← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

باب آخر من الابتداآت قال أبو تمام: متى أنت عن ذهليه الحي ذاهل ... وصدرك منها مدة الدهر آهل (١) قوله: «ذاهل» أي منصرف، يقال: ذهلت عن الشيء بمعنى انصرفت عنه، فيقول: متى أنت عنها منصرف، وصدرك أبداً منها آهل؟ أي لا تخلو أبداً من قلبك. وقال البحتري: ضمان على عينيك أني لا أسلو ... وأن فؤادي من جوى بك لا يخلو (٢) فعجز هذا البيت مثل عجز [بيت] (٣) أبي تمام، وهو أجود؛ لتصريحه بذكر الجوى. وصدرا البيتين (٤) مقاربان، وبيت البحتري أجود وأبرع. وقال البحتري: هواها على أن الصدود سبيلها ... مقيم بأكناف الحشا ما يزولها (٥) وهذا البيت أيضاً أجود من بيت أبي تمام لفظاً ومعنى. وقال في نحو هذا: أأفاق صب من هوى فأفيقا ... أو خان عهداً، أو أطاع شفيقا؟ (٦)

стр. 632

وقال أيضاً: أراد سلواً عن سليمى وعن هند ... فغالبه غي السفاه على الرشد (١) وقال: سواي مرجى سلوة، أو مريدها ... إذا واقدات الحب حب خمودها (٢) وهذا كله غاية في الحسن والجودة. وقد تصرف البحتري في باب الوجد والغرام وشدة الحب في ابتداآته تصرفاً حسناً، فمن ذلك قواه: حاشاك من ذكرى ثنته كئيبا ... وصبابة ملأت حشاه ندوبا (٣) وقال أيضاً: حقاً أقول: لقد تبلت فؤادي ... وأطلت مدة غيي المتمادي (٤) وقال أيضاً: ناهيك من حرق أبيت أقاسي ... وجروح حب ما لهن أواس (٥) وقال أيضاً: أتراك تسمع للحمام الهتف ... شجواً يكون كشجوي المستطرف (٦) وقال أيضاً: يهون عليها أن أبيت متيماً ... أعالج وجداً في الضمير مكتما (٧)

стр. 633

وقال أيضاً: غرام ما أتيح من الغرام ... وشجو للمحب المستهام (١) وقال أيضاً: أنافع عند ليلى فرط حبيها ... ولوعة لي أبديها وأخفيها (٢) وقال أيضاً: قليل لها أني بها مغرم صب ... وأن لم يقارف غير وجد بها القلب (٣) أراد: قليل لها غرامي بها وصبابتي وإن لم أهو غيرها، ولا وجه لكسر أن الثانية. فانظر إلى هذا التصرف الحسن، والألفاظ المختلفة في المعاني المتقاربة. ولا أعرف لأبي تمام في هذا كله شيئاً. ... ومما افتتحه البحتري بالهجر قوله: نصيبي منك لوم العاذلات ... وهجران أطلت به أذاتي (٤) وقال أيضاً: شد ما أغريت ظلوم بهجري ... بعد وجدي بها وغلة صدري (٥)

стр. 634

وقال أيضاً: خير يوميك في الهوى واقتباله ... يوم يدنيك من وصاله (١) وقال أيضاً: لج هذا الحبيب في هجرانه ... وغدا والصدود أكبر شانه (٢) وقال أيضاً: لي حبيب قد لج في الهجر جداً ... وأعاد الصدود منه وأبدى (٣) وقال أيضاً: طاف الوشاة به فصد وأعرضا ... وغلا به هجر أمض وأرمضا (٤) وقال أيضاً: متى وصل منك ومنك هجر ... وفي ذل، وفيك كبر (٥) ... وليس لأبي تمام في هذا النحو شيء إلا قوله: خشنت عليه أخت بني خشين ... وأنجح فيك قول العاذلين (٦) وهذا بتداء رديء.

стр. 635

ومما جاء في ابتداآته في ذكر العيون قال البحتري (١): تريك الذي حدثت عنه من السحر ... بطرف عليل اللحظ مستغرب الفتر (٢) وقال أيضاً: غال صبري أما سألت بصبري ... ما بعينيك من فتور وسحر (٣) وقال أيضاً: ما بعيني هذا الغزال الغرير ... من فتون مستجلب من فتور (٤) وقال أيضاً: ومهتزة الأعطاف نازحة العطف ... منعمة الأطراف فاترة الطرف (٥) وقال أيضاً: سطا فما يأمنه خله ... أغيد ساجي الطرف معتله (٦) وقال أيضاً: فتور العيون وإمراضها ... نبو الجنوب وإقضاضها (٧) وهذا كله جيد حسن عذب. وليس لأبي تمام في معناه شيء.

стр. 636

وقال أيضاً: لوت بالسلام بناناً خضيباً ... ولحظاً يشوق الفؤاد الطروبا (١) عهدت بعض الشيوخ يكره قوله: «لوت»، ويقول: كان ينبغي أن يقول: أشارت، أو أومأت، أو نحو هذا، وكان بعضهم يحتج له ويقول: لم يمكنه ذاك في نظم البيت. والذي أظنه أنا أنه أومأ إليها بالسلام فردت عليه والسلام الأول يشار فيه بمد الإصبع على استقامة، والرد: فمن الناس من يرد بمد الإصبع على استقامة أيضاً، ومنهم من يفتلها ويلويها كأنه يقول بإصبعه: وعليك، فيلويها إذا أراد هذا المعنى، وذلك مما نراه أبداً مشاهدة، ونفعله. وقد ذكر البحتري لي البنانة في موضع آخر فقال: إن الفراق جلا لنا عن غادة ... بيضاء تجلو عن شتيت أشنب (٢) ألوت بموعدها القديم، وأيأست ... منه بلي بنانة لم تخضب (٣) فدل هذا على مثل ذاك، وإن كان المعنيان مختلفين في أنها لم تمد إصبعها مشيرة بها على استقامة كما يشير المبتديء بالسلام، وإنما ألوت إصبعها في الإشارة إليه إما يمنة أو شأمة بمعنى تنح عنا، أو اعدل عنا؛ فليس إلى ما التمست سبيل. وفي البيت سؤال آخر وهو قوله: «لم تخضب» ومن شأنهم أن

стр. 637

يصفوا بنان المرأة بالخضاب نحو قول الشاعر: ويبدي الحصى منها إذا قذفت به ... من البرد أطراف البنان المخضب وقول الراعي: * حمر الأنامل عين طرفها ساج * ومثله كثير (١)، وعليه مذاهب الناس. ولا نعلم أحداً شرط في البنان أنه غير مخضوب غير البحتري في هذا البيت، وإنما يذكرون الخضاب أو لا يذكرونه. وما أظن البحتري قال هذا عياً ولا جزافاً ولا قاله إلا أن البنانة لم تكن مخضوبة، فوصف الحال على مذاهب الناس ومذهبه في وصف الشيء على ما هو؛ لأن هذا إذا أورده على ما هو لم تك فائدة، فأقول: إنه قد يجوز أن يكون (٢) والله أعلم ذهب إلى أحد معنيين: إما أن يكون خطر بباله عند نظم البيت قول الشاعر: وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين (٣) فقال هو: «وأيأست منه بلي بنانة لم تخضب»؛ لأن المرأة لا عهد لها مخضوبة البنان كانت أو غير مخضوبة؛ ألا ترى إلى قوله بعد هذا: وأرت العهود الغانيات صبابتي ... آلاً جرى، ووميض برق خلب (٤)

стр. 638

فدلك هذا على أنه خطر ذلك البيت بباله فذهب إلى ذلك المعنى. أي من كان يذم عهد مخضوبة البنان فهذه غير مخضوبة وأنا أذم عهدها أيضاً، فهذا المعنى -إن شاء الله- جيد لائق. والمعنى الآخر: أن يكون أراد أنها عزفت عن الصبا، وتركت الزينة؛ لأنه قال: «ألوت بموعدها القديم»، فدل على أنه إنما انتجزها موعداً قديماً وأن حالها الآن غير تلك الحال. وهذا أيضاً وجه قوي دقيق، وكأنه أولى من المعنى الأول بالصواب، والله أعلم. قوله: «ولحظاً يشوق الفؤاد الطروبا» بالنصب (١) إنما أراد ألوت بالسلام بناناً خضيباً، ولحظت لحظاً يشوق الفؤاد.

стр. 639

ومن ابتداآت البحتري في التشوق قال: أقيم على التشوق أم أسير ... وأعدل في الصبابة أم أجور؟ (١) وقال أيضاً: شوق له بين الأضالع هاجس ... وتذكر للصدر منه وساوس (٢) وقال أيضاً: عهد المشوق بوصل الأنس الخرد ... يكاد يشرك نجم الليل في البعد (٣) وقال أيضاً: لبيت فيك الشوق حين دعاني ... وعصيت نهى الشيب حين نهاني (٤) وقال أيضاً: أما لعيني كليم الهم تغميض ... أم الكرى عن جفون العين مرحوض (٥) وقال أيضاً: يبيت له من شوقه ونزاعه ... أحاديث نفس أوشكت من زماعه (٦) أي أسرعت من إزماعه على الرحيل.

стр. 640

وقال أيضاً: شوق إليك تفيض منه الأدمع ... وجوى عليك تضيق عنه الأضلع (١) وقد مر هذا البيت في باب البكاء والدمع (٢) ... وهذه كلها ابتداآت جياد لفظاً ومعنى. ولا أعرف لأبي تمام في نحو هذا شيئاً.

стр. 641

وفي ابتداآت البحتري في معان شتى وهي كثيرة قال: رأى البرق مجتازاً فبات بلا لب ... وأصباه من ذكر البخيلة ما يصبي (١) وقال أيضاً: أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر ... وألام من كمد عليك وأعذر (٢) وقال أيضاً: يزداد في غي الصبا ولعه ... فكأنما يغريه من يزعه (٣) وقال أيضاً: بودي لو يهوى العذول ويعشق ... فيعلم أسباب الهوى كيف تعلق (٤) وقال أيضاً: أجرني من الواشي الذي جار واعتدى ... وغابر حب غار بي ثم أنجدا (٥) وقال أيضاً: بالله أولى يميناً برة قسما ... ما كان ما زعم الواشي كما زعما (٦)

стр. 642

وقال أيضاً: تغير أوحال عن عهده ... وأضمر غدراً ولم يبده (١) وقال أيضاً: جائز في الحكم لو شاء قصد ... أخذ النوم وأعطاني السهد (٢) ... مضت الابتداآت بأنواع الغزل. وأنا أذكر الآن ما جاء عنهما من أوصاف الغزل في وسط الكلام، وأتلقط ذلك من باب الفراق والتوديع، وسائر أبواب التشبيب (٣)؛ ليكون كل نوع من أنواع الوصف في باب واحد لا في أبواب متفرقة.

стр. 643

ذكر ما قالاه في الجمال والبهجة وحسن الوجوه وتشبيه النساء بالشموس، والبدور، والنجوم، وغير ذلك قال أبو تمام: لحقنا بأخراهم وقد حوم الهوى ... قلوباً طيرها وهي وقع فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع نضا ضوؤها صبغ الدجنة وانطوى ... لبهجتها ثوب السماء المجزع (١) فوالله ما أدري أأحلام نائم ... وتشعب أعشار القلوب وتصدع (٢) وأقرع بالعتبى حمياً عتابها ... وقد تستقيد الراح حين تشعشع؟ وتقفو لي (٣) الجدوى بجدوى وإنما ... يروقك بيت الشعر حين يصرع قوله: «حوم الهوى قلوباً» أي هيجها الشوق وكانت طيرها ساكنة. يريد أن ظعنهم هيج الشوق بعد سكونه والدار جامعة. و «ثوب السماء المجزع» يريد طمس نورها نور الكواكب التي هي نقش السماء، كالجزع نقط البياض. و «يوشع» يريد يوشع بن نون، قيل: إن الشمس ردت له، في قصة تؤثر.

стр. 644

وقوله: «تحيي الهوى» أي بهجرها، و «تميته» بوصلها ونائلها، كما قال جرير: فلما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله (١) أي لما أصيبت مقاتله بالاجتماع. «وتشعب أعشار الفؤاد» (٢) تضمها، وتلائم بينها، وأعشاره: أجزاؤه من قول امريء القيس * «في أعشار مقتل» * (٣) وإنما قيل أعشار؛ لأن العشرة نهاية في كل شيء من العدد، واحدها عشر، فإنما أراد جميع القلب. وقوله: «تصدع»، أي تشق، يريد (٤) تلائم بين أجزائه مرة، وتفرق مرة أخرى بينها، مثل قوله: «تحيي الهوى وتميته». وقوله: «وأقرع بالعتبى حميا عتابها»، أي أعتب إذا عاتبت، وأنتهي إلى ما فيه رضاها، فجعل شدة غضبها عند العتاب حميا كحميا الخمر، وهي شدتها، وجعل العتبى التي تكون منه حتى يزول غضبها قرعاً كقرع الخمر بالماء حتى تلين. وقوله: «وقد تستقيد الراح حين تشعشع»، أي وهي مع أني كسرت غضبها وقمعته يقهرني حبها، ويغلبني سكر هواها، ويملكني كما تستقيد الراح فتصرع بالسكر من يقرعها بالمزاج.

стр. 645

وهذه كلها معان صحيحة مستقيمة، واستعارت لائقة بما استعيرت له. فأما قوله: وتقفو لي الجدوى بجدوى وإنما ... يروقك بيت الشعر حين يصرع فلفظ حسن حلو، ولكنه مثل شيئاً بشيء كان غيره بالتمثيل أليق، وذلك لما قال: «وتقفو لي الجدوى» كان سبيله أن يقول: وإنما يبل الغليل العلل بعد النهل، أو ما كان أشبه هذا وقاربه؛ لأن الجدوى هو نائل المرأة، وليست من حظوظ السمع فيمثل بها بيت الشعر المصرع الذي إنما يروق السمع فقط. ولست أقول إنه أخطأ، ولكن ليس بالجيد اللائق، والجيد فيه قول البحتري: فإن تتبع النعمى بنعمى فإنه ... يزين اللآليء في النظام ازدواجها (١) فجعل اللآليء التي هي فرائد تحصل في اليد والعين والنفس مثالاً لنعمة المنعم وليس للأذن ههنا ولا هناك حظ. ... وقال أبو تمام: عطفوا الخدود على البدور ووكلوا ... ظلم الستور بنور حور نهد (٢) وثنوا على وشي الخدود صيانة ... وشي البرود بمسجف وممهد (٣) البيت الأول حسن حلو، وأخذ قوله: «وثنوا على وشي الخدود صيانة

стр. 646

وشي البرود» من قول الكميت: وأدنين البرود على خدود ... يزين الفداغم بالأسيل أراد بالفداغم: الخدود اللحيمة، أي يزينها بأسالة خدودهن، أو أن يكون أراد بالفداغم المواضع الممتلئة من الجسد بالشحم، فيزين ما كان ممتلئاً بأسالة خدودهن، وهذا غير حسن، والأول أشبه بلفظ البيت. ومعناه أيضاً غير جيد؛ لأن الخد الأسيل إذا اقترن بالخد اللحيم قبحه وشانه ولم يزنه؛ لبيان فضله عليه، وقد ذكرت هذا في أغاليطه مشروحاً (١). ... وقال أبو تمام: وفي الخدور مهاً لو أنها شعرت ... به طغت فرحاً، أو ألبست أسفا (٢) لآليء كالنجوم الزهر قد لبست ... أبشارها صدف الإحصان لا الصدفا من كل خود دعاها البين فابتكرت ... بكراً ولكن غدا هجرانها نصفا (٣) لا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا غيداء جاد ولي الحسن سنتها ... فصاغها بيديه روضة أنفا (٤) مصقولة سترت عنا ترائبها ... قلباً بريئاً يناغي ناظراً نطفا (٥)

стр. 647

(١) قوله: «صدف الإحصان لا الصدفا» ليس بالجيد؛ لأنه قال: قد لبست صدف الإحصان، فأراك أنها لابسته في الحال. وقوله: «لا الصدفا» ليس له وجه؛ لأن اللؤلؤ قد فارق الصدف وليس هو لابسه في الحال. والجيد الصحيح المعنى قول البحتري: إذا نضون شفوف الريط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا (٢) شبه أجسامهن في وقت تجردهن من الثياب، باللؤلؤ في الوقت الذي يقشر عنه الصدف. والعذر لأبي تمام أن يقال: إنما أراد أنها خلقت لابسة صدف الإحصان لا الصدف، أي ليست كاللؤلؤ الذي خلق في الصدف. وبيت البحتري أجود. وقول أبي تمام: «صدف (٣) الإحصان» معنى لطيف. وقوله: «لو شعرت به» أي لو شعرت بشدة وجده طغت فرحاً، أو «ألبست أسفاً على ما فات منه» وهذه طريقة ابن أبي ربيعة التي كانت تليق به، ومع ذلك يعاب بها. وهذه أبيات متكلفة، وخاصة قوله: «فابتكرت بكراً ولكن غدا هجرانها نصفا» فإنه غير شهي، ولا مريء اللفظ، ولا المعنى.

стр. 648

. ولله در أبي عبادة إذ يقول على هذا الوزن: وفي الخدور بذور قلما طلعت ... إلا تصرم ضوء البدر أو كسفا مقسومة بين أرداف مبتلة ... تدعو الهوىن وخصور أرهفت قصفا قد كنت أشكو تمادي حبها حدثاً ... فالآن أطمع في إنصافها نصفا (١) أكاد من كلف أعطي الحمام يداً ... إذا الحمام على أغصانه هتفا ما باشر النار مشبوباً تضرمها ... من لم يضف تحت أحناء الحشا كلفا (٢) أراجع من شبابي قيض مبتذل ... لو أنفقته في لبانات الصبا سرفا لله أيامنا ما كان أحسنها ... لو أن دهراً تولى ذاهباً وقفا لا تكذبن فما الدنيا براجعة ... ما فات من لذة الدنيا وما سلفا ... وقال أبو تمام: ورفيقة اللحظات يعقب رفقها ... بطشاً بمغتر القلوب عنيفا (٣) حزن الصفات روادفاً وسوالفاً ... ومحاجراً ونواظراً وأنوفا (٤) كن البدور الطالعات فأوسعت ... منا أفولاً بالنوى وكسوفا (٥) آرام حي زعزعتهم نية ... تركتك من خمر الفراق نزيفا كانوا رداء زمانهم فتصدعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا (٦)

стр. 649

وهذه معان جيدة لائقة إلا قوله: «لبس الزمان الصوفا»؛ فإن الناس جميعاً استهجنوه، ولو كان اعتمد إن لا يترك قافية على الفاء إلا أوردها لما كلن ينبغي أن ذكر الصوف وخاصة على هذا الوجه. ... وقال البحتري: إن في السرب لو يساعفنا السر ... ب شموساً يمشين مشياً وئيدا (١) يتدافعن بالأكف ويعرضـ ... ـن علينا عوارضاً وخدودا يتبسمن عن شتيت أراه ... أقحواناً مفصلاً أو فريدا رحن والليل قد أقام رواقاً ... فأقمن الصباح فيه عمودا بفتاة مثل المهاة أبت ... أن تصل الوصل، أو تصد الصدودا (٢) ذات حسن لو استزادت من الحـ ... ـسن إليه لما أصابت مزيدا فهي الشمس بهجة، والقصيب الـ ... ـغض ليناً والرئم! طرفاً وجيدا وحسبك بهذا حسناً، وصحة، وجودة، وخاصة هذا البيت الأخير وما جمع فيه من التشبيه بأبرع لفظ، وأحلى سبك، ولكن أفسده بقوله: «أبت أن تصل الوصل، أو تصد الصدودا»، [وإنما علقه من أبي تمام] (٣). ... وقال أبو تمام: سلبنا غطاء الحسن عن حر أوجه ... تظل للب السالبيها سوالبا (٤) وجوه لو أن الأرض فيها كواكب ... توقد للساري لكانت كواكبا

стр. 650

وهذا معنى قديم متداول، وأحسن ما قيل فيه قول مزاحم العقيلي: وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الصبح ينجلي (١) وهذا كثير. وقال البحتري: كالبدر إلا أنها لا تجتلى ... والشمس إلا أنها لا تغرب (٢) فجاء بمعنى آخر فيه سؤال؛ وذلك أنه لما قال: «كالبدر إلا أنها لا تجتلى» كان هذا من أحسن معنى وألطفه؛ لأن عيون الناس كلهم ترى البدر وتجتليه، وهي لا تراها العيون، ولا تجتلى [ثم قال: «والشمس إلا أنها لا تغرب» وإنما قال لا تجتلى] (٣) لأنها (٤) محجوبة، وإذا كانت في حجاب فهي في غروب؛ لأن الشمس إذا غربت فإنما تدخل تحت حجاب، فظاهر المعنى: كالبدر إلا أن العيون لا تراها، والشمس إلا أن العيون لا تفقدها، وظاهر هذا (٥) القول -كما تراه- متناقض، وأظنه أنه أراد أنها وإن كنت في حجاب فإنه لا يقال غربت تغرب كما يقال للشمس، وإنما يقال لها إذا سافرت: بعدت، واغتربت، وغربت إذا توجهت نحو الغرب. وقد يقال للرجل اغرب عنا أي ابعد، ولو استعار لها اسم الغروب عن الأرض التي تكون فيها إذا ظعنت عنها إلى أرض أخرى، كان ذلك حسناً جداً، لا سيما وقد جعلها شمساً، كما قال إبراهيم بن العباس الصولي: وزالت زوال الشمس عن مستقرها ... فمن مخبري في أرض غروبها (٦)

стр. 651

وقد يجوز أن يقول قائل: أنه أراد أنها لا تغرب تحت الأرض كما تغرب الشمس، وهذه معاذير ضيقة لأبي عبادة، فإن لم يك قد أخطأ فقد أساء [وإن لم يكن قد أساء فما أحسن] (١) ... وقال أبو تمام: قالت وقد أعلقت كفي كفها ... حلا وما كل الحلال بطيب (٢) فنعمت من شمس إذا حجبت بدت ... من نورها فكأنها لم تحجب وهذا معنى حسن، وقد تقدم الناس فيه وأكثروا. قال قيس بن الخطيم: قضى لها الله حين صورها الـ ... ـخالق أن لا يكنها سدف (٣) وأجود من هذا قول جرير: كأنها مزنة غراء رائحة ... أو درة لا يواري ضوءها الصدف (٤) ووصل أبو تمام ذلك بأن قال: وإذا رنت خلت الظباء ولدنها ... ربعية، واسترضعت في الربرب إنسية إن حصلت أنسابها ... جنية الأبوين ما لم تنسب قوله: «ربعية» يريد أنها ولدت في الربيع أول النتاج فهي أحسن ما تكون وأقوى، «واسترضعت في الربرب» والربرب: القطيع من [بقر] (٥) كأنه يؤكد حسن عينها.

стр. 652

وقوله: إنسية إن حصلت أنسابها ... جنية الأبوين ما لم تنسب فيه سؤال وهو أن يقال: قوله: «جنية الأبوين» هو كقوله: تممية الأبوين، أو قرشية الأبوين، وهذا أصح ما يكون من النسب، فكيف يقول: ما لم تنسب؟، والنسب إلى الجن كالنسب إلى الإنس، فكما تقول: إنسي فكذلك تقول: جني، فكيف يكون ذلك نسباً، وهذا غير نسب. فالجواب أنه أراد إن حصل نسبها فقيل فلانة بنت فلان من بني فلان علم أنها من الإنس، وإن أبصرها المبصر ولم يسأل عن نسبها ظن أنها من الجن من فرط حسنها الزائد على حسن الإنس المعهود، فإنما قال: «ما لم تنسب» أي ما لم ننسبها (١) إلى آبائها من الإنس، وقال المؤمل بن إميل المحاربي (٢): جنية أو لها جن يعلمها ... رمي القلوب بسهم ماله وتر وأحسن في هذا كل الإحسان؛ لأن الرمي عن غير وتر ليس من رمي الإنس وقال بشار (٣): إنسية .............. جنية ... أو فوق ذاك أجل قدرا فجعلها لحسنها فوق الإنس والجن. وقال حسان: جنية أرقني حبها ... تذهب صبحاً وترى في المنام (٤)

стр. 653

فأما قول الشنفرى: * فلو جن إنسان من الحسن جنت (١) * فإني أظنه أراد: لو عرضت الجن لأحد من حسنه عرضت لها، وقد قيل فيه غير شيء، وكله رديء، وليس مثله يذكر. ... وقال أبو تمام: أين التي كانت إذا شاءت جرى ... من مقلتي دمع يعصفره دم (٢) بيضاء تسري في الظلام فيكتسي ... نوراً وتبدو في الضياء فيظلم (٣) يستعذب الرعديد فيها حتفه ... فتراه وهو المستميت المعلم (٤) مقسومة في الحسن بل هي غاية ... فالحسن فيها والجمال مقسم ملطومة بالورد أطلق طرفها ... في الخلق فهو مع المنون محكم قوله: «بيضاء تسري في الظلام فيكتسي نوراً» هو مذهب الناس نحو قول امريء القيس: تضيء الظلام بالعشاء كأنها ... [منارة ممسى راهب متبتل] (٥) وقول مزاحم: «صدعن الدجى» وأشباه هذا. وقوله: «تبدو في الضياء فيظلم» يريد أن نورها يغلب على ضوء

стр. 654

النهار حتى يصير كأنه مظلم، وهذا أيضاً معروف، من قولهم: لو برزت للشمس لكسفتها، والنهار عند نور وجهها ليل، وأشباه هذا. وقال في موضع آخر: ولهت فأظلم كل شيء دونها ... وأضاء منها كل شيء مظلم (١) فقوله: «أظلم كل شيء دونها» ليس من هذا الباب، وإنما أراد أن أمر الفراق أولهها فأظلمت الأشياء في عينها؛ لعظم ما ورد عليها. وهذا مثل قول الشاعر، وأنشد أبو تمام في الحماسة: نعى لي أبا المقدام فاسود منظري ... من الأرض واستكت علي المسامع (٢) قوله: و «أضاء منها كل شيء مظلم» مثل قوله: «تبدو في الظلام فيكتسي نوراً». وقوله: «مقسومة في الحسن» أي محظوظة منه، كأنها قد قسم لها منه، والقسم: النصيب. وقوله: «ملطومة بالورد» يريد حمرة خدها، فلم يقل: مصفوعة بالقار، ويريد سواد شعرها، ومخبوطة بالشحم يريد امتلاء لجسمها، ومضروبة بالقطن يريد بياضها، إن هذا لأحمق ما يكون من اللفظ، وأسخفه، وأوسخه. وقد جاء مثل هذا في كلام العرب ولكن على وجه حسن، قال النابغة: وقذوفة بدخيس اللحم بازلها ... [له صريف صريف القعو بالمسد] (٣)

стр. 655

يريد أنها قذفت بالشحم، أي كأنه رمي على جسمها رمياً. وإنما ذهب أبو تمام إلى قول أبي نواس: «وتلطم الورد بعناب» (١) وهذه كانت تلطم على الحقيقة في مأتم على ميت بأنامل مخضوبة الأطراف، فجعلها عناباً تلطم به ورداً، فأتى بالظرف كله، والحسن أجمعه، والتشبه على حقيقته. وجاء أبو تمام بالجهل على وجهه، والحمق بأسره، والخطأ بعينه. ... وقال: ومقدودة رود تكاد تقدمها ... أصابتها بالعين من حسن القد (٢) تعصفر خديها العيون بحمرة ... إذا وردت كانت وبالاً على الورد إذا زهدتني في الهوى خيفة الردى ... جلت لي عن وجه يزهد في الزهد قوله: «من حسن القد» بضم السين، من أقبح لفظة وأهجنها. ومثل قوله: * «أعرضت عن الإعراض» * (٣) وهذا إذا سمعه الأعراب ضحكوا منه، بل الجيد قوله: لولا العيون وتفاح الخدود إذا ... ما كان يحسد أعمى من له بصر (٤)

стр. 656

وأول هذه القصيدة: يا هذه أقصري ما هذه بشر ... ولا الخرائد من أترابها الأخر (١) خرجن في خضرة كالروض ليس لها ... إلا الحلي على أعناقها زهر بدرة حفها من حولها درر ... أرضى غرامي فيها دمعي الدرر صب الشباب عليها وهو مقتبل ... ماء من الحسن ما في صفوه كدر قوله: «خرجن في خضرة» فإن الخضرة ليست من ألوان ثياب نساء البادية ولا من صبغ نساء الأمصار إلا في الفرط، لا يلبس إلا أن يكون أصل لون الثوب أخضر. وقد جعل (٢) أبو تمام جميع لباس هؤلاء النسوة الأخضر، وشبهه بالروض من أجل تشبيهه الحلي بالزهر، وهو نبت حسن، وغرضه في ذكر الخضرة غرض صحيح إلا أنه غير معروف. ... وقال البحتري: واخضر موشى البرود وقد بدا ... منهن ديباج الخدود المذهب (٣) ذكر الخضرة لأنه لم يجد لوناً غيرها؛ وذلك أن البياض ليس مما توصف به ثياب النساء، والسواد ثياب الحزن والمصائب، وقد جعل خدودهن ديباجاً مذهباً، والذهب يشتمل على لون الحمرة، والصفرة، والتوريد هو من ألوان الخد، والكحلي لا يلفظ به، والعرب لا تذكره في

стр. 657

الألوان، وكذلك الأزرق لا تستعمله إلا في صفة الماء والصبح، ويقولون: عدو أزرق، أي حديد النظر، وسنان أزرق أي حديده، ولم يبق من الألوان ما يخالف لون الخدود المذهبة كما قال إلا الخضرة، فهذا وجه ذكر البحتري الخضرة؛ لأنه لو قال: واحمر موشى الخدود وقد بدا ... منهن ديباج الخدود المذهب لكان مدحاً بلونين متفقين. ... وقال البحتري: هز منها شرخ الشباب فجالت ... فوق خصر كثير جول الوشاح (١) وأرتنا خداً يراح له الور ... د ويشتمه جنى التفاح وشتيتاً يغض من لؤلؤ النظـ ... ـم ويزري على شتيت الأقاحي فأضاءت تحت الدجنة للشر ... ب وكادت تضيء للمصباح وأشارت على الغناء بألحا ... ظ مراض من التصابي صحاح فطربنا لهن قبل المثاني ... وسكرنا منهن قبل الراح قد تدير الجفون من عدم الألـ ... ـباب ما لا يدور في الأقداح قوله: «فجالت فوق خصر» كلام حسن. وقوله: «يراح له الورد» حسن أيضاً. وقول أبي تمام: «كانت وبالاً على الورد» أحسن منه وألطف، وأشبه بما يستعمل في هذا المعنى.

стр. 658

وقوله: «ويشتمه جنى التفاح» ليس بالجيد، بل هو رديء؛ لأنه لا يدخل في الاستعارة أن يشتم التفاح خدها، ولكنه يحمل على أن لو كان مما يشتم لاشتم خدها، أو لو كان الورد مما يراح لراح له. و «يراح» أسهل من «يشتم». وهذا مثل قول [عوف بن عطية] (١) بن الخرع: لها حافر مثل قعب الوليد ... يتخذ الفأر فيه مغارا (٢) والفأر لا تتخذ في الحافر مغاراً، وإنما قال ذلك لعظم الحافر، ومثله أيضاً قولهم: جاء بجفنة يقعد فيها خمسة، وإنما أراد لو قعدوا فيها لو سعتهم. وهذا على كل حال أقرب من استعارة البحتري. وقوله: «وشتيتاً يغض من لؤلؤ النظم» بيت في غاية الجودة، والصحة، والبراعة. وكذلك قوله: «وكادت تضيء للمصباح» وهو أجود من قول أبي تمام: «وتبدو في الضياء فيظلم»، وأوضح وأليق، وأشد مبالغة في الضوء. ... وقال (٣) البحتري: وبنفسي مستغرب الحسن فيه ... حيد عن محبه ونفار (٤) فاتر الناظرين ينتسب الور ... د وجنتيه والجلنار (٥) مذنب يكثر التجني فمنه الذ ... نب ظلماً ومني الاعتذار

стр. 659

وهذا من قول المؤمل بن أميل المحاربي: * وتذنبون فنأتيكم فنعتذر (١) * وقال البحتري: وقد نهيت فؤادي لو يطاوعني ... عن ذي دلال غريب الحسن مفرده (٢) عن حب أحوى أسيل الخد أبيضه ... ساجي الجفون كحيل الطرف أسوده مثل الكثيب تعالى في تراكمه ... مثل القضيب تثنى في تأوده فجعل الخد ههنا أبيض من أجل قوله: «كحيل الطرف أسوده». وابيضاض الخد عند كثير من الناس -إذا كان له ماء ورونق- أحسن من احمراره. وقوله: «أحوى» إنما ذهب به إلى الظبي، وهو الذي في ظهره خط أسود، فقال «أحوى» مكان قوله «ظبي» لو قاله. وهذا لفظ ومعنى في غاية الحسن. وقال: بيضاء أوقد خديها الصبا وسقى ... أجفانها من مدام الراح ساقيها (٣) في حمرة الورد شكل من تلهبها ... وللقضيب نصيب من تثنيها قوله: «أو قد خديها الصبا» يريد احمرارها، وهذا لفظ حسن ومعنى مستقيم.

стр. 660

وقوله: «وسقى أجفانها من مدام الراح ساقيها» يريد تفتير ألحاظها، وانكسار أجفانها من الغنج، كما تتكسر أجفان السكران. وهذا كقوله: تحسبه نشوان إما رنا للـ ... فتر من أجفانه وهو صاح (١) والأشهر (٢) الأكثر في كلامهم تشبيههم أجفان المحبوب بطرف الوسنان لا بطرف السكران، فذلك نحو قول الشاعر: وكأنها بين النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم (٣) وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم (٤) ويجعلون طرف المحبوب هو الذي يسكر، ويقيمونه مقام الراح، وقد أكثر البحتري من هذا الوصف، وذلك قوله: أرسلت شغلين: من لفظ محاسنه ... تدوي الصحيح ولحظ يسكر الصاحي (٥) حييت خديك بل حييت من طرب ... ورداً بورد وتفاحاً بتفاح [وقوله: قد تدير الجفون من عدم الألـ ... ـباب ما لا يدور في الأقداح] (٦)

стр. 661

وقوله: وما أسكرتني الراح لكن أعانها ... علي بعينيه الغداة ومديرها (١) وقوله: سقاني بكأسيه وعينيه قادراً ... بألحاظه دون المدام على سكري (٢) وقوله: مسكري إن شربت منه بعيني ... أرجوان من خمر خديه صرف (٣) ولو قال: «خندريس من خمر عينيه» كان ذلك صحيحاً مستقيماً، ولكن «أرجوان من خمر خديه» أحسن وألطف. ولما قيل: «بيضاء أوقد خديها الصبا» كان يجب أن يقول: في حمرة الورد شكل من تلهبها، فلم يقل، ونسب التلهب إليها، وإن كان للخدين، وذلك من أجل قوله: * وللقضيب نصيب من تثنيها * ويجوز أن يكون ذهب بقوله من تلهبها إلى تلهب نار الخدين؛ لأنه قد دل عليها بالإيقاد. ... وقال أبو تمام في حمرة الخد: إن في خيمهم لمطعمة الحجـ ... ـلين والمتن متن خوط وريق (٤) وكأن الجريال شيب بماء الد ... ر في خدها بماء العقيق

стр. 662

كذا رواية هذا البيت: «شيب بماء الدر في خدها (١) بماء العقيق» [وهو الصحيح] (٢). والجريال: اللون الأحمر، وأراه أراد لون الخمر، كما قال الأعشى: «سلبتها جريالها» (٣)، أي حمرتها، وقد سئل عن هذا فقال: شربتها حمراء وبلتها بيضاء!. واستقامة اللفظ أن يكون أراد: وكأن الجريال بماء العقيق شيب بماء الدر في خدها، كما قال في نحو هذا اللفظ: وأخلاق كأن المسك فيها ... بصفو الراح بالنطف العذاب (٤) فإن كان هذا أراد فقد كان ماء العقيق يغني عن الجريال؛ لأن الدر والعقيق جوهران، واختلاط مائهما على الاستعارة حتى يشبه الخد المورد سائغ. وإن كان أراد بالجريال الخمر نفسها كما قال الشاعر: * وتكلمت بلسانها الجريال * فإن الخمرة بحمرة لونها مستغنية عن ماء (٥) العقيق؛ لأنها أنصع وأحسن. وهو أيضاً جمع بين شيئين لا يتشابهان:

стр. 663

والعادة الجارية في مثل هذا أن يقال: كأن خدها الخمر والماء، أو كأنها في خدها الخمر والماء، فأما الخمر ممزوجة أو مشوبة بماء العقيق فإنه خطل من القول. ... وقال أبو تمام: رود أصابتها النوى في خرد ... كانت بدور دجنة وشموسا (١) وكأنما أهدى شقائقه إلى ... وجناتهن ضحى أبو قابوسا بيضاً يدرن عيونهن إلى الصبا ... فكأنهن بها يدرن كؤوسا (٢) وهذه أبيات صالحة. ثم جن بعد هذا فقال: لولا حداثتها وأني لا أرى ... عرشاً لها لظننتها بلقيسا (٣) فأي شيء يزيد على هذه الحماقة. ... وقال البحتري: سفرت كما سفر الربيع الطلق عن ... ورد يرقرقه الضحى مصقول (٤)

стр. 664

وتبسمت عن لؤلؤ في رصفه ... برد يرد حشاشة المتبول أي شيء يزيدك على هذا الإحسان (١)؟ وأجود من هذا وأحلى قول كثير: ويوم الخيل قد سفرت وكفت ... رداء العصب عن رتل براد (٢) وعن نجلاء تدفع في بياض ... إذا دمعت وتنظر في سواد (٣) وعن متكاوس في العقص جثل ... أثيث النبت ذي غدر جعاد متكاوس: شعر كثير قد ركب بعضه بعضاً.

стр. 665

* ما لاقاه في وصف الثغور وقال أبو تمام: وثنياك إنها إغريض ... ولآل توم وبرق وميض (١) وأقاح منور في بطاح ... هزه في الصباح روض أريض وارتكاض الكرى بعينيك في النو ... مفنوناً وما لعيني غموض (٢) لتكاءدنني غمار من الأحـ ... ـداث لم أدر أيهن أخوض وهذه لعمر الله يمين في غاية الحسن [والحلاوة] (٣) والملاحة. وقوله: «وأقاح منور في بطاح» كلام مستقيم، والبطاح: ما اطمأن من الأرض وانهبط (٤) والندى، والعشب فيه أبقى، ورياض الحزن أحسن، فأما قول الأعشى: * ما روضة من رياض الحزن معشبة (٥) * فإن الحزن ههنا: موضع كانت أبل الملوك ترعي فيه على ما ذكر. وقوله: «هزة في الصباح روض أريض» ليس بالجيد اللائق؛ لأن الأقاحي هي من الروض، والروض أنما يهزه ويحركه الندى، والنسيم لا أن يهز بعضه بعضاً.

стр. 666

والأبيض (١): هو المتمكن في موضعه، الجيد النبات. ... وقال البحتري: لها غرائب دل ما يزال لها ... على الغرام به حث وتحريض (٢) تفاح خد إذا احمرت محاسنه ... مقبل بخفي اللحظ معضوض وواضحات تريك الدر متسقاً ... كأنهن إذا استغربن إغريض (٣) لو كان يكفيك علم الشيء تجهله ... فقد كفاك من التصريح تعريض (٤) فقوله: «تريك الدر متسقاً» أحسن، وأصح من قول أبي تمام: «ولآل توم» غير أن أبا تمام شبه الثغر في بيته بثلاثة أشياء وقد فعل البحتري ذلك فقال: بات نديماً لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح (٥) كأنما يضحك عن لؤلؤ ... منظم أو برد أو أقاح فشبه الثغر بثلاثة أشياء، وشرط في اللؤلؤ أنه منظم، كما قال في البيت الآخر: «تريك (٦) الدر متسقاً»، حتى استوى التشبيه بالإغريض.

стр. 667

وقد شبه الثغر بالبرد والأقاحي في مصراع فقال: يضحكن عن برد ونور أقاح ... ويشبن ظلم رضابهن براح (١) ووصله ببيت هو في حسنه وحلاوته فقال: وإذا برزن من الخدور سفرن عن ... هميك: من ورد ومن تفاح وقد شبه البحتري أيضاً بياض ثغر المرأة بالبرق، وبضوء المصاح فقال: أضوء برق بدا أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي (٢) ثم قال بعده: ويرجع الليل مبيضاً إذا ضحكت ... عن أبيض خضل السمطين لماح (٣) وهذا أحسن كلام، وأصحه، وأحلاه. ولكن البديع في تشبيه الثغر بالبرق قول العديل بن الفرخ العجلي: ضحكت فقلت غمامة برقت لنا ... بشعاب مكة برقها لا يبرح (٤) فشرط أن برقها مقيم لا يبرح، وهذ ألطف ما يكون من المعاني وأحسنها. وقد أحسن البحتري كل الإحسن في قوله: وشتيتاً يغض من لؤلؤ النظـ ... ـم ويزري على شتيت الأقاحي (٥)

стр. 668

ومن إحسانه المشهور لفظاً ومعنى قوله: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدر حسناً ولاقطه (١) فمن لؤلؤ تبديه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه (٢) والعرب تشبه الثغر باللؤلؤ ... والإغريض وهو ما (٣) يتشقق عنه الطلع من النخل، والأقاحي، وهو أشبهها بالثغر هيئة، وشكلاً، وبياضاً، وتفلجاً، وتشبهه بالبرد، وبشوك السيال، وهو شجر، ولا يريدون اللون، وإنما يريدون الشكل والتفرق، قال الأعشى: باكرتها الأغراب في سنة النو ... م فتجري خلال شوك السيال (٤) الأغراب: أقداح الفضة باكرتها وفيها الخمر وقد قال أبو تمام: وعلى العيس خرد يتبسمـ ... ـن عن الأشنب الشتيت البراد (٥) كان شوك السيال حسناً فأضحى ... دونه للفراق شوك القتاد (٦) فالبراد: هو البارد، والأشنب أيضاً: البارد، والشنب: البرد، وإنما جمع بينهما لاختلاف اللفظ. وقال أبو تمام: ولو تبسم عجنا الطرف في برد ... وفي أقاح سقته الخمر والضرب (٧) من شكله الدر في رصف النظام ومن ... صفاته الفتنتان: الظلم والشنب

стр. 669

قوله: «وفي أقاح الخمر والضرب» معنى حسن جداً، ولائق بالمعنى. والظلم: ماء الأسنان، والشنب: بردها. وتزعم الرواة أن أحسن ما قيل في وصف الثغر قول بشر بن أبي خازم (١): يفلجن الشفاه عن أقحوان ... جلاه غب سارية قطار (٢) وهذا -لعمري- يستحق التقديم والتفضيل وليس بدونه قول النابغة: كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي (٣) بل قول النابغة أجمع للمعنى؛ لأن قوله: «كالأقحوان غداة غب سمائه» بإزاء قول بشر: «جلاه غب سارية قطار». وقول النابغة: «جفت أعاليه وأسفله ندي» زيادة حسنة. ولكن بيت بشر أبرع؛ لأنه مستغن بنفسه، وبيت النابغة متعلق على البيت الذي قبله.

стр. 670

* ما قالاه في وصف القدود، والخصور، والأخصاف، وثقل الأرداف، وحسن المشي قال أبو تمام: ومقدودة رود تكاد تقدها ... إصابتها بالعين من حسن القد (١) تعصفر خديها العيون بحمرة ... إذا وردت كانت وبالاً على الورد (٢) وقال: وخوطية شمسية رشئية ... مهفهفة الأعلى ردا ح المحقب (٣) تصدع شمل القلب من كل وجهة ... وتشعبه بالبث من كل مشعب بمختتل ساج من الطرف أحور ... ومقتتل صاف من الثغر أشنب من المعطيات الحسن والمؤتياته ... مجلببة أو فاضلاً لم تجلبب وهذه معان حسنة وقول حلو. والرداح: العظيمة العجز. وقوله: تصدع شمل القلب، وتشعبه بمعنى واحد، ولولا قوله: «بالبث» لصلح أن يكون تشعبه: تضم أجزاءه، وتلائم بينها، لأن من الأضداد (٤): يكون جمعت وفرقت، فكأن المعنى حينئذ: تصدع شمل
следующие страницы →