Полный текст (1 636 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
ودل على أنه الظليم بقوله: «ابن البيضة» ولو كان جرى له ذكر لما كان لذكر البيضة معنى، إذ كل ظليم فهو ابن البيضة.
وقوله: «أو ما تراها هزة» أي من سرعة مرها واهتزازها في سيرها لا تكاد ترى صورتها.
تشأى العيون: تسبقها، ذوالقاً: جمع ذليقة، والذلاقة: السرعة والمضاء.
ويروى: «دوالقاً» بالدال غير معجمة، وجمع دالقة، والدالق: الخارج، يقال: سيف دالق إذا كان خارجاً من غمده.
وكان ينبغي أن يقول: تشأى العيون اندلاقاً وذميلاً، أو ذلاقة معجمة الذال وذميلاً؛ لأن قوله: «وذميلاً» لا يكون منسوقاً على ذوالق، وأظنه جعل الذميل منسوقاً على هزة.
والذميل ها هنا رديء؛ لأنه ضرب من سير الإبل لين، وهو يصف السرعة.
وعبيد: يعني البيطار الذي ذكره الأعشى في شعره، فقال يصف ناقة (١):
لم تعطف على حوار ولم يقـ ... ـطع عبيد عروقها من خمال (٢)
وكان يعالج الإبل، أي لو كلفها عبيد حاجة، أي سيراً عليها لحاجة «لزنأ شدقماً وجديلا» وهما فحلان من فحول العرب النجيبة المذكورة، لما يرى من سرعتها ونجابتها.
стр. 807
وهذا غاية ما يكون من سخف المعنى وركاكته؛ لأن زنأ من ألفاظ الجهال والصبيان، وإنما أراد لو سار عليها عبيد، هذا العالم بأمر الإبل، في بعض حاجة لصغر عنده، أو لهانن عليه أمر شدقم وجديل، فلم يهتد بلفظ من هذا النحو فقال: «لزنأ شدقماً وجديلا» أتراه كان يقول لهما: يا زانيين، أو يا بني الزانيين، إن هذا من حماقات الطائي المحكمة، وسخفه العجيب مع ما في أبياته هذه من نقض المعنى الذي ذكره في الأبيات قبلها من الحث على القناعة، والقعود عن الحركة والاضطراب.
... وقال البحتري:
لعمرك كيف نرصف ما عدانا ... من الدنيا ونسخط ما يجينا (١)
عنانا ما عساه يزول عنا ... وأنصبنا تكلف ما كفينا (٢)
يقيض للحريص الغيظ بحتاً ... وتتجه الحظوظ لمن قضينا
وما هو كائن وإن استطلنا ... إليه النهج يوشك أن يكونا
فلا تغرر من الأيام وانظر ... إلى أقسامها عمن زوينا (٣)
وقال:
نسعى وأيسر هذا السعي يكفينا ... لولا تكلفنا ما ليس يعنينا
نروض أنفسنا أقصى رياضتها ... على مواتاة دهر لا يواتينا
فليت مسلفنا الأعمار أنظرنا ... مجاملاً فتأتي في تقاضينا
وهذا كله لا مزيد على حسنه وصحته وحلاوته.
стр. 808
وقال:
ضيق العذر في الضراعة أنا ... لو قنعنا بقسومنا لكفانا (١)
ما لنا نعبد العباد إذا كا ... ن إلى الله فقرنا وغنانا
وقال:
لو أنني أوفي التجارب حقها ... فيما أرت لرجوت ما أخشاه (٢)
والشيء تمنعه تكون بفوته ... أجدى من الشيء الذي تعطاه
خفض أسى عما شآك طلابه ... ما كل شائم بارق يسقاه
وقال:
وكيف تعاطي الراح والرأس مخلس ... مشيباً وشرب الراح من بعد جعفر (٣)
قنعت وجانبت المطامع لابساً ... لباس محب للنزاهة مؤثر
وأيأسني علمي بألا تقدمي ... مفيدي ولا مزر بحظي تأخري (٤)
ولو فاتني المقدور مما أرومه ... بسعي لأدركت الذي لم يقدر
وقال:
أجدك ما تنفك تشكو قضية ... ترد إلى حكم من الدهر جائر (٥)
ينال الفتى ما لم يؤمل وربما ... أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر (٦)
وهذا في غاية الحسن والصحة والبراعة، وإنما أخذه والله أعلم من قول أبي العتاهية:
стр. 809
قد يسلم المرء مما قد يحاذره ... وقد يصير إلى المكروه بالحذر (١)
وأخذه أبو العتاهية من قول الآخر:
وحذرت من أمر فمر بجانبي ... متنكباً ولقيت ما لم أحذر
... وقال البحتري:
إن تجرب بني الزمان تجدهم ... إخوة فيه للشفار الكليلة (٢)
والفتى كادح لفعلة دهر ... يرتضيها أو عشية مملولة (٣)
خائف آمل لصرف الليالي ... والليالي مخوفة مأموله
راح أهل الآداب فيها قليلاً ... وحظوظ الأقسام فيها قليلة (٤)
فعليك الرضا بما رضيته ... لك هذي المطالب المجفوله (٥)
لن تنال المزور عنك بتدبيـ ... ـر ولن تصعد السماء بحيله (٦)
إذا ما اعتبرت ظاهر حالي ... كان أمراً من الأمور الجليله (٧)
كم تكرهت غب أمر فكانت ... نعمة الله فيه عندي جميله (٨)
ليس إلا فضل العزيمة تمضيـ ... ـها وإلا المطية المرحوله
وهذا كلام يجري من رقته وحسنه.
стр. 810
قوله: «فعليك الرضا» مدح للقناعة، ولم يحث على القعود عن المطالب، وإنما أراد عليك الرضا بما رضيته لك مطالبك، هذه الماطالب التي أنت بسبيلها، ولن تقدر على نيل ما ازور عنك ولذلك قال:
ليس إلا فضل العزيمة تمضيـ ... ـها وإلا المطية المرحوله
وعلى أنه قال:
كم تكرهت غب أمر فكانت ... نعمة الله فيه عندي جميله
يجوز أن يكون أراد غب أمر من تجشم الأسفار، وبعد المطالب، فأحمدت عاقبته فحسن أن يقول: «ليس إلا فضل العزيمة».
وأبو تمام صريح بذكر القعود عن المطلب بقوله:
الرزق لا تكمد عليه فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا
فكان ذكره للناقة والرحيل عليها مناقضة ظاهرة قبيحة في أبيات متصل بعضها ببعض.
... وقال البحتري:
تطلب الأكثر في الدنيا وقد ... تبلغ الحاجة فيها بالأقل (١)
وقال:
أسيف إذا أسففت أدنوا لمطمع ... خف وأراني مثرياً يوم أقنع (٢)
إذا شئت حاز الحظ دونك واهن ... ونازعك الأقسام عبد مجدع
стр. 811
أجدك ما المكروه إلا ارتقابه ... وأبرح مما حل ما يتوقع
وقد تتناهى الأسد من دون صيدها ... شباعاً وتغشى صيدها وهي جوع (١)
قوله: «أسيف إذا أسففت» يقال: أساف الرجل يسيف: إذا ذهب ماله.
يقول: إنه (٢) يفتقر إذا دنا لمطمع، ويستغني إذا قنع.
وقوله: «وقد تتناهى الأسد من دون صيدها شباعاً» يمدح القناعة، وأن من سبيل الإنسان إذا وجد البلغة اكتفى إلى أن يحتاج.
وقال:
حلي سعاد غروض العيس أو سيري ... وأنجدي في التماس الحظ أو غوري (٣)
كل الذي نترجاه ونأمله ... مضمن في ضرورات المقادير
فما يقرب تقديمي شواسعها ... ولا يباعد ما أدنين تأخيري
تغدو الكلاب ولا فضل يعد لها ... سوى الذي بان من نقص الخنازير
... وقال أبو تمام:
ما يحسم العقل والدنيا تساس به ... ما يحسم الصبر في الأحداث والنوب (٤)
الصبر كاس وبطن الكف عارية ... والعقل عار إذا لم يكس بالنشب
كم ذقت في الدهرين من عسر ومن يسر ... وفي بني الدهر من رأس ومن ذنب
стр. 812
بأي وخد قلاص واجتناب فلا ... إدراك رزق إذا مالج في الهرب (١)
ذكر أنه لا يحسم العقل ما يحسم الصبر، والصبر على شدة الزمان وأحداثه لا يكاد يقع إلا بالعقل، وكل الأخلاق الشريفة فبالعقل تكون.
وقوله: «الصبر كاس وبطن الكف عارية» من حماقاته في الطباق يريد أن الصبر مجانب لخلو اليد، وأنا ضد الفقر والعدم؛ لأن الفقر والعدم لا يكون معهما صبر، (٢) فجعل كاسياً من أجل ذكر بطن الكف بالعري، ثم جعل العقل أيضاً عارياً إذا لم يكن مكسواً بالنشب، وكسوة الصبر والعقل استعارة تتجاوز كل فحش.
وأعجب من هذا ذوقه الرأس والذنب في بني الدهر، وما علمنا أحداً ذاق ذنب غيره ولا رأسه (٣).
وأراد بالذوق الاختبار، واستعمله في أقبح موضع وأشنعه.
ولا خفاء بفضل البحتري في هذا الباب على أبي تمام.
стр. 813
* ذم ذوي الغنى على البخل، وذكر مساعدة الدهر لذوي الجهل وتحامله على أهل الفضل والعقل
قال أبو تمام:
مضى الأملاك وانقرضوا وأمسى ... سراة وهم تجار (١)
وقوفاً في ظلال الذم تحمى ... دراهمهم ولا يحمى الذمار (٢)
فلو ذهبت سنات الدهر عنه ... وألقي عن مناكبه الدثار
لعدل قسمة الأرزاق فينا ... ولكن دهرنا هذا حمار
قوله: «وألقي عن مناكبه الدثار» لفظ رديء، وليس من المعنى الذي قصده في شيء، وصدر البيت لائق بالمعنى فلو كان أتبعه بما يكون في معناه بأن يقول: فلو ذهبت سنان الدهر عنه، واستيقظ من رقدته، أو انتبه من نومته، أو انكشف الغطاء عن وجهه، لكان المعنى يمضي مستقيماً، وقد ذكرته فيما مضى من أغاليطه مشروحاً (٣).
وقال: وهو من إحسانه المشهور:
سأوطيء أهل العسكر اليوم عسكرا ... من الذنب محاءً لتلك المعالم (٤)
ومالي من ذنب إلى الدهر خلته ... سوى أملي إياكم للعظائم (٥)
وإني ما حورفت في طلب الغنى ... ولكنكم حورفتم في المكارم
стр. 814
ومن جيد معانيه في هذا النحو قوله:
إن شئت أن يسود ظنك كله ... فاجله في هذا السواد الأعظم (١)
وقال:
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدي الفتى في دهره وهو عالم (٢)
ولو كانت الأقسام تجري على الحجا ... هلكن إذاً من جهلهن البهائم (٣)
وهذا معنى ما على صحته وحسنه من مزيد.
وقال:
وما القفر بالبيد القواء بل التي ... نبت بي وفيها ساكنوها هي القفر (٤)
ومن قامر الأيام عن ثمراتها ... فأحج بها أن تنجلي ولها القمر (٥)
وهذا أيضاً جيد بالغ، ومن إحسانه المشهور، ثم وصله بأن قال:
فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر
قضاء الذي ما زال في يده الغنى ... ثنى غرب آمالي وفي يدي الفقر
رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطي ... من الأمر ما فيه رضا من له الأمر
وأشجيت آمالي بصبر حلون لي ... عواقبه والصبر مثل اسمه صبر (٦)
стр. 815
قوله: «فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي أساء» يريد شخوصه إلى مصر؛ لأنها كانت عنده أحسن مطالبه فأخفق فيها، فذمها بأن قال:
وما القفر بالبيد القواء بل التي ... نبت بي وفيها ساكنوها هي القفر
وقوله: «رضيت وهل أرضى» من أغاليطه وإحالاته في المعاني، وإنما كان ينبغي أن يقول: «رضيت وكيف لا أرضى» وقوم يحتجون بأنه (١) قال: رضيت وقد أرضى، على ما فسر به قول الله : «هل أتى على الإنسان حين من الدهر» بأن قالوا معناه: قد أتى على الإنسان.
وقد ذهب إلى هذا قوم في «قد» إذا وليت الفعل الماضي، أما وليت المستقبل فإنها تكون بمعنى «ربما» وتخرج عن هذا التأويل.
وأكثر أهل العربية، وجميع أهل اللغة يقولون: المعنى: ألم يأت على الإنسان، بمعنى التقرير والتوبيخ، ويدفعون أن تكون «هل» بمعنى «قد»؛ لأن ذلك لم في كلام العرب.
وقد بينت هذا في الجزء الذي جمعت فيه أغاليط أبي تمام من هذا الكتاب (٢).
وقال:
وحادثات أعاجيب خساً وزكا ... ما الدهر في فعلها إلا أبو العجب (٣)
يملكن قود الكماة المعلمين لها ... ويستقدن لفرسان على القصب (٤)
الخسا: الفرد، والزكا: الزوج، وفرسان القصب: يعني الصبيان.
стр. 816
وهذه ألفاظ في غاية الخلوقة والسخافة، ولو قال: ويستقدن لأهل الجبن والرعب، أو الرهب كان أحسن وتعمل (١):
وقال فيها:
في كل يوم صواقيري مفللة ... تستنبط الصفر لي من معدن الذهب (٢)
ما كنت كالسائل الأيام مجتهداً ... عن ليلة القدر في شعبان أو رجب
أي ما التمست إلا من حيث يجب الالتماس، ولكني خبت.
بل سافع بنواصي الأمر مشتمل ... على قواصيه في بدئي وفي عقبي (٣)
بغربة كاغتراب الجود إن برقت ... بأوبة ودقت بالخلف والكذب
إذا عمدت لشأو خلت أني قد ... أدركته أدركتني حرفة العرب (٤)
قوله: «سافع بنواصي الأمر» من قوله: جل اسمه: «لنسفعاً بالناصية» والسفع بالشيء هو أن يؤخذ ويجذب جذباً فيه عنف.
وكان ينبغي أن يقول: بنواصي الحزم أو العزم، فأما الأمر فإنه (٥). . .
وقوله:
بغربة كاغتراب الجود إن برقت ... بأوبة ودقت بالخلف والكذب
فشبه غيابه بغيبة (٦) الجود الذي يقال يقدم ولا يقدم، يؤكد بهذا عدم الجود، وأنه كلما طمع فيه من أحد كان بعيداً كالغائب الذي يقال:
يقدم ثم لا يقدم.
стр. 817
ودقت من الودق، وهو قطر المطر.
يقول هذا وهو قد قدم (١) من غيباته إلا أنه جعل نفسه كمن لم يقدم؛ لأنه قدم بالخيبة؛ فلذلك قال بعد هذا:
ما آب من آب لم يظفر بحاجته ... ولم يغب طالب للنجح لم يخب
وهذا تعسف، والخرس أحسن منه.
وقوله: «إن برقت بأوبة» يعني الغيبة، واستعارة البرق لا تحسن إلا باستعارة (٢) السحاب معه، وكان الجيد أن يقول: برقت سحابها بأوبة، لو استقام له.
وقوله: «أدركتني حرفة العرب» معنى ما قاله غيره، ولا جعل أحد العرب محارفين سواه، ودليل عدم حرفتهم ما هو إلا أنهم قهروا الأمم حتى صار الملك فيهم، وهم على تلك العزة الجاهلية إلى هذا الوقت.
وما زال الناس ينكرون هذا المعنى عليه ويعيبونه ولو كان قال: «حرفة الأدب» كان أولى بالصواب، وبما يستعمله الناس، ولأنه أديب غير مدفوع، وليس في القصيدة أيضاً ذكر للأدب.
وقد رواه قوم الأدب إنكاراً لذكر العرب ها هنا، وغيره في عدة من النسخ القديمة، والذي في نسخة أبي سعيد السكري، وأبي العلاء محمد بن العلاء وغيرهما: «العرب».
وإنما ذاك لشدة عشقه بالعربية، وأن يقال طائي.
стр. 818
وقد أنكره عليه ابن عمار وغيره، وهذا دليل على أنه ما قال إلا حرفة العرب.
... وقال البحتري:
أوجلتني بعد أمن غرتي ... واغترار الأم يستدعي الوجل (١)
لم أوهم نعمتي تغدر بي ... غدرة الظل سجا ثم انتقل
زمن تلعب بي أحداثه ... لعب النكباء بالرمح الخطل (٢)
وأرى العدم فلا تحفل به ... عقبة تقضى وكلما يندمل
أكبرت نفسي وقدماً أكبرت ... أن تلقى النيل من كف الأشل (٣)
ومن المعروف مر مقر ... يلفظ الطاعم منه ما أكل (٤)
نطلب الأكثر في الدنيا وقد ... نبلغ الحاجة فيها بالأقل (٥)
وهذا من إحسان أبي عبادة المتداول.
وقال:
تغاضى رجال عن المكرمات ... وقد مثلت نصب أعيانها (٦)
ولم تلتفت لوجوب الحقوق ... وواجبها خلق آذانها
فتحت يدي ثاني العطف عن ... كذوب المودة خوانها
وقد علمت خلتي أنني ... أفارقها عند هجرانها
стр. 819
وقال:
وعيرتني سجال العدم جاهلة ... والنبع عريان ما في فرعه ثمر (١)
وما الفقير الذي عيرت آونة ... بل الزمان إلى الأحرار يفتقر (٢)
عزى عن الحظ أن العجز يدركه ... وهون العسر علمي في من اليسر
لم تبق من جل هذا الناس باقية ... ينالها الوهم إلا هذه الصور (٣)
جهل وبخل وحسب المجد واحدة ... من تين حتى يعفى خلفه الأثر (٤)
إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
على نحت القوافي من معادنها ... وما علي إذا لم تفهم البقر (٥)
ذكر علي بن يحيى المنجم عن شيوخه أن هذا البيت للمخيم (٦) الراسبي، أحد الشعراء في دولة الرشيد، وكان صحب محمد منصور بن زياد فكسب معه مالاً عظيماً، ثم صحب محمد بن يحيى بن خالد البرمكي بعد موت ابن منصور (٧) فلم يحمده فهجاه.
وأخذ بيت بأسره قبيح لأبي عبادة، ومثله لا يضطر إلى هذا.
وقد كان علي بن يحيى انحرف عن (٨) البحتري لأن البحتري هجاه بأمر المتوكل بأبيات ليس مثلها يضر، ولكنه ذكر صورته فقال:
стр. 820
كل أخلاق علي ترتضيها وتذمه (١)
هو قرد حين يبدو غير أنا لا نكمه
مقلتاه وحجاباه وشدقاه وخطمه
فضحك المتوكل حتى استلقى وبلغ علي بن يحيى فعاب (٢) هذا على البحتري لما حدث بينهما من التباعد.
إلا أني لم أرهم ينكرون استعارة البيت الذي يجري مجرى المثل إذا جاء موضعه، إلا أن يكون في شوارد الأمثال التي لا يكاد يعرف قائلوها.
وقال:
أضيع في معشر وكم بلد ... يعد عود الكباء من حطبه (٣)
لن ينصر المجد حق نصرته ... إلا المكين المكان من رتبه (٤)
يخدع عن عرضه البخيل ولا ... يخدع وهو الغني عن نشبه (٥)
أوثق من يصطفى عراه وإن ... حل بعيداً من حل في حسبه (٦)
لا يصرم المحدث الكهام ولو ... أخلصه الهالكي من جربه (٧)
ننسى أيادي الزمان فينا فما ... نذكر ممن دهرنا سوى نوبه
стр. 821
وقال:
أيذهب هذا الدهر لم ير موضعي ... ولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي (١)
ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدد ... يبيع ثمينات المكارم والحمد (٢)
سوائر شعر جامع بدد العلى ... تعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي
يقدر فيها صانع متعمل ... لأحكامها تقدير داود في السرد (٣)
خيلي لو في المرخ أقدح إذ أبى ... رجال مؤتاتي إذن لخبا زندي (٤)
وما عارضتني كدية دون مدحهم ... فكيف أرني دون معروفهم أكدي
أأضرب أكباد المطايا إليهم ... مطالبة مني وحاجاتهم عندي؟
وهذا صدق أبي عبادة عن نفسه، وما كان له بد من أن ينفث، وما قال قولاً هو أصدق من هذا.
وقال:
وما جهلت فلا تجهل محاجزتي ... لصاحب الباب يرمي عنه صاحبه (٥)
الأرض أوسع من دار ألظ بها ... والناس أكثر من خل أحاربه (٦)
أعاتب المرء فيما جاء واحدة ... ثم السلام عليه لا أعاتبه
стр. 822
ولو أخفت لئيم القوم جنبني ... أذاته وصديق الكلب ضاربه
ولن تعين امرأ يوماً وسائله ... ما لم تعنه على حر ضرائبه (١)
وقال:
لنا في كل يوم أصدقاء ... تعود عداً وحالات تحول (٢)
وقد تعفو الظنون بمن يرجى ... فتخلف مثل ما تعفو الطلول
وما فقد الجميل لقرب عهد ... فنسأل عنه بل نسي الجميل
ويلوم سائل البخلاء حرصاً ... وإسفافاً كما لوم البخيل (٣)
وقال:
لم ألق مقدوراً على استحقاقه ... في الحظ إما ناقصاً أو زائدا (٤)
وعجبت للمحدود يحرم ناصباً ... كلفاً وللمجدود يغنم قاعدا
وتفاوت الأرزاق فيما بينهم ... لا يأتلين نوازلاً وصواعدا
ما خطب من حرم الإرادة وادعاً ... خطب الذي حرم الإرادة جاهدا (٥)
وهذا كله في غاية الجودة والحسن والصحة والبراعة والحلاوة.
... فأقول في الموازنة بينهما: إنهما (٦) أحسنا جميعاً في هذا الباب وأجادا، وأجعلهما متكافئين مع ما فيه لأبي تمام من الإساءة.
стр. 823
* ما قالاه في طلب الرزق والنهوض إليه
قال أبو تمام:
سيبتعث الركاب وراكبيها ... فتى كالسيف هجعته غرار (١)
أطل على كلى الآفاق حتى ... كأن الأرض في عينيه دار (٢)
غرار: قليل، وهذا البيت حسن جداً، ولو كان في مدح خليفة ضبط الدنيا، وأحسن سياستها، ومراعاة كل ناحية منها، كان أحسن وأليق.
وإنما سرق المعنى من قول منصور النمري يمدح الرشيد:
وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليه قربها وبعيدها
وقال:
سلي هل عمرت القفر وهو سباسب ... وغادرت ربعي من ركابي سباسبا (٣)
تغربت حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرقت حتى قد نسيت المغاربا (٤)
стр. 824
خطوب إذا لاقيتهن رددنني ... جريحاً كأني قد لقيت الكتائبا (١)
ومن لم يسلم للنوائب أصبحت ... خلائقه طراً عليه نوائبا
وقد يكهم السيف المسمى منية ... وقد يرجع المرء المظفر خائبا
فآفة ذا أن لا يصادف صارماً ... وآفة ذا أن لا يصادف ضاربا (٢)
قوله: «فآفة ذا أن لا يصادف صارماً» ليس بالجيد؛ لأن الشجاع المظفر قد يقطع السيف الكهام في يده، ألا ترى إلى قول البحتري:
وما السيف إلا بز غاد لزينة ... إذا لم يكن أمضى من السيف حامله (٣)
وكان الأجود له أن يقول: فآفة ذا أن لا يصادف مغنماً، أو مضرباً.
يعني المرء المظفر، وآفة ذا أن لا يصادف ضارباً، يعني السيف، لأنه قد جعل آفته في أن صار كهاماً أي أنه لم يجد ضارباً يضرب به، ولم يذهب إلى نحو قول الفرزدق:
كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... وتقطع أحياناً مناط القلائد (٤)
لأن هذا معنى آخر.
... وقال أبو تمام:
وأخرى لحتني حين لم أتبع الهوى ... قيادي ولم ينقض زماعي ناقض (٥)
أرادت بأن يحوي الرغيبات وادع ... وهل يفرس الليث الطلى وهو رابض
وهذا بيت الباب كله، فإنه لا يمر فيه أجود منه، ولا أليق، ولا أحسن.
стр. 825
وعلى أنه معنى مأخوذ من مثل للأسد: قيل له: أم أنت غليظ الرقبة؟ فقال: لا ألزم خدري وأتكل في فريستي على غيري.
وقد سمعت فيه شعراً أيضاً منظوماً، ولكن أبا تمام أحسن العبارة عن المعنى جداً.
... وقال:
إن خيراً مما رأيت من الصفـ ... ـح عن النائبات والإغماض (١)
غربة تقتدي قيس بـ ... ـن زهير والحارث بن مضاض
غرضي نكبتين ما فتلا رأ ... ياً فخاخاً عليه نكث انتقاض (٢)
من أبن البيوت أصبح في ثو ... ب من العيش ليس بالفضفاض
والفتى من تعرفته الليالي ... والفيافي كالحية النضناض (٣)
صلتان أعداؤه حيث حلوا ... في حديث من ذكره مستفاض (٤)
كل يوم له بصرف الليالي ... فتكة مثل فتكة البراض
أبن البيوت: أقام بها ولزمها، والفضفاض: الواسع، والحية النضناض: هو الخفيف الكثير الحركة.
وقد عيب عليه قوله: «مستفاض»، وقالوا: إنما هو مستفيض، وقيل: إنه أراد مستفاض فيه، وليس ذلك بشيء (٥).
стр. 826
وقد قاله البحتري أيضاً في قصيدته التي على هذا الوزن:
أفرطت لوثة ابن أيوب والشا ... ئع من ذكر أفنه المستفاض (١)
وقد نطق بها غير واحد من المتأخرين، وهي رديئة.
وذكرها الطرماح على غير هذا الوجه، فقال يصف حمار وحش:
ويظل المليء يوفي على القر ... ن عذوباً كالحرضة المستفاض (٢)
القرن: الجيل، عذوقاً: رافعاً رأسه لا يذوق شيئاً.
شبهه بالحرضة، وهو رجل يجيء به أصحاب الميسر، رذل من الرجال ساقط، ويشدون عينه، ويدفعون إليه القداح فيفيض بها لهم، فقيل له: المستفاض؛ لأنه جعله مفيضاً، والإفاضة بالقداح هي أن يدفعها دفعة واحدة من الربابة إلى قدام، فيخرج من مخرجها الضيق قدح واحد، ويقوم الرقيب فيأخذه، وينظر: فإن كان لاظ له رده إلى الربابة، وقال للحرضة: أعد الجلجلة والإفاضة، وإن كان السهم من ذوات الحظوظ دفعه إلى صاحبه وقال له: اعتزل، فإن كان الفذ أخذ نصيباً واحداً وهو عشر الجزور، وإن كان غيره أخذ على قدر أنصبائه.
ولقيس بن زهير، والحارث بن مضاض في اغترابهما حديث وكذلك للبراض في فتكته، وأنا أذكر بجميع ذلك بعد الفراغ من [هذا] (٣) الباب بإذن الله.
стр. 827
وقال أبو تمام:
أعاذلتنا ما أخشن الليل مركباً ... وأخشن منه في الملمات راكبه (١)
دعيني وأهوال الزمان أعانها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه (٢)
ألم تعلمي أن الزماع على السرى ... أخو النجح عند النائبات وصاحبه؟! (٣)
دعيني على أخلاقي الصم التي ... هي الوفر أو سرب ترن نوادبه (٤)
فإن الحسام الهندواني إنما ... خشونته ما لم تفلل مضاربه
وقلقل نأي من خراسان جأشها ... فقلت اطمئني أنضر الروض عازبه (٥)
وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
وحسبك بهذا كله جودة وحسناً.
وهذا البيت الأخير إنما أخذ معناه من قول الشاعر، وأنشده في الحماسة:
فكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون (٦)
стр. 828
وقال أبو تمام وسبيله أن يقدم في أول الباب؛ لأنه من إحسانه المشهور:
ولكنني لم أحو وفراً مجمعاً ... ففزت به إلا بشمل مبدد (١)
ولم تعطني الأيام نوماً مسكناً ... ألذ به إلا بنوم مشرد
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت ملاحة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
قوله: «لم أحو وفراً مجمعاً. . . إلا بشمل مبدد» يريد أنه لم يحو ذلك إلا في الغربة مع مفارقة وطنه وأحبابه، وأنه لم ينم نوماً ساكناً إلا بعد نوم مشرد في الأسفار، وهذا مبني على قول عروة بن الورد:
* ولم تدر أني للمقام أطوف * (٢)
وقوله: «فإني رأيت الشمس». . . مسروق من قول الكميت:
* ولو لم تغب شمس النهار لملت *
وقال أبو تمام:
هن البجاري أيا بجير ... أهدى لها الأبؤس الغوير (٣)
يوم مقام على وفاز ... وسائر الدهر فيه سير
في ثبة إن سرن جن ... أو يمموا شقة فطير
قد ضج من فعلهم جديل ... بنسله واشتكى غرير
هذا عبيد وذا زياد ... وذا لبيد وذا زهير
يا لك من همة وعزم ... لو أنه في عصاك سير
стр. 829
رب قليل جداً كثير ... كم مطر بدؤه مطير
صبراً على النائبات صبراً ... ما صنع الله فهو خير
فهذه معان مستقيمة صحيحة، ونسج جيد، ولفظ حسن إلا قوله: «هن البجاري يا بجير»، فإنه لفظ متعسف مستكره، والبجاري: جمع بجرية وهو ما يمر بالإنسان (١) من البجر والمصائب، من قوله ﵇: «أشكو إلى الله عجري وبجري» فالبجر: جمع بجرة.
ثم قال: «أهدى لها الأبؤس الغوير»، وهذا هو المثل: «عسى الغوير أبؤسا» (٢).
يقول: جاءها البؤس من حيث لم تعلم أن هناك بؤساً، (٣) والبجاري هي البؤس أنفسها، فكان ينبغي أن يقول: أهدى لي الأبؤس الغوير، لا أهدى لها.
وإن كان أراد أهدى لها يعني نفسه، ولم يجر لها ذكر فهو رديء.
... وقال البحتري:
وأحب آفاق البلاد إلى الفتى ... أرض ينال بها كريم المطلب (٤)
كم مشرقي قد نقلت نواله ... فجعلته لي عدة في المغرب
стр. 830
وقال:
أمسي زميلاً للظلام وأغتدي ... ردفاً على كفل الصباح الأشهب (١)
فأكون طوراً مشرفاً للمشرق الـ ... أقصى وطوراً مغرباً للمغرب (٢)
وإذا الزمان كساك حلة معدم ... فالبس لها حلل النوى وتغرب
ولقد أبيت مع الكواكب راكباً ... أعجازها بعزيمة كالكواكب
والليل في لون الغراب كأنه ... هو في حلوكته وإن لم ينعب
حتى تبدى الصبح من جنباته ... كالماء يلمع من خلال الطحلب (٣)
والعيش تنصل من دجاه كما انجلى ... صبغ الشباب عن القذال الأشيب (٤)
وهذا من إحسان أبي عبادة الذي يتقدم عل كل إحسان في معناه.
وما قيل في وضوح الصبح أجود ولا أطلف معنى، ولا أبرع من قوله: «كالماء يلمع من خلال الطحلب».
وقوله: «فأكون طوراً مشرقاً للمشرق الأقصى» أجود من قول أبي تمام:
«تغربت حتى لم أجد ذكر مشرق»؛ لأنه يجوز أن لا يكون سمع (٥) أهل بلد يذكرون المشرق، وليسوا جهالاً به.
стр. 831
وقوله: «حتى نسيت المغاربا»، يجوز أن ينساها فلا يذكرها، وأن ينسى أباه فلا يذكره، وليس ماله بروي (١)، لأن غرضه فيه معروف، ولكن قول البحتري أجود.
وقال البحتري:
أشرق أم أغرب يا سعيد ... وأنقص من زماعي أم أزيد (٢)
عدتني عن نصيبين العوادي ... فحظي أبله فيها بليد (٣)
أرى الحرمان أبعده قريب ... بها والنجح أقربه بعيد
تقاذف بي بلاد عن بلاد ... كأني بينها خبر شرود (٤)
قوله: «خبر شرود»، معنى غريب طريف.
وقال:
وإن اغتراب المرء في غير بغية ... يطالبها من حيف دهر يطالبه (٥)
فليس بمعذور إذا رد سربه ... عليه بأن تعيا عليه مذاهبه
ويعطيه مرجو العواقب مسرعاً ... إليه ركوب الأمر تخشى عواقبه
أرجي وما نقع الرجاء إذا التقت ... مناحس أمر مجحف ومعاطبه
ومما يعني النفس كل عنائها ... توقعها الصنع البعيد تقاربه (٦)
وهذا البيت يصلح أن يكون في باب الصبر والقناعة، ومعناه من أتقن المعاني وأحسنها.
стр. 832
وقال:
عست الإضافة أن تنال بها ... سعة ونكل ضارباً شبعه (١)
والفسل تسلبه عزيمته ... أدنى وجود كفاية تسعه
لا يلبث الممنوع تطلبه ... حتى يثوب إليك ممتنعه
والنيل دين تسترق به ... فارتد لرقك عند من تضعه (٢)
قوله: «نكل ضارباً شبعه»، أي أقعده حتى نكل عن المطلب.
... وقال:
أسير إذ كنت في طول المقام بها ... أكدي لعلي أجدي عند مرتحلي (٣)
وربما حرم الغازون غنمهم ... في الغزو ثم أصابوا الغنم في قفل (٤)
شرق وغرب فعهد العاهدين لما ... طالبت في ذملان الأينق الذمل (٥)
ولا تقل أمم شتى ولا نسق ... فالأرض من تربة والناس من رجل (٦)
قوله: «ولا تقل أمم شتى ولا نسق» أي لا يصدنك عن السفرأن تقول: كيف ألاقي أمماً متفرقين متباعدين، غير مقترنين، ولا متسقين، وأترك أهلي وبلدي، فإن تربة الأرض واحدة، والناس أبناء رجل واحد.
وصدر هذا البيت رديء، وعجزه في غاية الحسن والبراعة.
стр. 833
ولولا أن محاسن أبي تمام في هذا الباب هي أبياته الأربعة والجميع من معانيها مسروقة لفضلته على البحتري إلا في بيت الطحلب فإنه معنى ما علمت أحداً سبق إليه، ولا قيل في وضوح الصبح أبرع منه، فأجعلهما متكافئين.
стр. 834
* ومما ذكرا فيه سرى الإبل
قال أبو تمام:
لا تذيلن صغير همك وانظر ... كم بذي الأثل دوحة من قضيب (١)
رب خفض تحت السرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب
فاسأل العيس ما لديها وألف ... بين أشباحها وبين السهوب (٢)
وقال:
فتى النكبات من يأوي إذا ما ... قطفن به إلى خلق وساع (٣)
يثير عجاجة في كل ثغر ... يهيم بها عدي بن الرقاع
أبن مع السباع الماء حتى ... لخالته السباع من السباع
فلب الحزم إن حاولت يوماً ... بأن تسطيع غير المستطاع (٤)
فلم ترحل كناجية المهاري ... ولم تركب همومك كالزماع
قوله: «قطفن» أي أبطأ في الانصراف والانكشاف عنه، وتثاقلن في المضي، مأخوذ من قولهم: دابة قطوف، وهو الذي يقصر خطوه فيبطيء ذهابه.
стр. 835
يقول: فإنه مع هذه الحال يأوي إلى خلق واسع، وصبر على المحن حتى تنكشف.
وقوله: «يثير عجاجة في كل ثغر» أي يطأ كل بلدة مخوفة، وتثير مطيته غبار كل بقعة، ونسب العجاجة إلى عدي بن الرقاع لأن عدياً وصف العير والأتان وما يثيرانه من الغبار في السهل من الأرض، فإذا صارا إلى الحزن لم يوجد لها فيه نقع، فشبهه بملاءة ينشرانها مرة، ويطويانها أخرى فقال:
يتعاوران من الغبار ملاءة ... سوداء داجية هما نسجاها (١)
تطوى إذا علوا مكاناً ناشراً ... وإذا السنابك أسهلت نشراها
وهذا من تشبيهات العرب الموصوفة، فجعل أبو تمام عدياً ممن هام بهذه العجاجة، أتى بوصفها إعجاباً بها، وأن ناقته أيضاً تثير عجاجة في كل ناحية كهذه العجاجة.
وهذا تمحل منه لمعنى غير لائق بما هو بسبيله من ذكره سيره؛ لأنه إن كان أراد أنه أيضاً يثير النقع في السهل، ولا يثيره في الحزن فكل سار فيهما هذه حاله، فما وجه ذكره عجاجة عدي، وإنما حسن من عدي، وصح التشبيه لأن الحمار إذا طلب الأتان فليس يجريان على استقامة بل تراهما بيناهما في الحزن صارا إلى السهل، ثم يعودان إلى الحزن، فتراهما مسهلين ومحزنين لجولانهما، فترى عجاجتهما تثور حيناً، وتلبد حيناً، فصح التشبيه وحسن، والمسافر إنما يمر على سنن واحد فليس يكاد يخرج من سهل إلى حزن؛ ومن حزن إلى سهل في وقت واحد تدركه
стр. 836
منه العيون فيكون الغبار مشبهاً لملاءة تنشر وتطوى، وإنما يقع ذلك في أوقات متراخية يسقط معها هذا المعنى.
... وقال أبو تمام:
وركب يساقون الركاب زجاجة ... من السير لم تقصد لها كف قاطب (١)
فقد أكلت منها الغوارب بالسرى ... وصارت لها أشباحهم كالغوارب (٢)
يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر ... وبالعرمس الوجناء غرة آيب (٣)
كأن به ضغناً على كل جانب ... من الأرض أو شوقاً إلى كل جانب
قوله: «لم تقصد لها كف قاطب» أي سيراً لا يلين ولا يفتر، كما تقطب الراح أن تمزج وتكسر بالماء وتلين.
وقال:
فاطلب هدوءاً بالتقلل واستثر ... بالعيس من تحت السهاد هجودا (٤)
من كل معطية على علل السرى ... وخداً يبيت النوم منه شريدا (٥)
стр. 837
يخدي بمنصلت يظل إذا ونى ... ضرباؤه حلساً لها وقتودا (١)
جعل الدجى جملاً وودع راضياً ... بالهون يتخذ القعود قعودا (٢)
وقال:
ورأيت ضيف الهم لا يرضى قرى ... إلا مداخلة القفار دلاثا (٣)
شجعاء جرتها الذميل تلوكه ... أصلاً إذا راح الغضا حثحاثا (٥)
مداخلة القفار: موثقة الخلق.
والدلاث: السريعة، والمندلث: المسرع، يقال: اندلث اندلاثاً.
و «شجعاء جرتها الذميل» (٦) مثل، أي إذا اجترت الإبل العلف من بطونها ولاكته فليس لهذه الناقة جرة إلا الذميل وهو ضرب من السير
стр. 838
كما قال في وصف الخيل:
* تعليقها الإسراج والإلجام * (١)
جعل ذلك مكان الشعير في المخالي إذا علقت عليها.
يقول: إذا ونت الركاب وغرثت، أي احتاجت إلى العلف، فإن هذه الناقة لاقتدارها على السير وصبرها على (٢) الرمل تلوك الذميل كأنه طعامها.
وهذه القطع كلها جياد صحيحة المعاني والألفاظ.
... وقال:
سأخرق الخرق يابن خرقاء كالـ ... ـهيق إذا ما استجم من نجده (٣)
مقابل في الجديل صلب القرا ... لوحك من عجبه إلى كنده
تامكه نهده مداخله ... ملمومه محزله أجده
«ابن خرقاء»: يريد بعيراً.
والهيق: الظليم، شبهه به لنشاطه وسرعته.
والنجد: العرق، أي هو كالهيق في هذه الحال التي يقدر فيها فتوره.
مقابل: كريم الآباء والأمهات، وفي الجديل: وهو فحل كريم.
لوحك: شد ووثق، والكتد: ما يتصل بالحارك من العنق.
стр. 839
والتامك: المرتفع، وكذلك النهد (١).
والملموم: الذي قد استوى لحمه وشحمه من سنمه، ولم يبق له عظم شاخص.
والمحزئل: المرتفع، احزأل أي ارتفع في السير.
وهذه معان صحيحة، ولكن النسج لا حلاوة له، ولا طلاوة عليه.
... وقال:
وإلى جناب أبي الحسين تشنعت ... بزمامها كالمصعب المخطوم (٢)
جاءتك من معج خوانق في الرى ... وعوارف بالمعلم المأموم
من كل ناجية كأن أديمها ... حيصت ظهارته بجلد أطوم
تثني ملاطيها إذا ما استكرهت ... سعدانة كإدارة القرزوم
طلبتك من نسل الجديل وشدقم ... كوم عقائل من عقائل كوم
ينسين أصوات الحداة ونبرها ... طرباً لأصوات الصدى والبوم
فأصبن بحر نداك غير مصرد ... ورداً وأم نداك غير عقيم
لما وردن حياض سيبك طلحا ... خيمن ثم شربن شرب الهيم
قوله: «تشنعت»: أي أخذت أهبتها للسير، وشمرت، من قولهم: تشنع الفارس، إذا لبس سلاحه.
стр. 840
ومعج: جمع معجة، والمعج: التغلب في الجري، يقال: مر الحمار يمعج معجاً، إذا جرى في كل وجه بسرعة، وحمار معاج.
والخوانق: جمع خنوق، وهي الناقة التي تضرب بيدها في السير من نشاطها وفيه بعض الميل.
والمعلم: الطريق، والمأموم: الذي يؤتم، عارفة بالطريق الذي يجب أن تؤمه لطول دأبها، وكثرة سيرها في الطرق المختلفة.
وقوله: «حبصت» خيطت بجلد أطوم، يقال: إن الأطوم: السلحفاء البحري الذي يجعل من جلده الذبل (١)، ويشبه جلد البعير الأملس به، ويقال: الأطوم: سمكة في البحر غليظة، وقيل بل هي بقرة يتخذ من جلدها الخفاف للحمالين، قال الشماخ يصف الناقة:
وجلدها من أطوم ما يؤيسه ... طلح كضاحية الصيداء مهزول (٢)
قيل في تفسيره: الأطوم: سمكة بحرية تخصف الخفاف والنعال بجلدها.
ويؤيسه: يذلله، والتأييس: التذليل.
والطلح: والقراد ها هنا، والطلح: الضئيل المهزول.
والصيداء: حصى، والصيدان (٣): حجارة.
وضاحية: ما ضحا للشمس منها وظهر.
وقال الأخفش في تفسير هذا البيت: الأطوم: طي البئر بالصخر الأسود، ويقال: الأطوم: الصدف.
وقوله: «تثنى ملاطيها» أي تباعد بينهما.
وملاطاها: وعضداها.
стр. 841
سعدانة: والسعدانة من البعير: هي البلدة (١)، أي تباعد بين عضديها كركرة (٢)، أو بلدة مستديرة كإدارة الفرزوم، وهي الخشبة المدورة التي يحذو عليها الحذاء (٣)، وذلك محمود في الإبل أن يتباعد عضد البعير من زوره في السير.
والكوم: العظام الأسنمة، واحدتها كوماء.
وقوله:
ينسين أصوات الحداة ونبرها ... طرباً لأصوات الصدى والبوم (٤)
أي ألفت صوت الصدى والبوم لكثرة سيرها في الفيافي، حتى صارت تطرب لذلك وتنسى أصوات الحداة.
وهذا من مبالغاته البعيدة الباطلة.
ولو قال: إلفاً لأصوات الصدى كان أشبه بالصواب قليلاً من الطرب.
وهذه أبيات صالحة على ما فيها من التكلف.
... وقال:
الهم والعيس والليل التمام معاً ... ثلاثة أبداً يقرن في قرن (٥)
حوباً حلاً قاسميني الهم يا ابنته ... فقد خلقت لغير الحوض والعطن (٦)
стр. 842
قوله: «حوباً حلا» زجر من زجر الإبل (١)، كأنه زجر ناقته، وقال لها: قاسميني الهم يا ابنته: يا بنت الهم، سيري وانطلقي فقد خلقت لغير الحوض والعطن، أي خلقت لقطع الأسفار لا للإقامة.
ولفظ هذا الأخير رديء، ونسجه قبيح.
وأخذ البحتري معنى الأول فقال:
يا خليلي بالسواجير من ودبـ ... ـن معن وبختر بن عتود (٢)
أطلبا ثالثاً سواي فإني ... رابع العيس والدجى والبيد
... وقال البحتري:
بنات العيد تعتاد الفيافي ... إذا شئنا استمر بها الذميل (٣)
وما طرفا زمان المرء إلا ... مقام يرتضيه أو رحيل
وقال:
وإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو خليل فإنني بالخيار (٤)
وخدان القلاص حولاً إذا قا ... بلن حولاً من أنجم الأسحار
يترقرقن كالسراب وقد خضـ ... ـن غماراً من السراب الجاري (٥)
كالقسي المعطفات بل الأسـ ... ـهم مبرية بل الأوتار (٦)
وهذا من أوصاف الإبل إذا أضمرها السير وهي في غاية الحسن والصحة والحلاوة في اللفظ والنسج.
стр. 843
ومثله في الجودة والحسن قوله:
وهي العيس دهرها في ارتحال ... من حلول أو فرقة من جميع (١)
رب مرت مرت تجاذب قطريـ ... ـه سراباً كالمنهل المشروع (٢)
وسرى تنتحيه بالوخد حتى ... تصدع الليل عن بياض الصديع
كالبري في البرى ويحسبن أحيا ... ناً نسوعاً مجدولة من نسوع (٣)
وقال:
سوف أعطي السلو والصبر ما أمـ ... نع من طارف الهوى أو تليد (٤)
بالمهارى يلبسن لوناً جديداً ... مستفاداً في كل وقت جديد
فهي طول النهار بيض وطول الـ ... ـليل في أقمص من الليل سود
طالبات في الغوث غوثاً سكوباً ... وحميداً في آل عبد الحميد
وهذا كل جيد بالغن وعذب حلو، ومعان لطيفة لائقة.
... وقد أجاد كل واحد منهما وصف إبله على الطريقة التي قصدها واعتمدها، وإن كانت معاني البحتري فيما ذهب إليه من الضمر حلوة جداً.
... فأقول: إنهما في البابين متكافئين.
стр. 844
. ولأبي تمام في وصف الإبل أشياء رديئة لم أكتبها، وفيها قصيدة يصف فيها ناقة حج عليها رديئة جداً أولها:
لعلك ذاكر الطلل القديم ... وموف بالعهود على الرسوم (١)
له فيها ألفاظ مختلفة، ومعان من معاني السوق، وقد تقدم في الباب (٢) قوله:
وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن يتم صدوره ... وليس عليهم أن يتم عواقبه
في أبيات ما هي (٣) من ذلك الباب، ثم قال بعدها ما هو من هذا الباب في وصف الإبل، وسبيلها أن تثبت في هذا الباب في أوله:
على كل موار الملاط تهدمت ... عريكته العلياء وانضم حالبه (٤)
رعته الفيافي بعدما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه
فأضحى الفلا قد جد في بري نحضه ... وكان زماناً قبل ذاك يلاعبه
فكم جزع واد جب ذروة غارب ... ومن قبل كانت أتمكته مذانبه
قوله: «موار الملاط» فالملاط: عضد البعير، وموار: يريد حركته في السير.
وعريكته العلياء: يعني سنامه، تهدمت من طول السفر، وكذا انضم حالبه (٥).
стр. 845
وقوله: «يلاعبه»: لفظة ضعيفة المعنى، وإنما جاء بها من أجل قوله: جد في بري نحضه؛ ليطابق بين الجد واللعب.
أي إن الفلا جد في أخذ لحمه في سيرنا هذا السير، فجعل مكان هذا القول: «وكان زماناً قبل ذاك يلاعبه» على مذهبه في عشق الطباق الذي لا بد له من أن يأتي به وإن حصل المعنى ضعيفاً ركيكاً، وربما كان محالاً.
وقوله: «أتمكنه» أي أسمنت تامكه، وهو سنامه.
والمذانب: مجاري الماء، وهي أبداً معشبة.
... ولئن كانا جميعاً أحسنا في هذا الباب فما وصفا مطيهما بالسرعة وصف مسلم بن الوليد إذ يقول:
إلى الأمام تهادانا بأرحلنا ... خلق من الريح في أشياخ ظلمان (١)
كأن إفلاتها والفجر يأخذها ... أفلات صادرة عن صوت مرنان (٢)
تنساب في الليل لا ترعى لهاجسة ... كأنني راكب في رأس ثعبان (٣)
следующие страницы →