Полный текст (1 636 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وقوله: «تقعقع من ملة عمده» أي عظامه يجيء لها صوت إذا قام أو قعد من الكبر والضعف (١).
وقوله: «من ملة»: أي من تملى العيش، يريد طوله ودوامه، ومنه تمليت حبيك (٢).
وأخذ قوله (٣):
تطلب عندي الشباب ظالمة ... بعيد خمسين حين لا تجده (٤)
من قول بشار:
يا منظراً حسناً رأيته ... من وجه جارية فديته
لمعت إلي تسومني ... شرخ الشباب وقد طويته (٥)
стр. 772
* نزول الشيب قبل حينه
قال أبو تمام:
أبدت أسى أن رأتني مخلس القصب ... وآل ما كان من عجب إلى عجب (١)
ست وعشرون تدعوني فأتبعها ... إلى المشيب فلم تظلم ولم تحب (٢)
فلا يؤرقك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب (٣)
يقال: رأس مخلس وخليس: إذا اختلط به الشيب.
والقصب جمع قصبة وهي خصلة الشعر، «وآل ما كان من عجب» بي ومحبة «إلى عجب» أي تعجب من شيبي.
وقال:
شاب رأسي وما رأيت مشيب الـ ... ـرأس إلا من فضل شيب الفؤاد (٤)
وكذاك القلوب في كل بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد
طال إنكاري البياض وإن عمـ ... ـرت شيئاً أنكرت لون السواد
زارني شخصه بطلعة ضيم ... عمرت مجلسي من العواد
نال رأسي من ثغرة الهم لما ... لم ينله من ثغرة الميلاد
стр. 773
فالأبيات الثلاثة الأولى من فلسفته الحسنة الصحيحة المستقيمة، ومن مشهور أحسانه، وقد عابه قوم بقوله: «شيب الفؤاد»، وليس عندي بعيب؛ لأنه لما كان الجالب للشيب القلب المهموم نسب الشيب إليه على الاستعارة، وقد أحسن عندي، ولم يسيء (١).
وقوله: «عمرت مجلسي من العواد» معنى لا حقيقة له؛ لأنا ما رأينا ولا سمعنا أحداً جاءه عواد يعودونه من الشيب، ولا أن أحداً أمرضه الشيب، ولا عزاه المعزون عن الشباب (٢).
وقال ابن حازم الباهلي:
أليس عجيباً بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه (٣)
فمن بين باك له موجع ... وبين معز مغذ إليه
ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... فليس يعزيه خلق عليه
стр. 774
فأحب أبو تمام أن يخرج عن عادات بني آدم، ويكون أمة وحده.
وقوله: «نال رأسي من ثغرة الهم. . .» بيت رديء، بعيد المعنى.
ولكنه يقرب ويتخلص إذا وقع التأني للعبارة عنه، فأقول: إن الثغرة هي: الفرجة والثلمة تكون في الشيء؛ ولذلك سمي كل بلد جاور عدواً ثغرا، كأن معناه أنه مكشوف للعدو فلذلك قيل: قد سد الثغر بالرجال، وأصله -والله أعلم- من ثغر الإنسان؛ لأنه أول ما يقابلك من أسنانه، وأول ما يظهر عند الكلام، وأول ما يسقط فيرى موضعه مثلوماً، فشبه الثغر الذي هو البلد به، وقالوا: قد أثغر الصبي واثغر، وسميت تلك الثغرة فرجة في موضع السن وفي كل موضع منفرج، ومنه ثغرة النحر.
فأراد بقوله: «نال رأسي من ثغرة الهم»، أي وجد الشيب من الهم فرجة دخل على رأسي منها، جاء به على مذهبه في الاستعارة، والهم يشيب لا محالة.
وقوله: «لما لم ينله من ثغرة الميلاد»، يذهب في ثغرة الميلاد إلى الوقت الذي يهجم عليه (١) فيه الشيب من عمره؛ لأنه يجد السبيل في ذلك الوقت إلى الحلول برأسه، فجعله ثغرة حينئذ، فيقول: إن المشيب حل برأسه من جهة همومه وأحزانه لما لم يبلغ السن الذي يوجب حلوله به من جهة كبره (٢).
وكان وجه الكلام أن يقول: من ثغرة الكبر، أو من ثغرة السن، لا من ثغرة الميلا (٣).
стр. 775
وكان يجب أيضاً أن يقول: حل برأسي، أو نزل (١)؛ فإن هذه اللفظة هي المستعملة في مثل هذا دون قوله: «نال»، كأنه يجعل الشيب لم يزل يترصده، ويتطلب فرصة منه ينتهزها في الدخول عليه وذلك لبعده كان عن الأفراح والمسار (٢)، وكثرة أحزانه وهمومه، وليس لثغرة الصبي وهو إثغاره إذا سقط سنه ها هنا وجه؛ لأن الإنسان قد يشيب وهو حديث السن فأما في ذلك الوقت فلا.
... وقال:
نسج المشيب له قناعاً مفدفا ... يققاً فقنع مذرويه ونصفا (٣)
نظر الزمان إليه قطع دونه ... نظر الشفيق تحسراً وتلهفا
ما اسود حتى ابيض كالكرم الذي ... لم يأن حتى جيء كيما يقطفا
لما تفونت الخطوب سوادها ... ببياضها عبثت به فتفوفا
ما كان يخطر قبل ذا في فكرة ... في البدر قبل تمامه أن يكسفا
قوله: نظر الزمان إليه، أي نظره بالشيب قطع دونه نظر الشفيق عن أن ينظر إليه فيتحسر عليه ويتلهف، وإنما أراد «قطع دونه» خفيفة فثقلها ليستوي له الوزن، وقد يجوز أن يكون أراد التثقيل، أي أن الشفيق الذي كان يديم النظر إليه ويواصله إعجاباً به صار لا يملأ طرفه لما شاب
стр. 776
تحسراً وتأسفاً، كلما نظر إليه أعرض عنه إعراض آسف عليه، لا إعراض بغضة وشناءة، فجعل ذلك الإعراض عنه في أوقاته تقطيعاً للنظر إليه.
وقوله: «ما اسود حتى ابيض»، يريد سرعة مشيبه.
وقوله: «كالكرم الذي لم يأن جتى جيء كيما يقطفا» (١) كلام في غاية القبح والغثاثة والبرد (٢)، كأنه جعل مجيء القاطف إلى الكرم الذي لم يدرك ليقطفه كحلول الشيب برأسه قبل أوانه ليفنى عمره.
وقوله: «لما تفرقت الخطوب سوادها ببياضها»، أذى لما اختلفت عليه بالخير والشر فوفت رأسه أي خلطت سواده ببياض الشيب.
وقوله: «ما كان (٣) يخطر قبل ذا في فكرة. . .» بيت لفظه ومعناه في غاية الاضطراب والسخافة (٤).
...
وقال البحتري:
أقول للمتي إذ أسرعت بي ... إلى الشيب اخسري فيه وخيبي (٥)
مخالفة بضرب بعد ضرب ... وما أنا واختلافات الضروب (٦)
وكان جديدها فيها غريباً ... فصار قديمها حق الغريب (٧)
стр. 777
قوله: وكان جديدها فيها غريباً من قول أبي تمام:
طال إنكاري البياض وإن عمـ ... ـرت شيئاً أنكرت لون السواد (١)
وبيت أبي تمام أجود.
وقول البحتري: «مخالفة بضرب بعد ضرب» في غاية الحسن والصحة والبراعة.
... وقال البحتري:
هل أنت صارف شيبة إن غلست ... في الوقت أو عجلت عن الميعاد (٢)
جاءت مقدمة أمام طوالع ... هذي تراوحني وتلك تغادي
وأخو الغبينة تاجر في لمة ... يشري جديد بياضها بسواد
لا تكذبن فما الصبا بمخلف ... لهواً ولا زمن الصبا بمعاد (٣)
وأرى الشباب على غضارة حسنه ... وجماله عدداً من الأعداد
قوله: «يشري» أي يبيع «جديد بياضها بسواد» يريد الخضاب؛ لأنه قال: «لا تكذبن فما الصبا بمخلف» (٤).
стр. 778
وقوله: «عدداً من الأعداد»، أي عدداً قليلاً يسيراً (١).
وقال:
ما كان شوقي ببدع يوم ذاك ولا ... دمعي بأول دمع في الهوى سفحا (٢)
ولمة كنت مشغوفاً بجدتها ... فما عفا الشيب لي عنها ولا صفحا
وهذا من إحسانه المشهور:
ووجدت في ديوان أبي تمام في الخضاب، وهو يشبه كلامه، وأظنه منحولا (٣):
فإن يكن المشيب طرا علينا ... وأودى بالبشاشة والشباب
فإني لست أدفعه بشيء ... يكون عليه أثقل من خضاب
أراد بأن ذاك وذا عذاب ... فينتقم العذاب من العذاب (٤)
... وقال البحتري:
لو رأت حادث الخضاب لأنت ... وأرنت من احمرار اليرنا (٥)
وقال:
قالت الشيب أتى قلت أجل ... سبق الوقت ضراراً وعجل (٦)
стр. 779
ومع الشيب على علاته ... مهلة للمرء حيناً والغزل (١)
خليت أن التصابي خرق ... بعد خمسين ومن يسمع يخل
وقال:
تزيدني الأيام مغبوط عيشة ... فينقضي نقص الليالي مرورها (٢)
وألحقني بالشيب في عقر داره ... مناقل في عرض الشباب أسيرها
مضت لي سواد الليل أولى بطالتي ... فدعني يصاحب وخط شيبي أخيرها (٣)
يقول: إذا زادتني الأيام شيئاً من غبطة العيش اجتمعت مع الليالي على انتقاصه، أي ارتجاعه، والمناقل: جمع منقلة، وهي المرحلة من مراحل السفر (٤).
وعقر الدار، وعقرها -بالفتح والضم- أصلها.
وهذا من بارع لفظه وفصيحه وبليغه.
... ومن هذا الباب، ويصلح أن يثبت في الباب الذي بعده قول آخر:
نزل المشيب بعارضيـ ... ـي وضقت ذرعاً بالمشيب
وبكيت إذ رحل الشبا ... ب بكا المحب على الحبيب
стр. 780
داء عياء ليس ممـ ... ـما ما أشتكيه إلى الطبيب
ما للمشيب بكيت لـ ... ـكن خشية الأجل القريب
... وما أحسن ما قال عمرو بن المبارك الخزاعي في هذا:
من لأذني بملام ... ولكفي بمدام
رق عظم الجهل مني ... وانحنى متن عرامي
وتمشى السيف من شيبـ ... ـبي إلى شيبي التوام
نظمك الدر إلى الدر ... رة في سلك النظام
ومما لا شيء أجود منه في معناه قول الآخر، ولا تشينه شهرته:
ألقى عصاه وأرخى من عمامته ... وقال ضيف فقلت الشيب قال أجل (١)
فقلت أخطأت دار الحي قال لقد ... تمتلك الأربعون الوفر ثم نزل (٢)
فما شجيت بشيء ما شجيت به ... كأنما اعتم منه مفرقي بحبل
... وقد تصرف البحتري في هذا الباب تصرفاً حسناً.
ولولا قول أبي تمام: «فلا يؤرقك إيماض القتير به».
وقوله: «شاب رأسي»، والبيتان بعده لفضلت البحتري عليه في افتنانه، وبراعة لفظه، وسلامة، لكني أجعلهما متكافئين.
стр. 781
* البكاء على الشباب والتعزي عنه والعزوف عن الصبا
قال أبو تمام:
أصبحت روضة الشباب هشيما ... وغدت ريحه البليل سموما (١)
وقال البحتري:
خلق العيش في المشيب وإن كا ... ن نضيراً وفي الشباب جديده (٢)
ليت أن الأيام قام عليها ... من إذا ما انقضى زمان يعيده
ولو أن البقاء يختار فينا ... كان ما تهدم الليالي تشيده
شيبتني الخطوب إلا بقايا ... من شباب لم يبق إلا شريده (٣)
لا تنقب عن الصبا فخليق ... إن طلبناه أن يعز وجوده (٤)
وهذا من الحلاوة والحسن على ما تراه.
وقال وقد مضت في باب آخر (٥):
أيثني الشباب أم ما تولى ... منه في الدهر دولة ما تعود
لا أرى العيش والمفارق بيض ... أسوة العيش والمفارق سود
ومن جيد هذا الباب قول كثير:
وكان الصبا خدن الشباب فأصبحا ... وقد تركاني في مغانيهما وحدي
стр. 782
فوالله ما أدري أطائف جنة ... تأوبني أم لم يجد أحد وجدي
... وقال البحتري:
أواخر العيش أخبار مكررة ... وأقرب العيش من لهو أوائله (١)
يجري الشباب إذا ما تم تكملة ... والشيء ينفده نقصاً تكامله (٢)
ويعقب المرء برءاً من صبابته ... تجرم العام يمضي ثم قابله (٢)
إن فر من عنت الأيتم حازمها ... فالحزم فرك ممن لا تقاتله (٤)
وإن أراب صديقي في الوداد فكم ... أمسيت أحذر ما أصبحت آمله
وقال:
أما الشباب فقد فنيت بغضه ... وحططت رحلك مسرعاً عن نقضه (٥)
وأقام مشتاق وأقصر عاذل ... أرضاه فيك الشيب إذ لم ترضه (٦)
شعر صحبت الدهر حتى جازني ... مسوده الأقصى إلى مبيضه (٧)
فعلى الصبا الآن السلام ولوعة ... تثني عليه الدمع في مرفضه (٨)
وليقن تفاح الخدود فلست من ... تقبيله عزلاً ولا من غضه (٩)
أي فعليه السلام وعليه لوعة.
стр. 783
وقال:
وصال سقاني الخبل صرفاً ولم يكن ... ليبلغ ما أدت عقابيله الهجر (١)
وباقي شباب في مشيب مغلب ... عليه اختناء اليوم يكثره الشهر (٢)
وليس طليقاً من يروح أو غدا ... يسوم التصابي والمشيب له أسر
تطاوحني العصران في رحويهما ... يسيبني عصر ويقلعني عصر (٣)
متاع من الدنيا استبد بجدتي ... وأعظم جرم الدهر أن يمتع الدهر (٤)
قوله: «وصال سقاني الخيل صرفاً»، يريد أنه لما جاده المشيب حزن على الوصل، وأسف أسفاً شديداً؛ لأنه ليس يجد له مثل ما كان، ولأن محبوبه إن واصل واصل تكلفا، وإن (٥) ذلك لا بقاء له، وإنه ذاهب حتى إن عقابيله -وهي أواخره وبقاياه- لو كان مكانها الهجر لما بلغ من خبله ما بلغت.
وقوله: «مغلب عليه اختناء اليوم»، فالاختناء: الانخزال والتهيب من الشيء، والخشوع له، يريد كاختناء اليوم إذا كاثره الشهر فكثره؛ لأن يوماً لا يكون كشهر في المكاثرة والمفاخرة (٦).
وقال:
تقضى الصبا إلا تلوم راحل ... وأغنى المشيب عن ملام العوذل (٧)
وتأبى صروف الدهر سوداً شخوصها ... على البيض أن يحظين منه بطائل
стр. 784
يحاولن عندي صبوة وإخالني ... على شغل مما يحاولن شاغل
رمي رزايا صائبات كأنني ... لما أشتكي منها رمي جنادل
وقال:
في الشيب زجر له كان ينزجر ... وواعظ منه لولا أنه حجر (١)
ابيض ما اسود من فوديه وارتجعت ... جلية الصبح ما قد أغفل السحر
وللفتى مهلة في العيش واسعة ... ما لم يمت في نواحي رأسه الشعر (٢)
قوله: «ارتجعت جلية الصبح ما قد أغفل السحر» قريب من قوله:
تزيدني الأيام مغبوط عيشة ... فتنقضي نقص الليالي مرورها (٣)
وقال:
أيا صاحبي إما أردت صحابتي ... فكن مقصراً أو مغرماً مثل مقصر (٤)
فإني إن أزمع غدواً لطيتي ... أغلس وإن أجمع رواحاً أهجر
وما يقرب الطيف الملم ركائبي ... ولا يعتريني الشوق من حيث يعتري
سقينا جنى السلوان أم شغل الهوى ... علينا بنو العشرين من كل معشر
وما قيل في هذا الباب كقول ابن حازم (٥) الباهلي، ومنصور النمري.
стр. 785
قال بن حازم:
عهد الشباب لقد أبقيت لي حزناً ... ما جد ذكرك إلا جد لي ثكل (١)
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل (٢)
يكفيك بالشيب ذنباً عند غانية ... وبالشباب شفيعاً أيها الرجل (٣)
وقال منصور:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع (٤)
بان الشباب وفاتني بشرته ... صروف دهر وأيام لها خدع
ما كدت أوفي شبابي كنه غرته ... حتى انقضت فإذا الدنيا له تبع
وأنشد إسحق الموصلي:
لعمري لئن حلئت عن منهل الصبا ... لقد كنت وراداً لمشربه العذب (٥)
ليالي أمشي بين بردي لاهياً ... أميس كغصن البانة الناعم الرطب
سلام على سير القلاص منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
стр. 786
* الاعتذار من الشيب
قال البحتري:
رب عيش لنا برامة رطب ... وليال فيها طوال قصار (١)
قبل أن يقبل فالمشيب وتبدو ... هفوات الشباب في إدبار (٢)
كل عذر من كل ذنب ولكن ... أعوز العذر من بياض العذار
كان حلواً هذا الهوى وأراه ... صار مراً والسكر قبل الخمار (٣)
قوله: «كل عذر من كل ذنب» مقبول ونافع ناجع سوى العذر من الشيب، أو كل عذر من كل ذنب موجود ممكن، غير العذر من الشيب، فإنه غير موجود (٤) وهذا أليق وأشبه.
وقال:
وحملت عندك ذنب المشيـ ... ـب حتى كأنني ابتدعت المشيبا (٥)
стр. 787
* مدح الشيب والتعزي عنه
قال البحتري:
عيرتني المشيب وهي بدته ... في عذارى بالصد والاجتناب (١)
لا تريه عاراً فما هو بالشيـ ... ـب ولكنه جلاء الشباب
وبياض البازي أصدق حسناً ... لو تأملت من سواد الغراب (٢)
قوله: «بدته»، أراد بدأته فترك الهمز، يقال: بدأت بالأمر، وأبدأته.
وقوله: «ولكنه جلاء الشباب» من معانيه التي تستحسن.
... وقال أبو تمام:
أبدت أسى إذ رأتني مخلس القصب ... وعاد ما كان من عجب إلى عجب (٣)
ست وعشرون تدعوني وأتبعها ... إلى المشيب ولم تظلم ولم تجب (٤)
فلا يؤرقك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب
وقد مرت في باب «نزول الشيب قبل حينه» (٥).
стр. 788
وقوله: «فإن ذاك ابتسام الرأي والأدب» أحسن من قول البحتري:
«جلاء الشباب»، وأجود وأبرع وأصح معنى.
... وقال البحتري:
ها هو الشيب لائماً فأفيقي ... واتركيه إن كان غير مفيق (١)
فلقد كف من عناء المعنى ... وتلافى من اشتياق المشوق
عذلتنا في عشقها أم عمرو ... هل سمعتم بالعاذل المعشوق
ورأت لمة ألم بها الشيـ ... ـب فريعت من ظلمة في شروق
ولعمري لولا الأقاصي لأبصر ... ت أنيق الرياض غير أنيق (٢)
وسواد العيون لو لم يكمل ... ببياض ما كان بالمرموق (٣)
ومزاج الصهباء بالماء أملى ... بصبوح مستحسن وغبوق
أي ليل يبهى بغير نجوم ... أو سحاب يندى بغير بروق
هذا إنما يخرجه الشاعر وأشباهه مخرج النادرة فيستحسن.
وأخذ قوله: «أي ليل يبهى بغير نجوم» من قول الآخر:
أشيب ولم أقض الشباب حقوقه ... ولم يمض من عهد الشباب قديم (٤)
стр. 789
تفاريق شيب في السواد لوامع ... وما خير ليل ليس فيه نجوم (١)
وقال آخر في مدح الشيب:
لا يرعك المشيب يا ابنة عبد الله فالشيب حلية ووقار (٢).
إنما تحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلالها الأنوار
... وما أحسن ما قال امرؤ القيس، وأجوده وأصحه في التعزي عن المشيب:
ألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا (٣)
وقال آخر، ومن هذا أخذ هو وغيره:
والشيب إن يحلل فإن وراءه ... عمراً يكون خلاله متنفس (٤)
стр. 790
* ذكر الكبر وشكوى الدهر وتغير الحال
قال أبو تمام (١):
. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال البحتري:
فإن ستاً وستون استقلت ... فلا كرت بطلعتها الخطوب (٢)
لقد سر الأعادي في أني ... برأس العين محزون كئيب
وأني اليوم عن وطني شريد ... وشبت دون بغيتي الحروب (٣)
على حين استتم الوهن عظمي ... وأعطي في ما احتكم المشيب
وقد يرد المناهل من يحلا ... على ظمإ ويغنم من يخيب
وأيسر فائت خلفاً سريعاً ... رقاب المال يرزوها الكسوب
فمن ذا يسأل البجلي عما ... يذم من اختياري أو يعيب
يعنفني على بغتات عزمي ... وكنت ولا يعنفني الأريب
وقد أكدى الصواب علي حتى ... وددت بأن شانئي المصيب
لعل أخاك يرقب أن تطاطي ... له مني النوائب إذ تنوب (٤)
فأين النفس ذات العزم عما ... تسكع فيه والصدر الرحيب (٥)
стр. 791
وقال:
سيثلج صدري اليأس واليأس منهل ... متى تغترف منه الجوانح تثلج (١)
قنعت على كره وطأطأت ناظري ... إلى رنق مطروق من العيش حشرج
ولجلجت في قولي وكنت متى أقل ... بمسمعة في مجمع لا ألجلج
يظن العدى أني فنيت وإنما ... هي السن في برد من الشيب منهج
نضوت الصبا نضو الرداء وساءني ... مضي أخي أنس متى يمض لا يجي
مضى جعفر والفتح بين مرمل ... وبين ضجيع بالدماء مضرج
أأطلب أنصاراً على الدهر بعدما ... ثوى منهما في الترب أوسي وخزرجي
أولئك ساداتي الذين برأيهم ... حلبت أفاويق الربيع المثجج
مضوا أمماً قصداً وخلفت بعدهم ... أخاطب بالتأمير والي منبج
وهذا من إحسانه المشهور.
وقال:
ومعيري بالدهر يعلم في غد ... أن الحصاد وراء كل نبات (٢)
أبني إني قد نضوت بطالتي ... فتحسرت وصحوت من سكراتي
نظرت إلي الأربعون فأصرخت ... شيبي وهزت للحنو قناتي
وأرى لدات أبي تتابع كثرهم ... فمضوا وكر الدهر نحو لداتي
ومن الأقارب من يسر بميتتي ... سفهاً وعز حياتهم بحياتي
стр. 792
وقال:
علقت فودعت التصابي وإنما ... تصرم لهو المرء أن يكمل العقل (١)
أرى الحلم بؤسي في المعيشة للفتى ... ولا عيش إلا ما جباك به الجهل
وهذا إحسان البحتري الذي لا يفي ببراعة معناه شيء.
стр. 793
* باب في ذكر الزمان، وذكر ظلمه واعوجاجه، وتعذر الرزق على ذوي الحزم والفهم، وتيسره لذوي الجهل والعجز، وفي التعزي والصبر والقناعة، وما قالاه في ضد ذلك من بعد الهمة، والنهوض في طلب الرزق، والسير على الإبل، وقطع الفيافي، وفي مواعظ وآداب
وأفتتح هذا الباب بأبيات الابتداآت في نحو هذه المعاني.
ولا أعرف لأبي تمام في شيء من هذا شعراً:
ووجدت للبحتيري في ذم هذه الأبيات:
لا الدهر مستنفد ولا عجبة ... تسومنا الخسف كله نوبه (١)
...
وقال (٢):
من قائل للزمان ما أربه ... في خلق منه قد خلا عجبه (٣)
وقال:
مع الدهر ظلم ليس يقطع دائبة ... وحكم أبت إلا اعوجاجاً جوانبه (٤)
стр. 794
وقال (١):
إساءة دهر برحت بي نوائبه ... وخطب زمان بالكلام أخاطبه (٢)
وقال:
تخل من الأطماع إما تخلت ... وول صروف الدهر ما قد تولت (٣)
وقال:
اعجب لظلم زماننا المتواتر ... ولأول مما يريك وآخر (٤)
وقال:
نوازل دهر أيهن أنازل ... بعزمي أم من أيهن أوائل (٥)
وقال:
ليس الزمان بمعتب فزريني ... ألقى تجهم خطبه بجبيني (٦)
وقال:
نسعى وأيسر هذا السعي يكفينا ... لولا تكلفنا ما ليس يعنينا
وقال:
صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن جدا كل جبس (٧)
وقال في النهوض لطلب الرزق:
أشرق أم أغرب يا سعيد ... وأنقص من زماعي أم أزيد (٨)
стр. 795
* ما قالاه من هذه المعاني في وسط الكلام في ذم الزمان ومجاهدته والصبر على نوبه
قال أبو تمام:
أسيء على دهري الثناء فقد قضى ... علي بجور صرفه المتتابع (١)
أيرضخنا رضخ النوى وهو مصمت ... ويأكلنا أكل الدبا وهو جائع (٢)
وإني إذا ألقى بربعي رحله ... لأزعره في سربه وهو راتع (٣)
أخو منزل الهم الذي لو بغى القرى ... لدى حاتم لم يقره وهو طائع (٤)
إذا شرعت فيه الليالي بنكبة ... تمزقن عنه وهو في الصبر دارع (٥)
[له همم ما إن تزال سيوفها ... قواطع لو كانت لهن مقاطع]
قد روى: «ويأكلنا أكل الدبا وهو جائع» وهو عندي أشبه وأصح إن شاء الله، و «يأكلنا أكل الربا» لأن الربا يأكل النعم، ويمحق المال.
وقوله: «لو كانت لهن مقاطع»: أي شيء يقطعه.
стр. 796
وقال:
لقد ساسنا هذا الزمان سياسة ... سدى لم يسسها قط عبد مجدع (١)
تروح علينا كل يوم وتغتدي ... خطوب كأن الدهر منهن يصرع
حلت نطف منها لنكس وذو الحجا ... يداف له سم من العيش منقع
قد عاب الناس عليه قوله: «كأن الدهر منهن يصرع» وهو -لعمري- قبيح.
وقال:
كم فتى للزمان وقد ... ألقى مقاليده إليه القبيض (٢)
لوذعي يهلل المشرفي الـ ... ـعضب عنه والزاعبي النحيض (٣)
أتأرتني الأيام بالنظر الشز ... ر وكانت وطرفها لي غضيض
كيف يمسي برأس علياء ممس ... وجناح السمو منه مهيض (٤)
همة تنطح النجوم وجد ... آلف للحضيض فهو حضيض
قوله: «أتأرتني الأيام» أي أدامت نظرها إلي؛ يقال: أتأرت إليه النظر: إذا أحددته.
والقبيض: اسم لجلة (٥) الخلق، واللوذعي الحديد الفؤاد.
стр. 797
والمشرفي: السيف منسوب إلى المشارف، قرى تعمل فيها السيوف.
والنحيض: الذي قد ذهب نحضه أي (١) لحمه، وإنما يعني سنان الرمح أنه قد دقق وحدد.
والزاعبي: الرمح، قيل: هو منسوب إلى رجل كان يقوم الرماح يقال له زاعب، وقال قوم زاعب: موضع لا تعرف حقيقته، ويقال: التزعب: السرعة والنشاط فيجوز أن يكون قيل زاعبي لحركته وتثنية.
... وقال البحتري:
وما جزع الجزوع من الليالي ... بمحرزه ولا جلد الجليد (٢)
جحدنت سهمة الحدثان فينا ... لو أن الحق يبطل بالجحود (٣)
فيا ويح الحوادث كيف تعطي ... شقي القوم من حظ السعيد (٤)
وكيف تجوز إن حكمت بحكم ... فتحمل للغوي على الرشيد (٥)
وما براحت صروف الدهر حتى ... أرتنا الأسد قتلى للقرود
وهذا مما مزيد على حسنه وجودته لفظاً ومعنى.
وقال:
يغتر بالدهر ذو الإضاعة والدهر عدو مطلوبة إحنة (٦)
стр. 798
في زمن رنقت حوادثه ... أشبه شيء بحادث زمنه
رضيت من سيء الزمان بأن ... يعشره غير زائد حسنه
رنقت حوادثه: دنت ورفرفت كما يرنق النسر.
وهذا أيضاً حسن.
وقال:
أرانا عناة في يد الدهر نشتكي ... تأكد عقد من عراه وثيق (١)
وليس طليق اليوم إن رجعت له ... صروف الليالي في غد بطليق (٢)
تفاوتت الأيام فينا فأفرطت ... بظمآن باد لوحه وغريق
وكنت إذا ما الحادثات أصببني ... بهايضة صم العظام دقوق
شمخت فلم أبد اختشاعاً لشامت ... ولم أبتعث شكوى لغير شقيق (٣)
أرى كل مؤذ عاجزاً عن أذيتي ... إذا هو لم ينصر علي بموق
فقد ترى هذه الفصاحة والبلاغة، والألفاظ الحلوة المتمكنة، والمعاني القريبة العجيبة.
وأجود من قوله: «وكنت إذا ما الحادثات أصببني. . .» والبيت بعده قول العكوك (٤):
ألا رب هم يمنع النوم دونه ... أقام كقبض الراحتين على الجمر (٥)
стр. 799
بسطت له وجهي لأكبت حاسداً ... وأبديت عن ناب ضحوك وعن ثغر
وشوق كأطراف الأسنة في الحشا ... ملكت عليه طاعة الدمع أن يجري
... وقال البحتري:
أطل جفوة وتهوين شأنها ... فما العاقل المغرور فيها بعاقل (١)
يرجي الخلود معشر ضل رأيهم ... ودون الذي يرجون غول الغوائل
وليس الأماني في البقاء وإن مضت ... بها عادة إلا أحاديث باطل
إذا ما حريز القوم بات وماله ... من الله واق فهو بادي المقاتل
وما المفلتون أجمل الدهر فيهم ... بأكثر من أعداد من في الحبائل
يسار بنا قصد المنون وإننا ... لنشغف أحياناً بطي المراحل
عجالاً عن الدنيا بأسرع سعينا ... إلى آجل منها شبيه بعاجل (٢)
أواخر من عيش إذا ما امتحنتها ... تأملت أمثالاً لها في الأوائل
وما عامك الماضي وإن أفرطت به ... عجائبه إلا أخو عام قابل
غفلنا عن الأيام أطول غفلة ... وما خوفها المخشي عنا بغافل (٣)
تغلغل رواد الفناء ونقبت ... دواعي المنون عن جواد وباخل
وقال:
إذا عاجل الدنيا ألم بمفرح ... فمن خلفه فجع سيتلوه آجل (٤)
وكانت حياة الحي سوقاً إلى الردى ... وأيامه دون الممات مراحل (٥)
стр. 800
وما لبث من يغدو وفي كل لحظة ... له أجل في مدة العمر قاتل
وللمرء يوم لا محالة ما له ... غد وسط عام ماله الدهر قابل
كفانا اعترافاً بالفناء ورقبة ... لمكروهه أن ليس للخلد آمل
... وقال:
أناه أيها الفلك المدار ... أنهب ما تطوف أم خيار (١)
ستفنى مثل ما تفنى وتبلى ... كما تبلى فيدرك منك ثار
تناب النائبات إذا تناهت ... ويدمر في تصرفه الدمار
وما أهل المنازل غير ركب ... مناياهم رواح وابتكار
لنا في الدهر آمال طوال ... ترجيها وأعمار قصار (٢)
وقال:
أخي متى خاصمت نفسك فاحتشد ... لها ومتى حدثت نفسك فاصدق
أرى علل الأشياء شتى ولا أرى التـ ... ـتجمع إلا علة للتفرق
أرى العيش ظلاً توشك الشمس نقله ... فكس في ابتغاء العيش كيسك أومق (٣)
أرى الدهر غولاً للنفوس وإنما ... يقي الله في بعض المواطن من يقي
ولم أر كالدنيا حليلة وامق ... مب متى تحسن بعينيه تطلق
تراها عياناً وهي صنعة واحد ... فتحسبها صنعي لطيف وأخرق (٤)
стр. 801
فانظر أشعار أهل الزهد وتأملها، هل ترى فيها من هذا النحو شيئاً؟ هيهات؛ هذا مذهب يتقدم كل مذهب.
وقال:
أرى غفلة الأيام إعطاء مانع ... نصيبك أحياناً وحلم سفيه (١)
إذا ما نسبت الحادثات وجدتها ... بنات الزمان أرضعت لبنيه (٢)
متى أرت الدنيا نباهة خامل ... فلا تنتظر إلا خمول نبيه
وقال:
أغشى الخطوب فإما جئن مأربتي ... فيما أسير أو أحكمن تأديبي (٣)
إن تلتمس تمر أخلاف الخطوب وإن ... تلبث مع الدهر تسمع بالأعاجيب (٤)
... وما أحسن ما قال ابن عيينة:
ما راح يوم على حي ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا
ولا أتت ساعة في الدهر فاننصرمت ... حتى تؤثر في قوم لها أثرا
إن الليالي والأيام أنفسها ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا
أنشد المبرد هذه الأبيات (٥)، وذكر أن الطائي أخذ هذا المعنى وجمعه في ألفاظ يسيرة فقال:
عمري لقد نصح الزمان وإنه ... لمن العجائب ناصح لا يشفق
стр. 802
أراد أن قوله: «عمري لقد نصح الزمان» من قوله: «إلا رأي عبرة فيه إن اعتبرا»، كأنه أراد أن ما يأتي فيه من العبر كأنه نصح (١) منه وتنبيه.
وكذلك قوله: «ولا أتت ساعة» وقوله: «إن الليالي والأيام»، فجعل هذا كله كنصح (٢) من الزمان لما يريناه من العبر.
قال أبو العباس: وزاد عليه بقوله: «ناصح لا يشفق» (٣).
وما قاله الناس في هذا المعنى أكثر من أن يحتاج الطائي إلى أن يأخذه من وهذه الأبيات.
стр. 803
* في المواعظ والآداب
وقال البحتري:
متى تستزد فضلاً من العمر تغترف ... بسجليك من شهد الخطوب وصابها (١)
تشذبنا الدنيا باخفض سعيها ... وغول الأفاعي بلة من لعابها
يسر بعمران الديار مضلل ... وعمرانها مستأنف من خرابها
ولم أرتض الدنيا أوان مجيئها ... فكيف ارتضائيها أوان ذهابها
أقول لمكذوب عن الدهر راغ عن ... تخير آراء الحجا وانتخابها (٢)
سيرديك أو يتويك أنك محبس ... إلى شقة يبليك بعد ما بها (٣)
فهذا والله الوعظ الذي لو سمعه أبو العتاهية لضلت مقاليده.
وقوله: «محبس» أي موقوف إلى أن تصير إلى هذه الشقة، من قولك: احتبست (٤) فرساً في سبيل الله، واحتبست داراً، أي وقفت داراً، فأما حبست، فإن ذاك من حبست الرجل في الحبس، وحبسته عن طريقه، ونحو هذا.
стр. 804
* في الصبر والقناعة
قال أبو تمام:
عندي من الأيام ما لو أنه ... أضحى بشارب مرقد ما غمضا (١)
لا تطلبن الرزق بعد شماسه ... فترومه سبعاً إذا ما غيضا
ما عوض الصبر امرؤ إلا رأى ... ما فاته دون الذي قد عوضا
«شارب مرقد» مثل غير جيد ولا حسن، ولا زال الناس يعيبونه.
وقال:
لا تأخذيني بالزمان فليس لي ... تبعاً ولست على الزمان كفيلا (٢)
من زاحف الأيام ثم عبا لها ... غير القناعة لم يزل مفلولا
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
لو جاز سلطان القنوع وحكمه ... في الخلق ما كان القليل قليلا (٣)
الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا (٤)
يريد من لم يقنع وكان أبداً يتمنى لم يزل مهزولا.
стр. 805
وقوله: «لو جاز سلطان القنوع»، وهو يريد القناعة؛ لأن المتأخرين في هذا الموضع يستعملون القنوع.
«ما كان القليل قليلا» أي لو كان حكم القناعة جائزاً نافذاً في الخلق، أي لو قنع الخلق ما كان القليل قليلا، أي ما كان أحد يستقل القليل، بل كان عنده بالقناعة كثيراً، أفصح بمدح القناعة فقال:
الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا
وإنما أخذ هذا من قول عروة بن أذينة:
أسعى إليه فيعييني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني (١)
ثم نقض أبو تمام هذا كله بأن قال في إثر هذا البيت بغير فاصلة تفصل بينهما يصف الناقة وقطعه الفلاة إلى الممدوح، فقال:
لله درك أي معبر قفرة ... لا توحش ابن البيضة الإجفيلا
بنت الفضاء متى تخد بك لا تدع ... في الصدر منك على الفلاة غليلا (٢)
أو ما تراها لا تراها هزة ... تشأى العيون ذوالقاً وذميلا (٣)
لو كان كلفها عبيد حاجة ... يوماً لزنى شدقماً وجديلا (٤)
«ابن البيضة»: الظليم، والإجفيل: السريع الانجفال يعني الذهاب يقول: لا توحشه هذه الناقة لكثرة قطعها الفيافي وإلف الظلمان (٥) لها.
стр. 806
ودل على أنه الظليم بقوله: «ابن البيضة» ولو كان جرى له ذكر لما كان لذكر البيضة معنى، إذ كل ظليم فهو ابن البيضة.
وقوله: «أو ما تراها هزة» أي من سرعة مرها واهتزازها في سيرها لا تكاد ترى صورتها.
تشأى العيون: تسبقها، ذوالقاً: جمع ذليقة، والذلاقة: السرعة والمضاء.
ويروى: «دوالقاً» بالدال غير معجمة، وجمع دالقة، والدالق: الخارج، يقال: سيف دالق إذا كان خارجاً من غمده.
وكان ينبغي أن يقول: تشأى العيون اندلاقاً وذميلاً، أو ذلاقة معجمة الذال وذميلاً؛ لأن قوله: «وذميلاً» لا يكون منسوقاً على ذوالق، وأظنه جعل الذميل منسوقاً على هزة.
والذميل ها هنا رديء؛ لأنه ضرب من سير الإبل لين، وهو يصف السرعة.
وعبيد: يعني البيطار الذي ذكره الأعشى في شعره، فقال يصف ناقة (١):
لم تعطف على حوار ولم يقـ ... ـطع عبيد عروقها من خمال (٢)
وكان يعالج الإبل، أي لو كلفها عبيد حاجة، أي سيراً عليها لحاجة «لزنأ شدقماً وجديلا» وهما فحلان من فحول العرب النجيبة المذكورة، لما يرى من سرعتها ونجابتها.
стр. 807
وهذا غاية ما يكون من سخف المعنى وركاكته؛ لأن زنأ من ألفاظ الجهال والصبيان، وإنما أراد لو سار عليها عبيد، هذا العالم بأمر الإبل، في بعض حاجة لصغر عنده، أو لهانن عليه أمر شدقم وجديل، فلم يهتد بلفظ من هذا النحو فقال: «لزنأ شدقماً وجديلا» أتراه كان يقول لهما: يا زانيين، أو يا بني الزانيين، إن هذا من حماقات الطائي المحكمة، وسخفه العجيب مع ما في أبياته هذه من نقض المعنى الذي ذكره في الأبيات قبلها من الحث على القناعة، والقعود عن الحركة والاضطراب.
... وقال البحتري:
لعمرك كيف نرصف ما عدانا ... من الدنيا ونسخط ما يجينا (١)
عنانا ما عساه يزول عنا ... وأنصبنا تكلف ما كفينا (٢)
يقيض للحريص الغيظ بحتاً ... وتتجه الحظوظ لمن قضينا
وما هو كائن وإن استطلنا ... إليه النهج يوشك أن يكونا
فلا تغرر من الأيام وانظر ... إلى أقسامها عمن زوينا (٣)
وقال:
نسعى وأيسر هذا السعي يكفينا ... لولا تكلفنا ما ليس يعنينا
نروض أنفسنا أقصى رياضتها ... على مواتاة دهر لا يواتينا
فليت مسلفنا الأعمار أنظرنا ... مجاملاً فتأتي في تقاضينا
وهذا كله لا مزيد على حسنه وصحته وحلاوته.
стр. 808
وقال:
ضيق العذر في الضراعة أنا ... لو قنعنا بقسومنا لكفانا (١)
ما لنا نعبد العباد إذا كا ... ن إلى الله فقرنا وغنانا
وقال:
لو أنني أوفي التجارب حقها ... فيما أرت لرجوت ما أخشاه (٢)
والشيء تمنعه تكون بفوته ... أجدى من الشيء الذي تعطاه
خفض أسى عما شآك طلابه ... ما كل شائم بارق يسقاه
وقال:
وكيف تعاطي الراح والرأس مخلس ... مشيباً وشرب الراح من بعد جعفر (٣)
قنعت وجانبت المطامع لابساً ... لباس محب للنزاهة مؤثر
وأيأسني علمي بألا تقدمي ... مفيدي ولا مزر بحظي تأخري (٤)
ولو فاتني المقدور مما أرومه ... بسعي لأدركت الذي لم يقدر
وقال:
أجدك ما تنفك تشكو قضية ... ترد إلى حكم من الدهر جائر (٥)
ينال الفتى ما لم يؤمل وربما ... أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر (٦)
وهذا في غاية الحسن والصحة والبراعة، وإنما أخذه والله أعلم من قول أبي العتاهية:
стр. 809
قد يسلم المرء مما قد يحاذره ... وقد يصير إلى المكروه بالحذر (١)
وأخذه أبو العتاهية من قول الآخر:
وحذرت من أمر فمر بجانبي ... متنكباً ولقيت ما لم أحذر
... وقال البحتري:
إن تجرب بني الزمان تجدهم ... إخوة فيه للشفار الكليلة (٢)
والفتى كادح لفعلة دهر ... يرتضيها أو عشية مملولة (٣)
خائف آمل لصرف الليالي ... والليالي مخوفة مأموله
راح أهل الآداب فيها قليلاً ... وحظوظ الأقسام فيها قليلة (٤)
فعليك الرضا بما رضيته ... لك هذي المطالب المجفوله (٥)
لن تنال المزور عنك بتدبيـ ... ـر ولن تصعد السماء بحيله (٦)
إذا ما اعتبرت ظاهر حالي ... كان أمراً من الأمور الجليله (٧)
كم تكرهت غب أمر فكانت ... نعمة الله فيه عندي جميله (٨)
ليس إلا فضل العزيمة تمضيـ ... ـها وإلا المطية المرحوله
وهذا كلام يجري من رقته وحسنه.
стр. 810
قوله: «فعليك الرضا» مدح للقناعة، ولم يحث على القعود عن المطالب، وإنما أراد عليك الرضا بما رضيته لك مطالبك، هذه الماطالب التي أنت بسبيلها، ولن تقدر على نيل ما ازور عنك ولذلك قال:
ليس إلا فضل العزيمة تمضيـ ... ـها وإلا المطية المرحوله
وعلى أنه قال:
كم تكرهت غب أمر فكانت ... نعمة الله فيه عندي جميله
يجوز أن يكون أراد غب أمر من تجشم الأسفار، وبعد المطالب، فأحمدت عاقبته فحسن أن يقول: «ليس إلا فضل العزيمة».
وأبو تمام صريح بذكر القعود عن المطلب بقوله:
الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا
فكان ذكره للناقة والرحيل عليها مناقضة ظاهرة قبيحة في أبيات متصل بعضها ببعض.
... وقال البحتري:
تطلب الأكثر في الدنيا وقد ... تبلغ الحاجة فيها بالأقل (١)
وقال:
أسيف إذا أسففت أدنوا لمطمع ... خف وأراني مثرياً يوم أقنع (٢)
إذا شئت حاز الحظ دونك واهن ... ونازعك الأقسام عبد مجدع
следующие страницы →