفراق فذم طعم العلقم.
والجوانح: هي الأضلاع الصغار في الصدر، التي تلي الفؤاد، الواحدة جانحة، فكأنه يدعو عليها بأن تضعف عن حمل حرارة التشوق، وحرق الفراق (٣) إن كان صاحبها قد ذاق طعم الفراق، وعلم مرارته فذم طعم العلقم.
و «ضعفت» كلام ضعيف في هذا الغرض جداً، و «أضعف الله» لو كان استوى له أن يقولها أحسن، وأبلغ من ضعفت.
وعلى أنه كلام لا يشبه بعضه بعضاً، و «حواس» ههنا أحسن وأليق، وأشبه من «جوانح»؛ لأنه ذكر الطعم فكانت الحواس مع الطعم لفظاً يشبه لفظاً، ومعنى يشبه معنى، أو كان يقول لو استوى نظمه: «ضعفت جوانح من أحرقت نار الهوى جوانحه فذم حرارة النار، أو فوجد للنار حرارة».
ومنهم من يجعل «ضعفت» خبراً، أي لقد ضعفت جوانح من ذاق
стр. 615
طعم الفراق فذم طعم العلقم، وليس بشيء، وأظنه لو استوى له ذكر «الحواس» في هذا البيت لما عدل عنه.
وليس هذا البيت من الباب الذي نحن فيه، وإنما أوردته لأصل به البيت الذي بعده، وكلاهما رديء.
...
وقال أبو تمام:
الموت عندي والفرا ... ق كلاهما ما لا يطاق! (١)
يتعاونان على النفو ... س فذا الحمام، وذا السياق
لو لم يكن هذا كذا ... ما قيل: موت أو فراق
وهذه أبياته المشهورة المتداولة في الفراق.
ذكر أبو الحسن: علي بن يحيى المنجم أنه أخذ هذا المعنى من قول النمري (٢):
إن المنية والفراق لواحد ... أو توأمان تراضعا بلبان
وليس هو عندي من دقيق المعاني التي يتهم آخر أنه أخذها من أول.
...
ومما غرى الناس به من شعر أبي تمام في هذا المعنى قوله:
البين جرعني نقيع الحنظل ... البين أثكلني وإن لم أثكل (٣)
ما حسرتي أن كدت أقضي إنما ... حسرات نفسي أنني لم أفعل
стр. 616
قوله: «أثكلني» أي أثكلني من هويت، بمارقته إياي، وإن لم أثكل على الحقيقة بموته، ويكون أثكلني أي أثكلني أهلي، أي جعلني قد ثكلوني وإن لم أثكل على الحقيقة وهذا سائغ (١)؛ لأنه أراد قتل الحب الذي ليس بإتيان على النفس.
وقوله: «ما حسرتي أن كدت أقضي» أي أهلك، وأتلف، «وإنما حسرات نفسي أنني لم أفعل»، أي لم أقض وأتلف، وهذا لفظ ومعنى في غاية الضعف والاختلال والرداءة (٢).
ثم وصل هذا القول بالمعنى الذي كان يفتخر به، وهو قوله:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول (٣)
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبداً لأول منزل
وكان أبو تمام يقول: أنا ابن قولي: نقل ... ويذكر البيت (٤)، كما كان أبو نواس يقول: أنا ابن (٥) قولي:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق (٦)
وكما كان مسلم بن الوليد يقول: أنا ابن قولي:
تجود النفس إذ ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود (٧)
стр. 617
وكما كان دعبل يقول: أنا ابن قولي:
لا تعجبي يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى (١)
... وقال البحتري:
أما وفتور لحظك يوم أبقى ... تقلبه فتوراً في عظامي (٢)
لقد كلفتني كلفاً أعني ... به وشغلتني عما أمامي
سيقتل في المسير إذا رحلنا ... عليل كان يمرض في المقام
وحسبك بهذا حلاوة وحسناً.
ومما أبر (٣) فيه على إحسان كل محسن قوله:
أيا سكناً فات الفراق بأنسه ... وحال التعادي دونه والتزيل (٤)
بكرهي رضا العذال عني وإنه ... مضى زمن كنت فيه أعذل (٥)
فلا تعجبا إن لم يغل جسمي الضنى ... ولم يخترم نفسي الحمام المعجل
فمن قبل بان الفتح عني مودعاً ... وفارقني شفعاً له المتوكل (٦)
стр. 618
فما بلغ الدمع الذي كنت أرتجي ... ولا فعل الوجد الذي خلت يفعل
وما كل نيران الجوى تحرق الحشا ... ولا كل أدواء الصبابة تقتل
وقد كان قوم من الرواة يقولون: أجود الشعر أكذبه، ولا والله، ما أجوده إلا أصدقه، إذا كان له من يلخصه هذا التلخيص، ويورده هذا الإيراد على حقيقة الباب (١).
стр. 619
ما قالاه في الغزل من أوصاف النساء
ونعوتهن، وشدة الشوق، والتذكر، والوجد، والغرام
وافتتح هذا الباب بما جاء عنهما من الابتداآت في هذه المعاني، وأبوبها أبواباً؛ لتصح الموازنة بينهما.
ذكر ابتداآتهما بتشبيه النساء بالظباء والبقر
قال أبو تمام:
نوار في صواحبها نوار ... كما فاجاك سرب أو صوار (١)
«نوار» اسم امرأة، «في صواحبها نوار» أي نفور، أي هي نفور في صواحبها، أي مع صواحبها، فجعلن جميعاً نوافر.
«كما فاجاك سرب أو صوار»، فالسرب: الجماعة من الظباء ههنا، والصوار: الجماعة من بقر الوحش، أي فيها وفي صواحبها نفار كما تفاجئك الظباء والبقر فتراهن نوافرعنك.
وإنما ذكر الظباء والبقر جميعاً لأن النساء يشبهن بهن في حسن عيونهن وفي قد تكون بمعنى مع، قال الجعدي:
ولوح ذراعين في بركة ... إلى جؤجؤ رهل المنكب (٢)
أي مع بركة.
стр. 620
وصدر هذا البيت ليس بجيد.
وقال:
مهاة النقا لولا الشوى والمآبض ... وإن محض الإعراض لي منك ماحض (١)
الشوى: يريد القوائم، والمآبض: الأرفاغ (٢)، والمهاة: البقر.
يقول: أنت مهاة النقا لولا قوائمها فإنها ليست كقوائمك، وكذلك المآبض.
وفي البقر أشياء أخر ليست في الناس منها القرون، والأذناب وسائر خلقها، وما هناك من الشبه غير العيون وإذا مشى النساء شبهن بالبقر.
فلم يمكنه أن يقول: مهاة النقا لولا الشوى، والمآبض، والأظلاف، والقرون، والشعر، والجلد، وغير ذلك مما ليس في الإنسان.
وإذا اقتصر الإنسان على بعض هذه الأشياء أجزأته، وإنما أخطر أبو تمام بباله قول الشاعر:
فعيناك عيناها، وجيدك جيدها ... سوى أن عظم الساق منك دقيق (٣)
فلذلك قال: الشوى.
وقوله: «والمآبض» عي منه ولكنه، وأراد القافية.
وقوله: «وإن محض الإعراض لي منك ماحض»، أي أنا أجعلك كمهاة النقا، وأشبهك بها وإن أعرضت عني، وهو معنى ضعيف جداً.
стр. 621
وقد يجوز أن يكون أراد: لولا (١) الشوى والمآبض وأن محض الإعراض لي منك ماحض بفتح أن أي لولا أن محض الإعراض لي منك ماحض، يريد أن مهاة النقا لا تقصده بإعراض، ولا غير إعراض، وهذا أيضاً معنى ضعيف.
... وقال البحتري:
دنا السرب إلا أن هجرا يباعده ... ولاحت لنا أفراده وفرائده (٢)
والسرب: القطيع من الظباء، والنساء، والقطا، وهو ههنا: النساء.
وقوله: «لاحت لنا أفراده» أي أفراده في الحسن، جمع فرد.
وفرائده درره، جمع فريدة، وهي الدرة، يريد نساء مفردات في الحسن ونساء كفرائد الدرر.
وبعضهم يجعل الفرائد ههنا: الثغور.
... وقال أيضاً:
عارضننا أصلاً، فقلنا: الربرب ... حتى أضاء الأقحوان الأشنب (٣)
الربرب: القطيع من بقر الوحش، أي فحسبنا هن من البقر؛ لشبههن بهن من جهة عيونهن.
«حتى أضاء الأقحوان الأشنب» يريد ثغورهن، أي لما ابتسمن علمنا أن لسن بالبقر؛ لأن البقر لا يبسمن، ولا يبدو لهن سن إلا عند التثاؤب، أو الرعي.
стр. 622
ونور الأقحوان من أشبه شيء بالثغر، والأشنب: البارد.
وهذا الابتداء أجود من جميع ما مضى.
... وقد تصرف البحتري في الابتداآت بهذا المعنى تصرفاً حسناً فقال (١):
إن الظباء غداة سفح محجر ... هيجن حر جوى، وفرط تذكر (٢)
وقال:
هل فيكم من واقف متفرس ... يعدي على نظر الظباء الأنس (٣)
وقال:
يشوقك تخويد الجمال القناعس ... بأمثال غزلان الصريم الكوانس (٤)
وقال:
ما لذا الريم لا يرام اقتناصه ... وهو للقرب بين إفراصه (٥)
وقال:
توهم ليلى وأظعانها ... ظباء الصريم وغزلانها (٦)
وقال:
عند ظباء الرمل أوعينه ... قلب مشوق القلب محزونه (٧)
стр. 623
وقال:
رنو ذاك الغزال أو غيده ... مولع ذي الوجد بالذي يجده (١)
وهذا كله من ذكر الظباء، غاية في حسنه، وصحته، وحلاوته، على اختلاف فنونه ومعانيه.
ولست أعرف لأبي تمام غير البيتين الأولين في ذكر البقر.
стр. 624
ابتداآتهما بذكر الثغور
قال أبو تمام:
وثناك إنها إغريض ... ولآل توم، وبرق وميض (١)
وهذا وصف حسن، وزاد حسنه وبهجته أنه جعله يميناً حلف بها.
والإغريض: ما تنشق عنه الطلعة، وهو الضحك أيضاً.
والتوم: حب يعمل من الفضة يشبه بالؤلؤ.
وقد كان يكفيه أن يقول: و [لآل] (٢) ولكنه احتاج إلى توم.
... وقال البحتري:
يضحكن عن برد ونور أقاح ... ويشبن ظلم رضابهن براح (٣)
وقال أيضاً:
أضواء برق بدا، أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي (٤)
وقال أيضاً:
بعينيك ضوء الأقحوان المفلج ... وتفتير عيني فاتر اللحظ أدعج (٥)
стр. 625
وقال أيضاً:
تبسم عن واضح ذي أشر ... وتنظر من فاتر ذي حور (١)
شبه أبو تمام في بيته الثغر بثلاثة أشياء: بالإغريض، ولؤلؤ التوم، والبرق.
وشبهه البحتري بالبرد، والأقاحي في صدر البيت، وكلا الصدرين جيد.
ولو كان أبو تمام قال: «وجنى لؤلؤ وبرق وميض» لفضلت بيته.
وجنى لؤلؤ: هو (٢) اللؤلؤ الرطب، ولكن قوله: «ولآل توم» ليس بالجيد.
... فاجعلهما في البيتين متكافئين، وسائر أبيات البحتري فضل.
стр. 626
ابتداآتهما بذكر البكاء والدموع
قال أبو تمام:
لو صحح الدمع لي، أو ناصح الكمد ... لقلما صحباك الخد والكبد (١)
وهذا بيت صالح، وليس بالجيد، ولم يستو له أن يقول: العين والكبد؛ لأنهما مؤنثتان فكان يقول: صحبتاك، فجعل مكان العين الخد؛ لأنه مذكر، ولأن كثرة البكاء تؤثر فيه، وتذهب بلحمه، وذهاب العين بالبكاء أخص من ذهاب الخد.
ولو قال: «صحباك العين والكبد» لكان ذلك سائغاً وإن كانتا مؤنثتين؛ لأن هذا يجوز فيما ليس لتأنيثه حقيقة.
ولأبي تمام في باب الفراق والتوديع من الابتداآت بذكر البكاء والدمع، كل شيء جيد نادر، وقد مضى في بابه.
... وقال البحتري:
شوق إليك تفيض منه الأدمع ... وجوى عليك تضيق عنه الأضلع (٢)
وهذا من مشهور أبياته في الحسن والجودة.
стр. 627
وقال أيضاً:
يكاد يبدي لسعدي غيب ما أجد ... تحدر من دراك الدمع مطرد (١)
وهذا معنى حلو حسن.
وقال أيضاً:
لأخي عبرة ما تجف ... وغرام يدوي الحشا، ويشف (٢)
وقال أيضاً:
تعود عوائد الدمع المراق ... على ما في الصدر من احتراق (٣)
وقال أيضاً:
دموع عليها السكب ضربة لازم ... تجدد من عهد الصبا المتقادم (٤)
وقال أيضاً:
أدمع قد غرين بالهملان ... وفؤاد قد لج في الخفقان (٥)
وقال أيضاً:
بعينك لوعة القلب الرهين ... وفرط تتابع الدمع الهتون (٦)
وقال أيضاً:
تذكر محزون، وأنى له الذكرى ... وفاضت بغزر الدمع مقلته العبرى (٧)
стр. 628
وقال أيضاً:
بأي أسى تثني الدموع الهوامل ... ويرجى زيال من جوى لا يزايل (١)
وهذه كلها ابتداآات جياد، وأجود منها ومن كل ابتداء في هذا الباب وغيره بذكر البكاء والدمع قوله:
قلب مشوق عناه البث والكمد ... ومقلة تبذل الدمع الذي تجد (٢)
وقد ذكرته في باب الفراق (٣)، وهذا موضعه.
стр. 629
ابتداآتهما بذكر السهر وطول الليل
ولا أعرف في وسط كلامهما من هذا الباب شيئاً يعتد بمثله كنحو ما جاء في الشعر القديم والمحدث.
وقال أبو تمام:
أفنى، وليلي ليس يفنى آخره ... هاتا موارده فأين مصادره؟ (١)
وهذ ابتداء حسن وكلام حسن سجسج (٢)، ومعنى جيد بالغ.
وقد أخذ البحتري معنى هذا الصدر فوقع دونه فقال:
له الويل من ليل بطاء أواخره ... ووشك نوى حي تزم أباعره (٣)
وقد ذكرته في ابتداآت باب الفراق (٤).
... وقال البحتري:
هو الظلام فلا صبح ولا شفق ... هل يطلق الليل عن عيني فأنطلق (٥)
عجز هذا البيت في غاية الصحة والبراعة والحسن والحلاوة، ولكن قوله:
«والظلام فلا صبح» معنى [غير] صحيح؛ لتوقعه الصبح وهو مبطيء متأخر فما وجه قوله: ولا شفق، لأن من كان في الليل فإنما يتوقع الصبح ولا يتوقع الشفق، وأظنه أراد نحن في ظلام ولسنا في أول نهار ولا آخره.
стр. 630
وقال أيضاً:
أبى الليل إلا أن يعود بطوله ... على عاشق نزر المنام قليله (١)
وقال:
ليلي بذي الأثل عناني تطاوله ... أرى به مقبلاً قرناً أنازله (٢)
وقال أيضاً:
ترى الليل يقضي عقبة من هزيعه ... أو الصبح يجلو غرة من صديعه (٣)
هذه أبيات كلها جيدة المعنى، بارعة اللفظ، حسنة السبك، كثيرة الماء والرونق.
وهذا البيت الأخير أجودها وأبرعها.
وقال أيضاً:
أيها العاتب الذي ليس يرضى ... نم هنيئاً فلست أطعم غمضا (٤)
стр. 631
باب آخر من الابتداآت
قال أبو تمام:
متى أنت عن ذهليه الحي ذاهل ... وصدرك منها مدة الدهر آهل (١)
قوله: «ذاهل» أي منصرف، يقال: ذهلت عن الشيء بمعنى انصرفت عنه، فيقول: متى أنت عنها منصرف، وصدرك أبداً منها آهل؟ أي لا تخلو أبداً من قلبك.
وقال البحتري:
ضمان على عينيك أني لا أسلو ... وأن فؤادي من جوى بك لا يخلو (٢)
فعجز هذا البيت مثل عجز [بيت] (٣) أبي تمام، وهو أجود؛ لتصريحه بذكر الجوى.
وصدرا البيتين (٤) مقاربان، وبيت البحتري أجود وأبرع.
وقال البحتري:
هواها على أن الصدود سبيلها ... مقيم بأكناف الحشا ما يزولها (٥)
وهذا البيت أيضاً أجود من بيت أبي تمام لفظاً ومعنى.
وقال في نحو هذا:
أأفاق صب من هوى فأفيقا ... أو خان عهداً، أو أطاع شفيقا؟ (٦)
стр. 632
وقال أيضاً:
أراد سلواً عن سليمى وعن هند ... فغالبه غي السفاه على الرشد (١)
وقال: سواي مرجى سلوة، أو مريدها ... إذا واقدات الحب حب خمودها (٢)
وهذا كله غاية في الحسن والجودة.
وقد تصرف البحتري في باب الوجد والغرام وشدة الحب في ابتداآته تصرفاً حسناً، فمن ذلك قواه:
حاشاك من ذكرى ثنته كئيبا ... وصبابة ملأت حشاه ندوبا (٣)
وقال أيضاً:
حقاً أقول: لقد تبلت فؤادي ... وأطلت مدة غيي المتمادي (٤)
وقال أيضاً:
ناهيك من حرق أبيت أقاسي ... وجروح حب ما لهن أواس (٥)
وقال أيضاً:
أتراك تسمع للحمام الهتف ... شجواً يكون كشجوي المستطرف (٦)
وقال أيضاً:
يهون عليها أن أبيت متيماً ... أعالج وجداً في الضمير مكتما (٧)
стр. 633
وقال أيضاً:
غرام ما أتيح من الغرام ... وشجو للمحب المستهام (١)
وقال أيضاً:
أنافع عند ليلى فرط حبيها ... ولوعة لي أبديها وأخفيها (٢)
وقال أيضاً:
قليل لها أني بها مغرم صب ... وأن لم يقارف غير وجد بها القلب (٣)
أراد: قليل لها غرامي بها وصبابتي وإن لم أهو غيرها، ولا وجه لكسر أن الثانية.
فانظر إلى هذا التصرف الحسن، والألفاظ المختلفة في المعاني المتقاربة.
ولا أعرف لأبي تمام في هذا كله شيئاً.
... ومما افتتحه البحتري بالهجر قوله:
نصيبي منك لوم العاذلات ... وهجران أطلت به أذاتي (٤)
وقال أيضاً:
شد ما أغريت ظلوم بهجري ... بعد وجدي بها وغلة صدري (٥)
стр. 634
وقال أيضاً:
خير يوميك في الهوى واقتباله ... يوم يدنيك من وصاله (١)
وقال أيضاً:
لج هذا الحبيب في هجرانه ... وغدا والصدود أكبر شانه (٢)
وقال أيضاً:
لي حبيب قد لج في الهجر جداً ... وأعاد الصدود منه وأبدى (٣)
وقال أيضاً:
طاف الوشاة به فصد وأعرضا ... وغلا به هجر أمض وأرمضا (٤)
وقال أيضاً:
متى وصل منك ومنك هجر ... وفي ذل، وفيك كبر (٥)
... وليس لأبي تمام في هذا النحو شيء إلا قوله:
خشنت عليه أخت بني خشين ... وأنجح فيك قول العاذلين (٦)
وهذا بتداء رديء.
стр. 635
ومما جاء في ابتداآته في ذكر العيون
قال البحتري (١):
تريك الذي حدثت عنه من السحر ... بطرف عليل اللحظ مستغرب الفتر (٢)
وقال أيضاً:
غال صبري أما سألت بصبري ... ما بعينيك من فتور وسحر (٣)
وقال أيضاً:
ما بعيني هذا الغزال الغرير ... من فتون مستجلب من فتور (٤)
وقال أيضاً:
ومهتزة الأعطاف نازحة العطف ... منعمة الأطراف فاترة الطرف (٥)
وقال أيضاً:
سطا فما يأمنه خله ... أغيد ساجي الطرف معتله (٦)
وقال أيضاً:
فتور العيون وإمراضها ... نبو الجنوب وإقضاضها (٧)
وهذا كله جيد حسن عذب.
وليس لأبي تمام في معناه شيء.
следующие страницы →