← Адаб

Адаб · id 26183

الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري

أبو القاسم الآمدي

Полный текст (1 636 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

والأبيض (١): هو المتمكن في موضعه، الجيد النبات. ... وقال البحتري: لها غرائب دل ما يزال لها ... على الغرام به حث وتحريض (٢) تفاح خد إذا احمرت محاسنه ... مقبل بخفي اللحظ معضوض وواضحات تريك الدر متسقاً ... كأنهن إذا استغربن إغريض (٣) لو كان يكفيك علم الشيء تجهله ... فقد كفاك من التصريح تعريض (٤) فقوله: «تريك الدر متسقاً» أحسن، وأصح من قول أبي تمام: «ولآل توم» غير أن أبا تمام شبه الثغر في بيته بثلاثة أشياء وقد فعل البحتري ذلك فقال: بات نديماً لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح (٥) كأنما يضحك عن لؤلؤ ... منظم أو برد أو أقاح فشبه الثغر بثلاثة أشياء، وشرط في اللؤلؤ أنه منظم، كما قال في البيت الآخر: «تريك (٦) الدر متسقاً»، حتى استوى التشبيه بالإغريض.

стр. 667

وقد شبه الثغر بالبرد والأقاحي في مصراع فقال: يضحكن عن برد ونور أقاح ... ويشبن ظلم رضابهن براح (١) ووصله ببيت هو في حسنه وحلاوته فقال: وإذا برزن من الخدور سفرن عن ... هميك: من ورد ومن تفاح وقد شبه البحتري أيضاً بياض ثغر المرأة بالبرق، وبضوء المصاح فقال: أضوء برق بدا أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي (٢) ثم قال بعده: ويرجع الليل مبيضاً إذا ضحكت ... عن أبيض خضل السمطين لماح (٣) وهذا أحسن كلام، وأصحه، وأحلاه. ولكن البديع في تشبيه الثغر بالبرق قول العديل بن الفرخ العجلي: ضحكت فقلت غمامة برقت لنا ... بشعاب مكة برقها لا يبرح (٤) فشرط أن برقها مقيم لا يبرح، وهذ ألطف ما يكون من المعاني وأحسنها. وقد أحسن البحتري كل الإحسن في قوله: وشتيتاً يغض من لؤلؤ النظـ ... ـم ويزري على شتيت الأقاحي (٥)

стр. 668

ومن إحسانه المشهور لفظاً ومعنى قوله: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدر حسناً ولاقطه (١) فمن لؤلؤ تبديه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه (٢) والعرب تشبه الثغر باللؤلؤ ... والإغريض وهو ما (٣) يتشقق عنه الطلع من النخل، والأقاحي، وهو أشبهها بالثغر هيئة، وشكلاً، وبياضاً، وتفلجاً، وتشبهه بالبرد، وبشوك السيال، وهو شجر، ولا يريدون اللون، وإنما يريدون الشكل والتفرق، قال الأعشى: باكرتها الأغراب في سنة النو ... م فتجري خلال شوك السيال (٤) الأغراب: أقداح الفضة باكرتها وفيها الخمر وقد قال أبو تمام: وعلى العيس خرد يتبسمـ ... ـن عن الأشنب الشتيت البراد (٥) كان شوك السيال حسناً فأضحى ... دونه للفراق شوك القتاد (٦) فالبراد: هو البارد، والأشنب أيضاً: البارد، والشنب: البرد، وإنما جمع بينهما لاختلاف اللفظ. وقال أبو تمام: ولو تبسم عجنا الطرف في برد ... وفي أقاح سقته الخمر والضرب (٧) من شكله الدر في رصف النظام ومن ... صفاته الفتنتان: الظلم والشنب

стр. 669

قوله: «وفي أقاح الخمر والضرب» معنى حسن جداً، ولائق بالمعنى. والظلم: ماء الأسنان، والشنب: بردها. وتزعم الرواة أن أحسن ما قيل في وصف الثغر قول بشر بن أبي خازم (١): يفلجن الشفاه عن أقحوان ... جلاه غب سارية قطار (٢) وهذا -لعمري- يستحق التقديم والتفضيل وليس بدونه قول النابغة: كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي (٣) بل قول النابغة أجمع للمعنى؛ لأن قوله: «كالأقحوان غداة غب سمائه» بإزاء قول بشر: «جلاه غب سارية قطار». وقول النابغة: «جفت أعاليه وأسفله ندي» زيادة حسنة. ولكن بيت بشر أبرع؛ لأنه مستغن بنفسه، وبيت النابغة متعلق على البيت الذي قبله.

стр. 670

* ما قالاه في وصف القدود، والخصور، والأخصاف، وثقل الأرداف، وحسن المشي قال أبو تمام: ومقدودة رود تكاد تقدها ... إصابتها بالعين من حسن القد (١) تعصفر خديها العيون بحمرة ... إذا وردت كانت وبالاً على الورد (٢) وقال: وخوطية شمسية رشئية ... مهفهفة الأعلى ردا ح المحقب (٣) تصدع شمل القلب من كل وجهة ... وتشعبه بالبث من كل مشعب بمختتل ساج من الطرف أحور ... ومقتتل صاف من الثغر أشنب من المعطيات الحسن والمؤتياته ... مجلببة أو فاضلاً لم تجلبب وهذه معان حسنة وقول حلو. والرداح: العظيمة العجز. وقوله: تصدع شمل القلب، وتشعبه بمعنى واحد، ولولا قوله: «بالبث» لصلح أن يكون تشعبه: تضم أجزاءه، وتلائم بينها، لأن من الأضداد (٤): يكون جمعت وفرقت، فكأن المعنى حينئذ: تصدع شمل

стр. 671

القلب أي تفرقه إذا شاءت، وتشعبه أي تضمه وتجمعه، كما قال في موضع آخر: وعهدي بها تحي الهوى وتميته ... وتشعب أعشار الفؤاد وتصدع (١) أي تحي الهوى بهجرها، وتميته بوصلها. وقوله: «ساج» أي يختل بنظره، ومقتتل صاف، يريد قتل الحب؛ يقال: اقتتله الحب، واقتتلته الجن، كأنه اعتمد ازدواج اللفظين بقوله: مختتل، ومقتتل. وقوله: «مجلببة» من الجلباب وهو: الخمار، وقد يكون أيضاً الثوب. «أو فاضلاً لم تجلببب»، والفاضل: هي المتفضلة في ثوب واحد، وهو الذي تلبسه (٢) المرأة للبذلة والاعتمال. ... وقال: من كل ضاحكة الترائب أرهفت ... إرهاف خوط البانة المياس (٣) بدر أطاعت فيك بادرة النوى ... خطأ وشمس أولعت بشماس (٤) وإذا مشت تركت بصدرك ضعف ما ... بحليها من كثرة الوسواس (٥) والخطء: ما يعتمده الإنسان، والخطأ: ما لا يعتمده (٦).

стр. 672

وقوله: «ضاحكة الترائب»: يريد ما على صدرها من الحلي، والترائب: عظام الصدر. وقال: إن في خيمهم لمطعمة الحجـ ... ـلين والمتن متن خوط وريق (١) وهي لا عقد ودها ساعة البيـ ... ـن ولا عقد خصرها بوثيق قوله: «مطعمة الحجلين»، والحجل، الخلخال، والمطعم: المرزوق من الطعم، جعل امتلاء لحم ساقها طعماً لخلخالها؛ لأنه يعض به. وقوله: «وهي لا عقد ودها ساعة البين [أراد: ولا عقد ودها ساعة البين] بوثيق، ولا عقد خصرها بوثيق عل كل حال، ولكنه أخبر عنها (٢) خبراً واحداً، ونسق بأحدهما على الآخر صار الظرف، وهو ساعة البين، على ظاهر اللفظ، كأنه يضمهما (٣) معاً، فيكون عقد خصرها غير وثيق أيضاً في ساعة البين، وهو قبيح على جوازه وسوغه. ... وقال البحتري: وفيهن مشغول به الطرف هارب ... بعينيه لحظ المحب المخالس (٤) يخبر عن عصن من البان مائد ... إذا اهتز في ضرب من الدل مائس وهذا نمط البحتري الحلو، وإنما قال: «هارب بعينيه»، فخصهما

стр. 673

دون غيرهما؛ لأن الحسن (١) إنما هو في العين، علاقة الحب إنما تكون عند النظر إلى العين (٢). وقال: وقد بان فيهم غصن بان إذا بدا ... ثوى مخبراً عن مثله أو مثاله (٣) يسوءك ألا عطف عند انعطافه ... ويشجيك ألا عدل عند اعتداله (٤) كأنه أراد بالمثل الشيء نفسه، والمثال: الشبه، أي ثوى مخبراً عن غصن بان مثله، أو شبهه، إلى هذا ذهب. وقال: أعطيت بسطة على الناس حتى ... هي صنف في الحسن والناس صنف (٥) اعتدال يميل منه انخناث ... وتثن فيه الفخامة لطف (٦) نعمة الغصن إن تأود عطف ... منه عن هزة تماسك عطف (٧) مسكري إن سقيت منه بعيني ... أرجوان من خمر خديه صرف (٨) وهذا من أحسانه المشهور.

стр. 674

وقال: لما مشين بذي الأراك تشابهت ... أعطاف قضبان به وقدود (١) في حلتي حبر وروض فالتقى ... وشيان: وشي ربي ووشي برود وسفرن فمتلأت عيون راقها ... وردان: ورد جنى، وورد خدود (٢) وضحكن فاغترب الأقاحي من ند ... غض وسلسال الرضاب برود (٣) وهذا أيضاً من إحسانه المعروف. وقوله «فاغترب» يريد الضحك، والمستعمل استغرب في الضحك إذا اشتد فيه، وأغرب أيضاً، قال ذو الرمة: فما يغربون الضحك إلا تبسماً ... ولا ينسبون القول إلا تناجيا (٤) ولم أسمع في الضحك اغترب، إنما ذلك من الغربة والبعد، فقوله: «اغترب الأقاحي من ند غض» يريد النور نفسه، «وسلسال الرضاب» يعني الثغور، كأنه جعلهما جميعاً من الأقاحي، وفصله فقال: من ند غض، ومن سلسال الرضاب، وسلسال الرضاب هو ند غض أيضاً، إلا أنه جعل الفرق بينهما أن هذا أندى، وأجرى من ذاك. وأظن المستغرب في الضحك إنما أخذ من غروب الأسنان إذا بدت كلها في الضحك، وهي أطرافها، وغرب كل شيء: حده. أو أن يكون استغرب في الضحك أي امتلأ ضحكاً من قولهم: أغربت

стр. 675

السقاء إذا ملأته، قال بشر بن أبي خازم: وكأن ظعنهم غداة تحملوا ... سفن تكفأ في خليج مغرب (١) وسبيل هذا البيت أن يلحق في «باب الثغور». وقوله: «فالتقى وردان: ورد جنى، وورد خدود» إن كان أراد هذا الورد المعروف فمن أين بذي الأراك ورد؟، إلا أن يريد بعض الأنواع (٢)، والحمر من الأنوار فإنها كثيرة، وإياها -إن شاء الله- أراد. ومن عجيب ما أورده في حسن القد قوله: تهتز مثل اهتزاز الغصن أتعبه ... مرور غيث من الوسمي سحاح (٣) وقال: بيضاء يعطيك القضيب قوامها ... ويريك عينيها الغزال الأحور (٤) تمشي فتحكم في القلوب بدلها ... وتميس في برد الشباب فتخطر (٥) وتميل من لين الصبا فيقيمها ... قد يؤنث تارة ويذكر وقال: هل الذلفاء مخبرتي أهجراً ... أرادت بالتجنب، أم دلالاً؟ (٦) ذكرت بها قضيب البان لما ... غدت تختال في الحسن اختيالا تشاكله انعطافاً واهتزازاً ... وتحيكه قواماً واعتدالا

стр. 676

وهذا ما لا يكاد يسمع أحلى ولا أعذب ولا أبرع منه. وقال: ألام على هوى ظمياء ظلماً ... وقلبي في يدي ظمياء عان (١) إذا انصرفت أضاءت شمس دجن ... ومال من التعطف غصن بان قوله: «أضاءت شمس دجن» أي إذا انصرفت مولية بوجهها كان ضوؤها كضوء الشمس من تحت الدجن، وهو إلباس الغم الأفق، وهذا أحسن ما يكون من المعنى (٢) وألطفه، أي إذا غاب وجهها حين تولى فأنا منها أيضاً في ضياء كضياء (٣) الشمس من تحت الدجن. وقال أبو تمام: أدنت نقاباً على الخدين وانتسبت ... للناظرين بقد ليس ينتقب (٤) وهذا حسن جداً. وقال أبو تمام: ليالي أضللت العزاء وجولت ... بعقلك آرام الخدور الخواذل (٥) من الهيف لو أن الخلاخل صبرت ... لها وشحاً جالت (٦) عليها الخلاخل منها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا تلك ذوابل

стр. 677

قوله: «جولت» من أجل قوله: «الخواذل» وهن (١) اللواتي تخلفن من جملة السرب على أولادهن، فأراد أن يطابق بين «الجولان» و «التأخر» وهو طباق غير جيد، ولا لائق. وقوله: «من الهيف لو أن الخلاخل صيرت لها وشحاً» من أقبح الخطأ وأفحشه، لأن الخلخال لا يكون في موضع الوشاح؛ لأن الوشاح: ما تتقلده المرأة من سير، أو خيط فيه خرزاً، أو حلياً من فضة أو غيرها، تتزين به فيكون منها في موضع حمائل السيف من الرجل، والخلخال لا يكون في هذا الموضع إلا إذا مسخها الله، وأقمأها. [(٢) وقد أخطأ في البيت الثاني أيضاً فقال: «قنا الخط إلا أن تلك ذوابل» وإنما قيل للرماح: «ذوابل» للينها وتثنيتها، فنفى ذلك عن قيود النساء التي من أكمل أوصافها التثني واللين والانعطاف، كما قال تميم بن أبي بن مقبل]: يهززن للمشي أوصالاً منعمة ... هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا (٣) أو كاهتزاز رديني تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا وقد ذكرت هذا مشروحاً في أغاليطه (٤). ولله در أبي عبادة إذ يقول: غدت قضبان أسحلة عليها ... لفرط الجدل أو شحة تجول (٥)

стр. 678

يقوم من تثنيها اعتدال ... تكاد تقول من هيف نحول (١) مشين على خمائل ذي طلوح ... وقد ضاقت بما فيها من الحجول فقلت: أزيد من سقم فؤادي ... وهل يزداد من قتل قتيل (٢) فهذا -والله- هو الشعر، لا تعليلات أبي تمام بطباقه وتجنيسه، وفرط تقعره، وكثرة أحالاته، وما زلت أسمع الشيوخ يفضلون هذا البيت الأخير على كل ما سمعوه في الغزل. وهذه القصيدة من قلائده، وفيها يقول قبل هذه الأبيات: بعيدة مطلب وجماد نيل ... فها هي لا تنال ولا تنيل إذا خطرت تأرج جانباها ... كما خطرت على الروض القبول ويحسن دلها والموت فيه ... وقد يستحسن السيف الصقيل ... وقال أبو تمام: وناضرة الصبا حين اسبكرت ... طلاع المرط والدرع اليدي (٣) تشكى الأين من نصف سريع ... إذا قامت ومن نصف بطي وهذا ما لا مدفع لجودته وحسنه، وكأنه صفوة خاطر أبي تمام، إذا كان بجمامه يأتي به وبأمثاله، فإذا أعيا وكل زماناً رمى بالأوساخ والأقذار والغثاء.

стр. 679

وقوله: «طلاع المرط» أي تملأ الملحفة تماماً وكمالاً، كأنها تطلع عليها، أي تعلوه، والدرع: القميص التام، واليدي: الواسع. ... وقال البحتري: نواصع كسيوف الصقل مشعلة ... ضوءاً ومرهفة في الجدل إرهافا (١) إذا نضون شفوف الريط آونة ... قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا كأنهن وقد قربن من طرفي ... ضدين في الحسن تثقيلاً وإخطافا (٢) رددن ما خففت منه الخصور إلى ... ما في المآزر فاسثقلن أردافا وحسبك بهذا حسن لفظ، وحلاوة نظم، وصحة معنى. وألطف من قوله: «قشرن عن لؤلؤ البحرين أصدافا» قول أبي تمام: لآليء كالنجوم قد لبست ... أبشارها صدف الإحصان لا الصدفا (٣) وبيت البحتري أبرع وأحلى. وقال البحتري أيضاً: غدت أترابها ينهضن هوناً ... لثقل من روادفها الثقال (٤) مشين ضحى بأقدام لطاف ... وسوق في خلاخلها خدال إذا اجتبن الحلي رأيت بياضاً ... أوانس كاللآليء في اللآليء (٥)

стр. 680

وقال: أطاع لها دل غرير، وواضح ... شتيت وقد مرهف وشوى خدل (١) وألحاظ عين ما علقن بفارغ ... فحلينه حتى يكون له شغل (٢) وهذا من مشهور أبي عبادة. [وقال أبو تمام] (٣): ومن جيد غيداء التثني كأنما ... أتتك بليتيها من الرشإ الفرد (٤) كأن عليها كل عقد ملاحة ... وحسناً وإن أمست وأضحت بلا عقد ومن نظرة بين السجوف عليلة ... ومحتضن شخت ومبتسم برد (٥) ومن فاحم جعد ومن كفل نهد ... ومن قمر سعد ومن نائل ثمد (٦) محاسن ما زالت مساو من النوى ... تغطي عليها أو مستاو من الصد شخت: دقيق يتمكن الذراع من احتضانه، كأنه ينفي عنها ضخم البطن وموضع (٧) [الكشح] ويستحب فيها الضمر.

стр. 681

* ما قالاه في: شدة الحب، والوجد، والتشوق، والغرام، والحزن، وانتجاز المواعيد، وإخلافها، ونحو ذلك: ... في الحزن والوجد قال أبو تمام: حزن غداة الحزن هاج غليله ... في أبرق الحنان منك حنين (١) سمة الصبابة زفرة أو عبرة ... متكفل بهما حشأ وشئون لولا التفجع لادعى هضب الحمى ... وصفا المشقر أنه محزون وهذا المعنى غاية في حسنه وجودته، وإنما حذا على قول الأحوص: إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا ... فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا (٢) ولكنه عبر عنه بعبارة (٣) أغرب فيها حتى صار كأنه ليس ذلك المعنى وهو هو بعينه. والعزهاة: الذي قد عزف عن اللهو والصبا.

стр. 682

وقال البحتري: زعم الزاعمون أن الذي يهـ ... ـوى مراض العيون غير رشيد (١) كذب الزاعمون قد يحسن الحـ ... ـب بمن ليس قلبه من حديد وقال: ولو أن الجبال فقدن إلفا ... لأوشك جامد منها يذوب (٢) وقال: حقاً أقول لقد تبلت فؤادي ... وأطلت مدة غيي المتمادي (٣) بجوى مقيم لو علمت غليله ... لوجدته غير الهوى المعتاد والحب سكر للنفوس يسرني ... سهر العوائد عنه والعواد (٤) وهذا معنى آخر حسن جداً. وقد قال أبو تمام: به علة صماء للبين لم تصخ ... لبرء ولم توجب عيادة عائد (٥) ومعنى البحتري أجود وأحلى. وقال أيضاً: بل ما أود بأنني أفرقت من ... وجد ولا أني بردت غليلي (٦) وأعد برئي من هواك ضمانة ... والبرء أكبر حاجة المخبول (٧)

стр. 683

و في الشوق والصبابة: قال أبو تمام: لا شوق ما لم منه بالَّتي ... هجرتك وجداً كالأباء المحرق (١) يغلي إذا لم يضطرم ويري إذا ... لم يحتدم ويغص إن لم يشرق قوله: ما لم تصل منه أي من الشوق، وجداً: أي من الوجد. كالأباء المحرق: أي فتكون إذا مليت (٢) به كالأباء المحرق من الوجد. وقوله: «يغلي إذا لم يضطرم»، كأنه جعل الاضطرام أشد من الغلي، والغلي هو اضطرام أيضاً. «ويري» معناه يحرق، والاحتدام: شدة الحر، ويقال: وجدت للحر حدمة. يقول: هو يحرق وإن لم يشتد حره. «ويغص إن لم يشرق»، فنزل من الغليان، والاضطرام، والورى، والاحتدام إلى الغصص، والشرق، وليس ذلك بخطأ ولا هو بالجيد، ولا الحلو، ولا الشهي. ... وقال البحتري: وحرض شوقي خاطر الريح إذ سرى ... وبرق بدا من جانب الغرب لامع (٣)

стр. 684

وما ذاك أن الشوق يدنو بنازح ... ولا أنني في وصل علوة طامع خلا أن وجداً ما يغب ولوعة ... إذا اضطرمت فاضت عليها المدامع (١) وهذه طريقة البحتري التي يخبر فيها بالشيء على ما هو فيعفي (٢) على كل بديع واستعارة إذا اعتمدها؛ وذلك لحسن عبارته وتلخيصه. وقوله: «خاطر الريح»: من الخطران كما قال في موضع آخر: * كما خطرت على الروض القبول (٣) * وقال: شوق إليك تفيض منه الأدمع ... وجوى عليك تضيق عنه الأضلع (٤) وهوى تجدده الليالي كلما ... قدمت وترجعه السنون فيرجع وقال: هل أنت من حر الصبابة منقذي ... أو أنت من شكوى الصبابة عائدي (٥)؟ شوق تلبس بالفؤاد دخيله ... والشوق يسرع في الفؤاد الواجد ومما أحسن فيه البحتري وأغرب قوله في شدة الحب وتمكنه: غير حب لسليمى لم يزد ... فيه إسعاف ولم ينقصه ضن (٦) ثبتت تحت الحشا آخية ... منه لا ينزعها المهر الأرن (٧)

стр. 685

وقد بالغ أيضاً الذي يقول: أحبك ما لو كان بين قبائل ... من الناس أعداء لجر التصافيا (١) وأبلغ من هذا كله وأجود قول الأعشى: كفى بالذي تولينه لو تجنبا ... شفاء لسقم بعد ما كان أشيبا (٢) ولكنما كانت توابع حبها ... توالى ربعي السقاب فأصبحا فتم على معشوقه لا يزيدها ... إليه بلاء السوء إلا تحببا وكان حماد الراوية يتعجب من قوله: «فتم على معشوقه»، ويقول: هذا (٣) -والله- غاية العشق، ونهاية الإحسان في النسيب. يقول: كفى بالذي توليه من البعد والقطيعة شفاء له من سقم الحب لو تجنب، ولكنه لا يقدر على ذلك. وقوله: «توابع حبها» أي ما تتابع وتوالي من حبها كتوالي الربعي، وهو: السقب الذي نتج في أول الربيع، ينتقل من سن إلى سن حتى قوي ومرن، وانقاد (٤)، جعل هذا مثلاً لزيادة حبه شيئاً فشيئاً حتى تمكن، فذلك معنى قوله قوله: «توالي». وقد روى «تأول ربعي» من حال إلى حال، من آل يئول. وقال أبو حية النميري في هذا المعنى، وجاء به أكشف وأبين وأحسن مما جاء به الأعشى فقال: لا منكر لقبيح منك أعرفه ... إني أراه -إذا أرضاك- إحسانا أحدث النفس مسرورا بذكركم ... حتى كأن الذي قد كان ما كانا

стр. 686

ومن هذا أخذ أبو الشيص -والله أعلم- قوله: وأهنتني فأهنت نفسي عامداً ... ما من يهون عليك ممن أكرم (١) ولكنه تناهى في التذلل فأحسن المعنى كل الإحسان، ولكن الحر الكريم الأنف: «كثير بن عبد الرحمن» إذ يقول: ولما رأت وجدي بها وتبينت ... صبابة حران الصبابة صاد أدلت بصبر عندها وجلادة ... وتحسب أن الناس غير جلاد فيا عز صادي القلب حتى يودني ... فؤادك أو ردي علي فؤادي (٢) وكان هذا مما ينشده أبو العباس ثعلب كثيراً ويستحسنه، ذكر ذلك الأخفش. وقوله: «صادي القلب» أي داريه، والمصاداة: المداراة. وقال كثير أيضاً وأحسن كل الإحسان: وكنت ألوم الجازعين على البكا ... فكيف ألوم الجازعين وأجزع ولي كبد قد برحت بي مريضة ... إذا سمتها الهجران ظلت تصدع وأظن أبا الشيص أخذ بقوله: أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... [إذ كان حظي منك حظي منهم] (٣) من قول كثير: مجاورة قوماً عدى لي صدورهم ... ألا حبذا من حبها من تجاور

стр. 687

وقد أحسن أيضاً الإحسان كله الذي يقول: ولما بدا لي منك ميل مع العدا ... علي ولم يحدث سواك بديل (١) صددت كما صد الرمي تطاولت ... به مدة الأيام وهو قتيل ... وقال أبو تمام يذكر الوعد وإخلافه: وفي الكلة الوردية اللون جوذر ... من العين ورد الخد ورد المجاسد (٢) غدت مغتدى الغصبى وأوصت خيالها ... بحران نضو العيس نضو الخرائد وقالت نكاح الحب يفسد شكله ... وكم نكحوا حباً وليس بفاسد سآوي بهذا القلب من لوعة ... إلى ثغب من نطفة اليأس بارد وهذه أبيات سخيفة المعاني، قد أتى فيها بكل قبح وفحش، لأنه قال: رمته بخلف بعدما عاش حقبة ... له رسفان في قيود المواعد وبعد ذلك بين بأن الوعد كان مباضعة، وأنه لما حقق المطالبة غضبت، وذلك قوله: «غدت مغتدى الغضبى». وقوله: «وقالت: نكاح الحب يفسد شكله»، فقال هو: «وكم نكحوا حباً وليس بفاسد»، فاحتجت عليه، واحتج عليها. وهذه خصومة ومناظرة على ذلك الباب شديدة مستقصاة ما أظن أحداً سبقه إلى مثلها.

стр. 688

وقوله بعد هذا: سآوي بهذا القلب من لوعة الهوى ... إلى ثغب من نطفة اليأس بارد (١) هو أيضاً غضب منه لمنعها إياه مما التمس، ومثل هذا إنما يفصح به الشاعر إذا هزل ومجن، وإنما وصل هذه الأبيات بما افتتحه من قوله: قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان ناشد لقد أطرق الربع المحيل لفقدهم ... وبينهم إطراق ثكلان فاقد (٢) وأبقوا لضيق الهم والحزن منهم ... قرى من جوى سار وطيف معاود (٣) سقته ذعافاً عادة الدهر فيهم ... وسم الليالي فوق سم الأساود به علة صماء للبين الم تصخ ... لبرء ولم توجب عيادة عائد ومن يقف على المعاهد، ويصف ما به من الهم، والحزن، والجوى، وأن عادة الدهر فيهم سقته الذعاف -وهو السم- وأن به علة للبين صماء لم تصخ لبرء: أي لم تصغ إليه، ولم تقرب منه فإنه لا يقول بعد ذلك كله: إنه كان التمس من المرأة الفاحشة، وناظرها (٤) عليها، وغضب من منعها إياه، وهذا غاية ما يكون من السخف والحمق. فإن قيل: إن المعاهد التي وقف عليها لم تك معاهد هذه المرأة ذات الكلة الوردية اللون، وإن هذه إنما كانت معه في الرفاق وهم سائرون، فاستوقفهم لتجديد عهد بديار كان فيها أحباب أول.

стр. 689

قيل: هذا غلط من التأويل؛ لأنه قال: «به علة صماء للبين لم تصخ لبرء»، فأوجب بهذا القول أن حبه باق غير منصرم. وإذا كان لم يبرأ حبه من امرأة أولى، فكيف يقف صحبه على معاهدها وفيهم امرأة أخرى يهواها، وقد طالبها سنة، وهي تعده، وذكر أنها أوصت خيالها [به] (١)، وأنه حران هذا محال، لم يكن الحب إلا لهذه المرأة ذات الكلة [رحم الله غفلته]. وقوله: «نضو العيس» لطول السفر، و «نضو الخرائد»، يعني الخيالات. ولله در أبي عبادة إذ يقول: لو تسعفين وما سألت مشقة ... لعدلت حر جوى ببرد رضاب (٢) ولئن شكوت ظماي إنك للتي ... قدماً من السراب شرابي (٣) وعتبت من حبيك حتى إنني ... أخشى ملامك أن أبثك ما بي (٤) وقال البحتري: إذا راجعت وصلاً على طول هجرة ... تراجعت شيئاً من بلاي إلى سقمي (٥) وقد زعمت أن سوف تنحج ما وأت ... وظني بها الإخلاف في ذلك الزعم (٦) خليلي ما لي لا شفاء من الجوى ... ولا نعم مرجوة النجح من نعم (٧)

стр. 690

وقال: بنفسي من تنأى ويدنو ادكارها ... ويبذل عنها طيفها وتمانع (١) خليلي أبلاني هوى متلون ... له شيمة تأبى وأخرى تطاوع وهذا لعمري حسن، وأحسن منه قول كثير لأنه تمنى الحال التي وصفها البحتري فقال: والله ما يدري غريم لويته ... أيشتد إن لاقاك أم يتضرع (٢) بخلت فكان البخل منك سجية ... فليتك ذو لونين يعطي ويمنع وقال [البحتري] (٣): ماذا على الأيام لو سمحت لنا ... بثواء أيام لديك قلائل (٤) فأويت للقلب المعنى المبتلى ... بهواك والبدن الضئيل الناحل وقال أيضاً: فداؤك ما أبقيت مني فإنه ... حشاشة حب في نحول عظام (٥) صلي مغرماً قد واتر الشوق دمعه ... سجاماً على الخدين بعد سجام (٦) فليس الذي حللته بمحلل ... وليس الذي حرمته بحرام

стр. 691

وقال: وددت وهل نفس امريء بمليمة ... إذا هي لم تعط الهوى من ودادها (١) لو أن سليمى أسمحت أو لو أنه ... أعير فؤادي سلوة من فؤادها (٢) وقال: أين الغزال المستعير من النقا ... كفلاً ومن نور الأقاحي مبسما (٣) ظمئت جوانحنا إليه وريها ... في ذلك اللعس الممنع واللمى (٤) متعتب منم حيث لا متعتب ... إن لم يجد جرماً علي تجرما (٥) ألف الصدود فلو يمر خياله ... بالصب في سنة الكرى ما سلما وقال: أرى ثقة الراجي مواصلة المها ... تكاءدها أو آدها شك خائف (٦) كأن الذي يكذبنه نحب ناذر ... يقضين منه أو ألية حالف (٧) فليت لبانات المحب رددن في ... جوانحه أو كن عند مساعف وهذا حسن جداً. وقال: إذا قربت فهجر منك يبعدني ... وإن بعدت فوصل منك يدنيني (٨)

стр. 692

تصرم الدهر لا جود فيطعمني ... فيما لديك ولا يأس فيسليني فلست أعجب من عصيان قلبك لي ... يوماً إذا كان قلبي فيك يعصيني (١) وهذا إحسانه المشهور، ويقال: إنه أخذه من قول الخليع: أتطمع أن يطيعك قلب سعدى ... وتزعم أن قلبك قد عصاكا وما أحسن ما قال بشار: وإذا قلنا لها جودي لنا ... خرجت بالصمت من لا ونعم (٢) ... وقال أبو تمام في النائل النزر القليل ماهو فوق كل حسن وحلاوة: تأبى على التصريد إلا نائلاً ... إلا يكن ماء قراحاً يمذق (٣) نزراً كما استكرهت عائر نفحة ... من فأرة المسك التي لم تفتق (٤) ... وقد تصرف البحتري في جملة معاني هذا الباب تصرفاً كثيراً حسناً. ومن ذلك قوله: ظلمتني تجنباً وصدودا ... غير مرتاعة الجنان لظلمي (٥)

стр. 693

ويسير عند القتول إذا ما ... أثمت في أن تبوء بإثمي (١) أجد النار تستعار من النا ... ر وينشا من سقم عينيك سقمي وقوله: لو شئت عدت إلى التناصف في الهوى ... وبذلت من مكنونه ما أبذل (٢) أحنو عليك وفي فؤادي لوعة ... وأصد عنك ووجه ودي مقبل (٣) وإذا هممت بوصل غيرك ردني ... وله إليك وشافع لك أول (٤) وأعز ثم أذل ذلة عاشق ... والحب فيه تعزز وتذلل وقوله: وبي ظمأ لا يملك الماء دفعه ... إلى نهلة من ريقها الخصر العذب (٥) تزودت منها نظرة لم تجد بها ... وقد يؤخذ العلق الممنع بالغصب وما كان حظ العين في ذاك مذهبي ... ولكن رأيت العين باباً إلى القلب أعيذك أن تمنى بشكوى صبابة ... وإن أكسبتنا منك عطفاً على الصب (٦) ويجزنني أن تعرفي الحب بالجوى ... وإن نفعتنا فيك معرفة الحب (٧) وقوله: نظرت وكم نظرت فأصدتني ... فجاءات البدور على الغصون (٨)

стр. 694

وربة نظرة أقلعت عنها ... بسكر في التصابي أو جنون فيا لله ما تلقى القلوب الـ ... ـهوائم من جنايات العيون وقد يئس العواذل من فؤاد ... لجوج في غوايته حرون وقوله: قال بطلاً وأفال الرأي من ... لم يقل إن المنايا في الحدق (١) إن تكن محتسباً من قد ثوى ... لحمام فاحتسب من قد عشق يملأ الواشي جناني ذعراً ... ويعنيني الحديث المختلق (٢) حبها أو فرقا من هجرها ... وصريح الذل حب أو فرق قوله: «يعنيني الحديث المختلق» من أحسن المعاني وأحلاها، وأجراها في عادات كل عاشق فأراد يعنيني اختلاف الحديث، وهو اختراصه أي ينصبني، ويحزنني؛ لشدة حبي لها، وخوفي من هجرها. والألف في قوله: «أو» في البيت مقحمة في الموضعين؛ وإنما أراد حبها وفرق هجرها، وصريح الذل حب وفرق، ولم يرد بإدخال الألف أحدهما وقال آخر في نحو هذا: تكذبني في الحب سلمى وليس لي ... شهود وأنى بالشهود على صدقي سوى ذوب جسمي وانتكاث بشاشتي ... وروعة قلبي بالأباطيل والحق [قوله: «روعة قلبي بالأباطيل والحق»] (٣) نحو قول البحتري: * ويعنيني الحديث المختلق *

стр. 695

وهذا البيت حسن التقسيم. كان بعض شيوخ الأدب تعجبه (١) التقسيمات في الشعر، وكان مما يعجبه قول عباس بن الأحنف: وصالكم هجر وحبكم قلى ... وعطفكم صد وسلمكم حرب (٢) ويقول: هذا أحسن من تقسيمات إقليدس. وقال أبو العباس ثعلب: سمعت «سيد العلماء» يستحسنه، يعني ابن الأعرابي (٣). ونحو هذا ما أنشده المبرد لأعرابي، وليس هو عندي من كلام الأعراب، وهو بكلام المولدين أشبه: وأدنو فتقصيني وأبعد طالباً ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي (٤) وشكواي تؤذيها وصبري يسرها ... وتجزع من بعدي وتنفر من قربي (٤)

стр. 696

وقال البحتري: ولي هفوات باعثات لي الجوى ... يعرضني من برحه للمتالف (١) كأن العيون الفتنات تعاونت ... على ترة عند العيون الذوارف (٢) وقوله: وإذا كسرن جفونهن نظرن من ... مرضي يشفك سحرهن صحاح (٣) تظمأ إليهن القلوب وقد ترى ... فيهن ري الحائم الملتاح (٤) والحب سقم للصحيح إذا غلا ... فيه المحب ونشوة للصاحي (٥) بكر العذول فكف غرب بطالتي ... وبدا المشيب فرد غرب جماحي قد آن أن أعصي الغواية إذ نضا ... صبغ الشباب وأن أطيع اللاحي وقوله: جنوني إلى سعدى وسعدى خلية ... وصغوي إلى سعدى وسعدى تجنب (٦) إذ لبست كانت جمال لباسها ... وتسلب قلب المجتلي حين تسلب (٧) وسميتها من خشية الناس زينباً ... وكم سترت حباً عن الناس زينب (٨)

стр. 697

غضارة دنيا شاكلت بفنونها ... معاقبة الدنيا التي تتقلب وجنة خلد عذبتنا بدلها ... وما خلت أنا في الجنان نعذب (١) وهذا البيت يزيد على إحسان كل محسن في الغزل (٢) ... ولا خفاء بفضل أبي عبادة على أبي تمام في هذا الباب.

стр. 698

* ما قيل في ائتلاف المحبي ن قال البحتري: وجدت نفسك من نفسي بمنزلة ... هي المصافاة بين الماء والراح (١) وهذا حسن جداً وأظنه أخذه من قول بشار: وإذ نلتقي خلف العيون كأننا ... سلاف عقار بالنقاخ مشوب (٢) أخذه أيضاً من قول ابن أبي عيينة (٣) فقال: ذاك إذ روحها وروحي مزاجا ... ن كأصفى خمر بأعذب ماء (٤) وقول البحتري أيضاً أجود من البيتين، وأخذه عباس بن الأحنف فقال: ما أنس لا أنس يمناها معطفة ... على فؤادي ويسرها على راسي (٥) وقولها: ليته ثوب على جسدي ... أوليتني كنت سربالاً لعباس أو ليته كان لي خمراً وكنت له ... من ماء مزن فكنا الدهر في كاس

стр. 699

وأخذه علي بن الجهم وجعله في العناق [فقال] (١): وبيتنا على رغم الحسود كأننا ... خليطان من ماء الغمامة والخمر (٢) وأجود من هذا كله وأحلى وألطف معنى قول بشار: لقد كان ما بيني زمانًا وبينها ... كما بين ريح المسك والعنبر الورد (٣) وقال عبد الصمد بن المعذل في العناق والاختلاط: كأنني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد (٤) فلو ترانا في قميص الدجى ... حسبتنا في جسد واحد وهذا أحسن من بيتي العباس الأولين. وقال البحتري: ولم أنس ليلتنا في العنا ... ق لف الصبا بقضيب قضيبا (٥) وما زلت أسمع أهل العلم بالشعر يقولون إن هذا البيت أجود ما قيل في العناق؛ لأنه أصاب حقيقة التشبيه بأجود لفظ، وأحسن نظم. ومثله قول آخر وجدته في الأناشيد، ولست أدري أيهما أخذ من صاحبه: وضم لا ينهنه واعتناق ... كما التف القضيب على القضيب (٦)

стр. 700

وبيت البحتري أجود سبكاً، وأحلى لفظاً؛ لقوله: «لف الصبا»؛ لأن القضيب إنما يلتف بالقضيب بالريح. وقد قال بشار في نحو هذا، وأظن هذين منه أخذا: إنني أشتهي لقاءك واللـ ... ـه فماذا عليك من لقياني (١) قد تلف الرياح غصناً من البا ... ن إلى مثله فيلتقيان وقال علي بن الجهم في وكيد الالتزام: سقى الله ليلاً ضمنا بعد هجعة ... وأدنى فؤاداً من فؤاد معذب (٢) فبتنا جميعاً لو تراق زجاجة ... من الراح فيما بيننا لم تسرب وهذا أيضاً حسن لفظاً ومعنى. ... وأحسن ما قيل في المضاجعة قول امريء القيس/ تقول وقد جردتها من ثيابها ... كما رعت مكحولاً من العين أتلعا (٣) وجدك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا فبتنا نذود الوحش عنا كأننا ... قتيلان لم يعلم لنا الناس مصرعا تجافى عن المأثور بيني وبينها ... وتدني علي السابري المضلعا إذا أخذتها هزة الروع أمسكت ... بمنكب مقدام على الهول أروعا وهذا لاشيء أجود منه ولا أحلى ولا أبرع وقد أخبر بالأمر على ما كان.

стр. 701

وقد أحسن أيضاً عبد بني الحسحاس في قوله: وبتنا وسادانا إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا (١) فما زال بردي طيباً من ثيابها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليا (٢) ... ولست أعرف لأبي تمام في هذا الباب شيئاً.

стр. 702

* باب في نوح الحمام قال أبو تمام: أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام (١) لا تنشجن لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام (٢) قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» أي وهت، وانحل نظامها. وقوله: «حين تضعضع الإظلام»: أي حين تقوض غلا أقله. والنشيج: البكاء. وههنا معارضات ومعارضات عورض بها أبو تمام في هذه الأبيات، وهي أن قيل: قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» إنكار على نفسه البكاء من أجل دعاء حمامة، كأنه يخسس (٣) أمرها، فما وجه قوله: «فإنهن حمام» فسهل أمرها أولاً، ثم أعظمه هذا التعظيم آخراً، هذا عين المناقضة. ثم من ذا رآه قتله بكاء الحمام (٣) حتى يجعلهن حماما؟ وزعم أن بكاءها ضحك، والحمام إنما ينوح لفقد إلفه وفراخه فيطيل الترنم والنوح، فكيف يكون ذلك ضحكاً أو كالضحك؟

стр. 703

فقيل للمعارضين: وأي دليل في [قوله] (١): «أتضعضعت عبرات عينك أن (٢) دعت ورقاء» على أنه خسس (٣) أمر الورقاء وهي الحمامة، وحقره حتى يكون قوله: فإنهن (٤) حمام نقضاً لهذا المعنى. فقالوا: هذا مذهب من مذاهب العرب معروف في تهوين أمر الحمامة، وتعنيف من يبكي لبكائها، ومن ذلك قول البحتري بن عزافر الحرشي: أإن غردت يوماً بواد حمامة ... بكيت ولم يعذرك بالجهل عاذر فقوله: «أإن غردت حمامة بكيت» تهوين لأمر الحمامة في تغريدها، أي ذلك لا يوجب البكاء، وهذه الألف تسمى ألف التوبيخ. ونحوه قول ابن الدمينة: أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على غصن غض النبات من الرند (٥) بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جليداً وأبديت الذي لم تكن تبدي فقال: «بكيت كما يبكي الوليد» يعني الصبي. ومقله قول الأحوص: أأن نادى هديلاً يوم فلج ... مع الإشراف في فنن حمام ظللت كأن دمعك در سلك ... هوى نسقاً وأسلمه النظام ونحوه قول آخر من بني قشير وأنشده أبو حاتم: أتجزع أن ورق الحمام تغردا ... بكى شجوه أو جاوب اليوم هدهدا (٦)

стр. 704

ومثله في أشعارهم كثير (١) موجود. وإلى هذا المعنى ذهب أبو تمام في قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» كأنه يوبخ نفسه على البكاء من أجل بكاء حمامة، ولما قال: «فإنهن حمام»، كانت هذه مناقضة ظاهرة. وهذه (٢) -لعمري- معارضة، غير أن أبا تمام قد يجوز أن لا يكون اعتمد تهوين أمر الحمامة كما اعتمد هؤلاء الشعراء، وأن يكون توبيخه (٣) لنفسه على هذا الوجه، بل إنما أراد: لا تبك لبكاء الحمام، فإنك لم تسمعه دائماً يغرد، فإن كنت كلما سمعته بكيت وحزنت طال بكاؤك وحزنك وذلك كما قال الآخر (٤): أأن زم أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أأنت حزين؟ وقد عيب هذا الشاعر في هذا (٥) المعنى، وقيل: إذا كان هذا لا يحزن فأي شيء يحزن؟ ولا شك في أن ظاهر هذا القول قبيح؛ لمخالفته ما في عادات الناس، إلا أني أظن هذا الشاعر ما ذهب في هذا القول إلى تهوين هذه الأشياء وتحقيرها، وإنما أراد أن مثل هذا يقع دائماً، فإن (٦) كان كلما شاهدته ورأيته حزنت، طال حزنك.

стр. 705

وقد قال مرة النهدي: أأن سجعت في بطن واد حمامة ... تجاوب أخرى ماء عينيك غاسق (١) كأنك لم تسمع بكاء حمامة ... بليل ولم يحزنك إلف مفارق ولم تر مشغوفاً بشيء تحبه ... سواك ولم يعشق كعشقك عاشق (٢) فقال: «أأن سجعت» يوبخ نفسه على البكاء لبكاء حمامة، ولم يذهب في ذلك إلى تخسيس أمرها، بل إلى ما قد دل عليه [قوله] (٣): «كأنك لم تسمع بكاء حمامة»، أي قد حزنت لذلك (٤) كثيراً، وبليت للحزن على مفارقة الإلف دائماً، ورأيت من حاله كحالك أبداً، فينبغي أن تقصر. فكذلك هؤلاء الشعراء في الأبيات المتقدمة جائز أن لا يكونوا هونوا أمر الحمامة، إن كانوا اعتمدوه، على أنه هين عندهم وعلى (٥) الحقيقة إنما ذهبوا في ذلك إلى أن يردعوا نفوسهم عن البكاء، فغير منكر ممن أراد أن يردع نفسه عن شيء أن يهون السبب الجالب لذلك (٦) الشيء ويحقره، وإن كان عظيماً. غير أن أبا تمام أوقع التوبيخ على نفسه كما فعلوا، وذهبوا إلى تهوين أمر الحمامة، وذهب هو إلى تعظيمه في قوله: «فإنهن حمام»، فقوافقهم في التوبيخ، وخالفهم في المعنى، كقائل قال لرجل: أمثلك يسامي عمرا؟
следующие страницы →