Полный текст (1 636 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وقد أحسن أيضاً عبد بني الحسحاس في قوله:
وبتنا وسادانا إلى علجانة ... وحقف تهاداه الرياح تهاديا (١)
فما زال بردي طيباً من ثيابها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليا (٢)
... ولست أعرف لأبي تمام في هذا الباب شيئاً.
стр. 702
* باب في نوح الحمام
قال أبو تمام:
أتضعضعت عبرات عينك أن دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام (١)
لا تنشجن لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام
هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام (٢)
قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» أي وهت، وانحل نظامها.
وقوله: «حين تضعضع الإظلام»: أي حين تقوض غلا أقله.
والنشيج: البكاء.
وههنا معارضات ومعارضات عورض بها أبو تمام في هذه الأبيات، وهي أن قيل:
قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» إنكار على نفسه البكاء من أجل دعاء حمامة، كأنه يخسس (٣) أمرها، فما وجه قوله: «فإنهن حمام» فسهل أمرها أولاً، ثم أعظمه هذا التعظيم آخراً، هذا عين المناقضة.
ثم من ذا رآه قتله بكاء الحمام (٣) حتى يجعلهن حماما؟ وزعم أن بكاءها ضحك، والحمام إنما ينوح لفقد إلفه وفراخه فيطيل الترنم والنوح، فكيف يكون ذلك ضحكاً أو كالضحك؟
стр. 703
فقيل للمعارضين: وأي دليل في [قوله] (١): «أتضعضعت عبرات عينك أن (٢) دعت ورقاء» على أنه خسس (٣) أمر الورقاء وهي الحمامة، وحقره حتى يكون قوله: فإنهن (٤) حمام نقضاً لهذا المعنى.
فقالوا: هذا مذهب من مذاهب العرب معروف في تهوين أمر الحمامة، وتعنيف من يبكي لبكائها، ومن ذلك قول البحتري بن عزافر الحرشي:
أإن غردت يوماً بواد حمامة ... بكيت ولم يعذرك بالجهل عاذر
فقوله: «أإن غردت حمامة بكيت» تهوين لأمر الحمامة في تغريدها، أي ذلك لا يوجب البكاء، وهذه الألف تسمى ألف التوبيخ.
ونحوه قول ابن الدمينة:
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على غصن غض النبات من الرند (٥)
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جليداً وأبديت الذي لم تكن تبدي
فقال: «بكيت كما يبكي الوليد» يعني الصبي.
ومقله قول الأحوص:
أأن نادى هديلاً يوم فلج ... مع الإشراف في فنن حمام
ظللت كأن دمعك در سلك ... هوى نسقاً وأسلمه النظام
ونحوه قول آخر من بني قشير وأنشده أبو حاتم:
أتجزع أن ورق الحمام تغردا ... بكى شجوه أو جاوب اليوم هدهدا (٦)
стр. 704
ومثله في أشعارهم كثير (١) موجود.
وإلى هذا المعنى ذهب أبو تمام في قوله: «أتضعضعت عبرات عينك» كأنه يوبخ نفسه على البكاء من أجل بكاء حمامة، ولما قال: «فإنهن حمام»، كانت هذه مناقضة ظاهرة.
وهذه (٢) -لعمري- معارضة، غير أن أبا تمام قد يجوز أن لا يكون اعتمد تهوين أمر الحمامة كما اعتمد هؤلاء الشعراء، وأن يكون توبيخه (٣) لنفسه على هذا الوجه، بل إنما أراد: لا تبك لبكاء الحمام، فإنك لم تسمعه دائماً يغرد، فإن كنت كلما سمعته بكيت وحزنت طال بكاؤك وحزنك وذلك كما قال الآخر (٤):
أأن زم أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أأنت حزين؟
وقد عيب هذا الشاعر في هذا (٥) المعنى، وقيل: إذا كان هذا لا يحزن فأي شيء يحزن؟
ولا شك في أن ظاهر هذا القول قبيح؛ لمخالفته ما في عادات الناس، إلا أني أظن هذا الشاعر ما ذهب في هذا القول إلى تهوين هذه الأشياء وتحقيرها، وإنما أراد أن مثل هذا يقع دائماً، فإن (٦) كان كلما شاهدته ورأيته حزنت، طال حزنك.
стр. 705
وقد قال مرة النهدي:
أأن سجعت في بطن واد حمامة ... تجاوب أخرى ماء عينيك غاسق (١)
كأنك لم تسمع بكاء حمامة ... بليل ولم يحزنك إلف مفارق
ولم تر مشغوفاً بشيء تحبه ... سواك ولم يعشق كعشقك عاشق (٢)
فقال: «أأن سجعت» يوبخ نفسه على البكاء لبكاء حمامة، ولم يذهب في ذلك إلى تخسيس أمرها، بل إلى ما قد دل عليه [قوله] (٣): «كأنك لم تسمع بكاء حمامة»، أي قد حزنت لذلك (٤) كثيراً، وبليت للحزن على مفارقة الإلف دائماً، ورأيت من حاله كحالك أبداً، فينبغي أن تقصر.
فكذلك هؤلاء الشعراء في الأبيات المتقدمة جائز أن لا يكونوا هونوا أمر الحمامة، إن كانوا اعتمدوه، على أنه هين عندهم وعلى (٥) الحقيقة إنما ذهبوا في ذلك إلى أن يردعوا نفوسهم عن البكاء، فغير منكر ممن أراد أن يردع نفسه عن شيء أن يهون السبب الجالب لذلك (٦) الشيء ويحقره، وإن كان عظيماً.
غير أن أبا تمام أوقع التوبيخ على نفسه كما فعلوا، وذهبوا إلى تهوين أمر الحمامة، وذهب هو إلى تعظيمه في قوله: «فإنهن حمام»، فقوافقهم في التوبيخ، وخالفهم في المعنى، كقائل قال لرجل: أمثلك يسامي عمرا؟
стр. 706
ويقول له قائل آخر كهذا القول سواء، ويكون أحدهما مصغراً [له] (١) عن مساماة عمرو، والآخر مكبراً معظماً، فيستويان في اللفظ، ويختلفان في المعنى.
وقد تقدم الناس أبا تمام في مثل قوله: «فإنهن حمام»، وقد ذكروا أن تغريد الحمام يبلي، ويميت، ويقتل، وهو المذهب الأعم الأكثر فمن ذلك قول «نصيب»:
محلاة طوق كان من غير شربة ... بمال ولم تغرم له جعل درهم
أموت لتبكاها أسى إن عولتي ... ووجدي بسعدى جوه غير منجم (٢)
وقال [آخر] (٣):
ألا يا حمامات اللوى عدن عودة ... فإني إلى أصواتكن حزين (٤)
فعدن فلما عدن كدن يمنني ... وكدت بأحزاني لهن أبين
[وقال آخر:
وهيجتني فاهتجت للشوق والصبا ... مطوقة خطباء عال رنينها
تموت لها نفس الحزين صبابة ... إذا ما دعت وهناً وغنت غنونها] (٥)
стр. 707
وقال [آخر]:
ألا يا حمام الشعب من غيضة اللوى ... ردي الماء لا تؤخذ عليك الكظائم (١)
حمائم قد أبلتني وقتلنني ... كأن لم يهم قبلي من الناس هائم
وذكر هذا أنهن (٢) أبلينه وقتلنه فما وجه الإنكار على أبي تمام قوله: «فإنهن حمام»؟.
فإن قيل: إنما أراد هؤلاء الشعراء إماتة الحب، وقتل الحب الذي هو التذليل والتتيم، ولم يريدوا القتل الذي هو الإتيان على النفس، ولا الموت الوحي [والحمام] (٣) ليس من هذا في شيء؛ وإنما قدر الموت المقدور، وقضاؤه المحتوم، يقال: قد حم الأمر إذا قضى وقدر، قال «الراعي»:
* وما حم من قدر يقدر (٤) *
قيل: إذا استعمل الموت على المجاز فقضاء الموت، وقدره أيضاً يستعمل على المجاز؛ لأنك إذا قلت على المجاز: في هذا الأمر إذا ارتكبته قتلى، أو موتى قلت أيضاً على المجاز: في هذا الأمر حمامي، وقد ذكر الحمام على الوجه كما ذكر الموت والقتل، فقال [الفزاري:
* وأوردني يوم العذيب حمامي *
ولم يمت يوم العذيب، ومثله كثير موجود] (٥).
وأما إنكارهم قوله (٦): «فإن بكاءها ضحك» وقولهم: إن الحمامة
стр. 708
تغرد لفقد إلفها وفرخها، وتكثر النوح عليهما، فكيف يكون ذلك ضحكاً؟
فالجواب عن هذا: أن ذلك التغريد قد يسمع منها وإلفها معها، وتفعله وهي في عشها مع فرخها، والمشاهدة لهذا أكثر وأعم، ويسمى ذلك التغريد نوحاً؛ ألا ترى إلى قول الشاعر:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح (١)
وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح
ولهذا قال ورد بن الجعد:
أحقاً يا حمامة بطن واد ... بأنك في بكائك تصدقينا (٢)
غلبتك في البكاء بأن ليلي ... أواصله وأنك تهجعينا (٣)
وأني إن بكيت بكيت حقاً ... وأنك في بكائك تكذبينا (٤)
فمن ههنا قال أبو تمام: «لا تنشجن لها فإن بكاءها ضحك»، أي ليس هناك بكاء على الحقيقة، ولا حزن على الصحة، وإنما يشجوك تغريدها لأن لها تلحيناً وترجيعاً كأنه صوت نائح؛ ومن أجل ذلك ادعت الأعراب أن فرخ حمام كان على عهد نوح يقال له (٥) الهديل صاده بعذ جوارح الطير، فيزعمون أنه ما من حمامة إلا وهي تبكي عليه، وهذا من خرافات الأعراب، وإنما قالوا ذلك لما رأو الحمام على كل حال يغرد هذا التغريد
стр. 709
الشجي فسموه نوحاً وبكاءاً [واحتراقاً] (١) واخترعوا له هذا الحديث، وذكروه في أشعارهم (٢).
فمن ذلك قول الكميت:
وما من تهتفين له بنصر ... بأقرب جابة لك من هديل (٣)
وقال نصيب:
فقلت: أتبكي ذات طوق تذكرت ... هديلاً وقد أودى وما كان تبع (٤)
أي أودي قبل تبع.
وقال نصيب أيضاً:
هتوف الضحى ورقاء يذكرك الهوى ... بكاها هديلاً شجوه حين تهتف.
وقوله: شجوه أي بشجوه.
وقال آخر:
أيبكي هديلاً بالعشي وبالضحى ... على الطلح قمري الحمام المغرد
وقال آخر:
إني تكرني سلمى مطوقة ... تدعو هديلاً على أفنان أغصان
ومثل هذا كثير في أشعارهم جداً، ولا يكادون يخرجون في نوح الحمام عن أن يجعلوه على الفرخ القديم، أو على إلف مارق؛ وذلك لرقة
стр. 710
تغريدها، وشدة تشوق من يسمع ذلك إلى إلفه، قال رجل من بني نهشل:
أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه ... [وأصبر عنها إنني لصبور (١)
وقال جميل] (٢):
أيبكي حمام الأيك من أجل إلفه ... وأصبر مالي عن بثينة من صبر
وقال آخر:
ألا يا حمام الأيك مالك باكياً ... أفارقت إلفاً أم جفاك حبيب (٣)
ومع هذا فقد جعلوا تغريدها أيضاً غناء، لأن من الغناء ما يشجوك فيحزنك، ومنه ما يشرك فيطربك، ولهذا ما جعلوا (٤) نوح الحمام تفجعاً، وسموه غناءً، وبكاء في حال واحدة، ومنه قول الأحوص:
أهاج لك الصبابة أن تغنت ... نطوقة على فنن بكور
تفجع فوق غصن من أراك ... وتحت لبانها فنن نضير
فجعل غناءها تغجعاً.
وقال علي بن عميرة الجرمي:
لقد هاج ذكري أم عمرو حمامة ... بنعمان غنتنا غناء مرجعا
بكت ساق حر بالمراويح وانتحت ... بها الريح في واد أراض وأمرعا (٥)
فقال غنتنا ثم قال: بكت ساق حر، فجعل غناءها بكاءً.
стр. 711
وقال آخر:
تغنت برأد من ضحاها فأسمعت ... أخا طرب قد أسلمته عواذله (١)
إذا سجعت كرت بجرس كأنه ... وتحوب ثكلى زايلت من تزايله (٢)
فجعل بكاءها كتحوب (٣) ثكلى.
وقال النابغة:
بكاء حمامة تدعو هديلاً ... مفجعة على فنن تغني (٤)
فجعلها باكية، مفجعة، مغنية.
وقال نصيب:
لقد كدت تبكي أن تغنت حمامة ... على رأدة الأفنان ناعمة الأصل
تهز بها الريح الضعيفة غصنها ... مراراً فتدني فرعه ثم تستعلي
بهاتفة لا تبرح الدهر والهاً ... على إثر إلف أو تنوح على شكل
فقال: تغنت، ثم جعلها والهاً، ونائحة على شكل، أي على شبه ومثل.
وقال نصيب:
وقد هاجني للشوق نوح حمامة ... هتوف الضحى هاجت حماماً فغردا
طروب غدت من حيث بانت فباكرت ... بعولتها غصناً من الأثل أغيدا
تغنت عليه ذات شجو مرنة ... بصوت يشوق المستهام المصيدا
فقال: هاجني نوح حمامة، ثم قال: تغنت.
стр. 712
وقال نصيب أيضاً:
لعلك باك أن تغنت حمامة ... يميد بها غصن من الريح مائل
من الورق يدعوها إلى شجوها الضحى ... فتبكي وتبكي حين تدنو الأصائل
فجعلها باكية مغنية.
ومثله قول ابن ميادة:
يذكرنيها أن تغنت حمائم ... لهن على خضر العضاه عويل
تجاوبن في حد النهار بعولة ... وأخرى توافي الشمس كل أصيل
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أدم الظباء به ترنم سنحا ... وبكاء نائحة به تترنم (١)
غنت على فنن فأسعد شجوها ... ورق أجبن كما استجاب المأتم (٢)
وقال رجل من بني نضر بن معاوية:
أهاج لك الأحزان نوح حمامة ... تغنت بليل في ذرى ناعم نضر
فقال: نوح حمامة، ثم قال: تغنت.
وقال سعد بن الجراح بن سفيان بن صامت الحارثي:
وحمامة أوفت بأخضر ناعم ... تبكي على غصن من الأغصان
عرف الحمام لها الغناء فرنمت ... فاعتادني نكس من الأحران
стр. 713
وقال حميد بن ثور:
فأوفت على غصن ضحياً فلم تدع ... لباكية في شجوها متلوما (١)
تغني إذا غنت بأجزاع بيشة ... أو الرخم من تثليث أو يبنما (٢)
وقال أبو شيبة الجرمي:
ألا قاتل الله الحمامة غدوة ... على الغصن ماذا هيجت حين غنت (٣)
تعلت على الأفنان في تلع الضحا ... فهاجت حزيناً بالبكاء وولت
وقال يزيد بن عمار الهلالي:
وذات فرخين غنت في مسوقة ... عجماء معربة ما ضرها العجم
بكت فأبكت مريض القلب ذا شجن ... وليس لها دمع فينسجم
وقال أبو مخلد الراسبي:
ولكنها لم تذر دمعاً وقد بكت ... وعينك تذري الدمع سحاً شئونها
وقال رجل من ولد سالم بن مالك الثقفي:
ويوم اللوى أجرى دموعك إذ دعت ... حمائم في فيء الأراك صوائح (٤)
حوائم ما تذري الدموع إذا بكت وهن بأسرار الدموع بوائح
стр. 714
وقال حرب بن الحكم بن المنذر بن الجارود:
وقبلي أبكى كل من كان باكياً ... هتوف البواكي والديار البلاقع (١)
بواك على الأطلال من كل جانب ... نوائح ما تخضل منها المدامع (٢)
وقال علي بن عمرة الجرمي:
هتوف الضحى معروفة اللحن لم تزل ... تقود الهوى مهدى لنا ونقودها (٣)
جزوع جمود العين دائمة البكا ... وكيف بكا ذي مقلة وجمودها
مطوقة لم يضرب القين فضة ... عليها ولم يعطل من الحلي جيدها (٤)
فهذا ما عليه العرب وغيرهم في أن الحمام وغيره من الطير لا دموع لها.
وقال رباح العقيلي فجعل لها دموعاً وذلك سهو منه أو جهل، وأنشده أبو حاتم:
وما هاج لي إلا عشية واسط ... حمائم غيطان الأراك وقوع
تجاوبن في أطلال أفنان أثلة ... بمغرورقات فيضهن دموع (٥)
وإني لأرعى السر من أم عاصم ... ولست لعهد صالح بمضيع
فقال: «بمغرورقات تفيض (٦) منهن الدموع».
стр. 715
وقال آخر:
فعدن بقرقار الهدير كأنما ... شربن حمياً أو بهن جنون (١)
فلم تر عيني قبلهن حمائماً ... بكين فلم تقطر لهن جفون
وهذا قد أفصح -كما ترى- بأن كل حمام رآه يبكي قبل هذه الحمائم رأى له دموعاً، وهذا محض الجهل، وأظنه أراد أن يقول:
فلم تر عيني قبلهن بواكيا، فقال حمائماً كما قال جهم بن خلف:
فلم أر باكية مثلها ... تبكي ودمعتها ما ترى (٢)
لم يرد باكية من الحمام، ولا من الطير، وإنما أراد بكاية من الإنس مفجعة مثل هذه الحمامة، والله أعلم.
وهذا الفصل ليس من الاحتجاج لأبي تمام في أبياته، وقد كان يجوز أن أتعداه، وأقتصر (٣) أيضاً على بعض الشواهد التي تقدمته، ولكن وجدت ذلك متمماً للباب فأوردته.
... وقال أبو تمام:
لئن أرقأ الدمع العيون وقد جرى ... لقد رويت منه خدود نواعم (٤)
كما كاد ينسى عهد ظمياء باللوى ... ولكن أملته عليه الحمائم (٦)
стр. 716
بعثن الهوى في قلب من ليس هائماً ... فقل في فؤاد رعنه وهو هائم
لها نغم ليست دموعاً فإن جرت ... مضت حيث لا تمضي الدموع السواجم
قوله: «لئن أرقأ الدمع العيون وقد جرى»، يريد لئن قطعت العيون التي ترقبني دمعي وقد جرى، أي حال جريه، لقد رويت منه خدود أحبابي.
وهذه حال مفهومة معلومة قلما يخلو منها أحد وهو أن يدور الدمع في مآقه، ويستحي أن يرى باكياً، فيكف العبرة ويردها.
ولم يوضح المعنى ويلخصه.
والجيد النادر، واللفظ الحسن، والعبارة الصحيحة قول البحتري:
نهته رقبة الواشين حتى ... تعلق ما يغيض وما يسيل
ومثل هذا لا يكون مسروقاً؛ لأنه جار على عادات الناس، مشاهد معلوم، وما علمت أحداً نظمه نظم البحتري.
والجيد الحسن أيضاً لفظاً ومعنى قوله (٢):
ما لخضر ينحن في قضب الخضر ... على كل صاحب مفقود (٣)
عاطلات بل حاليات يردد ... ن الشجا في قلائد وعقود
زدنني صبوة وذكرنني عهـ ... داً قديماً من ناقض للعهود
ما يريد الحمام في كل واد ... من عميد صب بغير عميد
كلما أخمدت له نار شوق ... هجنها بالبكاء والتغريد
стр. 717
قوله: «عاطلات بل حاليات»، يريد أطواق الحمام، هو لها [شبيه] (١) بالحلي، وهن منه عواطل.
وما قال أحد في هذا المعنى أحسن ولا أبرع ولا أحلى من قول أمية ابن أبي الصلت في حمامة نوح:
فلما فرشوا الآيات صاغو ... لها طوقاً كما عقد السخاب (٢)
تورثه إذا ماتت بنيها ... وإن تقتل فليس لها استلاب
وقول البحتري: «يرددن الشجا في قلائد وعقود» حسن؛ لأن الباكية الحزينة ذات الشجو لا تلبس الحلي، وإن كان عليها تسلبت منه.
وأحسن منه قول الآخر:
مطوقة تبكي ولم أر باكياً ... بدا ما بدا من شجوها لم تسلب
أخذه ابن الرومي فقال:
لو تستطيع تسلبت من طوقها ... لو كان منتحلاً من الأطواق
وقال البحتري:
وورق تداعى بالبكاء بعثن لي ... كمين أسى بين الحشا والحيازم (٣)
وصلت بدمعي نوحهن وإنما ... بكيت لشجوي لا لشجو الحمائم
وهذا أيضاً جيد حسن.
... ولست أعرف لهما في ذكر الحمام غير هذا (٤).
стр. 718
* باب في وصفهما للأيام التي خلت، والأزمان التي حمداها، والتذكر لها، والأسى عليها ويتصل بذلك شيء من ذكر النساء وأوصافهن
وأذكر أولاً ابتداآتهما في هذا الباب.
قال أبو تمام:
أأيامنا ما كنت إلا مواهبا ... وكنت بإسعاف الحبيب حبائبا (٢)
وقال:
أحسن بأيام العقيق وأطيب ... والعيش في أظلالهن المعجب (٣)
وقال البحتري:
ليالينا بين اللوى فزرود ... مضيت حميدات الفعال فعودي (٤)
بيت أبي تمام الأول أجود من الأبيات الثلاثة.
ولفظ البحتري لا زيادة على حسنه وجودته.
стр. 719
* ما جاء عنهما في وسط كلامهما من هذا الباب
قال أبو تمام:
أأيامنا ما كنت إلا مواهبا ... وكنت بإسعاف الحبيب حبائبا (١)
سنغرب تجديداً لعهدك في البكا ... فما كنت في الأيام إلا غرائبا
ومعترك للشوق أهدى به الهوى ... إلى ذي الهوى نجل العيون ربائبا
كواعب زارت في ليال قصيرة ... تخيان لي من حسنهن كواعبا
قوله: «ومعترك للشوق» يريد موضعاً زاره فيه الكواعب اللاتي ذكرهن؛ فإن ذلك الموضع يسقط فيه الشوق فلأن يكون معتركاً للوصل أولى، والعذر له أن يقال: إنه إنما كان معتركاً للشوق بعد تلك الحال التي تقصت فهو أبداً مشتاق إلى ذلك الموضع إذا ذكر له.
وقال:
أحسن بأيام العقيق وأطيب ... والعيش في أظلالهن المعجب
ومصيفهن المستظل بظله ... سرب المها، وربيعهن الصيب
أصل كبرد العصب نيط إلى ضحى ... عبق بريحان الرياض مطيب (٢)
стр. 720
وظلالهن المشرقات بخرد ... بيض كواعب غامضات الأكعب (١)
وهذا لعمري حسن معجب.
وقال أيضاً أبو تمام:
ولقد أراك فهل أراك بغبطة ... والعيش غض والزمان غلام (٢)
أعوام وصل كان ينسي طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أعقبت ... بجوى أسى فكأنها أعوام (٣)
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
فقوله: «كان ينسي طولها ذكر النوى»، أي إنا كنا نذكر الفراق فنبادر السرور واللذات فكان ذلك يقصر من طولها، وأيام السرور على كل حال قصار، اعترض فيها خوف الزوال أو لم يعترض.
وهذا من مشهور إحسان أبي تمام لفظاً ومعنى.
... وقال البحتري:
عيش لنا بالأبرقين تأيدت ... أيامه وتجددت ذكراه (٤)
والعيش ما فارقته فذكرته ... لهفاً وليس العيش ما تنساه
وهذا إحسان يزيد على كل إحسان.
стр. 721
وقال البحتري:
سقى الله أخلاقاً من الدهر رطبة ... سقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق (١)
ليال سرقناها من الدهر بعدما ... أضاء بمصباح من الشيب مفرق (٢)
تداويت من ليلى بليلى فما شفى ... بماء الزبى من بات بالماء يشرق (٣)
وهذا من أحسن معنى وأحلاه، وقوله: «إذ أبرق الحزن أبرق»، أي كما عدناه، لا كما هو في الوقت من الخراب.
وقوله: «تداويت من ليلى بليلى» أي فلم (٤) أبرأ من الداء كما أن من شرق بالماء لم يدفع شرقه الماء ولو تناهى في الكثرة حتى يبلغ الزبى وهو من قولهم: بلغ الماء الزبى (٥): جمع زبية، وهي حفرة تحفر للأسد في أعلى ما يمكن من المواضع فلهذا ضرب [بها] (٦) المثل في كثرة الماء فقيل: بلغ الماء الزبى.
فالشرق بالماء لا يزيله الماء كما قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري (٧)
فقال البحتري ليؤكد ذلك بقاء حبه، أي لا يكون برئي من حبها أن تداوي منها بها كما لا يدفع الماء شرق من شرق بالماء.
стр. 722
وقال البحتري:
فسقى الغضا والنازليه وإن هم ... شبوه بين جوانح وقلوب (١)
وقصار أيام به سرقت لنا ... حسناتها من كاشح ورقيب (٢)
خضراً تساقطها الصبا فكأنها ... ورق يساقطه اهتزاز قضيب (٣)
كانت فنون بطالة فتقطعت ... عن هجر غانية ووخط مشيب
فقوله: «خضر تساقطها الصبا» معنى في غاية الحسن، وتمثيل في نهاية اللطف.
... ومن حلو معانيه، ومشهور إحسانه قوله:
بعض هذا العتاب والتفنيد ليس ذم الوفاء بالمحمود (٤)
ما بكينا على زرود ولكنـ ... نا بكينا أيامنا في زرود
وقال أيضاً:
ليالينا بين اللوى فمحجر ... سقيت الحيا من صيب المزن ممطر (٥)
مضى بك وصل الغانيات ونشوة الشـ ... ـباب ومعروف الهوى المتنكر
فإن أتذكر حسن ما فات لم أجد ... رجوعاً لما فارقته بالتذكر
نضوت الأسى عني اصطباراً وربما ... أسيت فكم أصبر ولم أتصبر
стр. 723
وقال أيضاً:
عهد لعلوة باللوى قد أشكلا ... ما كان أحسن مبتداه وأجملا (١)
أنسى ليالينا هناك وقد حلا ... من لهونا في ظلها ما قد حلا (٢)
عيش غرير لو ملكت لما مضى ... رداً إذاً لرددته مستقبلا
قوله: «عيش غرير» أي رقيق ناعم، قال جرير:
بيض ترببها النعيم وخالطت ... عيشاً كحاشية الفرند غريرا (٣)
الفرند: الحرير، والفرند: ماء السيف والحاشية: جانب الثوب، وإنما أراد الفرند نفسه.
... وقال أبو تمام:
ليالينا بالرقتين وأهلها ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد (٤)
سحاب متى على النبت ذيله ... فلا رجل ينبو عليه ولا جعد (٥)
ضربت لها بطن الزمان وظهره ... فلم ألق من أيامها عوضاً بعد
قوله: «العهد والعهد والعهد»، فالعهد جمع عهدة، وجمع عهد: عهاد، وهو المطر يأتي إثر مطر، فأراد سقي العهد الذي عهدناك هذا المطر (٦) بأسره: أوله، ووسطه، وآخره، وأراد سقتك العهاد كلها، ومثله قوله:
стр. 724
* سقى عهد الصبا سيل العهاد (١) *
وهذا مستقيم، والأول ليس بالجيد.
وقد فسر هذا قوم بما يبعد عن المعنى، ولا يليق به، وخلطوا فيه (٢).
قال أبو تمام:
سلام ترجف الأحشاء منه ... على الحسن بن وهب والعراق (٣)
على البلد الحبيب إلي غوراً ... ونجداً والأخ العذب المذاق (٤)
ليالي نحن في وسنات عيش ... كأن الدهر عنها في وثاق
وأياماً لنا وله ولداناً ... غنينا في حواشيها الرقاق (٥)
كأن العهد عن عفر لدينا ... وإن كان التلاقي عن تلاق (٦)
وهذا كلام حلو عذب.
وقوله: «سلام ترجف الأحشاء منه»، لأنه فارق العراق وهو كاره، فسلم سلام مودع متأسف، شديد النفس للشوق والأسف؛ فلذلك قال: «ترجف الأحشاء منه».
стр. 725
بيت أبي تمام النادر في هذا الباب قوله:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام (١)
وبيت البحتري قوله:
والعيش ما فارقته فذكرته ... لهفاً وليس ما تنساه (٢)
وبيت أبي تمام أسير، وبيت البحتري ألطف معنى.
... وهما في سائر ما مر لهما في هذا الباب متكافئان.
... ومن حلو كلام البحتري في معنى الأيام قوله:
ما أحسن الأيام إلا أنها ... يا صاحبي إذا مضت لم ترجع (٣)
وأحلى منه وأبدع قول أبي حية النميري:
إذ الأيام مقبلة إلينا ... وظل أراكه الدنيا ظليل (٤)
... وفي هذا الباب لأبي تمام إساءة في قصيدته التي أولها:
* أما إنه لولا اللوى ومعاهده *
وذلك قوله:
فيا مشهداً يستهزم البين باسمه ... إذا عد أيام الهوى ومشاهده
ويا ليلة لو يعرف الدهر طيبها ... لصيرها ثغراً تناغى مراصده
стр. 726
وهذا من أقبح ما يكون من الكلام، وأهجن (١) ما يكون من المعاني، وأبعد ما تكلفه أهل الاستعارة من الأغراض.
يقول: ولو علم الدهر طيب هذه الليلة لجعلها ثغراً له مراصد.
والمراصد: مواضع الحرس.
وقوله: تناغى، يريد حراس المراصد، يخاطب بعضهم بعضا، وينذر واحد آخر، وأصل المناغاة: الكلام الرخيم الخفي، مثل مناغاة الصبي.
وربما فعل ذلك أهل المراصد المتقاربة: يوحي بعضهم إلى بعض، وينبه بعضهم بعضاً على ما يتخوفونه ويتوقعونه، يقول: فلو علم الدهر طيب هذه الليلة لجعلها ثغراً يحرسه من أن تلحقه آفة أو جائحة تزيله وتبطله.
وهذا مما ينبغي أن تسمعه وتضحك منه، كما أن جيده يسمع ويعجب منه، ومن أجل هذا التفاوت العظيم في شعره تفاوت الناس في التعصب له والتعصب عليه، فما ينبغي أن يقبح إحسانه (٢)، ولا أن تحسن إساءاته.
стр. 727
* ما جاء عنهما في طروق الخيال
هذا باب الفضل فيه للبحتري على أبي تمام، وما زلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقولون؛ هو أشعر الناس والخاص الـ ... والخيال (١)
ولم يأت عن أبي تمام فيه إلا أبيات يسيرة منها قوله في قصيدة:
زار الخيال لها لا بل أزاركه ... فكر إذا نام الناس لم ينم (٢)
ظبي تقنصه لما نصبت له ... من آخر الليل أشراكاً من الحلم (٣)
ثم اغتدى وبنا من ذكره سقم ... باق وإن كان معسولاً من السقم
قوله: «زار الخيال لها بل أزاركه» ليس بالجيد؛ لأنه إذا أزاره (٤) الفكر فقد زار فما وجه الاستدراك؟، فكأنه أراد أن الخيال لم يعتمد الزيارة، وإنما أزاره (٤) الفكر، ومثله قام زيد، لا بل أقمته، وكأن قائل هذا يريد ما اعتمد زيد القيام بل أقمته أنا (٥) ويروى: «إذا نام فكر الخلو».
وقوله: «لم ينم»، لم يرد حقيقة النوم، وإنما أراد لم يسكن، ولم يفتر، كما يقال (٦): فلان لا ينام عن هذا الأمر، أي لا يفتر عنه، ولا يقصر.
стр. 728
وقوله: «من آخر الليل»، ولم يقل من أول الليل، يريد أنه لا ينام بالليل، وأنه يسهره، وأنه يهوم في آخره تهويماً فيطرقه الخيال في ذلك الوقت.
وقوله: «وإن كان معسولاً من السقم»، أي وإن كان حلواً من الأسقام، أي كأنه ممزوج بالعسل، ويرويه قوم:/ «وإن كان مغسولاً من السقم» وليس بشيء.
وهذه أبيات حسان، وغرض صحيح.
... وقال أبو تمام أيضاً:
عادك الزور ليلة الرعل من رمـ ... ـلة بين الحمى وبين المطالي (١)
نم فما زارك الخيال ولكنـ ... ـنك بالفكر زرت طيف الخيال
وقد أكثر أصحاب أبي تمام الفخر بهذا البيت، والتنويه بذكره، وأفرطوا في استحسانه، وقالوا (٢): كشف عن العلة في طروق الخيال، وبين عن المعنى.
والبيت حسن، وإنما أخذ معناه من قول جران العود:
أهلاً بطيفك من زور أتاك به ... حديث نفسك عنه وهو مشغول (٣)
فقوله: وهو مشغول، أي إنه لم يزرك على الحقيقة، فبنى من هذا قوله: «ما زارك الخيال» وبنى من قوله: «أتاك به حديث نفسك» ولكنك
стр. 729
بالفكر زرت طيف الخيال، فالمعنى كله لجران، وإنما غير أبو تمام اللفظ (١) وقد قال الكميت:
فلما انتهبت وجدت الخيال ... أماني نفسي وأفكارها
أي وجدت الخيال أنا الجالب له بأماني وهذا ذلك المعنى بعينه.
وقد أورد أبو تمام المعنى على حذو ما قاله جران سواء فقال:
استزارته فكرتي في المنام ... فأتاني في خفية واكتتام (٢)
تذكر أن فكرته أتته بالطيف زائراً كما قال جران: «أتاك به حديث نفسك».
ووصل أبو تمام بيته بأن قال:
الليالي أحفى بقلبي إذا ما ... جرحته النوى من الأيام (٣)
يا لها زورة تنزهت الأر ... واح فيها سراً من الأجسام (٤)
مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام
ليس لهذه الأبيات حلاوة، ولا عليها طلاوة (٥).
... وقال أبو تمام:
حمتنا الطيف من أم الوليد ... خطوب شيبت رأس الوليد (٦)
стр. 730
رآنا مشعري أرق وحزن ... وبغيته لدى الركب الهجود (١)
سهاد يرجحن الطرف منه ... ويولع كل طيف بالصدود
يرجحن: أي يتثاقل في حركته كالمعنى في سيره المثقل إذا عدل يمنة وشأمة مثل السحابة المرجحنة لكثرة مائها، وإنما يريد ثقل أجفانه عند النظر من طول السهر.
ولا أعرف لأبي تمام في طروق الخيال غير ما ذكرته.
... فأما البحتري فإنه أولع بذكر الخيال فقال فيه، وأكثر، وأجاد، وأبدع، وتصرف في معان لم يأت أحد بمثلها، وقد استفتح قصائد كثيرة بذكر الخيال؛ لشدة شغفه به، فأحسن في ابتداآته كلها،/ وزاد على الإحسان، فمن ذلك قوله:
أمنك تأوب الطيف الطروب ... حبيب جاء يهدى من حبيب (٢)
وقوله:
أجدك ما ينفك يسري لزينبا ... خيال إذا آب الظلام تأوبا (٣)
وقوله:
قد كان طيفك مرة يغرى بي ... يعتاد ركبي طارقاً وركابي (٤)
стр. 731
وقوله:
طيف ألم فحيا عند مشهده ... قد كان يشفي المعنى من تلدده (١)
وقوله:
مثالك من طيف الخيال المعاود ... ألم بنا من أفقه المتباعد (٢)
وقوله:
عجباً لطيف خيالك المتعاهد ... ولوصلك المتقارب المتباعد (٣)
وقوله:
قل للخيال إذا أردت فعاود ... تدني المسافة من هوى متباعد (٤)
وقوله:
هجرت وطيف خيالها لم يهجر ... ونأت بحاجة مغرم لم يقصر (٥)
وقوله:
/ ألمت وهل إلمامها لك نافع ... وزارت خيالاً والعيون هواجع (٦)
وقوله:
بت أبدي وجداً وأكتم وجداً ... من خيال قد بات لي منك يهدي (٧)
وقوله:
برح بي الطيف الذي يسري ... وزادني سكراً إلى سكر (٨)
стр. 732
وقوله:
سرى من خيال المالكية! ما سرى ... فتيم ذا القلب المعنى وأسهرا (١)
وقوله:
يهدي الخيال لنا ذكرى إذا طافا ... وافى يخادعنا والصبح قد وافى (٢)
وقوله:
مرحباً بالخيال منك المطيف ... في شموس لم تتصل بكسوف (٣)
وقوله:
أما الخيال فإنه لم يطرق ... إلا بعقب تشوف وتشوق (٤)
وقوله:
هذا الحبيب فمرحباً فمرحباً بخياله ... أنى اهتدى والليل في سرباله (٥)
/ وقوله:
خيال ملم أو حبيب مسلم ... وبرق مجلى أو حريق مضرم (٦)
وقوله:
أأراك الحبيب خاطر وهم ... أم أزارتكه أضاليل حلم (٧)
стр. 733
وقوله:
خيال يعتريني في المنام ... لسكرى اللحظ فاتنه الكلام (١)
وقوله:
طيف تأوب من سعدى فحياني ... أهواه وهو بعيد النوم يهواني (٢)
وقوله:
طيف لعلوة ما ينفك يأتيني ... يصبو إلي على خلف فيصبيني (٣)
وقوله:
طيف الخيال ألم من عدوائه ... وبعيد موضع أرضه وسمائه (٤)
وقوله:
أحبب إلي بطيف سعدى الآتي ... وطروقه في أكثر الأوقات (٥)
وقوله:
/ خيال ماوية المطيف ... أرق عيناً لها وكيف (٦)
وقوله:
أرج لريا طلة رياه ... لا يبعد الطيف الذي أهداه (٧)
стр. 734
وما أحسن ما قال مسلم بن الوليد:
طيف الخيال حمدنا منك إلماما ... داويت سقماً وقد هيجت أسقاما (١)
مضت الابتداآت
... وهذا ماجاء عن البحتري من وصف الخيال في وسط الكلام، قال:
فلا وصل إلا أن طيف خيالها ... بنا تحت جؤشوش من الليل أسفع (٢)
ألمت بنا بعد الهدو فسامحت ... بوصل متى تطلبه في الجد تمنع (٣)
وما برحت حتى مضى الليل فانقضى ... وأعجلها داعي الصباح الملمع (٤)
فولت كأن البين يخلج شخصها ... أوان تولت من حشاي وأضلعي (٥)
ورب لقاء لم يؤمل وفرقة ... لأسماء لم تحزر ولم تتوقع (٦)
أسر بقرب من ملم مسلم ... وأشجى بيبن من حبيب مودع
وكائن لنا بعد النوى من تفرق ... تزجيه أحلام الكرى وتجمع (٧)
ومن لوعة تعتاد في إثر لوعة ... ومن أدمع ترفض في إثر أدمع
/ فانظر إلى هذه العبارة الحسنة، وإخباره إياك بالشيء على ما كان.
стр. 735
ونحو ذلك في الحسن والصحة قوله:
وإني وإن ضنت علي بودها ... لأرتاح منها للخيال المؤرق (١)
يعز على الواشين لو يعلمونها ... ليال لنا نزدار فيها ونلتقي
فكم غلة للشوق أطفات حرها ... بطيف متى يطرق دجى الليل يطرق
أضم عليه جفن عيني تعلقاً ... به عند إجلاء النعاس المرنق
فقوله: «أضم عليه جفن عيني تعلقاً» من أحسن كلام، وأصح معنى وأصدقه وأكثره، وكثيراً ما ينال أكثر الناس ذلك عند إجلاء النوم، وابتداء اليقظة إذا كان في رؤيا يلذها.
وقال أيضاً:
أجدك ما ينفك يسري لزينبا ... خيال إذا آب الظلام تأوبا (٢)
سرى من أعالي الشام يجلبه الكرى ... هبوب نسيم الروض تجلبه الصبا
وما زارني إلا ولهت صبابة ... إليه وإلا قلت أهلاً ومرحبا (٣)
وليلتنا بالجزع بات مساعفاً ... يريني أناة الخطو ناعمة الصبا
أضرت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيبا
قوله: «إذا آب الظلام تأوبا»، آب أي رجع، وتأوب (٤): تراجع.
يعني أن الطيف إذا عاد الظلام عاد، وليس ذلك من التأويب الذي هو سير النهار كله.
стр. 736
وقوله: «سرى من أعالي الشام» بيت في غاية الحسن والحلاوة.
... وقال:
أما راعك الحي الحلال بهجرهم ... وهم لك غدواً بالتفرق أروع (١)
بلى وخيال من أثيلة كلما ... تأوهت من وجد تعرض يطمع
إذا زورة منه تقضت مع الكرى ... تنبهت من وجد له أتفزع (٢)
ترى مقلتي ما لا ترى في لقائه ... وتسمع أذني منه ما ليس تسمع (٣)
ويكفيك من حق تخيل باطل ... ترد به نفس اللهيف فترجع
ولست أقول في هذا إلا ما كان البحتري يقوله، وحدثنا به أبو علي محمد بن العلاء السجستاني: إنه كان إذا شرب وسكر أنشد مثل هذه الأبيات وأشباهها من شعره، وقال: ألا تسمعون؟ ألا تعجبون؟.
... وقال:
أخيال عزة كيف زرت وعندنا ... أرق يشرد بالخيال الزائر (٤)
طيف ألم بنا ونحن بمهمه ... قفر يشق على الملم الخاطر (٥)
حتى إذا تزعوا الدجى وتسربلوا ... من نور هلهلة الصباح النائر (٦)
стр. 737
ورنوا إلى شعب الرحال بأعين ... يكسرن من نظر النعاس الفاتر (١)
أهوى فأسعف بالتحية خلسة ... والشمس تلمع في جناح الطائر
/ سرنا وأنت مقيمة ولربما ... كان المقيم علاقة للسائر
وهذا -والله- الكلام العربي، والمذهب الذي يبعد على غيره أن يأتي بمثله.
وقال:
إذا ما الكرى إلي خياله ... شفى قربه التبريح أو نقع الصدى
إذا انتزعه من يدي انتباهة ... عددت حبيباً راح مني أو غدا (٢)
ولم أر مثلينا ولا مثل شأننا ... نعذب أيقاظاً وننعم هجدا
وقال:
أقامت على الجهران ما إن تجوزه ... وخالفها بالوصل طيف لها يسري (٣)
فكم في الدجى من فرحة بلقائها ... وكم ترحة بالبين منها لدى الفجر
إذا الليل أعطانا من الوصل بلغة ... ثنتنا تباشير الصباح إلى الهجر (٤)
ولم أنس إسعاف الكرى بدنوها ... وزورتها بعد الهدو وما تدري
وقال:
إن ريا لم تسق ريا من الوصـ ... ـل ولم تدرما جوى العشاق (٥)
стр. 738
بعثت طيفها إلي ودوني ... وخد شهرين للمهاري العتاق
زار وهناً من الشام فحيا ... مستهاماً صبا بأعلى العراق
فقضى ما قضى وعاد إليها ... والدجى في برودها الأخلاق
/ قد أخذنا من التلاقي بحظ ... والتلاقي في النوم عدل التلاقي
وهذا حسن جداً.
وألطف وأحسن وأحلى قوله:
وزائر زار من أعقته ... يميل وزناً بأنسه ذعره (١)
كأنه جاء منجزاً عدة ... وبت في الراقبين أنتظره
لم أنسه موشكاً على وجل ... مدامجاً للحديث يختصره (٢)
كأنما الكاشحون قد خرصوا ... مكانه أو أتاهم خبره (٣)
وقال:
تدرين كم زورة مشكورة ... من زائر وهب الخطير وما درى (٤)
غاب الوشاة فبات يسهل مطلب ... لو يشهدون طريقه لتوعرا
كان الكرى حظ العيون ولم أخل ... برق الغرام يسوقه حتى جرى (٥)
قامت تمنيني الوصال لتبتلي ... جذلي وحاجة أكمة أن يبصرا (٦)
стр. 739
منيتنا عللاً وما أنهلتنا ... والوقت ليس يحيل حتى يشهرا
تالله لم أر مذ رأيت كليلتي ... في العلث إلا ليلتي في عكبرا
أهوى الظلام وأن أملاه وقد ... حدر الصباح نقابه أو أسفرا
وهذا لعمري هو القول الذي لو ورده الظمآن لروي؛ لكثرة مائه (١).
وقال:
بت أيدي وجداً وأكتم وجداً ... لخيال قد بات لي منك يهدى (٢)
أقسم الظن فيه أني تخطى الر ... رمل من عالج وأني تهدى
خطأ ما أزارناه طروقاً ... أم توخيه للزيارة عمدا (٣)
لا تخيب البلاد تخطر فيها ... رسل الشوق من خيالات سعدى
وعدتنا فما وفت بوصال ... ووفت حين أو عدت أن تصدا (٤)
قرب الطيف منتواها فأصبحـ ... ـت حديثاً بناقض العهد عهدا (٥)
قوله: «لا تخيب البلاد تخطر فيها» بيت حسن جداً؛ جعل الخيالات للشوق.
وقال في قصيدته التي أولها:
* بان عهد الصبا وباقي جديده (٦) *
стр. 740
منك طيف ألم والأفق ملآ ... ن من الفجر واعتراض عموده (١)
زائر أشرقت لرؤيته أغـ ... ـوار أرض العراق بعد نجوده (٢)
أرب النفس كله ومتاع الـ ** ـعين في حده وفي توريده
معطياً من وصاله في كرى النو ... م الذي كان معطياً من صدوده (٣)
يقظات المحب ساعات بؤسا ... هـ ونعماء عيشه في هجوده (٤)
/ وقال:
وما انفك داعي البين حتى تزايلت ... قباب بناها حاضر وخيام (٥)
عشية ما بي عن شبيث ترحل ... فأمضى ولالي في شبيث مقام (٦)
فما نلتقي إلا على حلم هاجد ... يحل لنا جدواك وهو حرام (٧)
إذا ما تباذلنا النفائس خلتنا ... من الجد أيقاظاً ونحن نيام
وهذا قول ليس بينه وبين القلب حجاب.
وقال:
أرجم في ليلي الظنون وأرتجي ... أوائل حب أخلفتني أوائله (٨)
وليلة هومنا على العيس أرسلت ... بطيف خيال يشبه الحق باطله
فلولا بياض الصبح طال تشبثي ... بعطفي غزال بت وهناً أغازله
следующие страницы →