Полный текст (1 636 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
سعدانة: والسعدانة من البعير: هي البلدة (١)، أي تباعد بين عضديها كركرة (٢)، أو بلدة مستديرة كإدارة الفرزوم، وهي الخشبة المدورة التي يحذو عليها الحذاء (٣)، وذلك محمود في الإبل أن يتباعد عضد البعير من زوره في السير.
والكوم: العظام الأسنمة، واحدتها كوماء.
وقوله:
ينسين أصوات الحداة ونبرها ... طرباً لأصوات الصدى والبوم (٤)
أي ألفت صوت الصدى والبوم لكثرة سيرها في الفيافي، حتى صارت تطرب لذلك وتنسى أصوات الحداة.
وهذا من مبالغاته البعيدة الباطلة.
ولو قال: إلفاً لأصوات الصدى كان أشبه بالصواب قليلاً من الطرب.
وهذه أبيات صالحة على ما فيها من التكلف.
... وقال:
الهم والعيس والليل التمام معاً ... ثلاثة أبداً يقرن في قرن (٥)
حوباً حلاً قاسميني الهم يا ابنته ... فقد خلقت لغير الحوض والعطن (٦)
стр. 842
قوله: «حوباً حلا» زجر من زجر الإبل (١)، كأنه زجر ناقته، وقال لها: قاسميني الهم يا ابنته: يا بنت الهم، سيري وانطلقي فقد خلقت لغير الحوض والعطن، أي خلقت لقطع الأسفار لا للإقامة.
ولفظ هذا الأخير رديء، ونسجه قبيح.
وأخذ البحتري معنى الأول فقال:
يا خليلي بالسواجير من ودبـ ... ـن معن وبختر بن عتود (٢)
أطلبا ثالثاً سواي فإني ... رابع العيس والدجى والبيد
... وقال البحتري:
بنات العيد تعتاد الفيافي ... إذا شئنا استمر بها الذميل (٣)
وما طرفا زمان المرء إلا ... مقام يرتضيه أو رحيل
وقال:
وإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو خليل فإنني بالخيار (٤)
وخدان القلاص حولاً إذا قا ... بلن حولاً من أنجم الأسحار
يترقرقن كالسراب وقد خضـ ... ـن غماراً من السراب الجاري (٥)
كالقسي المعطفات بل الأسـ ... ـهم مبرية بل الأوتار (٦)
وهذا من أوصاف الإبل إذا أضمرها السير وهي في غاية الحسن والصحة والحلاوة في اللفظ والنسج.
стр. 843
ومثله في الجودة والحسن قوله:
وهي العيس دهرها في ارتحال ... من حلول أو فرقة من جميع (١)
رب مرت مرت تجاذب قطريـ ... ـه سراباً كالمنهل المشروع (٢)
وسرى تنتحيه بالوخد حتى ... تصدع الليل عن بياض الصديع
كالبري في البرى ويحسبن أحيا ... ناً نسوعاً مجدولة من نسوع (٣)
وقال:
سوف أعطي السلو والصبر ما أمـ ... نع من طارف الهوى أو تليد (٤)
بالمهارى يلبسن لوناً جديداً ... مستفاداً في كل وقت جديد
فهي طول النهار بيض وطول الـ ... ـليل في أقمص من الليل سود
طالبات في الغوث غوثاً سكوباً ... وحميداً في آل عبد الحميد
وهذا كل جيد بالغن وعذب حلو، ومعان لطيفة لائقة.
... وقد أجاد كل واحد منهما وصف إبله على الطريقة التي قصدها واعتمدها، وإن كانت معاني البحتري فيما ذهب إليه من الضمر حلوة جداً.
... فأقول: إنهما في البابين متكافئين.
стр. 844
. ولأبي تمام في وصف الإبل أشياء رديئة لم أكتبها، وفيها قصيدة يصف فيها ناقة حج عليها رديئة جداً أولها:
لعلك ذاكر الطلل القديم ... وموف بالعهود على الرسوم (١)
له فيها ألفاظ مختلفة، ومعان من معاني السوق، وقد تقدم في الباب (٢) قوله:
وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه
لأمر عليهم أن يتم صدوره ... وليس عليهم أن يتم عواقبه
في أبيات ما هي (٣) من ذلك الباب، ثم قال بعدها ما هو من هذا الباب في وصف الإبل، وسبيلها أن تثبت في هذا الباب في أوله:
على كل موار الملاط تهدمت ... عريكته العلياء وانضم حالبه (٤)
رعته الفيافي بعدما كان حقبة ... رعاها وماء الروض ينهل ساكبه
فأضحى الفلا قد جد في بري نحضه ... وكان زماناً قبل ذاك يلاعبه
فكم جزع واد جب ذروة غارب ... ومن قبل كانت أتمكته مذانبه
قوله: «موار الملاط» فالملاط: عضد البعير، وموار: يريد حركته في السير.
وعريكته العلياء: يعني سنامه، تهدمت من طول السفر، وكذا انضم حالبه (٥).
стр. 845
وقوله: «يلاعبه»: لفظة ضعيفة المعنى، وإنما جاء بها من أجل قوله: جد في بري نحضه؛ ليطابق بين الجد واللعب.
أي إن الفلا جد في أخذ لحمه في سيرنا هذا السير، فجعل مكان هذا القول: «وكان زماناً قبل ذاك يلاعبه» على مذهبه في عشق الطباق الذي لا بد له من أن يأتي به وإن حصل المعنى ضعيفاً ركيكاً، وربما كان محالاً.
وقوله: «أتمكنه» أي أسمنت تامكه، وهو سنامه.
والمذانب: مجاري الماء، وهي أبداً معشبة.
... ولئن كانا جميعاً أحسنا في هذا الباب فما وصفا مطيهما بالسرعة وصف مسلم بن الوليد إذ يقول:
إلى الأمام تهادانا بأرحلنا ... خلق من الريح في أشياخ ظلمان (١)
كأن إفلاتها والفجر يأخذها ... أفلات صادرة عن صوت مرنان (٢)
تنساب في الليل لا ترعى لهاجسة ... كأنني راكب في رأس ثعبان (٣)
стр. 846
وقد أفرط الذي يقول، وقد أحسن في إفراطه:
مروح برجليها إذا هي هجرت ... ويمنعها من أن تطير زمامها
وقال الشماخ:
* تكاد تطير من رأي القطيع (١) *
وقال الحطيئة:
وإن نظرت يوماً بموخر عينها ... إلى علم بالغور قلت له ابعد (٢)
стр. 847
* باب الشحوب والتغير من الأسفار
قال أبو تمام:
نظرت إليه فما استتمت لحظها ... حتى تمنت أنها لم تنظر (١)
ورأت شحوباً رابها في وجهه ... ماذا يريبك من جواد مضمر (٢)
غرض الحوادث لا تزال ملمة ... ترميه عن شزر بأم حبوكر (٣)
سدكت به الأقدار حتى إنها ... لتكاد تفجؤه بما لم يقدر (٤)
وهذا ما لا غاية وراءه في الحسن والصحة والبراعة.
قوله: «سدكت به الأقدار»، أي لزمته، وغريت به.
وقال البحتري نحو هذا البيت الأخير ولكن على وجه آخر وأحسن وأجلى، قال:
ولو فاتني المقدور مما أرومه ... بسعي لأدركت الذي لم يقدر (٥)
... وقال أبو تمام:
نكرت فتى ألوى بنضرة وجهه ... وبمائه نكد الخطوب ولومها (٦)
стр. 848
لا تنكري شيمي فإني زائدي ... حزماً حضار النائبات وشيمها (١)
فلقبل أظهر صقل سيف أثره ... فبدا وهذبت القلوب همومها
والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها
حضار النائبات: بيضها، وشيمها: سودها، يريد أنه يزيد في حزمه ومعرفته بالأمور ما يقاسيه من الخير والشر.
وقال:
لا يطرد الهم إلا الهم من رجل ... مقلقل لبنات القفرة النعب (٢)
لا تنكري منه تحديداً تجلله ... فالسيف لا يزدري إن كان ذا شطب (٣)
وهذا كله جيد بالغ حسن نادر.
... وقال البحتري:
ما تنكر الحسناء من متوغل ... في الليل يخلط أينه بسهوده (٤)
قد لوحت منه السهوب وأثرت ... في يمنتيه وعنسه وقتوده
فلفضة السيف المحلى حسنه ... متقلداً ومضاؤه لحديده
تم الباب
... وهذا ما قلت أذكره في آخر الباب من حال قيس بن زهير، والحارث بن مضاض، والبراض.
стр. 849
فأما قيس بن زهير العبسي فإن بني بدر الفزاريين قتلوا أخاه مالكاً فنشبت الحرب بين عبس وذبيان ابني (١) بغيض.
وكان سبب ذلك رهان داحس والغبراء فقتل قيس حذيفة بن بدر وحمل ابن بدر وغيرهما، ودامت (٢) الحرب بينهما دهراً طويلاً حتى كادوا يفنون.
وتشاءمت العرب بقيس، وكان سيداً حكيماً حليماً، فقال: لا أقيم ببلاد قتلت بها سادات قومي ولم أحلم، ولم أقرب، ولم أصلح فقال:
تعلم أن خير الناس ميتاً ... على جفر الهباءة ما يريم (٣)
ولولا ظلمه ما زلت أبكي ... عليه الدهر ما طلع النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم
أظن الحلم دل على قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
ثم خرج ضارباً في البلاد على وجهه متخلياً من كل أهل ومال، وصار إلى بعض نواحي عمان فهلك هناك وله في هلاكه خبر، فهذه غربة قيس.
... وأما غربة الحارث بن مضاض الجرهمي فإنه كان سيد جرهم في زمانه، وكان إلى قومه حجابة بيت الله الحرام بمكة فغلبتهم عليه خزاعة، فخرجوا وتفرقوا في البلاد.
стр. 850
وفي ذلك يقول الحارث:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر (١)
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا ... صروف الليالي والجدود العواثر
ويقال: بل قائل هذه الأبيات بكر بن غالب بن الحارث بن مضاض.
... فأما فتكة البراض، فهو براض بن قيس بن رافع الكناني، أحد بني مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس، وتكته كانت بعروة (٢) الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، وكانت من أجله وقعة «الفجار العظمى» (٣).
وسبب ذلك أن البراض وكان رجلاً شريراً فاتكاً صار إلى النعمان بن المنذر، ولما حضر الموسم جهز اللطيمة إلى سوق عكاظ، وهي من كل المتاع، ولا يقال لها لطيمة إلا إذا كان فيها مسك وطيب، فقال النعمان: من يجيزها؟، قال البراض: أنا أجيزها على قومي بني كنانة (قال: وعلى العرب أجمعين) (٤) قال البراض: وعلى بني كنانة.
قال: نعم، على العرب والعجم، وعلى الجن والإنس، فسار فيها عروة، وأتبعه البراض حتى إذا كان بذي طلال قريباً من خيبر حمل عليه فقتله، وكانت الحرب.
стр. 851
باب
مضت أنواع النسيب (١) كلها، وهذا باب أرسم فيه (٢) الأبواب التي خرجا فيها من النسيب إلى المديح.
اعلم أنهما جميعاً قد تعملا في بعض قصائدهما النسيب، وصلا به النسيب بالمديح، وأعرضا في كثير من أشعارهما عن هذا المعنى، وابتدآ بالمدح منقطعاً عما قبله، وكلا الوجهين قد فعله شعراء الجاهلية والإسلام، وكانوا كثيراً ما يقولون إذا فرغوا من النسيب وأرادوا المدح أو غيره من الأغراض: «فدع ذا»، فتجنبها المتأخرون واستقبحوها، وكذلك قولهم: «فعد عن ذا» وهي عندهم أحسن.
فمما قطعه أبو تمام مما قبله:
هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام (٣)
ثم خرج إلى المدح فقال:
الله أكبر جاء أكبر من جرت ... فتعثرت في كنهه الأوهام
وقال:
حلمتني زعمتم وأراني ... قبل هذا التحليم كنت حليما (٤)
стр. 852
ثم قال:
من رأى بارقاً سرى صامتياً ... جاد نجداً سهولها والحزونا
وقال:
أوما رأت بردى من نسج الصبا ... ورأت خضاب الله وهو خضابي (١)
ثم قال:
لا جود في الأقوام يعلم ما خلا ... جوداً حليفاً في بني عتاب
وقال:
لو رأى الله أن في الشيب فضلاً ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا (٢)
ثم قال:
كل يوم تبدي صروف الليالي ... خلفاً من أبي سعيد غريبا (٣)
وقال:
كأن له ديناً على كل مشرق ... من الأرض أو ثأراً لدى كل مغرب (٤)
ثم قال:
رأيت لعياش خلاق لم تكن ... لتكمل إلا في الباب المهذب
وقال:
حلت نطف منها لنكس وذو الحجا ... يداف له سم من العيش منقع (٥)
стр. 853
ثم قال:
لقد آسف الأعداء مجد ابن يوسف ... وذو النقص في الدنيا بذي الفصل مولع
وقال:
فلم ترحل كناجية المهارى ... ولم تركب همومك كالزماع (١)
ثم قال:
بمهدي بن أصرم عاد عودي ... إلى إيراقه وامتد بارعي
... ومن ذلك قول البحتري:
توهمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النوم أو مالت بأعطافها الخمر (٢)
ثم قال:
لعمرك ما الدنيا بناقصة الجدا ... إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر
وقال:
ومن يطلع شرف الأربعين ... يلاق من الشيب زوراً غريبا (٣)
ثم قال:
بلونا ضرائب من قد ترى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا
وقال:
تأبى رباه أن تجيب ولم يكن ... مستخبر ليجيب حتى يفهما (٤)
стр. 854
ثم قال:
الله جار بني المدبر كلما ... ذكر المكارم ما أعف وأكرما (١)
وقال:
وكم من يد لليل عندي جميلة ... وللصبح من خطب تذم غوائله (٢)
ثم قال:
وقد قلت للمعلي إلى المجد طرفه ... دع المجد فالفتح بن خاقان شاغله (٣)
وقال في وصف الغيث:
فصاغ ما صاغ من حلي ومن حلل ... ما يمتع العين من وشي وديباج (٤)
ثم قال:
إلى علي بني الفياض بلغني ... سراي من حيث لا يسرى وإدلاجي (٥)
وقال:
ما كان هجرك مكروهاً أحاذره ... ولا وصالك معروفاً أرجيه (٦)
ثم قال:
بنو ثوابة أقمار إذا طلعت ... لم يلبث الليل أن ينجاب داجيه
стр. 855
وقال:
أميل بقلبي عنك ثم أرده ... وأعذر نفسي فيك ثم ألومها (١)
ثم قال:
إذا المهتدي بالله عدت خلاله ... حسبت سماء كاثرتك نجومها (٢)
وقال:
وهل هي إلا لوعة مستسرة ... يذيب الحشا والقلب وجداً غليلها (٣)
ثم قال:
ولولا معالي أحمد بن محمد ... لأضحت ديار الحمد وحشاً طلولها (٤)
فهذا الجنس من الخروج إلى المدح هو الأعم في أشعارهما.
... وأما الوجه الذي يجعلون (٥) له سبباً يصل النسيب بالمدح فعلى معاني شتى: منها الخروج بذكر وصف الإبل والمهامه إلى الممدوح، وهذا المعنى عام كثير في أشعار الناس.
فمن ذلك قول أبي تمام:
يصبرني إن ضقت ذرعاً بحبه ... ويجزع أن ضاقت عليه خلاخله (٦)
стр. 856
ثم خرج إلى مدح المعتصم فقال:
إليك أمير المؤمنين وقد أتى ... عليها الملا أدماثه وجراوله (١)
نصرن السرى بالوخد في كل صحصح ... وبالسهد الموصول والنوم خاذله (٢)
رواحلنا قد بزنا الهم أمرها ... إلى أن حسبنا أنهن رواحله
إذا خلع الليل النهار رأيتها ... بإرقالها في كل وجه تقابله (٣)
إلى قطب الدنيا الذي لو بمدحه ... مدحت بني الدنيا كفتهم فضائله
الملا -المقصور-: المتسع من الأرض.
والأدماث: جمع دمث وهي الأرض اللينة.
والجراول: جمع جرول، وهي الأرض الخشنة ذات الحجارة.
ومنه قول أبي تمام أيضاً:
اليوم يسليك عن طيف ألم وعن ... بلى الرسوم بلاء الأينق الرسم (٤)
من القلاص اللواتي في حقائبها ... بضاعة غير مزجاة من الكلم
إذا بلغنا أبا كلثوم اتصلت ... تلك المنى وأخذن الحاج من أمم
ومن ذلك قوله:
سيبتعث الركاب وراكبيها ... فتى كالسيف هجعته غرار (٥)
стр. 857
أطل على طلى الآفاق حتى ... كأن الأرض في عينيه دار (١)
تؤم أبا الحسين وكان قدماً ... فتى أعمار موعده قصار
وقوله:
وبساط كأنما الآل فيه ... وعليه سحق الملاء الرحيض (٢)
يصبح الداعري ذو المرة المر ... جم فيه كأنه مأبوض (٣)
قد فضضنا من بيده خاتم الخو ... ف وما كل خاتم مفضوض
بالمهارى يجلن فيه وقد جا ... لت على مستماتهن الغروض (٤)
جازعات سود المهامه تهديـ ... ـها وجوه لمكرماتك بيض (٥)
وقوله:
فاطلب هدواً بالتقلل واستثر ... بالعيس من تحت السهاد هجودا (٦)
من كل معطية على علل السرى ... وخداً يبيت النوم منه شريدا
تخدي بمنصلت يظل إذا ونى ... ضرباؤه حلساً لها وقتودا
стр. 858
جعل الدجى ستراً وودع راضياً ... بالهون يتخد القعود قعودا (١)
طلبت ربيع الممهى لها ... ووردن ظل رواقه الممدودا (٢)
قوله: «فاطلب هدواً في التقلل» من قول عروة بن الورد:
* ولم تدر أني للمقام أطوف *
وقوله: «الممهى لها» أي الذي أكثرت مياهه، ويروى «الممهى» لها أي الذي يكثر لها الماء، وليس يريد الماء بعينه، وإنما يريد الخصب والسعة لأنه بالماء يكون.
وهذا الخروج كله جيد بالغ.
وله على هذا الوجه خروجات رديئة ومتوسطة لم أذكرها، ومنها قوله:
دع عنك هذا إذا انتقلت إلى الـ ... ـمدح وشب سهله بمقتضبه (٣)
فالسهل: ما يأتيه به خاطره عفواً من غير فكر ولا طلب.
والمقتضب ما يقتطعه خاطره اقتطاعاً بالفكر والتعب، ويقال: ناقة قضيب، وهي التي ريضت ولم تذل كل الذل للحمل والركوب.
فأما قول البحتري لإبراهيم بن المدبر (٤) في عتاب حلو:
دع ذا وأخبرني بشأن صديقنا ... بشر وهل يرضى لبشر شان (٥)
стр. 859
فإن «دع» ها هنا حسنة وليست مثلها في الخروج من النسيب إلى المدح.
ثم قال أبو تمام هو قوله: «دع عنك هذا»:
لست من العيس أو أكلفها ... وخداً يداوي المريض من وصبه (١)
إلى المصفى مجداً أبي الحسن انـ ... ـصعن انصياع الكدري في قربه (٢)
قوله: «يداوي المريض»، يعني المريض في حاله لا في جسمه؛ لأنه يدنيه من الغنى.
والانصياع: الانحراف في السير من النشاط والسرعة، والكدري القطا.
يعني إذا جنحت في الطيران وانحرفت نشيطة مسرعة.
... ومن هذا الباب قول البحتري:
فالعيس ترمي بأيديها على عجل ... في مهمه مثل ظهر الترس رحراح (٣)
نهدي إلى الفتح والنعمى بذاك له ... مدحاً يقصر عنه كل مدح (٤)
وقوله:
سيحمل همي عن قريب وهمتي ... قرى كل ذيال جلال جلنفع (٥)
стр. 860
يناهبن أجواز الفيافي بأرجل ... عجال إلى طي الفيافي وأذرع (١)
متى تبلغ الفتح بن خاقان لا تنخ ... بضنك ولا تفزع إلى غير مفزع
الجلنفع: المتناهي في سنه وقوته (٢).
«يناهبن أجواز الفيافي. . .» بيت في غاية الحسن، وجودة اللفظ.
وقول البحتري أيضاً:
ولقد تعسفت الأمور وصاحبي ... حزم يلف حزونها بسهولها (٣)
ونشرت أردية الصبا وطويتها ... بالعيس بين وجيفها وذميلها (٤)
شامت بروق سحابة قرشية ... غرقت صروف الدهر بين سيولها (٥)
وقوله:
وإذا استصعبت مقادة أمر ... سهلتها أيدي المهارى القود (٦)
حاملات وفد الثناء إلى أبـ ... ـلج صب إلى ثناء الوفود
علقوا من محمد خير حبل ... لرواق الخلافة الممدود (٧)
وقوله:
تشكى الوجى والليل ملتبس الدجى ... غريرية الأنساب مرت بقيعها (٨)
стр. 861
ولست بزوار الملوك على الونى ... لئن لم تجل أغراضها ونسوعها (١)
تؤم القصور البيض من أرض بابل ... بحيث تلاقى غردها وبديعها (٢)
إذا أشرف البرج المطل رمينه ... بأبصار خوص قد أرنت قطوعها (٣)
يضيء لها قصد السرى لمعانه ... إذا اسود من ظلماء ليل هزيعها
نزور أمير المؤمنين ودونه ... سهوب البلاد رحبها ووسيعها
وهذه ألفاظ ومعان في غاية الصحة والحسن، وكثرة الماء.
وقوله: «عريرية» منسوبة إلى فحل من فحول الإبل مذكور يقال له: غرير، وغردها بديعها: قصران.
... وقال في ابن المدبر:
إنني لاجيء إلى عزمات ... معديات على طريق الهموم (٤)
يتلاعبن بالفيافي ويوديـ ... ـن بنقي المسومات الكوم (٥)
الترامي بعد الوجيف إذا استؤ ... نف خرق والوخد بعد الرسيم (٦)
كل مهزوزة المقذين تلقى ... روحة الجاب خلفها والظليم (٧)
стр. 862
جنحا كالسمام يحملن ركباً ... طلحا من ضئولة وسهوم (١)
ما لهم عرجة وإن نأت الشقـ ... ـقة دون الأغر إبراهيم (٢)
قوله: «مهزوزة المقذين»، فالمقذان: أصول الأذنين، وإنما يريد حركة رأسها عند السير، وما أكثر ما تصف العرب ذلك.
وقوله: «تلقى روحة الجأب» إذا سارت مع حمار الوحش، والظليم، وهو ذكر النعام، فوصلت غدوة وصلا بعدها عشياً، يصفها بالسرعة والقوة على السير.
والسمام (٣): جنس من الطير.
وجنح يجنح في طيرانه، أي يميل من النشاط على أحد جناحيه وكذلك تفعل كرائم (٤) الإبل تتصرف في سيرها.
وقوله:
قد أقذف العيس في ليل كأن له ... وشياً من النور أو أرضاً من العشب (٥)
حتى إذا ما انجلت أخزاه عن أفق ... مضمخ بالصباح الورد مختضب
أوردت صادية الآمال فانصرفت ... عني بها وأخذت النجح من كثب (٦)
стр. 863
هاتيك أخلاق إسماعيل في تعب ... من العلا والعلا منهن في تعب (١)
أراد أوردت (٢) صادية الآمال بها أي بالعيس فانصرف عني (٣) الآمال الصادية، وهي العطاش، وأخذت النجح من كثب، أي من قرب.
وقوله: «في ليل كأن له وشياً من النور» أي في ليل شديد الظلمة، فإذا اشتدت ظلمته أشرقت كواكبه ما صغر منها وما كبر، وأحسن ما تكون السماء إذا كانت هذه حالها.
وإلى هذا المعنى ذهب ذو الرمة في قوله:
وليل كجلباب العروس أدرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد (٤)
أراد الحلي الذي على جلبابها، شبه الليل به في حسن نجومه، وإنما يريد أنه ادرع ليلاً شديد الظلمة، مضيء الكواكب.
... وفي شدة ظلمة الليل يقول البحتري أيضاً:
والليل في صبغ الغراب كأنما ... هو في حلوكته وإن لم يتعب (٥)
حتى تجلى الصبح من جنباته ... كالماء يلمع في خلال الطحلب (٦)
وهذا معنى ما سمعت في شعر قديم ولا محدث أحسن ولا أروع منه.
стр. 864
ثم قال:
والعيس تنصل من دجاه كما انجلى ... صبغ الشباب عن القذال الأشيب (١)
ثم قال:
والعيس تنصل من دجاه كما انجلى ... صبغ الشباب عن القذال الأشيب (١)
يطلبن مجتمع العلا من وائل ... في ذلك الأصل الزكي الطيب (٢)
... وقال البحتري:
سوف أعطي السلو والصبر ما أمـ ... ـنع من طارف الهوى وتليد (٣)
بالمهارى يلبسن ثوباً جديداً ... مستفاداً في كل وقت جديد
فهي طول النهار بيض وطول الـ ... ـليل في أقمص من الليل سود
طالبات في الغيث غيثاً سكوباً ... وحميداً في آل عبد الحميد (٤)
وقال محمد بن علي القمي:
لقد علمت عيدية العيس أنني ... أهب إذا نام الهدان وأعنق (٥)
خرجنا بها في البيض بيضاً لم نر الد ... دآديء إلا وهي منهن أمحق (٦)
هشمن إلى ابن الهاشمية أوجها ... عوابس للظلماء ما تتطلق (٧)
قوله: «خرجنا بها في البيض»، يريد في الليالي البيض، وهي التي يكون القمر فيها طالعاً من أولها إلى آخرها.
وقوله: «بيضاً»: يريد الآدم من الإبل، وهو الأبيض، فإن خالطته
стр. 865
حمرة فهو أصهب، وأظنه قال ها هنا بيضاً أراد حسنها وصفاء ألوانها وسمنها.
والدآدي: هي الليالي في آخر الشهر، وهي مظلمة.
أي لم نصل إليها حتى هزلت مطايانا، وصارت أمحق منها، وإنما جعل الدآدي ممحقة لأنها آخر الشهر (١).
والهدان: الرجل البليد الذي ترضيه بالكلمة فيرضى.
... وقال:
وأرى المطايا لا قصور بها ... عن ليل سامراء تدرعه (٢)
يطلبن عند فتى ربيعة ما ... عند الربيع تخايلت بقعه
قوله: «تخايلت»، أي صارت مخيلة للنبات، ظاهراً ذلك فيها، أو أن يريد صارت كالخيلان من النبات.
وقال:
كالبرى في البرى ويحسبن أحيا ... ناً نسوعاً مجدولة في النسوع (٣)
أبلغتنا محمداً فحمدنا ... حسن ذاك المرئي والمسموع (٤)
وقال:
وما ثنى مستهاماً عن صبابته ... مثل الزماع ووجد العرمس الأجد (٥)
стр. 866
إلى أبي نهشل ظلت ركائبنا ... يحدن من بلد ناء إلى بلد (١)
إلى فتى مشرق الأخلاق لو سبكت ... أخلاقه من شعاع الشمس لم تزد
وقد جعل البحتري مكان الناقة ها هنا فرساً فقال في مدح الشاه بن ميكال:
فتناس من لم ترج رجعة وده ... ووصاله فتعز عن ذكراه (٢)
بمجنب رحب الفروج مشذب ... نابي القذال حديدة أذناه (٣)
ضافي السبيب مقلص لم تنخزل ... منه القطاة ولم تخنه شظاه (٤)
صافي الأديم كأن غرة وجهه ... فلق الصباح انجاب عنه دجاه
يجري إذا جرت الجياد على الونى ... فيبذ أولى جريها أخراه
يدنيك من ملك أغر سميذع ... يدنيك من أقصى مناه رضاه (٥)
... وقد خرج أبو تمام من المدح بوصف الخيل أيضاً فقال:
حذوناها الوجى والأين حتى ... تجاوزت الركوع إلى السجود (٦)
إذا خرجت من الغمرات قلنا ... خرجت حبائساً إن لم تعودي
стр. 867
فكم من سؤدد أمكنت منه ... برمته على أن لم تسودي
أهانك للطراد ولم تهوني ... عليه وللقياد أبو سعيد (١)
... وقد جعل البحتري أيضاً السفينة بمكان الناقة فقال:
ورمت بنا سمت العراق أيانق ... سحم الخدود لغامهن الطحلب (٢)
من كل طائرة بخمس خوافق ... دعج كما ذعر الظليم المهذب (٣)
يحملن كل مفرق في همة ... فضل يضيق لها الفضاء السبسب (٤)
ركبوا الفرات وأملوا ... نشوان يبدع في السماح ويغرب (٥)
قوله: أيانق جمع أينق، وهو جمع ناقة.
وهذا من المقلوب الذي جاء في كلامهم؛ لأن النون من شأنها أن تتقدم الياء، فلو جاء على الاستقامة لكان أنيق (٦) وأنايق، وهذا مثل ملك وملائكة، والأصل مألك ومآلكة.
وقوله: «سحم الخدود»، يريد سواد القار.
ولغامهن الطحلب: يريد الخضرة التي تتعلق بالسفن من طول المكث في الماء.
وقوله: «خمس خوافق» يريد أربعة مجاديف، وسكان، أو قائم الشراع.
ودعج: سواد القار أيضاً.
стр. 868
وقوله: «كما ذعر الظليم» يريد سرعة السفن، وانبعاثها كما ينبعث الظليم ويجفل إذا فزع.
والإهذاب: السرعة.
وقوله يحملن كل مفرق أي متقسم في همة فضل أي همة واحدة يضيق لها الفضاء لعظمها وسعتها.
والفضل: الثوب الواحد الذي يقتصر (١) عليه الرجل والمرأة ويبتذله للأعمال قال امرؤ القيس:
* لم تنتطق عن تفضل (٢) *
وأظن البحتري أراد بقوله: «فضل» أي همة واحدة (٣) وجهوها (٤) إليك دون من سواك، وجعلها عظيمة على قدر الممدوح، أي اتسعت الهمة فيك وعظمت؛ قد تقسمته وصار لا فضل فيه لغيرها.
وهذه أبيات حسان.
стр. 869
وقد قال أبو تمام في السفينة والمسير فيها إلى الممدوح في قصيدة أولها:
دنف بكى آيات ربع مدنف ... لولا نسيم ترابه لم يعرف (١)
أبياتاً رديئة جداً لم أكتبها (٢).
والجيد النادر في وصف السفينة قول بشار يذكر مسيره إلى المهدي:
وعذراء لا تجري بلحم ولا دم ... قليلة شكوى الأين ملجمة الدبر (٣)
إذا طعنت فيها القبول تشمصت ... بفرسانها لا في وعوث ولا وعر (٤)
وإن قصدت مرت على متنصب ... رأيت نفوس القوم من جريها تجري (٦)
سمونا إلى المهدي قصداً وإنما ... قطعنا بها أمواج بحر إلى بحر (٧)
فبلغ سيبويه قوله: «نينان البحور» فأنكر ذلك، وزعم أن العرب لا تجمع النون -وهو الحوت- وعلى نينان، فبلغ ذلك بشاراً، فقال: ويحه: أما يقول: حوت وحيتان، وغول وغيلان، فكذلك نون
стр. 870
ونينان، وتوعد سيبويه ولدغه فكف سيبويه عن تتبع شعره، واحتج بشيء منه تقرباً إليه، واستكفافاً لشره.
... وللبحتري في الخروج إلى المديح بذكر الإبل غير شيء لو استقصيته، وأتيت بجميع ما لأبي تمام فيه لطال الباب، وما تركت لهما إلا وسطاً ليس بجيد ولا رديء.
... ولا خفاء بفضل البحتري في سائر ما أوردته على أبي تمام.
стр. 871
وهذا وجه آخر من الخروج و خروجهما إلى المديح بمخاطبة النساء
فمن ذلك قول (١) أبي تمام:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي (٢)
وتنظري خبب الركاب يحثها ... محيي القريض إلى مميت المال
وهذا معنى لطيف حسن.
... ومنه قول البحتري:
ولم أنسها عند الوداع ونثرها ... سوابق دمع أعجلت أن تنظما (٣)
وقالت هل الفتح بن خاقان معقب ... رضا فيعود الشمل منا ملاما
وقوله:
قامت تودعني عجلى وقد بدرت ... سوابق من توأم الدمع تجريها (٤)
واستنكرت ظعني عنها فقلت لها ... إلى الخليفة أنضى العيس منضيها (٥)
وما أكثر ما يستعمل الشعراء في خروجهم (٦) إلى المدح هذا الوجه.
стр. 872
ومن جيد ذلك قول جرير:
تعزت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوي لقاح (١)
تعلل وهي ساغبة بنيها ... بأنفاس من الشبم القراح (٢)
سأمتاح البحور فجنبيني ... أذاة اللوم وانتظري امتياحي
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
стр. 873
وربما خرجا إلى المدح بيمين يحلفان بها
ومن ذلك قول أبي تمام:
حلفت برب البيض تدمى نحورها ... ورب القنا المنآد والمقتصد (١)
لقد كف سيف الصامتي محمد ... تباريح ثأر الصامتي محمد (٢)
فالبيض: هي الأدم من الإبل، يقال: بعير آدم إذا كان أبيض.
وقوله: «تباريح ثأر» أراد أن سيفه كف تباريح ثأره، أي كف ما برح به من الثأر حتى أدركه.
ومن ذلك قوله:
لا والذي عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم (٣)
ما زلت عن سنن الضمير ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم (٤)
... ومن ذلك قول البحتري:
حلفت بما حجت قريش وحجبت ... وحاز المصلى والحطيم وزمزم (٥)
стр. 874
وأهل منى إذا جاوزوا الخيف من منى ... وهم عصب شتى محل ومحرم (١)
يلهون من حيث ابتدا الصبح يرتقي ... سناه إلى حيث انتهى الليل يظلم (٢)
لقد جشم الفتح بن خاقان خطة ... من المجد لا يسطيعها المتجشم
ومن ذلك قوله: وشمائل الحسن بن وهب إنها ... في المجد ذات شمائل وجنائب (٣)
ليقصرن لجاج شوق غالب ... وليقصرن لجاج دمع ساكب (٤)
... وهما في هذا الباب متكافئان.
стр. 875
وربما خرجا إلى المديح بذكر الغيث ومباراته
فمن ذلك قول أبي تمام:
أيها الغيث حي أهلاً بمغدا ... ك وعند السرى وحين يئوب (١)
لأبي جعفر خلائق تحكيـ ... ـهن قد يشبه النجيب النجيب
وهذا ليس بالشهي، ولا الحلو العذب.
والجيد النادر قول البحتري:
أقول لثجاج الغمام وقد سرى ... بمحتفل الشؤبوب صاب فعمما (٢)
أقل وأكثر لست تبلغ غاية ... تبين بها حتى تضارع هيثما (٣)
وأجود من هذا وأحلى وأبلغ قوله يمدح المتوكل:
قد قلت للغيث الركام ولج في ... إبراقه وألح في إرعاده (٤)
لا تعرضن لجعفر متشبهاً ... بندى يديه فلست من أنداده
ومن الجيد النادر في هذا الباب أيضاً قوله:
رباع تردت في الرياض مجودة ... بكل جديد الماء عذب الموارد (٥)
стр. 876
إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد (١)
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد
وقال:
سقيت رباك بكل نوء جاعل ... من وبله حقاً لها معلوما (٢)
فلو أنني أعطيت فيهن المنى ... لسقيتهن بكف إبراهيما (٣)
بسحابة غراء متئمة إذا ... كان الجهام من السحاب عقيما (٤)
فقوله: «سقيت رباك» بيت ليس بالبارع لفظاً ولا معنى، وما بعده جيد حلو.
وإنما خص الجهام لأنه الذي قد كان فيه ماء فأراقه، ومثله لا يكون عقيماً، جعله كالمرأة الوالد.
وقال أبو تمام في هذا المعنى أيضاً:
شجاً في الحشا ترداده ليس يفتر ... به ضمن آمالي وإني لمفطر (٥)
حلفت بمستن المنى تسترشها ... سحابة كف بالرغائب تمطر
إذا درجت فيه الصبا كفكفت لها ... وقام يباريها أبو الفضل جعفر (٦)
وهذه ألفاظ ومعان ونسج في غاية الرداءة والهجانة، والبعد من البلاغة والبراعة، على ما فيها من التعقيد واتفاق المعاني.
فقوله: «حلفت» يعني نفسه.
стр. 877
و «مستن المنى»: المحل الذي يستن فيه المنى، أي يطرد، يذهب ويجيء ويكثر، يريد محل الممدوح وساحته.
وقوله: «يسترشها» إنما أراد يسترش سحابة كف فقال: «يسترشها» فقدم الكناية، وجعل «سحابة كف» بدلاً من الهاء والألف.
يقول: حللت بمحل تستن فيه المنى، وتطلب رشاش سحابة كف.
وقوله: «إذا درجت فيه الصبا» يريد في مستن المنى، كفكفت لها أي للسحابة.
وكفكفت: أي دنت وقربت.
و «قام يباريها» أي يباري الصبا بسحابة كفه أبو الفضل جعفر.
وهذان البيتان لا يتصلان بالبيت الأول، وإنما كان وجه الكلام أن يقول: شجاً في الحشا كان ترداده ليس يفتر، وكانت آمالي به صائمة، فحللت بمستن منى من حاله وصفته، حتى يتصل الكلام بعضه ببعض.
والحذف والاختصار في كلام العرب موجود، ولكن ليس في مثل هذا.
... ومن هذا الباب، وفيه بعض الغموض، قوله:
إن الذي خلق الخلائق قاتها ... أقواتها لتصرف الأحراس (١)
فالأرض معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس
يريد أن الله تعالى، جعل أقوات عباده من وجوه مختلفة على قدر أزمانها.
والأحراس: الدهور، واحدها حرس.
стр. 878
يقول: فالأرض إنما تحيا بما تقريها السماء من الغيث، وبنو الرجاء لهم بنو العباس، أي بنو الرجاء بنو العباس لهم، أي لهم عصمة، كما يقال: الله لك، أي معين ومغيث.
ويجوز أن يكون أبو تمام ذهب في ذكر الأرض والغيث ها هنا (١) وجعل بني العباس رجاء الناس لذلك؛ لأن الناس في أيام عمر بن الخطاب رحمة الله عليه احتبس عنهم المطر فأخذ عمر بضبع العباس وقال: اللهم إن هذا عم نبيك، اللهم اسقنا غيثك، فما برح الناس حتى وافاهم المطر، فلعل أبا تمام ذهب إلى هذا المعنى، والله أعلم.
والبيتان رديئان نسجاً ولفظاً.
ولا محالة أن البحتري أيضاً في هذا الباب يتقدم أبا تمام.
стр. 879
وهذا وجه آخر في خروجهما إلى المدح وهو وصف الرياح، وتشبيه أخلاق الممدوح بها
فمن ذلك قول أبي تمام:
من فاقع غض النبات كأنه ... دور يشقق قبل ثم يزعفر (١)
صنع الذي لولا بدائع صنعه ... ما عاد أصفر بعد إذ هو أخضر
خلق أطال من الربيع كأنه ... خلق الإمام وهديه المتيسر
فقوله: «خلق أطل كأنه خلق الإمام» معنى صحيح.
«وهديه المتيسر» فالهدي: سمته ودله وشكله، و «المتيسر» قافية رديئة جداً.
... ومثله قول البحتري:
ويريك الأحباب يوم تلاق ... باعتناق الحوذان والأقحوان (٢)
صاغ منها الربيع شكلاً لأخلا ... ق حسين ذي الجود والإحسان (٣)
وهذا أيضاً خروج ليست له قوة لفظ ولا حلاوة فيه ولا معنى.
стр. 880
وهذا وجه آخر من خروجهما إلى المدح
منه قول أبي تمام:
صب الفراق علينا صب من كثب ... عليه إسحاق يوم الروع منتقما (١)
وهذا خروج حسن (٢)
وقال أيضاً:
فليبلغ الفتيان عني مألكاً ... أني متى يتثلموا أتهدم (٣)
ولتعلم الأيام أني فتها ... بأبي الحسين محمد بن الهيثم
قوله: «مألكاً»: جمع مألكة، وهي الرسالة، ونصبها على الحال.
وقال أبو تمام أيضاً:
وعاذل هاج لي باللوم مأربة ... باتت عليها هموم الصدر تصطخب (٤)
لما أطال ارتجال العذل قلت له ... الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب
لم يجتمع قط في مصر ولا طرف ... محمد بن أبي مروان والنوب (٥)
قوله: «الحزم يثني خطوب الدهر» ليس بواجب قاطع على كل حال، ولو كان ذلك كذلك لما رأيت حازماً قط يصيبه خطب من الدهر يكرهه، ولكنه لما كان الحزم قد يفعل ذلك صلح أن يذكره.
следующие страницы →