Полный текст (1 636 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
وقوله: «سرى من أعالي الشام» بيت في غاية الحسن والحلاوة.
... وقال:
أما راعك الحي الحلال بهجرهم ... وهم لك غدواً بالتفرق أروع (١)
بلى وخيال من أثيلة كلما ... تأوهت من وجد تعرض يطمع
إذا زورة منه تقضت مع الكرى ... تنبهت من وجد له أتفزع (٢)
ترى مقلتي ما لا ترى في لقائه ... وتسمع أذني منه ما ليس تسمع (٣)
ويكفيك من حق تخيل باطل ... ترد به نفس اللهيف فترجع
ولست أقول في هذا إلا ما كان البحتري يقوله، وحدثنا به أبو علي محمد بن العلاء السجستاني: إنه كان إذا شرب وسكر أنشد مثل هذه الأبيات وأشباهها من شعره، وقال: ألا تسمعون؟ ألا تعجبون؟.
... وقال:
أخيال عزة كيف زرت وعندنا ... أرق يشرد بالخيال الزائر (٤)
طيف ألم بنا ونحن بمهمه ... قفر يشق على الملم الخاطر (٥)
حتى إذا تزعوا الدجى وتسربلوا ... من نور هلهلة الصباح النائر (٦)
стр. 737
ورنوا إلى شعب الرحال بأعين ... يكسرن من نظر النعاس الفاتر (١)
أهوى فأسعف بالتحية خلسة ... والشمس تلمع في جناح الطائر
/ سرنا وأنت مقيمة ولربما ... كان المقيم علاقة للسائر
وهذا -والله- الكلام العربي، والمذهب الذي يبعد على غيره أن يأتي بمثله.
وقال:
إذا ما الكرى إلي خياله ... شفى قربه التبريح أو نقع الصدى
إذا انتزعه من يدي انتباهة ... عددت حبيباً راح مني أو غدا (٢)
ولم أر مثلينا ولا مثل شأننا ... نعذب أيقاظاً وننعم هجدا
وقال:
أقامت على الجهران ما إن تجوزه ... وخالفها بالوصل طيف لها يسري (٣)
فكم في الدجى من فرحة بلقائها ... وكم ترحة بالبين منها لدى الفجر
إذا الليل أعطانا من الوصل بلغة ... ثنتنا تباشير الصباح إلى الهجر (٤)
ولم أنس إسعاف الكرى بدنوها ... وزورتها بعد الهدو وما تدري
وقال:
إن ريا لم تسق ريا من الوصـ ... ـل ولم تدرما جوى العشاق (٥)
стр. 738
بعثت طيفها إلي ودوني ... وخد شهرين للمهاري العتاق
زار وهناً من الشام فحيا ... مستهاماً صبا بأعلى العراق
فقضى ما قضى وعاد إليها ... والدجى في برودها الأخلاق
/ قد أخذنا من التلاقي بحظ ... والتلاقي في النوم عدل التلاقي
وهذا حسن جداً.
وألطف وأحسن وأحلى قوله:
وزائر زار من أعقته ... يميل وزناً بأنسه ذعره (١)
كأنه جاء منجزاً عدة ... وبت في الراقبين أنتظره
لم أنسه موشكاً على وجل ... مدامجاً للحديث يختصره (٢)
كأنما الكاشحون قد خرصوا ... مكانه أو أتاهم خبره (٣)
وقال:
تدرين كم زورة مشكورة ... من زائر وهب الخطير وما درى (٤)
غاب الوشاة فبات يسهل مطلب ... لو يشهدون طريقه لتوعرا
كان الكرى حظ العيون ولم أخل ... برق الغرام يسوقه حتى جرى (٥)
قامت تمنيني الوصال لتبتلي ... جذلي وحاجة أكمة أن يبصرا (٦)
стр. 739
منيتنا عللاً وما أنهلتنا ... والوقت ليس يحيل حتى يشهرا
تالله لم أر مذ رأيت كليلتي ... في العلث إلا ليلتي في عكبرا
أهوى الظلام وأن أملاه وقد ... حدر الصباح نقابه أو أسفرا
وهذا لعمري هو القول الذي لو ورده الظمآن لروي؛ لكثرة مائه (١).
وقال:
بت أيدي وجداً وأكتم وجداً ... لخيال قد بات لي منك يهدى (٢)
أقسم الظن فيه أني تخطى الر ... رمل من عالج وأني تهدى
خطأ ما أزارناه طروقاً ... أم توخيه للزيارة عمدا (٣)
لا تخيب البلاد تخطر فيها ... رسل الشوق من خيالات سعدى
وعدتنا فما وفت بوصال ... ووفت حين أو عدت أن تصدا (٤)
قرب الطيف منتواها فأصبحـ ... ـت حديثاً بناقض العهد عهدا (٥)
قوله: «لا تخيب البلاد تخطر فيها» بيت حسن جداً؛ جعل الخيالات للشوق.
وقال في قصيدته التي أولها:
* بان عهد الصبا وباقي جديده (٦) *
стр. 740
منك طيف ألم والأفق ملآ ... ن من الفجر واعتراض عموده (١)
زائر أشرقت لرؤيته أغـ ... ـوار أرض العراق بعد نجوده (٢)
أرب النفس كله ومتاع الـ ** ـعين في حده وفي توريده
معطياً من وصاله في كرى النو ... م الذي كان معطياً من صدوده (٣)
يقظات المحب ساعات بؤسا ... هـ ونعماء عيشه في هجوده (٤)
/ وقال:
وما انفك داعي البين حتى تزايلت ... قباب بناها حاضر وخيام (٥)
عشية ما بي عن شبيث ترحل ... فأمضى ولالي في شبيث مقام (٦)
فما نلتقي إلا على حلم هاجد ... يحل لنا جدواك وهو حرام (٧)
إذا ما تباذلنا النفائس خلتنا ... من الجد أيقاظاً ونحن نيام
وهذا قول ليس بينه وبين القلب حجاب.
وقال:
أرجم في ليلي الظنون وأرتجي ... أوائل حب أخلفتني أوائله (٨)
وليلة هومنا على العيس أرسلت ... بطيف خيال يشبه الحق باطله
فلولا بياض الصبح طال تشبثي ... بعطفي غزال بت وهناً أغازله
стр. 741
وكم من يد لليل عندي حميدة ... وللصبح من خطب تذم غوائله
وهذا كله إنما حسن هذا الحسن وقبلته النفوس لأنه اعتمد أن يخبر بالأمر على ما هو، مع حسن عبارته وبراعة نسجه وجودة تلخيصه، ومتخير ألفاظه.
وقد ذهب البحتري مذهباً آخر، وأحسن فيه كل الإحسان، وهو أن شبه الزائر الذي زاره بالخيال؛ لشدة فرحه، وخوفه أن لا يكون له حقيقة.
وقال في قصيدته التي أولها:
* بودي لو يهوى العذول ويعشق (١) *
وزور أتاني طارقاً فحسبته ... خيالاً من آخر الليل يطرق (٢)
أقسم فيه الظن: طوراً مكذباً ... به أنه حق وطوراً أصدق
أخاف وأرجو بطل ظني وصدقه ... فلله شكي حين أرجو وأفرق
وقد ضمنا وشك التلاقي ولفنا ... عناق على أعناقنا ثم ضيق
فلم تر إلا مخبراً عن صبابة ... بشكوى وإلا عبرة تتدفق (٣)
فاحسن بنا والدمع بالدمع واشج ... تمازجه والخد بالخد ملصق (٤)
ومن قبل قبل التشاكي وبعده ... نكاد بها من شدة اللثم نشرق (٥)
فلو فهم الناس التلاقي وحسنه ... لحبب من أجل التلاقي التفرق
стр. 742
وقال في نحو هذا:
حبيب سرى في خفية وعلى ذعر ... يجوب الدجى حتى التقينا على قدر (١)
تشككت فيه من سرور وخلته ... خيالاً أتى في النوم من طيفه يسري
وأفرطت من وجد به فدرى بنا ... على ساعة الهجران من لم يكن يدري (٢)
وقال:
أما معين على الشوق الذي غريت ... به الجوانح والبين الذي أفدا (٣)
/ كيف اللقاء وقد أضحت مخيمة ... بالشام لا كثباً منها ولا صددا (٤)
تهاجر أمم لا وصل يخلطه ... إلا تزاور طيفينا إذا هجدا
وقد يزير الكرى من لا زيارته ... قصد ويدني الهوى من بعد من بعدا (٥)
بتنا على رقبة الواشين مكتنفى ... صبابة نتعاطى البث والكمدا
إما سألت بشخصينا هناك فقد ... غابا وأما خيالانا فقد شهدا
ولم يعدني لها طيف فيفجؤني ... إلا على أبرح الوجد الذي عهدا
لو كان قال: «إلا تزاور طيفينا إذا هجدنا» كان عندي أجود فكأن المعنى إذا هجدت رأيتها في النوم فكأن نفسي ونفسها اجتمعتا، وكذلك إذا هجدت ترى مثل ما رأيت، ويكون طيفينا محمولاً على معنى نفينا؛ لأن (٦) النفس هي التي ترى ما ترى في النوم، وهي التي تمثل أيضاً ما تتمثله في اليقظة.
стр. 743
وقد يسوغ مع هذا أيضاً قوله: «إذا هجدا» أن يريد النفسين؛ لأن نفس الإنسان هي التي تنام كما قال الله : «والتي لم تمت في منامها» (١) فهذا سائغ (٢) ولكن الغلط وقع عليه في قوله:
هجرتنا يقظى وكادت على عا ... دتها في الصدود تهجر وسنى (٣)
إنما أراد طيفها، وهو يرى طيفها في نومه يقظى كانت أو نائمة.
وقال:
/ طيف تأوب من سعدى فحياني ... أهواه وهو بعيد النوم يهواني (٤)
فيا لها زورة يشفى الغليل بها ... لو أنها جلبت يقظى ليقظان
مهزوزة إن مشت لم تلف هزتها ... في الخيزران ولم توجد مع البان
يدني الكرى شخصها مني ويوقظني ... وجد فيبعد عني شخصها الداني (٥)
وقال:
أما الخيال فإنه لم يطرق ... إلا بعقب تشوف وتشوق (٦)
قد زار من بعد فنهنه من جوى ... ضرم وسكن من فؤاد مقلق (٧)
ولربما كان الكرى سكناً لها ... بعد الفراق إلى اللقاء فنلتقي (٨)
стр. 744
وقال:
مثالك من طيف الخيال المعاود ... ألم بنا من أفقه المتباعد (١)
يحيي هجوداً منتشين من الكرى ... وما نفع إهداء السلام لهاجد
إذا هي مالت للعناق تقطعت ... تعطف أملود من البان مائد
إذا وصلتنا لم تصل عن تعمد ... وإن هجرت أبدت لنا هجر عامد
وقال [من قصيدته التي أولها]:
* قالت: الشيب أتى قلت: أجل (٢) *
خطرت في النوم منها خطرة ... خطرة البرق بدا ثم اضمحل (٣)
أي زور لك لو قصداً سرى ... وملم منك لو حقاً فعل
يتراءى والكرى في مقلتي ... فإذا فارقها النوم بطل
وقال [من قصيدته التي أولها]:
* شدما أغريت ظلوم بهجري (٤) *
طرقتنا وفي الخيالات سقم ... أم بكر فأسعفت أم بكر (٥)
في بدو من الشباب عليها ... ورق من جديدها المسبكر (٦)
كملت أربع لها بعد عشر ... ومدى البدر أربع بعد عشر
стр. 745
خلفت جارها بحزوي وباتت ... بين سحرى شروى الضجيع ونحري
لو درت ما أتت لمنت بنجح ... لم يكذب ونائل غير نزر (١)
وقال:
قل للخيال إذا أردت فعاود ... تدني المسافة من هوى متباعد (٢)
فلأنت في نفسي وإن عنيتني ... وبعثت لي الأشجان أحلى وافد
باتت بأحلام النيام تغرني ... رود التثني كالقضيب المائد
ضاهت بحلتها تلهب خدها ... حتى غدت في أرجوان جاسد
وقال:
بعينيك إعوالي وطول شهيقي ... وإخفاق عيني من كرى وخفوق (٣)
على أن تهويماً إذا عارض أطبى ... سرى طارق في غير وقت طروق (٤)
سرى جائحاً للخرق يخشى ولم يكن ... ملياً بإسراء وجوب خروق
فبات يعاطيني على رقبة العدا ... ويمزج ريقاً من جناه بريقي
وبت أهاب المسك منه وأتقي ... رداع عبير صابك وخلوق (٥)
أرى كذب الأحلام صدقاً وكم صغت ... إلى خبر أذناي غير صدوق
وما كان من حق وبطل فقد شفى ... حرارة متبول وخبل ومشوق
وحسبك بهذا حسناً وحلاوة.
стр. 746
وقال:
أحبب إلي بطيف سعدى الآتي ... وطروقه في أعجب الأوقات (١)
أني اهتديت لمحرمين تصوبوا ... لسفوح مكة من ربى عرفات
ذكرتنا عهد الشآم وعيشنا ... بين القنان السود والهضبات (٢)
إذ أنت شكل مخالف وموافق ... والدهر فيك ممانع وموات
لولا مكاثرة الخطوب ونحتها ... من جانبيَّ لكنت من حاجاتي (٣)
...
وما علمت أحداً من القدماء قال في طروق الخيال أحسن من قول قيس بن الخطيم، قال:
أني سربت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب (٤)
ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه ... في النوم غير مصرد محسوب
/ ثم جاء البحتري فأبر على قيس وكل أحد ولم أستقص ههنا كل ما قاله فيه لكثرته.
وما أحسن ما قال عدي بن الرقاع:
يصطاد يقظان الرجال حديثها ... وتطير بهجتها بروح الحالم
стр. 747
وقال البحتري:
إذا نسيت هوى ليلى أشاد به ... طيف سرى في سواد الليل إذ جنحا
دنا إلي على بعد فأرقني ... حتى تبلج ضوء الصبح فاتضحا
عجبت منه تخطي القاع من إضم ... وجاوز الرمل من خبث وما برحا
قال: «تخطى القطاع من إضم وجاوز الرمل من خبث» فكيف يقولك وما برحا؟
أراد ما برح على الحقيقة.
فإن قيل: هي لم تبرح على الحقيقة فأما خيالها إذا طرق وهي بعيدة نائية فقد برح.
قيل: خيالها إنما هو صورتها التي تتصور في النفس، والصورة أيضاً غير نازحة على الحقيقة، فقولهم: طرق الخيال، وزار الخيال مجاز.
ويجوز أن يكون قوله: «وما برحا» أي ما برحت هي وجعل خيالها بدلاً، ووضعه في موضعها؛ لأنه هي، الا ترى إلى قول جرير:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام (٢)
قيل: إنه أراد خيالها فوضعها في موضعه؛ لأن خيالها ليس هو شيئاً غير صورتها.
/ وقد استجفى الناس قوله: «فارجعي بسلام»، وإنما قال هذا لأنه عاتب عليها، ألا ترى إلى قوله بعدا هذا:
стр. 748
لو كان عهدك كالذي عاهدتنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام (١)
أو لم يمنعه طرده الخيال أن قال بعد هذا:
تجري السواك على أغر كأنه ... برد تحدر من متون غمام
وهذا وإن كان الناس قد تقدموه بتشبيه الثغر بالبرد فإن هذا لفظ وسبك في غاية الجودة والحلاوة والبراعة.
...
وأول من طرد الخيال طرفة فقال:
فقل لخيال الحنظلية ينقلب ... إليها فإني واصل حبل من وصل (٢)
وهذا أعذر من جرير لأنه قال: «فإني واصل حبل من وصل»، فدل على أن الحنظلية هجرته وواصله غيرها فطرد خيالها.
...
وقد دعا الأعشى على الخيال فقال:
هذا النهار بدا لها من أمرها ... ما بالها بالليل زال زوالها (٣)
أي أزاله كزواله.
وما أظن جريراً، ولا الأعشى قبله كرها الخيال على الحقيقة، وإنما أرادا أن زيارته في غير وقتها شاغلة لنا عن حالنا التي نحن عليها.
стр. 749
وقال البحتري:
/ أمنك تأوب الطيف الطروب ... حبيب جاء يهدى من جبيب (١)
تخطي رقبة الواشين وهناً ... وبعد مسافة الخرق المحبوب (٢)
يكاذبني وأصدقه وداداً ... ومن كلف مصادقة الكذوب
стр. 750
* ما قالاه في الشيب والشباب ووصف الكبر والعزوف عن الصبا، ونحو ذلك
... وأفتتح هذا الباب بما لهما من ابتداآت القصائد في نحو معانيه.
قال أبو تمام:
نسج المشيب له لفاعاً مغذفا ... يققاً فقنع مذوريه ونصفا (١)
قوله: «لفاعاً» يريد لباساً، يقال: لفع المشيب رأسه: إذا شمله وعلاه.
والمغدوف: المسبل، يقال: أغدفت الستر إذا أسبلته، ومذرواه ها هنا: فودا، ومذروا كل شيء: ناحيتاه وقد استعملا كثيراً في أطراف الأليتين حتى صارا كالاسم لهما.
وقوله: «نصفا» أي قنع جانبي رأسه حتى بلغ النصف منه.
وقد قيل: إنما أراد بقوله: «نصفا» النصيفا، وهو قناع لطيف؛ يكون مثل نصف القناع الكبير، وقد ذكره النابغة فقال:
* سقط النصيف ولم ترد إسقاطه (٢) *
فإن ذلك لا وجه له (٣) بعد ذكر القناع، وإنما أراد أبو تمام ما أراده الآخر بقوله:
/ أصبح الشيب في المفارق شاعا ... واكتسى الرأس من مشيب قناعا
فالمعنى مكتف بقوله: «قنع مذرويه»، وقوله: «نصفا» أي بلغ نصف رأسه.
стр. 751
وقال أبو تمام:
يضحكن من أسف الشباب المدبر ... يبكين من ضحكات شيب مقمر (١)
وهذا بيت رديء، وما سمعت بضحك من الأسف إلا في هذا البيت، وكأنه أراد قول الآخر:
* وشر الشدائد ما يضحك *
فلم تهتد لمثل هذا الصواب.
وقوله: «من ضحكات شيب مقمر» ليس بالجيد أيضاً، ولو كان ذكر الليل على الاستعارة لحسن أن يقول مقمر؛ لأنه كان يجعل سواد الشعر ليلاً، وبياضه بالمشيب إقماره، لأن قائلاً لو قال: أقمر ليل رأسك، كان من أصح الكلام وأحسنه، وإن لم يذكر الليل أيضاً حتى يقول: قد أقمر عارضاك، أو فؤادك لكان حسناً مستقيماً، وهو دون الأول في الحسن؛ وذلك أنه قد علم أنهما كانا مظلمين فاستنارا (٢)
وسقى الله البحتري الغيث إذ يقول:
ليال سرقناها من الدهر بعد ما ... أضاء بإصباح من الشيب مفرق (٣)
وإنما أراد أبو تمام قول دعبل:
* ضحك المشيب برأسه فبكى (٤) *
فأفسد المعنى.
стр. 752
وقال:
أبدت أسى أن رأتني مخلس القصب ... وآل ما كان من عجب إلى عجب (١)
/ يقال: رأس مخلس، وخليس: إذا اختلط به الشيب، والقصب: هي خصلة الشعر.
«وآل ما كان من عجب إلى عجب»، أي عجب ومحبة، «وإلى عجب» أي عجب من شيء.
وقال في العزوف عن الصبا:
أبى: فلا شنباً يهوى ولا فلجا ... ولا احوراراً يراعيه ولا دعجا (٢)
وهذان ابتداآن صالحان.
... وللبحتري في هذا الباب ابتداآت كثيرة تصرف فيها أحسن تصرف، وافتن فيها أحلى افتنان، وذلك قوله:
أبعد المشيب المنتضى في الذوائب ... أحاول لطف الود عند الكواعب (٣)
وقال:
رأت وخط شيب في عذارى فصدت ... ولم تنظرني من جوى قد أجدت (٤)
وقوله:
غلس الشيب أو تعجل ورده ... واستعار الشباب من لا يرده (٥)
стр. 753
وقوله:
أما الشباب فقد سبقت بغضه ... وحططت رحلك مسرعاً من نقضه (١)
وقوله:
ترك الشباب للابسيه وبيضا ... ونضا من الستين عنه ما نضا (٢)
/ وقوله:
لابس من شبيبة أم ناض ... ومليح من شيبة أم راض (٣)
وقوله:
شرخ الشباب أخو الصبا وأليفه ... والشيب تزجيه الهوى وخفوفه (٤)
وقوله:
ها هو الشيب لائماً فأفيقي ... واتركيه إن كان غير مفيق (٥)
وقوله:
قالت الشيب أتى قلت أجل ... سبق الوقت ضراراً وعجل (٦)
وقوله:
تقضى الصبا إلا تلوم راحل ... وأغنى المشيب عن ملام العواذل (٧)
стр. 754
أكان الصبا إلا خبالاً مسلما ... أقام كرجع الطرف ثم تصرما (١)
وقوله:
لا جديد الصبا ولا ريعانه ... راجع بعدما تقضى زمانه (٢)
وقوله:
/ بان عهد الصبا وباقي جديده ... بين أعوان طالب ووجوده (٣)
وقوله:
خطته فلم تحفل به الأعين الوطف ... وكان الصبا إلفاً فودعه الإلف
وقال في العزوف عن الصبا:
إليك ما أنا عن لهو ولا طرب ... منيت مني بقلب غير منقلب (٤)
وقال:
أطاع عاذله في الحب إذ نصحا ... وكان نشوان من سكر الصبا فصحا (٥)
وقال:
في الشيب زجر له لو كان ينزجر ... وواعظ منه لولا أنه حجر (٦)
стр. 755
وقال:
أنزاعاً في الحب بعد نزوع ... وذهاباً في الغي بعد رجوع (١)
وقال:
لأية حال أعلن الوجد كاتمه ... وأقصر عن داعي الصبابة لائمه (٢)
وقال:
إني تركت الصبا عمداً فلم أكد ... من غير شيب ولا عذل ولا فند (٣)
... / وهذا باب أبر فيه البحتري على أبي تمام.
قوله: «أبعد المشيب المنتضى» (٤) ويقال: نضا الحناء عن اليد ينضو، ونضا ثوبه عنه ينضوه، أي نزعه، وانتضى السيف: انتزعه من غمده، فجعل الشيب منتضى في الذوائب أي مشهوراً فيها على الاستعارة، كأنه جعله سيفاً سل في رأسه.
وأجود من هذا قوله:
وددت بياض السيف يوم لقينني ... مكان بياضر الشيب كان لمفرقي (٥)
стр. 756
* ما جاء عنهما في وسط كلاهما من ذكر الشيب والشباب ووصف الشيب وذمه
قال أبو تمام:
غدا الهم مختطاً بفودي خطة ... طريق الردى منها إلى الموت مهيع (١)
هو الزور والمعاشر يجتوي ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقع
ونحن نرجيه على الكره والرضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع (٢)
وهذه كلها معان جيدة صحيحة مستقيمة.
... وقال:
شعلة في المفارق استودعتني ... في صميم الأحشاء حزناً صميما (٣)
يستشير الهموم ما اكتن منها ... صعداً وهي تستشير الهموما (٤)
/ غرة مرة ألا إنما كنـ ... ـت أغرا أيام كنت بهيما (٥)
стр. 757
رقة في الحياة تدعى جلالاً ... مثلما سمي اللديغ سليما (١)
حلمتني زعمتم وأراني ... قبل هذا التحليم كنت حليما (٢)
وهذه كلها أيضاً أبيات جيدة، والأغراض فيها (٣) حسنة مستقيمة.
وقوله: «تستشير الهموم ما اكتن منها» يريد أنها لم بدت حزنت، واهتممت، فصار اهتمامي يزيد فيها، لأن الهم -على كل حال- يشيب.
وقوله: «وهي تستشير الهموما» قول صحيح أيضاً؛ لأنه كلما بدا
منها شيء زاد همه، فالهم يجلبها، وهي تجلب الهم.
وأخذ البحتري قوله:
غرة مرة ألا إنما كنـ ... ـت أغرا أيام كنت بهيما!
فقال:
عجبت لتفويف القذال وإنما ... تفويفه لو كان غير مفوف (٤)
... وقال البحتري:
وكنت أرجي في الشباب شفاعة ... وكيف لباغي حاجة بشفيعه (٥)
стр. 758
مشيب كبث السر عي بجمله ... محدثه أو ضاق صدر مذيعه (١)
تلاحق حتى كاد يأتي بطيئه ... لحث الليالي قبل أتي سريعه
وهذا أيضاً في وصف الشيب حسن جداً.
وقال البحتري:
ردي علي الصبا إن كنت فاعلة ... إن الصبا ليس من شأني ولا أربي (٢)
جاوزت حد الشباب النضر ملتفتاً ... إلى بنات الردى تركضن في طلبي (٣)
والشيب مهرب من جارى منيته ... ولا نجاء له في ذلك الهرب
والمرء لو كان الشعرى له وطناً ... صبت عليه صروف الدهر من كثب
وقال:
لابش من شبيبة ام ناض ... ومليح من شيبة أم راض (٥)
وإذا ما امتعضت من ولع الشيب برأسي لم يثن ذاك امتعاضي (٦)
ليس يرضى عن الزمان ... مرو ... فيه إلا عن غفلة أو تغاض
باكرت لمتي وناكرت منها ... سوء هذي الأبدال والأعواض (٧)
شعرات أقصهن ويرجعـ ... ـن رجوع السهام في الأغراض
وأبت تركي الغديات والآ ... صال حتى خضبت بالمقراض (٨)
стр. 759
غير نفع إلا التعلل من شخـ ... ـص عدو لم يعده إبغاضي
ورواء المشيب كالبخض في عيـ ... ـني فقل فيه في العيون المراض (١)
طبت نفساً عن الشباب وماسو ... ود من صبغ برده الفضفاض
فهل الحادثات يابن عويف ... تاركاتي ولبس هذا البياض
/ وهذا هو الذي يأخذ بمجامع القلب، ويستولي على النفس، ومن حذق الشاعر أن يصور لك الأشياء بصورها، ويعبر عنها بألفاظها المستعملة فيها واللائقة بها، وذلك مذهب البحتري وصناعته؛ ولهذا ما كثر الماء والرونق في شعره، وقالوا لشعره ديباجة وما قيل ذلك في شعر أحد من المتأخرين غيره.
... وقال:
وما أنس لا أنس عهد الشبا ... ب وعلوة إذ عيرتني الكبر (٢)
وقوله: «ما أنس لا أنس» جزم: لأنه شرط وجزاء.
كواكب شوق علقن الصبا ... فقللن من حسنه ما كثر (٣)
وإني وجدت فلا تكذبن ... سواد الهوى في بياض الشعر
ولا بد من ترك أحدى اثنتيـ ... ـن إما الشباب وإما العمر
стр. 760
قوله:
ولا بد من ترك أحدى اثنتيـ ... ن إما الشباب وإما العمر
عليه في هذا البيت معارضة، وهو أن يقال: إن من مات شاباً فقد فارق الشباب، وهو مفارق للعمر لا محالة، فهو أيضاً تارك لهما جميعاً، وقوله: إما الشباب وإما العمر لا يوجب إلا أحدهما.
والعذر للبحتري أن يقال: إن من مات شاباً فإنما فارق الشباب وحده؛ لأنه لم يعمر فيكون مفارقاً للعمر، ألا تراهم يقولون: فلان عمر: إذا أسن وفلان لم يعمر: إذا مات شاباً أو هو في حدود الشباب، ومن شاب وعمر ثم مات لم يكن مفارقاً للشباب في حال موته [لأنه قد قطع أيام الشباب وتقدمت مفارقته له، وإنما يكون في حال موته] (١) مفارقاً للعمر وحده، فإلى هذا ذهب البحتري، وهو صحيح، ولم يرد بالعمر ههنا: الكبر، كما قال زهير:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطيء يعمر فيهرم (٢)
ومثله قول آخر:
من لم يمت عبطة يمت هرماً ... للموت كأس والمرء ذائقها (٣)
стр. 761
هذا أجود من بيت زهير ومن بيت البحتري؛ لأنه جمع المعنيين في المصراع الأول، وهو مستغن عن المصراع الثاني.
... ولولا قوله:
«مشيب كبث السر».
و «فهل الحادثات يابن عويف» لفضلت أبا تمام عليه، ولكني أجعلهما متكافئين.
стр. 762
* كره النساء للمشيب
قال أبو تمام:
ألم تر آرام الظباء كأنما ... رأت بي سيد الرمل والصبح أدرع
لئن جزع الوحشي منها لرؤيتي ... لإنسها من شيب رأسي أجزع (١)
وهذا غاية في حسنه وصحة معناه.
قوله: «سيد الرمل» يريد الذئب، وقوله: «والصبح أدرع» أي أوله مختلط بسواد الليل، يريد وقت طلوع الفجر، وكل ما اسود أوله، وابيض آخره فهو أدرع، وشاة درعاء للتي اسود رأسها وعنقها، وسائرها أبيض.
وإنما قال ذلك لأن الضباء تخاف الذئب في ذلك الوقت، لأن لونه يخفى فيه لغبشته، فلا تكاد تراه حتى يخالطها، وهو الوقت الذي تنتشر (٢) فيه الظباء، وتخرج من كنسها لطلب المرعى (٣)، والغنم يخرجها أهلها بعد هذا الوقت.
... وقال أبو تمام:
لعب البين بالمفارق بل جد ... دفابكى تماضراً ولعوبا (٤)
стр. 763
خضبت خدها إلى لؤلؤ العقـ ... ـد دماً أن رأت شواتي خضيبا
كل داء يرجى الدواء له ... إلا الفظيعين ميتة ومشيبا
يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا (١)
ولئن عبن ما رأين لقد أنـ ... ـكرن مستنكراً وعبن معيبا
أو تصدعن عن قلى لكفى بالشـ ... ـيب بيني وبينهن حسيبا
لو رأى الله أن للشيب فضلاً ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا
وهذا البيت الأخير من شعره الجيد المشهور.
ومن يتعصب عليه يقول: إنه ناقض في هذه الأبيات، لقوله: «فأبكى تماضراً ولعوبا» وقوله: «خضبت خدها إلى لؤلؤ العقد دماً» ثم قال: يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا
وقوله: «ولئن عبن ما رأين».
وقالوا كيف يبكين دماً على مشيبه ثم يعبنه؟
وليس ها هنا تناقض؛ لأن الشيب إنما أبكى تماضراً ولعوباً أسفاً على شبابه، والحسان اللواتي عبنه غير هاتين المرأتين، فيكون من أشفق عليه من الشيب منهن وأسف على شبابه بكى، كما قال الأخطل:
لما رأت بدل الشباب بكت له ... إن المشيب لأرذل الأبدال (٢)
ولم تك هذه حال من عابه (٣) وهو مستقيم صحيح (٤)
стр. 764
وقول الأخطل: بكت له أي الشباب، ولكن أبا تمام لم يرض أن يقول بكت فيكون أمراً قريباً مشبهاً، حتى قال: «بكت الدم» على مذهبه في الخروج عن الحد في كل شيء.
... وقال:
راحت غواني الحي عنك غوانيا ... يلبسن نأياً تارة وصدودا (١)
من كل سابغة الشباب إذا بدت ... تركت عميد القريتين عميدا (٢)
أرببن بالمرد الغطارف بدناً ... غيداً ألفنهم لداناً غيدا
أحلى الرجال من النساء مواقعاً ... من كان أشبههم بهن خدودا
قوله: «أرببن بالمرد» هو من أرب بالشيء إذا لزمه وأقام عليه، يقال: أرب به، وألب إذا لزمه، يريد أنهن أرببن (٣) هوى المرد، وأقمن عليه.
ورواه قوم «أرببن بالمرد»، من الربا الذي معناه الزيادة يقال (٤): قد أربى الرجل إذا زاد، فيقول: «أربين بالمرد أي زدن علينا بهم، أي جعلن المرد زيادة اخترنها علينا (٥) فما يقبل الرجل الزيادة في الشيء
стр. 765
الذي يعطاه فاضلاً من حقه، ويرغب يقال: قد أربى، فإلى هذا ذهب من قال: أربين، لا إلى قولهم: أنا أربأ بك عن كذا، لأن هذا مهموز معناه: أنا أرتفع بك، أو أرفعك عن كذا، من الربيئة والارتباء وهو الذي يصعد لأصحابه إلى شرف عال فيرصد أعداءهم (١) إذا قصدوهم فيراهم من بعد فينذرهم بهم، فكأنه قوله: «أربين بالمرد» أي أخذن المرد رباً علينا لما فيهم من الزيادة التي اخترن (٢) علينا وتركننا.
والمعنى الأول أقرب لفظاً.
وعلى أي الوجهين كانت اللفظة فهي غير حسنة، ولا لائقة، ولا هذا الموضع موضعها بالباء كانت أم بالياء.
وقيل: أخذ قوله (٣): «أحلى الرجال من النساء مواقعاً؛ من قول الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن أمراً ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا (٤)
وقال منصور النمري:
كرهن من الشيب الذي لو رأينه ... بهن رأيت الطرف عنهن أزورا (٥)
ونحو هذا قول آخر:
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموقع شيبهن من الرجال (٦)
стр. 766
وقال البحتري:
تعيب الغانيات علي شيبي ... ومن لي أن أمتع بالمعيب (١)
ووجدي بالشباب وإن تقضى ... حميداً دون وجدي بالمشيب
وهذا من فاخر هذا الباب وعجيب مذاهبه، ومن إحسان أبي عبادة المشهور.
... وقال البحتري أيضاً:
أعداوة كانت فمن عجب الهوى ... أن يصطفي فيه العدو حبيبا (٢)
أم وصلة صرفت فعادت هجرة ... أن عاد ريعان الشباب مشيبا
أرأيته من بعد جثل فاحم ... جون المفارق بالنهار خضيبا (٣)
فعجبت من حالين خالف منهما ... ريب الزمان وما رأيت عجيبا
إن الزمان إذا تتابع خطوه ... سبق الطلوب وأدرك المطلوبا
قوله: «جون المفارق»، والجون ها هنا: الأبيض؛ فلذلك قال: «بالنهار خضيبا» وخضاب البياض غير معروف ولا جرت بمثله عادة، وإنما الخضاب بالسواد والصفرة، وذلك أن الخضاب إنما هو صبغ، والبياض ليس بصبغ ولكن هو المصبوغ، والبحتري إنما جعله خضاباً لأنه لون حدث بعد لون قبله فلهذا ما جعله كالخضاب.
стр. 767
وقال:
رأت فلتات الشيب فابتسمت لها ... وقالت: نجوم لو طلعن بأسعد (١)
أعاتك ما كان الشباب مقربي ... إليك فألحى الشيب إذ كان مبعدي
تزيدين هجراً كلما ازددت لوعة ... طلاباً لأن أردى فها أنا ذا ردي (٢)
متى أدرك العيش الذي فات آنفاً ... إذا كان يومي فيك أحسن من غدي (٣)
وهذا معنى في غاية الحسن والحلاوة.
وقوله: «فابتسمت لها»، يريد استهزأت، وبهذا [جرت عادة النساء أن يضحكن من المشيب ويستهزئن لا أن] يبكين كما قال أبو تمام ولم يقنع إلا ببكاء الدم (٥).
وقال البحتري:
عنت كبدي قسوة منك ما إن ... تزال تجدد فيها ندوبا (٦)
وحملت عندك ذنب المشيـ ... ـب حتى كأني ابتدعت المشيبا
ومن يطلع شرف الأربعين ... يلاق من الشيب زوراً غريبا (٧)
عهدي بالشيوخ من أهل العلم بالشعر إذا تذاكروا ما قيل في الشيب لا يقدمون على قوله:
* وحملت عندك ذنب المشيب *
стр. 768
وقال:
وقد دعانت ناهياً فأسمعني ... وخط على الرأس مخلس شعره (١)
صغر قدري في الغانيات وما ... ضغر صباً تصغيره كبره
وقال:
أيثني الشباب أم ما تولى ... منه في الدهر دولة ما تعود (٢)
لا أرى العيش والمفارق بيضٌ ... أسوة العيش والمفارق سود (٣)
وأعد الشقي جداً ولو أعـ ... طي غنماً حتى يقال سعيد
من عدته العيون وانصرفت عنـ ... ـه التفاتاً إلى سواهد الخدود
وقال:
راعني ما يروع من وافد الشيـ ... ـب طروقاً ورابني ما يريب (٤)
شعرات سود إذا حلن بيضاً ... حال عن وصلة المحب الحبيب (٥)
مر بعد السواد ما كان يحلو ... مجتناه من عيشنا ويطيب (٦)
وقال:
أجدك ما وصل الغواني بمطمع ... ولا القلب من رق الغواني بمعتق (٧)
وددت بياض السيف يوم لقينني ... مكان بياض الشيب كان بمفرقي (٨)
стр. 769
وقال:
عمر الغواني لقد بين من كثب ... هضيمة في محب غير محبوب (١)
إذا مددن إلى أغراضه سبباً ... وقين من كرهه الشبان بالشيب
وقال:
خلياه وجدة اللهو مادا ... م رداء الشباب غضاً جديدا (٢)
إن أيامه من البيض بيض ... ما رأين المفارق السود سودا
وقال:
قدك مني فما جوى السقم إلا ... في ضلوع على جورى الحب تحنى (٣)
لو رأت حادث الخضاب لأنت ... وأرنت من احمرار اليرنا (٤)
كلف البيض بالمعمر قدراً ... حين يكلفن والمصغر سنا (٥)
يتشاغفن بالغرير المسمى ... من تصاب دون الجليل المكنى
وقال:
ترك السواد للابسيه وبيضا ... ونضا من الستين عنه ما نضا (٦)
وشآه أغيد في تصرف لحظه ... مرض أعل به القلوب وأمرضا
وكأنه وجد الصبا وجديده ... ديناً دنا ميقاته أن يقتضى (٧)
стр. 770
أسيان أثرى من جوى وصبابة ... وأساف من وصف الحسان وأنفضا (١)
شآه: سبقه أغيد الشباب الناعم، وغلبه على ود الحسان.
وأساف الرجل إذا ذهب ما في يده فافتقر، وكذلك أنفض (٢).
وقال:
أخي إن الصبا استمر به ... سير الليالي فأنهجت برده (٣)
تصد عني الحسان مبعدة ... إذ أنا لا قربه ولا صدده (٤)
شيب على المفرقين بارضه ... يكثرني أن أبينه عدده
تطلب عندي الشباب ظالمة ... بعيد خمسين حين لا تجده (٥)
لا عجب إن مللت خلتنا ... فافتقد الوصل منك مفتقده
من يتطاول على مطاولة العيـ ... ـش تقعقع من ملة عمده
أنهجت برده: يريد بروده، وفعل لا يجمع على فعل.
والبارض: أول ما يطلع من النبات وهو غض، يريد أن أوائل الشيب قد زادت عليه في الكثرة حتى لا يقدر على عددها بعد أن كان يعد الشعرات البيض في أول طلوع الشيب.
стр. 771
وقوله: «تقعقع من ملة عمده» أي عظامه يجيء لها صوت إذا قام أو قعد من الكبر والضعف (١).
وقوله: «من ملة»: أي من تملى العيش، يريد طوله ودوامه، ومنه تمليت حبيك (٢).
وأخذ قوله (٣):
تطلب عندي الشباب ظالمة ... بعيد خمسين حين لا تجده (٤)
من قول بشار:
يا منظراً حسناً رأيته ... من وجه جارية فديته
لمعت إلي تسومني ... شرخ الشباب وقد طويته (٥)
стр. 772
* نزول الشيب قبل حينه
قال أبو تمام:
أبدت أسى أن رأتني مخلس القصب ... وآل ما كان من عجب إلى عجب (١)
ست وعشرون تدعوني فأتبعها ... إلى المشيب فلم تظلم ولم تحب (٢)
فلا يؤرقك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب (٣)
يقال: رأس مخلس وخليس: إذا اختلط به الشيب.
والقصب جمع قصبة وهي خصلة الشعر، «وآل ما كان من عجب» بي ومحبة «إلى عجب» أي تعجب من شيبي.
وقال:
شاب رأسي وما رأيت مشيب الـ ... ـرأس إلا من فضل شيب الفؤاد (٤)
وكذاك القلوب في كل بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد
طال إنكاري البياض وإن عمـ ... ـرت شيئاً أنكرت لون السواد
زارني شخصه بطلعة ضيم ... عمرت مجلسي من العواد
نال رأسي من ثغرة الهم لما ... لم ينله من ثغرة الميلاد
стр. 773
فالأبيات الثلاثة الأولى من فلسفته الحسنة الصحيحة المستقيمة، ومن مشهور أحسانه، وقد عابه قوم بقوله: «شيب الفؤاد»، وليس عندي بعيب؛ لأنه لما كان الجالب للشيب القلب المهموم نسب الشيب إليه على الاستعارة، وقد أحسن عندي، ولم يسيء (١).
وقوله: «عمرت مجلسي من العواد» معنى لا حقيقة له؛ لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحداً جاءه عواد يعودونه من الشيب، ولا أن أحداً أمرضه الشيب، ولا عزاه المعزون عن الشباب (٢).
وقال ابن حازم الباهلي:
أليس عجيباً بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه (٣)
فمن بين باك له موجع ... وبين معز مغذ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... فليس يعزيه خلق عليه
стр. 774
فأحب أبو تمام أن يخرج عن عادات بني آدم، ويكون أمة وحده.
وقوله: «نال رأسي من ثغرة الهم. . .» بيت رديء، بعيد المعنى.
ولكنه يقرب ويتخلص إذا وقع التأني للعبارة عنه، فأقول: إن الثغرة هي: الفرجة والثلمة تكون في الشيء؛ ولذلك سمي كل بلد جاور عدواً ثغرا، كأن معناه أنه مكشوف للعدو فلذلك قيل: قد سد الثغر بالرجال، وأصله -والله أعلم- من ثغر الإنسان؛ لأنه أول ما يقابلك من أسنانه، وأول ما يظهر عند الكلام، وأول ما يسقط فيرى موضعه مثلوماً، فشبه الثغر الذي هو البلد به، وقالوا: قد أثغر الصبي واثغر، وسميت تلك الثغرة فرجة في موضع السن وفي كل موضع منفرج، ومنه ثغرة النحر.
فأراد بقوله: «نال رأسي من ثغرة الهم»، أي وجد الشيب من الهم فرجة دخل على رأسي منها، جاء به على مذهبه في الاستعارة، والهم يشيب لا محالة.
وقوله: «لما لم ينله من ثغرة الميلاد»، يذهب في ثغرة الميلاد إلى الوقت الذي يهجم عليه (١) فيه الشيب من عمره؛ لأنه يجد السبيل في ذلك الوقت إلى الحلول برأسه، فجعله ثغرة حينئذ، فيقول: إن المشيب حل برأسه من جهة همومه وأحزانه لما لم يبلغ السن الذي يوجب حلوله به من جهة كبره (٢).
وكان وجه الكلام أن يقول: من ثغرة الكبر، أو من ثغرة السن، لا من ثغرة الميلا (٣).
стр. 775
وكان يجب أيضاً أن يقول: حل برأسي، أو نزل (١)؛ فإن هذه اللفظة هي المستعملة في مثل هذا دون قوله: «نال»، كأنه يجعل الشيب لم يزل يترصده، ويتطلب فرصة منه ينتهزها في الدخول عليه وذلك لبعده كان عن الأفراح والمسار (٢)، وكثرة أحزانه وهمومه، وليس لثغرة الصبي وهو إثغاره إذا سقط سنه ها هنا وجه؛ لأن الإنسان قد يشيب وهو حديث السن فأما في ذلك الوقت فلا.
... وقال:
نسج المشيب له قناعاً مفدفا ... يققاً فقنع مذرويه ونصفا (٣)
نظر الزمان إليه قطع دونه ... نظر الشفيق تحسراً وتلهفا
ما اسود حتى ابيض كالكرم الذي ... لم يأن حتى جيء كيما يقطفا
لما تفونت الخطوب سوادها ... ببياضها عبثت به فتفوفا
ما كان يخطر قبل ذا في فكرة ... في البدر قبل تمامه أن يكسفا
قوله: نظر الزمان إليه، أي نظره بالشيب قطع دونه نظر الشفيق عن أن ينظر إليه فيتحسر عليه ويتلهف، وإنما أراد «قطع دونه» خفيفة فثقلها ليستوي له الوزن، وقد يجوز أن يكون أراد التثقيل، أي أن الشفيق الذي كان يديم النظر إليه ويواصله إعجاباً به صار لا يملأ طرفه لما شاب
следующие страницы →